على أساس ثيوقراطي "ديني" صارت تضم -نتيجة للتوسع والفتح- عناصر غير سبئية وأراضي جديدة لم تكن من صميم الأراضي السبئية. كما ضمت إمارات كانت -بطبيعة كيفية الضم- معادية لها، إذ اندمجت معها إثر حركة الفتح، فبزغت مفاهيم سياسية جديدة حطمت ما قبلها من مفاهيم قبلية ضيقة مستندة إلى أساس التعصب الشديد لمدينة أو قبيلة بعينها، وأحلت محلها مفاهيم جديدة بنيت على تفكير أوسع ونظرة أعمق وأشمل للواقع١. لكن هذه المفاهيم سرعان ما ترجمت إلى أعمال عنف تركت أثرها السيئ على المملكة.
فمن النصوص المكتشفة نستنتج أن مملكة سبأ قد وقعت في أواخر أيامها فريسة للفوضى وهدفًا للأطماع الخارجية، وأقضت مضجعها المنازعات التي وقعت بينها وبين جيرانها الريدانيين والحضارمة والقتبانيين والحميريين الذين شعروا بكياناتهم السياسية المتميزة -بعد أن أفاقوا من صدمة قضاء السبئيين على استقلالهم- فنتج عنها حروب طويلة تفاقم أمرها؛ كان منها ما وقع بين سبأ و"ذو ريدان" وانتصرت فيها سبأ فضمت إمارة "ذو ريدان" فأصبح ملكها "ملك سبأ وذو ريدان". لكن الأحوال لم تهدأ، بل أعقبها حروب أخرى أشمل وقعت بين ملوك سبأ و"ذو ريدان" من جهة وحضرموت وقتبان من جهة ثانية، وقد اشترك فيها هؤلاء الملوك وشعوبهم وقبائلهم وانتشرت في جميع أنحاء البلاد. عندئذٍ أصبح الملك السبئي مضطرًّا إلى الاستعانة بأمير قبيلة همدان "يرم أيمن" -وكانت مكانته قد ارتفعت في نظر الملك- لفض النزاع بينه وبين أعدائه، فأدى هذا الأمير دوره بنجاح وانعقد بين الطرفين صلح لم يعرف أكانت شروطه في جانب سبأ أم في جانب خصومها.
لكن "يرم أيمن" لم يدع الفرصة تفوته، بل اهتبلها، مستغلًّا نفوذه الذي بلغ الأوج في البلاط الملكي، ونفوذ قبيلته الذي توسع بين القبائل؛ لينافس الملك السبئي على؟؟؟.
ولم يلبث الريدانيون والحميريون أن استغلوا، بدورهم، هذا النزاع الهمداني -السبئي، فأخذوا يعملون للاستفادة منه. أما قتبان فبعد أن اشتركت في الحروب السابقة
стр. 107
نفضت يدها من النزاع لا سيما وأن أهميتها قد انحطت ولم يعد لها شأن في سياسة الجنوب اليمني. وأما حضرموت فقد تأرجحت بين الكفتين، تقف مرة إلى جانب همدان وأخرى إلى جانب سبأ، وفقًا للظروف السياسية التي تحيط بها. ومما تجدر الإشارة إليه أن الأحباش قد ظهر لهم وجود على سواحل اليمن الجنوبية في الأماكن التي كانت الإمارة "أوسان"، وطفقوا يتدخلون في الشئون الداخلية لمملكة سبأ، وراحوا يتحزبون لفريق دون آخر؛ لتحقيق مطامعهم في شبه الجزيرة العربية. وتبلور الموقف بين الطرفين في حلفين: يضم الأول سبأ وريدان وحمير، والثاني: همدان، وحضرموت، والأحباش. والذي جعل حضرموت تنحاز إلى همدان كونها قد استولت على أكثر أراضي قتبان وأصبحت تخشى السبئيين والحميريين والريدانيين الذين أخذوا ينافسونها في الغنيمة التي حصلت عليها ويهددونها.
لقد انتصر الهمدانيون في أول الأمر على خصومهم، غير أن هؤلاء ما لبثوا أن أحرزوا النصر الحاسم عليهم في النهاية. ويظهر أن نفوذ ريدان وحمير قد ازداد بسبب هذه الأحداث، فأصبح لهم نوع من الإشراف عليها بسبب دعمهم لها، فأصبحت تحمل صبغة سبئية -ريدانية- حميرية، وسمي ملكها باسم "ملك سبأ وذو ريدان" وغلب عليها اسم "الدولة الحميرية"١.
стр. 108
الدولة الحميرية
مدخل
...
الدولة الحميرية
إن ثمة اتفاقًا في وجهة النظر بين المؤرخين على تقسيم الدولة الحميرية إلى دورين:
الدور الأول: وكان لقب الملوك فيه "ملك سبأ وذو ريدان" كما ظهر في النقوش التي عثر عليها في أنقاضهم، والتي يستدل منها أن أول ظهور لهذا اللقب كان سنة ١١٥ ق. م. نتيجة ما ذكرت آنفا من حروب. غير أن هذا اللقب قد خضع لتطور جديد منذ عام ٣٠٠ ق. م. إذ أضيفت إليه أسماء بعض المناطق الأخرى، فأصبح "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت"، وفي فترة أخرى أضيف "يمنات وعربهم في الجبال وتهامة" ولذا جنح المؤرخون إلى جعل سنة ٣٠٠ م بدءًا لعهد جديد في الدولة الحميرية سموه: الدور الثاني، وقالوا: إن نهايته كانت سنة ٥٢٥ م الموافقة للاحتلال الحبشي
стр. 109
لليمن. وقد اتخذت الدولة الجديدة مدينة ريدان التي عرفت فيما بعد باسم "ظفار" عاصمة لها، وهي تقع على بعد مائة كيلومتر إلى الشمال الشرقي من "مخا" على الطريق الذي يصل بينها وبين صنعاء.
стр. 110
الدول الأول
...
الدور الأول: "١١٥ ق. م - ٣٠٠ م":
تمتعت الدولة في هذا الدور بالاستقرار والازدهار الاقتصادي, ففي الميدان الاقتصادي أفادت الدولة الحميرية من الضعف الذي بدأ يدب في دولة البطالمة في أواخر أيامها، لا سيما وأن قوتها قد أخذت في التلاشي أمام الضغط الذي لقيته من الدولة الرومانية التي ما لبثت أن تغلبت عليها، وانتزعت منها سورية ومصر في النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد. لكن الفرصة لم تتهيأ لها في بادئ الأمر للاستقرار والاهتمام بالنشاط التجاري، فانفتح المجال بذلك لعودة التجارة اليمنية إلى سلوك الطريق البري القديم إلى جانب الطريق البحري، فلعب الحميريون دورا مهمًا في هذا الميدان، وعادوا إلى فرض السيطرة العربية على النشاط التجاري بين الشرق والبحر الأبيض المتوسط عبر الطريقين البحري والبري، فجنوا الأرباح الطائلة وجمعوا الثروات الضخمة، وازدهرت دولتهم أيما ازدهار، إذ أنشئوا القصور الشامخة، وأبرزها قصر غمدان الذي ذكر الهمداني أنه بني على عشرين طابقًا، ووصفه وصفًا يظهر أنه مبالغ فيه، وبنوا المعابد الفخمة وتفننوا في تزيينها وتجميلها، وغرسوا الحدائق حولها, واستحالت بلادهم إلى جنان وارفة الظلال عامرة البنيان، كما اقتنوا أفخر الأثاث والرياش وتمتعوا بنعيم الحياة.
وفي الميدان السياسي شعرت الدولة الحميرية في بسط سيطرتها على كافة أرجاء الجنوب اليمني، وامتد نفوذها إلى خارجها، إذ هاجر جماعة من اليمنيين إلى أرض كوش "الحبشة حاليا" لأغراض تجارية، وأنشئوا هناك مستعمرات، وكونوا جالية يمنية نشرت بين الأحباش ثقافة لم يكن بوسع هؤلاء أن ينشئوها، وتمكنت في القرن الأول قبل الميلاد من إقامة دولة سميت "دولة أكسوم" التي اتخذت الخط اليمني "المسند" لكتابة لغتها التي عرفت باسم "الجعزية". كما هاجرت قبائل يمنية أخرى، ومنها معافر على ما يعتقد، إلى الشاطئ الشرقي من إفريقيا، وانتشرت في مختلف جهاتها، وأنشأت فيها -وبخاصة في الصومال وفي جوار زنجبار- بعض المشيخات والحكومات.
