ثانيا: تحقيق التوازن بين الفرد والجماعة وبين دوافع الإنسان:
يحقق الاقتصاد الإسلامي مبدأ الوسطية المتزنة كما يتضح من العديد من التوجيهات الإلهية والنبوية. قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء: ٢٩] ، وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء: ٢٦-٢٧] ويبرز الاتزان في الاقتصاد الإسلامي في موقفه من الملكية.
فالملكية في نظر الإسلام ليست ذات طبيعة فردية مطلقة، كما أنها ليست ذات طبيعة جماعية مطلقة وإنما تحقق التوازن بين الفردية والجماعية، يبرز فرديتها من خلال إقرار الإسلام وحمايتها من كل اعتداء عليها، وتظهر جماعيتها من خلال تقييد نموها واستخدامها بمصالح الجماعة.
стр. 317
ثالثا: الضوابط الاقتصادية:
فالاقتصاد الإسلامي يقيد التصرفات الفردية بالمصالح الجماعية.
فالفردية المطلقة مرفوضة في الإسلام والاقتصاد الإسلامي اقتصاد أخلاقي يستوجب على المواطن أن يلتزم بعدة أمور منها:
أ- عدم كنز الأموال وضرورة استثمار أمواله لما يعود من ذلك الاستثمار من خير على المجتمع في شكل زيادة في الدخل القومي وفتح فرص جديدة للعمل والأجور وتوافر للسلع ... إلخ.
ب- أداء فريضة الزكاة الواجبة والمستحقة ونفقات الأقارب أخرى تحقيقا للتكافل الاجتماعي.
ج- الامتناع عن ممارسة الربا والغش والاحتكار* في كل الأنشطة الاقتصادية.
د- عدم استخدام المال للإضرار بالآخرين، أو للحصول على جاه أو سلطة أو مركز اجتماعي من خلال الرشوة بشكلها المباشر أو غير المباشر هدايا مثلا.
هـ- الالتزام بنظام الإرث والوصية كما شرعها الإسلام لما يحققه هذا النظام من بر وتعاون وعدالة في التوزيع وحيلولة دون تكديس الأموال وتركيز الثروة واحتكارها من جانب قلة من الناس.
و عدم التقتير لما فيه من كنز للثروة وحرمان للمجتمع وحرمان للشخص
стр. 318
صاحب الثروة. كذلك يوجهنا الدين الحنيف إلى عدم الإسراف، لأن الإسراف فيه إضاعة للمال في اللهو واللعب والمتاع الحرام. وولاة الأمور مطالبون بالتدخل في حالات الإسراف في التقتير أو الإسراف لوضع الأمور في نصابها.
وقد ارتبطت إباحة العديد من التصرفات -في الإسلام- بألا تحمل معنى الإضرار بالغير -كالوصية الشرعية التي لا يجوز أن يكون القصد منها الإضرار بالورثة وإمساك الزوجة بنية الإضرار بها، وطلاقها بنية الهروب من إرثها. قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء: ١٢] ، وقال تعالى في شأن الزوجات: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] ، وقال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار" وهذه تعد من أهم القواعد التي يقوم عليها التشريع الإسلامي.
وتشير القواعد الفقهية إلى جواز تقييد الحقوق الفردية إذا ما ترتب على استخدامها الإضرار بالفرد أو الجماعة، منها الحجر على الطبيب الجاهل إذا أساء في معالجته لمرضاه، ومنها جواز الحجر على السفيه إذا أساء التصرف في أمواله حرصا على مصلحته ومصلحة وارثيه ومصلحة المجتمع، ومنها جواز مصادرة الأموال المحتكرة وبيعها بسعر المثل حتى لا يكون الاحتكار وسيلة للإثراء غير المشروع على حساب حاجة الناس، ومنها جواز تحديد الأرباح حتى لا يؤدي جشع التجار إلى استغلال المستهلكين.
وهنا تكون إساءة استخدم الحق مبررا لتدخل ولاة الأمر لحماية مصالح المجتمع من العابثين المستغلين.
стр. 319
رابعا: إطلاق الطاقات الاستثمارية وتشجيع النشاط الاقتصادي المنتج:
نهى الإسلام عن البطالة والتواكل والإهمال والاكتناز والاعتماد عليه ولم يوجب الإسلام النفقة للفقير القادر على العمل حتى لا يركن إلى
стр. 320
الكسل والخمول اعتمادا على النفقة. وقد دعا الإسلام إلى النشاط الإنتاجي المثمر في مجالات الاقتصاد المختلفة -من زراعة وتجارة وصناعة ... فقد دعا الإسلام إلى إحياء الأرض الموات- وفي كتب الفقه باب خاص بهذه الناحية، ومن أحيا أرضا مواتا تصبح ملكا له لقول الرسول ﵊: "من أحيا أرضا ميتة فله رقبتها" وقد انصرف المسلمون إلى إحياء الأرض الموات تحت تأثير هذا التوجيه الكريم وتحت دافع التملك والربح٦. ولم تكتف الدولة الإسلامية بذلك إنما لجأت إلى أسلوب إقطاع الأراضي العامة لم يقدر على زراعتها واستثمارها لأن الدولة لا تستطيع القيام بهذا الاستثمار، وهذا الأسلوب يؤدي إلى زيادة الدخل القومي وزيادة إنتاج الطعام والمواد الخام اللازمة للصناعة الأمر الذي ينعكس على أعضاء المجتمع إنخفاض الأسعار وزيادة الرخاء ... ونفس الشيء ينطبق على العمل الصناعي والتجاري حيث يشجع الإسلام على بذل الجهد في هذه الميادين بالضوابط الشرعية المقررة.
стр. 321
خامسًا: الحيلولة دون التضخم المرضي للثروات الخاصة:
إذا كان الإسلام أقر حرمة للمال والثروة الخاصة وكفل حمايتها فقد وضع مجموعة من الضوابط التي تحد من التوسع في الثروات الخاصة نوجز أهمها فيما يلي:
أ- الالتزام بالأساليب المشروعة في تنمية الثروة، وتقوم الأساليب المشروعة على العمل والكسب البعيد عن الاستغلال أو إضرار الغير.
ب- لا يجب توظيف الثروة الخاصة في خدمة تحقيق مصالح المالك لها على حساب الآخرين بأي شكل من الأشكال كالرشوة أو الاحتكار.
