سماها اليونان والرومان باسم "بلاد العربية الصخرية Arabia Patra" بينما عرفها العبريون باسم "سلاع" الذي يعني الحجر في لغتهم، كما عرفها العرب باسم "الرقيم" وهو الذي كان الأنباط يطلقونه على مدينتهم.
لقد أحرزت المنطقة أهمية كبيرة بفضل وضعها الجغرافي، وموقعها على طريق القوافل التجارية، وهي في ذلك المكان البقعة الوحيدة التي توجد فيها بكثرة مياه عذبة تجمع في صهاريج من مجاري السيول؛ الأمر الذي جعلها محطة تجارية عظيمة الأهمية. تجد فيها القوافل التجارية -بعد مسيرها في الأراضي الصحراوية مسافات طويلة- مكانًا للراحة والتزود بالماء والطعام.
وقد أتاحت لها هيمنتها على طرق القوافل التجارية التوسع فيما بعد لتصبح مدينة مهمة.
стр. 142
أصل الأنباط:
سكن البتراء الحوريون والآدميون حتى أواخر القرن السادس قبل الميلاد. وفي حوالي سنة ٥٠٠ق. م، قدم الأنباط -وهم عرب رحل لا يعرف على وجه التدقيق الموطن الذي أتوا منه، وربما كان مجيئهم من شمالي الحجاز أو من أواسط الجزيرة العربية- وهاجموهم وغلبوهم على أمرهم، وانتزعوا منهم أراضيهم، وتمثلوهم ودمجوهم في الدولة العربية التي أقاموها فيما بعد، والتي دامت أكثر من خمسة قرون، واستمدت نسغ الحياة والقوة من التجارة، وكان لموقعها الحصين أثر كبير في بقائها على قيد الوجود مدة طويلة.
ويظهر أن الأنباط قد ثابروا في بادئ الأمر على نمط حياتهم البدوية من حيث حياة الترحل والرعوية، وكره الزراعة والصناعة، ولم يألفوا حياة الحضارة إلا بعد قرنين من الزمن بعد قدومهم، وقد تلاءموا مع هذه الحياة تدريجيًّا، حتى جذبتهم الحضارة إلى رحابها، إذ وجدوا فيما تتطلبه القوافل من خدمة، وما تأتي به من سلع تجارية يسهمون في تصريفها، وسيلة مجدية للربح وكسب العيش، فاستقروا وما لبثوا أن أقاموا دولة منظمة وحكموا بلادهم على أساس النظام الملكي، وضربوا النقود واستوزروا الوزراء١،
стр. 143
ووصلت الدولة إلى أقصى اتساعها في عهد ملكها الحارث الثالث "٨٧-٦٢ ق. م" إذ بلغ اتساعها حدًّا شمل البلاد الواقعة بين دمشق وبين مدائن صالح في شمالي الحجاز، بما فيها سواحل البحر الأحمر ومنطقة شبه جزيرة سيناء وشرق الأردن وحوران.
стр. 144
الأنباط بين السلوقيين والبطالمة ١:
عاصرت دولة الأنباط السلوقيين والبطالمة قبل الميلاد والدولة الرومانية بعد الميلاد، إنما يظهر أنها غالبًا ما كانت تميل إلى البطالمة وتتأثر بنفوذهم مع المحافظة على استقلالها. ويبدو أن قيامها كان في أواخر النصف الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد، حيث إنه لم يعرف عن تاريخها شيء كثير قبل عام ٣١٢ ق. م، ذلك التاريخ الذي صدت فيه حملة يونانية وجهها إليها "أنطيغونس" خليفة الإسكندر المقدوني في سورية، إذ كان في طريقه إلى مصر لإخضاع "بطليموس" الذي انتزى على مصر بعد الإسكندر، فرأى أن يستولي في طريقه على البتراء، فوجه إليها قائده "أثينايوس" على رأس حملة مؤلفة من أربعة آلاف مقاتل؛ ليقطع بذلك التجارة عن منافسه.
اغتنمت الحملة خلو المدينة من الرجال، إذ كانوا قد توجهوا إلى إحدى الأسواق التجارية، فدخلت المدينة ونهبت ما وجدته فيها من بضائع ومعادن ثمينة، وقتلت كل من قاومها من الرجال. وبينما كانت عائدة داهمها الأنباط الذين لحقوا بها بعد أن عادوا إلى المدينة، وعرفوا ما حل بها، فلقنوا الغزاة درسًا قاسيًا واستأصلوا شأفتهم، فلم يسلم منهم سوى خمسين فارسًا.
غير أنهم رأوا ألا يستفحل العداء بينهم وبين السلوقيين فكتبوا إلى "أنطيغونس" يخففون عنه وقع الحادث بإظهار أسفهم لما حدث، وبإلقاء التبعة على عاتق القائد "أثينايوس". ويظهر أن الملك السلوقي "أنطيغونس" قد استعمل المكر معهم، إذ قبل العذر ظاهرا، مدعيًا أن قائده إنما قام بهذا العمل دون علمه، وأبدى رغبته في تحسين علاقته بالأنباط، لكنه في الواقع كان يضمر لهم الغدر بإدخال الاطمئنان إلى قلوبهم؛ كي
стр. 145
يفاجئهم بالحرب على حين غرة، إذ لم تمض فترة وجيزة حتى وجه إليهم حملة أخرى تأديبية، بقيادة قائد آخر من قواده هو "ديمتريوس". فلما أدرك الأنباط الخطر المحدق بمملكتهم هرَّبوا كل ما هو ثمين من أمتعتهم وحليهم وتجارتهم إلى خارج المدينة، وتحصنوا في معاقلهم، وأخذوا يفاوضون القائد السلوقي، وعرضوا عليه مبلغًا من المال لقاء الانسحاب، وإلا فإنهم مصممون على الصمود حتى الفناء التام. وخاطبوه بقولهم: "وإذا أبيتم إلا إطالة الحصار فلا تنالون غير التعب والفشل؛ لأنكم لن تجدوا سبيلًا إلينا, ونحن في هذا الحصن المنيع. وإذا قدر لكم الظفر فلن تنالوه إلا بعد أن نموت جميعًا، ولا يبقى لكم غير هذه الصخور الصماء، وأنتم لا تستطيعون سكناها"١.
وإن أدرك القائد السلوقي استحالة احتلال البتراء المنيعة، ووجد أن لا مطمع له في هذه المملكة، آثر الانسحاب لقاء مبلغ من المال اتفق عليه.
وأما البطالمة فلما تراءت لهم أهمية موقع الأنباط التجاري والإستراتيجي, حاولوا أن يبسطوا سيطرتهم على بلادهم، غير أنهم أدركوا استحالة ذلك لمناعة البتراء، فقرروا أن يسلكوا معهم سياسة أخرى تقضي بتركهم مستقلين، والاكتفاء بجعلهم تحت نفوذهم، فشرعوا في الاستيلاء على المدن الفينيقية والفلسطينية التي لها صلات تجارية معهم والتي تمر فيها قوافلهم، وأقاموا حولهم المستعمرات، فسيطروا بذلك على منافذ تجارتهم، ثم سيطروا وأقاموا فيها من الموانئ والمحطات ما هو كفيل بالقضاء على التجارة التي تمر بالبتراء, وانتزاع مقاليدها من أيديهم للحلول مكانهم في النشاط التجاري. غير أن الأنباط لم يستسلموا لهذا الحصار والتنافس الاقتصادي، بل أخذوا في مهاجمة سفن البطالمة التي تمر بالبحر الأحمر لعرقلة تجارتهم، الأمر الذي دفع البطالمة إلى بناء أسطول حربي، يعهد إليه بحماية الأسطول التجاري٢.
