الأخرى كالحاجة إلى المركز الاجتماعي وإشباع الذات ... إلخ، وتَعدد وظائف النظم يكشف عن تشابك النظم وتداخلها، فللأسرة وظائف دينية واقتصادية وسياسية، وهي بذلك تتداخل مع النظم الدينية والاقتصادية والسياسية. ووظيفة النظام التعليمي -المدارس- في المجتمعات المتقدمة، هي التربية وتعليم النشء. ولكن هذه الوظيفة ليست قاصرة على النظام التعليمي وحده، حيث تشترك عدة نظم مع النظام التعليمي في أداء المهمة التربوية والتعليمية مثل نظام الأسرة ونظام الإعلام ونظام النوادي ... إلخ.
وهذا يعني بوضوح أن النظم الاجتماعية متشابكة متداخلة، فللأسرة وظائف اقتصادية وقانونية وسياسية ودينية، ولهذا فإن دراسة نظام الأسرة أو أي نظام يقتضي إجراء القيام بعدة أمور هي:
١- دراسة النظام ومكوناته ووظائفه الأساسية والفرعية.
٢- دراسة العلاقات المتداخلة بين النظام وبقية النظم الاجتماعية الأخرى.
٣- دراسة الجوانب الاقتصادية والسياسية والقانونية ... لأي نظام. وهذا هو جوهر الاتجاه البنائي الوظيفي في علم الاجتماع.
стр. 107
تصنيف النظم الاجتماعية
مدخل
...
تصنيف النظم الاجتماعية:
يمكننا فهم النظم الاجتماعية على أنها مجموعة النماذج السلوكية والعلاقات المقننة التي تستهدف إشباع حاجات الإنسان والجماعات الإنسانية المكونة للمجتمع. ولما كان المجتمع يحتاج إلى أعضاء جدد وإلى أن يمد هؤلاء الأعضاء الجدد بأساسيات الثقافة السائدة في المجتمع ورعاية هؤلاء الأعضاء الجدد إلى جانب إشباع الحاجات الجنسية والعاطفية والنفسية عند الإنسان، فإن أي مجتمع يحتاج إلى نظام الأسرة. وهو ما يجعله نظامًا عامًّا وضروريًّا وشائعًا داخل كل المجتمعات سواء أكانت بدائية، أم حديثة. وإذا كان الإنسان -أينما وجد- في حاجة إلى الطعام والكساء والمأوى وإلى أساليب لتنظيم الإنتاج والاستهلاك والتوزيع، فإن هذا معناه حتمية وجود النظام
стр. 108
الاقتصادي داخل أي مجتمع. وإذا كان وجود المجتمع مرهونًا أساسًا بوجود النظام ومجموعة قواعد تنظم سلوك الناس وتحدد الجزاءات الاجتماعية التي يواجه بها المجتمع الأعمال التي تنحرف عما تواضع عليه المجتمع من قيم. هذا إلى جانب هيئة حاكمة تحكم المجتمع ويرجع إليها عند وجود خلافات لحسمها ... إلخ، فإن هذا كله معناه حتمية وجود النظام السياسي داخل المجتمع. وأخيرًا فإن الضعف الإنساني، وحاجة الإنسان إلى الكائن القوي القادر، جعله منذ القدم يلتمس معرفة تلك القوة التي تسيطر على قدره ومصيره، ويحاول التقرب منها بالعبادات والشعائر. وهذا معناه عمومية النظام الديني في كل المجتمعات، وهذه النظم الأربعة الأساسية: الأسرة، والاقتصاد، والسياسة، والدين، يجمع عليها العلماء باعتبارها النظم الأساسية والمنتشرة في كل المجتمعات مهما كانت درجة بدائيتها أو حداثتها. ويختلف العلماء كثيرًا في تصنيف النظم الاجتماعية، ويرجع الاختلاف إلى اختلاف معايير التصنيف. وتتمثل عملية تصنيف النظم الاجتماعية في محاولة التعرف على أنماط السلوك الاجتماعية. التي ترتبط معًا لتؤلف نظامًا واحدًا. وتحديد النظم الاجتماعية الفرعية التي تؤلف النظم الكبرى أو ما يطلق عليها بعض الباحثين الأنساق الاجتماعية. وهناك خلاف كبير بين الباحثين حول تحديد العناصر التي تؤلف نظام الأسرة أو الملكية أو النظام السياسي ... إلخ. ومما يزيد من صعوبة التصنيف ما سبق أن أشرت إليه من أن لكل نظام اجتماعي جوانب متعددة، فالأسرة في الكثير من المجتمعات، لها وظائف اقتصادية ودينية وسياسية. فهل يحق لنا على هذا الأساس اعتبار الأسرة نظامًا اقتصاديًّا أو دينيًّا أو سياسيًّا. يضاف إلى هذا أن هناك نظمًا معينة تقع على الحدود بين عدة نظم النظام ينفذ داخل النظام العائلي بين الأقارب، وهو مختلفة مثل نظام الميراث -كما هو في الشريعة الإسلامية مثلًا- فهذا النظام ينفذ داخل النظام العائلي بين الأقارب وهو بهذا الشكل يتعلق بالملكية وانتقال الثروات والحقوق الاقتصادية، وبذلك يمكن النظر إليه على أنه أحد مكونات النظام الاقتصادي. ومن جهة ثالثة، فإن الشريعة الإسلامية ممثلة في الكتاب والسنة، وهي التي تحدد الميراث وأسلوب توزيعه على سبيل
стр. 109
التحديد، وهو بهذا الوصف يمكن النظر إليه على أنه أحد مكونات النظام الديني وهكذا ...
