← Общие книги

Общие книги · id 11075

بناء المجتمع الإسلامي

نبيل السمالوطي

Полный текст (518 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

نظام الأدوار والمراكز الاجتماعية داخل إطار العلاقات الأسرية مدخل ... نظام الأدوار والمراكز الاجتماعية داخل إطار العلاقات الأسرية: هناك مجموعة من الحقوق للزوجة هي واجبات الزوج، وهذا هو الدور الاجتماعي Social Role للزوج، فالدور عند جونسون٧ Johnson هو مجموعة الواجبات، أما المركز Status فهو مجموعة الحقوق. وهناك واجبات على الزوجة هي حقوق الزوج. وهناك حقوق وواجبات للأبناء وسأوجز كل منها فيما يلي:

стр. 142

أولًا: حقوق الزوجة على الزوج: أ- الإنفاق باعتدال: ومن حق الزوجة على زوجها أن ينفق عليها من غير تقتير ولا تبذير، فالتقتير يسيء إليها وينفرها، وقد يصرفها عنه ويجعلها تمد عينيها إلى زهرة الدنيا عند غيره، والتبذير يطغيها ويرديها، ويجعلها توغل في شهواتها وتندفع وراء أهوائها. قال معاوية القشيري ﵁: يارسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال ﵇: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا يضرب

стр. 143

الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" ٨ حديث حسن رواه أبو داود. ب- حسن المعاملة والاحتمال: تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] . قول الرسول ﵊: "واستوصوا بالنساء خيرًا"، وهذا يعني مداراة النساء وحسن سياستهن والصبر على عوجهن ذلك أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على أسباب معاشه وتحصين نفسه وحفظ ذريته. ولنا في رسول الله أسوة حسنة في حسن تعامله مع زوجاته. ج- الملاطفة والمداعبة في اعتدال: لما لذلك من تطييب قلب النساء، وقد كان ﵊ يمزح مع نسائه ويتنزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق، قالت عائشة ﵂: سابقني رسول الله صلي الله عليه وسلم فسبقته، فلما حملت اللحم سابقني فسبقني، وقال: "هذه بتلك" وفي الحديث: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" وقال ﵇: "كل شيء ليس من ذكر الله لهوٌ ولعب إلا أن يكون أربعة، ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشي الرجل بين الفرضين، وتعليم الرجل السباحة". لكن يجب أن يكون الرجل معتدلًا في مداعبة زوجته فلا يسرف في مداعبتها إلى حد يفسدها أو يضيع كرامته وهيبته عندها، ويجب أن تكون هناك مسافة اجتماعية Social Distance محفوظة بينهما باستمرار، تلك المسافة التي تجعل الرجل قوامًا على المرأة يوجهها للخير ويأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر ويوقفها عند حدها عند مخالفة الشرع. وإذا لم تجد مخالفة الشرع. وإذا لم تجدِ المْرَأة من الرجل حزماً، قد تنحرف عن سوي الطريق وقد تحمله هو ما لا يطيق، وقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ

стр. 144

وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤] . وكما يطلب من الرجل عدم الإفراط في المداعبة وتقريب زوجته منه بشكل مسرف، فإنه يطالب كذلك بعدم الإسراف في التزمُّت والقسوة فخير الأمور الوسط. د- الغيرة: ويجب أن يكون الزوج غيوراً على زوجته فلا يمكنها من مقارفة ما يمس شرفها أو عرضها أو كرامتها أو يغض من مروءته أو مروءتها أو منزلته الاجتماعية على أية صورة من الصور. وإذا كان على الرجل أن يوجه زوجته للخير ويمنعها من عمل الشر أو ما ينهى عنه الإسلام، فإنه مطالب أن يفعل الخير وينتهي عن فعل المنكرات. وقال ﵇: "إن الله يغار، والمؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله". قال سعد بن عبادة ﵁: لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فقال ﵊: "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير منى، ومن أجل غيرة الله، حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين"، ويوجهنا الإسلام الحنيف إلى عدم المغالاة في الغيرة في غير ريبة، وعدم إساءة الظن أو التعنت مما يفسد الحياة الزوجية دون داع.

стр. 145

ثانيًا: حقوق الزوج على زوجته: أ- الطاعة في غير معصية: والمقصود هنا الزوج طالما لم يأمر بمعصية الله، وعليها أن تجتهد في إرضائه وسروره ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ٣٤] . وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لو كنت آمراً أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". رواه الترمذي وقال: حديث حسن

стр. 146

صحيح٩. وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة" رواه الترمذي وقال حديث حسن. ب- لا تدخل أحدًا بيته إلا بإذنه: عن أبي هريرة ﵁ وقال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه" متفق عليه١٠. ج- المحافظة على مال زوجها: على الزوجة الحفاظ على مال زوجها بحيث لا ترهقه بما لا يستطيع مما يضطره للاستدانة، كذلك يجب ألا تتصرف في ماله إلا بإذنه، قال ﵊: "لا يجوز لامرأة عطية إلا أن يأذن زوجها" وقال ﵇: "لا يحل لها أن تطعم من بيته إلا بإذنه إلا الرطب من الطعام الذي يخاف فساده فإن أطعمت عن رضاه كان لها مثل أجره، وإن أطعمت بغير إذنه كان له الأجر وعليها الوزر" ١١. د- عدم الخروج من منزل زوجها إلا لضرورة وبإذنه: من حق الرجل على زوجته أن تلزم بيتها -لعملها المنزلي- إدارة المنزل وتربية الأطفال وتهيئة جو الراحة لزوجها وأبنائها -وهذا العمل المنزلي لا يقل أهمية عن عمل الرجل في الخارج. كذلك عليها ألا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه، وحينئذ تخرج محتشمة غير متبرجة- قال ﵇: "أيَّما امرأة خرجتْ من بيتها بغير إذن زوجها كانت في سخط الله تعالى حتى ترجع إلى بيتها أو يرضى عنها زوجها" ويجب على المرأة أن تعنى بصلاح شأنها وتدبير بيتها وطاعة ربها، قانعة من زوجها بما رزقه الله وتقدم حقه على حقها، وحق سائر أقاربها حتى يرضى عنها فيرضى عنها الله تعالى. وعلى المرأة العناية بحسن تنشئة أبنائها وغرس العقيدة الإسلامية السليمة في نفوسهم.