وقد استمر الحال على ذلك حتى القرن الثاني قبل الميلاد، عندما استرجع السلوقيون البلاد السورية التي احتلها البطالمة، واتجهوا إلى الأنباط يحسنون علاقتهم بهم لاستمالتهم, فعاد النشاط إلى التجارة النبطية، ولا سيما مع بلاد الشام ومنها صور بوجه خاص.
стр. 146
وازدادت التجارة النبطية ازدهارًا، عندما قامت الإمبراطورية البارثية في فارس، وأعقبها فترة ضعف مر بها السلوقيون، وعم الاضطراب بلادهم، وقامت في شمالها الثورات وانتشرت الفوضى؛ مما ساعد على انتقال مركز الثقل في النشاط التجاري من الشرق إلى غربي الجزيرة العربية. عندئذٍ اغتنم الأنباط فرصة الضعف التي مر بها السلوقيون، فأخذوا يوسعون حدودهم على حسابهم, وقد خاض من ملوكهم الحارث الثاني "١١٠-٩٦ ق. م" غمار حرب ضد الدولة اليهودية في فلسطين، واحتل عبادة الأول "٩٠ ق. م" جنوب شرقي سورية بما فيها حوران وجبل العرب، وبسط الحارث الثالث "٨٧-٦٢ ق. م" سيطرته على سورية بكاملها.
стр. 147
الأنباط واليهود:
قامت في بادئ الأمر علاقة طيبة بين الأنباط في عهد الحارث الأول "١٦٩-١٤٦ ق. م" وبين اليهود في فلسطين، كيما يستطيع الطرفان الصمود أمام المطامع التي واجهتهما من قبل الدولتين القويتين المجاورتين: السلوقية والبطلمية. غير أن الحارث الثاني "١١٠-٩٦ ق. م" ما لبث أن وجه لليهود ضربة رادعة عندما حاولوا استغلال هذه العلاقة لنشر اليهودية بين الأنباط؛ تمهيدًا لبسط سيطرتهم عليها. فبادر إلى مساعدة أهل غزة التي كان يحاصرها اليهود، الأمر الذي حمل الملك اليهودي للعودة إلى صداقة الملك النبطي الجديد عبادة الأول "٩٦-٨٧ ق. م" وللتنازل له عن بعض المناطق التي كانت تحت سيطرة اليهود.
وفي عهد الحارث الثالث بلغ الانقسام في الدولة اليهودية حدًّا خطيرًا: الفريسيون من جهة والصدوقيون من جهة ثانية. فاستغل الملك النبطي هذا الانقسام، لا سيما عندما استنجد به الفريسيون وزعيمهم "هركانوس" ضد خصومهم، لقاء وعد بإعطائه ما بقي من منطقة شرق الأردن خارج سلطة الأنباط. فقبل الحارث وهاجم الصدوقيين وهزم زعيمهم "أرسطوبولس" وحاصر القدس التي احتمى بها واستولى على البقاع١.
غير أن دخول الرومان سورية أتاح لخصمه اليهودي أن يستنجد بهم وأن يقدم لهم
стр. 148
رشوة كبيرة. وكان على الحارث أن يرضخ للإنذار الروماني بالارتداد عن القدس حرصًا على تجنب النزاع معهم.
стр. 149
الحارث الثالث: عصر الذروة
كان الحارث الثالث أعظم ملوك الأنباط شأنًا، وقد بلغت الدولة في عهده أوج عزها واتساعها. وقد استفاد من ضعف الدولة السلوقية وانحطاطها، واستجاب لدعوة الدمشقيين له باحتلال مدينتهم -وكانوا يكرهون حكامهم السلوقيين كرهًا شديدًا- فاحتلها وبسط سيطرته على سورية "٨٥ ق. م" فمنحوه لقب "فيلهلن" Philhellene "محب اليونان". وفيما كان يحاصر القدس "٦٦-٦٥ ق. م" -كما مر معنا- فوجئ بالاحتلال الروماني لسورية فانسحب أمام الحملة الكبيرة التي أتى بها الإمبراطور "بومبيوس" واحتل دمشق "٦٤ ق. م". وبعد سنتين توفي الحارث وبدأ الانهيار النبطي.
стр. 150
خضوع الأنباط للرومان وسقوط دولتهم:
لم يقف الرومان عند دمشق والقدس في موجة احتلالهم لبلاد الشام، بل تابعوا سيرهم حتى البتراء، فضربوا عليها الحصار، وأنذروا ملكها بدفع الجزية وبالخضوع لروما؛ فرضخ الملك النبطي لهذا الإنذار.
لقد شاهد الأنباط أن الرومان قد سيطروا على آسيا الصغرى وسورية ومصر وموانئ البحر المتوسط، وهي منافذ التجارة النبطية، فلم يقاوموهم كما قاوموا السلوقيين والبطالمة، واضطروا إلى إقامة علاقات طيبة معهم، مع الخضوع لنفوذهم.
وقد أسهموا في حروبهم؛ فاشتركوا في حملة وجهها الرومان إلى الإسكندرية "٤٧ ق. م." بناءً على طلب من يوليوس قيصر إلى الملك النبطي ملكو الأول "مالك" وأرفقوا حملة "إيليوس غالوس" الروماني "٢٤ ق. م" إلى بلاد العرب بوزيرهم "سيليوس" "صالح" في عهد الملك عبادة الثاني. وعندما ثار اليهود على الحكم الروماني "٦٩م" بادر ملك الأنباط "ملكو" الثاني إلى مساعدة الدولة الرومانية في قمع ثورتهم،
стр. 151
بإرسال ألف حصان وخمسة آلاف من المشاة اشتركوا مع القائد الروماني "تيطس" في محاصرة القدس.
غير أن العلاقات بدأت بعدئذٍ تسوء بين الطرفين، فحاصرتهم الجيوش الرومانية مرات، فقاوموها إلى أن وجه إليهم الإمبراطور "تراجان" حملة كبيرة بقيادة القائد الروماني "كورنيليوس بالما" استطاع بها أن يخضعهم، وأن يجعل بلادهم ولاية رومانية "١٠٦م" سميت "الولاية العربية الرومانية".
ومع ذلك استمرت البتراء في الاحتفاظ بمركزها التجاري في عهد الاحتلال الروماني, وقد بلغ ازدهارها الاقتصادي ذروته في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي. غير أن ازدياد غارات البدو عليها، وارتفاع شأن الدولة البارثية الفارسية في الشرق، وسيادة السلم بينها وبين الدولة الرومانية، أعاد النشاط للطريق التجاري المار بالعراق، وأخذ طريق غربي الجزيرة المار بالبتراء في الانحطاط؛ لينتقل مركز الثقل التجاري إلى تدمر التي أخذت تستقطب التجارة العربية، بينما أخذ التدهور سبيله إلى التجارة النبطية.