ويمكننا أن نعرض هنا لنماذج من تفكير العلماء واختلافاتهم حول قضية تصنيف النظم فـ"هربرت سبنسر" H. Spencer عالم الاجتماع البريطاني يصنف السلوك الاجتماعي المقنن إلى عدة نظم هي: النظام العائلي، والنظام الشعائري، والنظام الديني، والنظام المهني، والنظام الصناعي. أما "سمنر" Summner و"كيلر" Keller، وهما من أشهر علماء الاجتماع في أمريكا يذهبان إلى أن هناك مجموعة من الحاجات الإنسانية الأساسية هي التي أدت إلى ظهور النظم الاجتماعية، وهي الجوع والحب والغرور والخوف، ويستهدف الناس من وراء إشباع هذه الحاجات الحفاظ على الذات وعلى النوع، وإشباع الذات والخضوع للكائنات الخفية التي تتجاوز قدرات الإنسان. وعلى هذا الأساس قام الباحثون بتصنيف النظم الاجتماعية إلى ما يلي:
стр. 110
١، ٢- النظم الاقتصادية والحكومية:
وأهم وظائفها توفير الطعام وتنظيم الملكية وتنظيم عمليات التفاضل أو التمايز الطبقي إلى جانب تنظيم سلوك الناس وعلاقاتهم من خلال القانون.
стр. 111
٣- النظام العائلي:
ويتصل هذا النظام بالغزل والزواج والطلاق وتنشئة الأبناء وأسلوب معاملة كبار السن.
стр. 112
٤- نظام الدين:
وهو يتعلق بالمعتقدات التي تدور حول المقدس وما يتصل به من شعائر وممارسات سلوكية سواء تعلقت بالحياة الدنيا أو بالحياة الآخرة. والدين الإسلامي الحنيف هو الدين الوحيد* الذي ينظم حياة الإنسان
٥- نظام التعبيرات الجمالية والعقلية والترويح:
وتتمثل في مجموعة من الممارسات السلوكية كالرقص والتمثيل والشعر والفن والعلم والفلسفة والألعاب والتسلية وغيرها.
ويتضح لنا مما سبق ذكره عن النظم الاجتماعية أن هناك اتفاقًا بين العلماء على محاولة ربط النظم بالحاجات البشرية، على أساس أن النظم الاجتماعية تظهر أساسًا محاولة ربط النظم بالحاجات الجماعية والمجتمعية. ولما كانت هناك حاجات عامة بين جميع البشر وكافة أنواع الجماعات، فإن هناك نظما لها خاصية العمومية كالعائلة والاقتصاد والسياسة والدين. ولكن الحاجات البشرية الجماعية متغيرة تختلف باختلاف الثقافات. فكلما تعقدت ثقافة المجتمع كلما ظهرت حاجات جديدة. ولهذا يختلف عدد النظم ونوعيتها باختلاف المجتمعات وموقعها على سلم التطور الحضاري والتكنولوجي. وأيا كان الأمر فإن فهم المجتمع كما يذهب بعض الباحثين مثل "كونيج" Keenig لا يحتاج في حقيقة الأمر إلا إلى عدد قليل من النظم التي توجد في كل المجتمعات على اختلاف درجات تقدمها أو تأخرها، وهي: النظام الاقتصادي ونظام الملكية والدين والعائلة والتعليم والتسلية والترويح.
وهناك من الباحثين مثل "نادل" Nadel من يتخذون من غرض النظام الكلي معيارًا للتصنيف. ويذهب الباحث المذكور إلى أن هناك نظماً مركبة وأخرى بسيطة. فالنظام المركب هو الذي يتألف من مجموعة من النظم التي تتشابه في هدفها. ومثال ذلك النظام القرابي الذي يضم نظماً فرعية مثل الزواج والخطبة والأسرة والوراثة والتبني ... إلخ. ويمكن في الواقع تصنيف بعض هذه النظم الداخلية في نظام العائلة ضمن مكونات النظام الاقتصادي مثل المهر والميراث. ولكنه يفضل تصنيفها ضمن النظام العائلي على أساس التشابه في الغرض الكلي للنظام المركب.
стр. 115
أهمية دراسة النظم الاجتماعية
مدخل
...
أهمية دراسة النظم الاجتماعية:
ونحن نهتم في دراستنا في علوم الاجتماع والإنسان بدراسة النظم الاجتماعية لعدة أسباب علمية وعملية نوجزها فيما يلي:
стр. 116
أولًا: تدخل النظم الأساسية في تكوين البناء الاجتماعي ،
ولهذا فإن التعرف عليها يعد أمرًا لازمًا من أجل دراسة البناء الاجتماعي.
стр. 117
ثانيًا: تكشف النظم الاجتماعية للمجتمع عن أساليبَ لمواجهة حاجاته الجماعية
وحاجات أبنائه الجسمية والروحية والنفسية والاجتماعية وبالتالي تعد مدخلًا أساسيا للفهم العلمي للمجتمع.
