الاختلال الكروموزومي، أو ضعف العقل الشديد.. أما الأسباب النفسية الاجتماعية فإنها تتعلق بالتربية التي تفشل في مساعدة الطفل على استدماج internalizaion الدوافع الإيمانية والقيم الدينية، وتفشل في تقديم القدوة الصالحة للنشء وتصيبه بالإحباطات frustrations "وهي مشكلات وأزمات نفسية تنشأ عن وجود معوقات مادية أو جسمية أو اجتماعية تعترض إرضاء حاجات الفرد ودوافعه وتسبب له أزمات نفسية"، وهنا يلجأ الفرد إلى الحيل الدفاعية تخفيفًا من هذه الأزمات*، فإذا لم يوفق في ذلك لجأ إلى أساليب ومحاولات شاذة.
وإذا ما تساءلنا عن معيار السواء والانحراف نجد أن الباحثين يقدمون مجموعة من المعايير يهمنا أن نعرضها بإيجاز مع مناقشتها وعرض المعيار الإسلامي الصحيح.
стр. 247
أولًا: المعيار المثالي:
ويذهب أنصاره إلى أن السوي هو الكامل أو ما يقرب منه، فقوة الإبصار السوية مثلًا، ليست هي قوة الإبصار المتوسطة بل الكاملة، وهذا هو المعيار الذي يقصده أتباع مدرسة التحليل النفسي عندما يقولون: إنه لا توجد شخصية سوية. ولعل المشكلة هنا هي اختلاف الباحثين عند تحديد معيار الشخصية المثالية.
стр. 248
ثانيًا: المعيار الإحصائي:
ويذهب أنصاره إلى أن السوي بوجه عام هو من لم ينحرف كثيرًا أو إطلاقًا عن المتوسط، وهو الذي يمثل الجزء الأعظم من المجموعة وفق
стр. 249
منحنى التوزيع الطبيعي Normal Curve. وبناءً على هذا المعيار تختلف معايير الشخصية السوية من مجتمع إلى مجتمع، ومن فترة زمنية إلى أخرى داخل نفس المجتمع، ولا يوجد معيارٌ عام بالإطلاق. هذا إلى جانب أنه يجعل المتمسكين بالقواعد تمسكًا شديدًا مثلهم مثل المتسيبين تمامًا، حيث يعدهما من المنحرفين عن المتوسط الحسابي.
стр. 250
ثالثًا: المعيار الحضاري:
يَرَى أَنَّ السوي هو المتوافق مع المجتمع أي الذي يجاري قيم المجتمع وقوانينه ومعاييره وأهدافه. ولهذا المعيار أكثر من عيب، وعليه أكثر من مأخذ. فهو يرى أن السواء هو الامتثال التام لقوانين المجتمع وقيمه حتى وإن كانت فاسدة كما هو الحال في عبادة البقرة في الهند، وعبادة الطواطم في الكثير من المجتمعات المتخلفة، ومثل شرب الخمر ولعب الميسر والاتصالات الجنسية غير المشروعة في العديد في الدول الأوروبية، تتطلب من الفرد العمل على إصلاحها وتغييرها بدلًا مِنَ التكيّف معها. يضاف إلى هذا اختلاف معيار الاستواء والانحراف من حضارة إلى أخرى، فوأدُ البنات في الجاهلية لم يكن جريمة لأنه يتفق مع عادات العرب وتقاليدهم، والانتحار في الحضارة الغربية دليل على اضطراب نفسي أو عقلي في حين أنه ظاهرة سوية في اليابان في بعض الظروف، والارتياب الشديد وتوهم العظمة والاضطهاد التي نراها من أعراض "جنون التوهم أو العظمة" تعد سلوكًا لا انحراف فيه عند الهنود الحمر في بعض قبائل الساحل الشمالي للمحيط الهادي ... وهذا يعني عدم وجود معيار عام للسواء والانحراف.
