← История

История · id 11084

تاريخ العرب القديم

توفيق برو

Полный текст (488 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

نظام الحكم: تطور نظام الحكم في تدمر، فقبل عهد أذينة الأول كانت تتمتع بحكم شوري يقوم عليه مجلس شيوخ "بولو Boulo" لا يضم سوى أصحاب الجاه والثروة. ولكل عشيرة مجلس يسمى "ديموس Demos" يضم كل أفرادها البالغين. وللمدينة حاكم يسمى "آراخون" وموظف للشئون المالية وآخر مسئول عن الأسواق وقائد جيش وقائد حامية وقوة بوليس لحماية القوافل تسند زعامتها إلى رئيس من التجار الأغنياء. ومنذ عهد أذينة قام فيها حكم ملكي وراثي يجمع بين سلطة المجالس وبين سلطة الحاكم الفرد.

стр. 177

الفن التدمري والعمران: أما الفن التدمري فهو مزيج من عناصر يونانية وإيرانية وسورية، وقد تأثر من حيث الزخرفة والبناء بالأسلوب اليوناني مع تأثيرات شرقية، فجاءت معظم الأبنية وفق الطراز الهللنستي الذي يتصف بكثرة الزخارف وتنوعها، وبالدقة والوضوح. وأهم الآثار التدمرية "الشارع الكبير" وهو يبدأ من الجهة الجنوبية الشرقية بقوس نصر كبير، ويسير نحو الشمال الغربي بطول ١١٠م وعرض ١١م، وكان على جانبيه رواقان مسقوفان لا يزال ١٥٠ من أعمدتهما قائمًا حتى الآن. وهي من أصل ٣٧٥ عمودًا "بطول ١٠م وقطر ١م" مصنوعة من المرمر الأبيض والجرانيت السماقي، وكلها ذات تيجان كورنثية. وفي تدمر هيكل "بعل" المؤلف من باحة مكشوفة, وقد استعمل في بنائه ٤٠٠ عمود لا يزال مائة منها قائمًا في صفوف منتظمة، أمام أروقة تعلو واجهتها أفاريز عليها نقوش بديعة. فقد رسم التدمريون على عمائرهم وعلى أعمدتها أغصان الشجر، ومنها الكرمة

стр. 178

التي تشاهد أوراقها وعناقيدها. ومن الهياكل المشهورة هيكل "بعل شمين" سيد السموات، وفي المدينة أقنية فخارية لتوزيع المياه، ومسرح مدرج اكتشف حديثًا بالقرب من قوس النصر ومن هيكل بعل.

стр. 179

الكتابة التدمرية: استعمل التدمريون إحدى لهجات اللغة العربية، وكانت أسماؤهم وطبائعهم وسائر أحوالهم تدل على عروبتهم. لكنهم كالأنباط كتبوا بالخط الآرامي الذي طوروه إلى خط تدمري كما فعل الأنباط، وقد أمكن قراءته بفضل الترجمة اليونانية التي وجدت إلى جانب النصوص المكتشفة.

стр. 180

الديانة: عبد التدمريون آلهة ترمز إلى مظاهر الطبيعة، شأنهم في ذلك كشأن بقية الساميين، وكان لهم أكثر من أربعين إلهًا، وأعظمها شأنًا بعل "بل" وهو إله وطني يمثل الشمس التي عبدوها وشيدوا لها أعظم هيكل، والإله بعل شمين "إله السموات" ويعتبر حامي الزراعة، والإله يرحبل "إله القمر". وهناك اللات وعزنرو وساعي القوم "حامي القوافل". ووجود هذا الإله أمر طبيعي في مجتمع يعيش على التجارة، وكانوا يعتبرونه إله الخير الطيب الذي يرعى القوافل.

стр. 181

المناذرة والغساسنة قامت في جنوبي سورية وجنوبي العراق إمارتان عربيتان هما: إمارة المناذرة في الحيرة، وإمارة الغساسنة في جهات حوران. وكما خضع المناذرة لدولة الفرس الحاكمة على إيران والعراق، خضع الغساسنة للدولة البيزنطية١ الحاكمة على سورية، وكانت كل من الإمارتين درعًا ومجنًّا للدولة التي خضعت لها ضد هجمات الدولة الأخرى المعادية، وضد غارات بدو الصحراء على أراضيها. وقد جرَّت هذه التبعية للأجنبي وراءها حروبًا متصلة بين الإمارتين٢ سفكت فيها الدماء العربية إرضاءً لغرور وسيطرة الدولتين الأجنبيتين. وما انفكت الإمارتان على هذه الحالة إلى أن اجتاحت جيوش العرب المسلمين أراضيهما فاندمجتا في الكيان العربي نهائيًّا.

стр. 182

المناذرة مدخل ... المناذرة يطلق الأخباريون على المناذرة اسم "آل لخم" و"آل تنوخ" وقد اختلفوا في رواية أخبارهم، وتناقضت أقوالهم حول منشئهم، بالإضافة إلى الاضطراب الذي وقعوا فيه من حيث عدد ملوكهم وتسلسلهم ومدد حكمهم. ولذلك لم يكن في استطاعة المؤرخين المحدثين الأخذ بما يروى من أخبارهم على علاتها في التأريخ لهم، ومثل ذلك في التأريخ لمعاصريهم الغساسنة. وكان لا بد لهؤلاء المؤرخين من الرجوع إلى الكتب اليونانية واللاتينية والسريانية التي ضمنها مؤلفوها إشاراتٍ إلى آل جفنة "الغساسنة" وآل لخم، فاتخذوا منها ركائز لتصحيح أغلاط الأخباريين، مع حرصهم على الحذر منها لعدم خلوها من مظان الشك والشبهة.