стр. 147

يضاف إلى هذا أن هناك مجموعة كبيرة من الحقوق والواجبات لكل من الزوج على زوجته، وللزوجة على زوجها. يقول تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته". متفق عليه١٢. وعن عمرو بن الأحوص الجشمي ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول في حجة الوداع بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه وذكَّر ووعظ ثم قال: "ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك *، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا، ألا إن لكم على نسائكم حقًّا ولنسائكم عليكم حقًّا، فحقكم عليهن ألا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 148

ثالثًا: حقوق الأولاد: ينص الإسلام على مجموعة من الحقوق الثابتة للأبناء على الآباء، ولم يترك هذه الحقوق للالتزامات الأخلاقية أو لغرائز أو دوافع الحنو على الأبناء، وإنما ينظمها في شكل أحكام ملزمة توضح حقوق الأبناء منذ ولادتهم سواء فيما يتعلق بنسبهم أو تربيتهم وتنشئتهم اجتماعيًّا أو الإشراف وحماية أموالهم. أ- حق النسب: يثبت نسب الأبناء لأبيهم من خلال عدة أساليب وهي: -الزواج - الإقرار

стр. 149

- البينة. وبالنسبة للأسلوب الأول وهو الزواج، فهو الطريق الطبيعي لثبوت النسب، فكل مولود يأتي بعد تسعة أشهر من بداية الزواج، فهو ابن للزوج لينسب إليه دون حاجة لإقامة بينة فالزواج كان لإثبات النسب. ومن حق الرجل الإقرار ببنوة طفل، ليس من زوجته المعروفة، ذلك أنه ربما تزوج سرًّا، لكن لا يجوز الاعتراف بولد الزنا. كذلك مكن للنسب أن يثبت عن طريق البينة، كما في حالة ادعاء المرأة أن ولدها هو ابن رجل معين تزوج منها ثم أنكر الطفل. هنا إذا استطاعت المرأة أن تقيم البينة على دعواها عن طريق الإشهاد يثبت النسب. ب- حق الرضاع: من واجب الأم إرضاع وليدها، فهو حق للطفل على الأم، والأم التي لا تقوم بهذا الواجب الديني -مع قدرتها- تعد آثمة عند الله. هذا الواجب لا يمكن أن تجبر عليه الأم قانونًا، فهو واجب ديني وهو واجب أكثر إلزامًا من الواجب القانوني لأنه يصدر عن التزام داخلي. وإذا رفضت الأم إرضاع طفلها فلا تجبر على ذلك قضاءً، إلا إذا رفض الطفل الرضاع من غيرها، هنا تجبر عليه، فإذا كانت مطلقة، فعلى الأب أن يدفع لمطلقته أجرًا نظير إرضاع الطفل. قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . ج- حق الحضانة: والحضانة هي من حق الصغير على الأبوين، ويقصد بالحضانة التربية والاهتمام بجميع أمور الصغير خلال سن معينة، ومن

стр. 150

الواجب أن يعيش الطفل عيشة طبيعية بين والديه، لكن إذا انفصلا يجب ألا يبعد عن أمه التي حملته وأرضعته لأنها أقدر على تربيته والإشراف عليه. وقد جاءت امرأة إلى النبي ﵊ تشكو زوجها وقالت له: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني. فقال لها ﵊: "أنت أحق به ما لم تتزوجي". والحضانة من حق الأم ما لم يثبت عدم قدرتها على القيام بواجبات الحضانة سواء بسبب زواجها أو بسبب سوء أخلاقها، الأمر الذي يمكن أن يضر الطفل. د- حق الأبناء النفقة والرعاية: يجب على الآباء الإنفاق على الأبناء ورعايتهم قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ [الطلاق: ٧] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك" رواه مسلم١٣.

стр. 151

نظام المحرمات من النساء في الإسلام مدخل ... نظام المحرمات من النساء في الإسلام: يشترط في الزواج -حتى يكون صحيحًا- ألا تكون محرمة عليه. ويحرم الإسلام على الرجل الزواج من بعض النساء اللائي يرتبطن به بروابط: أ- القربى.

стр. 152

ب- المصاهرة. ج- الرضاع. لحكمة يعلمها سبحانه وحتى تبقى صلته وعلاقاته بهن بعيدة عن المشكلات والخلافات وهن أقرب الناس إليه. ويتضح نظام التحريم الإسلامي من قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة النساء: ٢٣] . ويتضح من هذه الآية الكريمة أن هناك ثلاثة أنواع من المحرمات:

стр. 153

أولاً: المحرمات بسبب القرابة وهن: أ- الأصول وإن علون: كالأم والجدة ... ب- الفروع وإن نزلن: كالبنت والحفيدة وابنة الحفيدة ... ج- فروع الأبوين: كالأخوات وبناتهن وإن نزلن ... د- فروع الجدين: كالعمات والخالات وهنا لا ينسحب التحريم على فروعهن وإنما يقتصر عليهن فقط. ويمكن أن نفهم حكمة التشريع الإسلامي الحنيف من تحريم هؤلاء النساء، فهن يرتبطن بعلاقة هي، أوثق علاقة بالإنسان في حياته الدنيا -فهن أصوله وفروعه وفروع أبويه وأجداده. ويمكن أن يؤدي الزواج بإحداهن إلى خلافات ومشكلات- كالتي تحدث بين الزوج والزوجة، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور علاقات الصراع وقطع الأرحام والإساءة إلى الأهل وإثارة البغضاء بين الأقارب ... إلخ.

стр. 154

ثانيًا: المحرمات بسبب المصاهرة وهن: أ- زوجة الأصل: أي زوجات الأب والجد.. ب- زوجات الفروع، مثل زوجات الابن والحفيد من الابن أو البنت ... ج- أصل الزوجة، ويشمل التحريم هنا أم الزوجة الحماة وأم أمها وأم أبيها. د- فروع الزوجة، ويشمل التحريم هنا بنات الزوجة، ويشترط للتحريم أن يتم الزواج بالدخول لا بمجرد العقد، فالعقد وحده بالنسبة للأم لا يحرم البنت. وحكمة التشريع الإسلامي الحنيف من تحريم هؤلاء النساء هو الحرص على استمرار العلاقات الوثيقة بالأصهار، وحتى لا يزرع الحقد والكراهية بين البنت وأمها مثلًا، إذا تزوجا من شخص واحد. ولهذا حرم الإسلام على الرجل أن يتزوج ممن يرتبطون بزوجته برباط قرابة وثيق ونفس الشيء بالنسبة للمرأة، حتى لا يساء للزوجة أو للزوج، حتى تظل علاقة الأصهار بمعزل عن الصراع والكراهية والخلاف.