стр. 251
رابعًا: المعيار السيكولوجي أو الطبي النفسي:
ويذهب أنصاره إلى أن الشخصية الشاذة هي ما كان انحرافها ناجمًا عن صراعات نفسية لا شعورية أو خللًا في الجهاز العصبي أو الغدي للإنسان، غير أن هذا المعيار لا يخلو من المآخذ المهمة، فقد يخلو إنسان
стр. 252
ما من الصراعات النفسية أو الاختلافات العضوية، لكنه لا يؤمن بالله أو يمارس سلوكًا يغضبه سبحانه، فكيف يمكن اعتباره سويًّا؟
стр. 253
خامسًا: المعيار الإسلامي الصحيح:
اتضح أن العلماء يختلفون في تحديد معيار السواء والانحراف المثالي -لأنها معايير وضعية مختلف عليها. أما المعيار الإحصائي والمعيار الحضاري فمن الواضح فسادهما. فبناء عليهما تعد المرأة التي تتزوج أكثر من رجل -في بعض القبائل مثل قبيلة التودا في الهند- ظاهرة سوية لأنها تتفق مع ما يفعله أغلب سكان هذه القبيلة، وعبادة البقرة في الهند ظاهرة سوية، والإقدام على الانتحار ظاهرة سوية بين بعض جماعات البوذيين في اليابان، والاتصالات الجنسية خارج الزواج تعد ظاهرة سويةً في مجتمع ساموا الذي درسته "مارجريت ميد"، وفي مجتمعات الغرب وفي الكميونات الصينية ... إلخ؛ لأنها ظواهر يمارسها غالبية السكان في تلك المناطق، ولا شك أن هذا هراء لا يقبله عقل ولا منطق. أما المعيار النفسي فلا يمكن الاعتماد عليه لأنه قد يخلو إنسان ما من الصراعات الداخلية ولكنه يمارس رذائل. يبقى بعد هذا المعيار الإلهي العام والشامل الذي صَمَّمَه خالق الإنسان ومبدع الكون وهو الله . ويتمثل هذا المعيار في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره والعمل بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية وتمثل القيم الإسلامية التي تقوم على الإخلاص والصدق والاستقامة ومراقبة الله سبحانه في السر والعلن والعدل والتقوى ... وهذا المعيار عام شامل.
стр. 254
مؤشرات الصحة النفسية بالمفهوم الإسلامي
مدخل
...
مؤشرات الصحة النفسية بالمفهوم الإسلامي:
هناك مجموعة من المؤشرات التي يمكن من خلالها الحكم على شخصية الإنسان بالاستواء أو الانحراف، وبالتالي معرفة مدى ما يتمتع به الشخص من صحة نفسية.
стр. 255
أولًا: الإيمان الكامل اليقيني بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره .
وهذا العامل يستغرق كل العوامل التالية:
стр. 256
ثانيًا: التوافق الاجتماعي مع الغير:
بمعنى القدرة على عقد صلات اجتماعية راضية مرضية مع الآخرين قوامها التعاون والتسامح والإيثار، فلا يشوبها العدوان أو عدم الاكتراث لمشاعر الآخرين، يقول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾
[الفتح: ٢٩] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤] والرضا المتبادل سمة من سمات العبد المؤمن ليس فقط بينه وبين الناس ولكن بينه وبين ربه كذلك. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧-٨] ، ويوجهنا سبحانه إلى ضرورة إيجاد علاقات اجتماعية سوية مع الآخرين تخلو من التكبر والخيلاء: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] وقال تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٨-١٩] ، وتتضمن خصائص عباد الرحمن كما جاءت في القرآن الكريم أسمى خصائص التوافق النفسي والاجتماعي السوي الفاضل: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ
стр. 257
هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ الآيات [الفرقان من ٦٣-٧٧] ، ويخبرنا ﵊ أن أقرب المؤمنين مجلسًا منه يوم القيامة أحاسنهم أخلاقا والموطئون أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون. فهذا هو الحب بمعناه الواسع الذي يعد مؤشرًا على الصحة النفسية بالمفهوم الإسلامي، الحب الواسع -حب الله وحب الرسول ﵊، وحب المؤمنين وحب الأهل وحب الجنة.
стр. 258
ثالثًا: التوافق الذاتي:
وهو يتمثل في قدرة الفرد على التوفيق بين دوافعه المتصارعة توفيقًا يرضيها بشكل متزن وفي إطار ما تسمح به العقيدة السمحة والتوجيهات القيمية الإسلامية. فالمسلم قادر على ضبط نفسه وضبط شهواته حتى يستطيع ممارستها بالأسلوب المشروع. يقول تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ ... الآية [النور: ٣٠، ٣١] ، وقال تعالى في نفس السورة: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] ، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] .