стр. 152
مدنية الأنباط وحضارتهم:
للأنباط حضارة عريقة تميزت بطابعها التجاري والعمراني. وهي عربية في لغتها، آرامية في كتابتها، سامية في ديانتها، يونانية رومانية في فنها وهندسة عمارتها؛ لذلك فهي مزيج حضارة مركبة، سطحية المظهر الهليني ولكنها عربية الأساس. والصورة العامة التي أعطاها المؤرخون للشعب النبطي هي كونه شعبًا متفهمًا للأمور، محبًّا للكسب، منهمكًا في التجارة والزراعة والصناعة، مزدهر الاقتصاد بحيث خلا منه الفقراء المعدمون١.
стр. 153
نظام الحكم:
لقد امتاز المجتمع النبطي بكونه منظمًا ديمقراطي النهج، لم يوجد فيه سوى عدد قليل من العبيد، وهو يقوم على النظام الملكي الوراثي، لكن الملك يستعين في سياسة المملكة وإدارتها بمجلس استشاري يشترك معه في تصريف مختلف شئونها.
стр. 154
التجارة والزراعة والصناعة:
امتد نشاط الأنباط التجاري إلى مناطق واسعة، ووصلت علاقاتهم إلى أبعد المناطق المتمدنة آنذاك. فقد تركوا فيما بين "بتيولي Puteoli" التي بقيت زمنًا طويلًا المرفأ الرئيسي للرومان، وبين "جرها Gerha" "العقير حاليا" على الخليج العربي١ وسواحل البحر الأحمر وديلوس ومليتوس ورودس في اليونان، ودلتا نهر النيل الشرقية ومصر العليا وعند مصب نهر الفرات آثارًا كتابية ووثائقَ لا يزال بعضها محفوظًا في متحف نابولي، وكلها تشهد بنشاط الأنباط التجاري في تلك الجهات، مثلما تشهد الوثائق الصينية بمشروعات الأنباط التجارية فيها.
وكان من سلسلة المحطات التي تمر بها القوافل التجارية النبطية مدينة "لويكة كومة LeuKe kome" وهي مدينة عربية كانت تقع على ساحل البحر الأحمر قرب "الوجه" ومدينة "ليلة" وكانتا حلقتين خارجيتين في السلسلة، بينما كانت كل من بصرى وصلخد حلقتين داخليتين.
ومما ذكره "سترابون" أن اهتمام البتراء بتنشيط العمل التجاري بلغ من الشدة أنهم كانوا يفرضون الغرامات على كل من يهمل عمله فتنقص ممتلكاته، بينما كانوا يمنحون مراتب الشرف لمن يزيد فيها. كما كانوا يهتمون بحماية طرق القوافل لتسهيل مرور البضائع في بلدتهم فيفرضون عليها الضرائب والرسوم، بينما كانوا قد مارسوا نوعًا من الاحتكار لمدة من الزمن٢.
كان الأنباط يتاجرون في مختلف السلع كالعطور والطيوب والتوابل والأفاوية والمر والبخور يحملونها من اليمن، والحرير والمنسوجات بأنواعها من الصين ومن دمشق،
стр. 155
والزجاج والأرجوان والأصبغة من صور وصيدا، واللؤلؤ من الخليج العربي، ويوزعونها في مختلف المناطق التي يتصلون بها. باختصار لم تكن تجارة ما تنتقل بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب إلا على يدهم أو مرورًا بمدينتهم. وقد انتقلت حضارتهم مع توسعهم التجاري إلى المناطق المجاورة لهم. وكان للأنباط عملة خاصة بهم يعود فضل سكها لملكهم الحارث الثالث اقتباسًا من اليونان السلوقيين في أثناء حكمه لسورية.
كما عمل الأنباط في الزراعة, إذ حفروا الآبار وجمعوا مياه السيول في صهاريج حفروها في الصخور، ووصلوا بعضها ببعض بأقنية نقبت في الصخر، وقد وجهوا إليها مياه الأودية والسيول، واستعملوها في المدينة، وفي الحقول للشرب وللزراعة. هذه الصهاريج تعتبر الآن من الآثار المهمة في البتراء، وهي مربعة الشكل لها فوهات ضيقة حتى إذا امتلأت الصهاريج أحكموا سد هذه الفوهات واستخدموا كل ما أُوتوا من مهارة ليخفوها عن الأنظار، فيجعلون عليها علامات لا يعرفها سواهم؛ لترشدهم إليها عند الإيجاب بينما يستحيل على الأعداء -فيما إذا هاجموهم- أن يعثروا عليها فيموتون عطشًا في هذه المنطقة الجافة المحرومة من المياه الطبيعية.
أما صناعتهم: فإنها قد تركزت في صنع الأواني الخزفية, وقد أتانا منهم العديد من القطع التي تعتبر أحسن نوع من أنواع الخزف التي أنتجتها منطقة الشرق الأدنى. منها كئوس وفناجين وصحون وأباريق وطاسات في غاية الرقة، وهي تدعو إلى الإعجاب بهذه الرقة التي لا تتجاوز رقة قشرة البيضة، مما يشهد بتفوق صناعتها. وثمة أنواع مختلفة منها: كالبسيط الخالي من الزخارف، أو المدهون المزخرف برسوم تغلب عليها أشكال الزهور أو الأوراق المنحوتة بترتيب هندسي، وهي على الأكثر من أوراق الكرمة وعناقيد العنب، تظهر على الأواني الخزفية والفخارية كما تظهر في الزخارف المعمارية. وفي رأي العلماء وخبراء الفن، أن الأنباط كانوا في الفن والبناء والهندسة وفي الصناعة الخزفية من ذوي المواهب العالية ومن أكثر الشعوب براعةً١.
стр. 156
العمران النبطي:
وأما عمران الأنباط فإنه من النوع الفريد المدهش؛ ذلك أن معظم ما يشاهد فيها
стр. 157
الآن من أبنية جميلة إنما هو منحوت في الصخر, وتشكل آثارها تراثًا فنيًّا رائعًا يجذب إليها السياح، وتفيد المملكة العربية الأردنية من ريعها. ويتبع العمران النبطي أساليب فنية وزخرفية نافرة متأثرة بالفن "الهللنستي" الذي كان سائدًا في سورية ومصر في أثناء حكم السلوقيين والبطالمة. وهو فن مزيج من عناصر هللينية "يونانية" في الأصل خضعت لتأثيرات وأوضاع شرقية طورته. والملك الحارث الثالث هو الذي أدخل مملكته ضمن محور الحضارة الهللنستية، فأعطي لقب "محب الهللينية" إذ استقدم الصناع السوريين فأدخلوا معهم نماذج هللنستية تبدو ملامحها على الواجهة الجميلة لبناء يسمى اليوم "هيكل الخزنة" في البتراء، كما يبدو أن المسرح المدرج قد بني في زمن الرومان، ومن حينها بدأت العاصمة النبطية تتخذ مظاهر مدينة هللنستية نموذجية١. وبالإضافة إلى السمات الهللنستية نشاهد على عمائر البتراء السمات الفنية المصرية والآشورية واليونانية والرومانية، مما يدل على أنها خضعت لمزيج من التأثيرات الفنية المتنوعة٢.
وآثار البتراء مجموعة من الهياكل والمذابح والمدافن وصهاريج الماء، بالإضافة إلى شارع رئيسي جميل، وإلى مسرح مدرج يتسع لثلاثة آلاف متفرج. وتبدو الصخور التي نحتت فيها هذه الأبنية بألوان متعددة يغلب عليها عموما اللون الوردي، مما دعا أوائل الذين اكتشفوا آثارها إلى تسميتها باسم "المدينة الوردية".