стр. 111
غير أن الوهن ما لبث أن دب في الدولة خلال الربع الأخير من القرن الأول قبل الميلاد، وكان عليها أن تواجه الخطر الروماني في مصر بعد أن أصبح قريبًا منها، فتعرضت لأطماع روما التي أخذت تمد نفوذها المناطق المجاورة، لا سيما وأن الرومان قد تضايقوا من الدولة الحميرية، ومن قوتها وسيطرتها على التجارة في المناطق المجاورة لأملاكهم الجديدة، واحتكارها لمواد الترف وللتوابل التي تأتي بها من الهند وتتحكم في أسعارها فلا تصل إلى أوروبا إلا بأغلى ثمن، فلما تسنم "أغسطس" عرش الإمبراطورية في روما عقد العزم على استلحاق البلاد اليمنية فأوعز إلى واليه في مصر "إيليوس غالوس" سنة ٢٤ ق. م. بأن يسير على رأس حملة حربية نحو اليمن للاستيلاء عليها وعلى ثروتها ومحاصيلها، وللقضاء على القراصنة الذين كانوا على ما يظهر يزعجون سفن الرومان في البحر الأحمر، والذين كانوا يحتمون بسواحل الحجاز واليمن وللهيمنة على ملاحة وتجارة البحر الأحمر.
فتحركت الحملة، وكان قوامها عشرة آلاف جندي بينهم مصريون ورومان بالإضافة إلى عدد من الأنباط يقدرون بألف جندي وخمسمائة يهودي. وقد رافقها كل من المؤرخ اليوناني "سترابون" والوزير النبطي "صالح Syllaeus" الذي وضعه ملك الأنباط عبادة الثاني أو الثالث "٢٨ - ٩ ق. م" تحت تصرف الحملة ليكون دليلها ومستشارها، بعد أن وقعت دولة الأنباط تحت سيطرة الرومان.
سارت الحملة من الموانئ المصرية، ونزلت في الميناء النبطي "نيجرا" الواقع على البحر الأحمر إذ كانت سيطرة الأنباط تمتد إلى هذه الجهات، ومنها ثابرت على زحفها بطريق البر نحو الجنوب في أرض وعرة، قليلة الزرع والأمطار، إلى أن وصلت إلى مدينة نجران فاستولت عليها, ثم تجاوزتها إلى الجنوب حتى مسيرة ستة أيام. ولم يبق بينها وبين الوصول إلى هدفها سوى مسيرة يومين حينما شعر "إيليوس غالوس" باستحالة الاستمرار في الحملة بسبب الأمراض الفتاكة التي انتشرت بين جنوده، لا سيما وقد أصابهم الإنهاك الشديد، فعاد بها إلى "نيجرا" ومنها أبحرت إلى البر المصري بعد أن مضى على خروجها من الميناء النبطي ستة أشهر ولم تحقق الغاية التي ذهبت من أجلها. وقد تعرضت سواء في الذهاب أو الإياب إلى مهاجمة العرب لها هجومًا عنيفًا؛ مما اضطرها إلى خوض معارك ضارية معهم وكان لها الأثر الفعال والرئيسي في إخفاق الحملة.
стр. 112
أما "إسترابون" الذي رافق الحملة، فقد ذكر أسبابًا أخرى لفشلها، إذ عزا ذلك إلى ما زعمه من خيانة الوزير النبطي صالح، الذي اتهمه بتضليل الرومان والسير بهم في طريق مقفرة، وفي أراضٍ لا زرع فيها ولا ماء، بقصد إهلاك الجيش الروماني، وقد أنحى عليه باللائمة وحمله مسئولية الإخفاق، بينما يرى "غلازر" أن مسئولية الإخفاق إنما تقع في الحقيقة على عاتق الرومان أنفسهم لجهلهم بطبيعة أراضي العرب ولغرورهم١.
لقد أثبتت حملة "إيليوس غالوس" أن الاستيلاء على اليمن عن طريق القوة ضرب من المحال؛ لذلك عدل الرومان عن هذا الأسلوب إلى آخر هو أسلوب الدسائس والمؤامرات للوصول إلى فرض النفوذ الاستعماري الروماني غير المباشر، واتخذوا الحبشة مخلب قط لتحقيق مخططهم في إخضاع اليمن. كما ثابروا على تنفيذ سياستهم المرسومة للقضاء على احتكار اليمنيين لتجارة الشرق والحلول محلهم في امتلاك مقاليدها.
وقد نجحوا في هذه السياسة إلى حد بعيد، فما أشرف الدور الأول الحميري على الانتهاء حتى بدأت قوة عرب الجنوب في الانحدار والتضعضع لاستمرار مزاحمة الرومان لهم في النشاط التجاري وعجزهم عن مقاومة هذه المنافسة. ذلك أن الرومان قد أفادوا إفادة كبرى من تجارب أسلافهم البطالمة في هذا الميدان، ومن القناة الفرعونية التي أعادوا فتحها، فتمكنوا من تسيير سفنهم في المحيط الهندي واستطاعوا الوصول إلى الهند والتزود من محاصيلها والعودة بها إلى بلادهم، فقضوا بذلك على الاحتكار اليمني لتجارة الشرق، الأمر الذي قاد الحميريين إلى طريق الانهيار الاقتصادي فالسياسي.
стр. 113
الدور الثاني من الدولة الحميرية "٣٠٠ - ٥٢٥ م أو عصر التبابعة":
أما من الناحية السياسية، فإن تسرب الأحباش إلى اليمن قد بدأ كما رأينا منذ القرن الثاني قبل الميلاد نتيجة النزاع السبئي الهمداني، وقد حاولوا احتلال اليمن مرات عديدة بعد ذلك، ونجحوا في الحصول على موطئ قدم لهم في بعض المدن الساحلية مرتين، كان أخراهما عام ٣٤٥م. وقد أثبت ذلك ما جاء في الكتابات الحبشية الأثرية التي أصبحت تطلق على ملوك الحبشة لقب "ملوك أكسوم وحمير وريدان وتهامة".
стр. 114
ومن الثابت أن هذه الحملات الحبشية الأولى كانت تهدف إلى انتزاع السيادة التجارية من اليمنيين ونشر الدين المسيحي في ربوع اليمن بتحريض من الرومان, كما كانت بمثابة حملات استطلاعية مهدت السبيل لحملات تالية. غير أن الحكم الحبشي لم يستطع أن يعيش طويلًا، إذ تضافرت جهود الحميريين من مختلف الفئات، من دينية ورسمية، في مقاومة الأحباش وتمكنوا من إخراجهم سنة ٣٧٨م، وعاد الحميريون إلى حكم بلادهم حتى عام ٥٢٥م.
ويطلق الأخباريون العرب على ملوك هذا الدور لقب "التبابعة" "جمع: تبع"، ويروون قصصًا خيالية عن قوتهم وعظمتهم، لا سيما امتداد حكم بعض ملوكهم إلى أماكن بعيدة كغزو سمرقند وفارس والسغد وأفريقية وبسط السيطرة العربية عليها١، مما يتنافى مع الحقيقة التاريخية، ولا يمكن قبوله، لا سيما في هذه الفترة التي كانت اليمن فيها مهددة بالغزو الخارجي.
في هذا الدور دخلت الديانتان المسيحية واليهودية إلى بلاد العرب. أما الديانة المسيحية فقد دخلتها بواسطة مبشرين من نساطرة سورية والحيرة تسربوا إلى الجزيرة العربية، أو بواسطة اليعاقبة أتباع مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح، الذين جاءوا من الحبشة وأنشئوا لهم كنائس عديدة في عدن وظفار ونجران، وكان قيصر الروم البيزنطي الإمبراطور قسطنطين من وراء هذه المحاولات. فقد عمل على إدخال المسيحية إلى بلاد العرب سواء بطريقة الدعاية أو التبشير "إرسال بعثات تبشيرية برئاسة كهنة منهم: توفيل فرومنتوس" أو بطريق الفتح الحربي لتحقيق غاية مزدوجة هي نشر الدين المسيحي ونفوذ الروم السياسي والتجاري في آن واحد، مستهدفًا من ذلك كله مقاومة نفوذ الفرس الذي أخذ يتغلغل في البلاد، ومقاومة الديانة اليهودية في الوقت نفسه.
