أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] : ويقول : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] . وفي مقابل هذه الشهوات مَنَحَ اللَّهُ سبحانه الإنسان ضوابط للتحكم والتوجيه فيما يرضي الله ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] ، وقال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٥٧] . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلي بيوت أزواج النبي -صلي الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلي الله عليه وسلم- فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي -صلي الله عليه وسلم- قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ وأما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" البخاري ٣/٢٣٧.
ونستطيع القول أن النظام التربوي الإسلامي يأخذ في الاعتبار مجموعة من الأبعاد وهي:
أولًا: تحديد الصلة بين الخالق والبارئ المصور وبين الإنسان المخلوق.
ثانيًا: تنظيم أمور الناس في الدنيا -علاقاتهم بعضهم ببعض سياسيًّا واقتصاديًّا وأسريًّا وتربويًّا ... إلخ- فالإنسان خلق ليعيش فترة ما في الحياة الدنيا وهو محتاج للشريعة التي تنظم له شئونه الدنيوية وعباداته معًا.
ثالثًا: بيان كيفية تحقيق الهدف السامي من استخلاف الله للإنسان في الأرض، وأسلوب معيشته على الرقعة المكانية التي تشمل الكرة الأرضية
стр. 177
كلها بشكل يحقق الهدف الذي خلق من أجله الإنسان الذي كرمه الله على سائر خلقه.
رابعًا: مراعاة البعد الزمني لعمر المتعلم فهو يبدأ في الدنيا ويمتد إلى الآخرة عبر مستقبل غير متناهٍ.
ولعل فلسفة التربية الإسلامية برزت من أول سورة نزلت على الرسول ﵊ وهي، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] . فالقراءة هنا والتعلم باسم الرب موجهة لما يرضيه، وهذه السمة ميزت التربية الإسلامية عن كل تربية سابقة أو لاحقه، فمخطط هذه التربية وواضع أصولها هو الخالق، وهو المعلم، وهو المربي الذي يعرف دقائق الإنسان وقدراته الإدراكية والاستيعابية، ويجعل هدف التربية تحقيق عبودية الإنسان لله، تلك العبودية التي تحقق له العزة على كافة المستويات الأرضية. وقد اتسمت كل فلسفات التربية الأخرى بأنها تتم في أطر ضيقة كالفردية أو العائلية أو القومية أو الإقليمية أو النزعة العرقية ... وهي غالبًا ما تكون موجَّهةً لخدمة أسرة أو دولة أو مجتمع محدد ... وهناك من فلسفات التربية ما أَدَّتْ إلى أبشع أنواع التجارب البشرية المريرة كأسلوب التربية في إسبرطة القديمة وأساليب التربية السوفيتية، وداخل الكميونات الصينية -والتي تحاول تجريد الإنسان من إنسانيته حيث تسعى إلى تجريده من الميول الدينية والأسرية والعاطفية، لتجعله عبدًا للأرض ينتج عليها ويدافع عنها ويحيا حياة جماعية حيوانية كاملة- ولا نستطيع أن نتناسى ما جره الأسلوب النازي في التنظيم والتربية في ألمانيا من دمار شملت آثاره العالم كله.
أما التربية الإسلامية فإنها لا تتم لصالح طبقة محددة أو باسم قومية أو مجموعة عرقية Ethnic Group أو باسم مجتمع محدد أو دولة معينة، لكنها تتم باسم الله خالق البشر والأكوان ولصالح الإنسان حيثما وجد سواء
стр. 178
في هذه الحياة الدنيا القصيرة أو في الآخرة دار الخلود. فالقراءة والتعلم والتربية كلها تتم باسم الله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
стр. 179
نماذج قرآنية للتربية:
يوجه القرآن الكريم أنظار الآباء والمربين إلى مبادئ تربوية سامية عليهم الحرص عليها خلال تربية أبنائهم. ويتجلَّى هذا التوجيه فى عدة مواضع من القرآن الكريم منها لقمان الحكيم لابْنِهِ، ذلك لأن لقمان قد أوتي الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور، وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٣-١٩] .
وهذه الوصايا التربوية تتضمن مجموعة من القيم التي يحرص الإسلام على تنشئة الناس عليها وفي مقدمتها النهي عن الشرك، وتحقيق التوحيد المطلق لله سبحانه، والتنبيه إلى أن الله يعلم السر وما يخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والتوجيه بضرورة رعاية الآباء والأمهات في كل ما يرضي الله وعدم إطاعتهما إذا كانت تعليماتهما تتعارض مع الدين، مع
стр. 180
ضرورة مراعاة الأدب معهما في كل الأحوال. كذلك تضمنت الوصية ضرورة إقامة الصلاة لأنها عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين، ومن هَدَمَهَا فقد هدم الدين، كما احتوت على ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومراعاة الالتزام بالصبر على المكاره ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] . وتنهي هذه الموعظة التربوية عن الكبرياء في معاملة الناس وعن الخيلاء، وضرورة الالتزام بالتواضع ومن تواضع لله رَفَعَه. وتشير كذلك إلى مجموعة من الآداب المهمة منها الاعتدال في الخطب وضرورة خفض الصوت عند الحديث وعدم التشبه بالحيوانات ... إلخ.