стр. 155

ثالثاً: المحرمات بسبب الرضاعة: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، ويشترط في الرضاع كي يكون محرمًا أن يتم خلال السنتين الأوليين من حياة الطفل، وأن تكون الرضعات مشبعة. ويدخل تحت هذا القسم كل من ارتبط بالشخص عن طريق الرضاعة، ولعل الحكمة من التحريم هنا أن الأخ في الرضاعة مثلاً يكون قد بنى جسمه من لبن الأم -وهو الغذاء الأساسي في فترة الطفولة المبكرة، وبالتالي يعد بمثابة الأخ الشقيق للاشتراك في الغذاء من نفس الأم المصدر.

стр. 156

نظام التحريم على سبيل التأقيت: هذه الأقسام سالفة الذكر هي من قبيل المحرمات على سبيل التأييد وبصفة نهائية، ولكن هناك مجموعة من الأقسام يحرم على الإنسان الزواج منهن بصفة مؤقتة لأسباب معينة، ويسمح له بالزواج منهن إذا زالت هذه الأسباب وهن: أ- زوجة غيره ومعتدته حتى لا تختلط الأنساب. ب- الجمع بين محرمين: كالجمع في الزواج بين الزوجة وأختها أو ابنة أخيها أو ابنة أختها أو عمتها أو خالتها.. ج- الجمع بين أكثر من أربعة زوجات. د- المشركة أو الملحدة غير الكتابية التي لا تدين بدين سماوي أما المرأة التي تدين بالمسيحية أو اليهودية فهي تعبد الله وبالتالي يجوز للمسلم الزواج بها. هـ- المطلقة ثلاثاً، يحرم زواجها من مطلقها ما لم تطلق من زوج آخر بعد زواج شرعي حقيقي بنية التأبيد. وهذه الأقسام يحرم على الرجل الزواج منهن على سبيل التأقيت، ذلك لأنه يستطيع الزواج بإحداهن إذا زال سبب التحريم.

стр. 157

النظام الإسلامي في مواجهة الخلافات والمشكلات الأسرية: أ- يحرص الإسلام على بناء الأسرة على أسس متينة تضمن لها البقاء والاستمرار والتماسك، غير أن الأمر لا يخلو من إمكانية حدوث خلافات وصراعات ومشكلات بين الزوج وزوجته. هنا يتدخل الإسلام بنظام فريد للمواجهة والعلاج بعد أن اتخذ مجموعة من الإجراءات الوقائية. فالإسلام يتخذ إجراءات وقائية Protective Procedures، تحول دون وقوع المشكلات أصلاً، لكن الله يعلم طباع البشر لأنه

стр. 158

سبحانه خالقها، ولهذا وضع مجموعة من الإجراءات الإرشادية Exten- Sion Procedures لإرشاد أعضاء الجماعة لمواجهة المشكلات قبل وعند ظهورها، ثم بعد هذا يتخذ مجموعة من الإجراءات العلاجية Curative Procedures. ب- ويعلم سبحانه أن القلوب معرضة للتحول والاتجاهات تتغير، فقد يحل الشقاق محل التفاهم لأي سبب من الأسباب. وهنا يبدأ القرآن بالتحذير من الانقياد للنزعات الطارئة التي يمكن أن توجد الشقاق والخلاف. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء: ١٩] . وهنا يأمرنا الله سبحانه بعدم التضييق على الزوجة والتشدد في معاملتها بدون سبب معقول، وهو هنا يرشدنا إلى أن نزعات الكراهية قد تكون مؤقتة وطارئة، وقد يكره الإنسان شيئاً ولا يدري أن الله يجعل فيه خيراً كثيراً. ج- وإذا كان القرآن الكريم يوجه النصح للرجال فإنه يرشد النساء إلى ضرورة التزام الصلاح والقنوت وطاعة الله فيما أمر بشأن حقوق الزوج وصيانتها وحفظها، وإطاعة أمر الزوج والاحتفاظ بالأسرار الزوجية والمنزلية، وهذا النوع من الزوجات ليس للأزواج عليهن سلطان ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] ، أما اللائي يخرجن عن حدودهن ولا يطعن الله ويخشى منهن النشوز فهنا يبدأ العلاج الاجتماعي والنفسي تجنباً لإمكانية تفكك الأسرة وانحلالها. وهناك خطوات قرآنية للعلاج تتمثل في المستويات التالية: ١- النصح والإرشاد عن طريق الحكمة والموعظة الحسنة. ٢- إذا لم يجد هذا العلاج الأول، يقوم الزوج بهجر زوجته في

стр. 159

المضجع، وفي هذا إيلام نفسي عنيف للزوجه يدركه النساء. ٣- فإذا لم يجد الهجر، يقوم الزوج بتأديبها بالإيلام الجسمي المادي عن طريق الضرب، وهذا هو آخر وسيلة يملكها الرجل لعلاج زوجته التي يخاف نشوزها وهو عقاب لا يلجأ إليه الزوج إلا عند الضرورة. هذا العلاج القرآني الكريم يصلح لكل العصور ولا يتعارض مع كرامة المرأة، ويتفق مع الطبيعة النفسية للمرأة، يتفق في تدرجه مع درجة النشوز والانحراف، فإذا أجدى النصح اللفظي انتهى الأمر، فإذا لم يجد لجأ الزوج إلى الأسلوب الثاني، وهو لا يلجأ للأسلوب الثالث -الإيلام الجسمي- إلا عندما تفشل الوسائل السابقة. وحتى في عملية الضرب وضع الإسلام الحنيف لها شروطاً يجعل منها وسيلة للتأديب والعقاب وليس للانتقام أو الإيذاء العنيف. هذا العلاج الذاتي الداخلي أجدى وأكرم من اللجوء -في كل صغيرة وكبيرة- إلى المحاكم وإذاعة الأسرار الأسرية مما يعقد المشكلة ويجعلها تستعصي على العلاج. يقول تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [النساء: ٣٤] . د- يرشدنا القرآن إلى الأسلوب الأمثل في مواجهة إمكانية نشوز الزوجة، فإنه قد أرشد الزوجات إلى أمثل الأساليب لعلاج إمكانية نشوز الزوج. قال تعالى: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [النساء: ١٢٨] . فالزوجة التي تلاحظ إعراض زوجها عنها أو تخاف نشوزه، عليها أن تعمل على إرضائه واستمالته إليها من خلال وسائل الترضية

