← Общие книги

Общие книги · id 11075

بناء المجتمع الإسلامي

نبيل السمالوطي

Полный текст (518 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وفي مقابل هذا التخبط بين الإفراط والتفريط نجد أن الاقتصاد الإسلامي يحقق التوازن الدقيق بين حاجات الإنسان الفطرية والمكتسبة وبين حاجات الجماعة والمجتمع، بشكل يؤدي إلى التكامل الاجتماعي social intigration. فالفرد في النظام الإسلامي مطالب بالعمل والتكسب طالما أنه قادر على ذلك وهو عندما يعمل ويتكسب من حقه تملك ما يحصل عليه بالطرق الشرعية القانونية الخالية من الاستغلال والإضراب بمصالح الآخرين، وهذا هو ما يبرر الحق في التملك، نتيجة الميراث ونتيجة الجهد والعمل المشروع -وعلى المالك الذي من حقه تنمية ممتلكاته أن يؤدي فريضة الزكاة حيث يخرج من ماله- بالنسب التي حددها الشرع؛ ليعطي الفقراء والمحتاجين، إلى جانب ما يخرجه تطوعا لأداء واجب التكافل الاجتماعي. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسمله، ومن تركه يجوع ويعرى - وهو قادر على إطعامه وكسوته- فقد أسلمه" وصح عنه ﵇ أنه قال: "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له"، ويقول المحدث: ثم ذكر أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منها في فضله. ويقول عمر بن الخطاب: "لو استقبلت من امرئ ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين". والدولة الإسلامية لا تكتفي بالإشراف على أداء الأغنياء لفرض الزكاة وواجبات التكافل الاجتماعي وإيجاد فرص العمل للقادرين عليه ومنع الأساليب غير المشروعة -كالربا والغش والاحتكار- في التعاملات الاقتصادية، والقيام بالمشروعات التي يعجز عنها الأفراد أو التي يجب أن تقوم بها الدولة حماية للصالح العام ... إلخ، ولكنها تراقب ممارسة الفراد لحريتهم المقررة ومن حقها -في بعض الحالات- التدخل للحد من هذه الحريات تحقيقا لصالح المجتمع والجماعة المسلمة. وليس أدل على ذلك مما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في عام المجاعة، فلما وجد أن

стр. 387

القحط قد اشتد وأن الطعام قد ندر وأن الناس متفاوتة الأرزاق بشكل واضح، وأحس أن من بين رعيته من ينام على الطوى جائعا ومنهم من يختزن أكثر من كفايته، صادر الكثير من الطيبات وأودعها بيت المال وقسمها على الناس كل بقدر حاجته -طبقا لإحصاءات دقيقة- ولم يعترض عليه أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، بل أقروه فيما عمل. والحاكم الإسلامي مطالب بتحقيق وتطبيق العدل الاجتماعي والاقتصادي بين الناس، وهو مطالب بالبدء بنفسه أولا كقدوة، فالمال مال الله ليس أحد أحق به من أحد، وقال ﵇: "ما أعطيكم ولا أمنعكم إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت" وقال عمر بن الخطاب: "والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد، وما أنا أحق به من أحد، والله ما من المسلمين أحد إلا وله في هذا المال نصيب. ولئن بقيت لكم ليأتي الراعي بجبل صنعاء حظه من هذاالمال وهو يرعى مكانه". وقد فرض عمر في بيت المال فروضا شهرية لكل رجل ولكل امرأة ولكل صغير وكبير، بل أنه فرض لكل طفل يولد بمجرد ولادته. ويشير الكاتب الهندي الدكتور محمد يوسف الدين في بحث له بمجلة البعث الإسلامي إلى أن نظام الحكم في الإسلام يقوم على الأخوة الإنسانية والعدالة الاقتصادية، وأن الدول الحاضرة لو طبقت نظام الاقتصاد الإسلامي لتمتع كل فرد بحقوق اقتصادية متساوية. وأشار إلى أن عمر بن الخطاب عندما نظم للناس مخصصات شهرية عام الرمادة لم يحدد الرواتب بالحدس والتخمين، وإنما قام بتعيين مقادر الطعام لكل فرد استنادا إلى إحصاءات دقيقة. وقد أنشأ عمر بن الخطاب في العام العشرين للهجرة إدارة حكومية أطلق عليه اسم الديوان، كانت مهمتها إحصاء السكان على فترات معينة. وعلى هذا الأساس كانت تحدد أنصب كل فرد من بيت المال. وتطبيقا لمبدأ المساواة الاقتصادية بين الحاكم والمحكوم أرسل عمر إلى عبد الرحمن بن عوف الصحابي الثري المعروف يقترض منه أربعمائة

стр. 388

درهم. فقال له ابن عوف: أتستسلفني وعندك بيت المال؟ ألا تأخذ منه ثم ترده؟ فقال عمر: إني أتخوف أن يصيبني قدري فتقول أنت وأصحابك اتركوا هذا لأمير المؤمنين ... حتى يؤخذ من ميزاني يوم القيامة، ولكني أستلفها منك فإذا مت جئت فاستوفيتها من ميراثي" ويذكر ابن سعد في طبقاته أن عمر رؤي أسود اللون في هذه النازلة التي نزلت بالمسلمين عام الرمادة وقد كان أبيضه.. فقيل: مم هذا؟ ويأتي الجواب: إنه ﵁ كان يأكل السمن واللبن فلما أمحل الناس أكل الزيت حتى تغير لونه، وقد حلف ألا يأكل لحما ولا سمنا حتى يحيا الناس. وعمر نفسه هو الذي قال لعقبة بن فرقد -وقد زاره في بيته- كما يروي البلاذري في "فتوح البلدان" فرآه يأكل طعاما خشنا لا يستطاب ... فقال له ألا تأكل في طعامك سميدا؟ فرد عليه عمر: بئس الخليفة أنا إذا أكلت طعاما جيدا وتركت الناس يأكلون طعاما خشنا. وقد فعل الصحابة رضوان الله عليهم نفس الشيء ليضربوا المثل ويكونوا قدوة للأمة الإسلامية في كيفية سلوك القائد والبدء بأنفسهم من كل التوجيهات الدينية. فقد جيء لأبي عبيدة عامر بن الجراح -خلال قيادته للجيش الإسلامي في حرب فارس- بطعام شهي خاصا به فرده وقال: بئس الرجل أبو عبيدة إذا خص نفسه بشيء دون من يقاتلون معه ويريقون دماءهم، والله إن أبا عبيدة لا يأكل من الطعام إلا ما أكله المسلمون كلهم. وقد اعترف باحث فرنسي اعتنق الإسلام بعد دراسة واقتناع وهو -ليون رونتي- في كتابه "ثلاثون عاما في الإسلام" بانفراد الدين الإسلامي في تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية بشكل معجز. يقول هذا الكاتب: "إن هذا الدين الذي يعيبه الكثيرون هو أفضل دين عرفته، فهو دين طبيعي واقتصادي وأدبي ... ولقد وجدت فيه حل المسألتين الاجتماعية والاقتصادية اللتين تشغلان بال العالم طرا: الأولى في قول القرآن الكريم ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ فهذه أجمل مبادئ التعاون الاجتماعي. والثانية

стр. 389

بفريضة الزكاة في مال كل ذي مال بحيث يحق للدولة الإسلامية أن تستوفيها غصبا إذا امتنع الأغنياء عن دفعها طوعا٣٦.