ومن أهم ما نشاهد فيها بناء شامخ على واجهته نقوش وكتابات بالقلم النبطي، وهو مؤلف من طبقتين نُقر في واجهتهما صَفَّانِ من الأعمدة الكورنثية الجميلة، والرسوم والأفاريز البديعة المزخرفة التي تعتبر من آيات الفن الرائعة. وفي أعلى الطابق الثاني ترس مثلث داخله كتلة بيضية الشكل تشبه الجرة؛ ولذا اعتقد أعراب تلك المنطقة بأنها خزنة فرعون فغلب على البناء اسم "هيكل الخزنة". وفيها أيضًا بناء آخر يسمى "الدير" يقع في مرتفع من الأرض، يظهر أنه كان مخصصا لعبادة الإله "دوشارا = ذو الشرا" وقد نحت على أسلوب البناء السابق، لكنه لا يدانيه في دقة زخارفه وجماله. وبالقرب من هذا البناء مقابر ملكية على شكل بروج واجهتها تشبه واجهة الدير. وفي البتراء كثير من القبور
стр. 158
والبيوت الخاصة تشبه الكهوف، وهناك من القبور ما هي على شكل بروج محفورة في الجدران الصخرية المحيطة بالمدينة. ومما يشاهد في المدينة جبانة متسعة منحوتة في الصخر تتراءى في طبقاتها الصخرية معظم ألوان قوس قزح. ومعظم واجهات المقابر مزينة بزخارف نافرة لا تزال بحالة جيدة. وإلى جانب هذا كله تشاهد المذابح التي كان النبطيون يقدمون عليها الذبائح كقرابين للآلهة، أهمها المذبح الكبير في جنوب شرقي المدينة، وأبرز ما فيه فجوة محفورة في الصخر يتم عليها الذبح وتتصل بقناة تؤدي إلى حوض يسيل إليه الدم.
стр. 159
الديانة:
أما الديانة النبطية فهي من النوع الوثني المنتشر آنذاك في الجزيرة العربية، ويحمل بعض آلهتها نفس أسماء الآلهة التي كان عرب الشمال يعبدونها مثل "اللات" -وهي أنثى- وترمز إلى القمر، و"مناة" آلهة المنية أو الموت، و"العزى" و"هبل". ومن آلهتهم ما كان يُعبد عند الآراميين في الشام مثل "أتارغاتس" وتعتبر إلهة الحبوب وأوراق النباتات والثمار والسمك. ومنها ما كان يقابل آلهة تدمر و"دورا أوروبس" كما كانت الأفعى تشكل جزءًا من ديانتهم.
وقد عبد النبطيون من الآلهة "شيخ القوم" ويعتبر حامي القوافل، و"بعل شمين" إله السماء والمطر والخصب، وعبدوا بعض ملوكهم أحيانا؛ على أن أهم آلهتهم، وأبرزها "دوشارا = ذو الشرا" الذي كانوا يخصونه بالتقديس أكثر من غيره ومقره البتراء وهو يمثل الشمس. ويستدل من اسمه على أنه كان إلهًا للتجارة "سيد الشراء" وقد مثلوه على شكل مسلة، أو حجر أسود غير منحوت ذي أربع زوايا.
وأما طقوسهم العبادية وما يرافقها من احتفالات فلا نعرف عنها سوى القليل. وقد جاء في وصف قدمه لنا "سترابون" عن إحدى الولائم الملكية أن كل واحد يشترك فيها قد يشرب أكثر من عشر كئوس، مستعملًا في كل مرة كأسًا ذهبية مختلفة. من هذه الرواية ومن رواية أخرى يقول فيها "سترابون": إن الأنباط كانوا يأكلون على موائد مشتركة
стр. 160
بشكل جماعات تتألف من ١٣ شخصًا يقوم على خدمة كل جماعة مغنيتان، تتضح لنا بعض الطقوس التي يعتقد أنها تتصل بعبادة الأنباط١.
стр. 161
اللغة والكتابة:
الأنباط عرب تكلموا اللغة العربية إلى جانب الآرامية وربما اليونانية، ثم اللاتينية بدرجة أقل. وعرفوا من قبل اليونان بكونهم عربًا، وأسماء ملوكهم عربية مثل: الحارث، عبادة، رئبال، ملكو "مالك". وقد ظهر في نصوص "بتيولي" الأثرية وغيرها أسماء: علي, حبيب، سعيد التي كان يتسمى بها الأنباط, وعرب الحويطات هم الذين يمثلون الآن الأنباط القدماء. وإذا كان الأنباط القدماء قد تركوا لنا نقوشا أثرية مكتوبة باللغة الآرامية، فإنهم لم يستعملوها إلا للتعبير عن ثقافتهم؛ لأن الآرامية كانت منتشرة في جميع أرجاء الشرق الأدنى آنذاك بما يشبه اللغة العالمية. وقد استعملها الأنباط على نقودهم وأبنيتهم إلى أن انفصلت عن الآرامية بالتدريج، حتى اتخذت طابعها المميز في منتصف القرن الأول ق. م. وأصبحت ذات صفة ثابتة. وقد جاء نص "النمارة" "راجع ما جاء في الفصل الرابع من هذا الكتاب" -وهو أقدم نص عربي عثر عليه- مكتوبًا بحروف نبطية٢، إذ قد حرر الأنباط الخط الآرامي مع الزمن، حتى تحول على يدهم إلى خط عرف باسم "الخط النبطي" الذي استعمل في تدوين اللغة العربية الشمالية. ففي أحد النقوش الأثرية التي ترجع إلى عام ٢٢٨م، نلاحظ أن النص يكاد أن يكون عربيا برمته. وقد انبثق عن الخط النبطي الخط النسخي٣ الذي يعتبر من حيث القدم كالخط الكوفي المنسوب للكوفة والحيرة.
стр. 162
الدولة التدمرية
مدخل
...
الدولة التدمرية
نشأت تدمر في الظروف نفسها التي نشأت فيها دولة الأنباط بصفتها محطة تجارية في واحة تقع في طرف البادية، التي تفصل الشام عن العراق، وتحيط بها مناطق صحراوية، وهي تقع إلى الشرق من مدينة حمص على بعد لا يتجاوز ١٦٥كيلومترًا عنها. وكان لموقع المدينة على طرق القوافل التي تسير بين بلاد الشام والعراق، ولوجود آبار المياه العذبة والحلوة ومجاري المياه المعدنية فيها فضل كبير على نشوئها وارتقائها من محطة للقوافل إلى مدينة عامرة، بعد أن استقرت فيها بضع قبائل عربية لم يتأكد بعد المكان الذي أتت منه، إنما يعتقد بعض المؤرخين المحدثين أنها أخذت تسكن شرقي إقليم كنعان بعد سقوط الدولة البابلية، وبدأت تتعلم التكلم والكتابة باللغة الآرامية١. كما أثرت في نشوئها عوامل سياسية، ذلك أنها كانت تقع بين إمبراطوريتين كبيرتين: البارثية Parthia والرومانية المتعاديتين، فحافظت على توازنها واستقلالها بينهما زمنا طويلا، مستغلة موقعها المنعزل في قلب الصحراء، وصعوبة وصول الفرق الفارسية والرومانية إليها لإخضاعها٢، وحرص كل من الطرفين على استمالتها لجانبه.