ج- يجب على صاحب الثروة أداء حق الله فيها من خلال إخراج فرض الزكاة وواجبات التكافل الأخرى، وعلى الدولة أن تجبره على ذلك إن
стр. 322
رفض الامتثال طوعا لأوامر الله، وذلك تحقيقًا لصالح المحتاجين والخير العام.
د- نظام الميراث الإسلامي الذي يضمن عدم تركز الثروة وتوزيعها على المستحقين بشكل عادل.
هذه ضوابط تكوين الثروة في الإسلام، فإذا استطاع شخص أن ينمي ثروته المشروعة وأن يوفي حقوق الله والمجتمع، فهي ثروة يصونها الإسلام ويحميها ويحترمها.
стр. 323
سادسًا: المجتمع الإسلامي يقضي على الفقر ويعالج مشكلة الاحتياج:
لا تستقيم الحياة الاجتماعية مع وجود طبقة من الفقراء والمحتاجين، في الوقت الذي يصاب فيه البعض من التخمة من كثرة الثروة والمال. وقد عالج الإسلام ظاهرة الفقر بأسلوب فريد متجدد وهو أسلوب الزكاة وهي فرض واجب على كل مسلم قادر. وتقوم الزكاة على مبدأ المشاركة المتجددة من جانب الفقراء في مال الأغنياء سنويا بنسبة محددة في كل عام على جميع أنواع المال المعد للنماء سواء أكان نقدا أو عقارا أو منقولا أو زروعا. ولا يعد عملا خيرا يستحق الشخص الشكر عليه، إنما هو واجب يخرجه المسلم القادر كل عام رغبة أو رهبة وواجب الدولة مراقبة ذلك وتوصيله للمستحقين، فهو واجب على المالك وحق مقرر للمحتاج. وإلى جانب الزكاة هناك واجبات التكافل الاجتماعي الأخرى من نفقات وكفارات وصدقات وديات وأوقاف ووصايا.
وقد أقر الرسول ﵊ مبدأ المشاركة بين الأنصار والمهاجرين، وقال في ذلك: "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعبد به على من لا زاد له" وليس من المسلمين من بات شبعانا وجاره جائع، وروي عن علي بن أبي طالب أنه
стр. 324
قال: إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه٧.
стр. 325
نظام الملكية في الإسلام
مدخل
...
نظام الملكية في الإسلام:
تختلف المذاهب الاقتصادية القديمة والحديثة والمعاصرة وتتصارع حول قضية الملكية، فهناك من المذاهب من تطلقها فردية دون حدود، وهناك من المذاهب من تمنع الملكية الفردية نهائيا ولا تعترف إلا بالملكية الجماعية أو ملكية الدولة، وهناك من المذاهب من تتيح فرصة الملكية الفردية بحدود معينة يحددها القانون. وتتصارع الأيديولوجيات المبررة للنظم الاقتصادية، فهناك من الفلاسفة -مثل لوك وبعض فلاسفة العقد الاجتماعي- من يرى أن الإنسان عاش في مرحلة طبيعية Natural State وكانت له خلالها حقوق طبيعية Natural Right في مقدمتها حق العمل والتملك والاجتماع وهي حقوق لم تقرر للإنسان نتيجة لدخوله في عقد اجتماعي يقيم من خلاله المجتمع. وبالتالي لا يحق للمجتمع أن يسلب الإنسان حقه في التملك. وقد استند أنصار الاتجاه الرأسمالي إلى هذه الفلسفة في تبرير حق الإنسان في الملكية المطلقة بغير تدخل من السلطات الاجتماعية. وفي مقابل هذه النظرية استند أنصار الاتجاه الماركسي المتطرف إلى بعض النظريات الزائفة حول أصل نظام الملكية وتطوره -مثل نظرية لويس مورجان L. Morgan الأثنولوجي الأمريكي- والذي ذهب إلى أن الإنسان خلال طفولة البشرية لم يكن يعرف الملكية الفردية، ولم تظهر هذه الملكية إلا من خلال القوة، وعلى هذا فإن الوضع الفطري الطبيعي للإنسان أن تكون الملكية جماعية وليست فردية*.
стр. 326
وعلى العكس من هذه النظريات الزائفة التي تستند إلى تصورات وهمية لا يوجد ما يؤكدها مثل الحالة الطبيعية التي تحدث عنها لوك Lock وطفولة البشرية التي تحدث عنها مورجان والماركسيين من بعده، فقد قدم لنا الإسلام الحنيف تفسيرا صادقا لطبيعة الملكية وحدودها وضوابطها بشكل معجز -لأنها صادرة عن الخالق سبحانه- يحقق التكامل والتوازن بين مصالح الفرد ومصالح الجماعة، وهو الأمر الذي عجزت المذاهب غير الإسلامية عن تحقيقه. والملكية حسب التصور القرآني هي أساسا لله، فالله هو الخالق وهو المالك الحقيقي للكون وللإنسان نفسه ولما في الأرض من ثروات مختلف أنواعها يقول تعالى:
- ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩] .
- ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] .
- ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] .
- ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨] .
- ﴿أَفَرَأَيْتُمْ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢] .
- ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [المائدة: ١٧] .
стр. 327
- ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُم﴾ [النور: ٣٣] .
- ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه﴾ [الحديد: ٧] .
ولكن إذا كان القرآن الكريم ينسب الملكية لله أساسا، فقد نسبها في آيات أخرى إلى الإنسان تشجيعًا له وحفزا له على العمل والضرب في الأرض وتعميرها وإشباعًا لغريزة حب التملك في نفسه، واختبارًا له -هل يوظفها في الخير أم في الشر. والإنسان هو خليفة الله في الأرض خلقها له، وخلقه هو لعبادته وتعمير الأرض والتعارف بين الشعوب والقبائل- يقول تعالى في نسبة الملكية للإنسان:
- ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّة﴾ [التوبة: ١١١] .
- ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل﴾ [البقرة: ١٨٨] .
- ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ [البقرة: ٢٦١] .
- ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩]
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُم﴾ [البقرة: ٢٦٧] .