стр. 390

أسلوب مواجهة الإسلام للمشكلات الاقتصادية مدخل ... أسلوب مواجهة الإسلام للمشكلات الاقتصادية: يتسم الأسلوب الإسلامي في الحيلولة أصلا دون ظهور المشكلات من خلال تطبيق مقتضيات وتعليمات الشريعة السمحة، فإذا ظهرت مشكلات اتسم أسلوب المواجهة بالجذرية والعمق والرشد. وسوف نركز هنا على بعض المشكلات كالفقر والبطالة والطبقية.

стр. 391

مواجهة الإسلام لمشكلة الفقر مدخل ... أولا: مواجهة الإسلام لمشكلة الفقر: يقر الإسلام مبدأ الفروق الفردية بين الناس في قدراتهم وظروفهم واستعداداتهم وثرواتهم، واعتبر الإسلام أن الفقر والغنى حقيقتان ثابتتان من طبيعة الوجود الإنساني والاجتماعي، قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] . غير أن الإسلام لا يسمح أن يذل الفقير ولا أن يتغطرس الغني فيكون الحقد الطبقي والصراع الاجتماعي المدمر واستغلال بعض الناس موقفهم على السلم الاقتصادي لنيل امتيازات غير مشروعة. وقدم الإسلام نظاما متكاملا لمواجهة الفقر أوجز أهمها فيما يلي: أ- تمكين كل قادر على العمل أن يعمل كواجب من واجبات الدولة سواء أكان عملا ذهنيا أو يدويا، وقد حث النبي ﷺ على العمل اليدوي حيث قال ﵇: "ما أكل ابن آدم طعاما خيرا من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يديه" وقد ذكر نبي الله داود بالذات لأنه كان قائدا عظيما وملكا ذا سلطان، وتحت يده خزائن الدولة لو أخذ منها ما يكفيه وأهله بالمعروف ما كان عليه غضاضة فيا يأخذ لكنه آثر أن يأكل من عمل يديه لينال ذلك الكسب

стр. 392

الطيب الذي هو خير كسب. وقد جاء رجل إلى النبي يطلب منه صدقة من بيت المال فوجده النبي ﷺ قويا قادرا فلم يعطه مالا ينفق منه، لكنه اشترى له فأسا وأعطاه إياه ليحتطب بها ويأكل من عمل يده. وقال ﵇: "لأن يحتطب أحدكم بفأسه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه". وتكريم الإسلام للعمل اليدوي يؤدي إلى أداء الأعمال اليدوية التي تحتاجها الأمة من جهة، ويمنع الناس من أن يحتقروا بعضهم بعضا، فلا تكون هناك طبقة عاملة تنال الاحتقار، وأخرى -لا يعمل بيدها- تنال التقدير والاعتبار٣٧. ب- تمكين كل ذي موهبة وقدرة من الانتفاع بموهبته وقدرته، فقد قرر فقهاء الإسلام أن كل ما يقوم عليه العمران من هندسة وطب وفرحة للأرض وإقامة المصانع والجهاد في سبيل الله تعالى دفعا للأذى وحماية للحوزة ... واجب على الأمة، وهو واجب على وجه الخصوص على من كان قادرا بالفعل على واحد من هذه الأمور، وواجب على العموم على الأمة ممثلة إرادتها في ولي أمرها والقائمين على شئونها. ومعنى هذا أنه يجب على الدولة الإسلامية تشجيع الكفايات وتنمية قدرات أبنائها ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وقد قدرر بعض فقهاء المسلمين أن إتاحة الفرصة أمام الجميع ليظهروا مواهبهم وقدراتهم إنما يتحقق من خلال نظام تربوي تعليمي متدرج فالمرحلة التعليمية الأولى تكون عامة للأمة كلها، لا يتخلف عنها أحد. ومن كان لديه القدرة على متابعة الدراسة في المرحلة الثانية دخل المرحلة الثانية، أما من وقفت به مواهبه عند المرحلة الأولى، وقف عند أمر يحتاج إليه العمران، حيث يكون من بينهم العاملين بأيديهم في الأرض وفي المتاجر وفي الصناعات اليدوية ... وغير ذلك مما لا يحتاج إلى تخصيص فني مهني رفيع.

стр. 393

ومن ينهي المرحلة الثانية من التعليم أو التأهيل واحد من اثنين، إما أن يكون لديه قدرة على متابعة التعليم في المرحلة الثالثة، حيث يتم التخصص الفني والعلمي والمهني التقدم -طب- قيادة عسكرية، قضاء ... وإما أن يقف عند نهاية المرحلة الثانية بسبب طبيعة قدراته وميوله ... هؤلاء الذين يقفون عند نهاية المرحلة الثانية تحتاج إليهم الأمة ليمارسوا بعض الأعمال التي لا تحتاج إلى تخصص فني متقدم مثل العمالة الفنية في مجال الصناعة وأعمال الحسابات البسيطة ... تلك الأعمال التي لا يكفي لممارستها اجتياز المرحلة التعليمية الأولى فقط٣٨، ولا يدخل المرحلة الثالثة إلا من تؤهله قدراته لهذه المرحلة المتخصصة المتعمقة من الدراسة والتي تخرج المؤهلين تأهيلا رفيعا لتولي مناصب الدولة الحساسة. وهذا يعني أن أبناء كل مرحلة يجب عليهم أداء الأدوار والواجبات كل فيما يخصه ويستطيعه، وعمل الأمة ممثلة في ولي أمرها أن تسهل لهم التعليم والقيام بهذه الواجبات، وأن تؤهلهم التأهيل الذي يمكنهم من أداء دورهم حسب قدرتهم واستعداداتهم الفطرية وميولهم المكتسبة. وهنا تبرز وظيفة الدولة في تأهيل أبناء المجتمع تأهيلا حرفيا ومهنيا، وإذا تركت الأمة هذا الواجب تكون قد باءت بالإثم وتحملت الوزر ولم ينج منه حاكم ولا رعية لأن الفرض الكفائي مطلوب من الأمة بجميع أفرادها القيام به. وقد ذكر الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه الموافقات أن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة فهم مطالبون بسدها على الجملة فبعضهم هو قادر عليها مباشرة وذلك من كان أهل لها، والباقون وإن لم يقدروا عليها قادرون على إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها. فالقادر إذن مطالب بإقامة الفرض، وغير القادر مطالب بتقديم ذلك القادر. وهذا يعني أن الإسلام أوجب على الحاكم القيام بتلك المهمة الشاقة متمثلة في تأهيل جميع الأفراد لما يناسبهم ويستطيعون القيام به٣٩.