стр. 160

المشروعة التي لا تمس ديناً ولا خلقاً. ومن خلال الكلام الطيب والابتسامة المشرقة وإرضاء مطالبه المشروعة. وما يهمنا هنا أن مواجهة الخلافات هنا تتم داخل الجماعة الداخلية In Group وهي جماعة الأسرة الصغيرة ذاتها طالما أن المشكلة لم تتجاوز مجرد الخوف من النشوز، وملاحظة الإعراض، فالزوجان هما المكلفان بحل المشكلات دون اللجوء للتحكيم الخارجي في أي شكل من الأشكال. هـ- في حالة تفاقم الخلاف والصراع بين الزوجين، ولم يستطيعا بجهودهما الذاتية حل المشكلات الداخلية. يوجهنا الإسلام إلى ضبط النفس حتى لا يسرف أحد الطرفين في إيذاء الطرف الآخر -حفاظاً على حق العشرة السابقة- لعل الله يجعل بعد عسر يسراً. وهنا يبدأ دور الجماعة الإسلامية- متمثلة أولاً في أسرة الزوج والزوجة- فمن واجب المسلمين إصلاح ذات بينهم يقول تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ١١٤] . ويقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] . وحفاظاً على تماسك الأسرة وهي الوحدة الأساسية للحياة الاجتماعية، وحماية لها من التفكك وما يترتب على التفكك كمشكلة من مشكلات مترتبة عليها كتشرد الأطفال وضياع مستقبلهم، أو الانحرافات الجنسية وتفكك الحياة والعلاقات بين الأسر، وإحلال علاقات الصراع بدلاً من التآخي والتعاون ... إلخ، فإنه يجب على القادرين من المسلمين محاولة إصلاح ذات بين الزوجين من أجل إزالة أسباب الخلاف وإعادة العلاقات بينهما إلى ما كانت عليه. وهذه هي خطوة التحكيم. حرصاً من الإسلام على عدم إذاعة أسرار الأسرة ونشر أسباب الخلافات بين الناس، فإنه استوجب من الأقارب -أقارب الزوجة وأقارب الزوج- في شكل مجلس

стр. 161

عائلي صغير -محاولة الإصلاح والقيام بعملية التحكيم بين الزوجين- وهي إحدى العمليات الاجتماعية Social Processes١٤ في علم الاجتماع الحديث- يقول تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ [النساء: ٣٥] . ومن عظمة القرآن أنه جعل الخطاب هنا للمؤمنين جميعاً -لأن المجتمع الإسلامي هو مجتمع الحب والحرص على مصالح الآخرين والتعاون- ولما كان أمر التحكيم لا يمكن أن يقوم به جميع المسلمين، فإن بعض المفسرين ذهبَ إلى أنه موجه إلى من يمثل الأمة أو الحاكم -ومساعديه- ذلك أن الحاكم المسلم مكلف بملاحظة أحوال الناس والعناية بها ومحاولة إصلاحها. وذكر آخرون أنه خطاب عام يدخل فيه الزوجان وأقاربهما فإذا استطاع الأقارب القيام بمهمة الإصلاح كان بها وإلا لكان الواجب إبلاغ الأمر إلى الحاكم١٥. وهنا المسئولية شركة بين جماعة المسلمين والحاكم، فالعضو في المجتمع الإسلامي مكلف بأن يلعب دورًا إيجابيًّا بناءً في حياة بقية الأعضاء، فهو إيجابي مشارك، وهذه هي ما يُطلق عليها المشتغلون بقضايا التنمية البشرية "المواطنة المشاركة" Participant Citizinship ولكن بالمفهوم الإسلامي البناء الذي ينبثق من عقيدة محددة. والله من وراء القصد دائمًا في عملية الإصلاح ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] ، وهذا توجيه إلهي كريم بضرورة إخلاص النية وتحري العدل والصبر في التحكيم من أجل الإصلاح، ويشير الله في نهاية الآية أن الله كان عليمًا خبيرًا فهو يعلم خائنةَ الأعين وما تخفي الصدور، وفي هذا حفز ودفع للمحكمين إلى إخلاص النية والصدق في الإصلاح، والحفاظ على تماسك الأسرة وتجنب الانفصال. وهذه هي الوسيلة الرابعة في محاولات الإصلاح -وهي محاولة من الخارج بعد أن فشلت المحاولات الذاتية.

стр. 162

النظام الإسلامي لإنهاء العلاقات الزوجية مع محاولات العلاج: أ- فإذا فشلت كل المحاولات الذاتية الداخلية، كذلك فشلت محاولة التحكيم الصادق ورفض الزوج أن يطلق سراح زوجته وأجبرها على البقاء معه وهى كارهة للمقام معه -دون إيذاء لها أو إضرار بها- فقد شرع الإسلام للزوجة أن تفتدي نفسها بمالها تقدم بعضه للزوج وهو ما يطلق عليه "الخلع" وروي أن امرأة ثابت بن قيس جاءت إلى الرسول ﵊ وقالت له: يا رسول الله: ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكنى أكره الكفر في الإسلام -لا أطيقه بغضًا- فقال النبي صلي الله عليه وسلم: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، فأمره رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزيد. وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] . وشرط الخلع أن يكون بقيام المرأة بافتداء نفسها بإرادتها بدفع جزء من مالها للزوج بشرط عدم ظلمها أو إيذائها أو إجبارها على دفع هذا المال، أما إن قام الزوج بالاعتداء على زوجته وأجبرها على أن تعطيه من مالها كرها ثم طلقها كان الحكم فيما تختار، فالطلاق ينفذ تخليصًا للزوجة من ظلم الزوج، وعليه رد المال الذي أكرهها على دفعه، وهذا الأمر إذن لا يقع في دائرة الخلع الشرعي. ب- وهناك التطبيق للضرر. فمن المحتمل ألا يكون لدى المرأة ما تفتدي به نفسها، وقد يكون لديها ولكن الزوج لم يقبل واستمر ممسكًا لها مع إيذائها وإلحاق الضرر بها، هنا يبيح الإسلام للمرأة أن تلجأ للقضاء الإسلامي مع إثبات أوجه الضرر والإيذاء الذي يوقعه بها زوجها، ويمكن للقاضي أن يحكم بتطليقها وإطلاق سراحها.