وقد أثنى القرآن الكريم على أهل الكهف لأنهم صمدوا في مواجهة الظلم وثبتوا على العقيدة في مواجهة الكفر يقول تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] .
وفي سورة يوسف يضرب الله لنا مثلًا بالشاب الصالح العفيف الذي يراعي الله ويراقبه في السر والعلن، ويتمسك بدينه في مواجهة إغراءات الدنيا، فقد تعرض لفتنة جمال امرأة العزيز وحسبها ونسبها، ولكنه أبى واعتصم بعقيدته: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٣-٢٤] . وتشير هذه الآية إلى مجموعة من الحقائق والقيم، منها ضرورة الصمود في مواجهة المغريات، وأن هذه المغريات قد تكون اختبارًا من الله سبحانه، ويجب على الإنسان مراقبة الله في السر والعلن، وأن الله يساعد المؤمنين الذين يراقبونه على الاستمرار في الفضائل وتجنب الرذائل.
ويوضح لنا الخالق سبحانه في سورة النور مجموعة من الآداب والقيم
стр. 181
الاجتماعية التربوية التي يجب غرسها في نفوس النشء وتدريبهم سلوكيًّا عليها، مثال هذا استئذان الصغار عند دخولهم على الكبار خلال وقت الراحة والخولة ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٩] ، وذلك حتى لا يطلع الأبناء على علاقات آبائهم الخاصة فتترك أثرًا سيئًا في نفوسهم، وينشغلون بها قبل الأوان.
ويوضح لنا القرآن الكريم في سورة الفرقان خصائص عباد الرحمن التي يجب غرسها في النشء من خلال العملية التربوية قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً، إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً، وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً، وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٣-٩٦] . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا، وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَانًا، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣-٧٤] .
- ويروي لنا القرآن الكريم قصة نوح ﵇ مع ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢] . ولكن الابن أصر على العناد، فلم ييأسْ نوح وتوجه إلى ربه العزيز الحكيم بقلب الأب العطوف اللاهف قائلًا: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: ٤٥] . وهذا سيدنا إبراهيم يدعو ربه ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] .
стр. 182
نماذج من أقوال الرسول ﵊:
وقد اهتم ﵊ بقضية إعداد الشباب وتربيتهم في العديد من الأحاديث، منها ما يلي:
- "يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" رواه الإمام البخاري ٣/٢٣٨.
- "يا غلام إني معلمك كلمات. احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فلتسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" أخرجه أحمد ١/٢٩٣.
- "مُرُوا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع" رواه أحمد ٢/١٨٧.
- "اغتنم خمسًا قبل خمس، شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" رواه البيهقي عن ابن عباس في كتاب شعب الإيمان.
-وعد ﵊ ضمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله "شاب نشأ في عبادة ربه" رواه البخاري ١/١٢١.
- كذلك أخبر ﵇ أن العبد سوف يسأل يوم القيامة ضمن ما يسأل عنه "عن شبابه فيم أبلاه" أخرجه الترمذي ٤/٦١٢.
стр. 183
أهداف التربية الإسلامية:
تبدأ التربية الإسلامية بتهذيب الفرد ضمانًا للمجتمع الصالح، كما أنها تبدأ في الدنيا تحقيقًا لصالح الناس في الدنيا والفوز برضوان الله وجنته في الآخرة، وقد سبق أن أشرنا إلى أهم أهداف التربية الإسلامية ونعيد إيجازها فيما يلي:
стр. 184
أولًا: الحفاظ على الفطرة وتنميتها من خلال تعريف الإنسان بخالقه، وبناء العلاقة بينهما على أساس ألوهية الخالق وعبودية المخلوق. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦] .
ثانيًا: تطوير سلوك الفرد وبناء -أو تغيير اتجاهاته اللفظية Verbal Atitudes والعملية السلوكية Action-A بحيث تتسق وتتطابق مع السلوك والاتجاهات الإسلامية ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى، بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلي: ١٤-١٧] .
ثالثًا: إعداد لمواجهة متطلبات حياته في هذه الدنيا ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور﴾ [الملك: ١٥] ، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠] ، وهذا هو ما يطلق عليه اليوم الإعداد المهني للحياة.
رابعًا: بناء المجتمع الإسلامي الصالح الذي تقوم نظمه على أساس شريعة الإسلام استنادًا إلى الكتاب والسنة، يقول تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنَ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
خامسًا: إعداد المسلمين لحمل الرسالة الإسلامية ونشرها في العالم كله حتى ينتشر الحق وتعلو كلمة الله في الأرض، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] . وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] .
