Полный текст (543 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الضرب الداخل من جس العيدان في كل خارج، ويدهمه من ابن أبي النصر أبناء حرب شرف في أنساب الوقائع جدُّهم، ورد الجموع الصحيحة إلى لتكسير فردهم، وإذا كثرت الخدود وتوردت بالدماء عذرت بورق الحديد الأخضر مردهم، إذا امتدوا إلى آمد تلا لهم حصنها في سورة الفتح قبل القتال، فإنهم مريدون ولهم شيخ منحه الله بكثرة الفتوح والإقبال، وإذا صرفوا الهمم المؤيدية لم تكن حصونهم عند ذلك الصرف مانعة، ولم يسمع لسكانها مجادلة إذا صدموا بالحديد وتلت حصونهم في الواقعة، وما خفي عن كريم علمه ما جمعه الناصر من الجموع التي فرقها الله أيدي سبأ، وكم سئل سائل وقد رآهم في النازعات عن ذلك العصر بالنبأ، وقد أشار منشىء دولتنا الشريفة إلى ذلك في قصيد كامل بحره والقصد هنا من أبيات ذلك القصيد قوله:
يا حامي الحرمين والأقصى ومن ... لولاه لم يسمر بمكة سامِرُ
والله إنَّ الله نحوك ناظرٌ ... هذا وما في العالمين مناظر
زحف على المخون نظّم عسكراً ... وأطاعه في النظم بحرٌ وافر
فانبتّ منه زحافه في وقعةٍ ... يا من بأحوال الوقائع شاعر
وجميع هاتيك البغاة بأسرهم
стр. 387
.. دارت عليهم من سطاك دوائر
وعلى ظهور الخيل ماتوا خيفةً ... فكأنّ هاتيك السروج مقابر
وما خفي عن علمه الكريم أمر الذين نقضوا بيعتنا واشتروا الضلالة بالهدى، ودعوا سيوفهم الصقيلة لما حاق بهم المكر السيىء فأجابهم الصدى، ولم يكن في حرارة عزمنا الشريف عند عصيانهم البارد فترة، حتى أظهرنا بألوان الشام من دمائهم على تدبيج الدروع ألوان البصرة، وأخذوا سريعاً بشان حرب ما شابت عوارضهم إلا بغبار الوقائع، وحكم برشدهم ولم يخرجوا من تحت حجر المعامع، وقد اسبغ الله ظلال الملك وخيم به على الدولتين، ولم يظهر لمحراب بهجة إلا بهاتين القبلتين، ولو صلت السيوف لغيرهما ما قبلت، أو صرفت العوامل إلى غير نحوهما ما علمت، فقد فهمنا كريم الالتفات إلى أن تدار كؤوس الإنشاء بيننا ممزوجة بصافي المودة، وعلمنا أنها أحكام صحيحة في شرع الأخوة ولهذه الأحكام عندنا عمدة، وقد سابق القصد اليوسفي بسهام مراده إلى الغرض، وقضى حاجة في نفس يعقوب المحبة ليس عنها عوض، ولم يبق إلا اتصال شمل الأوصال بكل رسالة سطورها في رقاع الأخوة محققة، وتصديق ما يقصده في كريم جوابه فإن القصة اليوسفية ما برحت مصدقة،
стр. 388
والله تعالى يمتع الأبصار والأسماع بمشاهدة أمثلته وطيب أخباره، ويفكهنا من بين أوراقها بشهيِّ ثماره، إن شاء الله تعالى انتهى ما دنت قطوفه من ثمرات الأوراق، وحلا في الأذواق السليمة وراق.
وهذا ذيل ثمرات الأوراق للإمام تقي الدين بن حجة رحمه الله تعالى وهي محاضرات لا يستغني عنها وعلي يعول فلذلك ألحقت بالأصل في الطبع وجعلت تتمة للأول.
بسم الله الرحمن الرحيم
يحكى أن هارون الرشيد حج ماشيا وإن سبب ذلك أن أخاه موسى الهادي كانت له جارية تسمى غادر وكانت أحظى الناس عنده وكانت من أحسن النساء وجهاً وغناء فغنت يوما وهو مع جلسائه على الشراب إذ عرض له سهو وفكر وتغير لونه وقطع الشراب فقال الجلساء ما شأنك يا أمير المؤمنين قال قد وقع في قلبي إن جاريتي غادر يتزجها أخي هارون بعدي فقالوا يطيل الله بقاء أمير المؤمنين وكلنا فداؤه فقال ما يزيل هذا ما في نفسي وأمر بإحضار هارون وعرفه ما خطر بباله فاستعطفه وتكلم بما ينبغي أن يتكلم به في تطييب نفسه فلم يقنع بذلك وقال لابد أن تحلف لي قال أفعل وحلف له بكل يمين يحلف بها الناس من طلاق وعتاق وحجٍّ وصدقة وأشياء مؤكدة فسكن ثم قام فدخل على الجارية فأحلفها بمثل ذلك ولم يلبث إلا شهراً ثم مات فلما أفضت الخلافة إلى هارون أرسل إلى
стр. 389
الجارية يخطبها فقالت يا سيدي كيف وبما أيمانك فقال أحلف بكل شيء حلفت به من الصدقة والعتق وغيرهما إلا تزوجتك فتزوجها وحجَّ ماشياً ليمينه وشغف بها أكثر من أخيه حتى كانت تنام فيضجع رأسها في حجره ولا يتحرك حتى تنتبه فبينما هي ذات ليلة نائمة غذ انتبهت فزعة فقال لها مالك قالت رأيت أخاك في المنام الساعة وهو يقول:
أخلفتِ وعدك بعدما ... جاورتُ سكان المقابرْ
ونسيتني وحنثت في ... أيمانك الكذب الفواجر
فظللت في أهل البلاد ... وعدت في الحور الغرائر
ونكحت غادرةً أخي ... صدق الذي سمّاك غادر
لا يهنك الألف الجديد ... ولا تدرّ عنك الدوائر
ولحقت بي قبل الصَّباح ... وصرتِ حيث غدوت صائر
والله يا أمير المؤمنين فكأنها مكتوبة في قلبي ما نسيت منها كلمة فقال الرشيد هذه أضغاث أحلام فقالت كلا والله ما أملك نفسي وما زالت ترتعد حتى ماتت بعد ساعة.