стр. 163

ج- وإذا كان الطلاق أبغض الحلال عند الله فإن الإسلام شرعه كعلاج عندما تستعصي الحياة الزوجية، ولم يشرع الإسلام الطلاق من أول وهلة، وإنما شرعه عندما تستعصي كل محاولات الإصلاح. وقد منح الإسلام الرجل حق الطلاق -دون مال تفتدي به الزوجة نفسها، ودون الرجوع للقاضي. ولكنه لم يجعل الطلاق كلمة يلقيها الزوج على الزوجة فيحرمان بعضهما على بعض تحريمًا أبديًّا لا رجعة فيه، لكنه جعله فترة يمكن للزوجين مراجعة نفسيهما والتبصر في أمورهما وما بينهما من ارتباطات -أبناء، وتاريخ، ومستقبل- فشرعه مفرقًا مرة بعد أخرى دفعات متعددة، فخلال الطلقة الأولى والثانية يدعو الإسلام الزوج بالرجوع إلى زوجته -من خلال المراجعة- دون تجديد عقد ما دامت في عدتها، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . د- وَضَعَ الإسلام للطلاق الصحيح مجموعة من القيود بالنظر إلى لفظه وبالنظر إلى أهلية الزوج، وبالنظر إلى حالة الزوجة. فالطلاق الثلاث في كلمة واحدة لا يقع إلا واحدة، وجعل الإسلام الجمع لغوًا لا يقع به شيء. كذلك يجب ألا يعلق الطلاق على شيء بفعل منه أو منها كأن يقول: "إن فعلت كذا فأنت طالق"، ولا يقع الطلاق بالأمور الشائعة، كأن يقول الشخص: عليَّ الطلاق أن هذه السلعة بكذا" كذلك رسم الإسلام أن يكون الطلاق في طهر لم يمسها فيه ... إلخ١٦. هـ- يقول تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . فبعد الطلقة الأولى والطلقة الثانية يحل لكل من

стр. 164

الزوجين مراجعة أنفسهما للزوج ردّ زوجته، أما إذا وقع الطلاق الثالث سقط هذا الحق إلا بشرط بالغ الصعوبة من شأنه أن يجعل الزوج يعيد النظر عدة مرات في الإقدام عليه، هذا الشرط عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠] . فحتَّى فِي هذه الحالة ومع هذا الشرط الصعب، وحتى آخر مرحلة يحافظ الإسلام على إعادة التماسك والتكامل الأسري. و من كل هذا يتضح أن الطلاق الأول والثاني في الإسلام علاج لحالات مستعصية، ويحاول من خلالها الإسلام تقديم علاج قاسٍ عندما تفشل كل وسائل العلاج الأخرى. والطلاق أمر واقع حتى في المجتمعات والشرائع التي تحرمه، وهناك الانفصال الروحي والاجتماعي مع بقاء الارتباطات القانونية أو الجسدية، وهذه ظاهرة مرضية خطيرة تهدد الأبناء والأزواج والمجتمع، وتؤدي إلى انتشار السلوك الانحرافي كالزنا والبغاء، وجناح الأحداث وتفكك العلاقات الاجتماعية. ولعل هذا هو ما جعل بعض المجتمعات الغربية تعيد النظر في قضية الطلاق والأخذ ببعض جوانب الحل الإسلامي، ذلك الحل الذي يتسم بالمواجهة الواقعة والجذرية والصحية للمشكلات الاجتماعية بشكل يحفظ على كل من الرجل والمرأة كرامتهما، وعلى المجتمع تكامله، ويحول دون ظهور الانحرافات، وإن ظهرت يواجهها مواجهة شمولية جذرية.

стр. 165

الإسلام وقضية تعدد الزوجات: لقد حاول بعض المستشرقين وبعض الكتاب تشويه صورة النظام الأسري الإسلامي بالكثير من الدعاوي الباطلة حول الطلاق وتعدد

стр. 166

الزوجات، وقد عرضنا الأسلوب الإسلامي في إنهاء العلاقات الزوجية ومقتضياته وكيف أنه حل صحي وواقعي يتفق مع فطرة الإنسان، وهو حل لجَأَتْ إليه الدول غير الإسلامية عندما لم تجد حلًّا غيره. أما عن قضية تعدد الزوجات فقد أباحها الإسلام كحق للرجل، لحكمة تقتضي استخدام هذا الحق مع وضع شروط يجب تحقيقها. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] . وجاء في نفس السورة قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩] . والواقع أن الإسلام لم يستحدث نظام الزواج ولا نظام التعدد وإنما شرع ما يحقق الوسطية وتجنب الانحراف والميل وما يتفق مع الطبيعة الإنسانية في فطرتها السليمة. فقد كان هناك زواج وهناك تعدد وأباحته كثير من الشرائع السماوية كما يحدثنا التاريخ عن سيدنا إبراهيم ويعقوب وداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء والمرسلين. وقد كان التعدد شائعًا في الجاهلية إلى غير ما عدد. وكان التعدد شائعًا في أوروبا حتى عهد شرلمان الذي كان متزوجًا بأكثر من واحدة، ثم أشار رجال الدين في ذلك الوقت على المتزوجين بأكثر من واحدة أن يخصصوا منهن واحدة كزوجة ويطلق على غيرها اسم "خدن". وهذا الاسم الأخير هو ما يطلق عليه الآن الخليلة أو الصديقة أو المعشوقة ... وهي نظم تعرفها بعض الدول الغربية، ويحق للشخص أن يمارس معهن الجنس، وهي صورة مسرفة من الانحراف عن الفطرة السليمة. فالتعدد عند مثل هذه الدول ممنوعٌ من خلال الارتباط الشريف، مباحٌ من خلال العلاقات غير الشرعية. وهذا يعني تحريم الممارسة المشروعة للجنس وإباحتها من خلال الوسائل غير المشروعة عن طريق الاختلاط المحرم تحت زعم الحريات الشخصية.

