ثامنًا: استمرارية التعلم وعدم تقيده بسن:
يُنَبِّهُنَا القرآن الكريم إلى أن الله هو مصدر العلم وهو سبحانه الذي علم الإنسان ما لم يعلم، ومهما نما علم الإنسان فهو قليل: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] ، وطلب العلم فريضة على كل مؤمن من المهد إلى اللحد، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم﴾ .
стр. 282
تاسعًا: ضرورة إيجاد علاقة شخصية وطيدة بين المتعلم والمعلم:
وقد طبق الرسول ﵊ هذا المبدأ حيث كان يجمع المسلمين في المسجد -الصحابة عليهم رضوان الله الذين صاحبوه ﵊ ويوجههم ويربيهم ويرشدهم ويعلمهم مبادئ دينهم الحنيف. وهذه العلاقة لها أهميتها حيث إن القضية لا تتعلق فقط بالمعلومات وإنما تتعلق بالسلوك والقدوة. وفي أحاديث الرسول ﵊ ما يشير إلى أهمية صحبة المتعلم لأستاذه، وأثر ذلك في تقويم السلوك وتصحيح القيم والاتجاهات.
стр. 283
نماذج من الآراء التربوية عند المسلمين
مدخل
...
نماذج من الآراء التربوية عند المسلمين:
سوف نعرض هنا نموذجا من الآراء التربوية عند كل من أبي حنيفة أكبر علماء الكوفة في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، ومالك بن نبي المفكر المعاصر ١٩٠٥-١٩٧٣م. وقد جاءت فلسفة أبي حنيفة التربوية في رسالة العالم والمتعلم ورسالته إلى عثمان البني والفقه الأبسط* ويبدأ أبو حنيفة إلى المتعلم أبي مقاتل بإيضاح ثلاثة أمور منهجية:
أ- ضرورة النظرية.
ب- ضرورة التجديد عن طريق الاجتهاد.
стр. 284
جـ - المعنى الجامع للإسلام.
وفي مجال ضرورة النظرية في التربية يقول أعلم أن العمل تبع للعلم، كما أن الأعضاء تبع للبصر. فالعلم مع العمل اليسير أنفع من الجهل مع العمل الكثير. ولذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] وهو هنا يركز على أهمية الوضوح النظري ووضوح الرؤية كأساس لتجنب الانحرافات في الفكر والعمل. أما بالنسبة للأمر الثاني الذي يتعلق بمشروعية إعادة النظر والتفكير فإن أبي حنيفة يواجه فيه أولئك الذين يدعون بشكل عام إلى التزام أقوال السلف الصالح، والتنكر لكل ما لم يحدث في أيامهم. وهو يرى أن التغير في الظروف الاجتماعية يبرر مشروعية الجديد في المتغيرات الشاملة منذ أيام النبي ﷺ وأصحابه ومن هذه المتغيرات تكاثر الفرق والخصوم في الدين فإذا كف الرجل لسانه عن الكلام فيما اختلف فيه الناس وقد سمع ذلك، لم يطلق أن يكف قلبه لأنه لا بد للقلب أن يكره أحد الأمرين أو الأمرين جميعًا. فإذا تجاهل العلم ما يقع أمامه من خلافات في الرأي فإما أن يهتم بالجهالة لعدم تمييزه الخطأ من الصواب، وإما أن ينزل به من الشبهة ما نزل بغيره، وإما أن يختلط الأمر عليه فلا يدري من يحب في الله ومن يبغض في الله لعدم إمكان معرفة المصيب من المخطئ. وهذا يعنى عند أبي حنيفة كما تشير محاضرة د. رضوان السيد أن الوضوح النظري ليس فقط مقدمة للتصرف، ولكن مقدمة لكل عمل اجتماعي. والعالم المسلم الحق هو الذى يختلط بالجمهور فلا يوجد علم للعزلة ولا يكون العالم لنفسه ولا يكون العالم المسلم عالمًا إلا إذا بدأت فاعليته الاجتماعية أي تأثيره في الناس وأوجب الله على العلماء أن يبينوا العلم للناس ولا يكتموه. ومن كتمه عن أهله ألجمه الله بلجام من النار يوم القيام. وهذا يعني كما يشير المحاضر المذكور:
أ - أن العلم عند أبي حنيفة يعني الرؤية الشاملة الواضحة.
ب - يعني كذلك الفاعلية الاجتماعية بين الجمهور.
стр. 285
ج- ويعني ثالثًا الوضوح في التوجه والصدق في تمييز الحق من الباطل.
د- وعلى العالم هنا أن يقف إلى جانب الحق وينكر الباطل.
والأمر الثالث الذي لا بد منه لاكتمال المنهج التربوي للعالم المسلم عند أبي حنيفة، يتمثل في الفهم الصحيح للإسلام ولرسالته ولأسلوب الدعوة وأصول النقاش حتى مع المخطئين. وهو هنا يقول: "إن الله إنما بعث رسوله رحمة ليجمع به الرفقة، وليزيد الألفة ولم يبعثه ليفرق الكلمة ويحرض المسلمين بعضهم على بعض". فعلى المسلم أن يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادل بالتي هي أحسن وأن يبشر ولا ينفر، وأن يوضح للمخطئين خطأهم بالحسنى ولا يتجاوز ذلك إلى القذف والاتهام والتفكير، أو تحريض فئة مسلحة على فئة بسبب الخلاف معها في الرأي. ويجب -في نظر أبي حنيفة- أن يبقى الخلاف بين العالم وخصومه خلافًا في الرأي وليس خلافًا في الدين".