وحكى ابن أبي حجلة في كتابه سلوك السنن إلى وصف السكن أخبرني شمس الدين محمد بن فراج
стр. 390
الحسيني أخبرنا شيخنا أثير الدين أبو حيان أنبأنا فتح الدين بن الدمياطية قال رأيت في النام شيخاً حسن الصورة والمشية وعليه مزدوجة وكأنا نمشي في طريق وأنا راكب دابة فقلت له رافقني فقال ليس الماشي برفيق الراكب فقلت إركب أنت وأمشي أنا فقال المسئلة بحالها ثم أفضنا في الحديث فسألني ما صنعتك فقلت كاتب فقال كاتب إحسان أو كاتب إنشاء فقلت شيء من هذا وشيء من هذا فقال ما يدَّعي دعواك عبد الرحيم ولا عبد الحميد ثم قال هل تنظم الشعر قلت نعم قال أنشدني وكنت قد عملت قصيداً حجازياً وكنت أستجيده فأنشدته إلى أن بلغت قولي:
تركوا بماء النيل ماءً سلسلاً ... وترشّفوا ماء الثمار مكدّرا
فقال لي لا شيء فقلت لم قلت ذلك وما عيب هذا البيت فقال لو قلت صافياً لكان حسناً وكان طباقا لأن الكدر يقابله الصافي قلت له هذا حسن فمن أنت يرحمك الله قال أبو مرة قلت لا خير ولا مير قال بك ثم بعد ذلك بشهر رأيته في المنام على الهيئة المتقدمة فسلم عليَّ سلام من يعرفني ثم قال هل تعرف من الشعر الميشوم شيئاً قلت نعم قال فأنشدني وكنت قد عملت قطعة شعر حال ضعفي بالنزلة فأنشدته إياها:
لله ما أشكوه من نزلةٍ ... قد ضرَّ منها ضيق أنفاسي
ومن صداع ضقت ذرعاً به
стр. 391
.. باتت يدي منه على راسي
فقال هذا والله الشعر ثم قال: أضف إليهما:
فأعجب إلى دائين قد عزِّزا ... بثالثٍ من داء إقلاس
وحكي في مرآة الزمان وغيرها من ترجمة شمس الدين توران شاه بن أيوب أخي السلطان صلاح الدين قال محمد بن علي الحكيم الأديب رأيت شمس الدولة بعد موته فمدحته بأبيات فلفّ كفنه ورمى به إلي وقال:
لا تستقلنَّ معروفاً سمحت به ... ميتاً فأمسيت منه عاري بذليَ
ولا تظنّن جوداً شانه بخلٌ ... من بعد بذليَ ملك الشام واليمن
إني خرجت من الدنيا وليس معي ... من كلّ ما ملكت كفّي سوى الكفن
حكي أنه كان ببغداد شخص يعرف بأبي القاسم الطنبوري صاحب نوادر وحكايات وله مداس له مدة سنين كلما انقطع منه موضع جعل عليه رقعة إلى أن صار في غاية الثقل وصار يضرب به المثل فيقال أثقل من مداس أبي القاسم الطنبوري فاتفق أنه دخل سوق الزجاج فقال له سمسار: يا أبا القاسم قد وصل تاجر من حلب ومعه زجاج مذهب قد كسد فابتعه منه وأنا ابيعه لك بعد مدة بمكسب المثل مثلين فإبتاعه بستين ديناراً ثم دخل سوق العطارين فقال سمسار آخر قد
стр. 392
ورد تاجر نصيبين بما ورد في غاية الحسن والرخص ابتعه منه وأنا أبيعه لك بفائدة كثيرة فإبتاعه بستين ديناراً أخرى ثم جعله في الزجاج المذهب ووضعه على رفع في صدر البيت ثم دخل الحمام بغلس فقال له بعض أصدقائه يا أبا القاسم: أشتهي أن تغير مداسك فإنه في غاية الوحاشة وأنت ذو مال فقال السمع والطاعة ولما خرج من الحمام ولبس ثيابه وجد إلى جانب مداسه مداساً جديداً فلبسه ومضى إلى بيته وكان القاضي دخل الحمام يغتسل ففقد مداسه فقال الذي لبس مداسي ما ترك عوضه شيئا فوجدوا مداس أبي القاسم فإنه معروف فكبسوا بيته فوجدوا مداس القاضي عنده فأخذ منه وضرب أبو القاسم وحبس وغرم جملة مال حتى خرج من الحبس فأخذ المداس وألقاه في الدجلة فغاص في الماء فرمى بعض الصيادين شبكة فطلع فيها المداس فقال هذا مداس أبي القاسم والظاهر أنه سقط منه فحمله إلى بيت أبي القاسم فلم يجده فرماه من الطاق إلى بيته فسقط على الرف الذي عليه الزجاج فتبدد ماء الورد وأنكسر الزجاج فلما رأى أبو القاسم ذلك لطم على وجهه وصاح وافقراه أفقرني هذا المداس ثم قام يحفر له في الليل حفرة فسمع الجيران حسَّ الحفرة فظنوا أنه نقب فشكوه
стр. 393
إلى الوالي فأرسل إليه من اعتقله وقال له تنقب على الناس حائطهم اسجنوه ففعلوا فلم يلخج من السجن إلى أن غرم جملة مال فأخذ المداس ورماه في مستراح الخان فسد قصبة المستراح وفاض فكشف الصناع ذلك حتى وقفوا على موضع السد فوجدوا مداس أبي القاسم فحملوه إلى الوالي وحكوا له ما وقع فقال غرموه المصروف جملة فقال ما بقيت أفارق هذا المداس وغسله وجعله على السطح حتى يجف فرآه كلب ظنه رمّة فحمله وعبر به إلى سطح آخر فسقط على امرأة حامل فأرتجفت وأسقطت ولدا ذكراً فنظروا ما السبب فإذا مداس أبي القاسم فرفع إلى الحاكم فقال يجب عليه غرة فابتاع لهم علاماً وخرج وقد افتقر ولم يبق معه شيء فأخذ المداس وجاء به إلى القاضي وحكى له جميع ما اتفق له فيه وقال أشتهي أن يكتب مونا القاضي بيني وبين هذا المداس مبارأة بأنه ليس مني ولست منه وإني بريء منه ومهما فعله يؤاخذ به ويلزمه فقد أفقرني فضحك القاضي ووصله بشيء ومضى وانتهى.
هذه قصيدة ليزيد بن معاوية وهي عزيزة الوجود:
وسربٍ كعين الديك ميلٍ إلى الصبا ... رواتعُ الحاديَ سود المدامع
سمعن غناءً بعد ما عنَّ نومةً ... من الليل يمللهنّ فوق المضاجع
أيا دهر هل شرخ الشبيبة راجعٌ
стр. 394
.. مع الخفرات البيض أو غير راجع
قنعت بزورٍ من خيال بعثنه ... وكنت بوصلٍ منهُمُ غيرُ قانع
إذا رمت من ليلى على البعد نظرةً ... لتطفي جوىً بين الحشا والأضالع
تقول رجال الحيِّ تطمع أن ترى ... لليلى وصالاً من بداء المطامع
وكيف ترى ليلى بعينٍ ترى بها ... سواها وما طهّرتها بالمدامع
أجلُّك يا ليلى عن العين إنّما ... أراك بقلبٍ خاضعٍ لك خاشع
وما سرّ ليلى ما حييت بذائعٍ ... وما عهد ليلى أن تناءت بضائع
ومن غريب ما يحكى أن عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان والدة يزيد بن عبد الملك بن مروان حرمت على اثني عشر من الخلفاء من بني أمية معاوية جدها ويزيد أبوها ومروان أبو زوجها والوليد وسليمان وهشام بنو عبد الملك أولاد زوجها والوليد بن يزيد بن ابنها ويزيد بن الوليد بن زوجها وابراهيم بن مروان بن الوليد بن زوجها أيضاً ويزيد من عبد الملك ابنها ومعاوية بن يزيد بن معاوية أخوها وزوجها عبد الملك بن مروان ولم يتفق ذلك لامرأة غيرها انتهى. وجد بخط قاضي القضاة. شهاب الدين أحمد بن حجر حافظ العصر قال وجد بخط
стр. 395
الشيخ شهاب الدين أحمد بن يحيى ابن أبي حجلة التلمساني قال أنشدني القاضي فخر الدين عبد الوهاب المصري لنفسه في الأهرام سنة خمس وخمسين وسبعمائة وأجاد:
أمباني الأهرام كم من واعظٍ ... صدع القلوب ولم يفُهْ بلسانه
أذْكَرْنَني قولاً تقادم عهدُهُ ... أين الذي الهرمان من بنيانه
هنّ الجبال الشامخات تكاد أن ... تمتدَّ فوقَ الأفق عن كيوانه
لو أن كسرى جالسٌ في سفحها ... لأجلّ مجلسه على إيوانه
ثبتت على حرّ الزمان وبرده ... مدداً ولم تأسف على حدثانه
والشمس في إحراقها والريح عن ... د هبوبها والسيل في جريانه
هل عابدٌ قد خصّها بعبادةٍ ... فمباني الأهرام من أوثانه
أو قائلٍ يقضي برجعة نفسه ... من بعد فرقته إلى جثمانه
فاختارها لكنوزه ولجسمه ... قبراً ليأمن من أذى طوفانه
أو أنها للسائرات مراصدٌ ... يختار راصدها أعزّ مكانه
أو أنها وضعت بيوت كواكبٍ ... أحكام فُرسِ الدَّهر أو يونانه
أو أنهم نقشوا على حيطانها
стр. 396
.. علماً يحار الفكر في تبيانه
في قلب رائيها ليعلم نقشها ... فكرٌ يعضُّ عليه طرف بنانه
يحكى أن القاضي أبا الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني كان يمر على الناس ولا يسلم عليهم فلامه بعض أصحابه في ذلك فقال:
يقولون لي فيك أنقباضٌ وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذلّ أحجما
ارى الناس من واناهُمُ هان عندهم ... ومن أكرمته عزّة النفس أُكرما
وإني إذا ما فاتني الأمر لم أكن ... أقلِّب كفي إثره متندّما
ولم أقض حقّ العلم إن كان كلّما ... بدا مطمعٌ صيَرته ليَ سُلَّما
وما كلُّ برقٍ لاح لي ستفزّني ... ولا كلُّ من في الأرض أرضاه منعما
إذا قيل هذا منهلٌ قلت قد أرى ... ولكنَّ نفس الحر تحتمل الظما
أنهيتها عن بعض ما لايشينها ... مخافة أقوال العدا فيمَ أو لِما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكنْ لأخدما
أأشقى به غرساً وأجنيه ذلّةً ... إذاً فاتباع الجهل قد كان أ؛ زما
ولو أنّض أهل العلم صانوه صانهم
стр. 397
.. ولو عظّموه في النفوس لَعُظِّما
ولكن أهانوه فهان ودنّسوا ... محيّاه بالأطماع حتى تجهّما
قال شيخ الإسلام تاج الدين عبد الوهاب بن شيخ الإسلام تقي الدين السبكي الشافعي سقى الله عهده لقد صدق هذا القائل لو عظموا العلم عظمهم قال وأنا أقرأ قوله لعظم بفتح العين فإن العلم إذا عظم تعظم وهو في نفسه عظيم ولكن أهانوه فهانوا ولكن الرواية فهان وعظم بضم العين والأحسن ما أشرت إليه انتهى.
