← Общие книги

Общие книги · id 11075

بناء المجتمع الإسلامي

نبيل السمالوطي

Полный текст (518 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المسلم سوف يخرج الزكاة على الزرع والثمار -والزكاة عبادة إسلامية لا يلزم بها غير المسلم احترامًا من الإسلام لحرية العبادة. ولهذا فإن غير المسلمين يجب عليهم دفع الخراج الذي هو في طبيعته مقاسمة بين الدولة وواضع اليد تحقيقًا للتكافل الاجتماعي حيث تلتزم الدولة المسلمة بتغطية حاجات فقراء غير المسلمين. وهناك رأي ينظر إلى القضية -ليس من زاوية المحيي ولكن من زاوية طريقة الحصول على الماء الذي ينبت الزرع ومصدره، فنوع الملكية يتبع الماء فإن كانت تسقى من ماء السماء أو من الآبار أو بماء الأنهار العظام التي لا تقع في قبضة أحد فإنها تكون مملوكة الرقبة وتكون الأرض عشرية لأن هذه المياه لم يكن لغير المسلمين سلطان عليها. أما إذا كانت تسقى من نهر حفره غيرالمسلمين فإنها تكون خراجية أي لا تكون الملكية فيها تامة- هذا إذا كان الذي أحياها مسلمًا، أما إذا كان الذي أحياها غير مسلم فإنها تكون خراجية تحقيقًا للتكافل الاجتماعي بدون مساس بحرية العقيدة. هذا هو التصور الإسلامي لإحياء الأرض بالزراعة والعمران والتسوية وتقسيمها إلى بيوت وإنشاء قرى وتحويل الصحاري إلى مناطق زراعية مثمرة عامرة. وفتح باب الإحياء في الحقيقة هو فتح لباب العمارة في الأرض وتنمية الثروة ومواجهة مشكلات تزايد السكان وتحقيق للتطلعات المشروعة المتزايدة للناس وللتعاون بين الناس، ذلك أنه مع نمو الزراعة تنمو مقادير الزكاة ومقادير الخراج مما يحقق النفع للجميع. وقد قرر الفقهاء أن وجوب الزكاة في الزرع وجوب مقاسمة فهي بمقدار عشر ما تخرجه الأرض إن سقيت بغير آلة، وبمقدار نصف العشر إن سقيت بآلة. وبذلك يكون بيت مال الزكاة شريكًا لمن أخرج الزرع أو تعهد الغراس، الأمر الذي يجعل من الإحياء سبيلًا لتحقيق التنمية الاقتصادية من جهة، ولتحقيق أعلى درجة من درجات التكافل الاجتماعي بين أعضاء المجتمع من جهة أخرى.

стр. 352

خامسًا: العقود الناقلة للملكية: يستهدف الإسلام تنمية موارد الأمة من خلال كافة أساليب التنمية الاقتصادية، تنمية زراعية وتنمية صناعية بكافة أنواعها وتبادلات تجارية داخلية أو تجارة خارجية ... كل ذلك من أجل تحقيق الحياة الطيبة للمؤمنين التي تخلو من مشكلات الجوع والخوف والتي تتسم بالأمن والعدل والتكافل والإخاء وتبادل المنافع والمصالح دون احتكار أو اكتناز أو استخدام للنفوذ في الإثراء غير المشروع أو عنصرية لون أو دين أو مركز حتى لا تكون الأموال دولة بين الأغنياء وحدهم، وذلك وعد الله لعباده المؤمنين حيث قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦] . ووعيد الله شديد عند كفران نعمه وحبس خيراته عن عباده حيث يقول تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] . ويضع الإسلام خطوطًا عامة في مجال تنظيم الإنتاج والاستثمار أو التنمية الاقتصادية بشكل عام، حتى يمكن مراعاتها في كل مكان وزمان، وبشكل يتفق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ويحافظ على حق الإنسان في التملك والعمل والتعمير، غير أن كل عمليات التنمية الاقتصادية يجب أن تدور في دائرتين أساسيتين هما: أولًا: دائرة الحلال، والله لا يحب المفسدين. ثانيًا: دائرة العدل: والله لا يحب الظالمين.

стр. 353

والعقود من الأساليب التي يتم من خلالها التملك والكثير من المعاملات الاقتصادية سواء في مجال الإنتاج أو الاستهلاك أو التوزيع، وهي مجالات الاقتصاد الأساسية. وهناك عدة أسس تستند إليها العقود في الإسلام، تلك العقود التي يطالبنا القرآن الكريم الوفاء بها: أولًا: عقود المعاملات يُنظر فيها للمقاصد والمصالح، فإذا كان الأصل في العبادات الالتزام بما جاء به الشرع والتقيد بالصور التي أمر الله بها لأنها تستهدف التقرب إلى الله وتحقيق الصلة المستمرة بين العبد وخالقه، فإن الأصل في المعاملات تحقيق مصالح العباد في الحياة ورفع الحرج عنهم بعيدًا عن الباطل والظلم والحرام. ويفسر ابن تيمية ﵀ هذا الفرق بين العبادات والمعاملات١٩ أن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم. فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيها عدم الحظر، فلا يحظر منها إلا ما حظره الله . وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بد وأن تكون مأمورًا بها. فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه أنه عبادة؟ وما لم يثبت أنه منهي عنه كيف يحكم عليه أنه محظور؟ ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] . والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا﴾ [يونس: ٥٩] ، ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه الله في سورة الأنعام حيث قال

стр. 354

تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ، وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ، وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦-١٣٨] ، ومن صحيح مسلم عن عياض بن حرام ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاحتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا". وهذه القاعدة عظيمة النفع في مجال التنمية الاقتصادية، وبناء عليها فإن البيع والهبة والإجارة وغيرها من العادات التي يحتاج إليها الناس في معاشهم كالأكل والشرب والملبس وضعت لها الشريعة آدابها فحرمت منها ما يؤدي إلى الفساد أو ما فيه حرمة أو ظلم وأوجبت ما لا بد منه وكرهت ما لا ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة. ثانيًا: تنعقد العقود في الإسلام بكل ما يدل على مقصودها: يهتم الإسلام بالجوهر والمضمون والقصد وليس بالشكل ولهذا وبناء على الأصل السابق فقد حرر الإسلام العقود من الشكلية فلم يشترط لها صيغة محددة حيث اعتبر كل ما دل على إيجاب وقبول عقدًا وترتب عليه آثاره ما دام قد أبرمه من لهم أهلية التعاقد وتم فيما يجوز التعاقد معه. وهذا يدل على مقدار مرونة الإسلام حيث إن هذا المبدأ يتسع لعوائد الناس وأعرافهم ويسمح للاختلافات الناجمة عن اختلاف الثقافات بين المجتمعات*.

