Полный текст (363 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ومادة أبي حامد في الفلسفة من كلام ابن سينا ولهذا يقال أبو حامد أمرضه الشفاء ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك وأما في التصوف وهو أجل علومه وبه نبل فأكثر مادته من كلام الشيخ أبي طالب المكي الذي يذكره في المنجيات في الصبر والشكر والرجاء والخوف والمحبة والإخلاص فإن عامته مأخوذ من كلام أبي طالب المكي لكن كان أبو طالب أشد وأعلى.
وما يذكره في ربع المهلكات فأخذ غالبه من كلام الحارث المحاسبي
стр. 282
في الرعاية كالذي يذكره في ذم الحسد والعجب والفخر والرياء والكبر ونحو ذلك.
وأما شيخه أبو المعالي فمادته الكلامية أكثرها من كلام القاضي أبي بكر ونحوه واستمد من كلام أبي هاشم الجبائي على مختارات له وكان قد فسر الكلام على أبي قاسم الأسكاف عن أبي إسحاق الإسفرائيني ولكن القاضي هو عندهم أولى.
ولقد خرج عن طريقة القاضي وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة وأما كلام أبي الحسن نفسه فلم يكن يستمد منه وإنما ينقل كلامه مما يحكيه عنه الناس.
والرازي مادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني فإن الشهرستاني أخذه عن الأنصاري النيسابوري عن أبي المعالي وله مادة قوية من كلام أبي الحسين البصري وسلك طريقته في أصول الفقه كثيرا وهي أقرب إلى طريقة الفقهاء من طريقة الواقفة.
стр. 283
وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني أيضا ونحوهما وأما التصوف فكان فيه ضعيفا كما كان ضعيفا في الفقه.
ولهذا يوجد في كلام هذا وأبي حامد ونحوهما من الفلسفة ما لا يوجد في كلام أبي المعالي وذويه.
ويوجد في كلام هذا وأبي المعالي وأبي حامد من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه.
ويوجد في كلام أبي الحسن من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقه ويوجد في كلام ابن كلاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة ما لا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة وإذا كان الغلط شبرا صار في الأتباع ذراعا ثم باعا حتى آل هذا المآل فالسعيد من لزم السنة.
فصل:
ومن تدبر الحديث وألفاظه على أنه حجة على هؤلاء الإتحادية الجهمية لا لهم وأنه مبطل لمذهبهم مع أنهم يجعلونه عمدتهم في دعواهم ظهوره في كل صورة من الصور المشهودة في الدنيا والآخرة حتى في الجمادات والقاذورات.
والحديث مستفيض بل متواتر عن النبي ﷺ وهو حديث طويل فيه قواعد من أمور الإيمان بالله وباليوم الآخر أخرجاه في الصحيحين من غير وجه من
стр. 284
حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد عن أبي هريرة وأبي سعيد.
وأخرجاه أيضا من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ورواه مسلم عن جابر موقوفا كالمرفوع وهو معروف من حديث ابن مسعود وغيره ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن أناسا قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا قال: فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد
стр. 285
شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجز ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم اللهم سلم وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم فمنهم الموبق بعمله ومنهم المخردل أو المجازي حتى ينجي حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد أن يرحمه ممن كان يقول: لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا اثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار وقد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون".
стр. 286
وفي لفظ البخاري منه "كما تنبت الحبة في حميل السيل ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار وهو آخر أهل الجنة دخولا إلى الجنة فيقول: أي رب أصرف وجهي عن النار فإنه قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها فيدعوا الله ما شاء أن يدعوه ثم يقول الله ﵎: هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا يا رب لا أسألك غيره ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله فيصرف الله وجهه عن النار فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت ثم يقول: أي رب قدمني إلى باب الجنة فيقول الله له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير الذي أعطيتك ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول: أي رب ويدعو الله حتى يقول له: فهل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك فيعطي ربه ما شاء من عهود ومواثيق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا قام على باب الجنة انفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الخير والسرور فيسكت ما شاء الله أن يسكت ثم يقول: أي رب
стр. 287
أدخلني الجنة فيقول الله له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيتك ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول: أي رب لا أكون أشقى خلقك فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله تبارك تعالى منه فإذا ضحك الله منه قال: أدخل الجنة فإذا دخلها قال الله له: تمنه فيسأل ربه ويتمنى حتى أن الله ليذكره من كذا ومن كذا حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله ذلك لك ومثله معه".
قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئا حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرجل: "ومثله معه".
قال أبو سعيد: "وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة".
قال أبو هريرة: "ما حفظت إلا قوله ذلك لك ومثله معه".
قال أبو سعيد: "أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله ذلك لك وعشرة أمثاله".
قال أبو هريرة: "وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا ".
وهذا الحديث من أصح حديث على وجه الأرض معروف من حديث
стр. 288
ابن شهاب الزهري أحفظ الأمة للسنة في زمانه كان عنده عن سعيد بن المسيب أفضل التابعين وعن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة فكان تارة يحدث به عنهما وتارة عن أحدهما كما هو عادة الزهري في أحاديث كثيرة.
وهذا الذي ذكرنا رواية إبراهيم بن سعد عنه عن عطاء بن يزيد ومنه رواه مسلم كما ذكر وعطف عليه رواية شعيب عنه عن سعيد بن المسيب وعطاء قال: وساق الحديث بمثل معنى حديث إبراهيم وأما البخاري فرواه من حديث شعيب عن الزهري عنهما مرتين ورواه من حديث إبراهيم بن سعد أيضا الذي ساقه مسلم.
ورواه من حديث معمر أيضا عن الزهري عن عطاء.
стр. 289
وفي الصحيحين أيضا من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري "أن ناسا في زمن رسول الله ﷺ قالوا لرسول الله ﷺ : هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : " نعم هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله قال: "وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله قال: "ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ليتبع كل أمة ما كانت تعبد ولا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغير أهل الكتاب فتدعي اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا: كنا نعبد عزيز ابن الله فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا رب فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار ثم
стр. 290
تدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون قالوا: كنا نعبد المسيح بن الله فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال: ما تنتظرون فيتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى أن بعضهم ليكان أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه؟ فيقولون: نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله تعالى من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فقال: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم قيل يا رسول الله وما الجسر؟ قال: دحض مزلة فيه خطا طيف وكلاليب
стр. 291
وحسك تكون فيها شوكة يقال له السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاود الخيل والركبان فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد منا شدة الله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربما كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم: اخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون: ربما لم نذر فيها أحد ممن أمرتنا ثم يقول: أرجوا فمن وجدتم في قلبه نصف دينار فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول: ارجعوا فأخرجوا من وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا".
وكان أبو سعيد يقول: "إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ فيقول الله : "شفعت الملائكة وشفعت النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج قوما
стр. 292
لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل فيكون أبيض فقالوا يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم تعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله تعالى الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ثم يقول: أدخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول لهم: عندي أفضل من هذا فيقولون: يا ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدا" وهذا سياق مسلم من حديث حفص بن ميسرة عن زيد بن
стр. 293
أسلم ثم أتبعه برواية الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم قال نحو حديث حفص بن ميسرة وزاد بعد قوله: "بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه".
قال أبو سعيد: "بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف" وليس في حديث الليث "فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين".
ثم رواه من حديث هشام بن سعد قال: حدثنا زيد بن أسلم نحو حديث حفص وقد زاد ونقص شيئا.
وأخرجه البخاري من حديث زيد أيضا.
стр. 294
وفي صحيح مسلم من حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود فقال: "نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا".
قلت: صوابه على تلخيص كما جاء مفسرا أظن أن ذلك فوق الناس.
стр. 295
قال: "فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا فيقول: أنا ربكم فيقولون حتى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك قال: فينطلق بهم ويتبعونه ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب أو حسك تأخذ من شاء الله ثم يطفىء نور المنافقين ثم ينجو المؤمنون فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفا لا يحاسبون ثم الذين يلونهم كأضوإ نجم في السماء ثم كذلك ثم تحل الشفاعة ويشفعون حتى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة فيجعلون بفناء الجنة ويجعلون أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل وتذهب حراقه ثم يسأل حتى يجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها".