стр. 394

ج- أما بالنسبة للعاجزين عن الكسب، بسبب الشيخوخة أو المرض أو الأنوثة أو الصغر أو اليتم ... فإن الإسلام يتكفل بهم حيث يجب على الدولة إعالتهم من بيت المال. فقد قال ﵊: "من ترك مالا فلورثته ومن ترك كلا فإليَّ وعلَيَّ" أي من يموت عن مال فإنه يوزع على ورثته. أما من ترك أشخاصًا كان يعولهم، ولا مال ينفقون منه، فإن محمد بن عبد الله ﷺ يتكفلهم ويتولى الإنفاق عليهم. وقد دبر الإسلام سد حاجة المحتاجين من أبواب ثلاثة تتلاقى فلا تجعل لفقير حاجة لم تسد. وهذه الأبواب هي:

стр. 395

١- بيت مال المسلمين ، فللفقير حق في هذا المال يعطى منه بانتظام.

стр. 396

٢- الزكاة: فإنها تبدأ من الصرف منها للفقراء والمساكين وأبناء السبيل الذين انقطعوا عن أموالهم، وكانوا في أماكن لا مورد لهم فيها فيحق على المسئول عن بيت المال أن يعطيهم من أموال الزكاة.

стр. 397

٣- النفقات الواجبة: فالإسلام أوجب على الغني نفقة قريبه العاجز٤٠ الفقير*. فإذا لم يكن للفقير العاجز قريب غني موسر وجبت نفقته

стр. 398

على خزانة الدولة وينفذ ذلك بالطريق الإداري. ويزيد فقهاء الحنفية أن ولي الأمر إذا لم ينفذ ذلك، كان للقاضي المختص الحكم بتنفيذ هذا بحكم يلزم بيت المال به، والحكم ينفذ في بيت المال الخاص بالضوائع، ذلك لأن بيوت المال تضم أربعة أقسام. أولا: بيت المال الخاص بالجزية والخراج وهذا يصرف منه على مرافق الدولة وعلى فقراء غير المسلمين. ثانيا: بيت المال الخاص بالغنائم، وينفق منه على مرافق الدولة وفقراء المسلمين. ثالثا: بيت المال الخاص بالزكاة، وينفق منه على مستقي الزكاة. رابعا: بيت المال الخاص بالضوائع، وهي الأموال التي لا مالك لها والتركات التي لا وارث لها، وهذا القسم يصرف منه على الفقراء فقط. وقد قال فيه صاحب البحر: "يعطي منه الفقراء العاجزون نفقتهم وأدويتهم ويكفن الفقير والمرضى وعلاجهم وأكفان الموتى الذين لا مال لهم ونفقة اللقيط ونفقة من هو عاجز وليس له من

стр. 399

تجب نفقته ونحو ذلك، وعلى الإمام صرف هذه الحقوق إلى مستحقيها"٤١.

стр. 400

ثانيا: مواجهة الإسلام لمشكلة التمايز والصراع الطبقي: ينظر الإسلام إلى الإنسان على أنه أكرم من في هذا الوجود، وقد اختاره الله تعالى للخلافة عنه في الأرض، وسخر له -الخالق سبحانه- كل ما فيها من جبال وبحار وزرع وضرع، بل سخر له ما في السموات وما في الأرض، وأعطاه من العلم قدرا يستطيع معه تسخير كل ما في الأرض لمصلحته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] وإذا كان معيار التمايز الطبقي في علم الاجتماع يتضمن عدة مؤشرات كالدخل والملكية والتعليم والمهنة وحق السكن....الخ، فإن الإسلام يرفض كل هذه المعاير للتمايز الطبقي ويستدبلها بمعيار آخر وهو معيار التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ٤٩] ، ولا يقيم الإسلام وزنا للتمايز اللوني أو في الثروات أو في الحسب والنسب؛ لأن الله هو الذي قسم بين الناس معيشتهم في الحياة الدنيا وقد أمر الرسول المسلمين بضرورة السمع والطاعة ولو أمر عليهم عبد حبشي أسود طالما أنه يحكم بالشرع، وقد أمر النبي ﷺ بألا ينادي السيد عبده، يا عبدي، وألا يقول العبد لسيده: يا سيدي، بل يقول المالك: فتاي وفتاتي، ويقول العبد: مولاي، أي صديقي الذي أواليه وأنصره، وأمر أن يأكل العبد مما يأكله مالكه ويكسوه مما يكسو بنفسه وأولاده، وقال ﵊: "إخوانكم خولكم ملككم الله إياهم ولو شاء لملكهم إياكم، أطعموهم مما تطعمون، واكسوهم ما تكسون" وقال ﵇: "من لطم عبده فكفارته عتقه" وتشير نصوص القرآن الكريم أن نفس العبد كنفس الحر، فالحر يقتل بالعبد إن قتله ولو كان القاتل سيده، وللعبد حق الشكوى من سيده ومخاصمته في القضاء إذا ما كلفه ما لا يطيق. ويوجب الإسلام على

стр. 401

المالك نفقة مملوكة لو كان لا يعمل شيئا، وإذا كان البعض يقول: إنه كان الأولى بالإسلام أن يمنع الرق ما دامت الكرامة الإنسانية حقا ثابتا لكل إنسان بغض النظر عن اللون والجنس والدين.... فالواقع أن القرآن الكريم لم يرد فيه نص يبيح الرق، وإقرار الرق ثبت من كثرة أوامره بالعتق، ولم يثبت أن الني ﷺ أمر إنشاء رق على حر لا في حرب ولا في سلم، والرق الذي أنشأه الخلفاء في الحروب من بعده كان لعدم وجود نهي صريح عنه، وكان ذلك من قبيل المعاملة بالمثل في الحروب تطبيقا لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ، وكان أعداء المسلمين يسترقون الأسرى من المسلمين، فكانت من المعاملة بالمثل قيام المسلمين باسترقاق أسرى الأعداء، فإذا كان الأعداء لا يسترقون المسلمين، فلا يجب على المسلمين أن يسترقوا أعداءهم لأن أمر الله سبحانه ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ . ثم إن الإسلام فتح باب العتق على مصراعيه. وعلى أولئك الذين يقولون كيف سكت الإسلام على الرق فلم يلغه أن ينظروا إلى أسلوب معاملة أسرى الحروب -حتى في القرن العشرين- والمعاملات السيئة البشعة التي يلقونها من أعدائهم. ويرفض الإسلام معيار التمايز الاقتصادي كأساس لقيام بناء طبقي، فقد قرر الإسلام أن الفقر والغنى حقيقتان من حقائق الوجود الإنساني قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ويقول الشيخ أو زهرة: إن بعض الناس فهموا من هذا أن الإسلام يقر الفقر والغنى ويقر وجود الطبقات بسبب الغنى لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ وذلك الفهم خطأ لأن مؤدى هذا أن يكون اعتراض المعترض بأن القرآن الكريم كان يجب أن ينزل على رجل غني -واردا- والمعنى الصحيح أن الله قسم المعيشة بين الناس، وأن رفع الدرجات قسمة أخرى غير قسمة المعيشة لا يتوقف