قال الشيخ الإمام العالم العلامة تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي في أجوبته عن الاعتراضات التي على جمع الجوامع ومن ظريف ما يستفاد قول أبي نواس:
أباح العراقيُّ النبيذَ وشُرَبَهُ ... وقال حرامان المدامة والسكرُ
وقال الحجازيُّ الشرابان واحدٌ ... فحلِّت لنا من بين قوليهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهما ... وأشربُها لا فَارقَ الوازرَ الوزرُ
وقد سألني الأديب صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي ﵀ عن معنى هذه الأبيات ومعناها أ، العراقي وهو أبو حنيفة ﵀ أباح النبيذ وحرم المدامة وهي الخمر أسكرت أم لم تسكر وحرم أيضاً المسكر من كل شيء وأن الحجازي وهو الشافعي ﵀ قال
стр. 398
الشرابان واحد فأخذ أبو نواس بالموجب فكأنه قال أنهما واحد ولكن في الحل لا في الحرمة وإليه الإشارة بقوله: " فحلّ لنا من بين قوليهما الخمر " ثم هذا إنما ذكره أبو نواس على عادة الشعراء في الكيس والظرافة ولا يقصد حقيقته فإنه لا يقول به أحد ولعله أشار بقوله " سآخذ من قوليهما طرفيهما " إلى آخره أنه لا يعتقده بل هو شاعر كما يقول ولا يفعل كذلك لايعتقد فهو على زعم يشربها وإن لم يعتقد الحل إذ كيف يمكن أن يقال أنه يعتقد الحل وقد قال " لا فارق الوازر الوزر " فهذا إن شاء الله معنى هذه الأبيات وهي على حال من كلمات الشعراء التي لايحتج بها في دين الله تعالى.
أعتلّ ذو الرياستين الفضل بن سهل بخراسان مدة طويلة ثم أبلَّ واستقبل وجلس للناس فدخلوا إليه وهنأوه بالعافية فانصت لهم حتى انقضى كلامهم ثم أندفع فقال إن في العلل لنعما لا ينبغي للعقلاء أن يجهلوها منها تمحيص الذنوب وثواب الصبر وإيقاظ من الغفلة وإذكار بالنعمة في حال الصحة واستدعاء للتوبة وحض على الصدقة ورضاء بقضاء الله وقدره فانصرف الناس بكلامه ونسوا ما قاله غيره انتهى.
وحكي عن ابن المبارك أنه قال حججت إلى بيت الله
стр. 399
الحرام فبينما أنا في الطواف إذ عييت فجلست أستريح ووضعت راسي على ركبتي فغلبني النوم فرأيت النبي ﷺ وهو يقول يا ابن المبارك إذا أنت قضيت حجك وحللت عقدك ورجعت إلى أرض العراق ودخلت دار السلام فأقصد الحلة اليت بها بهرام المجوسي فإذا لقيته فأخبره أن النبي العربي محمد ﷺ يسلم عليه وهو يقول لك أبشر فإن قصرك في الجنة غدا من أقرب القصور إلى قصري قال عبد الله فانتبهت لذلك فزعا مرعوباً وتفكرت ساعة فغلبني النوم ثانيا فرأيت النبي ﷺ أيضاً يقول يا ابن المبارك لا تشك في منامك فهو حق والشيطان لا يتمثل بصورتي قط فإذا قضيت حجَّك وحللت عقدك وأنصرفت إلى العراق فاطلب هذا المجوسي بهرام وبشره بما قلت لك فانتبهت أيضاً مرعوباً واستعذت بالله واستغفرته وتفكرت ساعة فغلبني النوم فنمت فرأيت النبي ﷺ ثالث مرة وهو يقول يا ابن المبارك أنا محمد رسول الله فلا ترتبك في ذلك وامتثل أمري فهو حق فقلت يا رسول الله أريد بذلك علامة ألقاه بها فأخذ رسول كفي بيمينه ثم قال: يا ابن المبارك هذا المجوسي شيخ زمنٌ قد أتى عليه مائة وأربعون سنة وقد ضعف بصره وثقل سمعه وأبيض شعره ودق عظمه
стр. 400
ويبس عصبه وجلده فإذا أتيته وسلمت عليه وبشرته بما قلت لك وطلب منك علامة فأمسح بيدك هذه التي أخذتها بيميني على رأسه ومر بها على وجهه وسائر جسده وبدنه فإنه يعود شاباً ويرجع إليه بصره وسمعه ويسود شعره ويطرى جسده ويقوى عصبه وتعود إليه قوته فانتبهت وأنا كالولهان فلما أن قضيت حجي وحللت عقدي وانصرفت إلى العراق ودخلت بغداد سألت عن دار المجوسي فقلت يا غلام استأذن لي على مولاك فقال الغلام أغريب أنت قلت أجل قال أدخل ليس هنا من يحجبك قال فدخلت إلى دار لم أرّ مثلها وإذا بكتبة ومجوس وصياريف قعود وهم يقبضون الرهون ويعطون الدنانير والدراهم فقلت يا قوم افيكم بهرام فقيل أدخل الدار الثانية فدخلتها فإذا ليس بينها وبين الدار الأولى نسبة بل تفاوت وإذا بشيخ قاعد على دست ومرتبة على الصفة التي وصفها رسول الله ﷺ وحوله جماعة من الكتاب والحساب وبين أيديهم الدنانير والدراهم كالبيادر الصغار وهم في الحساب فسلمت كما أمرني النبي ﷺ فرد علي السلام
стр. 401
وكان قد شد حاجبه بعصابة فرفعها عن عينه ثم قال من الرجل قلت عبد الله بن المبارك فقال مرحباً بك لقد شممت بك رائحةً زال بها الهم عن قلبي أدنُ من فجلست إلى جانبه فقال هل لك من حاجة قلت نعم قال وما هي قلت أرى أن أخلو بك ساعة فقال نعم وأمر من هناك بالخروج فتهيأوا ثم خرجوا فبقيت أنا وهو وثلاثة شبان قلت هؤلاء أصرفهم يا بهرام كم تعد من السنين قال أعد مائة وأربعين سنة قلت فهل تعرف أنك عملت شيئاً استوجبت به من الله الجنة قال لا أدري إلا أني رزقت ثلاثة بنين وثلاث بنات فزوجت بعضهم من بعض وأعطيت مهروهن من عندي وافردت لكل واحد منهم مالاً وداراً وعقارات قلت لا تستوجب الجنة بل تستوجب النار فهل عملت شيئاً صالحا لآخرتك قال قسمت ليلي ثلاثة أجزاء أما الجزء الأول فإني أقعد للمساهرة وتُقرأ عليَّ سير الأول فانفرج بذلك والجزء الثاني أعبد فيه النار وأسجد لها من دون الله الواحد القهار والجزء الثالث أفكر فيه في أمر معاشي ومعادي وأمنع نفسي عن النوم في ذلك الجزء فإن النوم فيه جهل وخمول ودماء إلا لضرورة فقلت هل لك فعل غير هذا قال لا قلت يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد فيم استحقيت
стр. 402