وعلى العالم -عند أبي حنيفة- دعوة غير المسلمين للدخول في الإسلام ودعوة المسلمين للالتزام بأحكامه، وهو يرى أن الإسلام هو جوهر جميع الديانات السماوية السابقة وهو الدين الجامع، فهو الدين الذي نادى به جميع الرسل. فهناك دين واحد منذ زمن آدم يقوم على التوحيد. وما دام الدين واحدا فاللقاء أمر ضروري بين جميع الناس لأن الدين واحد وإن اختلفت الشرائع. وعلى العالم المسلم أن يدعو المسلم والمسيحي في إطار الدين الواحد. وهذه هي الفكرة الاجتماعية والحقيقة التاريخية الأساسية التي يجب الالتزام بها. بالإسلام لم يأت به محمد -صلي الله عليه وسلم- بشكل مفاجئ ولكنه الدين التاريخي للبشرية كلها، والمتبع للإسلام إنما يدخل نفسه وبحرية واتساق مع المجرى العام للتاريخ من خلال التعامل مع الرسالة الإلهية الواحدة.
وبعد أن يعرض أبو حنيفة لقضية دين الإسلام وموقعه من التاريخ البشري، يتناول الجانب الداخلي للدين وهو الإيمان ويحدده بأنه التصديق والمعرفة واليقين والإقرار والإسلام وهو لا يجعل العلم جزءًا من الإيمان
стр. 286
-تعرض في هذا لكثير من الهجوم- وقد تبنى هذا الرأي معارضًا رأي الخوارج الذين أخرجوا أكثر المسلمين من حظيرة الإسلام واستباحوا قتلهم. والأصل في الإسلام عند أبي حنيفة الجمع والتوحيد والتأليف وليس التمزيق والتفريق والصراع، وهذه رسالة الإسلام ورسالة العالم المسلم -عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر دون أن يفكر أحدًا من الناس بذنب. ويجب أن يظل الباب مفتوحا للعودة إلى الدين سواء بالنسبة لأداء الفرائض أو التزام الجماعة. ويجب على العالم أن يعمل على انتشار الثقة بالنفس بين المؤمنين. فالإيمان، لأن الإيمان هو التصديق والتسليم لله وهذا لا يتجزأ ولا يزيد أو ينقص.
ويؤكد أبو حنيفة أن الفقه في الدين أفضل من الفقه في الأحكام، ولئن يتفقه الرجل كيف يعبد ربه خير له من أن يجمع العلم الكثير ... ويؤكد كذلك أنه على المتعلم أن يدرك أن مصادر المعرفة أربعة: كتاب ناطق وخبر مجتمع عليه واجتهاد قياس وإجماع. وهو يصنف الناس من أجل توضيح أسلوب تعامل العالم مع كل فئة حيث يقول الناس على أربعة أصناف المؤمن المخلص في إيمانه، والكافر الجاحد في كفره، والمنافق المداهن في نفاقه والمعاهد ... وعلى العالم أن يراعي هذا التصنيف. ويركز أبو حنيفة على قيمة العمل وقيام المجتمع على أساس العمل -وقد كان كل الأنبياء من العاملين- وقد فعل ذلك في مقابل بعض الدعاوي إلى ترك الدنيا واعتبار هذا أفضل من التكسب فيها وأوجه الكسب عنده الإمارة والتجارة والزراعة والصناعة أما العلم فليس وسيلة للكسب عنده حفاظا على قيمة العلم والعالم. وأشار إلى ضرورة محاسبة العالم لنفسه ومراقبة سلوكه الشخصي والعام وتقوى الله وأداء الأمانة والنصيحة، ذلك أنه قدوة للمتعلم وللناس. وكانت له آراء في سلوك المتعلم فقد ذكر أنه يحسن إلا يتزوج وإلا يمتهن مهنة إلا بعد التحصيل العلمي الأساسي وهذا يعني التفرغ للعلم في الشباب، وليس معنى عدم الاهتمام بالمال، ولكن يجب العمل على
стр. 287
تحصيله من الحلال للاستغناء به عن وجهاء المجتمع والسلطة. وقدم العديد من النصائح التربوية التي يجب أن يلتزم بها العالم والمتعلم للحفاظ على كرامة العلم والعلماء والحصول على ثقة الناس فيهم*. ومن هذا يتضح أنه كان لأبي حنيفة رؤية تربوية منهجية واضحة في تربية العالم وسلوك المتعلم وأساليب التحصيل العلمي وأسلوب التنشئة الاجتماعية التربوية السليمة وأخلاقيات العالم وأسلوب الدعوة وأسلوب الحوار ومصادر العلم.. مما يتفوق على الكثير من النظريات التربوية المعاصرة.
وإذا انتقلنا لعرض موجز سريع لأهم التصورات التربوية عند مالك بن نبي وتصوره لكيفية استعادة الشعوب الإسلامية المعاصرة مجدها الأول كما كان في صدر الإسلام، فإنه يرى أن إيديولوجية التغير وإعادة البناء هي إيديولوجية التغير والبناء نفسها التي انطلق منها المجتمع العربي في صدر الإسلام إذ إن نهضة مجتمع ما تتم في الظروف العامة نفسها التي تم فيها ميلاده. وقد كانت آراء مالك بن نبي موضوع رسائل علمية منها رسالة علي القريشي بعنوان الأسس التربوية للتغير الاجتماعي عند مالك بن نبي والتي سوف تقتطف منها أهم التصورات التربوية عند هذا المفكر المسلم. وهو يرى أن هناك أسسا تربوية للوصول إلى الحضارة. وهو يرى أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها. ويرى لتحقيق هذه الغاية أنه يجب معالجة ثلاث مشكلات أولية للتغير الحضاري وهي: مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب "الإمكانات الطبيعية" ومشكلة الوقت "عنصر الزمن". ولتحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات العربية يجب العودة للبنية التي شكلت من خلالها الفكرة
стр. 288
الإسلامية والتجربة التأسيسية للمجتمع الإسلامي. وهذا يعني أن نقطة الانطلاق عنده هي الفكرة الدينية ويصنف مالك مراحل تغير الحضارة حيث يرى أنها تمر بثلاث مراحل هي:
أ- مرحلة النهضة وهي مرحلة بداية الصعود التي تتمثل في سيادة الروح.