ويستهدف القرآن الكريم من نسبة الملكية للإنسان إثارة عواطف الكدح والكسب في نفسه وبعث الطموح والتنافس وإشعاره بلذة الحياة وفرحة الدنيا حين يحصل -تملكًا- على ثمرات عمله وجهده المشروع هذا إلى جانب إشعار بالمسئولية عن نتائج أعماله وعن حفظ الثروة وتنميتها وأداء الواجبات الدينية والاجتماعية المفروضة عليه، أما نسبتها إلى الله ففيه تذكير للإنسان بالحقيقة وبضرورة عدم الإسراف في الأنانية وعدم توجيهها فيما يلحق الضرر بالإنسان٨.
ولقد بلغ الأرب القرآني مبلغًا رفيعًا أطلق على ما ينفقه الإنسان في سبيل الله وابتغاء مرضاته -قرضًا حسنًا لله، يرده الله سبحانه إليه أضعافًا
стр. 328
مضاعفة ويجزيه به أحسن الجزاء قال تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُم﴾ [التغابن: ١٧] وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: ٢٤٥] ، مع أن الله هو الغني والخلق هم الفقراء.
стр. 329
واجبات التملك
مدخل
...
واجبات التملك:
فرض الله مجموعة من الواجبات على الملاك -إلى جانب مراعاة تحصيل الثروة من خلال أساليب مشروعة وعدم توجيهها فيما يضر الناس- أهمها ما يلي:
стр. 330
١- أداء الزكاة التي فرضها الله سبحانه:
وهي عبارة عن التزام مالي بنسب محددة يجب على المالك أن يؤديه إلى الفقراء والمحتاجين طبقًا لمصارف الزكاة المحددة -وقد جعلها الله فرضًا دينيًّا حتى يدفع الناس إلى إخراجها رغبة أو رهبة ولما طبع عليه الإنسان من حب للمال.
стр. 331
٢- أداء واجبات التكافل الاجتماعي:
يربي المسلم على أساس أن المؤمنين إخوة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ [الحجرات: ١٠] ، ويقوم المجتمع الإسلامي على الإخوة والتعاون والتكامل والمحبة. والمؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. ويقول تعالى: ﴿ليْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
وهذا هو معنى البر في الإسلام مما يشير إلى أن واجبات المالك لا
стр. 332
تقتصر على أداء الزكاة، وإنما يمتد إلى الإسهام في خدمة المسلمين ودعم الروابط الأخوية وخدمة المجتمع وتحقيق الخير العام.
стр. 333
ضوابط الملكية الخاصة في الإسلام:
أقر الإسلام أن لكل شخص الحق في تحصيل الثروة والتملك تلبية للدوافع التي فطر الناس عليها -طالما أنه يؤدي واجباته الدينية والاجتماعية، واستغلال الآخرين، وطالما أنه لا يحصل ثروته وأملاكه من خلال وسائل غير أخلاقية كالإتجار في السلع الضارة بالناس والتي تضر بالمجتمع كالخمور والمخدرات وتهريب العملة والإتجار في الأعراض، وهنا العديد من النصوص التي تفرض ضوابط وقيودا على الملكية إذ ما امتدت لإحداث أضرار بالناس أو المجتمع "لا ضرر ولا ضرار". وقد عرف الإسلام فكرة الدفاع الاجتماعي قبل أن يعرفها الغرب بقرون طويلة، فالضرر بجميع أنواعه ممنوع في الإسلام ويجب اتخاذ التدابير الوقائية لمنع حدوثه وعلاج آثاره إذا دفع. والإسلام لم يكتف بتحريم التصرفات الضارة، لكنه حرم التصرفات المباحة أصلا والتي تقترن بنية الإضرار، إذ لا يجوز للإنسان أن يتعسف في استخدام حقه. فالتاجر الذي يستعمل ملكيته بنية الإضرار بجاره أو شريكه يقدم على عمل محرم.
وإذا كان الإسلام يحترم الملكية التي يحصلها الفرد من خلال الأساليب المشروعة -الميراث والجهد البشري المنتج- ويحميها ويصونها، فإنه يحرم الظلم بكل أشكاله وصوره، سواء أكان واقعًا على الفرد من قبل الدولة، أو على المجتمع من قبل الفرد. والأصل في الملكية المشروعة أن تحميها الدولة لصاحبها. لكن قد يكون من الحالات التي تستدعي نزع ملكية خاصة تحقيقًا للصالح العام بحيث يضار المجتمع لو لم تقم الدولة بنزع هذه الملكية- كما هو الحال عندما تتطلب الضرورة والمصلحة العامة إقامة سدود أو توسيع
стр. 334
طرق ... وهنا يكون نزع الملكية جائز شرعًا٩. ويروي المؤرخون أن عمر ابن الخطاب أراد أن يوسع المسجد الحرام فطلب شراء البيوت المحيطة بالكعبة ليضمها إلى المسجد، فوافق بعض أصحابها ورفض البعض الآخر. فقام عمر ابن الخطاب بأخذها جبرًا عن أصحابها ووضع قيمتها في خزانة الكعبة ليأخذها أصحاب الدور وقال لهم: "إنما نزلتم على الكعبة وهذا فناؤها، ولم تنزل الكعبة عليكم". على أن الإسلام لا يقر الظلم بأي شكل ولهذا فإن واجب الدولة في حالة نزع الملكية الخاصة للمصلحة العامة تعويض المالك بالثمن العادل لأملاكه.
أما بالنسبة للممتلكات التي تنمو من خلال طرق غير مشروعة كالربا والاحتكار والإضرار والرشوة والتهريب والامتناع عن أداء الزكاة والإتجار بالسلع المحرمة وتحقيق أرباح فاحشة نتيجة استغلال ظروف معينة مثل ظروف الحرب ... فإن واجب السلطة العادلة أن تدرس كل حالة وتحدد الإجراء الذي يتخذ في كل حالة على حدة، فتصادر كليًّا ما جمع عن طريق الرشوة والربا والاحتكار، وتصادر جزئيًّا ما جمع عن طريق الاستغلال والربح الفاحش، ولها سلطة تقديرية في اتخاذ القرارات العادلة طبقًا لمبدأ لا ضرر ولا ضرار مع مراعاة مبدأ العدالة في كل حالة١٠.