يا بهرام الجنة قال ويحك يا بن المبارك أتقطع لي بالجنة وأنت عالم المسلمين من أخبرك بذلك قلت أخبرني الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ قال فما القصة فحدثته بالمنام الذي رأيته وبما قاله النبي ﷺ مراراً فقال يا بن المبارك وهل لذلك علامة ظاهرة قلت نعم أدنُ مني فدنا فمسحت بيدي رأسه ووجهه وصدره وبدنه وأولاده ينظرون فصار شاباً حسناً طرياً سميعاً بصيراً وأسود شعره وأبيضت بشرته فلما عاين ذلك قال أمدد يدك يا شيخ أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم قال يا شيخ أأخبرك السبب الذي أوجب الله لي به هذه المنزلة قلت نعم قال كنت من مدة قد أولمت وليمة عامة للمسلمين والنصارى
واليهود والمجوس على خاصة فأكلوا وانصرفوا وانقضت الوليمة فلما كان في بعض الليل طرق طارق الباب وقد هدأ الناس ونام الخدم لما أصابهم من التعب بسبب الوليمة وأنا جالس منتبه فقلت من بالباب فقالت يا بهرام أنا امرأة من جيرانك فاوقد لي هذا السراج قال بهرام والمجوس لا ترى إخراج النار من بيوتهم ليلاً فتحيرت في أمري وقمت ولم أنبه أحداً فاسرجت لها السراج فانصرفت وأطفأت السراج وعادت وقالت يا بهرام قد انطفأ فاسرجه لي فلما أسرجته قالت يا بهرام والله ما جئتك لأجل سراج ولكن جئتك من أجل ثلاث بنات شممن روائح طعامك فهن ملقيات على وجوههن يتضاوون كالمرأة الثكلى أو كالحبة في المقلى فإن كان قد بقي في دارك فضل طعام فأعطني فإنك إن شاء الله تملك بذلك الجنة فقلت حباً وكرامة فأخذت منديلاً كبيراً فجعلت فيه من كل شيء كان في البيت من الحلو والحامض وأخرجت كيساً فيه ألف دينار وكيسا فيه ستة آلاف درهم وستة أثواب من ديباج وستة أثواب مروزية وشددت الجميع وقلت أحملي هذا إلى عيالك واقسمي عليهم فمدت يدها فلم تطق حمله لضعفها فقالت يا بهرام أعني أعانك الله على الوقوف بين يديه وخفف عليك الحساب في ذلك اليوم الشديد فقلت يا هذه كيف أفعل وأنا شيخ كبير وقد مضى عليَّ مائة ونيف وثلاثون سنة ثم تفكرت لحظة وطاب لذلك قلبي فقلت لها شيلي على رأسي فشالته واستقل على رأسي فسال لذلك عرقي حتى صرت في منزلها فحططت الطعام ووضعت الرزمة وجعلت ألقم البنات إلى أن شبعن ونشطن ثم قسمت عليهن الثياب والدراهم والدنانير ففرحن وتبسمن فلما أردت القيام قلن بأجمعهن يا برهام أصلح الله لك أمورك وأدام سرورك كما أصلحت أمورنا وأدمت سرورنا وفرحك يوم القيامة كما فرحتنا وختم لك بخير وأنزلك أقرب قصر من قُصُر نبينا محمد ﷺ في دار الجنان وأنا أقول آمين وما زلت أرجو استجابة دعائهن قلت يا بهرام أبشر فإن الله حقق لك ذلك ولهذا قال النبي ﷺ لا تحقر من المعروف شيئا ولو أنك تفرغ من دلوك في إناء أخيك ماء قال عبد الله بن المبارك فتصدق بهرام في ذلك اليوم بمائة ألف درهم وبمائة ألف دينار وبمائة ألف ثوب مروزيات وبألفي ثوب ديباج وفرق سائر أمواله على أولاده وبناته وأسلموا جميعاً وتفرق الأخوة عن الأخوات وزوج أولاده بالمسلمات وبناته بالمسلمين وأسلم في ذلك اليوم خلق كثير من المجوس ثم انفرج عن أهله ولزم المحراب يعبد الله فلم يلبث إلا قليلاً حتى توفي رحمة الله عليه ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. د والمجوس على خاصة فأكلوا وانصرفوا وانقضت الوليمة فلما كان في بعض الليل طرق طارق الباب وقد هدأ الناس ونام الخدم لما أصابهم من التعب بسبب الوليمة وأنا جالس منتبه فقلت من بالباب فقالت يا بهرام أنا امرأة من جيرانك فاوقد لي هذا السراج قال بهرام والمجوس لا ترى إخراج النار من بيوتهم ليلاً فتحيرت في أمري وقمت ولم أنبه أحداً فاسرجت لها السراج فانصرفت
стр. 403
وأطفأت السراج وعادت وقالت يا بهرام قد انطفأ فاسرجه لي فلما أسرجته قالت يا بهرام والله ما جئتك لأجل سراج ولكن جئتك من أجل ثلاث بنات شممن روائح طعامك فهن ملقيات على وجوههن يتضاوون كالمرأة الثكلى أو كالحبة في المقلى فإن كان قد بقي في دارك فضل طعام فأعطني فإنك إن شاء الله تملك بذلك الجنة فقلت حباً وكرامة فأخذت منديلاً كبيراً فجعلت فيه من كل شيء كان في البيت من الحلو والحامض وأخرجت كيساً فيه ألف دينار وكيسا فيه ستة آلاف درهم وستة أثواب من ديباج وستة أثواب مروزية وشددت الجميع وقلت أحملي هذا إلى عيالك واقسمي عليهم فمدت يدها فلم تطق حمله لضعفها فقالت يا بهرام أعني أعانك الله على الوقوف بين يديه وخفف عليك الحساب في ذلك اليوم الشديد فقلت يا هذه كيف أفعل وأنا شيخ كبير وقد مضى عليَّ مائة ونيف وثلاثون سنة ثم تفكرت لحظة وطاب لذلك قلبي فقلت لها شيلي على رأسي فشالته واستقل على رأسي فسال لذلك عرقي حتى صرت في منزلها فحططت الطعام ووضعت الرزمة وجعلت ألقم البنات إلى أن شبعن ونشطن ثم قسمت عليهن الثياب والدراهم والدنانير ففرحن وتبسمن فلما أردت القيام قلن بأجمعهن يا برهام
стр. 404
أصلح الله لك أمورك وأدام سرورك كما أصلحت أمورنا وأدمت سرورنا وفرحك يوم القيامة كما فرحتنا وختم لك بخير وأنزلك أقرب قصر من قُصُر نبينا محمد ﷺ في دار الجنان وأنا أقول آمين وما زلت أرجو استجابة دعائهن قلت يا بهرام أبشر فإن الله حقق لك ذلك ولهذا قال النبي ﷺ لا تحقر من المعروف شيئا ولو أنك تفرغ من دلوك في إناء أخيك ماء قال عبد الله بن المبارك فتصدق بهرام في ذلك اليوم بمائة ألف درهم وبمائة ألف دينار وبمائة ألف ثوب مروزيات وبألفي ثوب ديباج وفرق سائر أمواله على أولاده وبناته وأسلموا جميعاً وتفرق الأخوة عن الأخوات وزوج أولاده بالمسلمات وبناته بالمسلمين وأسلم في ذلك اليوم خلق كثير من المجوس ثم انفرج عن أهله ولزم المحراب يعبد الله فلم يلبث إلا قليلاً حتى توفي رحمة الله عليه ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
روي عن سعد بن سعيد أنه قال كان في جوار معروف الكرخي رجل مجوسي من أبناء الأغنياء وجد الخليفة عليه فصادره وأخذ منه ألف ألف دينار فافتقر بعد الغنى وذل بعد العز وكان له أعداء وحساد فقالوا للخليفة أنه قد بقي له مال جسيم فلا تظن أنه عديم فأمر بمصادرته ثانياً فلما علم