ب- مرحلة الأوج أو القمة وهي مرحلة الانتشار والتوسع وسيادة العقل.
ج- مرحلة الأفول والانحدار والتدهور وهنا تسود الغرائز.
ولهذه الدورة الحضارية مضامين تربوية.
ففي المرحلة الأولى يبرز ذو دور الصفوة بوصفهم الدعاة إلى الروح الجديدة. وهذه المرحلة كما يذكر مالك، تربوية وليست تعليمية حيث يكون التركيز على بناء الشخصية وليس على البناء العلمي.
أما المرحلة الثانية: وهي مرحلة العقل فإنها تتمثل في اللجوء إلى العلم والحوافز العلمية التي فرضها الانتشار الحضاري، وهنا يسود التفرغ للماديات والأمور العقلية نتيجة لتعقد حاجات المجتمع.
وتأتي المرحلة الثالثة: نتيجة للصراع بين العقل والضمير الذي يقضي إلى المرحلة الغريزية. وهو يرى أن المجتمع الإسلامي المعاصر يعيش في هذه المرحلة. ففي غياب الروح والعقل تسيطر الغرائز على سلوك الناس، حيث تظهر عدة خصائص كاللفظية والجمود، والسلبية والقابلية للاستعمار، وفقدان مشكلات الواقع، وهو يرى أن هذه المراحل ليست حتمية -كما هو الحال عند ابن خلدون، حيث يفسح فيها مجال للإرادة استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] ويوضح ابن نبي الموجهات التربوية التي يعتبرها أسس التغير الاجتماعي، وهي:
أ- الفعالية كقيمة أساسية في التغير.
ب- المضمون التربوي للأفكار المتغيرة.
стр. 289
ج- الاتصال باللغة المربية وخلق المبررات.
د- أهمية المجتمع كوسيط تربوي.
هـ- أهمية العلم والتعليم.
ويؤكد أن الأفكار الليبرالية والماركسية هى إنعكاس لواقع معين -حضاريًّا أو إيديولوجيا، وهي غير مجدية لواقعنا العربي. وهو يحدد الثقافة بأنها تتضمن العادات والأذواق والقيم التي تسهم في تشكيل الشخصية وتحدد دوافع الفرد وانفعالاته وصلاته بالناس والأشياء ويشير إلى محددات الشخصية، فالشخصية لا تشكل من خلال المدرسة فحسب، ولكنها تحدد من خلال مختلف عوامل البيئة والوسط الثقافي الذي يعيش الفرد. والتخلف عنده هو حاصل ضرب اللافعالية الضرورية في مستوى مجموع الأفراد.
ويشير مالك إلى أن الثقافة كنظرية في التغير وإعادة البناء لا بد أن تصاغ صياغة تربوية معتمدة على العناصر الآتية:
أولا: التوجه الجمالي: فالقبح يعبر عن التخلف، والإحسان صورة نفسية للجمال وعلى التربية الجمالية أن تنطلق من منطلقات أخلاقية.
ثانيا: التوجه الأخلاقي: فقوة المجتمعات وضعفها أمر يرتبط بشكل وثيق بتوجهاتها الأخلاقية. وهو يركز على ربط العلم بالأخلاق وعلى المفاهيم الإسلامية كالإخاء والتعاون والإخلاص ...
ثالثا: التوجه العقلي ويشير إلى استخدام المنطق العلمي.
رابعا: التوجه العلمي والصناعي ويركز على التوجيه المهني والتربوي بحيث يكون التوجيه العلمي والتكنولوجي ضمن تصميم ثقافة النهضة على نحو تربوي وتعليمي مدروس.
وقبل أن يعرض مالك لأساليب إعادة البناء الاجتماعي يشير إلى أزمات الواقع العربي الراهن وأهمها محاولات التجريب المستمرة والغياب
стр. 290
الديمقراطي واختلاف الأهداف وعدم الاسترشاد بنظرية تعليمية واضحة المعالم، وارتجال الحلول والشخصانية واستمرار الصراع بين القوى السياسية بصورة تشبه الصراع مع الاستعمار في أثناء وجوده وغموض التوجهات الفكرية والإيديولوجية ... وكل هذا من شأنه دعم التخلف والتمزق البنائي وإضعاف شبكة العلاقات الاجتماعية وبالنسبة لإعادة البناء وأساسه الأيديولوجي أو العقائدي، فإنه يرى أن الإسلام هو الموجه والمنطلق الأساسي لهذه العملية من حيث كونه عملية واقعية تشريعية في أحداث التحولات الحضارية بمفهومها الشمولي وهذا يعني التوقف عن الاستيراد والتكديس للمنتجات والأفكار والتجارب عن حضارات أخرى، والبعد عن الحلول أحادية البعد، وإعادة بناء الإنسان كأساس تربوي لإعادة البناء الحضاري. ويتحدث مالك عند إعادة البناء السياسي عن إعادة بناء الإنسان سياسيا وعن إعادة البناء الاقتصادي، ينطلق من التصور الإسلامي للاقتصاد وأهمية تحقيق الاكتفاء الذاتي وإعطاء المواد الخام قيمتها المطلوبة من عمليات التبادل، وعدم الاعتماد على رءوس الأموال الأجنبية. ويؤكد على أهمية شعار لقمة العيش حق لكل فم والعمل واجب على كل ساعد، والاعتماد على جهد وعمل أبناء الوطن، ومن المنظور التربوي يتطلب ذلك إعادة صياغة الوعي الفردي بالنسبة للمتغيرات الاقتصادية كالانتاج والاستهلاك والإعداد المهني، ونشر روح التضحية والتقشف. وعند الحديث عن إعادة البناء الاجتماعي، فإنه يعالجه من خلال ثلاثة مستويات وهي:
стр. 291
أ- المستوى الفردي
ويعالج خلاله أبعاد الإنسان المستهدفة للتغيير من حيث القدرة على التكيف الاجتماعي وقضية الحرية والنقد الذاتي.