سادسًا: غرس القيم الإيمانية الإسلامية في نفوس النشء مثل وحدة
стр. 185
الإنسانية والمساواة بين البشر ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ، والإخلاص وإحضار النية ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] ، والصبر ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] ، والصدق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] ، ومراقبة الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥] ، والتقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] إلى آخر هذه القيم كالتوكل على الله والاستقامة والمبادرة إلى الخيرات ... إلخ.
وهكذا نرى أن أهداف التربية الإسلامية تحقق التكامل بين الأهداف الدينية والدنيوية كما تحقق التفاعل الخلاق واللقاء الدائم بين الإنسان وخالقه، بين القلب والعقل، بين الدنيا والآخرة.
стр. 186
ميادين التربية الإسلامية
مدخل
...
ميادين التربية الإسلامية:
يتمثل الإطار العام الذي يحدد ميادين التربية الإسلامية مناهجها في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] *. وهذه هي ميادين التربية الإسلامية:
стр. 187
أ- يتلو عليهم آياته.
ب- يزكيهم.
ج- يعلمهم الكتاب والحكمة.
стр. 188
الميدان الأول تلاوة الآيات
...
تلاوة الآيات: الميدان الأول:
وتتعدد معاني كلمة آية فقد وردت في القرآن الكريم بعدة معانٍ منها المعجزة، والعلامة، والبرهان والدليل على قدرة الله، والعبرة إلى جانب الآيات القرآنية. والهدف من تلاوة الآيات هو غرس الولاء للإسلام بين المتعلمين عقيدة وسلوكًا وإبراز شواهد الألوهية والربوبية، وغرس الاتجاهات الإيمانية. ومناهج تحقيق هذا الهدف الرجوع إلى معجزات الأنبياء وظواهر الغيب إلى جانب فهم القوانين التي تنظم الكون المادي وبناء الجسم الإنساني، ومجتمع الإنسان وتاريخه، والسنن التي تحكمها، وما يتوصلون إليه من علوم ومكتشفات ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] .
وقد كان التركيز الأول خلال العهد المكِّي على هذه القضية الإيمانية حيث كانت الآيات في ذلك العهد تركز على أمور العقيدة والألوهية والعبادة دون التعرض للتشريع أو تنظيم الحياة الاجتماعية، وعلاقات البشر وتفاعلاتهم الاجتماعية أو كيفية بناء الحياة الجماعية الإسلامية بوجه عام.
стр. 189
الميدان الثاني التزكية
...
التزكية: الميدان الثاني:
هذا عن ميدان تلاوة آيات الله البينات، أما عن ميدان التزكية وتعديل السلوك في الاتجاه الإسلامي الصحيح والتي يعبر عنها بكلمة "ويزكيهم" الواردة في الآية الكريمة السابقة، فإن كلمة التزكية في اللغة تعني الإصلاح والتطهير والتنمية، وزكاة المال تطهيره وتثميره وإنماؤه وتعني الزكاة -الطهارة والبركة- والتزكية في مجال السلوك هو انتزاع ما هو غير مطلوب ودعم ما
стр. 190
هو مرغوب، وهو يتضمن تنمية وبناء السلوك الفاضل، وإحداث تغير في السلوك غير المستقيم من أجل جعله سلوكًا مستقيمًا. والقرآن الكريم يقدم التزكية على التعليم في الآية الكريمة السابق الإشارة إليها، كما يتضح من السياق ويجعلها مقدمة له حيث تسهل العملية التعليمية وتدعمها قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] . وقال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧-١٠] .
ويستوجب الإسلام ابتعاد المسلم عن بيئة الكفر وعدم مخالطة الفسقة، وعلى المسلمين مخالفة غير المسلمين في كل مظاهر حياتهم. ويجب على الإنسان أن يقتنع بالمبادئ الإسلامية وأن تتحول هذه المبادئ عنده إلى عقيدة ثم يترجمها سلوكيًّا. وهناك ثلاث مراحل يمر بها الإنسان وهي:
الإسلام، ويتمثل في شهادة لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا رسول الله.
ثم مرحلة الإيمان، وهي مرحلة أعمق حيث إنها تتصل بالاعتقاد اليقيني القلبي، وبالسلوك الظاهر معًا، فهو ما وقر في القلب وصدقه العمل.
وأخيرًا مرحلة الإحسان، وهو تحقيق عبودية الإنسان الكاملة لله فكرًا واعتقادًا وسلوكًا، فهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
ويعتمد المنهج الإسلامي في تنمية العقيدة الإسلامية على نوعين من الدراسات وهي:
أ- دراسات نظرية، حيث يتعرف المتعلم على معنى الإسلام والإيمان والإحسان من أجل بناء العقيدة في نفسه وتثبيتها، وبلوغ مرتبة العبودية الحقة لله سبحانه، تلك العبودية التي تحقق له الإيجابية والعزة
стр. 191
والشخصية القوية المتماسكة المتميزة الصالحة.