فهذه الأحاديث ونحوها اعتمدها هؤلاء الجهمية الإتحادية في قولهم أن الله يظهر في الصور كلها ويجعلونه ظاهرا في كل صورة من حيوان ونبات ومعدن وغير ذلك ليظهر في الصور كلها إذ هو الوجود كله عندهم وعندهم أن ذاته لا ترى بحال كما قال صاحب الفصوص في الحكمة الياسية
стр. 296
قال: "العقل إذا تجرد لنفسه من حيث أخذه العلوم عن نظره كانت معرفته بالله على التنزيه لا على التشبيه وإذا أعطاه الله المعرفة بالتجلي كملت معرفته بالله فنزه في موضع وشبه في موضع فرأى سريان الحق في الصور الطبيعية العنصرية وما بقيت له صورة إلا ويرى عين الحق عينها وهذه المعرفة التامة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند الله وحكمت بهذه المعرفة الأوهام كلها ولذلك كانت الأوهام أقوى سلطانا مما في هذه النشأة من العقول لأن العاقل لو بلغ ما بلغ في عقله لم يخل عن حكم الوهم عليه والتصور فيما عقل فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه الصورة الكاملة الإنسانية وبه جاءت الشرائع المنزلة فشبهت ونزهت شبهت في التنزيه بالوهم ونزهت في التشبيه بالعقل فارتبط الكل بالكل فلم يتمكن أن يخلو تنزيه عن تشبيه ولا تشبيه عن تنزيه قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فنزه ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فشبه وهي أعظم آية أنزلت في التنزيه ومع ذلك لم تخل عن التشبيه بالكاف وهو أعلم
стр. 297
العلماء بنفسه وما عبر عن نفسه إلا بما ذكرناه ثم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وما يصفونه إلا بما تعطيه عقولهم فنزه نفسه عن تنزيههم إذ حددوه بذلك التنزيه وذلك لقصور العقول عن إدراك مثل هذا ثم جاءت الشرائع كلها بما تحكم به الأوهام فلم يخل الحق عن صفة يظهر فيها كذا قالت وبذا جاءت الرسل فعملت الأمم على ذلك فأعطاها الحق التجلي فلحقت بالرسل وراثة فنطقت بما نطقت به رسل الله وبعد أن تتصور هذا فترخى الستور وتدلى الحجاب على عين المنتقد والمعتقد والصور وإن كانت من بعض صور ما تجلى فيها الحق ولكن قد أمرنا بالستر ليظهر تفاضل استعداد الصور وأن المتجلي في صور بحكم استعداد تلك الصورة فينسب إليه ما تعطيه حقيقتها ولوازمها لا بد من ذلك إلى أن قال: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ إذ لا يكون مجيبا إلا إذا كان من يدعوه وإن كان عين الداعي المجيب فلا خلاف في اختلاف الصور فهما صورتان بلا مثل وتلك الصور كلها كالأعضاء لزيد فمعلوم أن زيدا حقيقة واحدة
стр. 298
مشخصة وإن يده ليست صورة رجله ولا رأسه ولا عينه ولا حاجبه فهذا تكثير الواحد المكثر بالصور الواحد بالعين وكالإنسان واحد بالعين فلا شك أن عمرا ما هو زيد ولا خالد ولا جعفر وأن أشخاص هذه العين الواحدة لا تتناهى وجودا فهو وإن كان واحدا بالعين فهو كثير بالصور والأشخاص وقد علمت قطعا إن كنت مؤمنا أن الحق عينه يتجلى في القيامة في صورة فيعرف ثم يتحول في صورة فينكر ثم يتحول عنها في صورة فيعرف وهو هو المتجلي وليس غيره في كل صورة ومعلوم أن هذه الصورة ما هي تلك الصورة الأخرى فكأن العين الواحدة قامت مقام المرآة فإذا نظر الناظر فيها إلى صورة معتقدة في الله عرفه فأقر به وإذا اتفق أن يرى فيها معتقد غيره أنكره كما يرى في المرآة صورته وصورة غيره فالمرآة عين واحدة والصور كثيرة في عين الرائي".
