سابعًا: التربية الإسلامية تربية موجهة نحو الخير:
يستهدف الإسلام أساسًا تقدم الإنسان وتمتعه بالخيرات والرحمة به، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . ولا
стр. 212
يوجد معيار للتمايز بين البشر غير التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، والعلم والعمل الصالح. وتستهدف التربية الإسلامية تربية المسلمين على تمثل القيم التي تكفل لهم الفلاح في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة، وفي مقدمتها الإخلاص وإحضار النية ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] . والصبر، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] . والصدق، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] . ومراقبة الله والتوكل عليه ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون﴾ [إبراهيم: ١١] . والاستقامة، ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت﴾ [هود: ١١٢] . والتعاون على البر والتقوى، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ١٣] . والنصيحة المتبادلة، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ [الحجرات: ١٠] . وستر عورات المسلمين، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩] . والعدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان﴾ [النحل: ٩٠] . وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾ [الحجرات: ٩] .
стр. 213
ثامنًا: التربية الإسلامية تربية مستمرة:
فهي لا تنتهي بفترة زمنية معينة وإنما تمتد من المهد إلى اللحد، تدعم باستمرار عقيدة التوحيد عند الإنسان وتدعوه باستمرار لتحصيل المزيد من العلم والمعرفة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] كما تدعو إلى إعمال البصر والعقل في الكون الماديِّ والعالم الاجتماعي من أجل التقدم في فهمهما وتحقيق حياة إنسانية أسعد على هذا الكوكب. والحياة لا تسير على وتيرة واحدة فهي في تغير مستمر، ولا بد على الإنسان المسلم أن يساير هذا التطور بل وأن يقوده من خلال إعداد الشباب المؤمن المتعلم المنجز.
стр. 214
تاسعًا: التربية الإسلامية تربية عالمية منفتحة:
فالإسلام دين لكل البشر، وليس لأقوام محددة كما هو الحال في
стр. 215
الديانات السابقة عليه وهو يرفض التعصب ويتجاوز الانغلاق الطبقي أو العرقي أو اللوني أو الفئوي، ويقر معيارًا عامًا للتمايز في متناول الجميع، وهو التقوى: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٢] ، وورد عن النبي ﷺ قوله: "كلكم لآدم وآدم من تراب" والتربية الإسلامية يتساوى فيها كل البشر، لا يستأثر بها طبقة دون طبقة أو فئة دون فئة، وليس فيها أسرار كما في بعض الديانات والمسلمون يتساوون، ويسعى يذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم من الكفار.
ومنذ المرحلة الأولى في العهد المكي والمسلمون قلة قليلة تعد بالأفراد، قلة مطرودة من كل حمى إلا حمى الله سبحانه، محرومة من كل قوة وسلطان أرض إلا سلطان الله الواحد القهار فوق عباده، يقر القرآن الكريم عالمية الدعوة الإسلامية وإنسانيتها، فيقول تعالى في سورة مكية من أوائل السور وهي سورة التكوير: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧] ، فهي دعوة للعالمين وليس لقريش ولا لأهل مكة، ولكنها لكل البشر، دعوة لا تعرف حدود الوطن أو العنصر أو القبيلة، فهي تخاطب الإنسان كإنسان كائنًا من كان وحيثما وجد.
стр. 216
التربية الإسلامية تجمع بين المحافظة والتجديد
...
عاشرًا: التربية الإسلامية بين المحافظة والتجديد:
فهي محافظة بالنسبة لمجال المعتقدات وما تقوم عليه من مبادئ سماوية خالدة وتقاليد راسخة وقيم عريضة، وترفض البدع، يقول تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] وحذر ﵊ من محدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة. وإذا كانت التربية الإسلامية تحافظ على الأصول العقلية والتشريعية، فإنها تدعو إلى التجديد من أجل الوفاء
стр. 217
بمطالب الحياة المتغيرة في كل عصر، بشرط الالتزام بالأصول العامة.
стр. 218
أساليب التربية الإسلامية
مدخل
...
أساليب التربية الإسلامية:
يعتمد النظام التربوي الإسلامي على مجموعة من الأساليب التي لم يصل إليها الفكر الغربي -كأساليب تربوية لتنمية الشخص تنمية متكاملة- إلا حديثًا. ونستطيع إيجاز أهم هذه الأساليب فيما يلي:
стр. 219
أولًا: أسلوب القدوة الصالحة:
وهو أهم الأساليب فلا خير في مرب يتشدق بقيم واتجاهات لا يحققها سلوكيًّا في نفسه، وينهانا القرآن الكريم عن التناقض بين القول والفعل، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] . وقد كان رسولنا الكريم ﵊ القدوة الحسنة لكل المؤمنين، والمثل الذي يجب الاهتداء به قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] . وعندما سُئِلَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ الرسول قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: "فإن خلق نبي الله صلي الله عليه وسلم كان القرآن" أخرجه مسلم ١/٥١٣. ويجب على كل مرب -أب أو مدرس أو واعظ- أن يضرب المثل بنفسه لكل ما يدعو إليه حتى يكون له الأثر الطيب في نفوس النشء، إلى جانب تخير الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الأطفال لما له من أثر في الصياغة الثقافية Cultural Moulding للفرد، ويجب أن تكون سيرة الرسول ﵇ جزءًا دائمًا من منهج التربية ليكون قدوة حية أمام الناس للفرد. وقد سبق أن أشرنا إلى هذه النقطة.