стр. 183

يرجع الأخباريون أصل المناذرة إلى عرب الجنوب، وينسبونهم إلى كهلان قائلين: إن قبائل عربية عديدة قدمت من الجنوب إثر تهدم سد مأرب، وتجمعت حول البحرين، منها قبيلتا لخم وتنوخ من أزد عمان، ونزحت كل منهما، واحدة تلو الأخرى، إلى جهات جنوبي العراق، تلمسًا لأسباب الرزق في المناطق الخصبة التي كانت تغري البدو وتجذبهم إليها، شأنهما في ذلك شأن سائر القبائل العربية التي كانت تنزح إلى الشمال الخصيب في هجرات متعاقبة. إن هذه الأقوال وإن تكن معقولة من حيث إمكان تجمع قبائل عربية في البحرين، ثم نزوحها إلى المناطق الشمالية، غير أنها لا تخلو من تناقض مع الحقائق التاريخية؛ ذلك أن سد مأرب لم يتهدم إلا في أواخر القرن السادس الميلادي، بينما يحدد الأخباريون نزوحهم إلى الهلال الخصيب، في وقت موافق للقرن الثالث الميلادي١. ثم إن الدراسات التي قام بها المؤرخون المحدثون قد دلت على أن لغة أهل الحيرة التي قامت فيها دولة المناذرة لم تكن على لهجة واحدة، بل هي خليط من لهجات فيها من الحميرية وفيها من العدنانية وفيها من الهجنة، كما فيها من الرطانة النبطية. وهذا ما دفع بعض المؤرخين المحدثين إلى القول بأنهم من عرب الشمال، بينما يتبين من الدراسات التي أشرت إليها أن الظن يتجه إلى كونهم قبائل عديدة فيها من القحطانية وفيها من العدنانية، شملتهم تسمية "تنوخ" لا قبيلة واحدة أصلها من الجنوب. ولعل ما جاء في رواية للطبري عن كيفية هجرة العرب إلى الحيرة ما يؤيد هذا القول، إذ يبين أن قبائل عديدة منها قبائل معدية عدنانية كانت تسكن تهامة فحدثت بينهم حروب فتشتتوا "وأقبلت منهم قبائل نزلت البحرين، وبها جماعة من الأزد كانوا قد نزلوا فيها من زمن" ثم يعدد القبائل النازحة إلى البحرين، ومنها ما هو معدي ومنها ما هو يمني، ويختم روايته بقوله: "فاجتمع بالبحرين جماعة من قبائل العرب فتحالفوا على التنوّخ، وتعاقدوا على التآزر والتناصر، فصاروا يدًا على الناس، وضمهم اسم تنوخ"٢. والواقع أن هذا الاندماج يتفق مع ما ذكرناه سابقًا من إمكانية اندماج القبائل المتحالفة في اسم واحد تعرف جميعها به بمرور الزمن.

стр. 184

ولم يشكل هؤلاء وحدهم سكان الحيرة بل كان إلى جانبهم سكانها الأصليون ويطلق عليهم اسم "العباد" وهم حضر مستقرون يدينون بالمسيحية على المذهب النسطوري، بالإضافة إلى جماعة يسمون "الأحلاف" الذين لحقوا بالقبائل العربية التي نزحت إلى الحيرة، ولم يكونوا في الأصل لا من تنوخ ولا من العباد. كما كان في الحيرة جماعة من "النبط" وهم من بقايا قدماء العراقيين، وكان بعضهم يتكلم العربية برطانة ظاهرة، كما كان فيها جماعات من الفرس واليهود١. ويظهر أن قبائل تنوخ قد قصدت الحيرة مغتنمة فرصة الضعف التي مرت بها الدولة الفارسية في مطلع القرن الثالث الميلادي؛ بسبب التنافس بين الأسرتين الفارسيتين: البارثية والساسانية٢، فتقدمت نحو الضفة الغربية من وادي الفرات الأسفل، وأقامت بيوتًا من الشعر في المكان المعروف باسم الحيرة؛ وهي في الغالب مدينة قديمة، قد يكون اسمها مشتقًّا من الكلمة السريانية "حرتا Harta" التي تعني المخيم أو المعسكر. وسرعان ما تحضرت هذه القبائل وعملت في حماية القوافل التجارية المارة بأراضيها، وأسهمت في العمل التجاري، وأقامت علاقات تجارية مع تدمر، بعد أن اعترفت الدولة البارثية، ومن بعدها الدولة الساسانية باستقلالها الذاتي مضطرتين إلى ذلك بسبب ضعفهما. يختلف المؤرخون العرب القدامى فيمن هو مؤسس دولة المناذرة؛ فيذهب بعضهم إلى القول أنه نصر بن ربيعة بن لخم بن عدي من عرب الجنوب، بينما يروي ابن الكلبي أن أول ملك من ملوكها هو مالك بن فهم من تنوخ، ولما توفي ملك بعده أخوه عمرو بن فهم، وتلاه جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم. على أن الغالب لدى المؤرخين القدامى أن جذيمة هو أول ملوك الحيرة، ويتحدث الأخباريون عنه أنه كان به برص، فهابت العرب أن تكنيه به إعظامًا له فسمته "جذيمة الوضاح" أو "جذيمة الأبرش"، ويروون أنه اتخذ