стр. 405
المجوسي ذلك دخل بيت النار وقصد ما كان يعبد من دون الجبار وقال إن لم تخلصيني آمنت برب معروف فلم يجبه أحد ولم ينتفع بسجوده للنار ولا للنور فلما جنَّ عليه الليل اغتسل وأتى مسجد معروف الكرخي فلم يجده في المسجد فرفع رأسه وقال يا إله إبراهيم عيسى ومحمد وإله معروف ويما من لا إله إلا هو تحققت أن ما عبدته من دونك باطل لا يضر ولاينفع وإني جئتك تائباً مما فعلت متبرئاً مما عبدت منفصلا عما اعتقدت موقنا بك شاهداً بأن لا إله إلا أنت إله الأولين والآخرين وأنت المعبود الحق تفعل ما تشاء ولا يكون إلاما تريد إنك على كل شيء قدير فأغفر لي ما تقدم من ذنبي وجهلي وإسرافي ولا تنظر إلى سوء عملي ومعصيتي واصرف شر الخليفة وأعوانه عني فقد وجهت وجهي إليك ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله يا محمد تشفعت بك إلى الله فاقبلني ثم سجد وأطال سجوده وهو يناجي ربه ويبكي فأتى معروف المحراب فرآه كذلك فبقي متفكراً في أمره لا يتحقق من هو وإذا هو بغلام من خواص الخليفة قد دخل المسجد يسأل عن المجوسي بإسمه ونسبه فقال معروف بيته في موضع كذا وكذا فقال من هناك جئت وقيل لي إنه في مسجد معروف فوالله
стр. 406
لا بأس عليه فإن الخليفة قد بعثني إليه برسالة لطيفة تسر قلبه وهو منتظره على أن يؤمنه ويرد عليه ما أخذه منه وكفى بالله شهيداً فقال معروف لست أرى في المسجد أحداً يشبه من تذكره إلا هذا الساجد لله المناجي لربع فاصبر له حتى يرفع رأسه فوقف صاحب الخليفة على رأسه ساعة ثم قال يا هذا ارفع رأسك ولا تبك أمير المؤمنين قد قضى حاجتك وبعثني برسالة لطيفة لتسير إليه حتى يرد عليك ما أخذه منك فرفع رأسه وإذا معروف واقف فقال يا معروف ما أكرم هذا الباب وما أحلم صاحبه وما أقربه إلى من دعاه ثم قال يا معروف أمدد يدك إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وإني رضيت بالله رباً وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولاً وأن القرآن كلام الله جاء به محمد بن عبد الله وأنا مؤمن بذاك كله ثم تبع الرسول وذهب معروف الكرخي معه فلما وصلوا إلى دار الخليفة وإذا به واقف على الباب فاستقبلهما وسلم عليهما وصافح كلا منهما ومشى معهما إلى مجلسه وأقعدهما إلى جانبه واقبل يعتذر إليهما مما وقع منه وأمر بالأموال التي أخذت من المجوسي فأحضرت بين يديه عن آخرها ثم قال له تأمل هذه الأموال أليست هي التي
стр. 407
أخذت منك قال نعم قال فخذها بارك الله فيها واجعلني في حل ما وقع مني واستغفر الله لي فقال يعفر الله لك ثم قال يا أمير المؤمنين أما الأموال فهي لك حلال بعد أن هداني الله إلى دين الإسلام ولكن أعلمني ما الذي دعاك إلى طلبي في هذا الوقت قال نعم كنت نائماً وإذا أنا برسول الله ﷺ قد دخل عليَّ ومعه صف من الملائكة وصف من الصحابة فسلم علي وقال إن الله ﵎ يقرئك السلام ويقول لك إن عبدنا فلاناً المجوسي كنا قد دعوناه في الذرا فأجابنا وكان في المجوسية مستتراً ولنا معه عناية وقد جاء الآن إلّي تائباً وهو في مسجد معروف الكرخي مستجيراً بجانبنا منك فإبعث في طلبه ورد عليه ما أخذ منه ولا تقطع المعاملة بيننا فانتبهت مرعوباً فأرسلت في طلبك وها هو مالك قد رددناه عليك ودفعناه إليك فخر الرجل ساجداً لله تعالى ثم رفع رأسه وبكى وقال واندماه وأسفاه والهفاه كيف تركت عبادة الرحمن الرحيم واشتغلت بعبادة النيران وضيعت العمر والزمان ثم قال يا أمير المؤمنين لا حاجة لي في هذا المال خذه فهو حلال لك فقال أمير المؤمنين لا أرجع بشيء أمرني ربي بإخراجه فقال يا أمير المؤمنين
стр. 408
لا حاجة لي في المال أشهد أني قد جعلته صدقة في فقراء المسلمين لا حظ لي فيه ولا لأحد من أهلي فقال الخليفة لمعروف بقي الأمر إليك فإحمل المال وتصدَّق به على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل والأيتام والأرامل فدعا له معروف وأخذ بد الرجل وحمل المال على البغال وصافحهما أمير المؤمنين وسأل الرجل أن يحالله
عما وقع منه ولازم الرجل معروفاً الكرخي إلى أن مات تغمده الله برحمته. وقع منه ولازم الرجل معروفاً الكرخي إلى أن مات تغمده الله برحمته.
وحكي عن معن بن زائدة الشيباني إن شاعراً قصده فأقام مدة يريد الدخول إليه فلم يتهيأ له ذلك فلما أعياه ذلك قال لبعض خدمه إذا دخل الأمير البستان فعرفني فلما دخل معن البستان عرَّفه الخادم عنه فكتب الشاعر بيتا من الشعر على خشبة وألقاها في الماء الداخل إلى البستان فإتفق أن معنا كان جالساً في ذلك الوقت على رأس الماء فمرت به فأخذها فإذا فيها كتابة فقرأها وهي:
أيا جود معنٍ ناج معناً بحاجتي ... فمالي إلى معنٍ سواك شفيعُ
فقال من صاحب هذه فدعي بالرجل فقال له كيف قلت فأنشد البيت فأمر له بمائة ألف درهم فأخذها وأخذ الأمير الخشبة فوضعها تحت بساطه فلما كان اليوم الثاني قرأها ودعا بالرجل فدفع له مائة ألف درهم على العادة ثم دعاه ثالث مرة فقرأ البيت ودفع له مائة ألف
стр. 409
درهم فلما أخذ الجائزة الثالثة خشي الشاعر أن يندم فيأخذ منه ما دفع إليه فسافر فلما كان في اليوم الرابع طلبه معن فلم يجده فقال معن حق عليَّ لو مكث لأعطينه حتى لا يبقى في بيتي درهم ولا دينار.
وحكي عنه أيضاً أنه أتى بجملة من الأسرى فعرضهم على السيف فقال له بعضهم أصلح الله الأمير نحن أسراك وبنا جوع وعطش فلا تجمع علينا الجوع والعطش والقتل فأمر لهم بطعام وشراب فأكلوا وشربوا ومعن ينظر إليهم فلما فرغوا قال الرجل أصلح الله الأمير كنا أسراك ونحن الآن أضيافك فأنظر ما تصنع بأضيافك قال قد عفوت عنكم فقال الرجل أيها الأمير ما ندري أي يوم أشرف يوم ظفرك بنا أو يوم عفوك عنا فأمر لهم بمال وكسوة.