وإذا كان الإسلام يبيح نزع الملكية الخاصة تحقيقًا للصالح العام، فإنه يبيح نزعها في حالة إساءة استخدام الحق وعدم إمكان إيقاف سوء الاستخدام بوسائل أخرى. ويحفل التاريخ الإسلامي بالتطبيقات العديدة لهذا المبدأ. فقد كان لسمرة بن جندب نخل في بستان رجل من الأنصار، وكان سمرة يكثر من دخول البستان هو وأهله فيؤذي ذلك صاحب البستان، فشكا إلى الرسول -صلي الله عليه وسلم- فاستدعى سمرة وقال له: "بعه نخلك" فأبى، فقال: "فاقطعه"، فأبى. فقال: "هبه ولك مثله في الجنة"، فأبى، فقال ﵊: "أنت مضار" ثم التفت إلى الأنصاري وقال: "اذهب فاقلع نخله"* وهذا يعني أن
стр. 335
الإسلام لا يحترم الملكية المعتدية المتعسفة، ويوجب الإسلام الحجر على ملكية السفيه والمجنون لأنهما لا يحسنان التصرف ويخشى أن يبددا ثروتهما الأمر الذي يضر بالورثة كما يضر بالصالح العام. وقد أقر الإسلام حق الشفعة والذي يجيز للجار إذا باع جار ملكه لغيره ورأى أن هذا البيع يضر به فله أن يطالب بحق الشفعة وله حق التقدم على الغريب في الصفقة. وهذا يعني أن الملكية الخاصة في الإسلام ليست مطلقة لكنها مضبوطة بأمرين هما:
أ- عدم الإضرار بالغير.
ب- تحقيق الصالح العام.
стр. 336
أساليب اكتساب الملكية
مدخل
...
أساليب اكتساب الملكية:
هناك مجموعة من الأساليب تتحق من خلالها الملكية أهمها*:
١- الكسب بالانتظار.
٢- العمل.
٣- المخاطرة بالكسب أو الخسارة.
٤- الزراعة وإحياء الأرض الموات.
٥- العقود الناقلة للملكية بأنواعها المختلفة من بيع وهبة ... إلخ.
٦- الخلافة بميراث أو وصية.
стр. 337
أولا: الكسب بالانتظار:
ويقر الإسلام هذه الأساليب جميعها عدا الأسلوب الأخير، وهو الكسب
стр. 338
بالانتظار، ويتمثل في أن يدفع المال إلى الغير لأجل معلوم أو غير معلوم، في نظير أن تؤدي في نظير الأجل أموال الربا. ومنع الإسلام هذا الطريق لأنه لا مخاطرة فيه إذ إنه كسب لا خسارة فيه، فهو ربح مستمر من غير أي تعرض للخسارة، ولأنه يؤدي إلى أن توجد طائفة من الناس لا تسهم في أي عمل إنتاجي وتكون في حالة بطالة إلا ما تقضيه متابعة الدائنين والسير وراءهم وعمل الحساب للأرباح بسيطها ومركبها، ولأن ذلك كسب من غير القيام بأي عمل، لأنه كسب غير طبيعي -كما قال أرسطو فإن النقد لا يلد النقد. يضاف إلى ما سبق أن الربا يتعارض مع مبدأ التكافل الاجتماعي إذ إن التكافل يقتضي التعاون، الذي من صوره التعاون بين صاحب رأس المال والعمل بحيث يكون المكسب والخسارة مشتركة، أي يتحمل طرفي- رأس المال والعمل- المخاطرة معا، وليس ضمان الربح من جانب صاحب رأس المال فقط فهذا هو الربا المحرم. وقد يذهب البعض إلى أن يؤجر أرضه فإنه يحصل على المال من خلال الانتظار دون مخاطرة، فلماذا أباح الإسلام الإجازة وهي ليست إلا كسبا عن طريق الانتظار تماما مثل الربا؟
والواقع أن الإجازة هي دفع عين مغلة مملوكة، ولواضع اليد عليها اختصاص يبيح استغلالها بكل الطرق، والفرق بين المنقود والأرض، أن الأرض مصدر مغل، فغلتها من عمل العامل فيها لا من ذاتها بخلاف الأرض، فليست حصة صاحب الأرض بالإيجار إلا جزءا مما تنتجه الأرض. فإذا كان لها شبه بالكسب بطريق الانتظار فشبهها بالكسب عن طريق الزرع أقوى.
وهناك من الفقهاء من منعوا إجارة الأراضي الزراعية ولم يبيجوا إلا المزارعة لأن المزارعة مشاركة، فهي إنتاج زرع ومخاطرة بالكسب والخسارة، ولأنه ورد عن الرسول ﵊ أنه قال: "إذا كان لك أرض فازرعها أو ادفعها إلى أخيك يزرعها" ولم يرد نص بإجارتها. غير أن جمهور
стр. 339
الفقهاء يقرون جواز الإجازة، بل أن بعضهم -مثل بعض الزيدية وبعض الحنفية- منع المزارعة. وعلى أي حال فالفرق واضح بين الإجارة والربا من حيث الكسب بالانتظار، ولعل أوضح الفروق أن الإجارة فيها مشاركة في الخسارة إذا لم تنتج الأرض شيئًا نتيجة للآفات ونحوها. فقد قرر الأكثرون أن الأجرة توضع من باب وضع الجوائح، فإذا نزلت جائحة أسقطت الواجبات التي كانت مرتبطة بما أهلكته الجوائح، وقد وضع ابن تيمية هذه النظرية. وعموما فقد منع الإسلام طريق الكسب بالانتظار متمثلا في الربا لما فيه من استغلال للحاجة ومنع للتكافل الاجتماعي، وحصول طبقة على أموال دون مخاطرة ودون أن يسهموا في أي عمل إنتاجي اكتفاء بالانتظار.