стр. 220
ثانيًا: أسلوب الترغيب والترهيب:
يعتمد الإسلام في صياغة الشخصية الإسلامية وتنمية التلميذ معرفيًّا
стр. 221
وعقليًّا ونفسيًّا على أسلوب الثواب والعقاب، وهو أسلوب يتفق مع طبيعة الإنسان حيثما كان، وفي أي مجتمع مهما كانت عقيدته ولونه وجنسه. فالإنسان يتحكم في سلوكه وفكره ويعدل فيهما بمقدار إدراكه لطبيعة أو نوعية ما يترتب عليهما من نتائج وخبرات -سارَّة أو مؤلمة- ويميل الإنسان إلى الخبرات والسلوك الذي يقترن بخبرات سارة، والتخلي أو رفض السلوك الذي يقترن بخبرات مؤلمة. ويستخدم القرآن الكريم هذا الأسلوب حيث يحرص باستمرار على تأكيد أن هناك نتائج إيجابية للإيمان ومراقبة الله والتحلي بالقيم الإسلامية، وهناك نتائج سلبية سيئة للانحراف عن العقيدة سواء في الدنيا وفي الآخرة. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠-٣٢] . ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ، كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ، يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ، لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ، فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥١-٧٥] .
وفي مقابل هذا الوضع والمصير الرائع للمؤمنين، هناك الوضع والمصير المزري للمشركين والكفار والمنحرفين، يقول تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ، وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩-٢٠] . وإذا كان الإنسان معرضًا باستمرار إلى الزلل فيجب عليه أن يتوب من قريب، وأن يستغفر ربه بصفة مستمرة، فذلك هو أسلوب العودة إلى الله ونبذ السيئات، وهذا الأسلوب التربوي
стр. 222
يجب أن يستخدمه الآباء والمدرسون من أجل غرس القيم والمعلومات المطلوبة في نفوس التلاميذ وتوجيه سلوكهم في الاتجاه المطلوب.
стр. 223
ثالثًا: أسلوب التوجيه والموعظة الحسنة:
الإنسان قابل للتأثر بالتوجيهات والتشكيل، لما تتمتع به الطبيعة الإنسانية من مرونة وقابلية للتشكيل. وهذه القابلية تمثل استعدادًا مؤقتًا، الأمر الذي يستلزم تكرار التوجيهات في كل مناسبة حتى تثبت في نفس النشء، وهذا الأسلوب مكمل للأساليب السابقة واللاحقة التي سيأتي ذكرها، إنها لتحدث الأثر المطلوب.
والحاجة إلى الموعظة والتوجيه ليست قاصرة على الأطفال فقط، وإنما تمتد هذه الحاجة إلى الكبار ومجتمع الراشدين، لما يوجد في النفس الإنسانية من ضعف، والذكرى تنفع المؤمنين، ويحفل القرآن الكريم بالعديد من المواعظ والتوجيهات الكريمة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء: ٥٨] . وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ [النساء: ٣٦] ، ويجب على المربين أن يستمروا في توجيه النشء في كل موقف -حسب كل موقف- وبذلك يكون نوعًا من الدعوة غير المباشرة، وفي هذه الحالة يكون تأثيره أقوى وأثبت. ويجب أن تتسم المواعظ والتوجيهات بالأسلوب الحسن والبعد عن الجفاف مع إشعار النشء أن المربي حريص على صالحهم يقول تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] .
стр. 224
رابعًا: أسلوب العقاب الفعلي:
وإذا كان أسلوب التوجيه اللفظي أو العملي، وأسلوب الموعظة يجدي مع أغلب الناس، فهناك مجموعة من الناس لا يجدي معهم هذا الأسلوب، ولا يزيدهم التوجيه إلا عنادًا وانحرافًا، وهؤلاء ليسوا أسوياء. كذلك فإن المبالغة في الرقة والتلطف مع النشء أمر غير مطلوب، حيث يجب أن تجمع التربية الناضجة بين اللين والحزم، ومن الحزم استخدام العقوبة أو التهديد باستخدامها في بعض الأحيان.