وهذا الحديث يبين فساد مذهبهم بضد ما توهموه من وجوه:
أحدها: أن ناسا سألوا رسول الله ﷺ هل يرون ربهم يوم القيامة ولم يسألوه عن رؤيته في الدنيا فإن هذا كان معلوما عندهم أنهم لا يرونه في الدنيا وقد أخبرهم النبي ﷺ بذلك كما روي ذلك عن النبي ﷺ من وجوه:
стр. 299
منها: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث يونس وصالح عن ابن شهاب أن سالم بن عبد الله أخبره أن عبد الله بن عمر أخبره أن عمر بن الخطاب ﵁ انطلق مع رسول الله ﷺ في رهط من أصحابه قبل ابن صياد حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم فلم يشعر حتى ضرب النبي ﷺ ظهره بيده ثم قال رسول الله ﷺ لابن صياد: "أتشهد أني رسول الله؟ " فنظر إليه ابن صياد
стр. 300
فقال: أشهد أنك رسول الأميين فقال ابن صياد لرسول الله ﷺ : أتشهد أني رسوله الله فرضه رسول الله ﷺ وقال: "آمنت بالله وبرسله" ثم قال له رسول الله ﷺ : "ماذا ترى؟ " فقال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب فقال له رسول الله ﷺ : "خلط عليك الأمر" ثم قال له رسول الله ﷺ : "إني قد خبأت لك خبأ" فقال ابن صياد: هو الدخ فقال له رسول الله ﷺ : "اخسأ فلن تعدو قدرك" فقال عمر بن الخطاب ﵁: ذرني يا رسول الله أضرب عنقه فقال له رسول الله ﷺ : "إن يكن هو فلن تسلط عليه وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله " وقال سالم بن عبد الله: سمعت عبد الله بن عمر يقول: انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد حتى إذا دخل رسول الله ﷺ النخل طفق يتقي بجذوع النخل وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه ابن صياد فرآه رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراش في قطيفة له فيها زمزمة فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ وهو يتقي بجذوع النخل فقالت لابن صياد: يا صاف هو اسم ابن صياد هذا محمد فسار ابن صياد فقال رسول الله ﷺ : " لو تركته بين".
стр. 301
قال سالم: قال عبد الله بن عمر: فقام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: "إني لأنذركموه ما من نبي إلا وقد أنذره قومه لقد أنذره نوح ولكن أقول لكم قولا لم يقله نبي لقومه تعلموا إنه أعور وأن الله ليس بأعور".
قال ابن شهاب: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري أنه أخبر بعض أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال يوم حذر الناس الدجال "أنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه من كره عمله أو يقرؤه كل مؤمن" وقال: "تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت".
وقد روي هذا المعنى من وجوه أخر عن النبي ﷺ ففرق النبي ﷺ بين ما قبل الموت وما بعده وأخبر أنه لن يراه أحد قبل الممات في سياق بيانه لهم أن الدجال ليس هو الله كما ذكر لهم أنه أعور وأن ربهم ليس بأعور وذكر لهم مع ذلك أنهم لا يرون ربهم في الدنيا ليعلموا أن كل ما يرى في الدنيا ليس هو الله وهذا يرفع قول بعض الجهال المتقرمطة من هؤلاء أنه لن يرى ربه حتى يموت أي تموت نفسه وهواه فإن هذا وإن لم يكن هو مدلول اللفظ ولا يحتمله مثل هذا اللفظ فلو كان حقا لم يصح أن يكون دليلا لهم
стр. 302
على أن الدجال ليس هو ربهم فإنه إذا جوز عند موت هوى النفس أن يرى بعينه الله لم يصح حينئذ أن يكون ينفي عن كل مرئي بالعين في الدنيا أنه الله.
واعلم أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وأهل السنة من جميع الطوائف متفقون على أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة عيانا كما يرون الشمس والقمر كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ ومتفقون على أنه لا يراه أحد بعينه في الدنيا كما ذكر أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن حنبل عن إسحاق بن حنبل قال سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول: "إن الله لا يرى في الدنيا ويرى في الآخرة ثبت في القرآن وفي السنة وعن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين".