стр. 340
ثانيا: العمل:
يعد العمل هو العامل الفعال في كل طرق الكسب التي أباحها الإسلام وقد ينفرد العمل وحده بالكسب وقد يختلط مع رأس المال فيشتركان في الإنتاج. وجميع الأعمال -يدوية وفنية ومهنية وإدارية- كلها فروض كفاية يجب على الأمة أن تتيح فرص العمل لكل قادر عليه حسب قدراته وإمكاناته من خلال نظام تعليمي دقيق. وقد فصلنا القول في المنظور الإسلامي للعمل وعلاقات العمل وإراحة العاملين وتسهيل أسباب السعادة في هذه الحياة الدنيا، حتى إن الإسلام يعمل على تزويج العاملين الذين لا يستطيعون مئونة الزواج، ويسكنهم في مساكن تليق بهم إذا لم تكن هناك مساكن. قد روى الإمام أحمد عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: "من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا، أو ليست له امرأة فليتزوج، أو ليس له دابة فليتخذ دابة". وكل ذلك من بين مال المسلمين. وعلى الأمة ممثلا في الحاكم التدخل لإنصاف العمال المظلومين. ويستوجب الإسلام من العمال الاستمرار في عملهم -عند شكواهم- وعدم تعطيل العمل حتى يبت في شكواهم. وقد رسم الإسلام طريق تأهيل العاملين والكشف عن مواهب الناس لوضع الرجل الصالح في المكان الصالح وتشغيل العمال حسب طاقاتهم ويحدد
стр. 341
ساعات عمل مناسبة للعمال حتى يستطيع الاستمرار في العمل بحالة صحية جيدة بدون إرهاق. كذلك رسم الإسلام سياسة عادلة للأجور.
قالمقرر أن الأجور في الأعمال تقدر بقيمة العمل وبما يكفي العامل وأهله بالمعروف من غير تقتير ولا إسراف، ويختلف ذلك باختلاف الأعمال والأشخاص والأصول والأعراف. وتستحق الأجرة على العمل أو على الزمن.
ولذلك يقسمون العمل المأجور والعمال إلى قسمين:
أ- أجير عام: يستحق أجرته على العمل الذي يقوم به كالخياط مثلا.
ب- الأجير الخاص: وهو العامل الذي يأخذ أجره خلال زمن محدد كالعامل الذي أجرته على استمراره في العمل شهرًا أو أسبوعا أو يوما، فهو يستحق الأجرة على الزمن لا على حجم عمل معين.
ومن المقررات الشرعية أن العامل يجب أن يوفر له الغذاء الكافي الذي يحمي جسمه، والكساء الكافي والمسكن الذي يليق بمثله والذي تستوفي فيه كل المرافق الشرعية، ويجب أن تكون الأجرة محققة لهذا١٢.
стр. 342
ثالثا: المخاطرة:
المخاطرة سبب من أسباب يقره الإسلام لأنه حلال، وأساسه الإتجار بنقل البضائع من مكان إلى مكان، وهي في أخص معناها نقل الأشياء من أقليم ينتجها إلى أقليم آخر لا ينتجها، ثم اتسع معناها حتى صارت تشمل البيع والشراء في الأقليم الواحد أو في المدينة أو القرية١٣. والإسلام يقر هذا الأسلوب لأنه يحقق صالح المجتمع وفائدة أبنائه ويلبي حاجاتهم إلى السلع، وهو يعلو بعلو العمل وبقدر المخاطرة المتحققة مخاطر الطريق والتعرض للخسارة أو لفساد البضائع أو نقصها بفعل المؤثرات الجوية ... وقد شجع النبي -صلي الله عليه وسلم- البضائع من قطر إلى
стр. 343
قطر حيث قال ﵇: "الجالب مرزوق والمحتكر خاطئ" والجلب يعني الاستيراد بلغة العصر.
وإذا كان الإسلام قد أباح التجارة، فلأنها تشبع حاجة الناس دون أكل لأموال الناس بالباطل. لأنها تحقق التعاون والتكافل الاجتماعي بين البشر فهي تتيح فرص كتبادل الخيرات بين الأقاليم والدول كما تتيح فرص الاتصال الثقافي والتعارف ذلك التعارف الذي يحقق منافع اجتماعية واقتصادية متبادلة بين الناس.
ويضع الإسلام مجموعة من الضوابط للتجارة الشريفة أهمها التراضي بين البائع والمشتري في البيع والشراء وتحديد الثمن حرصًا على حرية التبادل. ولهذا حرم الإسلام الاحتكار، فقد روى ابن عمر أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: "الجالب مرزوق والمحتكر محروم، ومن احتكر على المسلمين طعامًا ضربه الله بالإفلاس والجذام" وروى أبو سلمة أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: "من احتكر يريد أن يغالي المسلمين فهو خاطئ، وقد برئ من ذمة الله" وأهم أسباب تحريم الاحتكار في الإسلام هي:
أولا: الإضرار بمصالح الناس حيث تحبس سلعة يحتاج إليها المسلمون حتى وقت الحاجة الشديدة إليها وخلو السوق منها لا يكون الثمن متعادلا مع قيمة السلعة المحتكرة، وهذا ما يجعل الاحتكار يقوم على الاضطرار من جانب المشتري فيفتقد شرط الرضا في التجارة الشريفة.
ثانيا: الكسب في حالة الاحتكار يتحقق بالانتظار، وهو كسب حرام فهو كسب يشبه الربا.
والأحاديث كثيرة في تحريم الاحتكار بغض النظر عن نوعية السلع -ما دام أن حبس السلع يضر بالناس ... فكبار ملاك الأرض الأثرياء الذين
стр. 344
ينافسون صغار المزارعين في شراء كل قطعة تظهر للبيع فلا يستطيع صغار المزارعين منافستهم -لأنها منافسة غير متكافئة- وهنا يحق لولي الأمر التدخل. وقد اشترط الكثير من الفقهاء عدة شروط حتى يتحقق الاحتكار أهمها١٤:
أولا: أن يكون الشيء المحتكر فائضًا عن حاجة الشخص وحاجة يمونهم سنة كاملة، لأنه يجوز للإنسان أن يدخر حاجه أهله حيث ثبت عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه كان يحبس قوت سنتهم من الطعام إن تسنى له ذلك.
ثانيا: أن يكون المحتكر ينتظر فرصة لارتفاع ثمن السلعة حتى يبيعها بأثمان فاحشة حين تشتد حاجة الناس إليها. وهنا يجد الغني سبيلا إلى شرائها وسد حاجته منها ولا يجدها الفقير أو غير الميسور.
ثالثا: أن يكون الاحتكار في وقت احتاج الناس إلى الشيء المحتكر، فلو كان الشيء أو السلع في أيدي عدد من التجار، ولكن لا يوجد ضيق عند الناس، فلا يعد ذلك احتكارًا؛ لأن السبب في المنع هو رفع الضرر عن الناس*.