стр. 185

صنمين يقال لهما "الضيزنان" وضعهما في مكان معروف بالحيرة، وكان يستقي ويستنصر بهما، وأنه كان يغازي قبيلة "إياد" النازلة في عين أباغ فسرقتهما إياد، ثم اضطرت إلى مفاوضته في ردهما، فاشترط عليها أن ترسل معهما غلامًا عندها، سمع بجماله وظرفه يسمى "عدي بن نصر" فوافق على ذلك، وهناك من الأخباريين من يجعل عديًّا ابن عم له، فضم عديا إلى حاشيته وولاه شرابه١. وتتمة الرواية أن عديا أحب أختا لجذيمة اسمها "رقاش" وأحبته، فتحايلا على أخيها فخطبها عدي منه وهو سكران، وبنى بها في الليلة نفسها٢. ولما كان الصباح وصحا جذيمة أدرك الحيلة فخاف عدي وهرب. ثم وضعت رقاش صبيًّا جميلًا سمي "عمرو" لم يلبث جذيمة أن أحبه وجعله وليا لعهده، فلما توفي تسنم العرش مكانه. وهناك روايات أخرى تجعل عديًّا ابنًا لربيعة بن نصر أو لنصر بن ربيعة في روايات أخرى؛ ولذا عرف ملوك الحيرة باسم "آل نصر" أيضًا٣. أما رواية ابن الكلبي في الأغاني فتجعل عديا غلاما من لخم كان مقيما مع أخواله من إياد، حينما استقدمه جذيمة ليكون نديمه، ولم تذكر قصة الضيزنين ومغازاة إياد، إنما تنتهي بقصة أسطورية تقول: إن الجن استطارت عمرًا فاختفى، ثم تشاء الصدف أن يلتقي برجلين ومعهما قينة تسمى أم عمرو نصبت قدرا وصنعت طعاما، وهو على هيئة ذَرِيَّة، أشعث أغبر طالت أظافره، يمد يده إليها فتناوله شيئا يأكله، ثم يمدها ثانية فتقول: "إن يُعْطَ العبد كراعًا يتسع ذراعًا" فتذهب مَثَلًا، ثم تناول صاحبيها شرابا وتربط دنها، فيقول لها عمرو: صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا ثم يتعرف الرجلان عليه فيعيدانه إلى خاله، وتلبسه أمه لباس الملوك وتجعل في عنقه طوقًا، وتدخله على جذيمة فيقول: "شب عمرو عن الطوق" فتذهب مثلا.

стр. 186

ويربط ابن الكلبي بين هذه القصة وقصة أخرى نسبت إلى جذيمة، كما نسبت إلى عدة ملوك من خلفائه، هي قصة النديمين، إذ أراد مكافأة الرجلين فخيرهما فيما يطلبان فقالا: منادمتك ما بقيت وما بقينا، فيصبحان نديميه في القصة المعروفة، وقد ضرب بهما المثل كما في قول أبي خراش الهذلي: ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... خليلَا صفاء مالكٌ وعقيل أو كقول آخر: وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا ثم يستطرد صاحب الأغاني إلى قصة جذيمة مع الزباء التي استدرجته إلى عاصمتها بدعوى الزواج منه، لكنها فتكت به انتقامًا منه لقتله والدها -كما قدمت في بحث المملكة التدمرية- إنما يورد ما لا يقبله الذوق والمنطق التاريخي من تصوير الزباء، سواء كانت ملكة تدمر أو غيرها، بصورة لكعاء ليست بذات خفر١، مما لا يتفق مع أخلاق الملوك. وهكذا نلاحظ أن الأخباريين يتخبطون في روايات يسودها الاضطراب ويسيطر عليها الخيال، ولا نستطيع أن نستنتج منها مادة تاريخية يوثق بصحتها.

стр. 187

امرؤ القيس بن عمرو "٢٨٨-٣٢٨م": غير أن أول ملك من ملوك الحيرة نستطيع الاعتماد على الوثائق التاريخية الثابتة علميا في الاطمئنان إلى حقيقة حكمه هو امرؤ القيس بن عمرو بن عدي. وقد حكم بين ٢٨٨-٣٢٨م، واستفاد من فترة الاضطراب التي رافقت تسنم الملك سابور الثاني عرش فارس، وكان صبيا، فوسع سلطانه على القبائل العربية في بادية الشام وشبه الجزيرة، كما يتضح من نقش يسمى "نقش النمارة" عثر عليه في جهات حوران، وهو عبارة عن شاهدة قبر تتحدث عن هذا الملك بالكتابة التالية: "هذا قبر امرئ القيس بن عمرو ملك العرب كلهم, الذي تقلد التاج، وأخضع قبيلتي أسد ونزار، وهزم مزحج، وقاد الظفر إلى أسوار