стр. 355

وهذا يعني أن القاعدة العامة هي أن العقود تصح بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل لأن الله يقول: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾ [النساء: ٣] . ويقول تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، ويقول تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] ، ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] ، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة المشروع فيها هذه العقود ويتضح منها عدة أمور أهمها: أ- التراضي في العقود -ولا يوجد لفظ محدد يوضح التراضي لأنه أمر معروف ومتروك للثقافات المحلية والأعراف. ب- من الأسماء ما يعلم حده باللغة -كالشمس، ومنه ما يعلم بالشرع كالمؤمن والكافر والمنافق- وما لم يكن له حد في اللغة أو الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس -كالقبض المذكور في قوله صلي الله عليه وسلم: "من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يقبضه" ومعلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحوهما لم يحدد الشرع لها حدًّا وتركها للأعراف. ثالثًا: لا تتم العقود في الإسلام إلا برضا المتعاقدين واتفاقهما: يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، وهذه الآية في المعاوضات، أما في التبرعات يقول تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] . وقد وفر الإسلام

стр. 356

الحماية الكاملة والرعاية التامة لموضوع رضا الطرفين باشتراط أهلية التكليف للمتعاقدين، وبأن أفسح المجال للخيار بين المتعاقدين، ومن ذلك خيار الغبن وخيار المجلس وخيار الشرط وخيار الرؤية مما تفصله كتب الفقه. رابعًا: يوجب الإسلام توثيق العقود؛ ضمانا للحقوق وإقامة العدل بين الناس. ويكون التوثيق بالكتابة والإشهاد عليها حتى لا يتنازع الناس فيما بعد ولا يحدث ظلم أو تظالم ولحسم المسائل عند حدوث الاختلاف. يقول تعالى في سورة البقرة آية ٢٨٢: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ . - ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ - ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ - ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ - ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ - ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ - ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ - ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ - ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾ - ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾

стр. 357

- ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُم﴾ - ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . هذه الآية رقم ٢٨٢ من سورة البقرة نموذج فريد من الإعجاز التشريعي في مجال العلاقات الاقتصادية يعلمنا فيها الله أصول هذه العلاقة في مجال التوثيق لأنه خالق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وما جلبت عليه النفوس من التباين والتقلب والمطامع والجحود ... إلخ خامسًا: يجب أن تحقق العقود العدل بين المتعاقدين وتتجنب الظلم: الأصل في مبادئ الاقتصاد الإسلامي ألا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه، ولا تطيب النفس إلا بأن تقدم ما عندها طائعة غير مكرهة -راضية بدون غش أو خداع- وكما يقول ابن تيمية: إن من العدل ما هو ظاهر يعرفه كل واحد بعقله مثل وجوب تسليم الثمن على المشتري، وتسليم المبيع على البائع للمشتري، وتحريم تطفيف المكيال والميزان- ووجوب الصدق وتحريم الكذب والخيانة وإن جزاء القرض الوفاء والحمد٢١. ومن العدل ما هو خفي فصلته الشريعة الإسلامية عندما حَرَّمَتْ كل المعاملات التي تسبب أكل المال بالباطل كعقود الربا والميسر وما يجري مجراهما مثل بيع الغرر وحبل الحبلة، أو العقود التي تقوم على الغش وإخفاء العيب في المبيع لأن باطنها يحمل الظلم والاستغلال والكذب وهي ما لا تتفق مع القيم الإسلامية. سادسا: وجوب تحقيق العقود والمعاملات لمقاصد الشريعة في العبادة والأخلاق: فإذا كانت العقود والمعاملات الاقتصادية الإسلامية تستهدف تحقيق

стр. 358

مصالح الناس في الكسب وتبادل المنافع وتيسير وسائل الحياة ... فإنها يجب أن تلتزم بأصول العقيدة والقيم الإسلامية وإلا فإنها تنقلب إلى أساليب تدمر الإنسان ومجتمعه من خلال جرائم الغش والسرقة والاختلاس والرشوة -كما أنها تفكك علاقات الأخوة بين الناس- قال صلي الله عليه وسلم: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا" وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] . وقد ذكر ﵊ أن من يكون مطعمه حرام وملبسه من حرام ومشربه من حرام فإن الله لا يستجيب له الدعاء. وقد وصف الله سبحانه عباده المؤمنون بأنهم: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٧-٣٨] ، ولهذا فقد حدد الإسلام مجموعة من المبادئ الأخلاقية في مجال المعاملات الاقتصادية منها: أ- النهي عن البيع وقت النداء للصلاة وخاصة الجمعة -وقد اتفق العلماء على تحريم البيع بعد النداء الثاني يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] . ب- النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه لما في هذا من اعتداء على حق ثبت للمشتري الأول مما يؤدي إلى اختفاء روابط الثقة والأخوة وظهور الصراع والحقد وانعدام الثقة. ج- النهي عن بيع الأشياء التي يستعملها مشتريها فيما حرم الله -فلا يجوز بيع العنب لمن يتخذه خمرًا أو بيع السلاح للصوص الذين يهددون أمن المسلمين. د- النهي عن التحايل على الحرام كالطرق التي يتحايل بها التجار على أكل الربا بما يستعملونه من بيانات وهمية كعملية بيع السكر أو الأرز

стр. 359

أو أي سلعة بسعر عالٍ للمحتاج الذي يبيعها بسعر أقل ليدخل فرق السعر في جيب التاجر تحايلًا على أخذ الزيادة مقابل القرض -وهذا ما نهى عنه الرسول صلي الله عليه وسلم. سابعًا: لا تتم العقود إلا بضبط المقادير وتحديد الأثمان؛ تجنبًا للتغابن والنزاع واحتمال الصراعات، ولهذا حرم بيع الغرر لما فيه من جهالة الثمن أو المثمن. وعن بيع ما في بطون الأمهات والسمك في الماء. وينبغي عند اختلاف الأصناف تقويمها بالنقد تحريًا للعدل وابتعادًا عن المراباة. وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- استعمل رجلًا على خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله: أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة. فقال النبي: " لا تفعل، بع الجمع -التمر الرديء- بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا -أي: تمر جيد-" وقد قص القرآن الكريم علينا قصة نبي الله شعيب الذي طالب قومه بالوفاء بالكيل والميزان دون تطفيف أو بخس للناس أشياءهم وقد نزلت سورة بأكملها تهدد المطففين بالويل وهي سورة المطففين. وقد اهتم الاسلام بقضية ضبط المقادير والوفاء بالكيل والميزان والبعد عن التطفيف، وقد ظهرت وظيفة المحتسب في الدولة الإسلامية لمراقبة الأسواق والتأكد من سلامة الموازين والقضاء على الغش والخداع في مجال المعاملات الاقتصادية. ثامنًا: يوجب الإسلام الصدق والإحسان والسماحة وتحريم الغش والتدليس والالتواء، وفي الكتاب والسنة العديد من الأدلة على هذا المبدأ. أنواع العقود الاقتصادية: رفع الله الحرج عن عباده فأباح لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، والأصل في المعاملات الاقتصادية الإباحة لا الحظر إلا ما كان محرمًا، ولهذا فإنه يجب الاستحداث في العقود طالما أنها تحقق الشروط الإسلامية

стр. 360

وهذا من يسر الإسلام وشموله٢٢. وسوف نورد بعض أنواع العقود التي يقرها الإسلام. أولًا: عقد تمليك مال بمال على وجه التراضي: ويشترط في العاقد العقل والتمييز وأن يكون له حق الملك والولاية على ما بيده، كما يشترط أن يكون المباع مباحًا متقوَّمًا، وأن يكون مقدور التسليم. وعن رفاعة بن رافع أن النبي صلي الله عليه وسلم سئل، أي الكسب أطيب فقال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور" رواه البزار وصححه الحاكم والبيع المبرور هو ما يجري في الأمور المباحة ويبتعد تمامًا عن المحرمات كالربا والغش والعقود المجهولة وأساليب الكسب الخبيثة كالاتجار في الملاهي والأعراض. ثانيًا: عقد السلم: والسلم هو السلف -وهو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في المجلس ويشترط له ما يشترط في البيع. قال ﵇: "من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم"، وهناك سبعة شروط يجب أن تحقق في عقد السلم هي: ١- أن يكون فيما يمكن ضبط صفاته من المكيل والموزون من حبوب وغيرها. ٢- أن يصفه بما يختلف به الثمن ظاهرًا، فيذكر جنسه ونوعه فيقول في التمر مثلًا برني أو معلقي ونحوهما. ٣- أن يذكر قدره بالكيل -أو بالوزن- أو بالذراع أو بالعدد. ٤- أن يشترط أجلًا معلومًا له وقع في الثمن عادة كالشهر. ٥- أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله سواء كان موجودًا حال العقد أو معدومًا.