على أن أهميتها وازدهارها كانا بين مد وجزر تبعًا لميزان العلاقة بين حكام العراق وفارس من آشوريين وبارثيين وساسانيين من جهة، وبين حكام سورية من سلوقيين ورومان من جهة أخرى. إذ كانت تتقدم وتزدهر عندما تتمكن إحدى هذه الدول من السيطرة على المنطقة برمتها من البحر المتوسط إلى العراق، وتصبح تدمر عقدة المواصلات بين الشرق والغرب، فتنتعش انتعاشًا كبيرًا، لكنها تتأخر عندما تسوء العلاقات بين حكام
стр. 163
المنطقتين فتقوم الحروب وتفقد ميزتها كوسيط تجاري بين الجهتين فيتحول النشاط التجاري إلى شواطئ البحر الأحمر.
فقد انْصَبّ نشاط التدمريين على خدمة القوافل، يتولون قيادتها والإشراف على صيانة آبار الماء على الطرق التي تسلكها. كما أن تعرض القوافل أحيانًا للاعتداء والنهب من قبل قطاع الطرق واللصوص قد دفعهم إلى تأمين سلامتها من هذه الأخطار، وهكذا فإننا نجد في النقوش التدمرية القديمة ترديدًا لذكر "رئيس الخفر" الذي تسير القوافل في ظل سطوته، وقد بلغ من النفوذ ما يخوله أن يفعل ما يشاء ولا يلقى معارضًا، وكان إلى جانبه موظف آخر يسمى "رئيس السوق".
إن تاريخ تدمر خلال الألفين الثانية والأولى قبل الميلاد غامض، غير أن أقدم ذكر لها، باسمها المعروف الآن "تدمر"، قد ورد في نقشين كتابيين أولهما يعود إلى عام ١٨٠٠ ق. م، والثاني إلى عهد الملك الآشوري "تغلات فلاسر" الأول عام ١١٠٠ ق. م. ويختلف الباحثون حول منشأ هذا الاسم ويفرضون بعض الاحتمالات منها: أن لفظ "Palmyra" الذي عرفها به اليونان والرومان يعني النخيل في اللغة اللاتينية، فهي على هذا الاعتبار "مدينة النخيل" وكلمة "تدمر" تقابل في العبرانية كلمة "تامار" التي تعني التمر، وهو الأمر الذي حدا بأحد المؤرخين العبرانيين إلى الخلط بين "تدمر" وبين بلدة يهودية أخرى تسمى "تامار" في جنوب البحر الميت, فروى أن سليمان الحكيم هو الذي بناها؛ فانساق بعض المؤرخين المسلمين وراء هذا الخلط فرددوا أسطورة كون المدينة قد بنيت من قبل الجن بأمر من سليمان١، لاعتقادهم أن ما تشتمل عليه من روائع عمرانية هي فوق طاقة الإنسان٢. أما الساميون والكتاب الكلاسيكيون فقد عرفوها منذ أقدم العصور باسم "تادامورا Thadamora"
стр. 164
وإذا رجعنا إلى أخبار تدمر نرى أن أقدمها لا يعود إلى أبعد من القرن ٩ ق. م. وقد كشف العلماء عن نقوش مكتوبة بالآرامية واليونانية ثم باللاتينية والآرامية، وهي وبعض الكتب الكلاسيكية القديمة تعطينا فكرة نوعًا ما واضحة عن تاريخها، ويستدل منها أن عوامل عديدة قد تضافرت على نشوئها. وأهم هذه العوامل كون الفرس قد سيطروا على آسيا الغربية بأكملها بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد، الأمر الذي أعان على توسع النشاط التجاري بين الشرق الأقصى وسورية وتركيا عبر العراق، وكانت تدمر المحطة الرئيسة، إذ كانت بمثابة العقدة المتوسطة في العمود الفقري لهذه المواصلات. وقد احتفظت بمكانتها حتى عهد السلوقيين الذين وحدوا بدورهم سورية والعراق وشجعوا طريق التجارة بينهما مرورًا بتدمر؛ لينافسوا بذلك غرماءهم البطالمة في مصر الذين كانوا يحرصون على ازدهار الطريق التجاري الذي يمر بالبحر الأحمر، فاستفادت تدمر استفادة عظيمة من هذه السياسة وانتعشت، بالرغم من أنها وقعت تحت نفوذهم على الأغلب، وبقيت كذلك حتى استيلاء الرومان على الشرق الأدنى.
غير أن تاريخ خضوعها للرومان لا يمكن تحديده على وجه الدقة. ويظهر أن ازدهارها وغناها قد أغراهم؛ فاستهدفت لحملة رومانية بقيادة "مرقس أنطونيوس" الذي كان عائدًا من حرب شنها على الفرس في الشرق، فأرسل سنة ٤١ ق. م. إلى أهل تدمر ينبئهم بأنه سيمر بمدينتهم للاستراحة، بينما كان يضمر الاستيلاء عليها. ففطنوا إلى المكيدة، وأخلوا مدينتهم من كل ما تحوي من أموال ومتاع ثمين، واستعدوا لقتاله وأحبطوا حملته، ولكن بعد أن أحدث بعض التخريب فيها١.
لكنها ربما تكون قد خضعت للرومان في الربع الأخير من القرن الأول للميلاد, بعد أن أخضع الرومان بلاد الشام لسيطرتهم وسيادتهم. وإذا استثنينا بعض الأحوال التي لجأ فيها الرومان إلى سياسة القسر والإخضاع، فإن العلاقات الودية قد ظلت سائدة بين روما وتدمر لمدة طويلة. ففي سنة ١٣٠م زارها الإمبراطور "هدريان" -وهو الذي بدأ عهده بعلاقات سلمية مع البارثيين- ولقبها بلقب "هادريانا بالميرا" ومنحها درجة "مستعمرة
стр. 165
رومانية عليا" فنال التدمريون حقوق الإيطاليين في الملكية المطلقة، وأُعفيت تجارتهم من الضرائب، ومنحت لهم حريتهم التامة في إدارة سياستهم.
وهكذا انتعشت تدمر اقتصاديًّا كما انتعشت سياسيًّا؛ ذلك أنها لم تخضع لروما إلا خضوعا اسميا وشكليا، إذ كانت في الواقع مستقلة في أمورها الداخلية، واحترم "هدريان" هذا الاستقلال الذي قامت على توطيد أركانه سلطة تنفيذية يرأسها شيخان وبجانبهما ديوان مؤلف من عشرة أعضاء، بالإضافة إلى مجلس شيوخ يتمتع بحق إصدار القوانين وتقرير الضرائب، فازدهرت واتسعت تجارتها وتضخمت ثروتها ونشط عمرانها، وعاشت بين سنة ١٣٠-١٧٠م أزهر أيامها١.