стр. 259
رابعًا: الشعور بالسموِّ والعزة والعلوِّ والقدرة على مواجهة الصعاب والأزمات والشدائد
دون إسراف في العدوان أو النكوص أو محاولة استدرار العطف والرثاء للذات Self Pity، والمؤمن دائمًا يشعر بالعزة، فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين. والمؤمن قوي في كل حالاته مستعلٍ في كل الظروف لأنه خليفة الله سبحانه ويتمتع بروحه سبحانه ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُم
стр. 260
الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩-١٤٠] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحا﴾ [لقمان: ١٨] ، فالمؤمن معتز بنفسه يشعر بالسمو والعلو ولكنه لا يوجه هذا الشعور للظلم والعدوان، وإنما يوجهه في الخير فهو صادق وعادل ومستقيم يراقب الله في السر والعلن، ويعترف بتكريم الله له ويحرص على أن يكون أهلًا له في كل سلوكه.
стр. 261
خامسًا: الشعور بالرضا والسعادة:
ويتمثل في استمتاع الفرد بالحياة بعمله وأسرته وأصدقائه وشعوره بالطمأنينة وراحة البال والأمن في أغلب أحواله. فالمؤمن لا يشعر بالخوف على المستقبل لأن المستقبل غيب والغيب بيد الله ولا يقلق على الموت لأنه يعلم أنه السبيل إلى الحياة الأبدية في جنة الخلد إن كان من المؤمنين حقًّا، وهو لا يقلق على الرزق لأنه يوقن: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] ، ويوجهنا سبحانه إلى عدم نسيان نصيبنا من الدنيا: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٧-٨٨] ، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ، وقال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ، َعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ، هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٨-١١] .
стр. 262
سَادسًا: القدرة على العطاء والإنجاز والعمل:
ويقصد بذلك أن يكون للإنسان دور إيجابي في حياة أسرته ومجتمعه حيث يقوم بالعمل أو الإنتاج المعقول في حدود ذكائه وحيويته واستعداداته، وكثيرًا ما يكون الكسل والخمول والسلبية مؤشرات لشخصيات هدتها الصراعات والأمراض النفسية بشتى أشكالها. والمؤمن منتج منجز إيجابي، والإنسان كما يريده الله سبحانه قوة فاعلة موجهة مريدة وهو قوة موجبة في واقع الحياة، فهو يتأمل في مخلوقات الله يحاول استغلالها لصالحه بعد أن سخرها الله له، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] ، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الجاثية: ١٣] ، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] .
وواجب المربي أن ينشئ المؤمنينَ على أساس هذا النموذج المتميز للشخصية الإسلامية، تلك الشخصية التي تقوم على أساس الإيمان والتوافق الاجتماعي والتوافق الشخصي، والخلو من الصراعات والقلق والقادرة على الصمود أمام الشدائد والقادرة على العطاء والإنجاز والعمل، والتي تتمثل مجموعة من القيم الموجهة التي تدور حول مراقبة الله والصدق والإخلاص والاستقامة والعدل والمساواة ... إلخ.
стр. 263
مبادئ التعلم في النظرية التربوية الإسلامية
مدخل
...
مبادئ التعلم في النظرية التربوية الإسلامية:
يربط الإسلام بين التقوى والتعلم حيث يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، ويقول تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، ويشير القرآن الكريم إلى أنه سبحانه يصرف الذين يتكبرون في الأرض عن آياته يقول تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ
стр. 264
يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] . فهناك علاقة بين المعرفة وأسلوب توظيفها وبين الإيمان بالله، فالله يهدى من يشاء ويضل من يشاء. وهناك مجموعة من المبادئِ التي يجب الاهتداء بها خلال عملية التعلم، يمكن استنتاجها من الكتاب والسنة نوجزها فيما يلي:
стр. 265
أولًا: الربط بين النظرية والتطبيق:
يعد هذا المبدأ من أحدث مبادئ التعليم التي لم ينتبه إليها رجال التربية إلا مؤخرًا، وقد سبق أن نبه القرآن الكريم منذ أكثر من ١٤٠٠ سنة إلى هذا المبدأ المهم، وهو ربط المعلومات النظرية بالتطبيق والممارسات العملية، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] ، ويتضح من قراءة القرآن الكريم أن الله سبحانه يقرن الإيمان بالعمل الصالح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٧] . ويذكر ابن مسعود أن الرجل في زمن الرسول ﵊ إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعرف معانيهن ويعمل بهن. ويحذرنا القرآن الكريم بعمل شيءٍ خلاف ما نقوله وضرورة الالتزام بما نقوله قولًا وعملًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢-٣]