стр. 292
ب- المستوى الاجتماعي العام
ويعالج من خلاله عدة قضايا تربوية وقيمية والأبعاد التربوية للتخطيط وتصفية القابلية للاستعمار والتراث ووضع المرأة ومشكلة الأمية ومفهوم الديمقراطية والنظر إلى القضايا والمشكلات.
стр. 293
ج- المستوى الإنساني
ويعالج من خلاله قضايا دولية أو عمالية ذات مضامين تربوية مثل تكريم الإنسان، وفكرة الخير، وفكرة الحوار والتعايش بين الشعوب.
стр. 294
مصادر الفصل الرابع
اعتمدنا في هذا الفصل على القرآن الكريم وكتب الحديث المعتمدة. كذلك فقد استعنا بالمصادر الآتية -حسب تسلسل الفصل.
١- أحمد محمد جمال: محاضرات في الثقافة الإسلامية -مصر- مطبوعات الشعب ١٩٧٥ -مقالته الخاصة بالشباب وقد استعنت بها عند عرض فقرتي- نماذج قرآنية للتربية، ونماذج قرآنية من السنة النبوية.
٢- ماجد عرسان الكيلاني: تطور مفهوم النظرية التربوية الإسلامية -جمعية عمال المطابع التعاونية عمان ١٩٧٨- وقد اعتمدنا عليه في عرض أهداف التربية الإسلامية ص٣٤-٣٦ وميادين التربية الإسلامية ص٣٧-٥٤.
٣- د. محمد منير مرسي: التربية الإسلامية: أصولها وتطورها في البلاد العربية: عالم الكتب ١٩٧٨م وقد استعنت به في عرض أسس التربية الإسلامية وأساليبها ص٥٧-٧٣.
٤- مناع القطان: مباحث في علوم القرآن -مؤسسة الرسالة ١٣٩٦هـ ١٩٧٦م الفصل ٢١ وقد استعنت به في عرض القصص القرآني كأسلوب تربوي.
٥- ماجد عرسان الكيلاني: المصدر السابق ذكره. وقد استعنت به في عرض فقرة مبادئ التعلم في النظرية التربوية الإسلامية ص٥٤-٦٣.
٦- الدكتور رضوان السيد: كتاب العالم والمتعلم لأبي حنيفة والمنهج التربوي الإسلامي -المحاضرة الأولي في كتاب الفكر التربوي الإسلامي الصادر عن دار المقاصد الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع- بيروت وهذا هو الكتاب الثاني لنشر أعمال مؤتمر التربية الإسلامية الذي عقد في بيروت ١٠-١٦ جمادي الأولى ١٤٠١هـ وقد اعتمدنا عليه في عرض آراء أبي حنيفة التربوية.
٧- زكريا فايد الأسس التربوية للتغير الاجتماعي عند مالك بن نبي -عرض لرسالة على حسن على القريشي التي تقدم بها لكلية التربية، جامعة عين شمس بمصر وحصل على الماجستير- وقد قدم زكريا فايد عرضا لها في مجلة الأمة التي تصدر عن رئاسة المحاكم الشرعية
стр. 295
والشئون الدينية في قطر -العدد الخمسون- صفر ١٤٠٥هـ نوفمبر ١٩٨٤م، وقد اعتمدنا عليه في عرض الآراء التربوية لمالك بن نبي ص٢٤-٢٧.
٨- د. أحمد فؤاد الأهواني: التربية في الإسلام -دار المعارف القاهرة ١٩٦٧.
٩- د. أحمد شلبي: تاريخ التربية الإسلامية -بيروت- دار الكشاف ١٩٥٤.
١٠- أبو الأعلى المودودي: منهج جديد للتربية والتعليم -دار النذير- بغداد ١٩٦٩.
١١- محمد قطب: منهج التربية الإسلامية -جزءان دار الشروق- بدون تاريخ.
١١- محمد أسعد طليس: التربية والتعليم في الإسلام -بيروت- دار العلم للملايين ١٩٥٧.
стр. 296
الفصل الخامس: النظام الاقتصادي
مقدمة
يشير الاقتصاد لغة إلى الاعتدال والموازنة بين الدخول والنفقات، وقد نبهنا القرآن الكريم إلى هذا المعنى عندما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان: ٦٧] ، وجاء في التوجيه النبوي الكريم: "ما عال من اقتصد" بمعنى أن من يحسن ويعتدل في معيشته لا يفتقر. وينطبق هذا التوجيه على الأفراد والتنظيمات والجماعات والدول والشعوب. وقد نبهنا ﵊ أن من فقه الرجل قصده في معيشته. أما الاقتصاد كعلم فهو العلم الذي يبحث في مسألة الثروة من حيث إيجادها وتنميتها واستهلاكها وتوزيعها ويبحث في قضايا الندرة والقيمة والإنتاج والتبادل والتوزيع والتجارة الخارجية ... ومن يرجع إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة والتراث الإسلامي عند العلماء المسلمين مثل ابن خلدون وإلى التطبيقات الاقتصادية خلال عهد الرسول ﵊ وعهد الخلفاء الراشدين من بعده، يدرك أن الإسلام قدم لنا نظاما اقتصاديا متكاملا قبل ظهور العدالة والرخاء في إطار من التكافل والتكامل الاجتماعيين، ويجنب المجتمع النزعة الفردية المسرفة والتي تتمثل في الرأسمالية بشكلها الغربي خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كما يجنبه الجماعة والشمولية المفرطة والتي تنكر على الإنسان فطرته وتطلعه إلى التملك والحوافز الاقتصادية المحركة له وتحيله إلى ترس يدور في عجلة المجتمع. والواقع أنه لا مجال للمقارنة بين نظام الاقتصاد الإسلامي والنظم الاقتصادية الوضعية؛ لأن النظام الأول يرتكز على أسس إلهية سامية صادرة عن الخالق سبحانه الذي خلق الإنسان ويعلم دوافعه ومحركات سلوكه وما يحقق خيره وخير مجتمعه، أما النظم الثانية فهي نظم
стр. 297
وضعية نشأت نتيجة لوقائع وملابسات تاريخية معينة تتسم بالنسبية والتغير ومعرضة للنقد الهادم سواء من حيث النظرية أو من حيث التطبيق.