ذلك أن اليهود أخذو ينتشرون في العالم بعد أن استولى الرومان على فلسطين ونكلوا
стр. 115
باليهود "٧٠م" وتشتت شمل هؤلاء فدخل قسم كبير منهم بلاد العرب من جهة الشمال على الأغلب، بدليل أن عدة قبائل منهم كانت تقطن مدينة يثرب قبل الإسلام بقرون عديدة. ويعتقد أن ملوك حمير الذين غادروا اليمن إثر احتلال الأحباش لبلادهم، والتجئوا إلى يثرب قد تأثروا بالديانة اليهودية، غير أنه ليس من دليل ثابت على أنهم قد اعتنقوها، وإن كان هناك من يعتقد أن آخر ملوكهم "أسعد كامل" الملقب باسم "ذي نواس" قد اعتنقها، وهذا مشكوك فيه، بالرغم من أن حركة تبشيرية يهودية قوية قد رافقت حكمه، وأحرزت نجاحًا كبيرًا، فانتشرت اليهودية بشكل واسع في اليمن "في القرن السادس الميلادي" حتى قيل: إن ١٠٠ ألف من اليمنيين قد اعتنقوها. ويبدو أن ذلك كان كرد فعل لنشاط التغلغل المسيحي ولنشاط الضغط الاستعماري الروماني الذي يكمن وراءه.
стр. 116
الدور الحبشي "٥٢٥ - ٥٧٥ م":
احتل الأحباش اليمن في عهد الملك ذي نواس الذي أصبح التنافس اليهودي المسيحي في عهده على أشد ما يكون. فقد بلغ التوتر منتهاه عندما أدرك العرب أن المسيحيين العرب كانوا واسطة لتسرب النفوذ الحبشي إلى البلاد، فاعتبر ذو نواس المسيحيين خونة، واتخذ من قتلهم غلامين يهوديين ذريعة لاضطهادهم والفتك بهم، فسار إليهم بجيش كبير ودخل مدينتهم نجران، وخيرهم بين ترك ديانتهم أو القتل، ولما أبوا إلا البقاء على دينهم أقام لهم مذبحة رهيبة وأحرق عددًا كبيرًا منهم ودفنهم في أخدود. وقد جاء ذكر ذلك في القرآن الكريم ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ, النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ ١.
لم تمض حادثة الأخدود بسلام، فما أن أبلغ بها الإمبراطور البيزنطي "جوستين الأول" -وكانت يزنطة وريثة الحكم الروماني في الشرق تعتبر نفسها حامية المسيحية في هذه الجهات آنذاك- حتى اغتنم الفرصة لتحقيق مآرب دولته الاستعمارية في اليمن، وإضافة مراكزها التجارية البرية والبحرية إلى ما استولى عليه من مناطق كالبتراء وتدمر ومعان، التي أصبحت في ذلك الحين تحت سيطرة الروم المباشرة، فتكمل بذلك جميع حلقات السلسلة بضم الحلقة الناقصة منها، فكتب إلى نجاشي الحبشة - وكان الأحباش
стр. 117
أقرب إلى الأتباع منهم إلى حلفاء أو أصدقاء البيزنطيين- لتأديب ملك اليمن. فأرسل النجاشي ٧٠ ألف مقاتل بقيادة القائد "أرياط" الذي ظل يقاتل الملك الحميري حتى انتصر عليه سنة ٥٢٥م، واستولى على اليمن وقضى على استقلالها وسيادتها، وأذل حمير وقتل ثلث رجالها، وبعث إلى النجاشي بثلث نسائها سبايا، بينما رمى ذو نواس نفسه في البحر وانتحر، وكان آخر ملوك حمير.
حكم بعد أرياط أحد قواده "أبرهة" الذي قتل سلفه وانتزع القيادة منه، وما لبث الأحباش أن كشفوا القناع عن وجه استعماري مقيت، فحكموا حكمًا شديدًا ضج منه الناس ودام خمسين عاما. وقد استغلوا حكمهم لليمن في نشر الديانة المسيحية في جميع أرجاء الجزيرة العربية، جنوبيها وشماليها، وفي بسط سيطرتهم الاقتصادية عليها، لا سيما في ميدان التجارة، هذا الميدان الذي بدأ عرب الشمال في اقتحامه، وبدأت تجارتهم في النمو والازدهار، وأخذت قوافلهم التجارية ترتاد طرق التجارة العربية من الحجاز حتى بلاد الشام من جهة ومن الحجاز حتى اليمن من جهة ثانية، وأصبحت مكة والمدينة مركزين لهما أهمية عظيمة في النشاط التجاري، وإن يكن هذا النشاط قد اقتصر على داخل الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر.
وقد زاد الحجاز أهميةً كونُهُ المركز الديني لعرب شبه الجزيرة لوجود الكعبة، وهي أكبر مركز ديني وثني آنذاك، فأثار هذا كله حفيظة أبرهة الحبشي، ودفعه إلى منافسة التجارة الحجازية، ومجاراة مكة في أهميتها الدينية كوسيلة لاستقطاب النشاط التجاري الداخلي لعرب الجزيرة، وتركيزه في المدن اليمنية التي يسيطر عليها الأحباش. وهذا ما حدا به إلى بناء كاتدرائية عرفت باسم "الكليس" أو "القليس" -وهي كلمة محرفة من كلمة إيكليزيا اليونانية- في صنعاء، وبالغ في تزيينها وإتقانها، وقد نقشها بالذهب والفضة وصنوف الجواهر والزجاج والفسيفساء، وأخذ يسعى لجذب العرب إلى زيارتها والعزوف عن زيارة الكعبة.
لكن العرب أظهروا تعلقهم بالكعبة وكرههم للأحباش واحتقارهم للكليس، فقام اثنان من قبيلة فقيم ووضعوا أقذارًا فيها؛ الأمر الذي جعل أبرهة يتميز غضبًا وأقسم ليهدمن الكعبة، وسار بجيش إلى مكة لينفذ وعيده في العام الذي سمي بعام الفيل
стр. 118
"٥٧٠ - ٥٧١ م" وكان ما هو معروف من فشل الحملة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم "سورة الفيل". ويفسر بعض المفسرين ما ورد في سورة الفيل من ذكر للطير الأبابيل بأن ما رمته هذه الطيور إنما هو كرات من الطين موبوءة، فانتشر داء الجدري والحصبة في جيش أبرهة، وتقرحت جسومهم على ما يذكره الرواة، فكان لحمهم يتناثر ويتساقط، فذعر الجيش الحبشي وتراجع، ويروى أن أبرهة نفسه قد أصيب بهذا الوباء وقضى نحبه بعد قليل "تفسير الإمام محمد عبده".
стр. 119
الدور الفارسي "٥٧٥ - ٦٣٢ م":
حكم "أبرهة" اليمن ما يقارب ٢٣ عامًا، ولما توفي خلفه ابنه "يكوم" ثم أخوه "مسروق". وقد أساء الأحباش إلى اليمنيين وأذلوهم، حتى إذا اشتد بهؤلاء البلاء عزموا على التخلص من مستعمريهم، وقد تزعمهم رجل من أذواء حمير يدعى الأمير "سيف بن ذي يزن" الذي أصبحت سيرته في تحرير بلاده موضوع روايات وملاحم دخلها كثير من الخيال والأسطورة.
لجأ سيف بن ذي يزن إلى كسرى الفرس وطلب مساعدته في إخراج الأحباش من بلاده، فاستجاب كسرى لطلبه؛ نظرًا للعداء الفارسي البيزنطي، ولكون الاحتلال الحبشي لليمن وما يكمن وراءه من نفوذ بيزنطي يؤثر تأثيرًا سيئًا على الاقتصاد الفارسي من حيث تحويل تجارة الشرق الأقصى إلى أيدي البيزنطيين، وحرمان الفرس من الأرباح التي تأتيهم من تجارة التوابل عبر الخليج العربي إلى المناطق الشمالية؛ لوجود منافسين أقوياء إلى جانبهم، هذا بالإضافة إلى ما ينجم عن احتلال اليمن من تزايد في السيطرة السياسية البيزنطية، ومن اختلال في توازن القوى السياسية بين الدولتين العدوتين.