стр. 118
ثالثًا: تعد دراسة النظم الاجتماعية هي الأساس الأول للدراسة المقارنة بين المجتمعات
تمهيدًا لإصدار قضايا عامة أو للتعميم في الدراسات الاجتماعية. فمن الخطأ إجراء مقارنة بين ظواهر اجتماعية جزئية أو حتى بين نظم جزئية كالزواج والخطبة ... إلخ، على أساس أن مقارنة هذه الظواهر والنظم الجزئية بين عدة مجتمعات معناه انتزاع الظاهرة أو النظام من إطاره الكلي، الأمر الذي يحولها إلى ظاهرة هينة وبالتالي تبطل المقارنة.
وإذا ما أردنا المقارنة فإنه لا مناص على الأقل من دراسة النظم الاجتماعية الكبرى. ومثل هذه الدراسة المقارنة هي التي تمكننا من إصدار تعميمات حول مكونات ووظائف النظم الاجتماعية من جهة، وحول عوامل تغيرها وتحولها واتجاهات التغير وأساليبه ومداخله من جهة أخرى.
стр. 119
رابعًا: تعد الدراسة العلمية للنظم الاجتماعية هي الأساس الأول لمواجهة المشكلات الاجتماعية ،
فالمشكلات أو الأمراض الاجتماعية هي في جوهرها اختلال في أداء النظم لوظائفها، أو انحراف عن الفطرة السليمة. ولا شك أن العلاج يفترض فهم ميكانزمات ثبات النظم وتغيرها وعلاقاتها الوظيفية بعضها ببعض.
стр. 120
النظم وأوزانها داخل البناء الاجتماعي
مدخل
...
النظم وأوزانها داخل البناء الاجتماعي:
اختلف الباحثون في تحديد النظم المحورية التي تحتل وزنًا خاصًّا داخل البناء الاجتماعي من حيث اعتبارها المتغير للمستقبل الذي يحدد طبيعة النظم الأخرى ويقود عمليات التغير. وهنا انقسم الفكر السوسيولوجي إلى تيارينِ متناقضين:
стр. 121
الأول: التيار الماركسي الملحد
الذي يذهب إلى أن النظام الاقتصادي هو النظام المحوري الذي يمثل البناء الأساسي Infra-Structure الذي يحدد ويصوغ كل نظم البناء الفوقي Supra-Structure بما فيها نظم الأسرة والسياسة والدين، وهذا تيار إلحادي ماديّ مسرف ينبثق من أيديولوجية الصراع والمادية الجدلية العقيمة.
стр. 122
الثاني: التيار الديني أو القيمي
ويمثله "ماكس فبير" Veber ويؤكد أن النظام الديني هو النظام المحوري الذي يوجه ويصوغ كل النظم الاجتماعية الأخرى بما فيها النظم الاقتصادية.
وسوف نناقش هذه الآراء والتيارات بمزيد من التفصيل في فصل قادم.
ويكفي هنا أن أشير إلى أن الإسلام كنظام ديني يصوغ كافة النظم الاجتماعية الأخرى السياسية والاقتصادية والأسرية، ويقيم بناء مجتمع تختفي داخله الصراعات المدمرة ويقوم على التعاون والحب والتكافل والعدل والشورى والتقدم العلمي والتكنولوجي١٤ وهو ما سنزيده تفصيلاً في فصل قادم.
стр. 123
مصادر الفصل الثاني
١- د. نبيل السمالوطي: دراسات في علم الاجتماع- الجبلاوي- القاهرة سنة ١٩٧٧، ص ٢٣٤.
٢- W. Orburn and M. Nimkoff. A Handbook of Sociology, London ١٩٤٩ pp. ٣٦٣- ٦٤.
٣- دكتور أحمد أبو زيد: البناء الاجتماعي- مدخل لدراسة المجتمع- الجزء الأول، الدار القومية سنة ١٩٦٦، الفصل الثالث. وانظر أيضا كتاب ماكيفرو بيج بعنوان "المجتمع" الترجمة العربية.
٤- J.L. Gillin and J.P. Gillin: Cultural Sociology, N.Y. ١٩٧٨, p. ٣١٣.
٥- Gug Rocher: A General Introduction to sociology: A theoretical perspective:
٦- H.E. Barnes. SOcial Institutions. N.Y.. Prentice- Hall, ١٩٤٧. pp. ٢٨-٣٠
٧- M. Ginberg: SOciology: Oxford ١٩٤٩, p.٤٣.
وهذا الكتاب مترجم للعربية ضمن سلسلة الألف كتاب.
٨- P. Rose: The study of society: Rondan House Inc. N.Y. ١٩٦٧, p. ٥٢٣.
٩- G. Summner: Folkways Boston ١٩٠٦ pp. ٥٣- ٥٥
١٠- Koening S: sociology: An Introduction to the Science of Society: Barns and Nobi N.Y.١٩٦٠.
١١- E.C. Hughs: SOcial Introduction: In Alfred Lee: (ed) Principles of sociology: Col- lege outtine series pp. ٢٥٦- ٢٥٨.
١٢- Francis Meril: Sociology and Culture: Englewood Cliff, New - Jersy ١٩٦٣, pp. ٣٣٥- ٣٣٨.