стр. 298
المنظور الإسلامي للمال أو الثروة المادية:
يعتبر المنظور الإسلامي للثروة المادية جزءًا لا يتجزأ من صلب العقيدة الإسلامية ذلك لأن الإسلام دين يحقق مجتمعا متوازنا فاضلا أو هو دين الحياة. وقد جعل الإسلام للثروة والمال مكانة كبيرة وأعطاها القيمة الواقعية التي تستحقها ذلك لأن على المال يتوقف العديد من الأمور الدنيوية. وقد وصف القرآن الكريم المال بأنه زينة الحياة الدنيا، وسوى في ذلك بينه وبين الأبناء، ووصف الأموال بأنها قوام للناس، وقوام الشيء ما به يحفظ ويستقيم وهي قوام المعاش والمصالح الخاصة والعامة.
ولما كان الدين الإسلامي الحنيف يحقق التوازن الواقعي العملي بين مطالب الروح ومطالب الجسد على أساس معيار دقيق يستند إلى العدل والتعادلية والاستقامة، فقد وجهنا الدين إلى تحصيل الأموال بمختلف الأساليب والأنشطة والأعمال التي تحقق الخير للإنسان ومجتمعه، والتي يتم من خلالها تنمية المجتمع وتحسين أحوال الإنسان وعمارة الكون والتقلب في الأرض والتعارف والتعاون١.
стр. 299
أساليب تحصيل الثروة والأموال
مدخل
...
أساليب تحصيل الثروة والأموال:
يشجع القرآن الكريم كل أساليب تحصيل الثروة التي تحقق خير الإنسان وصالح المجتمع ولا تتعارض مع المعايير المشروعة لاكتساب المال. وأهم هذه الأساليب ما يلي:
стр. 300
أ- التجارة:
فقد أمر الله سبحانه الناس بالتجارة من أجل تحصيل المال، وبالرحلة اليمنية الشامية اللتين يسرهما الله لقريش من تجارتها، يمن عليهم ويذكرهم بفضله ونعمته: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍن، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ
ج- الصناعة:
وقد وجهنا سبحانه إلى تحصيل الثروة من خلال الصناعة التي تعد الدعامة الكبرى التي تقوم عليها الحضارات الإنسانية وهي أساس تنمية المجتمعات اقتصاديا. ويشير القرآن الكريم إلى عدة صناعات مهمة -مثل صناعة الحديد وهي صناعة استخراجية وتحويلية يقول تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] ، ومثل صناعة الملابس الغزل والنسيج، يقول تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً﴾ [الأعراف: ٢٦] ، ومثل صناعة المعمار والتشييد والبناء، قال تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ [النمل: ٤٤] ، ويمكن أن يجد المتتبع للقرآن الكريم العديد من الإشارات إلى صناعات أخرى كثيرة. وإذا كان الإسلام يوجه الناس إلى هذه الأساليب الثلاثة الأساسية لصناعة الثروة وتحصيلها، فقد أطلق على السعي في هذه السبل ابتغاء من فضل الله. وأمر بهذا السعي حيث قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] , ولم يأمر بالانصراف عن تحصيل الثروة بالأساليب المشروعة إلا لخصوص العبادة، فإذا انتهت أمر سبحانه بالاستمرار في الابتغاء من فضل الله يقول
стр. 304
تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]
إذا كان هذا هو أمر تحصيل الثروة، فقد وجهنا القرآن الكريم إلى الاعتدال والوسطية وتحقيق التوازن في استخدامها، وينهانا عن الإسراف فيها أو الضن بها، حيث جعل الاعتدال في الإنفاق من خصائص عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان: ٦٧] . كذلك فإن الإسراف في الثروة أو الضن بها عن الحقوق والواجبات أمر يؤدى إلى اللوم والحسرة ... يقول تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء: ٢٩] .
إذا كان الإسلام يوجهنا إلى ضرورة تحصيل الثروة والابتغاء من فضل الله فإنه يوضح لنا الأساليب المشروعة التي تحقق صالح الفرد والجماعة.
وهي التجارة والزراعة والصناعة -وهي الأساليب التي تكفل تلبية الحاجات المادية الاقتصادية لأبناء أي مجتمع ولهذا تعد في علم الاجتماع من الضرورات الاجتماعية Social Imperatives التي لا غنى لمجتمع عنها، فإن الإسلام يوضح لنا- في نفس الوقت الأساليب غير المشروعة في تحصيل الثروة وينهى عنها بشدة لما تؤدي إليه من مشكلات اجتماعية وتمزق في العلاقات الإنسانية ولما فيها من الشرور والآثام مثل أسلوب الربا الذي يعتمد على الاستغلال، والسرقة والنهب والسلب والتسول لما تؤدي إليه هذه الأساليب من زعزعة للأمن وتهديد للناس. والأمن أساس مهم من أسس الاستقرار الاجتماعي وتماسك وتكامل الجماعات. كذلك يحرم الإسلام الإتجار فيما يفسد العقل والصحة كالخمر ولحم الخنزير، أو تحصيل المال بأساليب الميسر أو الرقص أو الإتجار في الأعراض، لما تؤدي إليه هذه الأساليب من إفساد للأخلاق وانهيار الأسر وتصدع للعلاقات
стр. 305
بين الناس. كذلك ينهانا الإسلام عن تحصيل الثروة بأسلوب الرشوة لما تؤدي إليه من ضياع لحقوق البعض وضياع للكفايات وأخذ البعض حقوقا ليست لهم على حساب غيرهم.