وأما رؤية النبي وتنازع عائشة وابن عباس فقد بسطنا الكلام فيه في غير هذا الموضع وبينا أن الثابت عن ابن عباس ثم عن الإمام أحمد هو شيء واحد وهو إما إطلاق الرؤية وإما تقييدها بالفؤاد وأما التقييد بأنه رآه بعينه فلم يثبت لا عن ابن عباس ولا عن أحمد بن حنبل ونحوهما.
стр. 303
وأما الأحاديث التي يرويها بعض الناس في أن النبي ﷺ رأى ربه بالطواف أو بعرفة أو في بعض سكك المدينة فكلها كذب موضوعة باتفاق أهل العلم.
وتنازع المتأخرون المنتسبون إلى السنة في الكفار هل يحجبون عنه في الآخرة مطلقا أو يرونه ثم يحجبون؟ على ثلاثة أقوال:
فقال طوائف من أهل الكلام والفقه وغيرهم من أصحاب مالك: لا يرونه بحال.
وقالت طائفة منهم أبو الحسن بن سالم وغيره: بل يرونه ثم يحجب عنهم كما يدل على ذلك أحاديث معروفة.
وقال أبو بكر بن خزيمة: "بل يراه المنافقون من هذه الأمة دون غيرهم".
стр. 304
وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.
وأما من سوى أهل السنة فلهم قولان متطرفان:
أحدهما: وهو قول الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة والمتفلسفة وغيرهم أنه لا يرى بحال بل رؤيته ممتنعة عندهم.
والثاني: قول بعض المتكلمين وبعض جهال الصوفية أنه يرى في الدنيا وقد ذكر ذلك أبو طالب المكي عن بعض الصوفية ورد عليه.
وكذلك حكاه الأشعري في المقالات عن طائفة منهم.
ومن الناس من يجعل للأشعري نفسه في هذه المسألة قولين وبعض أصحابه جوزوا وقوع ذلك.
стр. 305
وليس النزاع في إمكان ذلك وقدرة الله عليه فإن هذا لا نزاع فيه بين مثبتي الرؤية وإنما النزاع هل يقع ذلك في الدنيا فمن أصحابه من يسوغ وقوعه بحسب ما تدعو إليه الدواعي وقد يحصل ذلك لبعض الناس وهذا باطل مخالف للنصوص ولإجماع السلف والأئمة بل نفاة الرؤية مع كونهم مبطلين أجل من هؤلاء وهؤلاء أقرب إلى الشرك منهم وأما هؤلاء الاتحادية فهم يجمعون بين النفي العام والإثبات العام فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس لها اسم ولا صفة ولا نعت إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له ويقولون إنه يظهر في الصور كلها وهذا عندهم هو الوجود الأسمى لا الذاتي ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء ويتجلى في كل موجود لكنه لا يمكن أن ترى نفسه بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي ترى الأشياء فيه وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور.
وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين: "عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى" وهم جميعا يحتجون بالحديث وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقا بلا ريب فلم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود.
وقد تقدم قول صاحب الفصوص في الفص الشيثي وأن المتجلي
стр. 306
له لا يرى إلا صورته في مرآة الحق ولا رأى الحق ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه كالمرآة في الشاهد ترى الصورة فيها وهي لا ترى مع علمك أنك ما رأيت الصورة إلا فيها.
وزعم أنك إذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن تترقى في أعلى من هذه الدرج فما هو ثم أصلا وهذا تصريح بامتناع الرؤية وهو حقيقة قولهم إذ هم من غلاة الجهمية ثم مع ذلك يجعلونه نفس الموجودات كما يقول صاحب الفصوص: "ومن أسمائه الحسنى العلي على من وما ثم إلا هو أو عن ماذا وما هو إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لنفسها وليست إلا هو وكذلك ابن سبعين يقول فعين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى".
واعلم أن طائفة ممن يثبت الرؤية من أصحاب الأشعري بل وبعض المنتسبين إلى الإمام أحمد يفسرون الرؤية بنحو تفسير الجهمية كالمريسي والمعتزلة فيقولون هي زيادة علم وانكشاف بحيث نعلم ضرورة ما كان يعلم نظرا وهؤلاء يجعلونها من جنس العلم.