١٣- Harry Elmer Barnes: social Institutions, op. cit
١٤- د. نبيل السمالوطي: المنهج الإسلامي في دراسة المجتمع، دراسة في علم الاجتماع الإٍسلامي، دار الشرق، جدة ١٩٨٠، الفصل الأول.
стр. 124
الفصل الثالث: النظام العائلي
الأسرة
الأسرة أهميتها ووظائفها
...
الفصل الثالث: النظام العائلي
الأسرة: أهميتها ووظائفها.
يهتم الإسلام بشكل ملحوظ ببناء الأسرة -أسلوب تكوينها والنظم المؤدية إليها، كالخطبة والزواج والعلاقات الأسرية وبيان حقوق الأبناء، وحقوق كل من الزوج والزوجة، وأساليب مواجهة المشكلات والخلافات الأسرية إن وجدت، وأسلوب إنهاء العلاقة الزوجية إن استحالت الحياة الأسرية المتكاملة، وبيان أساليب توزيع الميراث ... - وذلك لأن الأسرة السوية الصحية هي أساس الحياة الاجتماعية السوية، وهي أساس المجتمع المتكامل، ولا يخفى أن المجتمع ليس إلا مجموعة من الأسر المتفاعلة فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، ولعل المشكلة الكبرى في المجتمعات المتقدمة صناعيًّا وتكنولوجيًا تتمثل في تفكك الأسر وتسيب العلاقات داخلها، وهذا هو ما دعا المصلحين إلى التركيز على ضرورة الحرص على بناء الأسرة على دعائم قوية، وتتضح هذه الدعائم بشكل واضح ومعجز في التنظيم الإسلامي للأسرة.
والسبيل الأول لتكوين الأسرة هو نظام الزواج، والواقع أن كل الأديان قدَّمت تصورات لتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة بشكل يخضع لضوابط وتنظيمات دقيقة، وبشكل ينظم الفطرة التي أودعها الله في الإنسان كما أودعها في الحيوان، تنظيماً يرتفع بالإنسان -الذي كرمه الله ونفخ فيه من روحه وأهله للخلافة عنه سبحانه- عن مستوى الفطرة الحيوانية. وإذا كان الإنسان مطبوعاً على حب البقاء، وإذا كان لا سبيل إلى بقائه بذاته -لأن كل نفس ذائقة الموت- فإن سبيله، للبقاء هو النسل المعروف نسبته
стр. 125
للشخص، يراه امتدادًا في بقائه واستمرارًا لذكراه وخلودًا لحياته. والسبيل إلى ذلك هو نظام الزواج. يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: ٧٢] . وتشير هذه الآية الكريمة أن حاجتنا إلى الأزواج وثمرة الأزواج وتنظيم الزواج ليست أقلّ من حاجتنا إلى حفظ حياتنا والتمتع بلذائذ الحياة وطيبات الرزق التي تحفظ كياننا وتقينا التعرض للضعف والانحلال.
والزواج هو السبيل لتكوين الأسرة التي تحقق للإنسان إشباع فطرته وإشباع حاجاته البيولوجية والنفسية حيث يجد كل من الزوجين الشريك الذي يحقق له السكن والرحمة والمودة والراحة. يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] . هذه الإشباعات المتعددة التي يحققها الزواج المشروع حب البقاء والمودة والسكن والرحمة، هو ما يَطلق عليها القرآن الكريم قرة العين التي أطلق الله لسان عباده المقربين بدعائهم إياه بها ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] . ومحبة الولد حاجة ماسة عن كل إنسان سوي، كما يتضح في دعاء زكريا ﵇ بعد أن بلغ من العمر الشيخوخة قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ [مريم: ٤-٦] .
وإلي جانب تنظيم الفطرة وإشباع الإنسان إلى البقاء من خلال النسل، فإن نظام الزواج يهيئ للإنسان جوَّ الشعور بالمسئولية ويكون للإنسان تدريبًا عمليًّا على تحمل المسئولية والقيام بأعبائها. فالإنسان -ذلك الكائن السامي الذي استحق تكريم الله سبحانه- لم يُخلق للاستمتاع بالأكل والشرب واللذات الحسية فحسب ثم يموت كم تموت الأنعام، وإنما خلق ليعبد الله وليفكر ويقدر ويعمر الكون ويدبر ويدير المصالح
стр. 126
وينفع غيره وينتفع ... فهو كائن مسئول مكلف، ولا بد من بيئة تحضيرية يكون للإنسان فيها هيمنة له عليها قوامة، وله بها رباط لا يستطيع بمقتضى الشعور بهذا الرباط أن يتحلل منه، وأن يلقي به عن عاتقه. هذه البيئة هي التدريب العلمي على تحمل المسئولية، وذلك الرباط -الذي هو بمثابة المدرسة الأساسية للمسئولية- هو رباط الزواج. ولعل أقرب ما يوحى بهذا المعنى من كلام الله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [أول سورة النساء] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] .