وحكي أن المنصور أهدر دم رجل كان يسعى في فساد دولته من الخوارج من أهل الكوفة وجعل لمن دل عليه وجاء به مائة ألف درهم ثم ظهر في بغداد فينما هو يمشي مختفياً في بعض نواحيها إذ بصر به رجل من أهل الكوفة فعرفه فأخذ بمجامع ثيابه وقال هذا بغية أمير المؤمنين فبينما الرجل على تلك الحالة إذ سمع وقع حوافر الخيل فالتفت فإذا معن بن زائدة فقال يا أبا الوليد أجرني أجراك الله فوقف وقال للرجل المتعلق به ما شأنك
стр. 410
قال بغية أمير المؤمنين الذي أهدر دمه وجعل لمن دل عليه وأتى به مائة ألف درهم فقال دعه يا غلام أنزل عن دابتك وأحمل الرجل عليها فصاح الرجل بالناس وقال أيحال بيني وبين من طلبه أمير المؤمنين فقال له معن أذهب إليه وأخبره أنه عندي فانطلق إلى باب المنصور فأخبره فأمر المنصور بإحضار معن فلما أتى الرسول إلى معن دعا أهل بيته ومواليه وقال أعزم عليكم لا يصل إلى هذا الرجل مكروه وفيكم عين تطرف ثم سار إلى المنصور فدخل عليه وسلم عليه فلم يرد ﵇ وقال يا معن أتتجرأ عليَّ قال نعم يا أمير المؤمنين قال ونعم أيضاً وأشتد غضبه فقال يا أمير المؤمنين مضت أيام كثيرة قد عرفتم فيها حسن بلائي في خدمتكم فما رأيتموني أهلا أن يوهب إليَّ رجل واحد استجار بي بين الناس وتوسَّم أني عند أمير المؤمنين من بعض عبيده وكذلك أنا فمر بما شئت ها أنا بين يديك فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه وقد سكن ما به من الغضب وقال قد أجرنا من أجرت يا معن قال فإن رأى أمير المؤمنين أن يجمع بين الأجرين فيأمر له بصدقة فيكون قد أحياه وأغناه قال قد أمرنا له بخمسين ألف درهم قال يا أمير المؤمنين إن صلات الخلفاء
стр. 411
على قدر جنايات الرعية وإن ذنب الرجل عظيم فأجزل له الصلة قال قد أمرنا له بمائة ألف درهم قال فعجلها يا أمير المؤمنين فإن خير البر تعجيله فإنصرف معن بالمال للرجل وقال له خذ صلتك والحق بأهلك وإياك ومخالفة خلفاء الله في أمورهم.
وحكى الجاحظ قال أخبرني فتى من أصحاب الحديث قال دخلت ديراً في بعض المنازل لما ذكر لي أن به راهباً حسن المعرفة بإخبار الناس وأيامهم فسرت له لأسمع كلامه فوجدته في حجرة معتزلة بالدير وهو على أحسن هيئة في زي المسلمين فكلمته فوجدت عنده من المعرفة أكثر مما وصفوا فسألت عن سبب إسلامه فحدثني أن جارية من بنات الروم كانت في هذا الدير نصرانية كثيرة المال بارعة الجمال عديمة الشكل والمثال فأحبت غلاماً مسلماً خياطاً وكانت تبذل له مالها ونفسها والغلام يعرض عن ذلك ولا يلتفت إليها وامتنع عن المرور بالدير فلما أعيتها الحيلة فيه طلبت رجلاً ماهراً في التصوير وأعطته مائة دينار على أن يصور لها صورة الغلام في دائرة على شكله وهيئته ففعل المصور فلم تخطىء الصورة شيئاً منه غير النطق وأتى بها إلى الجارية فلما أبصرتها أغمي عليها فلما أفاقت أعطت المصور مائة دينار أخرى وأخرج الراهب لي الصورة فرأيتها فكاد أن ينزل عقلي فلما خلت
стр. 412
الجارية بالصورة رفعتها إلى حائط حجرتها وما زالت كل يوم تأتي الصورة وتقبلها وتلثم ما تحب منها ثم تجلس بين يديها وتبكي فإذا امست فما زالت على تلك الحال شهراً فمرض الغلام ومات فعملت الجارية مأتماً وعزاء سار ذكره في الآفاق وصارت مثلاً بين الناس ثم رجعت إلى الصورة وصارت تلثمها وتقبلها إلى أن أمست فماتت إلى جانبها فلما أصبحنا دخلنا عليها لنأخذ من خاطرها فوجدناها ميتة ويدها ممدودة إلى الحائط نحو الصورة وقد كتب عليه هذه الأبيات:
يا موتُ حسبك نفسي بعد سيّدها ... خذها إليك فقد أودت بما فيها
أسلمت وجهي إلى الرحمن مسلمةً ... ومتُّ حبيبٍ كان يعصيها
لعلّها في جنان الخلد يجمعها ... بمن تحبُّ غداً في البعث باريها
مات الحبيب وماتت بعده كمداً ... محبّةٌ لم تزل تُشقي محبّيها
قال الراهب فشاع الخبر وحملها المسلمون ودفنت إلى جانب قبر الغلام فلما أصبحنا دخلنا حجرتها
стр. 413
فرأينا تحت شعرها مكتوباً:
اصبحت في راحةٍ مما جنته يدي ... وصرت جارة ربٍّ واحدٍ صمد
محا الإله ذنوبي كلّها وغدا ... قلبي خليّاً من الأحزان والكمد
لما قدمت إلى الرحمن مسلمةً ... وقلت: إنّك لم تولد ولم تلد
أثابني رحمةً منه ومغفرةً ... وأنعماً باقياتٍ آخر الأبد
قيل اجتمع الصوفية إلى أبي القاسم الجُنيد، وقالوا يا أستاذ أنخرج ونسعى في طلب الرزق قال لهم إن علمتم أين هو فاطلبوه فنسأل الله أن يرزقنا قال إن علمتم أنه ينساكم فذكروه قالوا فنجلس إذاً ونتوكل قال التجربة شك قالوا فما الحيلة قال ترك الحيلة.
قيل اجتمع أربعة من الأئمة الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور ومحمد بن الحكم ﵃ عند أحمد بن حنبل يتذاكرون فصلوا صلاة المغرب وقدموا الشافعي ثم ما زالوا يصلون في المسجد إلى أن صلوا العتمة ثم دخلوا بيت أحمد بن حنبل ودخل أحمد على امرأته ثم خرج على أصحابه وهو يضحك فقال الشافعي مم تضحك يا أبا عبد الله قال خرجت إلى الصلاة ولم يكن في البيت لقمة من طعام والآن فقد
стр. 414
وسع الله علينا قال الشافعي فما سببه قال أحمد قالت لي أم عبد الله أنكم لما خرجتم إلى الصلاة جاء رجل عليه ثياب بيض حسن الوجه عظيم الهيئة ذكي الرائحة فقال يا أحمد بن حنبل فقلنا لبيك فقال هاكم خذوا هذا فسلم إلينا زنبيلاً أبيض وعليه مندل طيب الرائحة وطبق مغطى منديل آخر وقال كلوا من رزق ربكم وأشكروا له فقال الشافعي يا أبا عبد الله فما في الزنبيل والطبق فقال عشرون رغيفاً قد عجنت باللبن واللوز المقشور أبيض من الثلج وأذكى من المسك ما رأى الراءون مثله وخروف مشوي مزعفر حار وملح في سكرجة وخل في قارورة على الطبق وبقل وحلواء متخذة من سكر طبرزد ثم أخرج الكل ووضعه بين أيديهم فتعجبوا من شأنه وأكلوا ما شاء الله قال فلم تذهب حلاوة ذلك الطعام والحلواء مدة طويلة وكل من أكل من ذلك الطعام ما أحتاج إلى طعام غيره مدة شهر فلما أن فرغوا من الأكل حمل أحمد ما بقي منه وأدخله إلى أهله فأكلوا وشبعوا وبقي منه شيء فأجمع رأيهم على أن الطعام كان من غيب الله وأن الرسول كان ملكاً من الملائكة قال صالح بن حنبل ما أصابتنا مجاعة قط ما دام ذلك الزنبيل في بيتنا وكان يأتينا الرزق
стр. 415
من حيث لا تحتسب ﵃ وأعاد علينا من بركاتهم.