стр. 361

٦- أن يقبض رأس ماله في مجلس العقد أو ما في معنى القبض. ٧- أن يسلم في الذمة فإن أسلم في عين لم يصح لأنه ربما تلف قبل أوان تسليمه. ثالثًا: عقود الشركة -وهي خمسة أقسام: أ- شركة العنان: وهي أن يشترك اثنانِ فأكثر بمالَيْهما ليعملا فيه ببدنيهما وربحه بينهما، أو يعمل أحدهما بشرط أن يكون له من الربح أكثر من ربح ماله نظير إدراته وعمله -ويشترط أن يكون المالان معلومين حاضرين وأن يكون رأس المال من النقدين المضروبين، وأن يشترط لكل واحد منهما جزءًا من الربح كالنصف أو الثلث٢٣، وكتب الفقه تفصل هذا النوع من الشركة. ب- شركة المضاربة: وهي دفع مال معين معلوم قدره إلى من يتجر فيه بجزء معلوم. وتسمى هذه الشركة قراضًا ومعاملة وتنعقد بما يؤدي معنى ذلك وهي أمانة ووكالة وكتب الفقه تفصل هذا النوع من الشركات٢٤. والمضاربة أمانة ووكالة فإن ربح فشركة وإن فسد فإجارة وإن تعدى فغضب، قال في الهدى: "المضارب أمين وأجير ووكيل وشريك: فأمين إذا قبض المال، ووكيل إذا تصرف فيه، وأجير فيما يباشر من العمل بنفسه وشريك إذا ظهر فيه الربح". ومن شروط صحتها تقدير نصيب العامل بجزء شائع كالربع والثلث أو يقول رب المال بيننا فيكون على النصف.. وإن اختلفا فللعامل أجرة المثل، وحكم المضاربة حكم الشركة فيما للعامل أن يفعله أو لا يفعله وفي الشروط -والعامل أمين لا ضمان عليه فيما تلف بغير تعد ولا تفريط. والقول قوله في قدر رأس المال والربح٢٥. ج- شركة الوجوه: وهي أن يشتريا في ذمتيهما بجاهيهما شيئًا يشتركان في ربحه من غير أن يكون لهما رأس مال، على أن ما اشترياه فهو بينهما

стр. 362

نصفين أو ثلاثًا ... فيكون الملك بينهما على ما اشترطاه. د- شركة الأبدان: وهي أن يشتركا فيما يتقبلان بأبدانهما في ذممهما من العمل فهي شركة صحيحة ولو مع اختلاف الصنائع، وما يتقبله أحدهما من العمل يصير في ضمانهما يطالبان به ويلزمهما عمله. هـ- شركة المفاوضة: هي تفويض كل منهما إلى صاحبه شراء وبيعًا ومضاربة وتوكيلًا وابتياعًا في الذمة ومسافرة بالمال وارتهانًا وضمانًا ما يرى من الأعمال فصحيحه٢٦. رابعًا: عقد المزارعة: وهي دفع أرض وحب لمن يزرعه ويقوم عليه، أو مزروع لمن يعمل عليه بجزء مشاع من المتحصل ويلزم العامل ما فيه صلاح الثمرة والزرع وزيادتهما من السقي والاستسقاء والحرث وآلة ... والمزارعة جائزة في أصح أقوال العلماء. خامسا: عقد الإجارة: وهو عقد على منفعة مباحة معلومة تؤخذ شيئًا فشيئًا مدة معلومة عين معلومة أو موصوفة في الذمة أو عمل معلوم ولا تصح إلا بشروط ثلاثة: ١- معرفة المنفعة: إما بالعرف كسكنى الدار شهرًا، وخدمة الآدمي سنة فإذا كان هناك عرف فإن هذا يغني عن تعيين النفع وصفته وينصرف الإطلاق إليه. وإما بالوصف كحمل بضاعة وزنها كذا إلى موضع معين أو بناء حائط طوله كذا وعرضه كذا وسمكه كذا ... ٢- معرفة الأجرة: بمعنى تحديدها بشكل واضح. ٣- أن تكون المنفعة مباحة: فلا تصح الإجارة في المحرمات كالزنى والنياحة والقمار ...

стр. 363

والإجارة عقد لازم من الطرفين يقتضي تمليك المؤجر الأجر وتمليك المستأجر المنافع. ولا يفسخ إلا أن يجد العين معيبة تنقص بها المنفعة. وهناك نوعان من الإجارة وهما: أ- إجارة عين: وهي ما يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائهاكاستئجار الدار الصالحة للسكن -أما استئجار أرض لا تنبت للزرع أو لا ماء لها فلا يجوز. ويشترط في إجارة العين أن يعقد على نفع العين دون أجزائها، وأن ترى العين التي ستؤجر أو توصف وصفًا يحصل به المعرفة، وأن يكون المؤجر قادرًا على تسليمها، وأن تكون مشتملة على المنفعة، ومملوكة للمؤجر، أو مأذونًا له فيها. ويمكن أن تكون إجارة العين على مدة كإجارة المنزل شهرًا، كما يمكن أن تكون لمهمة أو عمل محدد كإجارة الدابة، أو السيارة للركوب إلى مكان محدد، ويشترط هنا معرفة العمل وضبطه بما يمنع الخلاف. ويلزم المؤجر مع الإطلاق كل ما يتمكن به من النفع مما جرت به عادة أو عرف. ب- يطلق على النوع الثاني من الإجارة الأجير المشترك وهو عقد على منفعة في الذمة بالنسبة لشيء محدد وموصوف وبصفات يمكن ضبطها بالعمل أو المدة كخياطة ثوب أو صناعة أثاث ... إلخ.

стр. 364

سادسًا: الميراث: يمكن تعريف الميراث بأنه انتقال الشيء من شخص إلى آخر سواء أكان هذا الشيء حسيًّا أو معنويًّا -يقال ورث فلان المال وورث المجد- ويراد بالميراث هنا انتقال المال من الميت إلى ورثته. وقد حددت الشريعة الإسلامية نظامًا دقيقًا للميراث يتضمن مجموعة من المعايير والقواعد والضوابط والأسس الثابتة تبين كيفية توزيع الميراث بين الورثة. ويقوم النظام الإسلامي في الميراث على مجموعة من المبادئ العامة نحددها كما يلي:

стр. 365

أولًا: الميراث إجباري بالنسبة للوارث والمورث: فأحكام الميراث ثابتة لا يملك الوارث أو المورث أو القاضي أن يعدل أو يغير فيها. المورث لا يستطيع حرمان أحد الورثة من الإرث عن طريق توقيع وثيقة حرمان أو التوصية بذلك وإلا فإن الوصية بهذا المعنى لا قيمة لها لأن المال بعد الموت يعد من حق الورثة، ولا يمنع الوارث من الإرث إلا إذا توافرت أسباب معينة حددتها الشريعة. كذلك فإن الوارث لا يملك رفض الإرث لأن حصته من الإرث حق ثابت له بمقتضى الشرع ولا تتوقف على إرادته هو أو إرادة المورث المتوفى. ومن حق الشخص أن يتصرف في أمواله -بعد موته كوصية- في حدود الثلث فقط وفيما عدا الثلث فهو حق الورثة يوزع بينهم بنص القرآن الكريم. ثانيًا: أسباب الميراث هي القرابة والزوجية: يستحق الإنسان الإرث بسببين٢٧. أ- القرابة: وهي النسب الحقيقي الذي يتصل بالميت سواء من جهة الأصول أو الفروع، أو فروع أبيه أو فروع جده. وقد راعتِ الشريعة الإسلامية تقسيم المال بين الأقارب بحسب درجة القرابة ودرجة الحاجة، فالأقرب إلى الميت يحجب الأبعد ... فالإسلام يعطي الميراث للأقرب الذي يعد شخصه امتدادًا في الوجود لشخص المورث بدون تفرقة بين الصغير والكبير. ولهذا كان الأولاد أكثر ذوي القربى حظًّا في الميراث. ويلاحظ أنه كلما كانت الحاجة أشد كان العطاء أكبر. وهذا هو سبب أن نصيب الأولاد أكثر من نصيب الأبوين لأن الأولاد وهم يستقبلون الحياة يحتاجون إلى المال أكثر من الأبوين اللذين يستدبران الحياة. وهذا هو سبب أن نصيب الذكر ضعف نصيب المرأة لأن أعباءه المالية أكثر٢٨. ب- عقد الزواج: حيث يرث بمقتضى هذا العقد كل من الزوج والزوجة.