ويعدّ الزواج في نظر الإسلام عقداً -ولكنه عقد أطلق عليه الميثاق لأهميته وما يترتب عليه من علاقات هي أساس تكوين أسرة وإنجاب أبناء وترتيبهم وميراث ... إلخ- ويتم الزواج بتوافر الإيجاب والقبول مع توافر الشهود، لأن الإيجاب والقبول يعني موافقة الرجل والمرأة بإرادتهما الحرة، مع ضرورة توافر الشهود. ولا يشترط في عقد الزواج أن يتم على يد أحد رجال الدين، كما لا يشترط أن يتم بمكان معين -كما هو الحال في المسيحية التي تستوجب إتمام عقد الزواج في الكنيسة على يد القسيس -ولا يعد العقد كاملًا وملزماً إلا إذا ما توفرت له الشروط الإسلامية كالشهود، وعدم كون المرأة محرمة على الرجل تحريماً مؤبداً أو مؤقتاً. وقد حدد التشريع الإسلامي أنواع المحرمات من النساء على وجه التأبيد، كالمحرمات عن طريق القرابة أو المصاهرة أو الرضاعة، بالإضافة إلى بعض المحرمات على وجه التأقيت، وهؤلاء يزول تحريمهن إذا زال السبب الذي أدى إلى التحريم كالجمع بين محرمين أو معتدة الغير أو المرأة التي لا تدين بدين سماوي٢.
ومن شدة اهتمام الإسلام بالزواج جعله ميثاقاً يجب على الإنسان أن
стр. 127
يكافح في سبيل الحفاظ عليه والوفاء بمقتضاياته والتصدي لما يعترض له من صعوبات، وأطلق الإسلام عليه "الميثاق الغليظ" أي العهد القوي. يقول تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً، وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء: ٢٠] . ويقول تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُن﴾ [البقرة: ١٧٨] . وتشير هذه الآيات الكريمة إلى عمق علاقة الزوجية، بحيث تتخطى كل العلاقات الأخرى في أهميتها. وإذا كان المتتبع لكلمة الميثاق في القرآن الكريم يدرك أنها تأتي -في أكثر من موضع- حيث يأمر الله سبحانه بعبادته وتوحيده والأخذ بشرائعه وأحكامه، فإنه يستطيع -وقد جاءت في شأن الزواج- إدراك الأهمية العظمى التي يضفيها القرآن الكريم على ظاهرة الزواج.
стр. 128
أسس بناء الأسرة في الإسلام
مدخل
...
أسس بناء الأسرة في الإسلام:
عقد الزواج في نظر الإسلام ميثاق غليظ، وعلاقة الزوجين علاقة سكنٍ ومودة ورحمة، وهو أساس لإنجاب الذرية -البنين والأحفاد، والزواج هو العملية الاجتماعية التي تتكون منها الأسرة وتتفرع عنها غصون الإنسانية- شعوبًا وقبائلَ- تتعارف وتتعاون، وتكون منها الأمة الفاضلة التى تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتحقق للإنسان معنى الخلافة التي خلق من أجلها. وهناك مجموعة من الأسس البنائية التي تقوم عليها الأسرة الإسلامية، تضمن لها القوة والاستمرار والعلاقات الطيبة والوقاية من التفكك أوجزها فيما يلي:
стр. 129
أولًا: التعرف:
يستوجب الإسلام أن يتعرف كل من الرجل والفتاة على بعضهما البعض بحيث لا يترك الأمر للمصادفة العمياء. ويوحي الإسلام هنا أن يكون معيار الاختيار هو الدين والخلق، ويحذر من الركون
стр. 130
إلى معايير الجمال أو الحسب أو المال وحدها. ومن أقوال الرسول ﵊ في هذه الناحية: "مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لِعِزِّهَا لمَ ْيُزِدْهُ اللَّهُ إلا ذلًّا، ومن تزوجها لمالِهَا لم يزده اللَّهُ إلا فقراً، ومن تزوجها لحسبها لم يزده إلا دناءة، ومن تزوجها لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن نفسه بارك الله له فيها وبارك لها فيه". وهذا لا يعني إهمال بقية المعايير -كالجمال أو الحسب- لكنها يجب أن تكون في مرتبة تالية للدين والخلق. هذه الخطوة الأولي وهي التعرف على خلق شريك المستقبل -المرأة والرجل- وعلى درجة تمسكه بالدين، يتلوها خطوة الخطبة، وهي خطوة الاختبار عن طريق المشاهدة والاستماع حيث يمكن للخاطب أن يرى من خطيبته وجهها ويديها وقدميها، ويسمع حديثها للوقوف على المزايا الجسمية والصوتية والفكرية. وخلال هذه اللقاءات -التي يتعرف كل طرف على الآخر- تتم في حضور بعض الأهل والأقارب في وسيطة مقبولة دون أن تسد منافذ الرؤية ويحكم سدها، ودون أن يطلق السراح ويطلق لهما العنان، فالفضيلة وسط بين طرفين كلاهما رذيلة. وقد قال النبي ﵊ للمغيرة بن شعبة عندما خطب امرأة: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما"، والأحاديث الشريفة- كثيرة وكلها ضرورة رؤية كل طرف من طرفي الخطبة للآخر.