стр. 307
وأرفع منهم من يجعلها مع تعلقها بالعين وكونها مشروطة بوجود المرئي من هذا النمط فيقول هي مجرد خلق إدراك في العين وأنه لا حجاب إلا المانع المضاد لها في محل الرؤية فإذا أزيل حصلت الرؤية كما أنه لا مانع من العلم إلا الجهل المضاد فإذا زال حصلت الرؤية ولضرار وحفص الفرد والنجار في نفس الرؤية أقوال قريبة من هذا ليس هذا موضعها وكل ذلك فرارا مما أخبر به الرسول ﷺ من الرؤية
стр. 308
العيانية وهو ﷺ قد أفصح بها غاية الإفصاح وأوضحها غاية الإيضاح وبين لهم أعظم رؤية يعرفونها وأنه يرونه كذلك فزالت الشبهة.
وقد ناظرت غير واحد من هؤلاء من نفاة الرؤية ومحرفيها من شيعي ومعتزلي وغيرهما وذكرت لهم الشبهة التي تذكرها نفاة الرؤية فقلت هي كلها مبنية على مقدمتين:
إحداهما: أن الرؤية تستلزم كذا وكذا كالمقابلة والتحيز وغيرهما.
والثاني: أن هذه اللوازم منتفية عن الله تعالى فكل ما يذكره هؤلاء فأحد الأمرين فيه لازم إما أن لا يكون لازما بل يمكن الرؤية مع عدمه وهذا المسلك سلكه الأشعري وطوائف كالقاضي أحيانا وابن عقيل وغيرهم لكن أكثر العقلاء يقولون إن من ذلك ما هو معلوم الفساد بالضرورة.
وإما أن يكون لازما فلا يكون محالا فليس في العقل ولا في السمع ما يحيله بل إذا قدر أنه لازم للرؤية فهو حق لأن الرؤية حق قد علم ذلك بالإضطرار عن خير البرية أهل العلم بالأخبار النبوية.
وهؤلاء الاتحادية لما فهموا قول هؤلاء الذين لا حقيقة للرؤية عندهم إلا زوال حجاب في الإنسان كالآفة التي فيه المانعة من الرؤية قالوا إنه يمكن زوال هذا الحجاب فتحصل المشاهدة وضموا ذلك إلى بقية أصولهم الفاسدة من أنه ليي مباينا لعباده بل هو الوجود المطلق فقالوا يرى
стр. 309
في الظاهر وإن كانت ذاته لا ترى بحال.
وهذا الكلام هو تعطيل للخالق ولرؤيته ودعوى الربوبية لكل أحد كما قال صاحب الفصوص: "ولما كان فرعون في منصب التحكم وأنه الخليفة بالسيف وإن جار في العرف الناموسي لذلك قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيهم ولما علمت السحرة صدقه فيما قاله لم ينكروه وأقروا له بذلك وقالوا له إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فاقض ما أنت قاض فالدولة لك فصح قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ وإن كان عين الحق".
فإذا كان قد جعل فرعون صادقا في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ وهو عنده عين الحق فالدجال أيضا أحق بهذا الصدق فإنه يقول للسماء أمطري فتمطر وللأرض أنبتي فتنبت وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج الخربة كنوزها تتبعه.
ففي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل فلما رجعنا إليه عرف ذلك فينا فقال: " ما شأنكم؟ " قلنا: يا رسول الله ذكرت الرجال فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل فقال: "غير الدجال أخوفني عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم
стр. 310
فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم إنه شاب قطط عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ فواتح سورة الكهف إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا" قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم" قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلوات يوم؟ قال: "لا أقدروا له قدره" قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا وأشبعه ضروعا وأمده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ويمر بالخربة فيقول: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ثم يدعو رجلا ممتلأ شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل ويهلل ووجهه يضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا
стр. 311
كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله ثم يأتي عيسى قوما قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجات في الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أن قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد أن يقاتلهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله وأصحابه فيرسل الله عليهم النفف في رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرا كأعناق البخت
стр. 312
فتطرحهم حيث شاء الله ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض كلها حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون تحتها ويبارك في الرسل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت أباطهم فتفيض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة".