ولم يترك الإسلام بابًا للنفاذ إلى نفس الإنسان والتأثير عليها إلا وطرقه، فهو يستخدم القدوة والموعظة والترغيب والترهيب والعقوبة. فهو مرة يهدد بعدم رضا الله سبحانه، وذلك أيسر التهديد وهو عظيم الأثر في نفوس المؤمنين، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] ، ومرة يهدد القرآن بغضب الله صراحة كما جاء في حديث الإفك وتلك درجة أشد، يقول تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٤-١٧] .
ومرة أخرى يهدد سبحانه المنحرفين بحرب من الله ورسوله، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨-٢٧٩] . ويلجأ القرآن كثيرًا إلى التهديد بعقاب الآخرة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ
стр. 225
ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ [الفرقان: ٦٨-٦٩] ، كذلك فإن القرآن الكريم يهدد بالعقاب في الدنيا، يقول تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩] ويقول تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُنْ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤] ويأمر الله بتوقيع العقاب فمثلًا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] ويقول تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]
وهذا التدرج في العقاب يراعي طبائع الناس كما يراعي تعدد المواقف، فمن الناس من تكفيه الإشارة ومنهم من لا يردعه إلا الغضب، ومنهم من يرجع عن الانحراف أو الشروع في الانحراف إذا هدد بالعقاب، ومنهم من لا يرجع عن غيه إلا بعقاب نفسي أو بدني أو هما معًا.
стр. 226
خامسًا: أسلوب القصة:
يعد الأسلوب القصصي في التربية من أنجح الأساليب لما للقصة من سحر وتأثير كبيرين على نفس السامع وعقله، ولما يمكن أن تؤديه القصة من خلال مضامينها التربوية من دور في غرس الإيمان والقيم والاتجاهات والميول المطلوبة في نفس الفرد خاصة في مرحلة الطفولة، وإن كان أثرها يمتد على مدى حياة الإنسان، ويراعى القرآن الكريم هذا الميل الطبيعي لدى الإنسان إلى القصة، فيقدم العديد من القصص المحتوية على مضامين إيمانية تربوية عميقة كأسلوب فعال في تربية المسلمين، وهو يستخدم كل أنواع القصة، القصة التاريخية الواقعية المقصودة بأماكنها وأشخاصها وأحداثها، والقصة الواقعية التي تعرض نموذجًا لحالة بشرية
стр. 227
فعلية، ويستوي أن تكون بأشخاصها الواقعيين أو بأي شخص يتمثل فيه ذلك النموذج، والقصة التمثيلية الحوارية التي يمكن أن تحدث في أي لحظة وأي مكان وأي عصر. ومن النوع الأول كل قصص الأنبياء وقصص المكذبين بالرسالات وما أصابهم من هلاك ودمار نتيجة هذا التكذيب، وهي قصص تذكر بأسماء أشخاصها ومواقع حدوثها المكانية وزمن حدوثها مثل قصص موسى وفرعون، وعيسى وبني إسرائيل، وصالح وثمود، وشعيب ومدين، ولوط وقريته، ونوح وقومه، وإبراهيم وإسماعيل ... إلخ. أما النوع الثاني قصة ابني آدم، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢٧-٣٠] ، ومن النوع الأخير قصة صاحب الجنتين ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا، وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾ [الكهف: ٣٢-٤٣] .
стр. 228
ويوظف القرآن الكريم القصة في خدمة تحقيق العديد من الأهداف، مثل تثبيت فؤاد النبي ﵊، وإيضاح أسس الدعوة إلى الله وتصديق الأنبياء السابقين، وإظهار صدق محمد ﵊ ومقارعة أهل الكتاب بالحجة، إلى جانب جميع أنواع التربية والتوجيه، تربية الروح وتربية العقل، وتربية الجسم، حيث تتضمن مضامين تربوية ترسخ الدوافع الإيمانية في نفوس المؤمنين، وتضرب لهم القدوة والمثل، وتحذرهم من نتائج الكفر والانحراف. ومن الطبيعي أن توظف القصة في القرآن لخدمة أهداف دينية من أجل تربية المؤمنين، فليس القرآن الكريم كتاب قصة، غير أن إعجاز بلاغة القرآن ودقة الأداء وفنية التعبير، جعل القصص القرآني الذي يحتوي على مضامين دينية وتربوية طليقة بليغة من المنظور الفني. وهذا يشير إلى إمكانية استخدام القصص كأسلوب في التربية بشرط نقاء مضمونها واتفاقه مع مبادئ الإسلام.
стр. 229
أسلوب التربية السلوكية باقتلاع العادات السيئة
...