وهكذا أرسل كسرى مع سيف بن ذي يزن جيشًا بقيادة "وهرز" أبحروا من الخليج العربي ونزلوا في شواطئ حضرموت، وما كادوا ينزلون البر اليمني حتى انضم إليهم كثير من السكان، فقاتلوا الأحباش، واستطاعوا أن يطردوهم، وأن يحرروا اليمن من حكمهم.
وتسنم سيف بن ذي يزن مقاليد الحكم بالاشتراك مع الفرس، واتخذ قصر غمدان -بعد أن رمم- مقرًّا له، ثم أخذ ينتقم من الأحباش ويقتلهم حتى كاد أن يفنيهم، ولم يبق منهم إلا قلة ذليلة اتخذ من أفرادها عبيدا له. فاغتنم هؤلاء غفلة منه واغتالوه،
стр. 120
فانفرد الفرس الساسانيون في الحكم. والواقع أن الفرس دخلوا البلاد كمحررين، وجعلوا الحكم أولًا مشتركا بينهم وبين العرب، لكنهم ما لبثوا أن استغنوا عن العرب -بعد مقتل سيف- وحكموا البلاد حكمًا مباشرًا.
غير أن الاضطرابات التي حدثت في الدولة الفارسية جعلت مركز الحاكم الفارسي ضعيفا، فاستقوت عليه القبائل العربية وثارت ضده؛ فانحصر نفوذه في صنعاء وما يجاورها، بينما قوي نفوذ الأمراء المحليين. أما ولاة الفرس فكان أولهم "وهرز" وآخرهم "شهر بن باذان" الذي أدرك والده الإسلام واعتنقه سنة ٦٢٨ م "٦هـ" وظل واليًا عليها هو وابنه شهر من بعده حتى عام ٦٣٢ م "١٠ هـ" حينما أصبحت اليمن ولاية إسلامية، وانتهى بذلك حكم الفرس لليمن.
стр. 121
الفصل السادس: حضارة دول اليمن القديمة
مدخل
...
الفصل السادس: حضارة دول اليمن القديمة
كان أهل اليمن ذوي حضارة ومدنية عريقتين، عمروا المدن وشيدوا القصور، وزينوها بالذهب والفضة، ونعموا بمباهج الحياة، ورفلوا بالثياب المترفة المصنوعة من الخز والحرير وغيرهما من فاخر الأقمشة، واقتنوا آنية الذهب والفضة والأثاث والرياش الفاخر -حسبما جاء في وصف المؤرخ "آغاثر دس" لحياتهم- وهذا يدل، ولا شك على أنهم كانوا على نصيب كبير من الغنى والازدهار. وكان سبب غناهم عنايتهم بالزراعة والتجارة، تلك العناية التي اضطلعت بها دولهم العديدة التي سبق لنا دراسة تاريخها السياسي ويبقى علينا أن نلم بلمحة عن حضارتها.
وإن البحث لا يستقيم إلا إذا قدمنا له بلمحة عن أصل نظام الحكم في اليمن, فقد شبهة بعضهم بالنظام الإقطاعي الذي كان سائدًا في أوروبا خلال القرون الوسطى, إذ كانت اليمن تقسم إلى مخاليف "مفردها: مخلاف وهو أكبر وحدة سياسية وإدارية" تتبعها محافد "مفردها: محفد" وينقسم المحفد إلى مدن وقرى. وربما كان اليمن القديم مؤلفا من ٨٤ مخلافًا ذكرها اليعقوبي كلها، كما فصل الهمداني كل مخلاف بقراه وأوديته وجباله في كتابه "صفة جزيرة العرب"١. ويوضح الباحث العربي جورجي زيدان تقسيمات المحافد بقوله: إن اليمن كانت تقسم إلى محافد وهذه إلى قصور. والقصر كان كالحصن أو القلعة يحيط به سور، ويقيم فيه شيخ أو أمير يحف به الأعوان والحاشية والخدم، ويعرف صاحب المحفد بلفظ "ذو" بمعنى صاحب، فيقال مثلًا: "ذو غمدان" و"ذو معين" بمعنى صاحب غمدان، صاحب معين. وتسمى هذه الطبقة باسم "طبقة الأذواء" الذين كانوا يتدرجون في المراتب, وكل منهم يتبع الآخر. وهم يشبهون بارونات ولوردات أو
стр. 122
نبلاء وفرسان النظام الإقطاعي في أوروبا. ولكل من المحافد حكومته القائمة بذاتها، وأشهر المحافد أو القصور التي وصلت إلينا أسماؤها: غمدان، ناعط، صرواح، سلحين، ظفار، شبام، براقش ... إلخ. وقد بقي بعض هذه القصور إلى ما بعد الإسلام وذكرها بعض المؤرخين في كتبهم.
وقد تجتمع عدة مخاليف في وحدة إدارية أكبر يتولى أمورها أمير واحد يسمى "قيل" "جمعها: أقيال" ويقابل لقب ملك، وكان الأقيال يتحاربون ويتغازون، ويستولى أحدهم على مخلاف جاره، ويضمه إلى مخلافه، ويبسط سيطرته على أهله، ويجعل من المخلافين أو المخاليف العديدة التي يستولي عليها مملكة كبيرة ينظمها، ويجعل محفدة عاصمتها، فتنتسب المملكة إليه. وقد يطول بقاء المملكة أو يقصر، يتقلص سلطانها أو يتسع، ويتتالى الحكم عليها في أولاده. على هذه الصورة نشأت الدول في الجنوب العربي اليمني.
стр. 123
نظام الحكم:
لقد مر معنا سابقًا أن اليمن كانت مقسمة إلى مخاليف ومحافد وقصور يحكمها أذواء وأقيال بما هو أشبه بالنظام الإقطاعي, ثم ظهر الملوك نتيجة لتوسع الأقيال على حساب جيرانهم، وألفوا الممالك الواسعة، ونظموا شئون ممالكهم، وأمنوا العلاقات الإدارية والاقتصادية بين رعاياهم، فضربوا النقود من الذهب والفضة، ونقشوا عليها أسماءهم وأسماء المدن التي سكت فيها، وجعلوا على أحد وجهيها رسومهم، وعلى الوجه الآخر نقشوا رموزًا كصورة البوم أو الصقر ورأس الثور أو الهلال معتمدين في ذلك على نماذج يونانية.
لم يكن الملك في دول اليمن مطلق الصلاحية على العموم، بل كان حكمه على الغالب، مقيدًا إلى حد ما، إذ يستعين بمجالس استشارية تساعده في المسائل التشريعية، كما في مملكة معين وسبأ ومملكة قتبان وغيرها التي فيها مجلس للشيوخ "مشود" يشارك الملك في سن القوانين. وعلى العموم كانت السياسة العامة تقرر من قِبَل هيئة عامة مؤلفة من رجال القبائل البارزين، ويشترك مجلس الشعب مع الملك في سن القوانين، وتنظيم الأوامر الملكية التي تصدر بشكل مراسيم، وتكتب غالبا على لوحة من البرونز أو الحجر,
стр. 124
وتعرض في الساحات العامة والمعابد ليراها الناس جميعًا، وقد عثر بين الأنقاض على مجموعة من هذه اللوحات.
ومع ذلك كان الملك يبدو كسيد إقطاعي يخضع له سائر أمراء الإقطاع، ولا يخرج من قصره إلا قليلًا١، ويسير وفق نظام مزيج من الأرستقراطية والإقطاعية والأعراف القبلية والروح الطبقية. فقد كان الشعب يقسم إلى طبقات اجتماعية شبيهة بطبقات النظام الإقطاعي في أوروبا. فهنالك الأشراف والأذواء، فالملاك فالتجار فالصناع فالزراع ثم الرقيق، بالإضافة إلى الجاليات الأجنبية، ولكل طبقة من هذه الطبقات حدود لا تتعداها، ولا ينتقل أحد منها إلى سواها.