стр. 402

على الغنى والفقر. ولذلك قد يكون رفيع الدرجات فقيرا فيرسل رسولا، وإن كان هذا يؤدي إلى أن يتخذ بعضهم بعضا سخريا بأن يسخر الغني الذي لم يؤت درجة رفيعة من الفقير الذي نالها٤٢. ويعترف الإسلامي بالتمايز بين البشر استنادا إلى معيارين فقط: أ- معيار التقوى. ب- معيار العلم والتعلم. يقول تعالى: ﴿يََرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] ويستوجب الإسلام ألا يستعلي الغني على الفقير لغناه، فالفصل عند الله بالتقوى والعمل الصالح والعلم ونشره بين الناس فخير الناس من تعلم القرآن وعلمه، وينطبق مفهوم العلم في القرن الكريم على كل العلوم النافعة سواء العلوم الدينية أو الدنيوية المطلوبة لاستعمار الأرض وتطبيق التوجيهات القرآنية والنبوية في صدد طلب العلم. يقول ﵇: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". وقد حرص الرسول ﵊ إلى تحطيم الحواجز الطبقية وتحطيم المعاملات المتميزة لكل طبقة، حيث منع ﵇ التعالي بالنسب، ويروى أن أحد الصحابة عير آخر بأمه، فقال له النبي ﵇: "أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية". ويروى أنه قال له: "أجاهلي أنت؟ " وقال ﵇: "ليس منا من دعا إلى عصبية" كل ذلك من أجل وقاية المجتمع من الطبقية المتحجرة مع ما تومي إليه من صراع اجتماعي مدمر. وقد حرص الخلفاء الراشدين إلى محو الطبقات القائمة على معايير اقتصادية وأسرية حسب ونسب وقبلية ... من خلال تقريب الضعفاء الفضلاء إليهم. وروي أنه استأذن على عمر بن الخطاب بلال الحبشي وأبو سفيان من نفر من كبار قريش، فدخل إلى عمر الواقف على بابه يقول

стр. 403

بالباب أبو سفيان وبلال فغضب الإمام التقي لأنه قدم أبا سفيان على بلال في الذكر، وقال له قل بالباب بلال وأبو سفيان، وأذن لبلال ولم يأذن لأبي سفيان. وقد منع عمر كبار قريش من أن يذهبوا إلى الأقاليم حتى لا يشكبوا فيه طبقة من الأشراف يتحكمون في الناس باسم السلطان. وقد عمل الإسلام على إزالة الطبقية الاقتصادية من خلال نظم الزكاة والنفقات وكفالة الدولة للفقراء والمحتاجين من العجزة الذين ليس لم أقارب أغنياء، ومن خلال وضع ضوابط للملكية الخاصة، ومن خلال تفتيت ثروة كل جيل بالميراث، كما عمل على إزالة الطبقية النفسية من خلال العبادات الإسلامية، ففي الصلاة يقف الفقير بجوار الغني يجمعها الخضوع للديان، يقولان معا الله أكبر ليشعروا جميعا بالتضامن وقوة الله وجبروته. ويمحي الحج كل الفروق الاجتماعية بين الناس بسبب الملكية أو المهنة أو الجنس أو اللون. ذلك لأن جميع الحجاج ضيوف على الرحمن في بيته الحرام بملابس واحدة يؤدون نفس الشعائر بخشوع يشرعون بعضهم أمام خالقهم مالك كل شيء يطلبون رحمته ويخشون عذابه ... أما الطبقية المعرفية أو العلمية، فالإسلام لا يستخدم مصطلح الطبقة الاجتماعية، إنما يستخدم مفهوم الدرجات، فقد رفع الله العلماء على غيرهم درجات وأوجب عليهم الانتفاع بالعلم في الصالح العام واستعاذ الرسول ﵊ من شر علم لا ينفع. ويوجب الإسلام على العلماء نشر العلم بين الناس وأفضل الناس من تعلم العلم وعلمه.

стр. 404

ثالثا: مواجهة الإسلام لمشكلة البطالة: حارب الإسلام البطالة والتسول وأوجب العمل على كل قادر عليه، لأن العمل هو السبيل الوحيد لتحقيق الآمال وصنع الحضارة الإنسانية وتحقيق التقدم المادي والاجتماعي. وسبق أن أشرنا إلى موقف الإسلام من العمل متمثلا في التوجيهات القرآنية الكريمة والنبوية الشريفة، سواء بالنسبة للعمل الديني أو اليدوي أو العقلي المهني الفني.... وقد لفت القرآن

стр. 405

الكريم أنظار المسلمين إلى مختلف جوانب العمل التي يجب على الإنسان أن يطرقها حيث أبرز للمؤمنين الكنوز التي في الأرض وموارد الرزق في البحار والأسرار التي في الكون، وأشار القرآن الكريم إلى ضرورة إعمال العقل والحواس التي وهبها الله للإنسان -لا ليعبث بها أو يوجهها في الشر- ولكن كي يستخدمها للانتفاع بالكون وما فيه، ذلك أن الكون الذي سخره الله لخدمة الإنسان قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] ، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] ، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾ [الجاثية: ١٢] . فبين بذلك -وغيره- موارد الرزق على كثرتها ومصادر الثروة على اختلافها، وما على الناس بعد ذلك إلا العمل والسعي لاستغلال هذه الموارد الاقتصادية والتمتع بزينة الحياة الدنيا وطيباتها. وقد أمر الإسلام كل مسلم أن يعمل، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] ،وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] ، وإذا كان الإسلام قد طالب كل قادر على العمل أن يعمل لما يحقق له الخير ولمجتمعه، فهناك من يقدرون على العمل لكنهم لا يجدونه٤٣. هنا يأتي دور الحاكم أو الدولة ممثلة في جهاز الحكم. وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ يطلب من أموال الصدقة فنظر إليه الرسول الكريم فوجده إنسانا قويا قادرا على العمل، فقال له: "ألك شيء في بيتك؟ " قال: جلس نجلس عليه وإناء نشرب منه، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "ائتني بهما". فأتاه الرجل بهما فقال: من يشتري، فدفع أحدهما درهما، فقال من يزيد فقال آخر: درهمين، فدفعهما إليه وأعطى الدرهمين له فقال: "اشتر بأحدهما قدوما وحبلا وبالآخر طعاما لعيالك" فاشترى بالدرهم الفأس والحبل فشد النبي ﷺ على الفأس ثم قال: "اذهب فاحتطب وبعه ولا تأتني إلا بعد خمسة عشر يوما". فأتى الرجل النبي ﷺ بعد خمسة عشر يوما ومعه عشرة