سادسًا: أسلوب التربية السلوكية باقتلاع Dislearning العادات السيئة وتكوين العادات الصالحة:
وهذا الأسلوب لم تكتشف أصوله إلا مدرسة ديناميات الجماعة Group Dynamics حديثًا في حين أن الإسلام نَبَّهَ إِلَيْهِ مُنْذُ أكثر من أربعة عشر قرنًا. وقد بدأ الإسلام بإزالة العادات السيئة التي سادت مجتمع الجاهلية، وكان السبيل إلى ذلك أمرينِ، الأول: هو القطع الحاسم الفاصل، والثاني: أسلوب التدرج البطيء. ويتوقف استخدام الأسلوب الأول أو الثاني على نوع العادة التي كان يعالجها ودرجة أهميتها ومدى عمقها داخل الجماعة. فالعادات التي تتصل بالعقيدة هي الأسس الجوهرية للإسلام -مثل عبادة الأصنام والوقوف أمام التماثيل والدعارة- قطعها الإسلام بشكل حاسم من اللحظة الأولى؛ لأنها مثل الأورام السرطانية لا بد أن تستأصل من جذورها وإلا فلا حياة. ومن أمثلة هذه العادات الوثنية التي
стр. 230
استأصلها الإسلام الشرك والاجتماع حول الأوثان والتوسل إليها ووأد البنات والكذب والغيبة والنميمة والتكبر....إلخ.
أما بالنسبة لبعض العادات الاجتماعية التي تحتمل التأجيل في اقتلاعها، والتي تمارس بشكل جماعي وتتمكن من نفوس الناس، ولا تتصل بالأساس الأول للإيمان وإن كانت ترتبط به بشكل وثيق مثل شرب الخمر والزنا والربا والرق، فقد لجأ الإسلام في علاج كل منها إلى التدرج على مراحل ودرجات، أو أخر تحريمها حتى اكتمل نمو المجتمع المسلم ونضج.
فالخمر جاءت أو إشارة لتحريمه في قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ [النحل: ٦٧] ففصل سبحانه بين السكر والرزق الحسن وكله توجيهًا رقيقًا أحس منه أذكياء المسلمين أنها بداية لتحريم الخمر، ثم كانت الإشارة الثانية في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] وتشير هذه الآية إلى تحقيق مرحلتي الوعي والاقتناع، وهما خطوتان أساسيتان من خطوات تغيير الاتجاهات Attitude change على المستوى اللفظي، ثم جاءت الإشارة الثالثة في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣] وهو هنا يربط الصلاة بالامتناع عن الخمر، فهو سبحانه يحض المسلمين على اتخاذ موقف عملي من الخمر بالامتناع عنها حتى تصح الصلاة، وهو في الواقع امتناع ونهي عن التعاطي؛ لأن الإنسان لا يستطيع عمليًّا أن يشرب ثم يفيق قبل حلول موعد الصلاة، ثم جاءت الخطوة الحاسمة في سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠]
أما الزنا فقد تدرج به الأمر من النصيحة إلى التهديد بالعقوبة إلى
стр. 231
تقرير عقوبة مجملة ثم إلى تقرير عقوبة مفصلة محددة، كما تدرج من عدم إكراه الفتيات على البغاء مع إباحة زواج المتعة إلى تحريم البغاء وتحريم زواج المتعة معًا، وإغلاق كل الطرق إلى ممارسة الجنس إلا الزواج المشروع المؤبد المعقود باسم الله وبنية الدوام١.
وبالنسبة للربا فقد أخر تحريمه إلى العام العاشر من الهجرة حتى اكتمل نمو الإنسان المسلم والمجتمع الإسلامي، وبالنسبة للرق فقد اتخذ الإسلام في معالجته وسائل بطيئة جدًّا تنتهي في النهاية بتحرير الرقيق.
هذا بالنسبة لمنهج الإسلام في القضاء على سيئ العادات، أما منهجه في غرس وتثبيت ودعم العادات الصالحة المرغوب فيها فإنه وضع عدة أساليب:
أ- أسلوب الهزة الوجدانية العنيفة الموحية القادرة على تغيير البناء العقدي والتصوري عند الإنسان، واستخدم هذا الأسلوب من أجل تحويل الناس من الكفر إلى الإيمان، ويقترن هذا الأسلوب بتغيير البيئة، حيث ينتقل المسلم من بيئته الكافرة لينتمي إلى جماعة الإيمان حيث يدخل معهم في علاقات إيمانية قوامها العدل والمساواة والتآخي، ويمارس معهم شعائر الإسلام، ويستمع معهم إلى القرآن الكريم، ويشترك أعضاء الجماعة الإسلامية في الإكرام والآمال والجهاد، وهنا تصبح النماذج السلوكية الجديدة ظاهرة فردية وجماعية معًا "الاستقامة، الصدق، العدل، الإخاء.. إلخ"، فالإسلام يستثير الوجدان، ويفرض الرغبة في العمل، ثم يحول الرغبة إلى عمل وسلوك يدعمه الإيمان وتدعمه الجماعة المسلمة.