стр. 131
ثانيا: الرضا الكامل الذاتي من الطرفين دون ضغط أو إكراه،
فلم تكتف الشريعة الإسلامية بالتعرف والاختبار المسبق، لكنها أوجب ضرورة الموافقة الصريحة من جانب الرجل والمرأة على الزواج، ولا يكفي -في أصح الآراء والمذاهب- رضا الولي ولو كان أباً ما دام الطرفان أو أحدهما غير راض بقلبه وضميره. وقد جعلت الشريعة الإسلامية الأمر شورى بين الفتاة وولي أمرها وأمها، حيث استوجبت من الولي أخذ رأي المخطوبة في زوجها المستقبل المرشح مع أخذ رأي أمها لأنها على دراية بأحوالها. قال ﵇: "أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها فزواجها باطل وكررها
стр. 132
ثلاثاً"، وقد قيل للرسول ﵊ إن البكر تستأمر فتستحي فتسكت: قال ﵇: "سكوتها إذنها"، وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﵊ قال: "آمروا النساء في بناتهن" ٣، وهكذا تحفظ الشريعة السمحة للأب سلطته الأبوية وتصون للبنت أدبها مع تمكينها من عرض رأيها كاملًا وبحرية في قضية هي أمس خصوصيتها، وهي الزواج واختيار زوج المستقبل. وبهذا الشكل يختفي استبداد الآباء وتسيب البنات.
стр. 133
ثالثاً: الكفاءة:
وضمانًا لحسن التوافق بين الزوجين وحسن العشرة وإمكان التفاهم وبناء العلاقة الزوجية على النديَّة، حرصت الشريعة الإسلامية على أن يكون الزوج كفئًا للزوجة في كل القيم التي يعتز بها الناس في حياتهم، خاصة بالنسبة للمكانة الاجتماعية والاقتصادية Socio-economic Status والكفاءة عنصر مهم لاستمرار الحياة الأسرية في ضوء قوامة الرجل، ذلك لأن انخفاض المكانة الاجتماعية والاقتصادية للزوج بالمقارنة بالزوجة يضعف مكانته كرب للأسرة وقد تهز من قوامته وتكون سبباً في تفكك العلاقة بينهما فيما بعد.
стр. 134
رابعًا: المهر:
فرضت الشريعة الإسلامية منحة تقديرٍ للزوجة تحفظ عليها حياءَها وكرامتها، يتقدم بها الزوج معبرًا عن تقديره لزوجة المستقبل وكامل رغبته في إتمام الزواج بها، وهذه المنحة هي المهر. وقد حرصت الشريعة على عدم الغلوِّ في المهر وضرورة التيسير في تحديده. وهناك العديد من التوجيهات النبوية الشريفة في هذا الصدد منها "من بركة المرأة سرعة تزويجها ويسر مهرها"، "وخير النساء أحسنهن وجوهًا وأرخصهن مهورًا٤.
وعلى هذا فإنه يمكن القول أنه إلى جانب التعرف والاختبار والرضا والكفاءة والمهر، هناك وصية إسلامية كريمة بعدم المغالاة في المهور حتى لا يضطر الرجل إلى الاستدانة وتحمل عبء الدين خلال الحياة الزوجية
стр. 135
مما ينعكس سوءًا على حالته النفسية والاقتصادية وموقفه من زوجته الأمر الذي يهدد العلاقات الأسرية نفسها.
стр. 136
الحقوق والواجبات الزوجية
...
الحقوق الواجبات الزوجية:
أ- إذا تحقق التعرف والاختبار والرضا والكفاءة والمهر مع تيسيره، تم عقد الزواج -بشهادة الشهود- ويترتب على هذا العقد الذي أطلق عليه القرآن الكريم "الميثاق الغليظ" مجموعة من الحقوق والواجبات المتبادلة تضمن تماسك الأسرة واستمرارية العلاقات الزوجية وسيادة المودة والرحمة والتفاهم المتبادل. وقد كرَّمَ الإسلام المرأة بعد أن كانت كمًّا مهملًا في الجاهلية، وهذا التكريم لم يرقَ إليه أكثر القوانين الغربية المعاصرة التي تدعي أنها منحت المرأة كل حريتها. ويتضح هذا التكريم القرآني للمرأة من القاعدة القرآنية الكريمة: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
ويذهب الإمام الشيخ محمد عبده إلى أن الدين الإسلامي رفع النساء إلى درجة سامية لم تصل إليها أمة سواء قبل الإسلام أو بعده. ففي بعض الدول الأوروبية تحصل المرأة على نصف أجر الرجل على الرغم من قيامها بنفس العمل المهني للرجل. كذلك فإن قوانين بعض هذه الدول تمنع المرأة من حق التصرف في مالها دون إذن زوجها. أما الإسلام فقد أعطى المرأة استقلالها الاقتصادي ومنع الرجل من أن يأكل من مال المرأة، فضلًا عن تملكه أو التصرف فيه، أو فرض الوصاية عليها. ولا يحق للرجل أخذ شيء من مال زوجته إلا إذا كان عن طيب نفس منها ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] . وقد كان النساء يعانين حتى أقل من قرن في أوروبا من جاهلية -فكرية واجتماعية- ليست بأحسن من جاهلية ما قبل الإسلام، فقد كانت المؤتمرات تعقد في أوروبا لبحث قضية وهي:
стр. 137
"هل المرأة إنسان أم حيوان"؟ وبالتالي هل يحق لها التمتع بحقوق الإنسان أم لا؟.