كان الحكم في ممالك اليمن وراثيا في أبناء الملوك، وينتقل أحيانا إلى الإخوة، إلا في حضرموت حيث يكون محصورا في أول مولود من الأشراف يولد في أثناء حكم الملك. فإذا ما استلم أحدهم الملك، نظمت قائمة بأسماء زوجات أمراء البيت المالك الحوامل, حتى إذا ولد أول مولود أخذ ونشئ نشأة خاصة، وخضع لتربية ترتفع بمواهبه، وتهيئه لاستلام الحكم عندما يحين الأوان. أما النساء في بعض ممالك اليمن فكان لهن الحق مبدئيًّا في وراثة العرش كالرجال.
لم تكن دول اليمن على العموم دول حروب وفتوح، بل كانت دولًا تركز جهودها على الأمور الاقتصادية كالتجارة والزراعة؛ لذلك قلما كانت تعتني بتنظيم الجيش وتهيئته للحروب، بل لحفظ القلاع وحفظ النظام وحراسة القوافل، ولم يكن يدعى لخوض المعارك إلا إذا دعت الحاجة إلى الدفاع عن سلامة البلاد، إذا تعرضت للاعتداء الخارجي. إنما كان الملوك يجمعون رجال المملكة ويكلفونهم بالإسهام في بناء المدن والقصور والسدود وترميمها بما يشبه نظام السخرة.
كان المجتمع اليمني شبه اشتراكي بحيث يشترك أفراد كل عائلة بالأموال والمتاع،
стр. 125
ويضطلع بمسئولية إدارة شئونها أكبر رجالها سنًّا. أما الضرائب فقد فرضها اليمنيون على الزراعة ومختلف مرافق الاقتصاد، ويحدد مقدار ضريبة المحاصيل وهي لا تزال في الحقول. كما كان للكهنة الحق في استيفاء بعض العائدات، وفي أخذ الزكاة. وفي تسخير السكان في تشييد المباني العامة والمعابد.
стр. 126
الزراعة:
عرفنا فيما سبق شيئًا عن عناية اليمنيين الفائقة بالزراعة والري، إذ لم يكتفوا بزراعة السهول المنبسطة، بل تعدوها إلى سفوح الجبال، إذ يجعلونها على شكل مدرجات، ويشيدون السدود لخزن المياه ورفعها إلى مستواها، ويحفرون الأقنية لإيصال المياه إلى المدرجات المزروعة. ويقول بعض المؤرخين: إن اليمنيين قد أنشئوا مئات السدود والخزانات، وإن العرب هم أول من اصطنعها، وكان أعظمها سد مأرب الذي تحدثنا عنه، ووصفناه في الصفحات السابقة. وقد اعتنى اليمنيون بزراعة النباتات النادرة، والحبوب المختلفة والفواكه المتنوعة. كانت الكروم تغطي أراضيهم بحيث تحيل الصحراء إلى جنات ورياض فيها مختلف أنواع الأغراس والغياض والزهور. وقد وصف كل من "إسترابون" والهمداني هذا الازدهار الزراعي كشهود عيان، فقال الأول: إن من محصولات اليمن المر والبخور والكبش قرنفل والبلسم وسائر العطريات فضلا عن النخيل والغابات. ووصف الثاني وادي ضهر باليمن قائلًا: إنه شاهد فيه مياهًا جارية تسقي جنتين على جانبيه وعليهما من الأعناب نحوا من عشرين نوعًا. وقد عدد من أشجار الفاكهة وأصنافها: الخوخ الحميري والفارسي والخلاسي١ والتين والبلح والكمثرى الذي ليس له في الأرض مثيل، والبرقوق والتفاح واللوز والجوز والسفرجل والرمان.
стр. 127
التجارة:
كان اليمنيون -بسبب توسط بلادهم أمم العالم القديم- وسطاء نشيطين في نقل متاجر الهند وجزر الهند الشرقية والصين وسواحل أفريقية الشرقية إلى المصريين والآشوريين والفينيقيين ومختلف دول بلاد الشام. فعلى الشواطئ الجنوبية لليمن توجد فرضات
стр. 128
"خلجان" ساعدت اليمنيين على جعلها موانئ صالحة لإيواء السفن ومنها عدن وفانا "حصن الغراب" وظفار ومسقط.
وكانوا يأتون من الهند بمواد التجارة، وفي مقدمتها المعادن الثمينة والأقمشة الحريرية الثمينة المنسوجة والتوابل والأفاوية، ويفرغونها في ميناء مسقط بعمان. ثم تحملها قوافلهم عبر طريقين رئيسيين:
١- الطريق الأول: يسير من عمان أو حضرموت ويتجه شمالا عبر بادية الدهناء حتى يصل إلى الخليج العربي ويمر بمرفأ "جرها Gerha" "العقير حاليا" ثم ينعطف غربا فيخترق نجد حتى يصل إلى الحجاز بتيماء ثم بودان "العلا" حيث يتسلم خفارة القوافل المديانيون والآدوميون والأنباط، ويعرجون بها إلى مكة وينبع والمدينة المنورة ومنها إلى البتراء فمعان، حيث تتفرع الطرق إما شمالا إلى فينيقية وفلسطين فتدمر وإما غربا إلى مصر.
٢- الطريق الثاني: ويبدأ من مسقط إلى حضرموت ثم إلى مختلف حواضر اليمن، ويسير شمالا حتى خليج العقبة، مارًّا بمحطات مهمة مثل مكة ويثرب. ومن خليج العقبة يسير إلى البتراء فمعان التي كانت مستعمرة للمعينيين ثم للسبئيين من بعدهم. ومنها يتفرع إلى الاتجاهات نفسها التي يتفرع إليها الطريق السابق.
وأحيانا كانت سلع اليمن التجارية تتبع طريقًا آخر هو الطريق البحري عبر باب المندب حتى ساحل مصر الوسطى، إذ تصل السفن إلى وادي الحمامات، ومنها تحمل على الدواب إلى المدن المصرية, غير أن الطريق البري كان أسهل وأسلم وأكثر استعمالًا.
وكان لليمنيين على طول هذه الطرق محطات تحتوي على جميع المعدات والوسائل التي تؤمن راحة المسافرين, ويرافق القوافل البرية رجال من أهل البادية يخفرونها.
стр. 129
الصناعة:
اشتهرت اليمن منذ القديم بالصناعة، وقد ساعدها على ذلك طبيعة أراضيها التي تحتوي على أنواع من المعادن الثمينة التي أخذ اليمنيون يستخرجونها من باطن الأرض. فقد كان فيها كثير من مناجم الذهب والفضة والحجارة الكريمة مما أتى على ذكره الهمداني
стр. 130
وياقوت الحموي، إذ تحدثوا عن الأمكنة التي كانت توجد فيها كل هذه المعادن بكثرة.
وقد تحدث المؤرخون عن وجود معدن ثمين هو "البقران" الذي يميز منه نوع يقال له: "المثلث" ذلك أن له وجهًا أحمر فوق عرق أبيض فوق عرق أسود، ويكثر وجوده بالقرب من صنعاء١. ولذلك فإن عرب اليمن قد اهتموا باستخراج هذه المعادن، وامتهن كثير منهم صناعة التعدين، وأهم ما كان يخرج من بين أيدي صناعهم السيوف التي أخذت شهرة صناعتها اليمنية تعم الآفاق، فإذا امتدح أحدهم سيفًا قال: إنه "كالسيف اليماني". ولا يضاهي هذه الصناعة شهرة سوى صناعة "البرد اليمنية" التي كانوا يستوردون مادتها الحريرية الخام من الهند وينسجونها في بلادهم.