стр. 188

نجران مدينة شمر، وأخضع معدًّا، واستعمل بنيه على القبائل، وأنابهم عنه لدى الفرس والروم، فلم يبلغ ملك مبلغه إلى اليوم"١. عاصر امرؤ القيس عدة ملوك من الأسرة الساسانية الجديدة التي تسلمت حكم فارس منذ عام ٢٢٦م، كان آخرهم سابور الثاني الذي تسنم العرش سنة ٣٠٩م وهو صبي صغير، فنصب الفرس وصيًّا عليه. وقد ساءت أحوال المملكة في أول عهده، وكثرت الاضطرابات حتى طمع العرب في الأراضي الفارسية، وجاء منهم -زيادة على ما في العراق- عدة قبائل من البحرين منها قبيلة إياد التي أغارت على سواد العراق، وأعملت يد النهب والسلب فيه، وحذت حذوها قبائل تميم وغيرها، واستمرت الاضطرابات زمنًا غير يسير. وما أن بلغ سابور السادسة عشرة من عمره وتسلم زمام الحكم الفعلي للمملكة حتى بدأ ينكل بالعرب، لا سيما إياد وتميم فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم أخذ يشتت شمل القبائل العربية ويلاحقها بالتنكيل ففر بعضها إلى الروم وبعضها الآخر إلى البحرين، فلاحق هؤلاء الآخرين، وفتك بهم فتكا ذريعا، وأصدر أمره بعدم دخول العرب مملكته بدون إذنه تحت طائلة الموت. ومن شدة فتكه بهم لقب بـ "ذي الأكتاف" لأنه كان يخلع أكتاف زعمائهم٢. وقد أشار شاعر إياد إلى ذلك بقوله: على رغم سابور بن سابور أصبحت ... قباب إياد حولها الخيل والنعم لكنه عندما أدرك صعوبة الاستمرار في سياسة العنف والقوة معهم -تلك السياسة التي حدت بجماعات منهم إلى مقاتلته في جانب الروم، وكانت الحرب على أشدها بينه وبين هؤلاء- لم ير بدًّا من مصالحتهم والاستعانة بهم ضد أعدائه، وتوثقت منذئذ عرا التحالف بين المناذرة والفرس ضد الروم. وقد حكم بعد امرئ القيس ابنه عمرو ثم ابنه الآخر:

стр. 189

النعمان الأول "٤٠٠-٤١٨م" وهو أول ملك استطاع المؤرخون المحدثون أن يتتبعوا سيرته بشيء ولو قليل من التأكيد. ويعتبر النعمان الأول من أشهر ملوك الحيرة، وقد حكم بين ٤٠٠-٤١٨م، ويلقب بالأعور، وهو باني الخورنق والسدير، وله في بناء الخورنق قصة طالما رددها الأخباريون، وهي مما لا يسمح المنهج التاريخي بقبولها، وملخصها أن النعمان قد أمر ببانيه المهندس البيزنطي سنمار، فألقي من أعلى ذروة فيه فقضى نحبه، فذهب ذلك مَثَلًا بين الناس "جزاء سنمار". ويروون لذلك أسبابًا غير معقولة كقولهم: إن سنمار قد صرح لمشاهدي القصر الذين أعجبوا بجماله: إنه لو علم بأنه سيوفى أجره، ويصنع به ما هو أهله لبناه يدور مع الشمس حيثما دارت. فقال النعمان: "إنك لتقدر أن تبني ما هو أفضل منه ثم لم تبنه"١ وأمر بطرحه من أعلى القصر. وكانت تحت إمرة النعمان كتيبتان عسكريتان؛ الأولى فارسية وهي "الشهباء" وقد ساعده الفرس في تشكيلها بألف جندي أقاموا لديه، الثانية عربية وهي "الدوسر" وقد اشتهرت بقوة بأسها وشدة بطشها، فضرب بها المثل "أبطش من دوسر" وكان يغزو الشام بهما. وذكروا إلى جانبهما ثلاث كتائب أخرى غير نظامية هي: الرهائن والصنائع والوضائع. وقد وصفه الأخباريون بكونه رجلًا حازمًا قويًّا، ومحاربًا من أشد الناس نكاية بعدوه، وقد غزا عرب الشام من الغساسنة فسبى منهم وغنم غنائم عظيمة. ولما توفي النعمان خلفه ابنه المنذر الأول "٤١٨-٤٦٢م" وقد جرت في عهده حروب ضارية وطويلة بين الفرس والروم، فقدم للفرس مساعدة قيمة في هذه الحروب، وبذل من التضحيات حدا عظيما، بالغ الأخباريون فجعلوا عدد الضحايا العرب من جنده وقودًا للحرب مئات الألوف٢، لاقوا حتفهم إما غرقًا في نهر الفرات في أثناء اجتيازه، أو في ساحات الوغى إلى أن انتهت الحروب بصلح عقد عام ٤٢٢م بين فارس وبيزنطة استمر لأمد طويل. ومما يروى أن المنذر الأول هو الذي أوصل الأمير الفارسي "بهرام جور" إلى

стр. 190

عرش الأكاسرة، إذ كان هذا الأمير قد تربى في قصور المناذرة، فكان على المنذر أن ينصره ويهزم خصومه. وقد أعقب المنذر ملوك لم تذكر لهم أعمال مهمة حتى تسلم الملك:

стр. 191

المنذر الأول بن ماء السماء ... المنذر الثالث بن ماء السماء "٥١٤-٥٥٤م": وماء السماء هو لقب لأمه ماريا، وقد عاصر من الملوك المجاورين الحارث بن جبلة الغساني، والحارث بن عمرو "ملك كندة" والملك الفارسي "قباذ". ومما يروى أنه بعد أن ناصر الملك الفارسي ضد الروم ساءت العلاقات بينهما، ذلك أنه في عهد قباذ، قام "مزدك" الفارسي بالدعاية لمذهب ديني يقول بشيوعة النساء والمال، فاستهوى القلوب واعتنقه قباذ: وحاول فرضه على المنذر فرفضه، فما كان من قباذ إلا أن أعان عليه الحارث بن عمرو ملك كندة الذي روي أنه اعتنق المزدكية نكاية بالمنذر -وهو قول يكتنفه الشك، وسأناقشه عند الحديث عن دولة كندة- وهاجم الحيرة واحتلها، وجلس على عرشها مكان المنذر الذي التجأ إلى القبائل العربية في الصحراء، إلى أن مات قباذ وتولى بعده ابنه كسرى أنوشروان فأعانه على الرجوع إلى عرشه بعد أن فتك بمزدك ونكل بأتباع المزدكية. وقد قامت في عهد المنذر حروب طويلة بين المنازرة والغساسنة، أثارتها رغبة الفرس في التنكيل بالبيزنطيين في عهد الإمبراطور "جوستين" الأول، الذي مطل في دفع أتاوة كان الروم البيزنطيون يدفعونها للفرس بناء على بنود صلح عقد بين الطرفين عام ٥٠٦م. بدأت هذه المعارك سنة ٥١٩ م، وقام المنذر فيها بدور مهم، إذ تمكن من أسر قائدين بيزنطيين إثر هجوم شنه على سورية. ثم تجددت الحرب سنة ٥٢٨-٥٢٩م فتوغل حتى حمص وأفامية وأنطاكية, وحتى الأناضول، وبعد أن أضرم الحرائق في بعض المدن عاد وفي ركابه كثير من الأسرى بينهم ٤٠٠ راهبة، روي أنه قدمهن ضحية للآلهة، أو اصطفاهن لنفسه. ولما تولى الإمبراطور "جوستنيان" العرش البيزنطي أدرك أنه لا سبيل إلى وقف التحدي الفارسي إلا بدعم الغساسنة، فعين الحارث بن جبلة بن أبي شمر "الملقب بالحارث

стр. 192

الثاني" ملكًا عليهم، ومنحه بعض الألقاب الشرفية، وأوكل إليه حماية حدود الشام مع العراق. وكان لا بد من وقوع الصدام بين الإمارتين العربيتين، بالرغم من إبرام صلح بين بيزنطة وفارس، وعدم تدخل كل منهما تدخلًا مباشرًا في منازعات الإمارتين، ذلك أن ظروفًا جديدة قد دفعت الدولتين الكبيرتين إلى الاصطدام من جديد، فقد استفاد الإمبراطور "جوستنيان" من الهدنة المعقودة مع الفرس كي يتفرغ إلى توسيع إمبراطوريته في أوروبا وإفريقيا, واستعادة الممتلكات التي انسلخت عنها, إما بسبب نوازع وطنية محلية، أو بسبب استيلاء الأقوام البربرية الغازية عليها؛ وبالتالي كي يستعيد مجد الإمبراطورية الرومانية القديمة، مما يخل بتوازن القوى بين الدولتين. وقد وجد "كسرى أنوشروان" الذريعة التي يستطيع بها أن يجعل حلفاءه المناذرة يتحرشون بالغساسنة وبحلفائهم البيزنطيين، إذ كان ثمة نزاع بين المناذرة والغساسنة على أرض تسمى "أستراتا" تمتد بين دمشق وتدمر وتشكل الحد الفاصل بينهما، فحرض المنذر بن ماء السماء على احتلالها، فادعى تبعية القبائل النازلة فيها له ووجوب دفعها الجزية إليه، وكان لا بد للملك الغساني الحارث بن جبلة من مقاومة هذا الادعاء، فنشبت الحرب بين الطرفين "٥٤٠م" واضطرت بيزنطة وفارس إلى التدخل المباشر, كل منهما لنصرة حليفتها، ونقض "كسرى" بنود الهدنة المعقودة بينه وبين "جوستنيان" وهاجم سورية. غير أن الحارث بن جبلة الغساني الذي كان يرافق القائد البيزنطي "بليزاريوس" في المعارك الناشبة لم يلبث أن تخلى عن مؤازرة البيزنطيين، بعد أن كان قد تمكن من اجتياز نهر دجلة نحو الشرق، إذ أدرك أن الحرب ضد الفرس لا بد خاسرة؛ لانشغال كتلة الجيش البيزنطي الرئيسية في الحروب التي تخوضها في أوروبا، ففضل العودة بدلًا من أن يعرِّض رجاله للهلاك. والواقع أن ظنه قد تحقق، ذلك أن جوستنيان لم يلبث أن عقد اتفاقا جديدا مدته خمس سنوات مع كسرى، تعهد له فيه أن يضاعف الجزية التي تدفعها بيزنطة لفارس١.