стр. 167

وقد تعرض موضوع تعدد الزوجات لهجوم زائف على الإسلام، وقد كانت نقطة الانطلاق في الهجوم الفهم الخاطئ للإسلام أو محاولة التشوية المتعمد للإسلام، مع إعطاء أمثلة من الممارسات السيئة لحق الرجال في التعدد، تلك الممارسات التي قد تبتعد عن الصورة الإسلامية الصحيحة التي استهدفتها الشريعة. والواقع أن قضية التعدد كثيرًا ما تكون في صالح المرأة وتكريمًا لها ولأولادها. فإذا ما كان الزوج يرى في زواجه بواحدة إشباعًا لحاجاته الجسمية وحاجاته النفسية وحاجاته إلى الولد والمودة والرحمة والسكن قضي الأمر، لكن في بعض الحالات تعجز الزوجة الأولى عن الوفاء بكل حاجات الزوج -سواء الجسمية "الغريزية" أو النفسية "لا يجد معها إشباعاته النفسية"- أو حاجاته إلى الولد والذرية الصالحة إما بسبب المرض أو العجز أو سوء الخلق والمعاملة ... إلخ. هنا يكون التعدد يقينًا لصالح المرأة -الزوجة الأولى- حيث يبقي عليها مع البحث عن إشباع حاجاته من خلال الزواج الثاني. يضاف إلى هذا الحاجة النفسية لدى الرجل للتعدد وهنا بدلًا من أن يتصل الرجل - إشباعًا لحاجاته النفسية والجسمية- بالنساء بشكل غير مشروع أباح له الإسلام حق التزوج ثانية ليعصم نفسه من الانحراف والزلل. والتعدد ظاهرة شائعة في العالم كله- حتى في البلاد التي تحرمه قانونًا- والفرق أن بعض الرجال هناك يمارسونه فعلًا بشكل غير مشروع، أما الإسلام فإنه يبيحه بشكل مشروع وبشروط معينة بكل ما يترتب عليه من حقوق مشروعة للزوجة والأبناء- مع الاحتفاظ للزوجة الأولى بكرامتها وحقوقها كاملة- وقيل في تفسير التعدد: إنه يتفق مع طبيعة القدرة الجنسية عند الرجل والمرأة، فقدرة الرجل متصلة، أما المرأة فتتعرض لفترات يحرم ممارسة الجنس معها، وتنعدم خلالها قابليتها. كفترات الحيض والحمل والوضع والنفاس، هذا إلى جانب أن قابليتها للممارسة تقل أو تنعدم بعد بلوغ سن معينة. وهناك من الرجال ما لا يحتمل الانقطاع- هنا وحتى يحمي الرجل نفسه من الانحراف لا بأس من استخدام حقه في التعدد- يضاف إلى هذا- أي حق الرجل-

стр. 168

فقد يمر المجتمع بظروف تختل فيها نسبة الإناث إلى الرجال بسبب ما يتعرض له الرجال من ظروف شاقة في العمل ومن إبادة في الحروب، هنا بدلًا من لجوء النساء -اللائي لا يجدن زواجًا- للانحراف يكون العلاج في التعدد. وإذا كان التعدد ظاهرة تاريخية ومعاصرة لم يخل منها مجتمع -سواء بشكل مشروع أو غير مشروع- فإن الإسلام وضع لها ضوابط وقواعد تجعل منه علاجًا لمشكلة أو وقاية من انحراف. هذه الضوابط تتمثل في أمرين أساسيين هما: أ- وضع حدٍ أعلى للتعدد يكفل حاجة الرجل بشكل يتخطى الفترات التي تنعدم فيها قابلية المرأة. ب- أوجبت على الرجل أن يعدل في مطالب الحياة بين هذه الزوجات تحقيقًا للهدوء والاطمئنان وتجنبًا للظلم والميل والانحراف: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء: ١٢٩] . وليس معنى هذا تحريم التعدد لكن إباحته بشرط تحقيق العدالة بين الزوجات بمعنى ألا يميل الزوج إلى إحداهن كل الميل بحيث يترك الثانية كالمعلقة. وفي ظل هذا المبدأ عدد النبي -صلي الله عليه وسلم- زوجاته وعدد الأصحاب والتابعون زوجاتهم١٧. وتتضح عظمة وواقعية الإسلام في أن كثيرًا من المجتمعات تحاول مراجعة تشريعاتها اليوم للاستفادة بالحلول الإسلامية، ذلك لأن منع التعدد أدى إلى الكثير من الظواهر الانحرافية -في المجتمعات الغربية- منها البغاء وارتفاع نسبة اللقطاء وتفكك العلاقات، وانتشار الأمراض النفسية والجنسية. مثال هذا أنه في مؤتمر عقد في فرنسا سنة ١٩٠١- لمواجهة انتشار الفسق -وجد أن عدد اللقطاء المودعين في ملاجئ في إحدى المقاطعات "السين" وحدها والذين يتلقون معاشهم على

стр. 169

نفقة المقاطعة بلغ ٥٠.٠٠٠ لقيط، علما أن اللقطاء من الإناث يمارسون الرذيلة "البغاء"، ومن الذكور -يمارسون الجنسية المثلية. وقد دعا بعض المصلحين الغربيين -من غير المسلمين- إلى ضرورة الأخذ بفكرة إباحة التعدد مثل "توماس" للقضاء على العديد من الظواهر الانحرافية السائدة في بريطانيا -كالبغاء وكثرة اللقطاء والأمراض الجنسية- يقول تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] . ويقول تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥] . فالإسلام لا ينهى عن التعدد لكنه ينهى عن السفاح والمخادنة والبغاء. وإذا كان بعض الرجال يسيئون استخدام هذا الحق -لا يراعون في هذا حقًّا ولا خلقًا- فإن مثل هذا الاستهتار محرم في الإسلام. ومن حق ولاة الأمور التصدي لهذا الاستهتار.

стр. 170

مصادر الفصل الثالث ١- محمود شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة: دار الشروق، ١٣٩٤-١٩٧٤، صـ ١٥٩-١٦٣. ٢- النبهان: مصدر سابق صـ ١٩٤. ٣- محمود شلتوت: مصدر سابق صـ١٧١. ٤- المصدر السابق: ١٧٢. ٥- الإمام المحدث محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧١هـ: رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، طبعة مصححة تحت إشراف لجنة من العلماء، بدون تاريخ صـ١٤٢. ٦- محمود شلتوت: مصدر سابق صـ١٧٨. ٧- h. johnson: sociology: A systematic introduction: Allied publishers, new delhi- ١٩٧٠, PP.٩٥-٩٦. ٨- أمين الخولي، عبد الله المشد، أحمد الحوفي، محمد عبد الرءوف بهنسي: الآداب الدينية والاجتماعية، التربية والتعليم سنة ١٩٥٥ صـ١٨١. ٩- المصدرالسابق: صـ١٨٢، والحديث مذكور في رياض الصالحين صـ١٤٢. ١٠- المصدر السابق: رياض الصالحين صـ١٤٢. ١١- أمين الخولي وآخرون: صـ١٨٣. ١٢- رياض الصالحين: صـ١٤٢. ١٣- المصدر السابق: صـ١٤٣. ١٤-A. lnKeles: what is sociology, Introduction to the discipline and profession. prentice hall. new jersy. ١٩٦٤, pp. ٢٠-٣١. وانظر أيضًا: نبيل السمالوطي: المنهج الإسلامي في دراسة المجتمع، دار الشروق، جدة ١٩٨٠. ١٥- محمود شلتوت: مصدر سابق، صـ١٨٧. ١٦- المصدر السابق، صـ١٩٣. ١٧- المصدر السابق، ٢٠٢-٢٠٣.