ب- الممارسات السلوكية العملية، بعد الاقتناع وتكوين الدوافع الإيمانية التي تثير السلوك وتوجهه من أجل إشباع هذا الدافع، وذلك بالجنة في هدف محدد يتمثل في الرغبة في رضا الله سبحانه والفوز بالجنة في الآخرة. ويقوم المنهج الإسلامي في استشارة الدوافع الإيمانية الصحيحة على أسلوبي الترغيب والترهيب، وهما من أنجح الأساليب التربوية في أي عصر بشرط أن يكون المضمون التربوي سويًّا.
ويركز الإسلام على مجموعة من الجوانب السلوكية التي من شأنها دعم العقيدة والدوافع الإيمانية في نفس الفرد أهمها: الحض على استمرار ذكر الله تعالى، الصلاة على النبي، وقراءة القرآن الكريم، الاستغفار، والصلاة والمشاركة في الممارسات الجماعية للشعائر، ومراعاة الصحبة الحسنة، والابتعاد عن مواطن الشبهات، والابتعاد عن مصادر الانحرافات أو كل ما يمكن أن يعرض للانحراف، ومجاهدة النفس ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] . وقال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] . ويتدرج منهج التربية الإسلامية في تنمية الرهبة والرغبة مراعيًا المستويات العقلية والنفسية ومراحل نمو الإنسان، وخصائص كل مرحلة جسميًّا وعقليًّا وانفعاليًّا واجتماعيًّا، وهو الأمر الذي أدركه أخيرًا علماء التربية والمشتغلون بالعلوم السلوكية مع أن الإسلام الحنيف سبق أن نبه إليه منذ ١٤٠٠ سنة. ففي تنمية الرغبة يبدأ الإسلام في تنمية كراهية الفرد للرذيلة وكافة ألوان السلوك الانحرافي -طبقًا للمعايير الإسلامية الصادقة وليس طبقًا للمعايير الإحصائية أو غيرها من معايير خادعة- وتحذير الفرد من العواقب الوخيمة للمعاصي والانحرافات لما تجلبه من غضب الله وما يتبعه من عذاب وآلام سواء العاجلة أو الآجلة، إلى أن يصل الفرد إلى كراهية المعاصي والرذائل والنفور منها لقبحها وبشاعتها، وتنبثق هذه
стр. 192
الكراهية من التزام داخلي وهي ما نطلق عليها الدوافع الإيمانية التي تتكون عند الإنسان كثمرة للتربية. ونفس الأمر بالنسبة للطاعة، حيث تنمي في نفس الفرد حب الطاعات لما تجلبه على الإنسان من ثمار طيبة أسماها رضاء الله سبحانه، وما يستتبع ذلك من ثواب عاجل أو آجل، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠-٣٢] .
ويحرص المنهج الإسلامي في التربية على الوصول بالإنسان إلى حب الله وحب الرسول ﵊ وحب الإيمان، وهذا هو كمال التزكية وتتجلى هذه الخاصية السامية -الحب- في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤] ، وقد أشار ﵇ إلى أن الإيمان الحقيقي لا يتحقق حتى يكون الله ورسوله أحب إلى المؤمن ممن سواهما.
ولا تقتصر التزكية على ميادين النفس فقط ولكنها تمتد لتشمل جميع الأبعاد الإنسانية النفسية والعقلية والجسمية. وقد عرضنا مفهوم تزكية النفس، ونعرض الآن لجوانب تزكية العقل البشري ونوجزها فيما يلي:
١- الدعوة إلى التفكير وإعمال العقل والنقد الذاتي بدلًا من الاقتصار على التبرير Rationalization غير الصادق. والمقصود بالتفكير التبريري تلك الحيلة النفسية اللاشعورية Defence Mechanism التي يلجأ إليها الإنسان للتخلص من أخطائه وانحرافاته وإلقائها على عوامل تبعد عن النفس. جاء القرآن الكريم ليؤكد مبدأ العلية Causality ودعا الناس إلى محاسبة النفس ومراقبة الله، قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُو
стр. 193
أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] . ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم﴾ [الرعد: ١١] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] .
٢- الدعوة لاستخدم العقل والتجريد بدلًا من التقليد الأعمي: والتقليد الذي عناه القرآن هو عدم استخدام العقل والتقليد الأعمي، وينعي القرآن على المقلدين الذين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ، ويستنكر القرآن الكريم تعطيل العقل والجمود والتحجر، ويدعو إلى التحرر من أوهام السلبية والانعزالية والتقليد، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ، وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠-١٧١] . والدين الإسلامي يوجه المؤمن لإعمال عقله لاكتشاف قوانين الكون أو السنن الكونية والسنن الاجتماعية التي تحكم حركة المجتمعات والسنن التاريخية التي تحكم تاريخ الإنسان، فهو دين انفتاح عقلي على الكون والمجتمع والتاريخ، لأن هذه المخلوقات كلها تشهد بوحدانية الله وربوبيته وألوهيته سبحانه.