стр. 193

ومن أهم المعارك التي جرت في هذه الحروب الطويلة المتصلة تلك التي جرت عام ٥٤٤م. والتي تمكن فيها المنذر الثالث من أسر أحد أبناء الحارث وقدمه ضحية للآلهة، الأمر الذي ملأ قلب الحارث بالحقد، وحدا به إلى الاستعداد للانتقام منه. وفعلًا لم يلبث أن حقق عليه النصر في معركة جديدة إذ دحره وأسر اثنين من أولاده، حتى إذا كان عام ٥٥٤م داهمه قرب قنسرين -بالرغم من الهدنة المعقودة بين الفرس والروم- وقتله في المعركة التي أطلق عليها اسم "يوم حليمة" والتي قد تكون سميت باسم ابنته "حليمة" التي روي أنها عطرت مائة من فرسان أبيها، وألبستهم الدروع بيديها تشجيعًا لهم على القتال، أو باسم مرج منسوب إلى هذه الابنة. ويسمي بعض المؤرخين هذه الوقعة باسم معركة "عين أباغ". والمنذر الثالث هو الذي تحدث الأخباريون عن قصة بنائه للغرييين، هذه القصة التي ينسبها بعضهم لجذيمة الأبرش، ولها اتصال بنديميه اللذين أعادا إليه ابن أخته، وينسبها بعضهم الآخر إلى النعمان بن المنذر المعروف باسم أبي قابوس, وملخصها أنه كان له نديمان من بني أسد ثملا مرة فراجعاه في بعض كلامه، فأمر بهما وهو سكران، فدفنا حيين في حفرة. ولما صحا ندم على فعلته، وأمر بأن يبنى فوق ضريحيهما صومعتان لا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما، وجعل له يومين في السنة: يوم نعيم لا يأتيه فيه أحد إلا خلع عليه، ويوم بؤس لا يأتيه فيه أحد إلا أمر بضرب عنقه وغرَّى الصومعتين بدمه، ويرى أن عبيد بن الأبرص قد ذهب ضحية يوم بؤسه١. وقد عد يومه من أيام الشؤم فضرب به المثل "يوم عبيد" كما في قول أبي تمام: لما أظلتني سماؤك أقبلت ... تلك الشهود علي وهي شهودي من بعد ما ظن الأعادي أنه ... سيكون لي يوم كيوم عبيد بينما تمكن حنظلة بن عفراء الطائي من النجاة بفضل وفائه، إذ استمهل الملك ليذهب إلى أهله٢ ويصلح من شأنهم ثم يعود في وقت حدد له، بكفالة رجل شهم يسمى

стр. 194

شريك بن عمرو، ولم يأزف الموعد المحدد حتى كان حنظلة قد عاد وأظهر استعداده للموت، فاهتز شعور الملك لهذا الوفاء، فأقلع عن هذا التقليد الذي سار عليه، وقد بلغ به التأثر حدًّا جعله يتنصر. غير أن هذه القصة في نظر المؤرخين المحدثين إنما هي قصة أسطورية؛ فإذا كان لا بد من قبول فكرة بناء الغرييين، لما لهما من صلة بعبادة الأوثان التي تقضي بذبح القرابين ودهن الأصنام بدمائها، فإنه لا سبيل إلى قبول خبر دفن النديمين وقتل الناس القادمين إلى بلاط الملك في يوم بؤسه؛ لأن هذا أمر لا يقبله العقل والمنطق. إنما وجود هذه القصة في تراث الأخباريين إن هو إلا دليل على تأثر العقلية العربية بالثقافة اليونانية التي وصلت إلى أوج تغلغلها في العصر العباسي، ففي الآداب اليونانية قصة مطابقة لقصة الغرييين تمام المطابقة١. كما لا يستطيع المحدثون قبول فكرة تنصر المنذر إثر حادث فردي كهذا، بل ربما كان تنصره لدافع أقوى هو ما عرف من عمق تغلغل الديانة المسيحية في مجتمع الحيرة وبلاط الملك الذي كان يعج بالمؤمنين في عهده، ويروى أنه وزوجته هند قد اعتنقاها وقد خلفه ابنه:

стр. 195

عمرو بن هند: "٥٥٤-٥٧٤" ولقبه "مضرط الحجارة": وأمه هند التي ينتسب إليها، هي ابنة الحارث الكندي وعمة الشاعر امرئ القيس، فهو كندي من جهة أمه. كان عمرو شديد البأس, قوي الشكيمة مع زهو وكبرياء وغطرسة، فهابته العرب. وقد استغل ضعف كندة ليوسع نفوذه فيما يلي الحيرة من شبه الجزيرة العربية، وحارب قبائل تميم وطيء وتغلب فكسرها وأخضعها. وكان سبب غزوه لتغلب أنه طلب من وجوهها مساعدته للأخذ بثأر أبيه من الغساسنة، فامتنعوا فغزاهم وفتك بهم١, وأما غزوه لتميم في يوم أوارة الثاني فكان سببه رغبته في الانتقام لأخيه

стр. 196

"سعد" الذي قتلته، ويروى أن عدد من قتل منهم بلغ مائة شخص ألقى جثثهم في النار فلقب بـ "المحرق". وقد عرف عن عمرو بن هند حبه للشعر والأدب؛ فتح بلاطه للأدباء والشعراء، فتقاطروا عليه من أماكن نائية لإنشاده ونيل جوائزه، فأصبحت الحيرة في عهده موئل الشعراء، قصده منهم بوجه خاص طرفة بن العبد والحارث بن حلزة١ المتلمس وعمرو بن كلثوم، ولم تكن مجالسه لتخلو من منافسة الشعراء بعضهم لبعض، ومن نقد بعضهم لبعض. ويظهر من الروايات التي تحدثت عنه أنه كان مغرورا متغطرسا سريع الانفعال، الأمر الذي أوقعه في مشاكل عديدة، فلأكثر مشاهير شعراء الجاهلية خبر أو قصة معه؛ مما جعله في أحيان كثيرة عرضة لهجومهم. وقصصه مع طرفة بن العبد والمتلمس٢ وعمرو بن كلثوم معرفة ومشهورة. وأشهرها قصته مع عمرو بن كلثوم، إذ حدا به غروره وغطرسته يومًا إلى سؤال جلسائه: هل من أحد من العرب تأنف أمه أن تخدم أمي؟ فقالوا: نعم، أم عمرو بن كلثوم، أبوها مهلهل بن ربيعة وعمها كليب وائل أعز العرب وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، فدعا