стр. 366

فَلَوْ تَمَّ عقد الزواج وتوفي أحد الزوجين قبل الزفاف يرث الآخر. ولو طلقت المرأة من زوجها طلاقًا رجيعًّا ثم توفي عنها زوجها وهي في العدة فإنها ترث أيضًا، لأن الطلاق الرجعي لا يقطع الزوجية ولا يزيلها بخلاف الطلاق البائن. ثالثًا: القتل مانع من الميراث: لا يجوز في الشرع الإسلامي لمن يقتل إنسانًا أن يرث منه ولو كان أقرب الناس إليه بنص قول رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لا يرث القاتل"، والمقصود هنا القتل العمد وليس الخطأ أو الدفاع عن النفس وإن كان بعض الفقهاء تشدد، فجعلوا جميع أنواع القتل مانعة من الإرث٢٩. رابعًا: اختلاف الدين يمنع من الإرث: فاختلاف الدين مانع من التقاء الأهداف والتعاون في تنفيذ أهداف الإسلام ولهذا فلو تزوج مسلم من كتابية ثم توفي أحدهما فلا يرث الآخر منه -كما لا ترث الأم الكتابية من أولادها المسلمين لقوله ﵊: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم". كذلك فإن الردة تمنع الميراث. خامسًا: للذكر مثل حظ الأنثيين: وهذا أمر منطقي وواقعي لأن تكاليف الرجل أكبر وأعباءه أشد، وقد أوجب الإسلام على الرجل لصالح المرأة أمورًا كثيرة سواء في طفولتها أو شبابها أو كهولتها كالنفقات والمهور. والرجل مسئول عن زواجه وعن زوجته وأولاده وأسرته وهو مسئول عن كل محتاج من أبويه وأقاربه. ويمثل الإسلام الاتزان والوسطية عندما أعطى للمرأة حق الإرث بمقدار نصف الذكر فهو لم يحرمها تمامًا كما فعلت بعض الشرائع قبل الإسلام، ولم

стр. 367

يساويها بالذكر لأنها هي نفسها تقع ضمن الرجل، والدها أو زوجها. سادسًا: المساواة بين الصغير والكبير في الميراث: لم يفرق الإسلام بين الصغير والكبير أو بين الجنين والشاب. فالكل مع تساوي الدرجة -يأخذون مقدارًا واحدًا لا تفاوت فيه قضاء على الأحقاد والصراعات المحتملة بين الأقارب ولا يحق للزوج أو الأب أن يخص بعض الورثة- زوجات أو أبناء -بمقدار زائد عن حصته في الإرث حتى لا يكون للعواطف أثرها في تمزيق الروابط الأسرية وإثارة الأحقاد. سابعًا: إجازة الوصية بثلث المال: إذا كان للإنسان الحق في التصرف في ماله في أثناء حياته، فإنه بعد الموت لا يحق له أن يتصرف -بوصيته- بعد الموت إلا في حدود الثلث حتى لا يضار الورثة قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] . ولا يجوز أن تكون الوصية لأحد الورثة لأن الله تولى تحديد مقادير الإرث للأقارب بما يحقق العدل بينهم فلا يجوز للإنسان تغييرها حفاظًا على حدود الله وحكمته العليا. ثامنًا: حقوق الدائنين مقدمة على حقوق الورثة: فلا يجوز للورثة أخذ أنصبتهم سداد جميع الديون. فسداد الديون مقدم على توزيع الإرث على مستحقيه. تاسعًا: تبين الشريعة الورثة الدائمون الذين لا يجرى عليهم الحجب: تضع الشريعة الإسلامية قواعد دقيقة لعملية الميراث وعمليات الحجب. فالقريب قد يرث في حالات محددة وقد يحجب من الإرث في

стр. 368

حالات أخرى كالجد فإنه لا يرث إلا عند عدم وجود الأب -وابن الأب لا يرث إلا عند عدم وجود الابن ... وهناك طبقة من الأقارب لا يحجبون عن الميراث إطلاقا إلا إذا كانت هناك عوامل أخرى مانعة- كالقتل أو اختلاف الدين ... وهم الأبناء والبنات والزوجات والأبوان -فهؤلاء يرثون في كل الأحوال لا يحجبهم أحد بخلاف الجد وأبناء الابن والإخوة وأبنائهم والأعمام وأبنائهم- فهؤلاء لا يرثون إلا عند عدم وجود من هو أقرب إلى الميت. عاشرًا: ترث الدولة من لا وارث له: تمثل الدولة الخزانة العامة التي ينفق منها على الصالح العام -فإذا لم يكن للميت وارث يرث ماله فإن أمواله لأقاربه غير الوارثين من ذوي الأرحام، فإن لم يكن له أحد ترد أمواله إلى بيت مال المسلمين لينتفع بها المسلمون وحتى توظف في تحقيق الخير العام لهم٣٠. حادي عشر: تتجه الشريعة الإسلامية إلى توزيع الثروة بعد الوفاة لا إلى تركيزها وتجميعها في يد أو أيدي محددة كما كانت تفعل بعض الشرائع السابقة حيث تقتصر الإرث على الابن الأكبر أو على الذكور دون الإناث. ولهذا لم تجعل الشريعة الإسلامية وارثًا واحدًا ينفرد بالإرث دون غيره. ويختلف النظام الإسلامي في مجال الميراث عن المذاهب الوضعية المتطرفة. فالماركسية تلغي الملكية أصلا وبالتالي تلغي الميراث كلية، والرأسمالية تجعل للمورث السلطان الكامل في ماله بعد وفاته- تمامًا كما أن له سلطانًا عليه في حياته. وبهذا الشكل أهمل المذهبان الأسرة وحاجاتها وحقوق الأقارب فالماركسية لم تعترف بهذه الحقوق على الإطلاق، أما الرأسمالية فقد وضعت أفراد الأسرة تحت رحمة المورث إن

стр. 369

شاء أعطاهم وإن شاء حرمهم. أما الشريعة الإسلامية فإنها وقفت موقفًا متوازنًا عادلًا ملزمًا. فقد سلبت من المورث الإرادة في الثلثين، وتركت له حرية التصرف في الثلث فقط. وقد وزعت الثروة طبقًا لمعايير عادلة وهي درجة القرابة ودرجة الحاجة، وجعلت هذا التوزيع ملزمًا بنص القرآن الكريم حتى تصد الأبواب في مواجهة محاولات التحايل إلى جانب أن قضية الميراث تقع في صلب البناء العقدي الذي يلتزم به المسلم بشكل كامل لأنه أمر من الله سبحانه.