ومن الصناعات التي اشتهر بها اليمنيون دبغ الجلود وصنع التروس والدروع السميكة منها. كما انفردوا بصناعة جعلوها احتكارًا لهم، لا يشاركهم فيها أحد، هي تحضير البخور واللبان والطيوب بحيث نسجوا حول تدارك موادها الأولية بعض الخرافات؛ كي يوفروا لأنفسهم الحماية من منافسة الأجانب في الحصول عليها، كمثل ما رواه المؤرخ اليوناني "هيرودوت" عن كيفية اجتناء البخور بحرق صمغ يسمى الميعة لتنفير الحيات الطائرة التي تأوي إلى أشجاره، وعن كيفية اجتناء القرفة التي زعموا أنها تنبت في بحيرة قليلة المياه تسرح حولها حيوانات كالخفافيش، تصيح صياحا هائلا وهي شديدة الأذى؛ مما يضطرهم إلى تغطية أبدانهم ووجوهم ما عدا الحدق بجلود الثيران والماعز لاتقاء أذاها، فنقل "هيرودوت" هذه الأوهام وكأنها حقيقة واقعة.
стр. 131
العمران وإنشاء المدن:
لقد دلت الاكتشافات الحديثة أن عرب الجنوب اليمني قد بنوا مدنا كثيرة، درست معالم معظمها، ولم تبق إلا أنقاض بعضها مثل: معين ومأرب ويثيل "براقش" وظفار وشبوة وغيرها، وقد ذكر شعراء العرب عشرات منها في أشعارهم، ووصفوا بعضها في قصائدهم وتغنوا بجمالها. ويبدو أن اليمنيين كانوا يبنون مدنهم على مرتفعات التماسًا للطافة الجو، وتحاشيًا لأخطار السيول، وفي الوقت نفسه ليحمي الأمراء الحضريون أنفسهم من
стр. 132
غارات البدو إذ كانوا يجعلون قصورهم على شكل قلاع حصينة شبيهة بقصور نبلاء القرون الوسطى في أوروبا "Chateaux forts".
كانت كل مدينة تحتوي على قصر أو عدة قصور، وعلى معابد فخمة بالإضافة إلى منازل السكان، كما يرى في مدينة مأرب التي كانت مستديرة الشكل قطرها نحو كيلومتر، وحولها سور له ثلاثة أبواب, وفي وسط المدينة آثار هيكل يسميه اليمنيون الآن "هيكل سليمان" وتحتوي أيضا على آثار قصور كثيرة أشهرها قصر سلحين الذي كان مقرًّا للملك، وقد شاهده الهمداني ويسمونه الآن "قصر بلقيس" وعلى مسيرة نصف ساعة من شمال شرقي المدينة أنقاض بناء عظيم يقال له: "حرم بلقيس" وهو أهليلجي الشكل، حوله سور له بابان شمالي وجنوبي، وعليه كتابة تشير إلى أنه كان هيكلًا لعبادة "ألمقة" الإله القومي لسبأ١.
ويشاهد في صنعاء آثار قصر غمدان الذي بناه الملك "اليشرح يحضب" من ملوك الدور الأول الحميري في القرن الأول للميلاد، والذي شاهد الهمداني أطلاله، وقال: إنها عبارة عن تل عظيم كالجبل، ويعد من أفخم قصور اليمن إذ قيل: إنه بني بالبورفير والجرانيت والمرمر، وكانت كل واجهة من واجهاته الأربع مبنية بحجارة يختلف لونها عن ألوان الأوجه الأخرى. ويروى أنه قد جعل عشرين طابقًا بين كل طابق وآخر عشرة أذرع.
ومن أهم قصور اليمن٢: قصر ناعط العظيم، الذي يلي قصر غمدان شهرة. وهو في الحقيقة عبارة عن محفد، مؤلَّف من قصور عديدة تزيد على عشرين قصرا كبيرا، يحيط بها سور مبني بالصخر المنحوت. وأشهرها قصر المملكة الكبير، الذي كان يسمى قصر "يعرق" وليس هناك من قصر إلا وتحته صهريج للماء تجمع فيه مياه الأمطار التي تهطل على سطحه وهو يعتمد على أساطين فخمة، طول الواحدة منها نيف وعشرون ذراعًا ويكاد لا يحضنه رجلًا.
стр. 133
ومن القصور التي أقيمت على غرار ناعط محفد "مدر" المؤلف من أربعة عشر قصرًا كلها غنية بالأعمدة السامقة، وهي غاية في الفخامة والجمال. وهذه القصور والمحافد أشبه بقلاع يقيم فيها الأذواء والأقيال، تحتوي على هياكل وعلى تماثيل للآلهة.
كان اليمنيون ماهرين في فن البناء ونحت الحجارة, ويستدل من آثارهم الباقية أنهم عرفوا العقد المدبب الذي يستند على أعمدة باسقة. وقد بنى اليمنيون بالإضافة إلى القصور السدود والحصون والمعابد والحياض وخزانات المياه، وأكثروا من بناء الهياكل، إذ احتوت بعض مدنهم ٦٠ هيكلًا، وبعضها الآخر ٦٥ هيكلًا. ولم تكن عنايتهم بالإكثار من السدود والخزانات بأقل من ذلك، ولا تزال كثير من الخزانات والأحواض التي بنوها لخزن المياه مستعملة حتى الآن, على أن أهم أثر تركوه هو سد مأرب العظيم الذي تكلمنا عنه.
وكانوا يزينون مبانيهم بنقوش كتابية، أو برسوم تمثل بعض الحيوانات، مثل رءوس الثيران والسباع والظباء وغيرها، أو بزخارف من أغصان وأوراق الشجر والأزهار، أو ببعض الأشكال الهندسية الجميلة، وأحيانا كانوا ينقشون على الواجهات مشاهد من الحياة العادية كحراثة الأرض أو غير ذلك من أعمال الزراعة.
стр. 134
اللغة والكتابة:
بالرغم من أن اللغة العربية الجنوبية واللغة العربية الشمالية تمتان إلى الأصل السامي الواحد وتتشابهان، فإن لغة الجنوب قد اختلفت نوعًا ما عن لغة الشمال، مما دعا علماء اللغات إلى اعتبارها من لغات القسم الجنوبي للمجموعة السامية. وقد تفرعت إلى لهجات بحسب عصور الحكم المتعاقبة "اللهجة المعينية والسبئية والحميرية" ثم بدأت بالضعف بعد أن أخذت دول اليمن في الانحطاط، وانتقلت الأهمية إلى مناطق الشمال التي استقطبت نفوس العرب بمركزها الديني والاقتصادي، وطغت لغتها على لغة الجنوب، حتى إذا دخل دين الإسلام إلى الجنوب العربي، ودخلت معه لغة قريش، تلاشت كل لهجات الجنوب تلاشيا تاما، ولم يبق منها سوى النقوش والكتابات التي عثر عليها المستشرقون والرحالة الأوربيون، ونقلوها إلى أوروبا، حيث انصرفوا إلى فك رموزها، إلى أن تمكن العالمان "أوسيندر ورود يكردي هال" من قراءتها وتفسير نصوصها.
ويسمى الخط الذي كانت تكتب به هذه اللغات بالخط المسند؛ لأن حروفه تشبه
стр. 135
الخطوط المستقيمة المتعامدة التي يستند بعضها على بعض، وتتألف أبجديتها من "٢٩" حرفًا هي الحروف العربية الـ ٢٨، مضافًا إليها السين الثانية وهي مقتبسة من الأبجدية التي كشف عنها مؤخرًا في "سرابيط الخادم" بسيناء، والتي تبين أنها أصل للأبجدية الفينيقية أيضا، إذ كان كل من العرب والفينيقيين قد تأثروا بها واستوحوا منها بعض الإشارات، وأما أبجدية سيناء فقد تكون محورة عن الخط المصري القديم بحيث اقتبست أو استوحت منه الإشارة الدالة على المخارج الصوتية، وأهملت الإشارات الدالة على المعاني، فأحالت النظام الهجائي المعقد في الكتابة المصرية إلى نظام هجائي مبسط سهل الاستعمال. والكتابة اليمنية القديمة ليس لحروفها حركات في أواسط الكلم تحدد النطق بها؛ لذلك فإن ضبط النطق بها مسألة تخمينية. وتكتب الكلمات بحروف منفصلة عن بعضها كالكتابة الأوروبية، ويفصل بين كل كلمة وأخرى بخط عمودي. وأخيرًا فإن نسق الكتابة اليمنية من اليمين إلى الشمال. وقد وجدت بعض الكتابات التي سار فيها النسق على الشكل الحلزوني، أي: إن أول سطر من الكتابة يسير من اليمن إلى الشمال ويتبعه السطر الثاني من الشمال إلى اليمين، ثم الثالث من اليمين إلى الشمال, وهكذا دواليك.