стр. 266
ثانيًا: مراعاة استعدادات المتعلم وقدرته الاستيعابية والإدراكية:
نبه القرآن الكريم منذ ١٤٠٠ سنة إلى ما يطلق عليه علم النفس الحديث الفروق الفردية Individual Differences فالأفراد تتفاوت قدراتهم العقلية واستعداداتهم وميولهم وذكائهم ... كذلك فقد نبه القرآن الكريم
стр. 267
إلى ضرورة أخذ خصائص كل مرحلة من مراحل النمو في الاعتبار عند إعطاء الجرعات التعليمية والتربوية للأفراد، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [لبقرة: ٢٨٦] . ويمكن القول أن التدرج في التشريع الإسلامي -كما هو الحال في تحريم شرب الخمر وتحريم الزنا- راعى القدرة الاستيعابية لأعضاء مجتمع الجاهلية وهو ما يطلق عليه اليوم الجوانب الاجتماعية للقانون Sociology Of Law، وقد كان الرسول ﵊ يستخدم الأساليب الحسية -أو وسائل إيضاح حسية مبسطة- ليقرب المعاني المجردة لأذهان المسلمين وقد سبق إيضاح ذلك.
стр. 268
ثالثًا: تكوين الاتجاهات قبل الفهم واستيعاب المعلومات:
نَبَّهَ الْقرآن الكريم إلى ضرورة تكوين الاتجاهات الإيجابية نحو قضية أو علمٍ أو موضوع ما قبل تلقي المعلومات والتفصيلات بشأنه، وهو ما يطلق عليه اليوم تحقيق التهيؤ الذهني والنفسي لدى المتعلم. ويتضح هذا في أول سورة البقرة التي توضح أن الكتاب الكريم موجه للذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون ما رزقهم سبحانه ... يقول تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١-٥] .
وما لم يتكون الاتجاه الإيماني السليم لدى المتعلم في مجال العقيدة، فلن تجدي محاولات الإقناع والتعليم والبرهان ... إلخ. وقد بين سبحانه -على سبيل المثال- أن العجزة لا تجدي مع من لم تتكون
стр. 269
لديهم الاتجاهات الإيمانية والذين يكابرون، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤-١٥] ، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر: ١١] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا، وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ [الإسراء: ٨٩-٩٦] . وقصة بني إسرائيل مع أنبيائهم تؤكد أهمية التهيؤ الذهني لتقبل الرسالة وهو ما يمكن أن نطلق عليه الاتجاه الإيجابي نحو الإيمان، وهذا المبدأ ينطبق على كل أنواع التعلم من تعلم العقيدة إلى تعلم الهندسة والطب ومختلف العلوم والمهن.
стр. 270
رابعًا: تسهيل العملية التعليمية وتيسير حصولها:
يحرص الإسلام باستمرار على التيسير على المؤمن فالدين يسر لا عسر فيه، وكان النبي ﵊، يوصي بالرفق بالمتعلمين وتسهيل أمورهم.
стр. 271
التعزيز من خلال الاستفسار والمراجعة والمناقشة
مدخل
...
خامسًا: التعزيز من خلال الاستفسار والمراجعة والمناقشة:
يوضح لنا القرآن الكريم والسنة المطهرة إمكان النقاش والاستفسار من أجل الفهم وزيادة اليقين: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْييِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] . وكان أصحاب الرسول -صلي الله عليه وسلم- يكثرون الاستفسار منه ﵊ من أجل زيادة الفهم وتأكيد اليقين.
هذه هي أهم المبادئ الأساسية للتعليم في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهناك مجموعة من المبادئ العامة التي يجب الاسترشاد بها والتي تعد أصولًا للنظرية التربوية الإسلامية يمكننا إيجازها فيما يلي:
стр. 272
أولًا: التطور، سنة من سنن الحياة:
يفرق الإسلام بين أمرين: العقيدة، والأمور الدنيوية. فالعقيدة ثابتة والشريعة الإسلامية تلائم كل عصر ولا تغيير فيها، أما الأمور الدنيوية فإنها تتغير تبعًا لتطور العلوم والتكنولوجيا، ولم ينه الإسلام عن مواكبة التطور والتغير والأخذ بالعلوم الحديثة -التي يدعو الإسلام إلى تطويرها وإعمال العقل في كل مخلوقات الله سبحانه- بشرط عدم تعارضها مع مبادئ الشريعة الأساسية قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣] ، وقال ﵇: "من سَنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" رواه مسلم ٢/ ٧٠٥.