ب- الإقناع والاقتناع العقلي: فالإسلام يتضمن جانب الغيب، وهو مسألة
стр. 232
إيمانية خالصة، وجانب عقلي يحاول الإسلام إقناع المؤمنين به. والإسلام جانب عقلي يدعو إلى إعمال العقل وينعي على أولئك الذين يعطلون عقولهم. فالإسلام يعرف، ثم يستثير الرغبة، ثم يعمل إلى ترجمتها سلوكيًّا على المستويين الفردي والجماعي معًا.
стр. 233
سابعًا: استخدام الأساليب الحسية:
كان الرسول ﵊ يكثر من التشبيهات الحسية من أجل توضيح الأمور المعنوية، فكان مثلًا يخط خطًّا على الرمال وخطين عن يمينه وخطين عن شماله، ثم يمثل لهم الأول بأنه سبيل الله، ويقول لهم عن الخطوط الجانبية بأنها سبيل الشيطان ويتلو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . وهذه التشبيهات هي ما يمكن أن نطلق عليه بالتعبيرات المعاصرة وسائل الإيضاح. ويحفل القرآن الكريم بالعديد من التشبيهات الحسية قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] .
стр. 234
ثامنًا: أسلوب النقاش والحوار Dialogue:
تعمد الطرق الحديثة في التدريس على تطبيق أسلوب الجماعات النقاشية Discussion Group وعادة ما يتم التفاضل بين الطريقة الإلقائية والطريقة النقاشية في التدريس، وقد توصل الفكر النفسي والاجتماعي الحديث إلى أن الطريقة المناسبة هي التي تتفق مع طبيعة الموضوع، ومدى معرفة المستمعين به، ونوعية المستمعين ومستوى ذكائهم وقدراتهم الإدراكية، وعددهم ... إلخ. وتوصل أنصار مدرسة ديناميات الجماعة إلى أن الطريقة النقاشية تفوق الطريقة الإلقائية داخل الجماعات الصغيرة مثل موقف الفصل الدراسي. وقد كان الرسول -صلي الله عليه وسلم- يستخدم كلا من الأسلوبين
стр. 235
حسب مقتضى الحال. وكان ﵇ يستخد أسلوب الحوار موجه لتحقيق غايتين، الأول: توجيه الصحابة وتعليمهم حقيقة دينهم -كما حدث مع معاذ بن جبل عندما أرسله واليًا على أحد الأقاليم وسأله إذا عَنَّ له أمر فبماذا يقضى- قال إنه يقضي بكتاب الله، ثم بسنة رسوله، ثم يلجأ إلى الاجتهاد، والغاية الثانية: من أجل الوصول إلى الرأي الصائب فيما لم يرد فيه وحي ولا نص كما حدث في اختيار المكان في موقعه بدر. ويعلمنا القرآن الكريم أبرع أساليب الحوار كما في حالة سيدنا إبراهيم ﵇ وحواره مع الملحد ومع أبيه، وحوار سيدنا موسي ﵇ مع فرعون ... إلخ، ومثال هذا: ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٢-٤٧] . وقال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى، قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى، فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى، قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى، قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه: ٤٣-٥٢] .
стр. 236
تاسعًا: أسلوب المحاولة والخطأ:
ادَّعَى عُلَمَاء الغرب -مثل ثورنديك ١٨٧٤-١٩٤٩- أنهم اكتشفوا أسلوبًا جديدًا في التعليم أو تفسير كيف يتعلم الإنسان والحيوان،
стр. 237
واتضح ذلك في نظرية المحاولة والخطأ tri and eirror، ومنطوق هذه النظرية أن الفرد يتعلم من خلال القيام بعدة محاولات عشوائية دون خطة واضحة، وأنه يكتشف المحاولات الصحيحة مصادفة، وهناك مجموعة من القوانين التي تحكم التعلم بالمحاولة، مثل قانون التكرار law off Exerise ويذهب ثورنديك thourdke وقد اتضح أن التكرار وحده لا قيمة له، ذلك أن التعلم ينطوي على عامل آخر يقوي الرابطة العصبية بين المثيرات، والاستجابات في حالة النجاح ويضعفها في حالة الفشل، هذا العامل هو مما أطلق عليه ثورنديك قانون الأثر law of effect ومنطوقه أن الفرد يميل إلى تكرار السلوك الذي يصاحبه أو يتبعه ثواب، كما ينزع إلى التخلي عن السلوك الذي يصاحبه أو يتبعه عقاب، فالاستجابة الناجحة تقترن بحالة من الرضا، الأمر الذي يقوي الروابط بين المثير والاستجابة الناجحة، والعكس صحيح ... إلخ، والواقع أن الجديد ليست الفكرة لكن إجراء التجارب ومحاولة صياغة قوانين التعلم، ذلك أن الرسول ﵊ استخدم أسلوب التجربة والخطأ، في تعليم أصحابه عليهم الرضا من الله، ذلك أنه ﵇ كان يراقبهم برهة وهم يطبقون الذاتية learning by doing وكان في هذا يطبق مبدأ من أحدث مبادئ التعلم وهو "التعلم بالعمل"، ومن أشهر الأمثلة حديث المسيء صلاته الذي أخطأ عدة مرات في الصلاة اشتاق إلى التعلم، فأرشده ﵇ فتعلم الصحابي واستفاد من خطأه ومن إرشاد النبي ﷺ له
стр. 238
عاشرًا: أسلوب استخدام الأحداث والظروف والمواقف في مجال التعليم:
المربي الناجح هو الذي يستغل الأحداث والمواقف المختلفة المتنوعة لتعليم النشء. فالمواقف تثير حالة في النفس من الداخل تحقق التهيؤ الذهني لتقبل المعلومات والتوجيهات، ويتضح هذا النوع من التعليم.