٣- الدعوة إلى التفكير المنطقي العلمي الصحيح بدلًا من الظن والهوى: يرفض القرآن الكريم الاعتماد على الظن وينتقد أولئك الذين يتبعون الظن ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى، أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى، فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى﴾ [النجم: ٢٣-٢٥] ، ويقول تعالى في سورة: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] . كذلك يندد القرآن الكريم بأولئك الذين يتبعون هواهم دون هدى من الله،
стр. 194
يقول تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] . ونهانا القرآن الكريم عن تبديد الطاقات التي وهبها لنا الله من سمع وبصر وعقل في أشياء زائفة، مع ضرورة استخدام العقل والتثبت من كل أمر قبل الاعتقاد فيه، يقول تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] ، ويوجهنا القرآن الكريم إلى عدم التسرع في اتخاذ القرارات وضرورة التحقق، قال تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] .
وينبهنا القرآن الكريم إلى ضرورة دراسة الأمور وأخذ رأي المتخصصين وأولي الأمر قبل إذاعتها ونشرها، ويعيب على المتسرعين تسرعهم، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] .
٤- الدعوة إلى التفكير الجماعي بدلًا من التفكير الفردي: يحرص الإسلام على تحقيق الصالح العام، ولا شك أن تفكير المجموع خير من تفكير الفرد، والإسلام يدعو إلى التماسك والتكامل، يقول ﵇: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته" البخاري ١/١٦٠.
أما في مجال تزكية -تطهير السلوك وتعديله في الاتجاه الإسلامي- الجسم فإن ذلك يتضح في الميادين التالية:
١- تلبية حاجات الجسم والاهتمام به في الإطار المشروع:
أحل الله للإنسان الطيبات واستوجب من الإنسان العناية بجسمه وإشباع رغباته فيما يرضي الله والابتعاد عن الخبائث وما يسبب له الأضرار.
стр. 195
يقول تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١-٣٣] . فما هو محرم هو الفواحش والإثم والبغي بغير الحق والشرك. وأشار ﵇ إلى أنه يقوم وينام ويصوم ويفطر ويتزوج النساء وقال: "فمن رغب عن سنتي فليس مني" البخارى: ٣/٢٣٧، وأباح الإسلام النكاح ولم يستقذره بل جعله عملًا من أعمال الخير إذا مورس بالأساليب المشروعة. قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم﴾ [البقرة: ٢٢٣] ، وقال ﵇: "وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرًا" رواه مسلم: ٢/٦٩٧.
٢- تجنب الإسراف والإفراط:
يدعو الإسلام الحنيف إلى الاعتدال وتجنب الإسراف في الأكل والمشرب والعمل وحتى في العبادة حيث يدعو إلى الاقتصاد في الطاعة فالإسلام لا يحرم الإنسان من الاستمتاع بالشهوات طالما يلتزم بمبادئ الشريعة السمحة في غير إسراف.
стр. 196
الميدان الثالث تعليم الكتاب
...
تعليم الكتاب-الميدان الثالث:
هذه الخطوة التربوية تترتب على الخطوتين السابقتين -تلاوة الآيات وتزكية النفس والعقل والجسم، وهنا يكون الإنسان مؤهلًا لاستيعاب
стр. 197
المعارف والمبادئ والتشريعات التي يشتمل عليها القرآن الكريم والسنة المطهرة. والإنسان يتعلم خلال هذه المرحلة العلاقة الواجبة بين العبد وربه وأثر العبودية في تزايد عزة الفرد وكرامته وعلى كل المستويات، ذلك على المستوى الفردي، ويدرس آثار الإيمان الإيجابية على المجتمعات وآثار الكفر السلبية عليها والتفسير القرآني الصادق الموضوعي للكون والإنسان والمجتمع والتاريخ، وأساليب التنظيم الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي لمجتمع الإنسان، هذا إلى جانب دراسة أعمق للعبادات والتفقه في أمور الدين.
стр. 198
الميدان الرابع تعليم الحكمة
...
تعليم الحكمة -الميدان الرابع:
ويحتاج الإنسان ليمارس حياته بشكل يحقق العزة أن يكون على علم بمبادئ دينه، وأن يتزود بالمهارات الفكرية والعملية. وقد جاء لفظ الحكمة في القرآن الكريم بعدة معان أهمها:
- الحكمة بمعنى الإتقان: يقول تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] .
- الحكمة بمعنى العبرة: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ، حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٤، ٥] .
- الحكمة بمعنى الحلول الفاصلة الملائمة؛ قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٣، ٦٤] .
- الحكمة بمعنى القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب؛ أو بين الطريق المستقيم والطريق المعوج، أو بين الأمور النافعة والضارة، يقول تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ
стр. 199
وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٨-٢٦٩] . وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء: ١١٣] .
- الحكمة بمعنى الفهم والمعرفة؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] .
- الحكمة بمعنى الرأي وحسن التبصُّرِ في الأمور؛ فضمن الأمور التي يستحق الرجل من أجلها الحسد -كما يخبرنا الرسول ﵊: "رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" رواه البخاري -كتاب الاعتصام.
-الحكمة بمعني حسن التقدير والإدارة والتصرف؛ يقول تعالى مخاطبًا نبيه ﵊: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] .