стр. 273
ثانيا: التبصر في التراث وإعمال العقل وعدم التقليد الأعمي:
سَبَقَ أَنْ أَشَرْنَا إِلَى أَنَّ الإسلام يعيب على المقلدين تقليدهم الأعمى ويدعو إلى إعمال العقل لا تعطيله، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] . وقد يعتمد الناس في تبريرهم فعل الفواحش على أنها مسألة تتعلق بالتراث يقول تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ، قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٨-٢٩] ، وتشير الآية إلى أن الناس قد تخلط بين العادات والتقاليد والممارسات السلوكية المنحدرة من الماضي وبين قضايا الدين المقدسة من أجل إضفاء قوة على ما ينحدر من الماضي وبين قضايا الدين المقدسة من أجل إضفاء قوة على ما ينحدر من الماضي مع بطلانه. ولهذا يدعو القرآن الكريم إلى ضرورة تمحيص التراث ودراسته قبل إقراره والعمل به، ومعيار السواء والانحراف أو الرفض والقبول، وهو مبادئ الشريعة الإسلامية.
стр. 274
ثَالثًا: الانفتاح العقلي على مختلف التجارب والخبرات البشرية
مع تقييمها من المنظور الإسلامي والاستفادة مع ما يتفق منها مع مبادئ الإسلام ورفض ما يتعارض معها، ويقول ﵊: "الحكمة ضالَّة المؤمن فحيثما وجدها فهو أحق بها" "أخرجه ابن ماجه ٢/ ١٣٩٥"، ومما نعى به القرآن الكريم على اليهود والنصارى انغلاق كل فريق وتقوقعه ورفض الحوار أو التفكير فيما لدى الآخر من تراث وأفكار، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] . كذلك يندد القرآن الكريم بإصدار أحكام مسبقة على أي أمر من الأمور أو أي فكرة أو رأي تنبثق عن انغلاق سلبي وخوف أو تخوف من المناقشة الحرة المفتوحة دون فهم أو وعي بطبيعة الأمر أو الرأي المرفوض أصلًا، ويشير سبحانه أن هذا الرفض السلبي المنغلق للأفكار الجديدة دون دراسة وفحص، يؤدي إلى الهلاك لأنه يؤدي إلى الجمود والتحجر الفكري والثقافي والاجتماعي. قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ، وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٥-٢٨] .
ومن أبرز خصائص الإسلام دعوته إلى إعمال العقل والانفتاح على خبرات البشرية، ذلك لأنه دين عقلي فإذا أعمل الإنسان عقله، وفكر بمنطق سليم فسوف يكتشف الحقيقة وهي أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: ٢٨] ، فوحدة الكون
стр. 275
ووحدة القوانين العلمية والحتمية العلمية كلها تشهد بوحدانية الله سبحانه، ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢] ، وقد استدل القرآن الكريم بهذه الآية -وغيرها- من وحدة الكون على وحدة الإله، كما استدل بوحدة الإله على وحدة القوانين واستمرارها ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٣] . ويدعو الإسلام إلى التفاعل مع الخبرات الإنسانية المختلفة من أجل الاستفادة بما يوجد فيها من خير، ومن أجل تقويم ما يوجد فيها من اعوجاج حتى ينتشر دين الله ويعم الأرض كلها.