стр. 406

دراهم. فقال النبي ﷺ : "هذا خير". ويستنتج الفقهاء من هذا الحديث أن من واجب الحاكم الإسلامي تأمين العمل للقادر عليه أي تأمين الناس ضد البطالة، وعلى الدولة تأمين وسائل العمل للعمال، بغض النظر عن درجة بساطتها وتعقيدها. وقد ترك الحديث للحاكم طريقة تأمين العمل على حسب الظروف المتغيرة للحياة الاجتماعية. فالحديث قد وضع القاعدة العامة، وترك أمر التطبيق مرنا. حيث يمكن تشغيل العمال بتأمين المال لهم أو وسيلة العمل أو تشغيلهم في مشروعات الدولة. وقد خول الفقه الإسلامي للحاكم المسلم الحق في إلزام أصحاب الأعمال -إذا امتنعوا عن تشغيل العمال ظلما- بالعمال الذين يجيدون هذه الأعمال وله الحق كذلك في إلزام العمال الراغبين عن العمل -بضرورة ممارسة العمل- إذا اقتضت المصلحة ذلك. فقد ذكر ابن قيم الجوزية ﵀ في كتابه "الطرق الحكيمة" بعض ما بين أن بعض الأعمال قد تكون فرض عين على بعض الأشخاص القادرين عليها في حال عدم وجود غيرهم، وقد تكون فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين فقال: فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صارت هذه الأعمال متحتمة عليهم ويجبرهم ولي الأمر على فعلها بعوض المثل، ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل، ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم، كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم من صناعة الفلاحة أن يقوم بها وألزم الجند ألا يظلموا الفلاح كما يلزم الفلاح أن يفلح، فإن الجند في هذه الحالة إذا احتاجوا إلى فلاحة الأرض فقد يلزم الحاكم من صناعته الفلاحة أن يقوم بها. وهؤلاء العمال ليسوا من الذين أجروا عقد العمل مع صاحب الأراضي الزراعية إنما الحاكم هو الذي يقوم بتوزيع العمال على هذه الأراضي بشرط أن يعطي العمال أجر المثل بلا وكس ولا شطط، حتى لا يهضم حق أحد الطرفين، العامل الزراعي وصاحب الأرض. ويستطيع الحاكم تنظيم مكاتب لتسجيل العمال العاطلين الراغبين في العمل، ويلزم

стр. 407

أصحاب الأعمال في بعض الصناعات أو الأعمال باستخدام العمال وفقا لقرار من الحاكم تحقيقا للمصحلة العامة. وقد نبه الإسلام إلى خطورة البطالة وإلى ما يمكن أن تؤدي إليه من انحرافات فكرية وسلوكية وإلى الجرائم، فقد قال الإمام أحمد: "إذا جلس الرجل ولم يحترف دعته نفس إلى ما يأخذ ما في أيدي الناس". فالبطالة مدعاة إلى ارتكاب جريمة السرقة كما قال الإمام أحمد، وكثيرا ما تصاحب جرائم السرقة جرائم قتل، حيث يدبر السارقون القتل إخفاء لمعالم الجريمة. وقد سأل بعض الصحابة عروة بن الزبير فقال: ما شر شيء في العالم؟ قال البطالة٤٤. ويصنف الإسلام البطالة إلى قسمين وهما: أ- بطالة المضطر: وتتمثل في اضطرار الناس إلى البطالة مع وجود القدرة على العمل والرغبة فيه والحاجة إليه نتيجة لعدم وجود فرص للعمل، أو الرغبة فيه والحاجة إليه نتيجة لعدم وجود فرص للعمل، أو الرغبة في العمل مع وجود مانع في العجز أو المرض يمنع صاحبه من إمكانية ممارسة العمل. ب- بطالة الكسول: فالكسول هو الشخص القادر الذي يجد أن أبواب العمل مفتوحة أمامه لكنه مع هذا يتوانى عن الالتحاق به كسلا ويعيش عالة على الناس دون استحياء، وقد يلجأ، في سبيل التعيش إلى الأساليب غير المشروعة دون وازع من دين أو خلق. والإسلام يحارب البطالة بكل أشكالها وأنواعها، فبطالة المضطر تواجهها الدولة فالحاكم مسئول عن تدبير عمل شريف لكل قادر عليه. أما بطاقة الكسول فإن الإسلام ينكرها ويحاسب عليها الدولة والفرد معا، فالإسلام يحارب البطالة ولو كانت بحجة التفرغ للعبادة. وقد قال عمر بن الخطاب إني لأرى الرجل يعجبني فأقول: هل له حرفة؟ فإن قيل لا سقط من عيني.

стр. 408

وقد رسم الإسلام طريقا للتأهيل المهني للمسلمين يقوم على نظام تعليمي متدرج تؤهل كل مرحلة لممارسة أعمال معينة تعد من فروض الكفاية في المجتمع. وقد سبق أن أشرنا إليه في فقرة سابقة. ولا ينبغي لولاة الأمر في المجتمع الإسلامي أن يلجئوا إلى سياسة الإعانة حتى يقطعوا كل سبيل إلى تأمين العمل ومواجهة البطالة، على أن قلة العاطلين تعني توجيه القوة البشرية القادرة للعمل المنتج من جهة، كما تكفل لكل عاطل -بسبب خارج عن إرادته- نصيبا كافيا من مال الدولة. والإسلام لا يحارب بطالة المسلمين فقط داخل الدولة الإسلامية، لكنه يؤمن كل عضو داخل المجتمع الإسلامي ضد البطالة -ولو كان من غير المسلمين- لقد مر عمر بن الخطاب على يهودي يسأل الناس -فسأله عن سبب سؤاله- فقال العجز والجزية، فقال عمر: ما أنصفناك، أكلنا شبابك ونتركك في شيبتك، ثم أمر خازن بيت المال بإسقاط الجزية عن اليهودي وفرض له ولأمثاله نصيبا من بيت مال المسلمين، وهذا السمو في معاملة الإنسان كإنسان تعجز النظم الوضعية عن تصورها، صنع الله الذي أتقن كل شيء

стр. 409

تحقيق الاستقلال الاقتصادي للمجتمع الإسلامي: ويستهدف الإسلام من توجيه أبنائه إلى مختلف المسالك المشروعة لتحصيل الثروة الاقتصادية وتنميتها -زراعة وصناعة وتجارة- تحقيق مبدأ استقلال الجماعة الإسلامية، وقد أرشدنا الإسلام إلى أن تحقيق الاستقلال الاقتصادي شرط أساسي لتحقيق الاستقلالين السياسي والاجتماعي. ويدلنا التاريخ إلى أن الكثير من ألوان الاستعمار التقليدي والحدث إنما دخل إلى الشعوب تحت شعار محاولة التنمية الاقتصادية*. وإذا كان من قضايا

стр. 410

العقل والدين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكانت الحياة متوقفة على عمد الاقتصاد الثلاث: الزراعة والصناعة والتبادل. كانت هذه العمد الثلاثة واجبة وكان تنسيقها على الوجه الذي يحقق خيرها واجبا٤٥.