وفي سبيل مواجهة المشكلات الاقتصادية في مجال المعاملات بالبيع والشراء فقد وضع الإسلام مجموعة من الضوابط أهمها:
أولا: منع الاحتكار بأن تباع السلع المحتكرة جبرًا عن صاحبها بالسعر
стр. 345
المعقول أو يجبر هو على البيع -تحت تهديد العقوبة- دون استغلال.
ثانيًا: كثرة الجلب أو استيراد السلع تطبيقًا لقانون العرض والطلب الذي عرفه المسلمون قبل الغرب بعدة قرون.
وقد لجأ عمر بن الخطاب إلى الإكثار من الجلب من الأقاليم الإسلامية الخصبة خلال عام الرمادة -فقد أرسل إلى عمرو بن العاص والى مصر يقول له: "الغوث الغوث" فأجابه عمرو: "ستكون عير أولها عندك وآخرها عندى".
ثالثًا: وضع تسعيرة محددة للسلع تحدد أثمانها بشكل يحقق كسبًا محدودًا للتجار بحيث لا يظلم المالك ولا المشتري. وهناك من الفقهاء من أجاز التسعير لأنه يدفع الأذى عن الناس ويمنع الاحتكار ويمكن المستهلك من الحصول على ما يحتاجه من سلع بأجر معقول، ولأنه هو السبيل لإجبار التجار على البيع بأسعار معقولة، ولأن واجب الحاكم تأمين حاجة الناس حسبما يستطيعون وهذا لا يتحقق إلا من خلال تسعيرة السلع. ولكن هناك من الفقهاء مثل أبي حنيفة من لا يجيز التسعير لقول النبي صلي الله عليه وسلم: "لا تسعروا فإن المسعر هو الله" ولأن التسعير يؤدي إلى اختفاء البضائع من السوق الظاهرة وظهورها في السوق الخفية السوداء. وفي هذه الحالة الأخيرة تكون المغالاة في الأسعار أشد مما يضر بالفقراء. ويذهب بعض الفقهاء إلى رأي وسط وهو التسعير علاج مؤقت مع العمل على غمر الأسواق بالسلع من خلال الجلب، لأن التسعير وحده دون جلب يؤدي إلى ظهور السوق السوداء، أما كثرة الجلب سوف تؤدي إلى كثرة العرض حتى يكون أكثر من الطلب فيتنافس التجار على البيع، كل هذا لصالح المستهلك.
ونخلص مما سبق إلى أن الإسلام أباح التجارة ورغب فيها وباركها
стр. 346
لكنه قيدها بضوابط تدفع الأضرار وتجلب المنافع، مثل التراضي وحرية الاتجار وتحدث الفقهاء عن تنظيم الاتجار في الدائرة الشرعية فتكلم الفقهاء عن قيد السلم وهو البيع الذي يكون المبيع فيه مؤجلَا والثمن معجلَا لينتفع بذلك من عنده مال ويريد بضاعة مستقبلًا ومن ينتظر بضائع، أو من ينتج زرعًا ويريد مالًا عاجلًا. كذلك تحدث الفقهاء عن عقد المرابحة بأن يبيع التاجر ما عنده على نسبة معينة في الثمن تكون ربحًا، وتحدثوا كذلك عن عقد التولية بأن يكون البيع بمثل الثمن -وذلك عادة يكون بين التجار أنفسهم ليسد كل تاجر نقص بضاعته مما عند الآخر ... ويحرص الإسلام أن ينطلق كل تنظيم اجتماعي أو اقتصادي للسلوك الإنساني من منطلق دفع الضرر وجلب المنفعة وتحقيق التعاون والتكافل الاجتماعي بين الناس.
ولهذا يحرم الإسلام بيوع الغرر - والغرر هو الخطر وقال ابن عرفة هو ما كان ظاهره يغر وباطنه مجهول- وقال صاحب المشارف: بيع الغرر وهو بيع المخاطرة وهو الجهل بالثمن أو المثمن أو سلامته أو أجله. وبيع الغرر يعنى إذن البيع الذي لا يتحقق من نتائجه ذلك لأن هذه النتائج تكون متوقفة على أمر مستقبل مجهول قد يقع وقد لا يقع. مثال هذا بيع الثمار قبل نضجها، أو بيع السمك في الماء، أو بيع الحيوان قبل ميلاده ... وتحريم هذا النوع من البيع ثابت بسنة الرسول ﵊. فعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله -صلي الله عليه وسلم- عن بيع الغرر رواه مسلم وعن علي قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر وبيع الغرر وبيع الثمرة حتى تدرك" رواه أبو داود.
وحكمة تحريم هذا النوع من البيوع سد باب الخلافات والمنازعات المحتمل حدوثها بين المتعاملين، طالما أنها تشبه المقامرة التي لا تنتهي في الغالب إلا بحدوث مشكلة.
стр. 347
رابعًا: الزرع وإحياء الأرض الموات:
شجع الإسلام على الزراعة وحث المسلمين على الاهتمام بالزراعة
стр. 348
تقديرًا لأهمية الزراعة لأنها هي مصدر الغذاء ومصدر المواد الخام للصناعة، قال ﵇: "ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة" رواه البخاري -ويشير هذا الحديث إلى ان الزارع في صدقة مستمرة لأن زرعه لا يمر عليه يوم إلا ويأكل منه طير أو بهيمة أو إنسان أو يأكلون منه جميعًا. والزراعة تتضمن عملًا بشريًّا من جانب المزارع إلى جانب تفويض الأمر إلى الله سبحانه بعد أن يؤدي ما عليه. وتقديرًا من الإسلام لأهمية الزراعة، وحفزًا للناس على إحياء الأرض بالزراعة، جعل مكافأة من يحيي أرضًا- لا تنتج زرعًا وغير مملوكة لأحد- أن يتملكها.