стр. 171

الفصل الرابع: النظام التربوي مقدمة قدم الإسلام الحنيف بناءً تربويًّا متكاملًا للبشرية -يحقق لهم السعادة في الدنيا، والفوز بالجنة ورضوان الله في الآخرة- منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا. ويتسم البناء التربوي الإسلامي بخاصية فريدة تميزه عن كافة النظريات الوضعية وهي أن مصدره كتاب الله وسنة نبيه الكريم ﵊: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤] ، وهذا المصدر الإلهي للبناء التربوي الإسلامي هو الذي يؤكد صدقه وثباته المطلق، وفائدته العظمى للإنسان في الدنيا والآخرة معًا. وينبثق النظام التربوي في الإسلام من النظام التفسيري والرؤية الصادقة للكون والحياة والمجتمع والتاريخ والإنسان، فالله هو الخالق وهو سبحانه المنظم ومبدع الإنسان وخالقه بنوازعه وجوهرة، ومنزل الشريعة المناسبة له والقادرة على تنظيم شئونه، وعلى تحقيق التوازن أو التعادلية المعجزة لحاجاته الجسدية المادية والروحية والعقلية*. وينطلق النظام الإسلامي في التربية من الفهم الصادق لحقيقة الإنسان والهدف من خلقه وأساليب تحقيق أهدافه ومصيره في الآخرة، وهي مقدمات لا بد منها حتى يستوي النظام التربوي غاية ووسيلة، ويحقق أهدافه. فقد خَلَقَ الله الإنسان ليكون خليفة له في الأرض،

стр. 172

قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥] . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] . والهدف الأساسي من هذا الخلق والاستخلاف كما يوضحه لنا القرآن الكريم هو: أولًا: توحيد الله سبحانه وعبادته: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٨] . ثانيًا: تعمير الكون والتعارف بين الناس شعوبًا وقبائل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] . ثالثاً: إقامة دين الله على الأرض وتتبع هدى الله سبحانه، الأمر الذي يتفق مع الفطرة السليمة التي خلق الله الناس عليها، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] . وقال تعالى: ﴿وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ، إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٢-٢٥] ، والإنسان المفطور على التوحيد قد تغريه الحياة الدنيا لأنه ضعيف، فهو في حاجة مستمرة للاتصال بالله وتلقي هدايته، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] . واستوجب الدين القيم انطلاق المسلمين للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . وقال سبحانه؛ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْف

стр. 173

وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] . والمسلم مطالب بالمجاهدة في سبيل إعلاء كلمة الله سبحانه ودحر الباطل وأهله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] . رابعًا: العمل بما يتفق مع التكريم الإلهي للإنسان ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] . فلا يهبط الإنسان عن مستوى الإنسانية الذى استحق من أجله التكريم الإلهي، وعليه أن ينشط في عمارة الأرض بما توحيه الآية الكريمة مِنْ حمله -في البر والبحر- ورزقه من -الطيبات- فيستغل هذه الطاقة الممنوحة له في كل اتجاه في إطار تقوى الله ومبادئ الإسلام الحنيف. فالإسلام هو الدين الوحيد الذي يدعو المؤمنين إلى إعمال عقلهم في كل اتجاه من الكون ومجتمعه وتاريخه من أجل فهم سنن الله في الكون والمجتمع والإنسان والتاريخ، ذلك لأن كل تفكير سليم سوف يسهم في إثبات عظمة الخالق سبحانه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] . ولقد زود الله سبحانه الإنسان بكل إمكانات الخلافة عن الله سبحانة وتلقي الهداية عنه قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] . وقال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١-٥] . ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦-٨] . من رحمة الله سبحانه بعباده أن وجههم منذ الميلاد إلى الفطرة السليمة، وأودع فيهم ميلًا طبيعيًّا للارتباط بتوحيده سبحانه، يقول ﵇: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه" صحيح البخاري -٤/١٤٤. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا

стр. 174

أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] . غير أن الإنسان -على الرغم من فطرته السليمة- ضعيف أمام المغريات ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] . وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر] . وقال سبحانه: ﴿خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٤-٨] . وقال سبحانه مخاطبًا الإنسان: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا، وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ٦-١٢] . والواقع أن انحراف الإنسان عن الفطرة يؤدي إلى اختلال حياة الإنسان في الدنيا وإلى عذاب السعير في الآخرة، وهنا تبرز وظيفة التربية في الفكر الإسلامي الحنيف فهي المسئولة عن الحفاظ على الفطرة وتوجيه الإنسان للإيمان بالله وتوحيده فكرًا وسلوكًا، وهي المسئولة عن إعداد الإنسان الصالح، وهي مستمرة باستمرار وجود الإنسان على الأرض، وقد احتلت التربية والتعليم أهمية بالغة في الدين الإسلامي ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] . وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] . وقال ﵇: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقًا إلى الجنة" الترمذي ٥/٢٨. وقال ﵇: "من خرج في طلب العلم كان في سبيل الله حتى يرجع" الترمذي ٥/٢٩. و "طلب العلم فريضة على كل مسلم" ابن ماجه ١/٨١. وتحرص التربية الإسلامية على تحقيق التوازن والتكامل في شخصية

стр. 175

المسلم، وفي إشباع حاجاته وميوله، فلو كان الله سبحانه يريد للبشر أن يكونوا أرواحًا خالصة أو ملائكة مجردة عن الشهوة لفعل، ولو كان يريد لهم أن يكونوا كالأنعام يسعون وراء الشهوة الخالصة لفعل، لكنه سبحانه خلق الإنسان من قبضة طين ونفخة من روحه سبحانه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٦-٩] . وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] . وعلى هذا فالروح والجسد في الإنسان متلازمان تتم بهما الحياة ولا يمكن إنكار أحدهما في سبيل الآخر، فلا يجوز للمؤمن بالكتاب أن يبخس الجسد حقًّا ليوفي حقوق الروح، ولا يجوز له أن يبخس الروح حقًّا ليوفي حقوق الجسد، ولا يحمد منه الإسراف في مرضاة هذا ولا مرضاة ذاك، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٧-٨٨] . ويقول تعالى في مجال استنكار تحريم الزينة والطيبات من الرزق التي أحلها الله لعباده: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١-٣٢] . وما هو محرم حدده الله في نفس السورة وفي سور أخرى حيث قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] . وأباح الله ممارسة الشهوات بالطرق التي أحلها الله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِن

стр. 176

أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] : ويقول : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] . وفي مقابل هذه الشهوات مَنَحَ اللَّهُ سبحانه الإنسان ضوابط للتحكم والتوجيه فيما يرضي الله ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] ، وقال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٥٧] . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلي بيوت أزواج النبي -صلي الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلي الله عليه وسلم- فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي -صلي الله عليه وسلم- قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ وأما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" البخاري ٣/٢٣٧. ونستطيع القول أن النظام التربوي الإسلامي يأخذ في الاعتبار مجموعة من الأبعاد وهي: أولًا: تحديد الصلة بين الخالق والبارئ المصور وبين الإنسان المخلوق. ثانيًا: تنظيم أمور الناس في الدنيا -علاقاتهم بعضهم ببعض سياسيًّا واقتصاديًّا وأسريًّا وتربويًّا ... إلخ- فالإنسان خلق ليعيش فترة ما في الحياة الدنيا وهو محتاج للشريعة التي تنظم له شئونه الدنيوية وعباداته معًا. ثالثًا: بيان كيفية تحقيق الهدف السامي من استخلاف الله للإنسان في الأرض، وأسلوب معيشته على الرقعة المكانية التي تشمل الكرة الأرضية

стр. 177

كلها بشكل يحقق الهدف الذي خلق من أجله الإنسان الذي كرمه الله على سائر خلقه. رابعًا: مراعاة البعد الزمني لعمر المتعلم فهو يبدأ في الدنيا ويمتد إلى الآخرة عبر مستقبل غير متناهٍ. ولعل فلسفة التربية الإسلامية برزت من أول سورة نزلت على الرسول ﵊ وهي، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] . فالقراءة هنا والتعلم باسم الرب موجهة لما يرضيه، وهذه السمة ميزت التربية الإسلامية عن كل تربية سابقة أو لاحقه، فمخطط هذه التربية وواضع أصولها هو الخالق، وهو المعلم، وهو المربي الذي يعرف دقائق الإنسان وقدراته الإدراكية والاستيعابية، ويجعل هدف التربية تحقيق عبودية الإنسان لله، تلك العبودية التي تحقق له العزة على كافة المستويات الأرضية. وقد اتسمت كل فلسفات التربية الأخرى بأنها تتم في أطر ضيقة كالفردية أو العائلية أو القومية أو الإقليمية أو النزعة العرقية ... وهي غالبًا ما تكون موجَّهةً لخدمة أسرة أو دولة أو مجتمع محدد ... وهناك من فلسفات التربية ما أَدَّتْ إلى أبشع أنواع التجارب البشرية المريرة كأسلوب التربية في إسبرطة القديمة وأساليب التربية السوفيتية، وداخل الكميونات الصينية -والتي تحاول تجريد الإنسان من إنسانيته حيث تسعى إلى تجريده من الميول الدينية والأسرية والعاطفية، لتجعله عبدًا للأرض ينتج عليها ويدافع عنها ويحيا حياة جماعية حيوانية كاملة- ولا نستطيع أن نتناسى ما جره الأسلوب النازي في التنظيم والتربية في ألمانيا من دمار شملت آثاره العالم كله. أما التربية الإسلامية فإنها لا تتم لصالح طبقة محددة أو باسم قومية أو مجموعة عرقية Ethnic Group أو باسم مجتمع محدد أو دولة معينة، لكنها تتم باسم الله خالق البشر والأكوان ولصالح الإنسان حيثما وجد سواء

стр. 178

في هذه الحياة الدنيا القصيرة أو في الآخرة دار الخلود. فالقراءة والتعلم والتربية كلها تتم باسم الله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .

стр. 179

نماذج قرآنية للتربية: يوجه القرآن الكريم أنظار الآباء والمربين إلى مبادئ تربوية سامية عليهم الحرص عليها خلال تربية أبنائهم. ويتجلَّى هذا التوجيه فى عدة مواضع من القرآن الكريم منها لقمان الحكيم لابْنِهِ، ذلك لأن لقمان قد أوتي الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور، وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٣-١٩] . وهذه الوصايا التربوية تتضمن مجموعة من القيم التي يحرص الإسلام على تنشئة الناس عليها وفي مقدمتها النهي عن الشرك، وتحقيق التوحيد المطلق لله سبحانه، والتنبيه إلى أن الله يعلم السر وما يخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والتوجيه بضرورة رعاية الآباء والأمهات في كل ما يرضي الله وعدم إطاعتهما إذا كانت تعليماتهما تتعارض مع الدين، مع

стр. 180

ضرورة مراعاة الأدب معهما في كل الأحوال. كذلك تضمنت الوصية ضرورة إقامة الصلاة لأنها عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين، ومن هَدَمَهَا فقد هدم الدين، كما احتوت على ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومراعاة الالتزام بالصبر على المكاره ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] . وتنهي هذه الموعظة التربوية عن الكبرياء في معاملة الناس وعن الخيلاء، وضرورة الالتزام بالتواضع ومن تواضع لله رَفَعَه. وتشير كذلك إلى مجموعة من الآداب المهمة منها الاعتدال في الخطب وضرورة خفض الصوت عند الحديث وعدم التشبه بالحيوانات ... إلخ. وقد أثنى القرآن الكريم على أهل الكهف لأنهم صمدوا في مواجهة الظلم وثبتوا على العقيدة في مواجهة الكفر يقول تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] . وفي سورة يوسف يضرب الله لنا مثلًا بالشاب الصالح العفيف الذي يراعي الله ويراقبه في السر والعلن، ويتمسك بدينه في مواجهة إغراءات الدنيا، فقد تعرض لفتنة جمال امرأة العزيز وحسبها ونسبها، ولكنه أبى واعتصم بعقيدته: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٣-٢٤] . وتشير هذه الآية إلى مجموعة من الحقائق والقيم، منها ضرورة الصمود في مواجهة المغريات، وأن هذه المغريات قد تكون اختبارًا من الله سبحانه، ويجب على الإنسان مراقبة الله في السر والعلن، وأن الله يساعد المؤمنين الذين يراقبونه على الاستمرار في الفضائل وتجنب الرذائل. ويوضح لنا الخالق سبحانه في سورة النور مجموعة من الآداب والقيم
следующие страницы →