стр. 239
باستخدام المواقف وإعطاء الجرعة التوجيهية أو المضمون التربوي الملائم لكل موقف، بشكل معجز في القرآن الكريم بشكل عام وبشكل تفصيلي، ويتمثل الأول في مضمون التوجيه التربوي القرآن الكريم في مكة، الذي اختلف عنه في المدينة، ففي العهد المكي كان التوجيه إلى الصبر على الأذى واحتمال المكروه والصمود في وجه الكفار.. أما في العهد المدني صدر التوجيه إلى رد العدوان، واستخدام القوة في رد المعتدين وتحقيق العزة ورفض الخضوع، ومن أمثلة الآيات الكريمة التي نزلت في العهد المكي والتي تحض على الصبر والجلد والتحمل ما جاء في سورة المزمل: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ [المزمل: ١٠] أما في العهد المدني عهد القوة والعزة الإسلامية فقد فرض القتال والدفاع ورد العدوان ومحاربة الكفر ... وكان سبحانه يعلم المؤمنين أخطاءهم خلال المواقف الفعلية الواقعية حتى يتخلصوا من أخطائهم، ويتحقق لهم النصر والغلبة والعزة، يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] وهكذا يعلم الله سبحانه المسلمين من هذا الدرس القاسي، يعلمهم أن الفوز والهزيمة لا تتعلق بقضية العدد أو بأسباب القوة الأرضية بقدر ما تتعلق بعون الله ونصرته وإرادته، كذلك فإن الله يعلم المسلمين ويوضح لهم دروس مستفادة من واقعة بدر: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ، إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧-١٠] .
стр. 240
حادي عشر: توجيه طاقات الإنسان في مساراتها الصحيحة:
إذا كانت الطبيعة الإنسانية تنطوي على طاقات كامنة أودعها الخالق
стр. 241
سبحانه، فإن اختزانها في النفس يؤدي إلى الأمراض النفسية والانحرافات السلوكية، كذلك فإن توجيهها في المسارات الباطلة يؤدي كذلك إلى الانحراف. ويحرص الإسلام على توجيه طاقات الإنسان إلى الحب والكره والعمل والجنس ... في مساراتها الصحيحة وفيما يعود بالخير على الإنسان في الدنيا والآخرة، وبما يكفل تحقيق المجتمع الصالح الذي يقوم على الإخاء والعدل والتكافل ... إلخ. فطاقة الكره توجه إلى كراهية الشيطان وكراهية الفسوق والكفر والشرك. وتوجه طاقة الحب إلى حب الله ورسوله والمؤمنين. وطاقة العمل توجه إلى الصالح من الأعمال والأبحاث والاكتشافات الناجحة، وطاقة الجنس توجه إلى الزواج الشرعي وإلى إنجاب ذرية صالحة. وهذا يعني أن الإسلام يوجه طاقات الإنسان في مسارات الجهاد والإنتاج والبناء والاستمتاع المشروع وهدم الباطل، وهذا يعني تصريفها فيما يرضي الله سبحانه.