قيل أن عبد الله بن معمر القيسي كان أميراً من أمراء العرب وكان بطلا شجاعاً جواداً ذا مروءة وافرة قال حججت سنة من السنين إلى بيت الله الحرام وصحبت مالاً كثيراً ومتجراً عزيزاً، فلما قضيت حجي عدت لزيارة قبر النبي ﷺ فبينما أنا ذات ليلة بين القبر والمنبر في الروضة إذا سمعت أنيناً عالياً وحسَّاً بادياً فانصت إليه فإذا هو يقول:
أشجاك نوحُ حمائم الدرِّ ... فأهجن منك بلابلَ الصدر
أم ذاد نومك ذكر غانيةٍ ... أهدت إليك وساوس الفكر
في ليلةٍ نام الخليُّ بها ... وخلفت بالأحزان والذكر
يا ليلةً طالت على دنفٍ ... يشكو الغرام وقلّة الصبّر
أسلمت من يهوى لحرِّ جوىً ... متوقّدٌ كتوقُّدِ الجمر
فالبدر يشهد أنّني دنفٌ ... بجمال حبِّ مشبّه البدر
قال ثم أنقطع الصوت ولم أر من أين جاء فبهت حائراً وإذا به قد أعاد البكاء والنحيب وهو يقول:
أشجاك من ريّا خيالُ زائرٌ ... والليل مسودُّ الذوائب عاكرُ
وأعتاد مهجتك الهوى فأبادها ... وأهتاج مقلتك المنام البائر
ناديت ليلى والظلام كأنّهُ ... يمٌّ تلاطم فيه موجٌ زاخر
والبدر يسري في السماء كأنّه ... ملكٌ تبدّى والنجوم عساكر
стр. 416
وإذا تعرضت الثريا خلتها ... كأساً بها حبُّ السلافة دائر
وترى يد الجوزاء ترقص في الدجا ... رقص الحبيب علاه سكرٌ ظاهر
يا ليل طلت على حبيبٍ مالهإلاَّ الصباح مؤازر ومسامرفأجابني متْ حتف أنفك وأعلمنْأنَّ الهوى لهو الهوان الحاضرقال عبد الله فنهضت عند ابتدائه بالأبيات أؤم الصوت فما انتهى إلى آخرها إلا وأنا عنده فرأيت غلاماً جميلاً قد نزل عذاره لكن قد علا محاسنه الإصفرار والدموع تجري على خده كالأمطار فقال نعمت ظلاما من الرجل قلت عبد الله بن معمر القيسي فقال ألك حاجة يا فتى قلت إني كنت جالساً في الروضة فما راعني في هذه الليلة إلا صوتك فبنفسي أقيك وبروحي أفديك وبمالي أواسيك ما الذي تجد قال إن كان ولابد فاجلس فجلست فقال أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري غدوت إلى مسجد الأحزاب ولم أزل فيه راكعاً ساجداً ثم اعتزلت غير بعيد فإذا نسوة يتهادين كأنهن القطا وفي وسطهن جارية بديعة الجمال في نشرها بارعة الكمال في عصرها نورها ساطع يتشعشع وطيبها عاطر يتضوَّع فوقفت عليَّ وقالت يا عتبة: ما تقول في وصل من طلب وصلك
стр. 417
ثم تركتني وذهبت فلم أسمع لها خبراً ولا قفوت لها أثراً فأنا حيران أنتقل من مكان إلى مكان ثم صرخ صرخة عظيمة وأكبَّ على الأرض مغشياً عليه ثم أفاق بعد ساعة وكأنما صبغت ديباجة خده بورس وأنشد يقول:
أراك بقلبي من بلادٍ بعيدةٍ ... تُراكَمْ تروني بالقلوب على بعد
فؤادي وطرفي يأسفان عليكُمُ ... وعندِكُمُ روحي وذكركم عندي
ولست ألذُّ العيش حتى أراكُمُ ... ولو كنت في الفردوس أو جنّة الخلد
قال فقلت يا أخي تب إلى ربك واستقل من ذنبك واتق هول المطلع وسوء المضجع فقال هيهات هيهات ما أنا مبال حتى يكون ما يكون ولم أزل به إلى طلوع الصباح فقلت له قم بنا إلى مسجد الأحزاب فلعل الله أن يكشف عنك ما بك قال أرجو ذلك ببركة طلعتك إن شاء الله فنزلنا إلى أن وردنا مسجد الأحزاب فسمعته يقول:
يا للرجال ليوم الأربعاء أما ... ينفكُّ يحدث لي بعد النهى طربا
ما إن يزال غزالٌ فيه يظلمني ... يهوى إلى مسجد الأحزاب منتقبا
يخمِّنُ الناس أن الأجر هَّمته ... وما أنا طالباً للأجر مكتسبا
لو كان يبغي ثواباً ما أتى ظهراً
стр. 418
.. مضمَّخاً بفتيت المسك مختضبا
فجلسنا ثم حتى صلينا به الظهر فإذا النسوة أقبلن وما الجارية بينهن فلما بصرن به قلن يا عتبة وما ظنك بطالبة وصالك وكاسفة بالك قال وما لها قلن قد أخذها أبوها وأرتحل بها إلى السماوة فسالتهن عن الجارية فقلن هي ريا ابنة الغطريف السلمي فرفع الشاب رأسه إليهن وأنشد يقول:
خليليَّ ريّا قد أجدّ بكورها ... وسار إلى أرض السماوة عيرُها
خليليَّ ما تقضي بها أمُّ مالكٍ ... عليَّ فما يعدو عليَّ أميرها
خليليَّ إنيّ قد خشيت من البكا ... فهل عند غيري مقلٌ أستعيرها
فقلت يا عتبة طب قلبا وقر عينا فقد وردت الحجاز بمال جزيل وطرف وتحف وقماش ومتاع أريد به أهل السفر ووالله لأبذلنه أمامك وبين يديك وفيك وعليك حتى أوصلك إلى المنى وأعطيك الرضا وفوق الرضا فقم بنا إلى مجلس الأنصار فقمنا حتى أشرفنا على ناديهم فسلمت فأحسنوا الرد ثم قلت أيها الملأ الكرام ما تقولون في عتبة وأبيه قالوا خيراً إنّه من سادات العرب قلت فإنه قد رمى بفؤاده الجوى وما أريد منكم إلا المعونة فركبنا وركب القوم حتى أشرفنا على منازل بني سليم من السماوة فقلنا أين منزل الغطريف فخرج بنفسه
стр. 419
مبادراً فاستقبلنا استقبال الكرام وقال حييتم بالأكرام والرحب والأنعام قلنا وأنت حييت ثم حييت أتيناك أضيافاً قال نزلتم أفضل معقل ثم نادى يا معشر العبيد أنزلوا القوم وسارعوا إلى الأكرام ففرشت في الحال الأنطاع والنمارق والزرابي فنزلنا وأرحنا ثم ذبحت الذبائح ونحرت النحائر وقدمت الموائد فقلنا يا سيد القوم لسنا بذائقين لك طعاماً حتى تقضي حاجتنا وتردنا بمسرتنا قال وما حاجتكم أيها السادة قلنا نخطب عقيلتك الكريمة لعتبة بن الحباب ابن المنذر الطيب العنصر العالي المفخر فأطرق وقال يا أخوتاه إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها وها أنا داخل إليها أخبرها ثم نهض مغضباً فدخل على ريّا وكانت كاسمها فقالت يا أبتاه إني أرى الغضب بيِّناً عليك فما الخبر قال لها ورد الأنصار يخطبونك مني قالت سادات كرام وأبطال عظام استغفر لهم النبي ﷺ فلمن الخطبة منهم قال لفتى يعرف بعتبة بن الحباب قالت بالله لقد سمعت عن عتبة هذا أنه يفي بما وعد ويدرك إذا قصد ويأكل ما وجد ولا ياسف على ما فقد قال الغطريف أقسم بالله لا أزوجك به أبداً فقد نما إليَّ بعض حديثك معه فقالت ما كان ذلك ولكن إذ أقسمت فإن الأنصار لا يردون
стр. 420
مرداً قبيحاً فأحسن لهم الرد وأدفع بالتي هي أحسن قال يا ريَّا فأي شيء أقول قالت أغلظ لهم المهر ما استطعت فإنهم يرجعون ولا يجيبون وقد أبررت قسمك وبلغت مأربك وراعيت أضيافك قال ما أحسن ما قلت ثم خرج مبادراً فقال يا إخوتاه إن فتاة الحي قد أجابت ولكن أريد لها مهراً مثلها فمن القائم به قال عبد الله فقلت أنا القائم بما تريد فقال أريد ألف مثقال من الذهب الأحمر قلت لك ذلك قال وخمسة آلاف درهم من ضرب هجر قلت لك ذلك قال ومائة ثوب من الأبراد والحبر قلت لك ذلك قال وعشرين ثوباً من الوشي المطرز قلت لك ذلك قال وأريد خمسة أكرشة من العنبر قلت لك ذلك قال وأريد مائة نافجة من المسك الأذفر قلت لك ذلك قال فهل أجبت قلت أجل ثم أجل قال عبد الله فأنفذت نفراً من الأنصار أتوا بجميع ما ضمنته وذبحت النعم والغنم واجتمع الناس لأكل الطعام فأقمنا هناك نحو أربعين يوما على هذا الحال ثم قال الغطريف يا قوم خذوا فتاتكم وانصرفوا مصاحبين السلامة ثم حملها في هودج وجهز معها ثلاثين راحلة عليها التحف والطرف ثم دعنا ورجع فسرنا حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة خرجت علينا خيل تريد الغارة وأحسب أنها من
стр. 421
بني سليم فحمل عليها عتبة بن الحباب فقتل منها عدة من رجالها وردها وانحرف راجعاً وبه طعنة تفور دما حتى سقط إلى الأرض فلم يلبث عتبة أن قضى نحبه فقلنا يا عتباه فسمعت الجارية فألقت نفسها عليه وجعلت تقبله وتصيح بحرقة وتقول:
تصبّرت لا إني صبرت وإنّما ... أعلل نفسي إنّها بك لاحقه
ولا أنصفت نفسي لكانت إلى الردى ... أمامك من دون البريّة سابقه
فما واحدٌ بعدي وبعدك منصفٌ ... خليلاً ولا نفسٌ لنفسٍ مصادقه
ثم شهقت شهقة واحدة قضت فيها نحبها فاخترنا لهما مكانا وجدثا وواريناهما فيه ورجعت إلى ديار قومي وأقمت سبع سنين بعدها ثم عدت إلى الحجاز ووردت إلى زيارة قبر النبي ﷺ فقلت والله لأعودن إلى قبر عتبة فأزوره فأتيت إلى قبر فإذا عليه أوراق شجرة نابتة عليها أوراق حمر وصفر وخضر وبيض فقلت لأرباب الجهة ما يقال لهذه الشجرة فقالوا شجرة العروسين فأقمت عند القبر يوما وليلة وانصرفت.