ويذهب مقاتل بن سليمان أشهر مفسري التابعين أن تفسير الحكمة في القرآن الكريم جاء على أربعة أوجه:
١- مواعظ القرآن الكريم.
٢- الحكمة بمعنى الفهم والعلم.
٣- الحكمة بمعنى النبوة.
٤- القرآن الكريم نفسه بما فيه من عجائب وأسرار.
стр. 200
أما فخر الدين الرازي فيشير في "مفاتيح الغيب" أن الحكمة لا تخرج عن معنيين هما:
أ- العلم.
ب- فعل الصواب.
وأنها تنقسم إلى قسمين: حكمة نظرية، وحكمة عملية، ولا بد من تكاملها في الإنسان الفاضل والسلوك الكامل، فقوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] ، فالشق الأول يشير إلى الحكمة النظرية، أما الشق الثاني، فإنه يشير إلى الحكمة العملية، وفي اللغة: الحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم.
وتخلص مما سبق إلى أن الحكمة هي نفاذ البصيرة في السنن الكونية والاجتماعية والإنسانية والتاريخية وإتقان العمل والتصريف دون تصادم مع هذه السنن، وفي ضوء ظروف العصر المتغيرة، فالحكمة لدى الفقيه تعني القدرة على استنباط التشريعات والأحكام اللازمة في مختلف ميادين الحياة، وهي لدى القائد فهم معنى الجهاد والوقوف على منطلقاته وأهدافه وتنظيماته وحسن التعامل بذلك كله حسب المواقف المتغيرة، وهي لدى المربي المسلم فهم منطلقات التربية الإسلامية وأهدافها وأسسها ووسائلها، وهي لدى الإداري حسن تصريف الأمور، وهي لدى السياسي حسن التخطيط والتنفيذ في الداخل والخارج. وهذا هو ما يقرره فخر الدين الرازي في كتابه "مفاتيح الغيب"، حيث ذهب إلى أن "الحكمة هي اسم لكل عمل حسن وعمل صالح، وهي بالعلم العملي أخص منها بالعلم النظري، وفي العمل أكثر استعمالًا من العلم".
وانطلاقا من هذا الفهم لمعاني الحكمة فإن ترجمتها التربوية تتمثل في محاولة فهم قدرات الفرد واستعدادته وميوله "الاجتماعية والتعليمية والمهنية" من أجل القيام بمختلف عمليات التوجيه "النفسي والتعليمي
стр. 201
والمهني ... ، ومن أجل تحديد الدور الاجتماعي Social Role الذي يمكن أن يقوم به الفرد مستقبلًا، ثم يتم تدريبه على ممارسة هذا الدور بشكل يمكنه من إتقانه وحسن إنجازه. ولقد كان لنا في رسولنا الكريم أسوة حسنة حيث جمع معاني الحكمة في المعاني التي سبق أن أشرنا إليها، وكان ﵇ يعالج الأفراد والجماعات والمواقف المتغيرة بالحكمة المثلى، وكان صلي الله عليه وسلم يتعرف على قدرات أصحابه واستعداداتهم ثم يوزع العمل والمهام والأدوار بينهم بما يتفق مع قدرات واستعدادات كل صحابي جليل، فوجه مجموعة للتخصص في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف، ومجموعة أخرى للتخصص في الفنون الحربية، ومجموعة ثالثة للولاية والجباية ... ، وكان ﵇ يرى أن الحكمة ضالة المؤمن وحيث وجدها فهو أحق بها، ومن مظاهر الحكمة الانفتاح على ما عند المجتمعات الأخرى من تنظيمات ووسائل، وأخذ ما يتناسب مع العقيدة الإسلامية وما يفيد المسلمين، وترك كل ما يتعارض مع العقيدة.
وإذا ما تأملنا قليلا في التعبيرات الثلاثة الواردة في الآية السابقة وهي:
١- يتلو عليهم آياته.
٢- ويزكيهم.
٣- ويعلمهم الكتاب والحكمة.
نجد أنها تتضمن جانبي العقل والنقل، أو جانبي الغيب الذي لا يناقش، وإنما هو محل للإيمان المطلق لأن العقل البشري قاصر عن فهمه قال تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ١-٣] . وهنا يكتفي بتلاوة الآيات من المتعلم أو متلقي التربية، وهذا هو الجانب الأول متمثلًا في الإيمان بالغيب بناء على آيات الله البينات دون محاولة للتقصي والخوض فيما لا يمكن لعقل الإنسان فهمه.
أما الجانب الثاني فهو الذي يتمثل في تعبير "يزكيهم" و"يعلمهم" فكلاهما يشير إلى عملية تتعلق ببناء السلوك وتشكيله وتغيره، وتفسح المجال أمام العقل والملاحظة والتجريب.
стр. 202
أهم الأسس العامة التي تقوم عليها التربية الإسلامية
مدخل
...