стр. 242
ثاني عشر: أسلوب استثمار وقت الفراغ:
يحرص الإسلام على استثمار وقت الإنسان من يقظته إلى نومه، ويحسن توزيع وقت الإنسان بين العبادة والعمل الجاد والراحة والترفيه الهادف والاستمتاع بالطيبات، فالإسلام دين يسر ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . "وإن الدينَ يسرٌ ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه"، كما يذكر ﵊. ولا يهدف الإسلام إلى استنفاد طاقة الإنسان فليس ذلك قطٌّ من أهداف الإسلام الذي يدعو إلى الاعتدال وعدم الإفراط أو التطرف، ويعترف بحق العقل وحق النفس وحق البدن وحق الإنسان في الترويح الطيب البريء، ويدعو الإنسان المؤمن أن يأخذ زِينَتَهُ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وأن يستمتع بالطيبات من الرزق وأن يتذكر نصيبه من الدنيا. فالإسلام يدعو إلى توزيع الوقت بين العبادة والعمل الجادّ، والتعليم والتفكير في الكون والمجتمع والتاريخ والإنسان من أجل فهم سنن الله سبحانه التي تسير هذه المخلوقات وتحكمها، وإدراك عظمة الخالق
стр. 243
والانتفاع بها في الحياة الدنيا، هذا إلى جانب السمر الطيب والترفيه المقبول والتزاور وممارسة أنواع الرياضة الهادفة -كالسباحة والرماية وركوب الخيل ... إلخ. وإذا كان الإسلام قد ألغى عادات الجاهلية وأعيادها ومواسمها وأساليب حياتها، فلم يترك ذلك فراغًا يتحير المسلمون في ملئه، أو يملئونه فيما لا يفيد، بل جعل لهم في الحال أعيادًا مقابلة ومواسم ومهام تملأ فراغهم، مثل العيدين الأكبر والأصغر والتجمع لتلاوة القرآن الكريم ودراسته والاستماع إلى توجيهات الرسول ﵊.
ويجب على المربين أن يوظفوا وقت الفراغ لدى النشء فيما يفيدهم جسميًّا وعقليًّا ونفسيًّا ويسهم في تنميتهم بشكل شامل ومتكامل، وفيما يعود بالنفع على المجتمع معًا.
стр. 244
التربية الإسلامية وقضية الصحة النفسية
مدخل
...
التربية وقضية الصحة النفسية:
هناك صلة وثيقة بين بناء الشخصية الفردية وبين الصحة النفسية، ويعد تكامل الشخصية -بالمفهوم الإسلامي الذي يقوم على غرس الدوافع الإيمانية المكتسبة التي تستند إلى أساس فطري وهو الفطرة السليمة- شرطًا ضروريًّا للصحة النفسية والتوافق الاجتماعي السوي. ومن أهم العوامل التي تخل هذا التكامل غياب العقيدة السليمة التي تفسر للإنسان وجوده وحياته والكون والمصير إلى جانب الصراعات النفسية العنيفة والموصولة -ساء الشعورية أو اللاشعورية- وترتبط الصحة النفسية أشد الارتباط بنوعية التربية وأساليبها ومضامينها، يضاف إلى هذا أن من أهم سمات الشخصية المفككة غير المتكاملة -غياب الإيمان والدوافع الإيمانية، وكثرة الصراعات الداخلية والخارجية- الشعورية واللاشعورية -والعجز عن التوافق السوي مع المجتمع والآخرين والعجز عن العمل والإنجاز والعجز عن العطاء.
وإذا استطاع الفرد أن يعيش في زحمة هذه الحياة عيشة راضية مرضية في حدود عقيدته وقيمه وقدراته واستعداداته قيل، إنه حسن التوافق، أما إن
стр. 245
عجز عن ذلك بالرغم مما يبذله من جهود قيل: إنه سيئ التوافق maladjusted. ويعرف سوء التوافق بأنه حالة دائمة أو مؤقتة تبدو في عجز الفرد وإخفاقه في حل مشكلاته اليومية خاصة الاجتماعية بشكل لا يحقق معه ما ينتظره غيره منه أو ما يتنظره هو من نفسه، وهناك مجموعة من الميادين التي تتصل بالتوافق وعدم التوافق، فهناك التوافق أو سوء التوافق المهني، والتوافق الأسري، والتوافق الديني، والتوافق الاقتصادي، والتوافق التعليمي.. غير أن هذه الجوانب المختلفة تتصل بمظهر التوافق العام الذي يتعلق بمدى تمسك الفرد بالعقيدة والقيم وقدرته على التعامل السوي مع الآخرين، وإقامة صلات راضية مرضية معهم، وقدرته على العمل، وأن يكون إنسانًا منجزًا.