стр. 411

التوجيه الاقتصادي في الإسلام: وواجب الحكم المسلم العمل على تنمية اقتصادياتها والتنسيق بين جوانب الثروة في المجتمع بحيث لا يترك الأموال تتكدس وتتركز في ميدان اقتصادي واحد دون سواه، فلا عليه أن يحول بعضا من الاستثمارات الزراعية في اتجاه التجارة أو الصناعة على حسب حاجة المجتمع ومصلحته العليا وما يحقق نموه الاقتصادي، وبالتالي يحقق قوته وعزته، ويجنبه الاعتماد المطلق على المجتمعات الأخرى، ذلك الاعتماد الذي يفتح باب الاستعمار بشتى ألوانه. ولا يعد هذا التنسيق الاقتصادي من جانب الحاكم المسلم تقييدا لحرية الملكية إنما هو توجيه يحقق صالح المجتمع، وإذا أهمله الحاكم كان آثما٤٦. ونظرا إلى أن فائدة المال واستثماراته وتوجيهاته في مسارات بعينها تعم المجتمع كل في مشكل عماله وأرباح وأجور وتوافر للسلع واستقلال اقتصادي ... إلخ، أضافه الله سبحانه تارة إلى نفسه، وجعل المالكين له مستخفلين في حفظه وتنميته وإنفاقه أو استهلاكه حسب توجيهاته سبحانه حيث قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِِ﴾ [الحديد: ٨] وأضافه الله تارة إلى الجماعة وجعله كله بتلك الإضافة ملكا لها حيث قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وقال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] وهذا يعني أن الاعتداء عليها أو التصرف السيئ فيها هو اعتداء أو تصرف سيئ واقع على الجمع. ولا شك أن هذا أمر منطقي متفق مع ما قرره الإسلام من أن المال أداة لصالح المجتمع كله به تحيا

стр. 412

الأرض وتقام الصناعات أو التنظيمات الصناعية ويتم التبادل التجاري، وبه يساهم أصحابه في سد حاجة المحتاجين وتأسيس المشروعات العامة النافعة، وإن لم يكن بعاطفة التعاون والتراحم، فبحكم الفرض الذي أوجبه الله في أموال الأغنياء للفقراء وفي سبيل الله، وبحكم الضرائب التي يفرضها ولي الأمر حسب تقدير ما تحتاج إليه البلاد من مشروعات الإصلاح والتنمية وقد حرص القرآن الكريم على حث المؤمنين على البذل للفقراء والمساكين وفي سبيل الله، وهذه الكلمة الأخيرة من الكلمات الفذة التي جاء بها القرآن الكريم حيث تملأ القلب روعة وجلالا ولا يخرج عن معناها نوع ما من أنواع البر والخير العام أو الخاص. وقد حض الإسلام أتباعه على تملك الأموال وتنميتها بالأساليب المشروعة، وأراد بذلك تحقيق الاكتفاء الذاتي داخل المجتمع من خلال إنتاج الأغذية التي تنبتها الأرض ومختلف الصناعات المدنية والعسكرية والمعمارية.... وقد تحدث فقهاء الإسلام في عصورهم الأولى عن هذه القضية، وجعلوا تعلم هذه الصناعات ووجودها في المجتمع من فروض الكفاية، فإذا لم يتحقق في الأمة أثمت إثما لا يرتفع عنها إلا إذا قامت كل طائفة بواجبها في قطاع معين من قطاعات الاقتصاد. وقد أوضح ابن تيمية في كتابه "الحسبة" أن واجب الدولة أن تتدخل بالتنظيم والإجبار لإيجاد حاجات الأمة من الصناعات والزراعات والمرافق المعاشية العامة، ولإعداد من يصلحون لها ويقومون بها٤٧. كذلك ذهب إلى أن من واجب الدولة التدخل في تحديد أجور العمال وأسعار اسلع في حالة المغالاة. وهذا الرأي نفسه قد ذكره الشيخ محمود شلتوت في دراسته بعنوان "الإسلام عقيدة وشريعة". وهذا يؤكد أن النظام الاقتصادي الإسلامي يستند إلى الواقعية الأخلاقية ويقوم على فكرة التوازن الدقيق بين الفردية والجماعية على العكس من المذاهب الوضعية -الرأسمالية والشيوعية- التي تطرفت في صالح أحد الجوانب -الفردية أو الجماعية.

стр. 413

ولم يدرك الغرب إلا أخيرا فكرة التوازن الاقتصادي التي سبق أن أشار بها الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، وهو توازن لا ينجرف نحو الفردية المسرفة المهمة لصالح الجماعة ولا إلى الجماعية المتطرفة المهملة للإنسان كإنسان له عزته وكرامته. وإذا كان مبدأ الاقتصاد الموجه controlled economy يختلف من مجتمع لآخر ولم يطبق في العالم الغربي إلا بعد ظهور التصدع داخل مجتمعات الغرب نتيجة لتطبيق الرأسمالية بشكلها السافر خلال القرن التاسع عشر وما أدت إليه من بطالة دورية وانخفاض في مستوى معيشة العمال واحتكارات وكساد اقتصادي وأساليب استغلالية واستعمارية، وكرد فعل في مواجهة النظام الشيوعي الهدام ... فإن الإسلام سبق أن وضع لنا نظاما للاقتصاد الإسلامي الموجه طبقا لمبادئ تحقق التوازن بين الفردية والجماعية، وبين حرية الإنسان المسلم وواجباته الدينية والاجتماعية، كما تحقق النمو الاجتماعي والاقتصادي للإنسان والمجتمع في ضوء العدالة والمساواة والأخوة بالمفهوم الإسلامي الصحيح وليس بمفاهيم الغرب أو الشرق النسبية الزائفة.