стр. 370

نظام المعاملات المالية في الإسلام مدخل ... نظام المعاملات المالية في الإسلام: يتضمن النظام الاقتصادي الإسلامي من النظم الفرعية Sub- inistitutions التي يتألف منها النظام العام مثل نظام الملكية ونظام الزكاة ونظام المعاملات المالية ونظام الإنتاج المشروع، وحقوق الدولة في التدخل في حالات محددة ... وقد تضمنت الشريعة الإسلامية نظامًا متكاملًا للمعاملات والمبادلات المالية مثل: أحكام البيع والإجارة وبيان ما يجوز بيعه وإجارته وما لا يجوز، وطرق استثمار الأموال والمضاربة والشركة وأحكام الأمانات وطرق الاستيثاق في الديون وعلاقة العمل بين صاحب العمل والعمال ... إلخ، وغير ذلك من العلاقات الاقتصادية التي تحتاج إلى ضبط وتنظيم حفاظًا على الحقوق والمصالح وتحقيقًا للعدل وتجنبًا للظلم والصراعات الاجتماعية والاقتصادية التي تمزق المجتمع وتفكك الجماعات٣٢. والأساس الإسلامي الأول في المعاملات المالية بين الناس، الارتباط بالالتزام والوفاء بالحقوق وعدم أكل أموال الناس بالباطل، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] ، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:٢٩] . وفي طرق الاستيثاق يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى

стр. 371

أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وتوجهنا الشريعة إلى إقرار الرهن والإشهاد على المبايعات يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، ويقول تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . واهتمت الشريعة بالجانب المادي للإنسان وأساسه المعاملات إلى جانب اهتمامها بالجانب الروحي وأساسه العبادات. وقد حثت الشريعة على البيع والشراء ورغبت فيهما تحصيلا للرزق ووضعت آدابا حتمت رعايتها والالتزام بها من أجل قضاء المصالح وتوفير الحاجات بشكل يخلو من الغش والخديعة والتضليل، وقد مر النبي ﷺ برجل يبيع الطعام فأعجبه ظاهره فأدخل يده فيه فوجد به بللا فقال ﵇: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ " قال: أصابته السماء -يريد أن المطر نزل عليه- فقال ﵇: "فهلا أبقيته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غش -وفي رواية- من غشنا، فليس منا" وهكذا يحكم النبي ﵊ بأن من غش في الطعام -وهو من أبسط أنواع الغش- يخرج من جماعة المؤمنين، ذلك لأن الإيمان يقتضي الصدق ولا يتفق مع الكذب. وإذا كان الغش هو تقديم الباطل في ثوب الحق، فإن الغش منهي عنه في الرأي والعمل والفتوى والتوجيه والوظيفة والبيع والشراء. وقد أرسل الله سبحانه شعيبا ﵇ يدعو الناس إلى التوحيد وتحذيرهم من نقص الكيل والميزان معتبرا لك إفساد في الأرض بعد إصلاحها، قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥] . ويستهدف التوجيه القرآني الكريم تربية الإنسان على عدم الإضرار بالآخرين واحترامهم والقضاء على أخلاقيات الغش والخديعة والظلم وهو ما أسماه الإفساد في الأرض.

стр. 372

نظام المعاملات الربوية وموقف الإسلام منها: يمكن القطع بأن الإسلام يحرم الربا بنص القرآن الكريم، وقد اتخذ في تحريمه أسلوبًا متدرجًا مراعاة للظروف الاجتماعية والاقتصادية التي كانت سائدة، وحتى يمكن استئصال كل المعاملات الربوية التي سادت الجاهلية بشكل كلي وجذري. وقد استخدم القرآن الكريم في تحريم الربا نفس الأسلوب المتدرج الذي اعتمد عليه في تحريم الخمر. وعلى الرغم من الاتفاق على تحريم الربا، إلا أن الخلاف قائم في تحدي المقصود بالربا -وسوف لا ندخل هنا في بيان أوجه الخلاف حول تحديد الربا مكتفين ببيان أسلوب القرآن التدريجي في تحريمه نهائيًّا- والربا في اللغة يشمل كل زيادة، ولكن لا يمكن أن تكون كل زيادة ربا، لأن البيع يشتمل على الزيادة وهو مباح لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وقد حرمت النصوص القرآنية الربا دون بيان المراد منه، ذلك لأنه كان معروفًا على عهد الرسول ﵊ أن الربا المحرم هو نظام الربا الذي ساد الجاهلية والمتعارف بين الناس في ذلك الحين. وقد نزلت في الربا أربع آيات، واحدة في مكة وثلاث في المدينة مما يؤكد حرص القرآن الكريم على تحريم هذه المعاملة الكريهة التي تتضمن الظلم والاستغلال البشع الكريه الذي تشمئز منه النفس الإنسانية. وتبين الآية الأولى أن الربا أمر منفر وغير مرغوب فيه، كما تدعو إلى دفع الزكاة التي تتضاعف عند الله سبحانه، لكنها لم تذكر التحريم، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] ، ثم جاءت الآية الثانية تذم اليهود لأنهم يأكلون الربا وقد نهوا عنه، ولأنهم يأكلون أموال الناس بالباطل. وعلى الرغم من عدم ورود نص قاطع في تحريم الربا حتى هذه المرحلة إلا أن سياق النص القرآني الكريم يؤكد كراهية التعامل بالربا، ويهيئ الأذهان والنفوس لتحريم الربا تحريمًا قطعيًّا، قال

стр. 373

تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [النساء: ١٦٠، ١٦١] . وقد جاءت الآية الثالثة تحرم الربا المضاعف، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠] . وقد حسمت الآية الرابعة قضية التحريم الكامل للربا قليله وكثيره وبشكل لا يقبل المناقشة حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩] ، والأحاديث النبوية الصحيحة كثيرة في تحريم الربا تحريمًا قاطعًا.

стр. 374

نظام الزكاة: فلسفتها وأهدافها الاجتماعية: الزكاة ركن أصيل من أركان الإسلام وهي إحدى أسس الاقتصاد الإسلامي الجوهرية، وقد ذكرت الزكاة في القرآن الكريم مقرونة بالصلاة التي هي عماد الدين في نحو ثلاثين موضعًا ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة﴾ [النور: ٥٦] ، ووصف المؤمنين ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة﴾ [لقمان: ٤] ، وقد جعل الله إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة علامة لصدق الإسلام وانطباق أحكامه، كما جعل الامتناع عن آداء الزكاة من صفات المشركين. وقال ﵇: "أمرت أن أقاتل

стр. 375

الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسوله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" رواه البخاري. وتتسم الزكاة الإسلامية بعدة خصائص أهمها: أولًا: أنها جانب من جوانب العبادة أو هي عبادة مالية يقصد بها المسلم التقرب إلى الله تعالى خالق الأكوان والأرض والإنسان والمالك الحقيقي لكل الأموال والثروات، أي: أن الإيمان والاحتساب مصاحبان لعملية الزكاة. ثانيًا: تستهدف الزكاة الإسلامية تزكية وتطهير نفوس أصحاب الأموال من الشح والبخل والأثرة، وتذكرهم بحقوق الفقراء والمساكين في أموالهم وإشعارهم بالعدل والأخوة الإيمانية والإنسانية، وتستهدف من الجانب الآخر انتزاع الغل والحقد من نفوس الفقراء، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] . وقال ﵇: "إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم". وهذا يعني أن الزكاة فريضة وهي تزكي نفوس الأغنياء والفقراء معًا وتحقق الألفة والأخوة والعلاقات الطيبة بين جميع أبناء المجتمع وتقضي على ظاهرة الفقر وما يصاحبه من حقد وصراع مدمر للجميع، هذا إلى جانب أن مخرج الزكاة يشعر أنه يؤديها التزامًا وليس إلزامًا، إيمانًا وليس قهرًا، وهذا هو ما يميزها عن الضرائب. ويدحض شبهة بعض المستشرقين المغرضين الذين يحاولون عقد مقارنة بين الزكاة والضرائب بالمفهوم الحديث مع أن الفارق شاسع بينهما، وأهم فارق أن الزكاة أساسي من أركان الإسلام لا يصح إسلام المرء إلا بأدائه، بعكس الضرائب التي تفرضها الدولة قهرًا وإلزامًا وبقوة القانون. والمسلم عندما يدفع الزكاة يقصد بهذا إرضاء الله ونيل عفوه وغفرانه وثوابه،