стр. 276
رابعًا: التكامل بين العلم والإيمان:
سَبَقَتِ الإشارة إلى أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يحض على العلم وإعمال العقل والمنطق، ويعيب على المقلدين والمقدسين للماضي دون فهمٍ والرافضين مناقشة الجديد عن انغلاق وتحجر، وما ذلك إلا لأن الإسلام دين الفطرة وحيثما وجهت نظرك وعقلك فَسَوْفَ تُدْرِكُ الحقيقة متمثلة في وحدانية الله سبحانه، ومصدر العلم هو الله ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] . وَإِذَا كان الله هو المصدر الوحيد للعلم الصادق، ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [لأحقاف: ٢٣] وهو سبحانه خالق الإنسان والأكوان فلا تعارض بينهما، فالكون هو كتاب الله المنظور والقرآن الكريم كتاب الله المقروء. وإذا حدث تعارض فهذا دليل على زيف العلم والعلم الزائف Psoudo Science يؤدي إلى التهلكة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٢-٨٤]
стр. 277
خامسًا: التكامل بين العقل والنقل أو الإيمان بالغيب ومنطق العلم:
يتطلب الإيمان الكامل اليقين المطلق بالغيب كما جاء ذلك في أول
стр. 278
سورة البقرة، هذا الإيمان لا يخضع لمنطق العقل والتجريب مباشرة، وذلك لقصور العقل ومحدوديته. غير أن الاستخدام السليم للعقل -في ميدانه- سوف يؤدي إلى تعميق الإيمان بالغيب، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥٣] . وقد ترك الرسول ﵊ للعقل البشري مطلق الحرية في البحث في العلوم الطبيعية حيث قال ﵇: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" رواه مسلم ٤/ ١٨٣٦.
стр. 279
سادسًا: ضرورة أن يكون العلم موجهًا لما يرضي الله سبحانه:
يجب أن يكون طلب العلم ابتغاء مرضاة الله وعدم تَوْجِيهِهِ لدمار الإنسان أو في مجال الشرور أو ابتغاء المكاسب الدنيوية الرخيصة وقد استعاذ رسولنا الكريم من شر علم لا ينفع.
стр. 280
سابعًا: ضَرُورة العمل على نشر العلم وتعليم الناس:
أشار الرسول الكريم إلى أن خير الناس هم من يتعلمون القرآن الكريم، ويعلمونه لغيرهم، وَاعْتَبَرَ القرآن الكريم أن حرمان الناس من التعليم ذنبًا يقترفه العلماء الذين يجب عليهم نقل ما مَنَّ الله به عليهم من عِلْمٍ إلى الآخرين، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] .
стр. 281
ثامنًا: استمرارية التعلم وعدم تقيده بسن:
يُنَبِّهُنَا القرآن الكريم إلى أن الله هو مصدر العلم وهو سبحانه الذي علم الإنسان ما لم يعلم، ومهما نما علم الإنسان فهو قليل: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] ، وطلب العلم فريضة على كل مؤمن من المهد إلى اللحد، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم﴾ .
стр. 282
تاسعًا: ضرورة إيجاد علاقة شخصية وطيدة بين المتعلم والمعلم:
وقد طبق الرسول ﵊ هذا المبدأ حيث كان يجمع المسلمين في المسجد -الصحابة عليهم رضوان الله الذين صاحبوه ﵊ ويوجههم ويربيهم ويرشدهم ويعلمهم مبادئ دينهم الحنيف. وهذه العلاقة لها أهميتها حيث إن القضية لا تتعلق فقط بالمعلومات وإنما تتعلق بالسلوك والقدوة. وفي أحاديث الرسول ﵊ ما يشير إلى أهمية صحبة المتعلم لأستاذه، وأثر ذلك في تقويم السلوك وتصحيح القيم والاتجاهات.
стр. 283
نماذج من الآراء التربوية عند المسلمين
مدخل
...
نماذج من الآراء التربوية عند المسلمين:
سوف نعرض هنا نموذجا من الآراء التربوية عند كل من أبي حنيفة أكبر علماء الكوفة في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، ومالك بن نبي المفكر المعاصر ١٩٠٥-١٩٧٣م. وقد جاءت فلسفة أبي حنيفة التربوية في رسالة العالم والمتعلم ورسالته إلى عثمان البني والفقه الأبسط* ويبدأ أبو حنيفة إلى المتعلم أبي مقاتل بإيضاح ثلاثة أمور منهجية:
أ- ضرورة النظرية.
ب- ضرورة التجديد عن طريق الاجتهاد.
стр. 284
جـ - المعنى الجامع للإسلام.