أهم الأسس العامة التي تقوم عليها التربية الإسلامية
يمكننا إيجاز أهم أسس التربية الإسلامية فيما يلي:
стр. 203
أولًا: التربية الإسلامية تحقق النمو المتكامل المتوازن لشخصية الإنسان:
فالتربية الإسلامية لا تركز على جانب واحد من الشخصية -الروحي أو العقلي أو الجسمي أو الانفعالي أو الاجتماعي- وإنما تهتم بجميع هذه الجوانب معًا، فقد أنزل الله الإنسان من الجنة إلى الأرض، والمعيشة الأرضية تحتاج إلى إشباع حاجات النفس والعقل والروح والجسم معًا. يقول تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] ، وقد سبق أن رأينا أن مفهوم التزكية يشمل النفس والعقل والجسم معًا. فالإسلام يطالبنا بصحة الأبدان "إن لبدنك عليك حقًّا"، وبالحفاظ على السمع والبصر والفؤاد ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦] . والإسلام يخاطب عاطفة الإنسان وقلبه ووجدانه، اعتبر أن العلم أحد المعايير الحاسمة للتمايز بين البشر كما يتضح من العديد من آيات العلم التي سبق أن أشرنا إليها، والتقوى ذاتها تقوم على العلم بالكتاب والسنة. وبوجه عام نستطيع القول إن التربية تحرر الإنسان نفسًا وروحًا وعقلًا وجسمًا ...
стр. 204
ثانيا: التربية الإسلامية تحقق للإنسان التوازن:
ويتضح هذا في قول الرسول ﵊:"أنه يرفض التطرف في العبادة وإنه يقوم وينام ويصوم ويفطر ويتزوج النساء". وقال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] . والإسلام يحرص على تجريد الإنسان من الأنانية
стр. 205
البغيضة "لا يؤمن أحدكم حتى يجب لأخيه" أو قال: لجاره " ما يحب لنفسه" "أخرجه مسلم ٦٧/١" وقد أقر الرسول ﵊ قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء أخيه في الإسلام: "فإن لجسدك عليك حقا وإن لعينك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا". "أخرجه البخاري ٣٦١/٣".
стр. 206
ثالثا: التربية الإسلامية تربية فكرية وسلوكية وعملية معا:
تتعدى العقيدة الإسلامية مجال القلب إلى العمل، فالإنسان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل وكثيرا من اقترن العمل الصالح بالإيمان في آيات القرآن الكريم ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ومبادئ الإسلام الخمسة من شهادة بأنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، كلها تتطلب ترجمة الإيمان إلى سلوك، ويذم من المسلم أن يقول خلاف ما يفعل، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٢، ٣] .
стр. 207
تجمع التربية الإسلامية بين الطابع الفردى والاجتماعي معا
...
رابعا: تجمع التربية الإسلامبية بين الطابع الفردي والاجتماعي معا:
تركز التربية الإسلامية على تنشئة الفرد على الفضيلة وعلى تحمل المسئولية فكل امرئ بما كسب رهين، وكل مسلم راع وكل راع مسئول عن رعيته، فالمسئولية في الإسلام مسئولية فردية، كل إنسان مسئول أمام الله سبحانه عن أعماله بعد أن منحه عقلا وأرسل له الرسل للهداية وأنزل إليه الكتب وبين له طرق الخير والشر، وأعطى له الجهاز الذي يميز به وفطره أصلا على الميل للتوحيد. ولكن هذا لا يعني التطرف في الفردية المطلقة لأن الإسلام يربى الفرد ليعيش في مجتمع يكفل له الإسلام العدل والإخاء والتكامل والتكافل والقوة ... إلخ. فالمسلم أخو المسلم، والمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة". "رواه مسلم ٤/ ٢٠٠٢".
стр. 208
وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه" " أو قال: لجاره" "ما يحب لنفسه" "أخرجه مسلم ١/ ٦٧".
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره"، "رواه البخاري ٤/ ٢٠٢" وتؤكد التربية الإسلامية على أهمية القدوة والوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الشخص على فكره وسلوكه، فمثل الجليس الصالح والجليس السوء كبائع المسك ونافخ الكير، وقد أكد ﵊ أثر الأسرة في التنشئة الاجتماعية للفرد، وفي الحفاظ على الفطرة أو تشويهها وطمس مصالحها فما من مولود كما يحدثنا الرسول ﷺ : "إلا ويولد على الفطرة فأبواه يوهدانه أو ينصرانه"، "أخرجه البخاري ٤/ ١٤٤" ويقول ﵇: "تخيروا لنطفكم فإن النساء يلدن أشباه إخوانهن وأخواتهن" "أخرجه ابن عدي في كتاب الكامل".
стр. 209
التربية الإسلامية تنشيء الفرد على مراقبة الله سبحانه
...