стр. 197

الشاعر وأمه إلى وليمة، فحاولت أم الملك استخدام أم عمرو بن كلثوم في حاجة لها تناولها إياها، فأبت وقالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فكررت عليها وألحت، فاستغاثت أم الشاعر وسمع ابنها استغاثتها من الخباء المجاور؛ فالتقط عمرو بن كلثوم سيفًا لابن هند معلقًا، لم يكن ثمة سيف غيره ففلق رأسه به وأرداه قتيلًا١. وقد تردد صدى هذه الحادثة في شعر الجاهليين٢ كما أشار عمرو بن كلثوم نفسه٣ إلى هذه الحادثة في معلقته: ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا

стр. 198

النعمان الثالث بن المنذر "٥٨٠-٦٠٥م": وهو الملقب بـ "أبي قابوس" وكان وثنيًّا ثم تنصر. ويروى عن تنصره رواية لا تختلف عما ألفناه من روايات الأخباريين المستمدة من الخيال، ومرجعها نصارى الحيرة، وهي تقول: إن الشيطان قد ولع به أصيب بلوثة ووسوسة، ولما لم يجد شفاء إلا على أيدي آباء الكنيسة، تنصر على المذهب النسطوري وطرد اليعاقبة من الحيرة. وقد اشتهر عنه ميله للشعر والشعراء، ويروى أنه كان ضليعًا في الخطابة، قد قصده من الشعراء المنخل اليشكري وحاتم الطائي وحسان بن ثابت والمثقب العبدي والأسود بن يعفر، ونعموا بهباته وجوائزه, كما هجاه آخرون كعمرو بن كلثوم متخذين من كون أمه يهودية من فدك ذريعة لذلك، إذ كان العرب يعيبون الصناعة التي كان

стр. 199

يمارسها اليهود، وقد عيَّره عمرو بن كلثوم بخاله الذي يصوغ الحلي والعقود وينفخ في الكير. أما قصته مع النابغة الذبياني فهي معروفة: كان النابغة أحب الشعراء إلى قلبه، الأمر الذي أثار حسد الشعراء الآخرين ومنهم المنخل اليشكري الذي أوغر عليه صدر الملك١، فغضب عليه وهدر دمه، فهرب من وجهه والتجأ إلى أعدائه الغساسنة. لكنه استرضاه في النهاية وعاد إلى بلاطه في أواخر أيام ملكه. وأما المنخل اليشكري الذي انفرد بالمكانة المرموقة في غياب النابغة، فلم ينعم طويلًا بهذه المكانة؛ لأن النعمان لم يلبث أن انقلب عليه، فأودعه السجن حيث قضى نحبه من أثر التعذيب٢. عاصر النعمان كسرى أبرويز الذي تذكر الروايات العربية أنه قتله بتحريض من زيد بن عدي انتقامًا لوالده عدي بن زيد، الذي كان النعمان قد قضى عليه، وهذه لمحة عن هذه القصة التي ذكرها الطبري وصاحب الأغاني والعقد الفريد وغيرها من المصادر العربية:

стр. 200

أصبح الأكاسرة في الأيام الأخيرة لمملكة الحيرة قليلي الثقة بملوك المناذرة. والواقع أن أمر المناذرة قد تضعضع في أثناء الفتنة التي حدثت قبيل اغتصاب الحارث بن عمرو الكندي لعرش الحيرة، فاغتنم الفرس الفرصة لكي يحكموا قبضتهم في عنقهم، ومالوا إلى فرض حكمهم المباشر عليهم إلى أن اعتلى النعمان الثالث "أبو قابوس" العرش. كما شعروا بأن الحاجة إليهم لم تعد كما كانت بعد أن سُويت الأمور بين الفرس والروم إثر الهدنة التي عقدت بين الطرفين في منتصف القرن السادس الميلادي، وهو الزمن الذي قتل فيه المنذر الثالث بن ماء السماء اللخمي على يد الحارث بن أبي شمر الغساني، ولم تبقَ الحروب بين الغساسنة والمناذرة على الحدة نفسها التي كانت عليها من قبل، الأمر الذي كان من شأنه أن يدخل القلق إلى نفوس الفرس، فيجعلهم يتحسبون لما قد يلفت اهتمام المناذرة إلى تقوية دولتهم وتهديد السيطرة الفارسية، لا سيما وأن سياسة كل من الفرس والروم في ضرب الإمارتين إحداها بالأخرى، كانت ترمي إلى هدفين معًا: إضعافهما من جهة، وجعلهما مجنًّا تحتميان وراءه من جهة أخرى، وقد خفف قلق الفرس من ناحية الغساسنة كون العلاقات قد ساءت بين هؤلاء وبين حلفائهم الروم، وضعف شأنهم ولم يعد ثمة خطر يهدد الفرس من جانبهم. وخوف الفرس من المناذرة جعلهم يتخذون ضدهم تدابير شديدة منها ألا يقروا على إمارة الحيرة إلا من يثقون به. في هذه الحقبة من الزمن، أي: التي امتدت ما بين النصف الأول من القرن السادس الميلادي وأواخره، ارتفع شأن أسرة من تميم بن مر قدم جدها الأكبر أيوب بن محروف من محل إقامته في اليمامة إلى الحيرة، وكان على النصرانية، فتقرب من الأكاسرة ومن ملوك الحيرة أيضًا، وأصبح عدد من أولاده وأحفاده واحدًا بعد الآخر كُتَّابًا في ديوان كسرى؛ لتضلعهم بالفارسية والعربية، وتولى أحدهم زيد بن حماد لدى كسرى مصلحة البريد التي كانت عند الفرس بمثابة دائرة استخبارات تستطلع له أخبار رعيته، وقد خدمت هذه العائلة الفرس وأخلصت لهم، وكانت العين الرقيبة لهم على أمراء الحيرة. وقد وثق كسرى بزيد، حتى إنه قد ولاه مؤقتا ملك الحيرة، بعد وفاة ملكها النعمان النصري، كما يسميه صاحب الأغاني -ريثما عين المنذر بن ماء السماء خلفًا