وفي الصحيحين من حديث ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أبا سعيد الخدري قال: حدثنا رسول الله ﷺ يوما حديثا طويلا عن الدجال فكان فيما حدثنا قال: "يأتي وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس فيقول له أشهد أنك الدجال الذي حدثنا
стр. 313
رسول الله ﷺ حديثه فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر فيقولون: لا فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحييه: والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن قال: فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه".
وفي صحيح مسلم من حديث أبي الوداك واسم أبي الوداك جبر بن نوف عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج الدجال فيتوجه قبله رجل من المؤمنين فتلقاه مشايخ الدجال فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: اعمد إلى هذا الذي خرج قال: فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما هو بربنا حقا فيقولون: اقتلوه فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم من أن تقتلوا أحدا دونه قال فينطلقون به إلى
стр. 314
الدجال فإذا رآه المؤمن قال: يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكره رسول الله ﷺ فيأمر الدجال به فيشبح فيقول: خذوه واشبحوه فيوسع ظهره وبطنه ضربا فيقول: أو ما تؤمن بي قال: فيقول: أنت المسيح الكذاب قال: فيؤمر به فيوشر بالميشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين قال: ثم يقول له: قم فيستوي قائما ثم يقول: أتؤمن بي فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة قال: ثم يقول: أيها الناس إنه لا يفعل هذا بعدي بأحد من الناس قال: فيأخذ الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسا فلا يستطيع إليه سبيلا قال: فيأخذه بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس إنما قذفه في النار وإنما ألقي في الجنة ".
فقال رسول الله ﷺ : "هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين".
فإذا كان فرعون صادقا في قوله ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ مع أنه لم يأت بشبهة
стр. 315
صادقة فالدجال أحق أن يكون صادقا على قول هؤلاء ويكفيك بقوم ضلالا أن يكون فرعون والدجال صادقين على مذهبهم وهما أعظما عدو لله من الإنس وأعظم الخلق فرية في دعوى الإلهية ولهذا أنذرت الرسل جميعها بالدجال وأما فرعون فلم يذكر الله في القرآن قصة كافر عدو له أكثر وأكبر من قصته ومعلوم أن موسى وعيسى هما الرسولان الكريمان صاحبا التوراة والإنجيل وموسى أرسل إلى فرعون وعلى يديه كان هلاكه والدجال ينزل الله إليه عيسى بن مريم فيقتله فيقتل مسيح الهدى الذي قيل أنه الله مسيح الضلالة الذي يزعم أنه الله ولما كانت دعواه الربوبية ممتنعة في نفسها لم يكن ما معه من الخوارق حجة لصدقه بل كانت محنة وفتنة يضل الله بها من يشاء ويهدي من يشاء كالعجل وغيره لكنه أعظم فتنة وفتنته لا تختص بالموجودين في زمانه بل حقيقة فتنته الباطل المخالف للشريعة المقرون بالخوارق فمن أقر بما يخالف الشريعة لخارق فقد أصابه نوع من هذه الفتنة وهذا كثير في كل زمان ومكان لكن هذا المعين فتنة أعظم الفتن فإذا عصم الله عبده منها سواء أدركه أو لم يدركه كان معصوما مما هو دون هذه الفتنة فكثير يدعون أو يدعى لهم الإلهية بنوع من الخوارق دون هذه.
وآخرون يدعون النبوة وآخرون يدعون الولاية أو المهدية أو ختم الولاية أو الرسالة أو المشيخة وقد رأيت من هؤلاء طوائف.
وفي الصحيحين من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي
стр. 316
هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله".
وفي الصحيح عن سماك عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن بين يدي الساعة كذابين".
قال سماك: وسمعت أخي يقول: قال جابر: "فاحذروهم".
وقد روى مسلم في أوائل الصحيح من وجهين عن مسلم بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم".
стр. 317
وهذا كما يدخل فيه من يحدث عن غيره فالذي يقول: إنه يحدث عن قلبه عن ربه أو أنه يأخذ عن الله بلا واسطة وأنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذي يوحى به إلى الرسول وأنه يحدث بمقتضى الأقيسة القطعية أولى فإن هذا يدعي ما هو عنده أعلى وإن كان له نصيب من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ .
وقد سأل بعضهم مالكا عن بعض من كان بالعراق من هؤلاء المبطلين فقال كلمة أو كلاما فيه هؤلاء الدجاجلة قال: "ما سمعت جمع دجاجلة إلا من مالك".
وأصل الدجل التغطية والتمويه والتلبيس ومعلوم أن أتباع مسيلمة
стр. 318
الكذاب والأسود العنسي وطليحة الأسدي وسجاح كانوا مرتدين وقد قاتلهم أصحاب رسول الله ﷺ مع أن مسيلمة إنما ادعى المشاركة في النبوة لم يدعي الألوهية ولا أتى بقرآن يناقض التوحيد بل جاء بكلام يتضمن ما ادعاه من الشركة في الرسالة وأسجاع من الكلام الذي لا فائدة فيه ولهذا قال أبو بكر لبعض بني حنيفة وقد استقرأهم شيئا من قرآن مسيلمة فلما قرأوه قال: "ويحكم أين يذهب بعقولكم إن هذا الكلام لم يخرج من إِلْ".
стр. 319
وذلك نحو قوله: "يا ضفدع بنت ضفدعين نقي ما تنقين لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين رأسك في الماء وذنبك في الطين".
وقوله: "والزارعات زرعا والحاصدات حصدا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا أهالة وسمنا إن الأرض بيننا وبين قريش نصفين ولكن قريش قوم لا يعدلون".
وقوله: "والفيل وما أدراك ما الفيل له زلوم طويل إن ذلك من خلق ربنا الجليل".
ولما كتب إلى رسول الله ﷺ من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد: فإني أشركت في الأمر معك فكتب النبي يقول من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد: فإنك لو سألتني بياض هذه ما أعطيتك إياه".
فمن ادعى أنه مؤمن بما يقوله هؤلاء وإن اتبع الرسول في الشرائع مع مشاركته له في مشاهدة ذلك فهو فوقه في التحقيق والعلم بالله لأنه يأخذ من حيث الملك الذي يوحي به إلى الرسول.
فلا ريب أن هذا القول أعظم فرية من قول مسيلمة الكذاب لكن هؤلاء لم يكونوا طائفة ممتنعة يدا ويحاربون فيها المسلمون بل هم موافقون
стр. 320
في الظاهر على أنه لا رسول إلا محمد ﷺ وأكثر أتباعهم لا يعلمون أن هذا قول رئيسهم.
ثم منهم قوم منافقون لا يجهرون بذلك بين المسلمين كما كان مسيلمة يجهر بدعواه النبوة حتى كان مؤذنه يقول أشهد أن محمدا ومسيلمة رسولا الله ومن هؤلاء من هو في الباطن أكفر من المشركين فضلا عن أهل الكتاب ومنهم قوم يقرأون الكتب المتضمنة لذلك علانية وقد لا يفهمون ما فيها من الكفريات.
وقد قال لي أفضل شيوخ هؤلاء بالديار المصرية لما أوقفته على بعض ما في هذا الكتاب مثل هذا الموضع وغيره فقال هذا كفر وقال لي في مجلس آخر هذا الكتاب عندنا من أربعين سنة نعظمه ونعظم صاحبه ما أظهر لنا هذه المصائب إلا أنت.
ومنهم طائفة قد لا يكونون متعمدين الكذب لكنهم ملبوس عليهم الضلالة بحيث يظنون أن الرسول لم يعلم الحقائق وإنما علم الأعمال الظاهرة ويشركون في ذلك إخوانهم من المتفلسفة في نحو ذلك وتجد هؤلاء لا يعتمدون على الأمور العلمية والمسائل الخبرية عن الله تعالى وأسمائه وصفاته على كلام الله ورسوله وهذا من أصول الضلال التي وقع فيها أو في بعضها طوائف من أهل الزيغ والمنافقين.
ومنهم طائفة يتأولون بعض هذه المقالات الكفرية إذا خاطبهم الجاهل الذي لا يفهم ما فيها أو يفوضون علمها إلى الشيخ ويقولون الشيخ أعلم
следующие страницы →