ب- يقول تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ [البقرة: ٢٢٨] . وهذا يعني أن الأساس الذي يرجع إليه تقرير الحقوق والواجبات هو العرف الذي تقضي به فطرة المرأة وفطرة الرجل. وقد أفاض الفقهاء في بيان حقوق كل من الزوج والزوجة، والحق الذي تقضي به الفطرة السليمة هو ما قضى به النبي ﵊، بين عليٍّ وابنته فاطمة، حيث قضى على ابنته بخدمة البيت ورعايتِهِ، -تدبير المنزل ورعاية الأطفال- وعلى زوجها بالعمل والسعي والكسب خارج البيت. ويقضي الإسلام بالتعاون بين الزوجين إذا دعت الضرورة حيث يساعد كل زوج زوجته في تدبير ورعاية البيت، وتساعد كل زوجة زوجها في عمله، وهذا هو التعاون الذي يطالبنا به ديننا الحنيف ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] .
ومن حسن العشرة والعلاقات الاجتماعية الطيبة عدم قيام أي طرف بتكليف الطرف الآخر ما لا يطيق ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، ومن حسن العشرة استمرار الود والحب والمودة والرحمة، فالأسرة في نظر الإسلام ليست مؤسسة اقتصادية ولا مؤسسة سكن بالمعنى الحرفي فحسب، لكنها تنظيم يهيئ الجو الملائم لحياة الإنسان حياة مريحة يشبع من خلالها كلٌّ من الزوجين حاجاته النفسية إلى الحب والأمن والتقدير وإثبات الذات والتعبير عنها، والحاجة إلى الذرية الصالحة، والحاجة إلى المودة والرحمة إلى جانب إشباع الحاجات المادية.
ج- وإذا كان الإسلام قد ساوى بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات فإنه جعل القوامة للرجل ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] ، فالرجل
стр. 138
هو المسئول عن المرأة مكلف بالإنفاق عليها وصيانتها ودفع الشر عنها، فهي مسئولية قوامة وتكليف وليست مسئولية سيطرة وسلطان وقهر. وهذه المسئولية تقتضيها ضرورة الاجتماع. فأي جماعة لا بد لها من قائد ومدير ومتصرف ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . وليس معنى هذا إعفاء المرأة من المسئولية، فعن ابن عمر رضي عنهما عن النبي صلي الله عليه وسلم، قال: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" متفق عليه٥.
فالمرأة مسئولة ومشاركة للرجل في المسئولية وأعباء المنزل. وإذا كان الإسلام قد منح الرجل القوامة فلأنه قادر على القيام بمشاق الأمور بسبب ما أودعه الله سبحانه فيه من قوة جسيمة وتحكيم العقل وعدم الانقياد للعواطف، وقدرته أو مسئوليته عن الإنفاق ورعاية الأسرة كلها. وهذا يعنى أن حق اتخاذ القرار النهائي Decision Making يكون للرجل، ولكن هذا القرار لا يصدر عن تسلط ولكن عن شورى وتبادل للرأي وإقناع واقتناع. وعلى هذا فإن المرأة تعد قوة من قوى تشكيل القرار Decision Shaping. وهذه الاستراتيجية الأسرية كفيلة بدوام الأسرة واستمراريتها وتماسكها.
د- وقد سبق أن أشرنا إلى أن قوامة الرجل وقيامه باتخاذ القرارات لا يعني التسلط، وإنما يقوم على أحد المبادئ الإسلامية الخالدة لبناء العلاقات الاجتماعية على مستوى الجماعة Group Level أو مستوى التنظيم Organization Level أو مستوى المجتمع المحلي Community Level أو مستوى المجتمع العام Society Level، وهو مبدأ الشورى وتبادل الرأي والمشاركة الإيجابية Positive Participation من جانب الأعضاء. فأمر المؤمنين شورى بينهم كما يحدثنا القرآن الكريم
стр. 139
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ [الشورى: ٣٨] . وقد أمر الله تعالى نبيه الكريم أن يشاور أصحابه إشعارًا لهم بأهميتهم في إتخاذ القرارات، فقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، وليست الشورى كنظام قاصر على المستوى السياسي أو مستوى الدولة، لكنه يمتد ليطبق داخل كل الجماعات الاجتماعية Social Groups على اختلاف مستوياتها وليست الجماعة الأسرية استثناءً من هذه القاعدة.
وقد جاء ذلك صريحاً في القرآن الكريم في مجال الحق في إبداء الرأي بشأن رضاع الأبناء الأطفال وفطامهم، فليس من حق الرجل منفردًا أو المرأة منفردة حق الاستئثار باتخاذ القرار دون الرجوع للطرف الآخر، قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، وقد وضع القرآن الكريم هذا المبدأ ليطبق في كل أمر يحتاج إلى تفاهم وتشاور داخل الحياة الأسرية. وقد أثبتت دراسات ديناميات الجماعة Group Dynamics أن درجة رضا عضو الجماعة وصحته النفسية وإنتاجيته تتناسب طرديًّا مع شعوره بالمشاركة في اتخاذ القرارات داخل الجماعة، وقد أقر الإسلام هذا المبدأ منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا. وعلى هذا فالتسلط والاستبداد بالرأي من جانب الزوج أمر مرفوض في الإسلام يتنافى مع قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُن﴾ [البقرة: ١٨٧] ، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .
هـ- توصي التعاليم الإسلامية بحسن المعاشرة بين الزوجين، ووصايا الرسول ﵊ في هذا الصدد منها: "استوصوا
стр. 140
بالنساء خيرًا". ومنها قوله ﵇: "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها أسرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في ماله وعرضه". وقال ﵇: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم"، وقال: "لا يفرك مؤمن مؤمنة -لا يبغضها- إن كره منها خلقًارضي منها غيره" ٦، ولا يقتصر حسن العشرة على الماديات كالطعام والسكن والملبس والمشرب، ولا على مجرد تلبية الزوجة دعوة زوجها إذا دعاها، لكنه أعمق من ذلك حيث يتمثل في تلك العلاقة النفسية العميقة التي عبر عنها القرآن الكريم بمصطلحات السكن والمودة والرحمة واللباس والميثاق الغليظ.
стр. 141
نظام الأدوار والمراكز الاجتماعية داخل إطار العلاقات الأسرية
مدخل
...
نظام الأدوار والمراكز الاجتماعية داخل إطار العلاقات الأسرية:
هناك مجموعة من الحقوق للزوجة هي واجبات الزوج، وهذا هو الدور الاجتماعي Social Role للزوج، فالدور عند جونسون٧ Johnson هو مجموعة الواجبات، أما المركز Status فهو مجموعة الحقوق. وهناك واجبات على الزوجة هي حقوق الزوج. وهناك حقوق وواجبات للأبناء وسأوجز كل منها فيما يلي:
стр. 142
أولًا: حقوق الزوجة على الزوج:
أ- الإنفاق باعتدال: ومن حق الزوجة على زوجها أن ينفق عليها من غير تقتير ولا تبذير، فالتقتير يسيء إليها وينفرها، وقد يصرفها عنه ويجعلها تمد عينيها إلى زهرة الدنيا عند غيره، والتبذير يطغيها ويرديها، ويجعلها توغل في شهواتها وتندفع وراء أهوائها. قال معاوية القشيري ﵁: يارسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال ﵇: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا يضرب
стр. 143
الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" ٨ حديث حسن رواه أبو داود.
ب- حسن المعاملة والاحتمال: تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] . قول الرسول ﵊: "واستوصوا بالنساء خيرًا"، وهذا يعني مداراة النساء وحسن سياستهن والصبر على عوجهن ذلك أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على أسباب معاشه وتحصين نفسه وحفظ ذريته. ولنا في رسول الله أسوة حسنة في حسن تعامله مع زوجاته.
ج- الملاطفة والمداعبة في اعتدال: لما لذلك من تطييب قلب النساء، وقد كان ﵊ يمزح مع نسائه ويتنزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق، قالت عائشة ﵂: سابقني رسول الله صلي الله عليه وسلم فسبقته، فلما حملت اللحم سابقني فسبقني، وقال: "هذه بتلك" وفي الحديث: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" وقال ﵇: "كل شيء ليس من ذكر الله لهوٌ ولعب إلا أن يكون أربعة، ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشي الرجل بين الفرضين، وتعليم الرجل السباحة". لكن يجب أن يكون الرجل معتدلًا في مداعبة زوجته فلا يسرف في مداعبتها إلى حد يفسدها أو يضيع كرامته وهيبته عندها، ويجب أن تكون هناك مسافة اجتماعية Social Distance محفوظة بينهما باستمرار، تلك المسافة التي تجعل الرجل قوامًا على المرأة يوجهها للخير ويأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر ويوقفها عند حدها عند مخالفة الشرع. وإذا لم تجد مخالفة الشرع. وإذا لم تجدِ المْرَأة من الرجل حزماً، قد تنحرف عن سوي الطريق وقد تحمله هو ما لا يطيق، وقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ
стр. 144
وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤] . وكما يطلب من الرجل عدم الإفراط في المداعبة وتقريب زوجته منه بشكل مسرف، فإنه يطالب كذلك بعدم الإسراف في التزمُّت والقسوة فخير الأمور الوسط.
د- الغيرة: ويجب أن يكون الزوج غيوراً على زوجته فلا يمكنها من مقارفة ما يمس شرفها أو عرضها أو كرامتها أو يغض من مروءته أو مروءتها أو منزلته الاجتماعية على أية صورة من الصور.
وإذا كان على الرجل أن يوجه زوجته للخير ويمنعها من عمل الشر أو ما ينهى عنه الإسلام، فإنه مطالب أن يفعل الخير وينتهي عن فعل المنكرات. وقال ﵇: "إن الله يغار، والمؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله". قال سعد بن عبادة ﵁: لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فقال ﵊: "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير منى، ومن أجل غيرة الله، حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين"، ويوجهنا الإسلام الحنيف إلى عدم المغالاة في الغيرة في غير ريبة، وعدم إساءة الظن أو التعنت مما يفسد الحياة الزوجية دون داع.
стр. 145
ثانيًا: حقوق الزوج على زوجته:
أ- الطاعة في غير معصية: والمقصود هنا الزوج طالما لم يأمر بمعصية الله، وعليها أن تجتهد في إرضائه وسروره ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ٣٤] . وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لو كنت آمراً أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". رواه الترمذي وقال: حديث حسن