ولسوء التوافق العام مظاهر شتى ودرجات تختلف شدة وعنفًا وإزمانًا واستعصاءًا على العلاج، فقد يبدو في صورة انحراف خفيف أو سلوك مغرب لا يكاد يوصف بالشذوذ، أو في صورة مشكلة سلوكية مما يَعْرَض لكثير من الأطفال كقضم الأظافر أو التبول القسري أو التمرد أو العناد، أو السرقة والكذب، كما يبدو في صورة تمرد شديد لدى المراهق أو ميله الشديد للانطواء، وقد يبدو في صورة أشد عنفًا كالأمراض النفسية neuroses والأمراض النفسية المهنية والأمراض النفسية الجسمية psycho- somatic والانحرافات الجنسية sex deviance والإجرام criminality. وأخطر ضروب سوء التوافق هو الأمراض العقلية psychoses التي تسمى في اللغة الدارجة بالجنون، تلك الأمراض التي تجعل الفرد غريبًا عن نفسه وعن الناس، خطرًا على نفسه وعلى الناس، مما يقعده عن العمل ويتطلب من المجتمع عزله والإشراف عليه وعلاجه.
ولسوء التوافق العام عدة أسباب بيولوجية أو نفسية اجتماعية psycho- social فمن الأسباب البيولوجية تلف الجهاز العصبي المركزي central nervous system، أو الجهاز الغدي glandular system، أو
стр. 246
الاختلال الكروموزومي، أو ضعف العقل الشديد.. أما الأسباب النفسية الاجتماعية فإنها تتعلق بالتربية التي تفشل في مساعدة الطفل على استدماج internalizaion الدوافع الإيمانية والقيم الدينية، وتفشل في تقديم القدوة الصالحة للنشء وتصيبه بالإحباطات frustrations "وهي مشكلات وأزمات نفسية تنشأ عن وجود معوقات مادية أو جسمية أو اجتماعية تعترض إرضاء حاجات الفرد ودوافعه وتسبب له أزمات نفسية"، وهنا يلجأ الفرد إلى الحيل الدفاعية تخفيفًا من هذه الأزمات*، فإذا لم يوفق في ذلك لجأ إلى أساليب ومحاولات شاذة.
وإذا ما تساءلنا عن معيار السواء والانحراف نجد أن الباحثين يقدمون مجموعة من المعايير يهمنا أن نعرضها بإيجاز مع مناقشتها وعرض المعيار الإسلامي الصحيح.
стр. 247
أولًا: المعيار المثالي:
ويذهب أنصاره إلى أن السوي هو الكامل أو ما يقرب منه، فقوة الإبصار السوية مثلًا، ليست هي قوة الإبصار المتوسطة بل الكاملة، وهذا هو المعيار الذي يقصده أتباع مدرسة التحليل النفسي عندما يقولون: إنه لا توجد شخصية سوية. ولعل المشكلة هنا هي اختلاف الباحثين عند تحديد معيار الشخصية المثالية.
стр. 248
ثانيًا: المعيار الإحصائي:
ويذهب أنصاره إلى أن السوي بوجه عام هو من لم ينحرف كثيرًا أو إطلاقًا عن المتوسط، وهو الذي يمثل الجزء الأعظم من المجموعة وفق
стр. 249
منحنى التوزيع الطبيعي Normal Curve. وبناءً على هذا المعيار تختلف معايير الشخصية السوية من مجتمع إلى مجتمع، ومن فترة زمنية إلى أخرى داخل نفس المجتمع، ولا يوجد معيارٌ عام بالإطلاق. هذا إلى جانب أنه يجعل المتمسكين بالقواعد تمسكًا شديدًا مثلهم مثل المتسيبين تمامًا، حيث يعدهما من المنحرفين عن المتوسط الحسابي.
стр. 250
ثالثًا: المعيار الحضاري:
يَرَى أَنَّ السوي هو المتوافق مع المجتمع أي الذي يجاري قيم المجتمع وقوانينه ومعاييره وأهدافه. ولهذا المعيار أكثر من عيب، وعليه أكثر من مأخذ. فهو يرى أن السواء هو الامتثال التام لقوانين المجتمع وقيمه حتى وإن كانت فاسدة كما هو الحال في عبادة البقرة في الهند، وعبادة الطواطم في الكثير من المجتمعات المتخلفة، ومثل شرب الخمر ولعب الميسر والاتصالات الجنسية غير المشروعة في العديد في الدول الأوروبية، تتطلب من الفرد العمل على إصلاحها وتغييرها بدلًا مِنَ التكيّف معها. يضاف إلى هذا اختلاف معيار الاستواء والانحراف من حضارة إلى أخرى، فوأدُ البنات في الجاهلية لم يكن جريمة لأنه يتفق مع عادات العرب وتقاليدهم، والانتحار في الحضارة الغربية دليل على اضطراب نفسي أو عقلي في حين أنه ظاهرة سوية في اليابان في بعض الظروف، والارتياب الشديد وتوهم العظمة والاضطهاد التي نراها من أعراض "جنون التوهم أو العظمة" تعد سلوكًا لا انحراف فيه عند الهنود الحمر في بعض قبائل الساحل الشمالي للمحيط الهادي ... وهذا يعني عدم وجود معيار عام للسواء والانحراف.