في هذا الصدد يقول تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] ، وقد أوضح لنا القرآن الكريم أن الله عاقب بعض خلقه نتيجة لمخالفتهم أوامره سبحانه حيث قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠-١٦١] .
стр. 306
دعوة الإسلام إلي الاستثمار
مدخل
...
دعوة الإسلام إلى الاستثمار:
قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧] ، تنبهنا هذه الآية الكريمة إلى أن الملك كله لله أساسا، وأن الإنسان يجب أن يبتغي في عمله وجه الله سبحانه، وألا يهمل في حقه في الاستمتاع الحلال، ويجب أن يحسن إلى المحتاجين كما أحسن الله إليه، وألا يستهدف في استخدامه لثروته وتنميتها الفساد في الأرض. والإسلام يوجهنا إلى العمل والاستثمار وتنمية الثروة بشكل مشروع. وقد أنزل العاملين منزلة كبيرة في المجتمع، وجعل لهم الفضل على العابدين المنقطعين للعبادة، لأن العمل في نظر الإسلام عبادة متواصلة الأثر محدودة الفائدة. ودعوة الإسلام إلى الاستثمار تتضح من عدة أمور هي:
стр. 307
أ- دعوة الإسلام إلى العمل:
والعمل يعد عنصرًا أساسيًّا أو عاملًا من عوامل الإنتاج في الاقتصاد،
стр. 308
وقد شجع الإسلام على العمل بكافة أنواعه -العمل العقلي والعمل اليدوي- في وقت كان العمل اليدوي حرفة وضيعة لدى الأمم القديمة كاليونان والرومان، وقد غير الإسلام من وضع العمل والعاملين وقيمتهم حيث أضفى على العمل بكل أنواعه قيمة كبرى وصلت به إلى حد العبادة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [فصلت: ٣٣] ، وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] ، وقد ورد عن الرسول ﵊ العديد من التوجيهات الكريمة التي توضح قيمة العمل، وأن الكسب الذي يكسبه الإنسان من عمله هو أشرف أنواع الكسب وأشار ﵇ إلى يد رجل تورمت من قسوة العمل بأنها يد لا تمسها النار وأنها يد يحبها الله ورسوله. وقد وسع ﵊ من مفهوم الخروج في سبيل الله، فمن يخرج للسعي على أولاده الصغار فهو في سبيل الله، ومن يخرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان قد خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان.
стр. 309
ب- تحريم الاكتناز والاستغلال:
الإسلام يشجع العمل والاستثمارات الفردية لأن عائدها يشمل الفرد والجماعة، لكن الإسلام يحرم الاكتناز Hoarding لأن فيه حبس للمال عن قيامه بدوره الاستثماري في خدمة المجتمع ولما يؤدي إليه من أضرار تلحق بالفرد والمجتمع. فالإسلام يحارب الأنانية لدى المكتنز الذي ينظر إلى المال من خلال مصلحته الخاصة، ذلك لأن المال في نظر الإسلام أداة لإسعاد الفرد ومجتمعه من خلال الاستثمار وما يخرج منه من زكاة وصدقات. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤-٣٥] .
стр. 310
ج- تحريم الاستثمار الاستغلالي:
فالإسلام يتسم بالواقعية الأخلاقية، فهو وإن كان يحث على الاستثمار فهو يشجع على الاستثمار المشروع وينهى عن ألوان الاستثمار غير المشروع التي تتضمن الاستغلال والاحتكار والربا لما تؤديه هذه الألوان الاستثمارية من أضرار تصيب المجتمع وأعضائه ولما فيه من استغلال لحاجة الآخرين.
وعلى هذا فإن الإسلام لا يتفق من النزعات الماكيافيلية التي تحاول تحقيق الغايات بأي وسيلة كانت، ذلك أن الإسلام يحدد غايات سامية ووسائل شريفة لتحقيقها. ويشترط الإسلام في عملية الاستثمار تحقيق التكافؤ بين الشركاء من حيث ضرورة اشتراكهم في الربح والخسارة، في المال وفي الجهد، وكل اتفاق لا يحقق هذا التكافؤ هو اتفاق لا يقره الإسلام وبالتالي فهو محرم، أما الاتفاق الذي يتضمن مسئولية كل من الفريقين المتشاركين عن كل خسارة متوقعة فهو اتفاق مشروع حلال.
وإذا كان الإسلام قد حرم الاستثمار الذي يخل بالتكافؤ بين الشركاء في العملية الاستثمارية، فقد فتح الطريق أمام أصحاب رءوس الأموال وأصحاب الخبرات والكفايات على أن ينشئوا فيما بينهم اتفاقات لاستثمار إمكاناتهم المالية وخبراتهم الاستثمارية. فأصحاب الأموال يقدمون أموالهم وأصحاب الخبرة يقدمون خبراتهم وجهدهم، ثم يقتسم الجميع الأرباح بالشكل الذي يتفق الطرفان عليه. ويطلق على هذا الشكل من المعاملات المالية المضاربة أو القراض في الفقه الإسلامي. وكلمة مضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض وتعني السفر فيها للتجارة والاستثمار لقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْض﴾ . وقد اختار علماء الحنفية كلمة المضاربة لكثرة استخدامها في العراق، بينما استخدم أنصار المذهب الشافعي كلمة القراض وهي من القرض وهو القطع، وكأن صاحب المال قد اقتطع جزءًا من ماله ليسلمه إلى شريكه. وقيل، إن كلمة القراض مشتقة
стр. 311
من المساواة والموازنة. وكأن كل واحد من الشركاء يسهم في الشركة عن طريق المال أو العمل٢.