ومما زاد من أهمية تدمر السياسية أن تطورات مهمة قد حدثت في مملكة الفرس, ففي القرن الثالث الميلادي اغتصبت الأسرة الساسانية العرش من الأسرة البارثية، واتبعت سياسة العنف مع جيرانها، فتجددت الحروب بينها وبين الرومان. وكان الحكم آنئذٍ لأسرة وطنية عريقة يقوم على رأسها زعيم يسمى "أذينة بن خيران" الذي وصل إلى منصب عضو في مجلس الشيوخ الروماني وحمل لقب "سبتيم" فأحسنت هذه الأسرة الاستفادة من هذه الحروب والحصول على مركز مرموق عند الرومان. كما استغلت المشاكل الداخلية المختلفة التي كانت تحيط بالإمبراطورية، إذ تعرضت لغزوات الجرمن البرابرة التي كانت تهددها من الشمال، فأهملت شئون الشرق، فانصرف اهتمام حكام تدمر إلى تكوين جيش من المليشيا مؤلف من القبائل الموالية لهم، ومن العناصر التدمرية المسرحة من الجيش الروماني، أو التي اضطرتها حالة الفوضى إلى ترك الخدمة العسكرية، أو فرت من المعارك الناشبة بين الفرس والروم.
واعتنى حكامها بتسليح وتقوية جيشهم حتى أصبح في المستوى الذي يسمح لهم بأن يقوموا بدور سياسي وعسكري مهم في سياسة الشرق. وقد اضطلع به زعيم الأسرة أذينة الأول الذي نسبه الطبري إلى العرب العمالقة، قائلًا: إنه أذينة بين السميذع بن هوبر العملقي. فقد تقرب من القياصرة وأظهر لهم من التأييد ما أكسبه ودهم وعطفهم على أسرته، فمنحوه الألقاب والأوسمة والمال، كما أرضوا طموحه بمنحه درجة العضوية في مجلس
стр. 166
الشيوخ الروماني وكان لقبه الرسمي "رأس تدمر" غير أن طموحه لم يقف عند حد فأطلق على نفسه لقب "ملك". عندئذ أدرك الإمبراطور "إسكندر سيفيروس Alexandre Severus" ما يكمن وراء هذا التصرف من مخاطر تهدد الإمبراطورية في الشرق, بالإضافة لما أصبح لأسرته ولتدمر من نفوذ يوحي بطموحها للاستقلال التام عن روما، فأوعز إلى أعوانه بتدبير خطة لقتله، فاعتلى ابنه الأكبر سبتيموس خيران الحكم، لكن المنية سرعان ما أدركته ولم يزل ابنه معن صغير السن قاصرًا، فتولى الحكم عمه "أذينة الثاني" بن "أذينة الأول".
في هذه الفترة وقعت الحرب بين الرومان والفرس، وتقدم الملك "سابور" الفارسي نحو الغرب، فاجتاح ولاية أنطاكية، وأحرز الغلبة على الإمبراطور "فاليريان" وتمكن من أسره "٢٦٠م". ويظهر أن "أذينة الثاني" قد اغتنم هذه الفرصة للانتقام لوالده، لا سيما وأن فاليريان كان قبل أسره قد رفض طلبًا قدمه إليه أذينة بوجوب إنزال العقاب بقاتل والده، فأرسل إلى "سابور" رسلًا للتفاوض معه في سبيل العمل المشترك ضد الرومان في بلاده الشام، فلم يكن من الملك الفارسي إلا أن استخف بالرسل وبمن أرسلهم وأهانهم. عندئذٍ تحول "أذينة" إلى الرومان الذين بادروا إلى الاستنجاد به فخف لمساعدتهم، وحارب الفرس ليرد الإهانة التي وجهوها إليه وانتصر عليهم وتعقب ملكهم سابور حتى أبواب عاصمته طيسفون "المدائن" وألحق بمملكته خسائر فادحة، فأنعمت عليه روما بلقب قائد عام على جميع جيوش الشرق "Due romanorum"١ أو "Due Orientis". وفي هذه الحملة كادت العاصمة الفارسية أن تسقط في يديه، لولا أن بلغة خبر ثورة قام بها أحد قادة الرومان لاقتطاع آسيا الصغرى وسورية ومصر، فخف لقمع الثورة وقضى على القائمين بها، فأضافت إليه الدولة لقبًا جديدًا "إمبراطور على جميع أنحاء الشرق" مكافأة له على أعماله في نصرتها. لكن "أذينة" لم يكتفِ بهذه الألقاب بل اتخذ لنفسه لقب "ملك الملوك" وضرب النقود باسمه. فهل يستدل من تصرفه هذا أنه لم يقم بمساعدة الرومان إلا في سبيل تقوية مركزه، ونفوذ أسرته ودولته تمهيدًا لتحقيق مراميه السياسية؟ هذا هو الذي يغلب على الظن لأول وهلة، لكن فقدان الأدلة والأحداث التالية تقلل من هذا الظن.
стр. 167
فقد قاد حملة ثانية على "طيسفون" وضرب عليها الحصار، ولم يقبل بما قدمه الفرس من تنازل، بل كان شرطه الأساسي أن يطلقوا سراح الإمبراطور "فاليريان" ولم ينقذ العاصمة الفارسية من تهديده لها سوى الخطر الذي حاق بالإمبراطورية الرومانية في هجوم الجرمن البرابرة والقوط، فارتد إليهم وخلصها من خطرهم. وفي طريق عودته إلى عاصمته نزل في حمص حيث انقض عليه ابن أخيه معن وأعوان له في أثناء مأدبة كان قد أقامها احتفالًا بعيد ميلاده، فقتله غيلة؛ لزعمه بأنه كان غاصبا لعرشه.
غير أن الغموض يكتنف الظروف التي قتل فيها "أذينة" وليس هناك من الأدلة القاطعة ما يؤكد أن الحادثة قد وقعت بتدبير من الرومان، أو من الحزب الوطني التدمري الذي كان يكره اليونان والرومان١. وتتوالى الأحداث سراعًا بعد مقتله إذ لم يلبث أهل حمص -وربما بإيحاء من زوجته زنوبيا وأعوان زوجها الراحل- أن انقضوا على "معن" الذي تولى الحكم بعده فقتلوه، وآل الحكم بعدئذ إلى ابن لأذينة صغير السن هو "وهب اللات" فكان على أمه زنوبيا أن تتولى الوصاية عليه، وأن تحكم باسمه.
стр. 168
حكم زنوبيا:
كانت زنوبيا عربية الأصل١، ذات شخصية قوية، تتحلى بتربية عالية، تجيد اليونانية والآرامية، وتتكلم بهما بمثل الطلاقة التي تتكلم بها العربية، ولم تكن تجهل اللاتينية، ولها اطلاع على تاريخ الغرب بالإضافة إلى كونها قد دونت لنفسها خلاصة لتاريخ الشرق، مما يدل على سعة اطلاعها عليه، وأَلِفَتْ أن تعقد الموازنة بين روائع "هوميروس وأفلاطون" تحت إشراف فيلسوف بلاطها العالم "لونجين" الأمر الذي يشهد باطلاعها أيضا على الفلسفة الأفلاطونية. يصفها إدوار جيبون٢ بأنها كانت تتمتع بعبقرية فذة، وأنها أُوتيت من الصفات كالجرأة والشجاعة، ما رفعها إلى مرتبة البطولة، عودت
стр. 169
جسمها وبنيتها على التعب والجهد، فكانت ترتدي اللباس العسكري، وتمتطي الجواد وتسير في مقدمة جيشها، وأنها بحسن بصرها بالأمور وجلدها وثباتها كانت خير عون لزوجها أذينة في أداء مهام الحكم.