стр. 376

أما المواطن الذي يدفع الضرائب يقصد بهذا عدم الوقوع تحت طائلة القانون الوضعي والفرق شاسع بين الحالتين. ثالثًا: للزكاة الإسلامية شروط وقواعد ومصارف محددة، فهي تؤخذ من الأغنياء ليستفيد منها الفقراء وأصحاب الحق كما يحددهم القرآن الكريم، بعكس الضرائب التي تؤخذ من المواطنين كي ينفق منها -في بعض الدول كالدول الشيوعية- على الدعايات الكاذبة وعلى بعض الأمور التي لا تحقق الصالح العام. رابعًا: لا تقبل الزكاة الإسلامية إلا من مال طيب حصل على صاحبه من خلال أسلوب حلال. والزكاة حق للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء الذين يخرجونها بدون من ولا أذى، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . وقد نهى الرسول ﷺ السيدة عائشة من أن تتصدق بما لا تأكل. خامسًا: الزكاة تشريع إسلامي يحفظ للفرد استقلاله وحريته في العمل والكسب ويحفظ للمجتمع حقه على الفرد من المعونة والتضامن. وقد حدد الرسول ﵊ مقدار الزكاة والأموال التي تجب فيها والنصاب الذي تجب فيه الزكاة وزمن وجوبها، وجعلها في أربعة أصناف من المال، وهي أكثر الأموال دورانًا بين الناس وهي: الزروع والثمار، وبهيمة الأنعام من إبل وبقر وغنم، والذهب والفضة، وأموال التجارة على اختلاف أنواعها. وقد أوجبها الإسلام مرة كل عام وجعل حول الزروع والثمار -أي زمن وجوبها- عند تمام نضجها. وهذا أمر يحقق العدل لأنه لو أوجبها مرة كل شهر لأضر بأصحاب الأموال، ولو أوجبها مرة في العمر لأضر بالمساكين. ومن عدالة الإسلام أنه فاوت بين المقادير الواجب إخراجها بحسب سعي أرباب الأموال في تحصيلها ومدى سهولة ذلك وصعوبته. وقد حدد القرآن الكريم مصارف الزكاة. وقد ظل القرآن الكريم في عهديه -المكي والمدني- يدفع المؤمنين بأساليب قوية إلى الإنفاق في

стр. 377

سبيل الله -سد حاجة الفقير وإقامة المصالح- دون تحديد للأنواع المالية التي منها ينفقون والمقادير التي لها ينفقون تاركًا هذا الأمر لتقدير المسلمين حسب شعورهم ودوافعهم الإيمانية وإحساسهم بالأخوة الدينية، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] . ومرة أخرى يحدثنا القرآن عن تساؤل المؤمنين حلو الإنفاق قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥] . وبعد أن تركز المسلمون واتسع نطاق حياتهم بالهجرة إلى المدينة وصاروا جماعة متميزة لها منهجها الخاص في الحياة ولها هدفها التي تعمل له، وتهيأت في ظل ذلك نفوسهم لقبول التحديد، امتد بيان الرسول ﵇ إلى هذا الجانب بالتنظيم والتحديد على الوجه الذي يهدف إلى صالح الفرد والجماعة حيث صارت الزكاة ركنا من أركان الدين وفريضة من فرائضه وقرنت بالصلاة وشهادة التوحيد، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] . وقد كانت وصية الرسول ﵊ عندما بعث واليًا على اليمن: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب". وتدل التعاليم النبوية أن الزكاة في نظر الإسلام ليست إلا صرف بعض أموال الأمة -ممثلة في أغنيائهم- إلى الأمة نفسها ممثلة في فقرائها. استخدم القرآن الكريم كلمة الأموال للتعبير بها عن كل ما يتملكه الإنسان ويتخذ وسيلة لعيشه وحفظ كيانه وقضاء مصالحه -وتشمل النقد والماشية والزرع وجميع أوجه الثروة- قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَة

стр. 378

تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤-٢٥] . وجاء في بعض الآيات ذكر الذهب والفضة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] ، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . وقد وقف القرآن الكريم عند هذا الحد الذي قرر عنده مبدأ الإنفاق وأرشد إلى بعض أنواع الأموال تاركًا التفاصيل للرسول ﵊ الذي بين بالتطبيق العملي أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة والمقادير التي يجب إخراجها عن كل نوع. وقد حددت الآية رقم ٦٠ من سورة التوبة الجهات أو الفئات التي تستحق الزكاة شرعًا حيث قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] *.

стр. 379

علاقات العمل في الإسلام: يحثنا الإسلام على العمل والإنتاج وينظم لنا العلاقة بين العمال وأصحاب العمل، على أساس مراقبة الله والإخلاص واتقان العمل وأداء الحقوق. ومن التوجيهات النبوية الكريمة "إن الله يحب إذا عمل أحدكم

стр. 380

عملًا أن يتقنه"، وقال ﵇: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" و "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره" و "أطيب ما أكلتم من كسبكم" و "لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه" و "إخوانكم حولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون فإن كلفتموهم فأعينوهم" و "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي. ثم غدر ورجل باع حرامًا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره". وتشير هذه التوجيهات الإسلامية الكريمة إلى حث المسلمين على العمل والتكسب فهو أكرم للمسلم وأطيب له، كما يحثه على إتقان العمل الذي يكلف به وتجويده والبعد عن الغش فيه. ويستوجب الإسلام من صاحب العمل أن يحدد للعامل نوعية العمل والتزاماته وتحديد الأجر الذي سوف يتقاضاه العامل والمسارعة إلى دفعه بدون مماطلة أو تأخير، هذا إلى جانب أن صاحب العمل يجب أن يحسن معاملة المستخدمين أو العمال وإكرامهم كإخوة في الدين وفي البشرية. ولا تصح الأجرة على المجهول في الإسلام "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره". ويجوز أن تكون الأجرة نقدًا أو مالًا أو منفعة، بشرط أن تكون معلومة. كما يجوز أن يكون العمل لقاء المسكن والملبس والطعام لقوله في حق الأمهات اللاتي يرضعن أو يحضنّ أولادهن ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ [البقرة: ٢٣٣] . وإذا لم يجد المسلم فرصة للعمل فعلى الدولة أن تهيئ له عملًا شريفًا يتكسب به ويتعيش منه. وقد أعطى النبي ﷺ ، رجلا عاطلا قدوما ودرهما وأمره أن يحتطب وبهذا وفر ﵊ للعامل آلة العمل وحثه على الكسب، وهذا هو ما حدا بالإمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" إلى القول بأنه على ولي الأمر تزويد العامل بآلة العمل. أما إذا كان العامل عاجزًا أو شيخًا أو مريضًا لا يمكنه العمل، فإن واجب الدولة أن