وفي مجال ضرورة النظرية في التربية يقول أعلم أن العمل تبع للعلم، كما أن الأعضاء تبع للبصر. فالعلم مع العمل اليسير أنفع من الجهل مع العمل الكثير. ولذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] وهو هنا يركز على أهمية الوضوح النظري ووضوح الرؤية كأساس لتجنب الانحرافات في الفكر والعمل. أما بالنسبة للأمر الثاني الذي يتعلق بمشروعية إعادة النظر والتفكير فإن أبي حنيفة يواجه فيه أولئك الذين يدعون بشكل عام إلى التزام أقوال السلف الصالح، والتنكر لكل ما لم يحدث في أيامهم. وهو يرى أن التغير في الظروف الاجتماعية يبرر مشروعية الجديد في المتغيرات الشاملة منذ أيام النبي ﷺ وأصحابه ومن هذه المتغيرات تكاثر الفرق والخصوم في الدين فإذا كف الرجل لسانه عن الكلام فيما اختلف فيه الناس وقد سمع ذلك، لم يطلق أن يكف قلبه لأنه لا بد للقلب أن يكره أحد الأمرين أو الأمرين جميعًا. فإذا تجاهل العلم ما يقع أمامه من خلافات في الرأي فإما أن يهتم بالجهالة لعدم تمييزه الخطأ من الصواب، وإما أن ينزل به من الشبهة ما نزل بغيره، وإما أن يختلط الأمر عليه فلا يدري من يحب في الله ومن يبغض في الله لعدم إمكان معرفة المصيب من المخطئ. وهذا يعنى عند أبي حنيفة كما تشير محاضرة د. رضوان السيد أن الوضوح النظري ليس فقط مقدمة للتصرف، ولكن مقدمة لكل عمل اجتماعي. والعالم المسلم الحق هو الذى يختلط بالجمهور فلا يوجد علم للعزلة ولا يكون العالم لنفسه ولا يكون العالم المسلم عالمًا إلا إذا بدأت فاعليته الاجتماعية أي تأثيره في الناس وأوجب الله على العلماء أن يبينوا العلم للناس ولا يكتموه. ومن كتمه عن أهله ألجمه الله بلجام من النار يوم القيام. وهذا يعني كما يشير المحاضر المذكور:
أ - أن العلم عند أبي حنيفة يعني الرؤية الشاملة الواضحة.
ب - يعني كذلك الفاعلية الاجتماعية بين الجمهور.
стр. 285
ج- ويعني ثالثًا الوضوح في التوجه والصدق في تمييز الحق من الباطل.
د- وعلى العالم هنا أن يقف إلى جانب الحق وينكر الباطل.
والأمر الثالث الذي لا بد منه لاكتمال المنهج التربوي للعالم المسلم عند أبي حنيفة، يتمثل في الفهم الصحيح للإسلام ولرسالته ولأسلوب الدعوة وأصول النقاش حتى مع المخطئين. وهو هنا يقول: "إن الله إنما بعث رسوله رحمة ليجمع به الرفقة، وليزيد الألفة ولم يبعثه ليفرق الكلمة ويحرض المسلمين بعضهم على بعض". فعلى المسلم أن يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادل بالتي هي أحسن وأن يبشر ولا ينفر، وأن يوضح للمخطئين خطأهم بالحسنى ولا يتجاوز ذلك إلى القذف والاتهام والتفكير، أو تحريض فئة مسلحة على فئة بسبب الخلاف معها في الرأي. ويجب -في نظر أبي حنيفة- أن يبقى الخلاف بين العالم وخصومه خلافًا في الرأي وليس خلافًا في الدين".
وعلى العالم -عند أبي حنيفة- دعوة غير المسلمين للدخول في الإسلام ودعوة المسلمين للالتزام بأحكامه، وهو يرى أن الإسلام هو جوهر جميع الديانات السماوية السابقة وهو الدين الجامع، فهو الدين الذي نادى به جميع الرسل. فهناك دين واحد منذ زمن آدم يقوم على التوحيد. وما دام الدين واحدا فاللقاء أمر ضروري بين جميع الناس لأن الدين واحد وإن اختلفت الشرائع. وعلى العالم المسلم أن يدعو المسلم والمسيحي في إطار الدين الواحد. وهذه هي الفكرة الاجتماعية والحقيقة التاريخية الأساسية التي يجب الالتزام بها. بالإسلام لم يأت به محمد -صلي الله عليه وسلم- بشكل مفاجئ ولكنه الدين التاريخي للبشرية كلها، والمتبع للإسلام إنما يدخل نفسه وبحرية واتساق مع المجرى العام للتاريخ من خلال التعامل مع الرسالة الإلهية الواحدة.
وبعد أن يعرض أبو حنيفة لقضية دين الإسلام وموقعه من التاريخ البشري، يتناول الجانب الداخلي للدين وهو الإيمان ويحدده بأنه التصديق والمعرفة واليقين والإقرار والإسلام وهو لا يجعل العلم جزءًا من الإيمان