وتشير المضاربة أو القراض في الفقه الإسلامي إلى شكل مثمر صحي من أشكال الاستثمار حيث يتم الاشتراك بين عدة أطراف في العقد، طرف يقدم إسهاما ماليا ماديا، وطرف آخر يقدم الخبرة والجهد والعمل على أن توزع الأرباح بين الجميع بنسب محددة ينص عليها في العقد. وهذا الشكل الاستثماري أو من أشكال الشركات الاستثمارية يكفل تنمية الأموال للجميع ويحقق العدالة الاجتماعية والاقتصادية ويوفر الحافز المادي لدى العامل الذي يساهم بجهده ويدفعه للمزيد من الجهد لأنه يعلم أنه شريك في الأرباح*. وقد عرف الفقهاء عقد المضاربة بأنه عقد على شركة بمال من أحد الجانبين والعمل من الجانب الآخر٣. وعرفه آخرون بأنه عقد يشتمل على توكيل المالك لآخر على أن يدفع إليه مالا ليتجر فيه، والربح مشترك بينهما٤.
والحكمة من الإقرار هذا الشكل من الاستثمار أن أصحاب المال قد لا تتوفر لهم الخبرة الاقتصادية والحنكة اللازمة للمشروعات، وأصحاب الخبرة والحنكة ومن لديهم الجهد للعمل المثمر قد لا تتوافر لهم الأموال اللازمة، وهنا يكون عقد المضاربة محققا لمصلحة الطرفين دون ظلم أو استغلال، على أن يتحمل كل طرف في الخسارة المحتملة ويقتسما الربح في حالة وجوده. وقد طبق عدد من الصحابة هذا الشكل الاستثماري فعلا.
стр. 312
الأسس البنائية للاقتصاد الإسلامي
مدخل
...
الأسس البنائية للاقتصاد الإسلامي:
يتميز الاقتصاد الإسلامي عن غيره من النظم الاقتصادية القديمة والحديثة بأنه جزء من عقيدة لا تقبل التجزئة ولا تحتمل الشرك، وهو
стр. 313
اقتصاد يحاول السمو بالإنسان إلى مرتبة المخلوق المتصل بخالقه أملا وعملا ومصيرا. والاقتصاد الإسلامي ينبذ النزعات الماكيافيلية التي تجعل سمو الهدف مبررا لدنو الوسيلة، ذلك لأنه يتسم بالواقعة الأخلاقية في وسائله وغاياته. وإذا كان الاقتصاد الإسلامي يدعونا إلى التملك والعمل والاستثمار وتعمير الأرض والضرب فيها ... فإن هناك ضوابط دينية أخلاقية تحكمه تتمثل في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: ٧٧] ، وهناك خمس اعتبارات يمكن استخراجها من هذه الآية وهي:
أ- إن الملك كله لله أساسا.
ب- يجب على الإنسان أن يبتغي وجه الله تعالى في كل أعماله.
ج- يجب ألا يهمل الإنسان حقه في الاستماع الحلال.
د- يجب على الإنسان أن يحسن إلى المحتاجين كما أحسن الله إليه.
هـ- أن يتجنب الإنسان توجيه ثرواته وأمواله وأعماله نحو الإفساد في الأرض أو إيذاء الآخرين.
ويشير الباحث الفرنسي جاك أوستروي في دراسة له بعنوان الإسلام أمام التطور الاقتصادي٥ إلى أن الاقتصاد الإسلامي نظام وسط، وهو ينتقد المذاهب الاقتصادية المعاصرة بقوله: إنه لا توجد طريقة وحيدة ضرورية للإنماء الاقتصادي كما تريد أن تقنعنا المذاهب قصيرة النظر في النظامين السائدين يعني الرأسمالية والشيوعية في دعوى كل منهما بأنها المنهج الاقتصادي الأمثل. ويؤكد الباحث المذكور على ضرورة الاستفادة بالمذهب الثالث في الإسلام، ذلك المذهب الذي يقف موقفا وسطا بين الفردية والجماعية، ويجمع بين حسنات كل المذاهب الاقتصادية المعاصرة إلى جانب أنه يتغلب على جميع الصعوبات الاقتصادية التي يقف الاقتصاد الحديث عاجزا عن معالجتها. ويذهب ماسينيون المستشرق
стр. 314
الفرنسي إلى أن الإسلام يمتاز بأنه يحقق المساواة بشكلها الصحيح من خلال فريضة الزكاة التي يفرضها على الأغنياء لصالح الفقراء، وبتحريمه الربا والضرائب غير المباشرة على ضروريات الحياة ... إلى جانب تمسكه الشديد بالملكية الفردية وبحقوق الزوجة والأولاد ... وهو بذلك يتوسط الرأسمالية والشيوعية. ونستطيع إيجاز أهم أسس الاقتصاد الإسلامي فيما يلى:
стр. 315
الاتفاق مع الطبيعية البشرية
...
أولا: الاتفاق مع الطبيعة البشرية:
فالإسلام دين الفطرة وقد شرع الله للإنسان ما يتفق مع تكونه البيولوجي والنفسي والاجتماعي ومحركاته السلوكية ودوافعه، فأباح له حق التملك والعمل والربح والدخول في مشروعات اقتصادية ... بشرط الالتزام بالضوابط التي تستهدف صالح الفرد والجماعة وعدم الظلم أو الاعتداء أو الاستغلال.