стр. 381

تؤمن له حاجاته المعيشية من ملبس ومسكن ومطعم. وقد وجه الإسلام إلى فكرة الضمان الاجتماعي وحماية حقوق الإنسان والتأمينات الاجتماعية بالشكل الإسلامي قبل أن يتنبه إليها الغرب بقرون طويلة. فالإسلام يؤمن الإنسان على أكله وشربه ولبسه ونفقات أسرته ويؤمنه ضد البطالة وضد العجز والشيخوخة، فإذا كان الإنسان عاجزًا عن العمل أو شيخًا هرمًا أو مريضا فإنه يجب على الدولة تأمين حاجاته المعيشية من ملبس ومطعم ومسكن. ولا يقف الإسلام عند هذا الحد من تكريم العامل وصاحب العمل وتأمين العجزة والشيوخ وتحديد العلاقة الاقتصادية والأخلاقية بين العامل وصاحب العمل، وإنما يحدد علماء الاقتصاد الإسلامي الحاجات الحيوية للإنسان في حدها الأدنى -استنادا إلى الكتاب والسنة، بالمأوى والكساء والطعام والماء. وهم يستنبطون هذا التحديد من الآية الكريمة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٧، ١١٨] . ثم يقررون أن كل أجر لا يضمن للعامل أو الموظف حاجاته الأساسية الحيوية تلك لا يقره الإسلام. ويضيفون أن كفاية الأجر لضرورات الحياة أساس أول لقيام المجتمع الإنساني المستقر المتماسك. وإلى جانب هذه الحاجات الحيوية الأساسية ينبغي أن يؤمن للعامل متطلبات التطور الاجتماعي المشروع كالعلاج الطبي وفرص التعليم٣٣ ... إلخ. يضاف إلى كل ما سبق أن الإسلام يحث على تنمية أجر العامل، فقد جاء في صحيحي البخاري ومسلم أن ثلاثة رهط سد عليهم باب مغارة فدعا كل واحد منهم بصالح عمله، ومن قول ثالثهم: "اللهم إني كنت استأجرت أجراء فأعطيتهم أجورهم غير رجل واحد ترك أجره وذهب، فثمرته له حتى كثرت منه الأموال. فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدِّ إلى أجري. فقلت كل ما ترى من البقر والغنم والإبل والرقيق أجرك ... اذهب فاستقه. فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي. فقلت إني لا أستهزئ بك. اذهب فاستقه فأخذه كله".

стр. 382

الواقعية الاقتصادية في الإسلام -تكافؤ الفرص وتفاوت الثروات وأوجب الإسلام على كل قادر على العمل أن يعمل وأن يلتمس رزقه وأن يكتسب حماية له من التسول وسؤال الناس -أعطوه أو منعوه- وحفاظًا على كرامته وكرامة أسرته وحماية للمجتمع من العاطلين الفاسدين المفسدين ... وأوجب الإسلام على الدولة تأمين العمل للقادرين وتأمين الحاجات الأساسية للعجزة والشيوخ والمحتاجين، وأوجب على الأغنياء أداء الزكاة وهي حق معلوم من أموالهم للفقراء والمحتاجين، وقد جعل الله في غنى الأغنياء سعة لذوي الحاجات. وعلى الدولة الإشراف على أداء الزكاة وضمان إخراجها، ويأمر الإسلام بالتعاون بين الناس في البر والتقوى وتحقيق التوازن داخل المجتمع ... غير أن هذا ليس معناه تحقيق المساواة الحسابية بين الناس وجعل الأغنياء والفقراء سواء -كما يريد أصحاب بعض المذاهب الهدامة- ذلك لأن الإسلام دين الفطرة يتسم في نظمه الاقتصادية بالواقعية الأخلاقية، فهو يعترف بالواقع وبالتفاوت بين الأفراد في الملكات والمواهب والاستعدادات والميول والذكاء والقدرات والجهود ... فلكل سعيه وجهده ومقدرته على الكسب، وخبرته في العمل. وقد بحث بعض الفقهاء -مثل أبي عبيد القاسم في كتابه الأموال، وأبي يوسف في كتابه الخراج- في القوانين الاقتصادية على أساس تحقيق العدلة الاجتماعية والفرصة المتكافئة بين الناس عامة٣٤.. مع ترك المواهب والقدرات الذهنية والبدنية تعمل في نطاق الغاية العظمى التي يهدف الإسلام إلى تحقيقها في كل تشريعاته وهي المصلحة العامة والعدالة وعدم التعسف. قال عمر بن الخطاب: الرجل وبلاؤه.. الرجل ووفاؤه.. الرجل وقدمه.. الرجل وحاجته. ويقر الإسلام حقيقة التفاوت الفطري بين الناس في القدرات والاستعدادات والمساعي والأرزاق٣٥. قال تعالى:

стр. 383

﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف: ٣٢] . ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] . ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [العنكبوت: ٦٢] . ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢] . ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥] . وبهذا الشكل المعجز يحقق الإسلام فكرة التوازن والوسطية بشكل يعترف بتفاوت الثروة والملكية بين الناس في إطار المشروعية والعدل والفرصة المتكافئة. فالعدالة لا تعني التسوية الحسابية بين الناس كما يذهب الماركسيون؛ لأن تفاوت الناس في قدراتهم وذكائهم واستعدادهم وخبراتهم وسعيهم حقيقة واقعية، هذا إلى جانب أن هذه المساواة الحسابية المزعومة تقضي على حوافز المجتهدين للعمل وبذل الجهد الفكري والمادي كما تقتضي على كل تطلع وطموح نحو الأحسن وتحيل المحتمع إلى قطيع من الناس وتشيع فيهم روح التذمر والحقد لأن المجتمع سلبهم تطلعاتهم ودوافعهم وحوافزهم الفطرية وحقهم في التفوق والحصول على نتائج جهدهم المشروع. ولعل هذه الحقيقة هي ما جعلت المجتمعات التي تدعي التحول نحو الماركسية إلى التراجع الجزئي عن الفكرة المحورية في النظرية الماركسية من كل بحسب جهده إلى كل بحسب حاجته حيث أباحت الكثير من هذه المجتمعات حق الملكية الفردية كما أباحت فكرة الحافز الفردي والربح كمعيار للإنتاجية، بعد أن اتضح تطبيقيًّا زيف فكرة المساواة الحسابية. كذلك فإن العدالة لا تعني ترك الثروات الفردية تنمو وتتضخم دون حد كما تدعو إلى هذا الرأسمالية بمفهوم القرن التاسع عشر

стр. 384

وإلا حدث التمزق الاجتماعي وهنا نجد الإسلام يستوجب ضرورة استخدام الأساليب المشروعة في تحصيل الثروة ولا يقر الأساليب غير المشروعة، ويستوجب أداء فرض الزكاة للفقراء والمحتاجين بنسبة محددة تتجدد كل عام، إلى جانب واجبات التكافل الاجتماعي. يضاف إلى هذا كله تفتيت الثروة بالميراث.

стр. 385

العدالة الاقتصادية في الإسلام: يدعي كل مذهب من المذاهب الاقتصادية المعاصرة أنه وحده الذي يحقق العدالة الاجتماعية والاقتصادية تماما كما هو الحال بالنسبة لإشراك الشعب أو الشورى أو ما يطلق عليه بالمصطلح اليوناني الديمقراطية. غير أن مفهوم العدالة والشورى والديمقراطية والحرية مختلف عليه أشد الاختلاف بين هذه المذاهب. فالعدالة في النظام الرأسمالي تتحقق بإتاحة الفرصة أمام الناس للتملك بغير محدود، في حين أن العدالة في ظل النظام الماركسي تتحقق من خلال إلغاء الملكية الفردية، ويسود النظام الرأسمالى حرية السوق أو اقتصاديات السوق في حين أن الاقتصاد الذي يسود في النظم الماركسية هو الاقتصاد المخطط بمفهومه الماركسي ... والحرية في النظام الرأسمالي تتمثل في ترك الاقتصاد للنشاط الفردي دون تدخل الدولة، كما تتمثل في سيادة حريات العقيدة والاجتماع والعمل والتشغيل وتكوين الأحزاب ... أما الحرية في ظل النظم الماركسية فإنها تتمثل في تملك الدولة لوسائل الإنتاج وقيام الدولة بكل الوظائف الاقتصادية وتحويل الناس إلى مأجورين عند الدولة، مع عدم إتاحة الفرصة للاختلاف وإلغاء الحريات الفردية كحرية الاعتقاد والاجتماع والمعارضة وإبداء الرأي ... ولهذا فإن النظم الماركسية والنازية والفاشية تدرج كلها دستوريا ضمن النظم الدكتاتورية التسلطية*.