وفي عهد وصايتها على ابنها "وهب اللات" بدأ نجمها يسطع، وأصبح بلاطها من الفخامة بحيث يضاهي البلاط الساساني رونقًا وبهاءً. حكمت في عزم الرجال تدمر وسورية والشرق لأكثر من خمس سنوات، واستشعرت الدول المجاورة لها، كدولتي أرمينية وفارس، الرهبة من عدائها فتوسلت لمحالفتها.
هنالك رواية عربية معروفة، ذكرها كل من الطبري والمسعودي، تزعم بأنها هي نفسها الزباء، ويسميها الطبري نائلة بنت عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميذع العمليقي، بينما يسميها المسعودي باسم "الزباء بنت عمر ... إلخ" التي انتقمت من جذيمة الأبرش أول ملك للحيرة كما تزعم بعض الروايات العربية، إذ استدرجته إلى قصرها وقتلته انتقامًا لقتله والدها، فقام بعده ابن أخته وخليفته عمرو بن عدي فانتقم بدوره له عن طريق الحيلة، إذ وجه إليها رجلًا يسمى قصير بن سعد الذي جدع أنفه، وادعى أنه مطرود من بلاط الحيرة، حتى إذا نال ثقة الزباء أدخل رجال عمرو بن عدي إلى قصرها فقتلوها "ومن هنا جاء المثل المعروف: لأمر ما جدع قصير أنفه". وهذه الرواية تبدو بعيدة عن الصحة ومختلقة، إنما ترمز إلى ما كان من صلات تجارية بين تدمر والحيرة.
شعرت زنوبيا بقوتها بعد أن أصبح تحت تصرفها جيش بلغ من القوة والبأس ما تستطيع أن تتحدى به الإمبراطورية الرومانية، فلم تعد تهتم بالخضوع لها، واحتقرت مجلس الشيوخ "السيناتو" الذي لم يعترف لها بما كان لزوجها من سلطة، فآلت على نفسها أن تنتقم لزوجها الذي اعتقدت أن الرومان هم الذين دبروا مؤامرة قتله، وربما كان مشروعها يرمي إلى الاستقلال عن روما وقطع كل علاقة معها. فما كان من الرومان -وقد شعروا بنواياها- إلا أن سيَّرُوا إليها حملة تظاهرت باتجاهها لمحاربة الفرس، لكنها في الواقع كانت موجهة لإخضاعها، فقابلتها زنوبيا وهزمتها وقتلت قائدها "هركليانوس". ثم اغتنمت مشاكل الإمبراطورية الداخلية من صراع الطامعين بالعرش مع
стр. 170
الإمبراطور القائم، ومن قيام الجرمن البرابرة بحركات تمرد في بلاد الغال التابعة لروما، فوجهت إلى مصر جيشًا مؤلفًا من ٧٠ ألف جندي بقيادة قائدها زبدة١, فاحتلها وألحقتها بالدولة التدمرية.
ولم يسع الإمبراطور الروماني كلوديوس -وقد اعتلى العرش حديثًا- إلا أن يعترف بعجزه عن إخضاعها، وأن يسلم بالأمر الواقع ويتفق معها على بقاء الجيوش التدمرية في القطر المصري, شريطة اعتراف زنوبيا بتبعيتها للدولة الرومانية.
لكن السلام الذي حل بين الطرفين لم يلبث أن تبدد باعتلاء الإمبراطور أورليانوس العرش، إذ تمكن من دحر المتمردين وتفرغ لإخضاغ زنوبيا. وكان على هذه أن تجابه الإمبراطور بنقض الاتفاقية المعقودة مع روما، وأردفت ذلك بإسقاط رسم الإمبراطور عن النقود واستبدلت به رسم ابنها، واتخاذها وابنها "وهب اللات" لقب أغسطس الخاص بالإمبراطور الروماني. ثم وجهت حملة إلى آسيا الصغرى، فاحتلت جزءًا كبيرًا منها سنة ٢٧٠م، ودحرت الجيوش الرومانية وردتها إلى ما وراء أنقرة، وأحدقت جيوشها بأسوار القسطنطينية.
أما أورليانوس فلم يبدأ هجومه على زنوبيا من جهة البلقان والأناضول كما كانت تتوقع، بل بدأ بمصر مستغلًّا ضعف وسائل الدفاع عنها، وذلك أنها قد سحبت منها معظم قواتها لتعزز بهم جبهة الأناضول؛ اعتقادًا منها بأن المصريين الناقمين على الرومان سيهبون للدفاع ضدهم. إنما خاب ظنها بهم؛ لأن الرومان تمكنوا من استمالة قسم منهم، فأحرزوا بذلك انتصارا ساحقا واستعادوا سيطرتهم على مصر "٢٧١م".
ثم التفت الإمبراطور إلى الشرق، وتقدم لمحاربتها في عدة جبهات، فمن البحر أرسل أسطولا كبيرا لاحتلال أنطاكية، ومن البر الأناضولي تقدم نحو أنقرة فتراجعت الجيوش التدمرية حتى أنطاكية، حيث التقى الإمبراطور بالجيش التدمري، وكان بقيادة زباي الذي كان يتلقى أوامره من زنوبيا نفسها التي لم تغادر أرض المعركة. كان الجيش التدمري مؤلفا من رماة السهام الخفاف، ومن الخيالة الثقيلة المدرعة بالصلب، فلم يقوَ فرسان
стр. 171
أوليان على تحمل الهجوم الثقيل من جانب التدمريين، فهربوا تصنعًا أو حقيقة، فتعقبهم فرسان تدمر، وكان من الطبيعي أن يصيبهم الإرهاق لثقل معداتهم وعسر حركتهم، فعمد الرومان إلى مضايقتهم بمناوشات جانبية متقطعة حتى تمكنوا من دحرهم حين بدا عليهم الارتباك، ثم التفتوا إلى المشاة من رماة النبل، وكانوا قد انعزلوا ونفدت نبلهم، فسهل على الإمبراطور إلحاق الهزيمة بهم.
تقدم الإمبراطور بعدئذٍ نحو حمص متابعا زنوبيا التي انسحبت إليها، فأوقع بجيشها هزيمة أخرى، شابهت ظروفها ظروف معركة أنطاكية، وتابع سيره إلى تدمر لمحاصرة الملكة التي لم تر بُدًّا من الاعتصام داخل أسوار عاصمتها، وقد أعدت كل ما تستطيع إعداده من وسائل الدفاع، إذ وضعت على كل برج من أبراج السور اثنين أو ثلاثة من المجانيق تقذف المهاجمين بالحجارة، وتمطرهم بقذائف النفط الملتهبة، وصممت على المقاومة بشجاعة بطولية، معلنة أنه إذا كان لا بد لحكمها من نهاية فلتقترن هذه النهاية بنهاية حياتها. وهكذا كان حصار الإمبراطور لتدمر من أشد ما واجه من صعاب، لا سيما وأنه قد أصيب خلاله بجرح من أحد النبال. يدلنا على ذلك ما جاء في خطاب له: "إن الشعب الروماني يتحدث باستهزاء وسخرية عن الحرب التي أشنها ضد امرأة، لكنهم يجهلون شخصية زنوبيا وقوتها. وإنه لمن العسير أن تحصى معداتها الحربية من الحجارة والسهام وكل أنواع القذائف"١.