стр. 414

الوظائف الاقتصادية للدولة طبقا للنظام الاقتصادي الإسلامي مدخل ... الوظائف الاقتصادية للدولة طبقا للنظام الاقتصادي الإسلامي: لا تقف الدولة في الإسلام بمعزل عن النشاط الاقتصادي -كما ينادي بهذا فلاسفة الرأسمالية- كما أنها لا تفرض نفسها بشكل كلي على كل جزيئات النشاط الاقتصادي -كما ينادي بهذا فلاسفة الماركسية- وإنما يكون تدخل الدولة بالقدر الذي يحقق أهم وظائف الدولة الإسلامية وهو تحقيق الخير العام وصالح الجماعة بالمفهوم الإسلامي. وهذه المصالح ليست قاصرة على إقرار الأمن الداخلي والدفاع عن حدود البلاد -كما هو الحال في الدولة الحارسة أو البوليسية في النظام الرأسمالي- وإنما

стр. 415

تمتد إلى حماية التشريعات التي أقرها الإسلام تحقيقا لصالح الفرد والمجتمع، وهذه التشريعات واجبة التطبيق لأنها تمثل أساسًا من أسس النظام العقدي الشامل، وتكفل قيام المجتمع الإسلامي بالشكل الذي أراده الله سبحانه، يتحقق له القوة والاكتفاء الذاتي والعدل والتكامل. وعلى عكس التصور في الكثير من النظم الوضعية، فإن الدولة في نظر الإسلام ليست مالكة، وليس طرفا في مواجهة الشعب، لأن هذا التصور الوضعي يؤدي إلى مختلف ألوان الصراع على المصالح، وغالبا ما يكون الانتصار للدولة وللطبقة الحاكمة بحكم ملكيتها لأجهزة القهر والسلطة. والدولة في نظر الإسلام هي الأداة المسخرة لخدمة المجتمع، فالمجتمع هو الأساس، وتطبيق الشريعة الإسلامية داخله، وتوفر السعادة لأبنائه هو الغاية، وإقامة العدل ومختلف ألوان التنظيمات الاجتماعية هو الوسيلة لتحقيق هذه الغاية.... وعلى هذا فلا يجوز للدولة أن تتخطى -في ممارستها للحكم- الحدود الشرعية المحددة لها، كما يجب ألا يغيب عنها الغاية الأساسية من وجود السلطة وهي تطبيق الشريعة وحماية المجتمع وتحقيق الخير العام. وهذا التصور لوظيفة الدولة في الإسلام يحقق قدرا من الحريات الفردية لا تحققها أحدث دساتير العالم المعاصر. فالإسلام يؤمن للأفراد حرية الاعتقاد وحرية الفكر وحرية العمل وحرية التملك والكسب والإنتاج والاجتماع ... وهذه الحريات ليست مطلقة، وإلا أمكن توجيها في طريق الهدم والاستغلال والتشكيك. فحرية الفكر يجب ألا توجه للتشكيك في عقيدة الأمة وتراثها وقدراتها على مقاومة أعدائها وحقا في الدفاع عن مصالحها. كذلك فإن الحرية الاقتصادية في مجال التملك والعمل والإنتاج والكسب يجب ألا توجه للاستغلال والاحتكار أو الإضرار بالمصالح الوطنية العليا للمجتمع. والدولة هي السلطة التي تقوم بحماية المصالح الدينية والاجتماعية من خلال مراقبة ومتابعة هذه المصالح وإقرار الأحكام وإصدار

стр. 416

القرارات التي تصونها من أي عبث أو استغلال٤٨. وللدولة الحق في تشكيل التنظيمات القادرة إلى الإشراف على الأنشطة الاقتصادية بهدف حماية الحقوق، وهذه التنظيمات تخضع لظروف المجتمع. وواجب على الدولة إصدار القرارات والقوانين التي تستهدف تحقيق المصحلة العامة والحقوق العامة ومصالح الفئات المختلفة، بشرط أن تتصف هذه القوانين بصفة المصلحة المعتبرة، وألا تتضمن أي ظلم لأي عضو من أعضاء المجتمع. ومثال هذا قوانين العمل من حيث تحديد ساعات العمل، وتحديد الحد الأدنى من الأجور، وإيجاب الأجر عن أيام الإجازات، وإيجاب الضمان الاجتماعي، وإيجاب التعويض عن التسريح التعسفي٤٩.. وتستمد هذه القوانين وأمثالها، شرعيتها الإسلامية من أن الإسلام يستهدف حماية مصالح الجماعة والقضاء على الظلم، ولما كان العمال هم الفئة الأكثر جهدا وإنتاجا فهم الأجدر بالحماية والرعاية ومنع تعرضهم للظلم والتعسف والاستغلال. ومن واجب الدولة أن تمكنهم من الحياة الكريمة، سواء من خلال إقامة مشروعات للعلاج والتعليم المجاني أو من خلال غيرها من المشروعات إلى جانب تأمين حق المستحقين منهم للزكاة في أموال الأغنياء. والدولة الإسلامية، من خلال تأمين فرص الحياة الكريمة لأبناء الفئات الفقيرة والمحتاجة والمجاهدة، فإنها تحميهم في مواجهة الدعوات المشبوهة والمذاهب الهدامة -شرقية وغربية- والتي تحاول استقطاب هذه الفئات واستغلالها وتخسيرها لتحقيق مآرب سياسية بعيدة عن مصالحها الحقيقة. والواقع أن الإسلام يتضمن مجموعة من النظم المالية المتكاملة التي تكفل العيش الكريم لكل فئات المجتمع وكل أبنائه، ويكفي أن الإسلام أوجب مبدأ مشاركة المحتاجين بشكل دوري متجدد في أموال الأغنياء بنسبة محددة تتجدد كل عام، وجعل هذه المشاركة ركنا لا يتم الإسلام إلا به، وهذه النسبة قادرة على إغراق كل محتاج وفقير بالمال الذي يكفل له حياة كريمة، هذا إلى جانب أن الإسلام يحارب الشح والترف والظلم والاستغلال في كل أشكاله.

стр. 417

وقد طبقت الدولة الإسلامية -في عصرها الذهبي- نظام الحسبة أو ولاية الحسبة بهدف مراقبة الأسواق والمعاملات المالية والمبيعات ومراقبة صالح الجماعة. وتمثل هذه لولاية الهيئة التي تقوم بالتفتيش والرقابة المستمرة على الأنشطة الاقتصادية بهدف القضاء على كل أشكال الظلم والفساد٥٠ والاستغلال الاقتصادي. يقول الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية": "وأما المعاملات المنكرة كالربا والبيوع الفائدة وما منع الشرع منه مع تراضي المتعاقدين به إذ كان متفقا على خطره، فعلى والي الحسبة إنكاره والمنع منه والزجر عليه، وأمره في التأديب مختلف بحسب الأحوال وشدة الخطر. ومما يتعلق بالمعاملات غش المبيعات وتدليس الأثمان فينكره ويمنع منه ويؤدب عليه بحسب الحال فيه. فإذا كان الغش تدليسا على المشتري ويخفى عليه فهو أغلظ الغش تحريما وأعظمها مأثما، فالإنكار عليه أغلظ والتأديب عليه أشد، وإن كان لا يخفى على المشتري كان أخف مأثما وألين إنكارا"٥١. والواقع أن تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي مرهون في الإسلام بتحقيق المصحلة والخير العام ومنع الإضرار والاستغلال والظلم. ويجوز للدولة أن تتدخل في الحالات الآتية:

стр. 418

أولا: حالات الاحتكار والاستغلال والإضرار: فواجب الدولة حماية أعضائها فإذا كانت السلع الأساسية الضرورية لحياة الناس محتكرة لدى فئة من التجار فمن واجب الدولة مصادرتها لبيعها بالسعر العادي وتوفيرها للناس، ويجب على الدولة ألا تسمح لبعض الناس للإثراء بطرق غير مشروعة وعلى حساب الناس وحاجاتهم.