ولكن ما معنى الأرض الموات؟ هي الأرض التي تعطل زرعها لانقطاع الماء عنها، أو لغمر الماء لها، أو لكون طينتها غير صالحة للزراعة١٦. ويتمثل الإحياء هنا في إزالة السبب المانع من زراعتها، فإن كان مواتها بسبب غمر المياه لها فإحياؤها بإقامة السدود، وإن كان بسبب قلة المياه فإحياؤها بإجراء المياه لها وحفر الآبار واستخدام آلات الري، وإن كانت غير مستوية سويت وإن كانت الأرض تحتاج إلى تسميد وإضافة المخصبات فعلى المزارع لها ذلك. ويشترط لاعتبار الأرض مواتًا ألا يكون منتفعًا بها بأي شكل من الأشكال -مرابض للحيوانات أو ملاعب للخيل يتريض فيها الناس ... إلخ ولعل هذا هو ما جعل الفقهاء يشترطون لاعتبار الأرض مواتًا أن تكون بعيدة عن العمران حتى لا تكون مرفقًا من مرافقه أو يمكن أن تكون كذلك مستقبلًا -هذا إلى جانب أن إحياء أرض بعيدة يسهم في امتداد العمران وتنمية الثروات. ومن الفقهاء من وضع حد للبعد عن العمران، ومنهم من ترك ذلك للعرف. وإحياء الأرض الموات يكون واجبًا على القادر في حالة ما إذا كانت غير مملوكة لأحد، فإذا كان لها مالك فإن عليه إحياءها وإلا حق لولي الأمر نزعها منه وتسليمها لمن لديه استعداد وقدرة على إحيائها.
стр. 349
وهناك من الناس من يضع سورًا حول أرض غير مملوكة لأحد، لكن حيازتها أو وضع اليد عليها وتحجيزها -أي تسويرها- ليس مثبتًا للملكية لكنه مثبت للأولوية أو الأحقية في الزراعة والإحياء، وهي سند الملكية الحقيقة. لكن هذه الأولوية في الاستصلاح والاستنزاع لا تستمر إلى ما لا نهاية، ذلك لأن معنى هذا أن واضع اليد الذي لا يزرعها يحرم غيره من الانتفاع بها كما يحرم الأمة من الانتفاع بخيراتها. لهذا حدد الرسول -صلي الله عليه وسلم- لواضع اليد ثلاث سنوات كفرصة لزراعتها أو محاولة ذلك وإلا تنزع منه وتعطى لآخر أقدر منه ولديه الاستعداد. قال ﵇: "من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين" وقد روي مثل ذلك عمر بن الخطاب.
والإحياء سبب للملكية باتفاق الفقهاء لورود نص واضح عن الرسول ﵊ في ذلك. لكن هناك خلافا بين الفقهاء حول اشتراط إذن الإمام. فهل الإحياء وحده سبب للملكية دون إذن الإمام أو باشتراط إذنه؟ وقال أبو حنيفة: الإحياء سبب الملكية ولكن شرطها إذن الإمام. ويحكي أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة هذا الخلاف في كتابه الخراج١٧ وبين وجهة نظره هو التي هي وجهة نظر جمهور الفقهاء كما بين وجهة نظر شيخه*. ونستطيع القول: إن الجمهور ينظرون إلى الواقع وليس إلى
стр. 350
المتوقع، فهم يقولون إنه إذا لم يكن خلاف ولا نزاع فإن الإحياء وحده سبب للملكية، وأبو حنيفة يتوقع الخلاف فيعمل على الوقاية منه قبل وقوعه -ويذهب أبو حنيفة إلى أن سلطان الدولة قائم على الأراضي كلها- مواتًا أو غير موات -وأن غير الموات عليها سلطان لأصحابها، وأصحابها في ولاية الإمام العامة المنظمة للحقوق والواجبات فيها ولهم سلطان محدود، الشيخ محمد أبو زهرة في دراستة عن المجتمع الإسلامي١٨ إلى أن هذا الرأي الأخير يتفق مع نظام الولاية الإسلامية وهو أجدر بالقبول لقول النبي صلي الله عليه وسلم: "ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه". وإذا كان الإحياء سبب للملكية فإن الملكية لا تنتقل إلى غير المحيي إلا بسبب مشروع من أسباب انتقال الملكية، وإذا ما عادت مواتًا وهي في يد المحيي أو يد وريثه، فإن الملكية لا تزول وعلى ولي الأمر الحاكم أن يلزمه بالإحياء لأن تركها مواتًا يضر بالصالح العام. وقد اختلف الفقهاء في هذا الأمر -فالإمام مالك يرى أن الملكية تزول لأن العلة في التملك الإحياء وقد زال، فإذا زال السبب بطل المسبب. والإحياء كاصطياد الحيوان، فالاصطياد هو سبب الملكية، فمن اصطاد سمكًا من البحر ولكن سقط في الماء حيًّا تزول ملكيته.
وقد ناقش الفقهاء قضية مهمة وهي ملكية الرقبة والمنفعة -فهل التملك بالإحياء يؤدي إلى ملكية الرقبة أم المنفعة أم لكليهما؟ يذهب بعض الفقهاء أنه في البلاد المفتوحة- إذا كان المحيي مسلمًا- ملك الرقبة والمنفعة، وإذا كان غير مسلم فإن الملكية تكون للمنفعة فقط -لأن
стр. 351
المسلم سوف يخرج الزكاة على الزرع والثمار -والزكاة عبادة إسلامية لا يلزم بها غير المسلم احترامًا من الإسلام لحرية العبادة. ولهذا فإن غير المسلمين يجب عليهم دفع الخراج الذي هو في طبيعته مقاسمة بين الدولة وواضع اليد تحقيقًا للتكافل الاجتماعي حيث تلتزم الدولة المسلمة بتغطية حاجات فقراء غير المسلمين.
وهناك رأي ينظر إلى القضية -ليس من زاوية المحيي ولكن من زاوية طريقة الحصول على الماء الذي ينبت الزرع ومصدره، فنوع الملكية يتبع الماء فإن كانت تسقى من ماء السماء أو من الآبار أو بماء الأنهار العظام التي لا تقع في قبضة أحد فإنها تكون مملوكة الرقبة وتكون الأرض عشرية لأن هذه المياه لم يكن لغير المسلمين سلطان عليها. أما إذا كانت تسقى من نهر حفره غيرالمسلمين فإنها تكون خراجية أي لا تكون الملكية فيها تامة- هذا إذا كان الذي أحياها مسلمًا، أما إذا كان الذي أحياها غير مسلم فإنها تكون خراجية تحقيقًا للتكافل الاجتماعي بدون مساس بحرية العقيدة.