خامسًا: التربية الإسلامية تنشئ الفرد على مراقبة الله سبحانه:
فالتربية الإسلامية تعمل منذ اللحظة الأولى على غرس الدوافع الإنسانية في نفس الفرد١، تلك الدوافع التي تملك عليه فكره وسلوكه، فهو يراقب الله في عبادته وعمله وأكله وشربه وزواجه وعلاقته بزوجته وأبنائه.. إلخ، فاستقامة المسلم تنبع عن الالتزام الداخلي؛ لأنه يعلم أن الله مطلع على كل أموره: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥] .
стр. 210
سادسًا: التربية الإسلامية تحافظ على فطرة الإنسان النقية وتعلي غرائزه الفطرية:
تحافظ التربية الإسلامية على فطرة الإنسان النقية، فكما يخبرنا الرسول ﵊ ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، وقد خلق الله سبحانه عباده حنفاء. يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧-١٠] ، وهنا تبرز أهمية التربية في تزكية النفس وتطهيرها ودعم جانب التقوى ومقاومة جانب الفجور والحفاظ على فطرة الله التي فطر الناس عليها. والإسلام لا يقف ضد رغبات الفرد المادية، لكنه ينظم ممارستها حسب الشريعة بما يحقق صالح الفرد والمجتمع، ويعلم الإسلام الفرد المؤمن الصبر وقوة الإرادة والتحكم في رغباته والقدرة على تأجليها، وهذا هو مؤشر النضج الانفعالى Emotional Marturity ويوجه الرسول ﵇ الشباب إلى الزواج لمن يستطيع وإلى الاستعانة بالصوم لمن لا يستطيع، قال ﵇: "معشرَ الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" رواه البخاري ٣/٢٣٨، وهذا هو إعلاء الغرائز في أسمى صوره، ويوجه الإسلام الشباب المسلم إلى قضاء أوقات الفراغ فيما يعود عليهم وعلى أمتهم بالنفع كالتربية الرياضية والقراءة ... إلخ.
стр. 211
سابعًا: التربية الإسلامية تربية موجهة نحو الخير:
يستهدف الإسلام أساسًا تقدم الإنسان وتمتعه بالخيرات والرحمة به، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . ولا
стр. 212
يوجد معيار للتمايز بين البشر غير التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، والعلم والعمل الصالح. وتستهدف التربية الإسلامية تربية المسلمين على تمثل القيم التي تكفل لهم الفلاح في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة، وفي مقدمتها الإخلاص وإحضار النية ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] . والصبر، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] . والصدق، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] . ومراقبة الله والتوكل عليه ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون﴾ [إبراهيم: ١١] . والاستقامة، ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت﴾ [هود: ١١٢] . والتعاون على البر والتقوى، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ١٣] . والنصيحة المتبادلة، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ [الحجرات: ١٠] . وستر عورات المسلمين، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩] . والعدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان﴾ [النحل: ٩٠] . وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾ [الحجرات: ٩] .
стр. 213
ثامنًا: التربية الإسلامية تربية مستمرة:
فهي لا تنتهي بفترة زمنية معينة وإنما تمتد من المهد إلى اللحد، تدعم باستمرار عقيدة التوحيد عند الإنسان وتدعوه باستمرار لتحصيل المزيد من العلم والمعرفة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] كما تدعو إلى إعمال البصر والعقل في الكون الماديِّ والعالم الاجتماعي من أجل التقدم في فهمهما وتحقيق حياة إنسانية أسعد على هذا الكوكب. والحياة لا تسير على وتيرة واحدة فهي في تغير مستمر، ولا بد على الإنسان المسلم أن يساير هذا التطور بل وأن يقوده من خلال إعداد الشباب المؤمن المتعلم المنجز.
стр. 214
تاسعًا: التربية الإسلامية تربية عالمية منفتحة:
فالإسلام دين لكل البشر، وليس لأقوام محددة كما هو الحال في
стр. 215
الديانات السابقة عليه وهو يرفض التعصب ويتجاوز الانغلاق الطبقي أو العرقي أو اللوني أو الفئوي، ويقر معيارًا عامًا للتمايز في متناول الجميع، وهو التقوى: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٢] ، وورد عن النبي ﷺ قوله: "كلكم لآدم وآدم من تراب" والتربية الإسلامية يتساوى فيها كل البشر، لا يستأثر بها طبقة دون طبقة أو فئة دون فئة، وليس فيها أسرار كما في بعض الديانات والمسلمون يتساوون، ويسعى يذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم من الكفار.
ومنذ المرحلة الأولى في العهد المكي والمسلمون قلة قليلة تعد بالأفراد، قلة مطرودة من كل حمى إلا حمى الله سبحانه، محرومة من كل قوة وسلطان أرض إلا سلطان الله الواحد القهار فوق عباده، يقر القرآن الكريم عالمية الدعوة الإسلامية وإنسانيتها، فيقول تعالى في سورة مكية من أوائل السور وهي سورة التكوير: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧] ، فهي دعوة للعالمين وليس لقريش ولا لأهل مكة، ولكنها لكل البشر، دعوة لا تعرف حدود الوطن أو العنصر أو القبيلة، فهي تخاطب الإنسان كإنسان كائنًا من كان وحيثما وجد.