وحكي أن شخصا جاء إلى الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام الشافعي رحمه الله تعالى سلطان العلماء فقال رأيتك في المنام تنشد:
وكنت كذي رجلين رجلٍ صحيحةٍ ... ورجلٍ رمى فيها الزمان فشُلّتِ
стр. 422
فسكت، ثم قال أعيش ثلاثا وثمانين سنة فإن هذا الشعر لكثير عزة وقد نظرت فلم أجد بيني وبينه نسبة فإني سنّي وهو شيعي وأنا طويل وهو قصير وهو شاعر ولست بشاعر وأنا سلمي وهو خزاعي وأنا شامي وهو حجازي فلم يبق إلا السن فأعيش مثله فكان كذلك انتهى.
ومن ظرف ما يحكى أن الجاحظ قال عبرت يوما على معلم كتاب فوجدته في هيئة حسنة وقماش مليح فقام إليّ وأجلسني معه ففاتحته في القرآن فإذا هو ماهر ففاتحته في شيء من النحو فوجدته ماهرا ثم أشعار العرب واللغة فإذا به كامل في جميع ما يراد منه فقلت قد وجب عليَّ تقطيع دفتر المعلمين فكنت كل قليل أتفقده وأزوره قال فأتيت بعض الأيام إلى زيارته فوجدت الكتاب مغلقا فسألت جيرانه فقالوا مات عنده ميت فقلت أروح أعزيه فجئت إلى بابه فطرقته فخرجت إليَّ جارية وقالت ما تريد قلت مولاك فقالت مولاي جالس وحده في العزاء ما يعطي لأحد الطريق قلت قولي له صديقك فلان يطلب يعزيك فدخلت وخرجت وقالت بسم الله فعبرت إليه فإذا هو جالس وحده فقلت أعظم الله أجرك لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وهذا سبيل لا بد منه فعليك بالصبر
стр. 423
ثم قلت أهذا الذي توفي ولدك قال لا قلت فوالدك قال لا قلت فأخوك قال لا قلت فمن قال حبيبتي فقلت في نفسي هذا أول المناحس وقلت له سبحان الله تجد غيرها وتقع عينك على أحسن منها فقال وكأني بك وقد ظننت أني رأيتها فقلت في نفسي هذه منحسة ثانية ثم قلت وكيف عشقت من لا رأيته فقال أعلم أني كنت جالسا وإذا رجل عابر يغني وهو يقول:
يا أمَّ عمروٍ جزاك الله مكرمةً ... ردّي عليَّ فؤادي أينما كانا
فقلت في نفسي لولا أن أم عمرو هذه ما في الدنيا مثلها ما كان الشعراء يتغزلون فيها فلما كان بعد يومين عبر عليَّ ذلك الرجل وهو يغني ويقول:
إذا ذهب الحمارُ بأمِّ عمروٍ ... فلا رجعت ولا رجع الحمارُ
فعلمت أنها ماتت فحزنت عليها وقعدت في العزاء منذ ثلاثة أيام فقال الجاحظ فعادت عزيمتي وقويت على كتابة الدفتر لحكاية أم عمرو.
ومن غريب ما يحكى ما حكاه القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي في كتاب الفرج بعد الشدة: أنّ منارة صاحب الخلفاء قال رفع إلى هارون الرشيد أن رجلا بدمشق من بقايا بني أمية عظيم المال كثير الجاه مطاع له في البلدان جماعة وأولاد ومماليك وموال
стр. 424
يركبون الخيول ويحملون اليلاح ويغزون الروم وأنه سمح جواد كثير البذل والضيافة وأنه لا يؤمن من فتق يبعد رتقه فعظم ذلك على الرشيد قال الرشيد قال منارة وكان وقوف الرشيد على هذا وهو بالكوفة في بعض حججه في سنة ١٨٦ وقد عاد من الموسم وبايع للأمين والمأمون والمؤتمن أولاده فدعاني وهو خال وقال أني دعوتك لأمر يهمني وقد منعني النوم فانظر كيف تعمل ثم قص علّي خبر الأموي وقال أخرج الساعة فقد أعددت لك الجائزة والنفقة والآلة ويضم إليك مائة غلام واسلك البرية وهذا كتبي إلى أمير دمشق وهذه قيود فادخل فأبدأ بالرجل فإن سمع وأطاع فقيده وجئني به وإن عصى فتوكل به أنت ومن معك وأنفذ هذا الكتاب إلى نائب الشام ليركب في جيشه ويقبضوا عليه وجئني به وقد أجلتك لذهابك ستا ولمجيئك ستا وهذا محمل تجعله في شقة إذا قيدته وتقعد أنت في الشق الآخر ولا تكل حفظه إلى غيرك حتى تأتيني به في اليوم الثالث عشر من خروجك فإذا دخلت داره فتفقدها وجميع ما فيها وأهله وولده وحشمه وغلمانه وقدر النعمة والحال والمحل واحفظ ما يقوله الرجل حرفا بحرف من
стр. 425
ألفاظه من حين وقوع طرفك عليه إلى أن تأتيني به وإياك أن يشذ عنك شيء من أمره انطلق، قال منارة، فودعته وخرجت وركبت الإبل وسرت أطوي المنازل أسير الليل والنهار ولا أنزل إلا للجمع بين الصلاتين والبول وتنفيس النفس قليلاً إلى أن وصلت دمشق في أول الليلة السابعة وأبواب البلد مغلقة فكرهت الدخول ليلا فنمت بظاهر البلد إلى أن فتح الباب فدخلت على هيئتي حتى أتيت دار الرجل وعليها صف عظيم وحاشية كثيرة فلم أستأذن ودخلت بغير إذن فلما رأى القوم ذلك سألوا بعض غلماني فقالوا هذا منارة رسول أمير المؤمنين إلى صاحبكم فلما صرت في صحن الدار أنزلت ودخلت مجلساً رأيت فيه قوما جلوساً فظننت أن الرجل فيهم فقاموا رحبوا بي فقلت افيكم فلان قالوا لا نحن أولاده وهو في الحمام فقلت استعجلوه فمضى بعضهم يستعجله وأنا أتفقد الدار والأحوال والحاشية فوجدتها قد ماجت بأهلها موجا شديداً فلم أزل كذلك حتى خرج الرجل بعد أن طال واستربت به واشتد قلقي وخوفي من أن يتوارى إلى أن رأيت شيخاً بزي الحمام يمشي في الصحن وحواليه جماعة كهول وأحداث وصبيان وهم أولاده وغلمانه فعلمت أنه الرجل فجاء حتى جلس فسلم علي سلاماً خفياً
следующие страницы →