هذا هو التصور الإسلامي لإحياء الأرض بالزراعة والعمران والتسوية وتقسيمها إلى بيوت وإنشاء قرى وتحويل الصحاري إلى مناطق زراعية مثمرة عامرة. وفتح باب الإحياء في الحقيقة هو فتح لباب العمارة في الأرض وتنمية الثروة ومواجهة مشكلات تزايد السكان وتحقيق للتطلعات المشروعة المتزايدة للناس وللتعاون بين الناس، ذلك أنه مع نمو الزراعة تنمو مقادير الزكاة ومقادير الخراج مما يحقق النفع للجميع. وقد قرر الفقهاء أن وجوب الزكاة في الزرع وجوب مقاسمة فهي بمقدار عشر ما تخرجه الأرض إن سقيت بغير آلة، وبمقدار نصف العشر إن سقيت بآلة. وبذلك يكون بيت مال الزكاة شريكًا لمن أخرج الزرع أو تعهد الغراس، الأمر الذي يجعل من الإحياء سبيلًا لتحقيق التنمية الاقتصادية من جهة، ولتحقيق أعلى درجة من درجات التكافل الاجتماعي بين أعضاء المجتمع من جهة أخرى.
стр. 352
خامسًا: العقود الناقلة للملكية:
يستهدف الإسلام تنمية موارد الأمة من خلال كافة أساليب التنمية الاقتصادية، تنمية زراعية وتنمية صناعية بكافة أنواعها وتبادلات تجارية داخلية أو تجارة خارجية ... كل ذلك من أجل تحقيق الحياة الطيبة للمؤمنين التي تخلو من مشكلات الجوع والخوف والتي تتسم بالأمن والعدل والتكافل والإخاء وتبادل المنافع والمصالح دون احتكار أو اكتناز أو استخدام للنفوذ في الإثراء غير المشروع أو عنصرية لون أو دين أو مركز حتى لا تكون الأموال دولة بين الأغنياء وحدهم، وذلك وعد الله لعباده المؤمنين حيث قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦] . ووعيد الله شديد عند كفران نعمه وحبس خيراته عن عباده حيث يقول تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] . ويضع الإسلام خطوطًا عامة في مجال تنظيم الإنتاج والاستثمار أو التنمية الاقتصادية بشكل عام، حتى يمكن مراعاتها في كل مكان وزمان، وبشكل يتفق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ويحافظ على حق الإنسان في التملك والعمل والتعمير، غير أن كل عمليات التنمية الاقتصادية يجب أن تدور في دائرتين أساسيتين هما:
أولًا: دائرة الحلال، والله لا يحب المفسدين.
ثانيًا: دائرة العدل: والله لا يحب الظالمين.
стр. 353
والعقود من الأساليب التي يتم من خلالها التملك والكثير من المعاملات الاقتصادية سواء في مجال الإنتاج أو الاستهلاك أو التوزيع، وهي مجالات الاقتصاد الأساسية. وهناك عدة أسس تستند إليها العقود في الإسلام، تلك العقود التي يطالبنا القرآن الكريم الوفاء بها:
أولًا: عقود المعاملات يُنظر فيها للمقاصد والمصالح، فإذا كان الأصل في العبادات الالتزام بما جاء به الشرع والتقيد بالصور التي أمر الله بها لأنها تستهدف التقرب إلى الله وتحقيق الصلة المستمرة بين العبد وخالقه، فإن الأصل في المعاملات تحقيق مصالح العباد في الحياة ورفع الحرج عنهم بعيدًا عن الباطل والظلم والحرام. ويفسر ابن تيمية ﵀ هذا الفرق بين العبادات والمعاملات١٩ أن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم. فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيها عدم الحظر، فلا يحظر منها إلا ما حظره الله . وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بد وأن تكون مأمورًا بها. فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه أنه عبادة؟ وما لم يثبت أنه منهي عنه كيف يحكم عليه أنه محظور؟ ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] .
والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا﴾ [يونس: ٥٩] ، ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه الله في سورة الأنعام حيث قال
стр. 354
تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ، وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ، وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦-١٣٨] ، ومن صحيح مسلم عن عياض بن حرام ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاحتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا". وهذه القاعدة عظيمة النفع في مجال التنمية الاقتصادية، وبناء عليها فإن البيع والهبة والإجارة وغيرها من العادات التي يحتاج إليها الناس في معاشهم كالأكل والشرب والملبس وضعت لها الشريعة آدابها فحرمت منها ما يؤدي إلى الفساد أو ما فيه حرمة أو ظلم وأوجبت ما لا بد منه وكرهت ما لا ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة.
ثانيًا: تنعقد العقود في الإسلام بكل ما يدل على مقصودها:
يهتم الإسلام بالجوهر والمضمون والقصد وليس بالشكل ولهذا وبناء على الأصل السابق فقد حرر الإسلام العقود من الشكلية فلم يشترط لها صيغة محددة حيث اعتبر كل ما دل على إيجاب وقبول عقدًا وترتب عليه آثاره ما دام قد أبرمه من لهم أهلية التعاقد وتم فيما يجوز التعاقد معه. وهذا يدل على مقدار مرونة الإسلام حيث إن هذا المبدأ يتسع لعوائد الناس وأعرافهم ويسمح للاختلافات الناجمة عن اختلاف الثقافات بين المجتمعات*.
стр. 355
وهذا يعني أن القاعدة العامة هي أن العقود تصح بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل لأن الله يقول: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾ [النساء: ٣] . ويقول تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، ويقول تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] ، ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] ، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة المشروع فيها هذه العقود ويتضح منها عدة أمور أهمها:
أ- التراضي في العقود -ولا يوجد لفظ محدد يوضح التراضي لأنه أمر معروف ومتروك للثقافات المحلية والأعراف.
ب- من الأسماء ما يعلم حده باللغة -كالشمس، ومنه ما يعلم بالشرع كالمؤمن والكافر والمنافق- وما لم يكن له حد في اللغة أو الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس -كالقبض المذكور في قوله صلي الله عليه وسلم: "من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يقبضه" ومعلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحوهما لم يحدد الشرع لها حدًّا وتركها للأعراف.
ثالثًا: لا تتم العقود في الإسلام إلا برضا المتعاقدين واتفاقهما:
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، وهذه الآية في المعاوضات، أما في التبرعات يقول تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] . وقد وفر الإسلام