стр. 419

ثانيا: في حالة الربح الفاحش: فإذا كان الربح حقا ثابتا للأفراد فإنه يجب ألا يصل إلى مرتبة

стр. 420

الاستغلال. فالدولة تحارب هذا الاستغلال. وإذا كان الإسلام أقر الربح كوسيلة مشروعة لتنمية رأس المال، فالمقصود بذلك الربح المعقول المتعارف عليه بين التجار الذي يدفعه المستهلك عن قناعة ورضى. أم الربح الفاحش المفروض قهرا على المستهلك فهو ربح مستغل آثم وخبيث، ويجب على الدولة في مثل هذه الحالة التدخل لتحديد نسبة الأرباح لحماية المستهلك.

стр. 421

ثالثا: في الحالات التي تستدعيها الضرورة: مع تعقد الحياة الاجتماعية ونمو التنظيمات الاقتصادية المتعددة وتشابكها، وتعدد مجالات الإنتاج والاستهلاك وأساليب التوزيع، زادت وظائف الدولة وصار من الضروري قيام الدولة بالإشراف على العديد من المشروعات الاقتصادية العامة التي لا يجوز تركها للأفراد حتى لا يسخروها لمصالحهم الخاصة. هنا يجب على الدولة التدخل في هذه المشروعات من خلال الإشراف أو الرقابة أو الإدارة أو التملك إذا دعت مصحلة المجتمع لذلك. مثال هذا، الثروات العامة، كالمعادن ومصادر الطاقة ومصانع السلاح ومؤسسات النقل البحري والجوي وغير ذلك مما يتطلب الصالح العام أن يوضع تحت الإشراف المباشر للدولة.

стр. 422

مسئولية الدولة عن الأموال العامة: المعيار الإسلامي لشرعية تصرفات الدولة هو تحقيق الخير العام والمصالح العامة وتطبيق الشريعة الإسلامية. والحاكم المسلم هو الشخص الذي يقع عليه الاختيار لأنه الأكثر جدارة والأقدر على إدارة الجهاز الحاكم. وهو يتقاضى أجرا من المال العام لقاء عمله بقدر ما يغنيه عن أي عمل آخر، ولا يحق له إساءة استعمال الأموال العامة لأنها ملك للمجتمع وليست ملكا خاصا له. وعلى هذا فلا يجوز أن يخص الحاكم نفسه

стр. 423

بامتيازات شخصية إلا بمقدار ما تستدعيه المصحلة. وقد طبق هذا المعيار خلال العصر الذهبي للمجتمع الإسلامي -خلال عهد الخلفاء الراشدين- حيث كانا لحاكم يحاسب نفسه أولا، ويطلب إلى الشعب محاسبته ومراقبته ويعتبرها ضرورة من ضرورات استمرار الحكم الصالح. ويتضح هذا في خطبة أبي بكر الصديق عندما تولى الخلافة إذ قال: "أيها الناس، إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني ... أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم". وقال رجل لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله تعالى، فقال له عمر: تدري ما مثلي ومثل هؤلاء؟ كمثل قوم كانوا في سفر، فجمعوا منهم مالا وسلموه إلى واحد ينفقه عليهم فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من أموالهم؟ فالمال العام لدى الحاكم وديعة وكان الخلفاء الراشدون يحاسبون الأمراء والعمال عن الأموال الموجودة لديهم، فإذا اكتشفوا أن أحدهم استغل مركزه في تحقيق منفعة مادية أو إثراء غير مشروع، كانوا يصادرون هذا المال -كله أو بعضه- ويضمونه إلى بيت المال ليستفيد منه الناس جميعا. وقد حبس الخليفة عمر بن عبد العزيز أحد ولاته وهو يزيد بن المهلب لأنه امتنع عن إعادة الأموال التي بحوزته إلى بيت المال، وقال له في تعليل ذلك: إنها حقوق المسلمين٥٢.

стр. 424

مسئولية الدولة في مجال الضمان الاجتماعي ومعاونة الفئات المحتاجة . الدولة في المجتمع المسلم مسئولة عن الفقراء والأيتام والعاطلين والعجزة واللقطاء، وتشير الكتب الفقهية إلى ضرورة توافر الضمان الاجتماعي لكل محتاج حيث تقوم الدولة بتوفير الإنفاق والعلاج المجاني لكل محتاج. يقول الكاساني في بدائع الصنائع: وأما النوع الرابع فيصرف

стр. 425

إلى دواء الفقراء والمرضى وعلاجهم وإلى أكفان الموتى الذين لا مال لهم، وإلى نفقة اللقيط وعقل جنايته، وإلى نفقة من هو عاجز عن الكسب، وليس ل من تجب عليه نفقته، ونحو ذلك وعلى الإمام صرف هذه الحقوق إلى مستحقيها". وقد خصت الدولة الإسلامية عطاء معينا من بيت المال للأطفال سواء كانوا أغنياء أم فقراء رعاية للأطفال وحرصا على تنشئتهم تنشئة صالحة متوازنة. وقد أمر عمر بن الخطاب مناديا ينادي بالناس بألا تعجلوا أولادكم على الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام٥٣. ولا تقتصر واجبات الدولة المسلمة على رعاية المحتاجين من المسلمين فحسب، وإنما تمتد رعاية الإسلام إلى غير المسلمين كذلك، فقد جاء في كتاب خالد بن الوليد إلى أهل الحيرة عندما صالحهم: وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات، طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام٥٤. وهكذا تكفل الإسلام برعاية كل مواطن في الدولة الإسلامية بغض النظر عن دينه أو أصله أو لونه. فالإسلام يرعى الإنسان كإنسان، وهذا هو ما جعل أهل البلاد المفتوحة يدخلون في دين الله أفواجا التماسا للعدل والحق والرعاية الكريمة. والفرق شاسع بين الفتوحات الإسلامية والفتوحات الاستعمارية، فالفتوحات الإسلامية أدت إلى اندماج عضوي بين المسلمين وأهل البلاد المفتوحة حيث دخل أهل هذه البلاد في دين الإسلام وتبنوا اللغة العربية نتيجة الاقتناعهم بالدين الحنيف الذي يتفق مع الفطرة ولما حققه الإسلام لهم من قضاء على الظلم والاستغلال، وما نعموا به في ظل الإسلام من عدل ومساواة ومعاملة كريمة، وما قدمه الإسلام لهم من حضارة خالدة، أما الحركات الاستعمارية فكان مآلها طرد البلاد المستعمرة نتيجة لما قامت به من استغلال واستنزاف للمستعمرات.
следующие страницы →