ولم يغب عن خاطر أورليان أن يضع ثقته بآلهة روما مستمدًّا عونها ونصرتها له ضد هذه المرأة الشجاعة. ولما ساوره الشك في نصرة آلهته عرض على زنوبيا التسليم لقاء شروط معتدلة: أن تنسحب انسحابًا كريمًا، وأن يحتفظ مواطنوها بامتيازاتهم القديمة. لكنها رفضت شروطه بإباء وشمم، "لا بل اقترن الرفض بالإهانة"٢. والواقع أنها ركزت أملها في أن تحل المجاعة في الجيش الروماني فيرغم على الانسحاب، وبأن يأتيها المدد من ملك فارس. لكن سابور قد توفي في تلك الآونة, وشغل الفرس بالفتن الداخلية, وحال الرومان دون وصول أية نجدة إليها، بينما كانت النجدات الرومانية تتدفق على أورليان،
стр. 172
ولم تر زنوبيا في النهاية، وبعد أن استبد بها اليأس، إلا أن تفر إلى الصحراء في محاولة منها للالتجاء إلى الفرس، لكن أورليان تمكن من أسرها عند ضفاف الفرات واقتادها معه إلى روما، فقضت بقية أيام حياتها منسية في العاصمة الرومانية، ولم يعاقب الإمبراطور بالقتل سوى كبار قوادها ومستشاريها بعد محاكمة أُجريت لهم في حمص.
أما تدمر فقد وضع عليها حاكمًا رومانيًّا وفرض عليها غرامة كبيرة، فلم تلبث بعدئذ أن أعلنت على الحكم الروماني ثورة قضت فيها على الحامية الرومانية، فكان على أورليان أن يعود أدراجه إليها ليخمدها، وقد استباح تدمر لجنوده ودمرها وأعمل السيف في رقاب أهلها١. وهناك رسالة لأورليان نفسه يعترف فيها بأن الإعدام الرهيب لم يقتصر على المتمردين المسلحين، بل تعداه إلى الشيوخ والنساء والأطفال والفلاحين٢. وقد سببت هذه الأعمال ضعف تدمر وانحطاط شأنها، ولم يسمع لها خبر حتى الفتح الإسلامي.
стр. 173
مدينة تدمر وحضارتها
طبقات المجتمع
...
مدنية تدمر وحضارتها:
طبقات المجتمع:
كان المجتمع التدمري يتألف من طبقات عديدة؛ فهنالك الطبقة الخاصة والطبقة العامة وأفرادهما مواطنون أحرار، وكانت الطبقة الخاصة تتألف من عدد من القبائل العربية منها بيوتات الشرف، وهي تملك الثروة والنفوذ، وتتشبه بالرومان في طراز معيشتها١. وأما العامة فهي سواد الشعب وتضم العمال والفلاحين ورجال القوافل وتأتي بعدهما طبقة العبيد. وكان في تدمر عدد من الجاليات الأجنبية لا سيما الرومان، وقد سكنتها للتجارة، وكان لكل جالية فندقها الخاص بها.
стр. 174
الحياة الاجتماعية والاقتصادية:
كان للنشاط التجاري وللصلات التجارية الخارجية الفضل في اتساع أفق التدمريين وتقدمهم في الحضارة، فأتقنوا عدة لغات كالإغريقية التي استعملوها لكتابة وثائقهم
стр. 175
الإدارية، وكالآرامية لمكاتباتهم العادية والتجارية. كانت تدمر نقطة تجارية متوسطة بين سورية وشبه جزيرة العرب والخليج العربي والعراق وإيران والأناضول ومصر. وامتد نشاطها التجاري حتى روما وفرنسا وأسبانيا، وحتى الهند والصين، كما اتضح من النقش الذي عثر عليه في أنقاضها واسمه "القانون المالي لتدمر" والذي يذكر المواد التجارية التي كانت تمر في تدمر، مع نسبة الرسوم الجمركية التي كانت تفرض عليها.
стр. 176
نظام الحكم:
تطور نظام الحكم في تدمر، فقبل عهد أذينة الأول كانت تتمتع بحكم شوري يقوم عليه مجلس شيوخ "بولو Boulo" لا يضم سوى أصحاب الجاه والثروة. ولكل عشيرة مجلس يسمى "ديموس Demos" يضم كل أفرادها البالغين. وللمدينة حاكم يسمى "آراخون" وموظف للشئون المالية وآخر مسئول عن الأسواق وقائد جيش وقائد حامية وقوة بوليس لحماية القوافل تسند زعامتها إلى رئيس من التجار الأغنياء. ومنذ عهد أذينة قام فيها حكم ملكي وراثي يجمع بين سلطة المجالس وبين سلطة الحاكم الفرد.
стр. 177
الفن التدمري والعمران:
أما الفن التدمري فهو مزيج من عناصر يونانية وإيرانية وسورية، وقد تأثر من حيث الزخرفة والبناء بالأسلوب اليوناني مع تأثيرات شرقية، فجاءت معظم الأبنية وفق الطراز الهللنستي الذي يتصف بكثرة الزخارف وتنوعها، وبالدقة والوضوح.
وأهم الآثار التدمرية "الشارع الكبير" وهو يبدأ من الجهة الجنوبية الشرقية بقوس نصر كبير، ويسير نحو الشمال الغربي بطول ١١٠م وعرض ١١م، وكان على جانبيه رواقان مسقوفان لا يزال ١٥٠ من أعمدتهما قائمًا حتى الآن. وهي من أصل ٣٧٥ عمودًا "بطول ١٠م وقطر ١م" مصنوعة من المرمر الأبيض والجرانيت السماقي، وكلها ذات تيجان كورنثية.
وفي تدمر هيكل "بعل" المؤلف من باحة مكشوفة, وقد استعمل في بنائه ٤٠٠ عمود لا يزال مائة منها قائمًا في صفوف منتظمة، أمام أروقة تعلو واجهتها أفاريز عليها نقوش بديعة. فقد رسم التدمريون على عمائرهم وعلى أعمدتها أغصان الشجر، ومنها الكرمة
стр. 178
التي تشاهد أوراقها وعناقيدها. ومن الهياكل المشهورة هيكل "بعل شمين" سيد السموات، وفي المدينة أقنية فخارية لتوزيع المياه، ومسرح مدرج اكتشف حديثًا بالقرب من قوس النصر ومن هيكل بعل.
стр. 179
الكتابة التدمرية:
استعمل التدمريون إحدى لهجات اللغة العربية، وكانت أسماؤهم وطبائعهم وسائر أحوالهم تدل على عروبتهم. لكنهم كالأنباط كتبوا بالخط الآرامي الذي طوروه إلى خط تدمري كما فعل الأنباط، وقد أمكن قراءته بفضل الترجمة اليونانية التي وجدت إلى جانب النصوص المكتشفة.
стр. 180
الديانة:
عبد التدمريون آلهة ترمز إلى مظاهر الطبيعة، شأنهم في ذلك كشأن بقية الساميين، وكان لهم أكثر من أربعين إلهًا، وأعظمها شأنًا بعل "بل" وهو إله وطني يمثل الشمس التي عبدوها وشيدوا لها أعظم هيكل، والإله بعل شمين "إله السموات" ويعتبر حامي الزراعة، والإله يرحبل "إله القمر". وهناك اللات وعزنرو وساعي القوم "حامي القوافل". ووجود هذا الإله أمر طبيعي في مجتمع يعيش على التجارة، وكانوا يعتبرونه إله الخير الطيب الذي يرعى القوافل.