стр. 386

وفي مقابل هذا التخبط بين الإفراط والتفريط نجد أن الاقتصاد الإسلامي يحقق التوازن الدقيق بين حاجات الإنسان الفطرية والمكتسبة وبين حاجات الجماعة والمجتمع، بشكل يؤدي إلى التكامل الاجتماعي social intigration. فالفرد في النظام الإسلامي مطالب بالعمل والتكسب طالما أنه قادر على ذلك وهو عندما يعمل ويتكسب من حقه تملك ما يحصل عليه بالطرق الشرعية القانونية الخالية من الاستغلال والإضراب بمصالح الآخرين، وهذا هو ما يبرر الحق في التملك، نتيجة الميراث ونتيجة الجهد والعمل المشروع -وعلى المالك الذي من حقه تنمية ممتلكاته أن يؤدي فريضة الزكاة حيث يخرج من ماله- بالنسب التي حددها الشرع؛ ليعطي الفقراء والمحتاجين، إلى جانب ما يخرجه تطوعا لأداء واجب التكافل الاجتماعي. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسمله، ومن تركه يجوع ويعرى - وهو قادر على إطعامه وكسوته- فقد أسلمه" وصح عنه ﵇ أنه قال: "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له"، ويقول المحدث: ثم ذكر أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منها في فضله. ويقول عمر بن الخطاب: "لو استقبلت من امرئ ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين". والدولة الإسلامية لا تكتفي بالإشراف على أداء الأغنياء لفرض الزكاة وواجبات التكافل الاجتماعي وإيجاد فرص العمل للقادرين عليه ومنع الأساليب غير المشروعة -كالربا والغش والاحتكار- في التعاملات الاقتصادية، والقيام بالمشروعات التي يعجز عنها الأفراد أو التي يجب أن تقوم بها الدولة حماية للصالح العام ... إلخ، ولكنها تراقب ممارسة الفراد لحريتهم المقررة ومن حقها -في بعض الحالات- التدخل للحد من هذه الحريات تحقيقا لصالح المجتمع والجماعة المسلمة. وليس أدل على ذلك مما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في عام المجاعة، فلما وجد أن

стр. 387

القحط قد اشتد وأن الطعام قد ندر وأن الناس متفاوتة الأرزاق بشكل واضح، وأحس أن من بين رعيته من ينام على الطوى جائعا ومنهم من يختزن أكثر من كفايته، صادر الكثير من الطيبات وأودعها بيت المال وقسمها على الناس كل بقدر حاجته -طبقا لإحصاءات دقيقة- ولم يعترض عليه أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، بل أقروه فيما عمل. والحاكم الإسلامي مطالب بتحقيق وتطبيق العدل الاجتماعي والاقتصادي بين الناس، وهو مطالب بالبدء بنفسه أولا كقدوة، فالمال مال الله ليس أحد أحق به من أحد، وقال ﵇: "ما أعطيكم ولا أمنعكم إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت" وقال عمر بن الخطاب: "والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد، وما أنا أحق به من أحد، والله ما من المسلمين أحد إلا وله في هذا المال نصيب. ولئن بقيت لكم ليأتي الراعي بجبل صنعاء حظه من هذاالمال وهو يرعى مكانه". وقد فرض عمر في بيت المال فروضا شهرية لكل رجل ولكل امرأة ولكل صغير وكبير، بل أنه فرض لكل طفل يولد بمجرد ولادته. ويشير الكاتب الهندي الدكتور محمد يوسف الدين في بحث له بمجلة البعث الإسلامي إلى أن نظام الحكم في الإسلام يقوم على الأخوة الإنسانية والعدالة الاقتصادية، وأن الدول الحاضرة لو طبقت نظام الاقتصاد الإسلامي لتمتع كل فرد بحقوق اقتصادية متساوية. وأشار إلى أن عمر بن الخطاب عندما نظم للناس مخصصات شهرية عام الرمادة لم يحدد الرواتب بالحدس والتخمين، وإنما قام بتعيين مقادر الطعام لكل فرد استنادا إلى إحصاءات دقيقة. وقد أنشأ عمر بن الخطاب في العام العشرين للهجرة إدارة حكومية أطلق عليه اسم الديوان، كانت مهمتها إحصاء السكان على فترات معينة. وعلى هذا الأساس كانت تحدد أنصب كل فرد من بيت المال. وتطبيقا لمبدأ المساواة الاقتصادية بين الحاكم والمحكوم أرسل عمر إلى عبد الرحمن بن عوف الصحابي الثري المعروف يقترض منه أربعمائة

стр. 388

درهم. فقال له ابن عوف: أتستسلفني وعندك بيت المال؟ ألا تأخذ منه ثم ترده؟ فقال عمر: إني أتخوف أن يصيبني قدري فتقول أنت وأصحابك اتركوا هذا لأمير المؤمنين ... حتى يؤخذ من ميزاني يوم القيامة، ولكني أستلفها منك فإذا مت جئت فاستوفيتها من ميراثي" ويذكر ابن سعد في طبقاته أن عمر رؤي أسود اللون في هذه النازلة التي نزلت بالمسلمين عام الرمادة وقد كان أبيضه.. فقيل: مم هذا؟ ويأتي الجواب: إنه ﵁ كان يأكل السمن واللبن فلما أمحل الناس أكل الزيت حتى تغير لونه، وقد حلف ألا يأكل لحما ولا سمنا حتى يحيا الناس. وعمر نفسه هو الذي قال لعقبة بن فرقد -وقد زاره في بيته- كما يروي البلاذري في "فتوح البلدان" فرآه يأكل طعاما خشنا لا يستطاب ... فقال له ألا تأكل في طعامك سميدا؟ فرد عليه عمر: بئس الخليفة أنا إذا أكلت طعاما جيدا وتركت الناس يأكلون طعاما خشنا. وقد فعل الصحابة رضوان الله عليهم نفس الشيء ليضربوا المثل ويكونوا قدوة للأمة الإسلامية في كيفية سلوك القائد والبدء بأنفسهم من كل التوجيهات الدينية. فقد جيء لأبي عبيدة عامر بن الجراح -خلال قيادته للجيش الإسلامي في حرب فارس- بطعام شهي خاصا به فرده وقال: بئس الرجل أبو عبيدة إذا خص نفسه بشيء دون من يقاتلون معه ويريقون دماءهم، والله إن أبا عبيدة لا يأكل من الطعام إلا ما أكله المسلمون كلهم. وقد اعترف باحث فرنسي اعتنق الإسلام بعد دراسة واقتناع وهو -ليون رونتي- في كتابه "ثلاثون عاما في الإسلام" بانفراد الدين الإسلامي في تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية بشكل معجز. يقول هذا الكاتب: "إن هذا الدين الذي يعيبه الكثيرون هو أفضل دين عرفته، فهو دين طبيعي واقتصادي وأدبي ... ولقد وجدت فيه حل المسألتين الاجتماعية والاقتصادية اللتين تشغلان بال العالم طرا: الأولى في قول القرآن الكريم ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ فهذه أجمل مبادئ التعاون الاجتماعي. والثانية

стр. 389

بفريضة الزكاة في مال كل ذي مال بحيث يحق للدولة الإسلامية أن تستوفيها غصبا إذا امتنع الأغنياء عن دفعها طوعا٣٦.

стр. 390

أسلوب مواجهة الإسلام للمشكلات الاقتصادية مدخل ... أسلوب مواجهة الإسلام للمشكلات الاقتصادية: يتسم الأسلوب الإسلامي في الحيلولة أصلا دون ظهور المشكلات من خلال تطبيق مقتضيات وتعليمات الشريعة السمحة، فإذا ظهرت مشكلات اتسم أسلوب المواجهة بالجذرية والعمق والرشد. وسوف نركز هنا على بعض المشكلات كالفقر والبطالة والطبقية.
следующие страницы →