стр. 136
الديانة:
كانت ديانة عرب الجنوب أرقى من ديانة عرب الشمال، ولو أن الديانتين وثنيتان؛ ذلك أن مجتمع الجنوب كان عريقا في حضارته، ولهذا نجد فيه شعائرَ وطقوسًا ثابتة، وله معابد وهياكل منتشرة في كل مكان مأهول، مما لا نجد له مثيلًا لدى عرب الشمال سوى الكعبة.
وفي بحث ديانة عرب الجنوب كان الاعتماد على الآثار والكتابات المكتشفة أكثر من الاعتماد على كتب المؤرخين العرب. وقد ذكرت النقوش أسماء معابد كثيرة إلى جانب أكثر من مائة إله، بعضها كان يعبد في جميع أرجاء البلاد، وبعضها كان من الآلهة المحلية.
كان لليمنيين هياكل فيها رموز لآلهتهم يحملون إليها ربح تجارتهم، فيحتجز سدنتها ثلث الأموال التي يحملها التجار إليهم، ويتركون الباقي لأصحابها. هذا عدا ما يقدمه الأهالي من ضحايا وهدايا وبخور للآلهة في شكل قرابين؛ كي تبارك أعمالهم وتمنحم الصحة والبركة.
стр. 137
وأهم الآلهة التي عبدت في الجنوب ثلاثة: القمر والشمس وكوكب الزهرة١، وهي لم تصور آنذاك في أشكال آدمية؛ إذ لم تكن الصور والتماثيل معروفة لديهم. وهذه التماثيل إن وجدت عند عرب الشمال فالمعتقد أنها كانت دخيلة عليهم، أتتهم من شعوب شمالية سامية أخرى. أما الرموز التي عبر بها عرب الجنوب عن هذه الآلهة، فنشاهدها في الألواح التي عثر عليها بين أنقاض المعابد المكتشفة، حيث استعمل رمز الهلال الأفقي للدلالة على القمر وقرص الشمس المشع للدلالة على إله الشمس، والنجمة للدلالة على الزهرة، وكثيرًا ما استُعْمِل رأس الثور وقرناه رمزًا للدلالة على إله القمر.
على أن الإله الذي هيمن هيمنة مطلقة على عقول الجنوبيين وخص بكثير من الأسماء والألقاب، ونال القسط الأوفر من الاعتبار هو القمر، بينما نرى أن الذي يلعب هذا الدور عند الشعوب السامية الشمالية في الهلال الخصيب هي الشمس. والواقع أن ديانة العرب قمرية، وديانة بقية الشعوب السامية شمسية, وقد يكون للعوامل الجغرافية والمناخية الأثر الكبير في ذلك؛ بسبب أن الشمس محرقة منهكة، بينما يكون ظهور القمر مرافقًا لليالي ذات النسيم العليل، كما يكون في الوقت نفسه دليلًا للحادي، وهاديًا للقافلة، وسميرًا للقبيلة. وكثيرًا ما نرى لفظ "القمرين" يطلق على الجرمين السماويين الشمس والقمر تكريمًا لاسم القمر٢.
وفي النقوش التي عثر عليها في الجنوب ما يشير إلى أن القمر والشمس والزهرة تؤلف ثالوثا إلهيا مكونا من أب وأم وابن، فهي أسرة إلهية سماوية مقدسة، باعتبار أن القمر هو الزوج، والشمس هي الزوجة، وعثتر أو عطار هو الابن.
على أن زواج القمر بالشمس يبدو وكأنه اعتقاد عالمي معروف عند أغلب الشعوب القديمة، وهو مبني على ملاحظات فلكية المظهر، إذ يلاحظ في كل شهر سير القمر في السماء مسرعًا حتى إذا جاء وقت يوشك فيه على الاضمحلال تمكن من اللحاق بالشمس في الوقت الذي يأخذ في الاختفاء التدريجي حتى يضمحل تماما، ليولد بعد ذلك هلالًا
стр. 138
صغيرًا، بعد أن يكون قد لحق بالشمس ثلاث ليالٍ متتالية، ثم يأخذ في النمو والبعد عنها ليبدأ دورته الجديدة في مطاردتها، وهكذا دواليك في كل شهر. فملاحقة القمر للشمس واختفاؤه معها ثلاث ليال شهريا حمل الإنسان الفطري في معظم المجتمعات القديمة على الاعتقاد بأن ذلك إنما هو زواج سماوي.
ولعل مفهوم هذا الزواج هو الذي أكسب القمر اسم "بعل" وهو من أسماء إله القمر عند الساميين؛ ولذا نرى أن اسم الإله "بعل" كثير الورود عندهم، وهو يعطي أيضا معنى "سيد".
وليست الأسرة الإلهية مقتصرة على هذا الثالوث المقدس، فللقمر والشمس أبناء آخرون هم سائر نجوم السماء, فكما اعتقدت بعض الشعوب القديمة والحديثة أن جميع البشر هم أبناء لآدم وحواء، كذلك اعتقدت شعوب سبقتها ودانت بالوثنية أن سائر الكواكب السماوية هي منحدرة من آدم وحواء سماويين هما القمر والشمس. غير أن هذه الكواكب ليست في مرتبة الابن "عثتر = الزهرة" الذي يتمتع بمرتبة ممتازة، ولكنها مع ذلك لم تعتبر في منزلة البشر بل في منزلة أعلى منهم، إنها جعلت في مرتبة ما عرف فيما بعد في الإسلام باسم "الملائكة".
وفي الكتابات الجنوبية نجد ما يشير إلى أن لفظ "ملك" كان لقبًا من ألقاب الآلهة، وإلى أن الملك كان يعبد بوصفه إلهًا، ربما كممثل أرضي للإله "عثتر" الذي قد يكون نزل إلى الأرض وتقمص شخصية الملك حسبما يظن أنهم كانوا يعتقدون. وهذاالحلول في الملك ربما يكون قد حصل عند ولادة الملك أو قبل ذلك. فالملك العربي، بهذا الاعتبار، لم يولد ولادة عادية كسائر البشر، إنما ولد من سلالة إلهية.
стр. 139
الفصل السابع: دول الشمال العربي قبل الإسلام
مدخل
...
الفصل السابع: دول الشمال العربي قبل الإسلام
كما قامت دول وحضارات في جنوبي شبه الجزيرة العربية، كذلك قامت دول وحضارات في شماليها وفي بلاد الشام والعراق, من هذه الدول: دولة الأنباط، ودولة تدمر، ودولتا الغساسنة والمناذرة ودولة كندة١.
стр. 140
دولة الأنباط
الموقع الجغرافي:
امتدت دولة الأنباط من حدود فلسطين شمالًا، إلى حدود الحجاز جنوبًا، ومن بادية الشام شرقًا، إلى شبه جزيرة سيناء غربًا. وهي دولة عربية لم يرد ذكرها في كتب العرب القدماء، إنما عرفت أخبارها مما كتبه اليونان عن البطالمة والسلوقيين والرومان، أو من الآثار التي عثر عليها المنقبون في أنقاضها ومما قرءوا من أخبارها المرقومة عليها. وعاصمتها البتراء تقع في الشمال الشرقي من رأس خليج العقبة غير بعيدة عنه، ومكانها الآن في أراضي شرق الأردن، وفي وادي موسى الذي يمتد إلى الشرق من وادي العربة، هذا الوادي الذي يبدأ من جنوبي البحر الميت وينتهي في خليج العقبة. وتمتاز البتراء بكونها مدينة صخرية قائمة في منبسط من الأرض هو عبارة عن هضبة تعلو ١٠٠٠م عن سطح البحر، تحيط بها الصخور فتجعلها محصنة من نواحيها الشرقية والغربية والجنوبية، بينما يكون الدخول إليها من ناحية الشمال من مضيق يتلوى بين صفين من التلال الصخرية القائمة على جانبيه بارتفاع لا يقل عن مائة متر، ويستمر في الضيق حتى يصبح بعرض لا يزيد على خمسة أمتار عند مدخل المدينة.