стр. 316
ثانيا: تحقيق التوازن بين الفرد والجماعة وبين دوافع الإنسان:
يحقق الاقتصاد الإسلامي مبدأ الوسطية المتزنة كما يتضح من العديد من التوجيهات الإلهية والنبوية. قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء: ٢٩] ، وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء: ٢٦-٢٧] ويبرز الاتزان في الاقتصاد الإسلامي في موقفه من الملكية.
فالملكية في نظر الإسلام ليست ذات طبيعة فردية مطلقة، كما أنها ليست ذات طبيعة جماعية مطلقة وإنما تحقق التوازن بين الفردية والجماعية، يبرز فرديتها من خلال إقرار الإسلام وحمايتها من كل اعتداء عليها، وتظهر جماعيتها من خلال تقييد نموها واستخدامها بمصالح الجماعة.
стр. 317
ثالثا: الضوابط الاقتصادية:
فالاقتصاد الإسلامي يقيد التصرفات الفردية بالمصالح الجماعية.
فالفردية المطلقة مرفوضة في الإسلام والاقتصاد الإسلامي اقتصاد أخلاقي يستوجب على المواطن أن يلتزم بعدة أمور منها:
أ- عدم كنز الأموال وضرورة استثمار أمواله لما يعود من ذلك الاستثمار من خير على المجتمع في شكل زيادة في الدخل القومي وفتح فرص جديدة للعمل والأجور وتوافر للسلع ... إلخ.
ب- أداء فريضة الزكاة الواجبة والمستحقة ونفقات الأقارب أخرى تحقيقا للتكافل الاجتماعي.
ج- الامتناع عن ممارسة الربا والغش والاحتكار* في كل الأنشطة الاقتصادية.
د- عدم استخدام المال للإضرار بالآخرين، أو للحصول على جاه أو سلطة أو مركز اجتماعي من خلال الرشوة بشكلها المباشر أو غير المباشر هدايا مثلا.
هـ- الالتزام بنظام الإرث والوصية كما شرعها الإسلام لما يحققه هذا النظام من بر وتعاون وعدالة في التوزيع وحيلولة دون تكديس الأموال وتركيز الثروة واحتكارها من جانب قلة من الناس.
و عدم التقتير لما فيه من كنز للثروة وحرمان للمجتمع وحرمان للشخص
стр. 318
صاحب الثروة. كذلك يوجهنا الدين الحنيف إلى عدم الإسراف، لأن الإسراف فيه إضاعة للمال في اللهو واللعب والمتاع الحرام. وولاة الأمور مطالبون بالتدخل في حالات الإسراف في التقتير أو الإسراف لوضع الأمور في نصابها.
وقد ارتبطت إباحة العديد من التصرفات -في الإسلام- بألا تحمل معنى الإضرار بالغير -كالوصية الشرعية التي لا يجوز أن يكون القصد منها الإضرار بالورثة وإمساك الزوجة بنية الإضرار بها، وطلاقها بنية الهروب من إرثها. قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء: ١٢] ، وقال تعالى في شأن الزوجات: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] ، وقال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار" وهذه تعد من أهم القواعد التي يقوم عليها التشريع الإسلامي.
وتشير القواعد الفقهية إلى جواز تقييد الحقوق الفردية إذا ما ترتب على استخدامها الإضرار بالفرد أو الجماعة، منها الحجر على الطبيب الجاهل إذا أساء في معالجته لمرضاه، ومنها جواز الحجر على السفيه إذا أساء التصرف في أمواله حرصا على مصلحته ومصلحة وارثيه ومصلحة المجتمع، ومنها جواز مصادرة الأموال المحتكرة وبيعها بسعر المثل حتى لا يكون الاحتكار وسيلة للإثراء غير المشروع على حساب حاجة الناس، ومنها جواز تحديد الأرباح حتى لا يؤدي جشع التجار إلى استغلال المستهلكين.
وهنا تكون إساءة استخدم الحق مبررا لتدخل ولاة الأمر لحماية مصالح المجتمع من العابثين المستغلين.
стр. 319
رابعا: إطلاق الطاقات الاستثمارية وتشجيع النشاط الاقتصادي المنتج:
نهى الإسلام عن البطالة والتواكل والإهمال والاكتناز والاعتماد عليه ولم يوجب الإسلام النفقة للفقير القادر على العمل حتى لا يركن إلى
стр. 320
الكسل والخمول اعتمادا على النفقة. وقد دعا الإسلام إلى النشاط الإنتاجي المثمر في مجالات الاقتصاد المختلفة -من زراعة وتجارة وصناعة ... فقد دعا الإسلام إلى إحياء الأرض الموات- وفي كتب الفقه باب خاص بهذه الناحية، ومن أحيا أرضا مواتا تصبح ملكا له لقول الرسول ﵊: "من أحيا أرضا ميتة فله رقبتها" وقد انصرف المسلمون إلى إحياء الأرض الموات تحت تأثير هذا التوجيه الكريم وتحت دافع التملك والربح٦. ولم تكتف الدولة الإسلامية بذلك إنما لجأت إلى أسلوب إقطاع الأراضي العامة لم يقدر على زراعتها واستثمارها لأن الدولة لا تستطيع القيام بهذا الاستثمار، وهذا الأسلوب يؤدي إلى زيادة الدخل القومي وزيادة إنتاج الطعام والمواد الخام اللازمة للصناعة الأمر الذي ينعكس على أعضاء المجتمع إنخفاض الأسعار وزيادة الرخاء ... ونفس الشيء ينطبق على العمل الصناعي والتجاري حيث يشجع الإسلام على بذل الجهد في هذه الميادين بالضوابط الشرعية المقررة.