ويظهر أن اسم البتراء مأخوذ من كلمة Patra اليونانية التي تعني الصخر. وقد
стр. 141
سماها اليونان والرومان باسم "بلاد العربية الصخرية Arabia Patra" بينما عرفها العبريون باسم "سلاع" الذي يعني الحجر في لغتهم، كما عرفها العرب باسم "الرقيم" وهو الذي كان الأنباط يطلقونه على مدينتهم.
لقد أحرزت المنطقة أهمية كبيرة بفضل وضعها الجغرافي، وموقعها على طريق القوافل التجارية، وهي في ذلك المكان البقعة الوحيدة التي توجد فيها بكثرة مياه عذبة تجمع في صهاريج من مجاري السيول؛ الأمر الذي جعلها محطة تجارية عظيمة الأهمية. تجد فيها القوافل التجارية -بعد مسيرها في الأراضي الصحراوية مسافات طويلة- مكانًا للراحة والتزود بالماء والطعام.
وقد أتاحت لها هيمنتها على طرق القوافل التجارية التوسع فيما بعد لتصبح مدينة مهمة.
стр. 142
أصل الأنباط:
سكن البتراء الحوريون والآدميون حتى أواخر القرن السادس قبل الميلاد. وفي حوالي سنة ٥٠٠ق. م، قدم الأنباط -وهم عرب رحل لا يعرف على وجه التدقيق الموطن الذي أتوا منه، وربما كان مجيئهم من شمالي الحجاز أو من أواسط الجزيرة العربية- وهاجموهم وغلبوهم على أمرهم، وانتزعوا منهم أراضيهم، وتمثلوهم ودمجوهم في الدولة العربية التي أقاموها فيما بعد، والتي دامت أكثر من خمسة قرون، واستمدت نسغ الحياة والقوة من التجارة، وكان لموقعها الحصين أثر كبير في بقائها على قيد الوجود مدة طويلة.
ويظهر أن الأنباط قد ثابروا في بادئ الأمر على نمط حياتهم البدوية من حيث حياة الترحل والرعوية، وكره الزراعة والصناعة، ولم يألفوا حياة الحضارة إلا بعد قرنين من الزمن بعد قدومهم، وقد تلاءموا مع هذه الحياة تدريجيًّا، حتى جذبتهم الحضارة إلى رحابها، إذ وجدوا فيما تتطلبه القوافل من خدمة، وما تأتي به من سلع تجارية يسهمون في تصريفها، وسيلة مجدية للربح وكسب العيش، فاستقروا وما لبثوا أن أقاموا دولة منظمة وحكموا بلادهم على أساس النظام الملكي، وضربوا النقود واستوزروا الوزراء١،
стр. 143
ووصلت الدولة إلى أقصى اتساعها في عهد ملكها الحارث الثالث "٨٧-٦٢ ق. م" إذ بلغ اتساعها حدًّا شمل البلاد الواقعة بين دمشق وبين مدائن صالح في شمالي الحجاز، بما فيها سواحل البحر الأحمر ومنطقة شبه جزيرة سيناء وشرق الأردن وحوران.
стр. 144
الأنباط بين السلوقيين والبطالمة ١:
عاصرت دولة الأنباط السلوقيين والبطالمة قبل الميلاد والدولة الرومانية بعد الميلاد، إنما يظهر أنها غالبًا ما كانت تميل إلى البطالمة وتتأثر بنفوذهم مع المحافظة على استقلالها. ويبدو أن قيامها كان في أواخر النصف الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد، حيث إنه لم يعرف عن تاريخها شيء كثير قبل عام ٣١٢ ق. م، ذلك التاريخ الذي صدت فيه حملة يونانية وجهها إليها "أنطيغونس" خليفة الإسكندر المقدوني في سورية، إذ كان في طريقه إلى مصر لإخضاع "بطليموس" الذي انتزى على مصر بعد الإسكندر، فرأى أن يستولي في طريقه على البتراء، فوجه إليها قائده "أثينايوس" على رأس حملة مؤلفة من أربعة آلاف مقاتل؛ ليقطع بذلك التجارة عن منافسه.
اغتنمت الحملة خلو المدينة من الرجال، إذ كانوا قد توجهوا إلى إحدى الأسواق التجارية، فدخلت المدينة ونهبت ما وجدته فيها من بضائع ومعادن ثمينة، وقتلت كل من قاومها من الرجال. وبينما كانت عائدة داهمها الأنباط الذين لحقوا بها بعد أن عادوا إلى المدينة، وعرفوا ما حل بها، فلقنوا الغزاة درسًا قاسيًا واستأصلوا شأفتهم، فلم يسلم منهم سوى خمسين فارسًا.
غير أنهم رأوا ألا يستفحل العداء بينهم وبين السلوقيين فكتبوا إلى "أنطيغونس" يخففون عنه وقع الحادث بإظهار أسفهم لما حدث، وبإلقاء التبعة على عاتق القائد "أثينايوس". ويظهر أن الملك السلوقي "أنطيغونس" قد استعمل المكر معهم، إذ قبل العذر ظاهرا، مدعيًا أن قائده إنما قام بهذا العمل دون علمه، وأبدى رغبته في تحسين علاقته بالأنباط، لكنه في الواقع كان يضمر لهم الغدر بإدخال الاطمئنان إلى قلوبهم؛ كي
стр. 145
يفاجئهم بالحرب على حين غرة، إذ لم تمض فترة وجيزة حتى وجه إليهم حملة أخرى تأديبية، بقيادة قائد آخر من قواده هو "ديمتريوس". فلما أدرك الأنباط الخطر المحدق بمملكتهم هرَّبوا كل ما هو ثمين من أمتعتهم وحليهم وتجارتهم إلى خارج المدينة، وتحصنوا في معاقلهم، وأخذوا يفاوضون القائد السلوقي، وعرضوا عليه مبلغًا من المال لقاء الانسحاب، وإلا فإنهم مصممون على الصمود حتى الفناء التام. وخاطبوه بقولهم: "وإذا أبيتم إلا إطالة الحصار فلا تنالون غير التعب والفشل؛ لأنكم لن تجدوا سبيلًا إلينا, ونحن في هذا الحصن المنيع. وإذا قدر لكم الظفر فلن تنالوه إلا بعد أن نموت جميعًا، ولا يبقى لكم غير هذه الصخور الصماء، وأنتم لا تستطيعون سكناها"١.
وإن أدرك القائد السلوقي استحالة احتلال البتراء المنيعة، ووجد أن لا مطمع له في هذه المملكة، آثر الانسحاب لقاء مبلغ من المال اتفق عليه.
وأما البطالمة فلما تراءت لهم أهمية موقع الأنباط التجاري والإستراتيجي, حاولوا أن يبسطوا سيطرتهم على بلادهم، غير أنهم أدركوا استحالة ذلك لمناعة البتراء، فقرروا أن يسلكوا معهم سياسة أخرى تقضي بتركهم مستقلين، والاكتفاء بجعلهم تحت نفوذهم، فشرعوا في الاستيلاء على المدن الفينيقية والفلسطينية التي لها صلات تجارية معهم والتي تمر فيها قوافلهم، وأقاموا حولهم المستعمرات، فسيطروا بذلك على منافذ تجارتهم، ثم سيطروا وأقاموا فيها من الموانئ والمحطات ما هو كفيل بالقضاء على التجارة التي تمر بالبتراء, وانتزاع مقاليدها من أيديهم للحلول مكانهم في النشاط التجاري. غير أن الأنباط لم يستسلموا لهذا الحصار والتنافس الاقتصادي، بل أخذوا في مهاجمة سفن البطالمة التي تمر بالبحر الأحمر لعرقلة تجارتهم، الأمر الذي دفع البطالمة إلى بناء أسطول حربي، يعهد إليه بحماية الأسطول التجاري٢.
وقد استمر الحال على ذلك حتى القرن الثاني قبل الميلاد، عندما استرجع السلوقيون البلاد السورية التي احتلها البطالمة، واتجهوا إلى الأنباط يحسنون علاقتهم بهم لاستمالتهم, فعاد النشاط إلى التجارة النبطية، ولا سيما مع بلاد الشام ومنها صور بوجه خاص.