стр. 201

للنعمان١. وارتفع شأن زيد وبلغ نفوذه على ملوك الحيرة مبلغًا عظيمًا بحيث تمكن بدهائه من أن يكون حاكم الحيرة الفعلي، في أثناء الفتنة التي مرت بها الحيرة، عندما قام عربها يريدون قتل الملك المنذر ليتخلصوا من ظلمه، فأبدى الملك رغبته في التنازل عن العرش، وطلب من الفرس أن يعينوا ملكًا منهم، فما كان من زيد إلا أن سوى الأمور بين الملك وشعبه بحيث يكون هو حاكم الحيرة الفعلي والمنذر ملكها الاسمى. وكان لزيد ولد يسمى عديًّا٢ -الشاعر المعروف- ربي في أحضان الفرس، وأصبح كاتبًا لكسرى، فرهبته العرب وتقربت منه، بينما هو قد تشرب دمه بالإخلاص للفرس والتفاني في خدمتهم. وقد لعب دورا كبيرا عندما شغر عرش الحيرة بمقتل المنذر وولي عليه العميل الفارسي إياس بن قبيصة بالوكالة. ذلك أنه عندما بلغ ضجر كسرى، ويأسه من العثور على من يثق به من أمراء المناذرة، مبلغًا دفعه إلى إطلاق وعيده بحكم الحيرة حكما مباشرا: "لأبعثن إلى الحيرة اثني عشر ألفًا من الأساورة، ولأملكن عليهم رجلا فارسيا، ولآمرنهم أن ينزلوا على العرب في دورهم، ويملكوا عليهم أموالهم ونساءهم"٣، تصدى لحل المعضلة بأن أعمل الحيلة والمكر في مساعدة ربيبه النعمان بن المنذر، الذي ترعرع في كنف آل عدي فكانوا هم الذين أرضعوه وربوه، وحمل كسرى على إسناد العرش إليه تفضيلًا له عن إخوته الاثني عشر الآخرين٤. غير أن العلاقات لم تلبث أن ساءت بين النعمان وعدي فأرسل إليه -وهو يومئذٍ عند كسرى- رسالة رقيقة استقدمه بها وألقى به في السجن، ثم قتله عندما أبلغته حاشيته أن رسولًا من كسرى يحمل رسالة منه يطلب فيها إطلاق سراحه، وحذرته من عدي بعد أن يصبح حرا طليقا. ولما فوجئ الرسول بموت عدي، بينما كان قد زاره في اليوم السابق في سجنه، وأيقن أن النعمان هو الذي أمر بقتله، عاد إلى مليكه وأبلغه الواقع، وكان من الطبيعي أن يغضب كسرى لما حدث.

стр. 202

أما النعمان فقد ندم على ما فرط منه، وراح يسترضي ابنًا لعدي يسمى زيدًا ويكرمه، ثم أرسل إلى كسرى بإطرائه وبتعيينه كاتبًا لديه بدلًا من أبيه، بينما اتخذ زيد هذا التعيين وسيلة للانتقام من النعمان. وقد واتته الفرصة السانحة عندما لمس من كسرى رغبة في الزواج، فأدخل في نفسه أن يطلب من النعمان إحدى بنات أسرته، وهو يعلم أن العرب تأنف من تزويج بناتها في الأعاجم، فكلفه كسرى أن يذهب إلى النعمان بهذه المهمة، وأرفق معه مندوبًا يعرف العربية ليسمع جواب النعمان١. ولما فوجئ النعمان بالطلب اعتذر عن وجود ما يشبه النساء اللواتي حدد كسرى أوصافهن، وأجاب زيدًا والرسول بقوله: "أما في مها السواد وعين فارس ما يبلغ به كسرى حاجته؟! "٢ ولما سأل المندوب الفارسي زيدًا عن معنى "المها والعين" -ومعناهما في العربية نوع من الظباء والنساء سوداوات العينين واسعتهما- أجابه بالفارسية "كاويان" أي: البقر. وكان من الطبيعي أن يغضب كسرى للرد المنقول إليه عن النعمان "أما في بقر السواد وفارس ما يكفيه؟! " فيقول: رب عبد قد صار في الطغيان أكثر من هذا، وسكت أشهرًا ثم استدعى النعمان لزيارة العاصمة الفارسية، ولما قدم إليه أمر بقتله. هذه الأحداث تجعلها معظم الروايات العربية سببًا لقتل النعمان. والروايات العربية على العموم تقتصر على الأسباب العرضية المباشرة للأحداث، ولا تلتفت كثيرًا إلى الأسباب الأساسية، الأمر الذي يحدو بالمؤرخين المحدثين إلى مزيد من التقصي، لا سيما عند المؤرخين القدامى الذين اهتموا بتاريخ العرب وتاريخ الفرس على السواء، كأبي حنيفة الدَّينَوَرِي الذي عني في الوقت نفسه بالتمحيص والتحليل، وقد أورد الدينوري عن هذه الأسباب نصا منقولا عن كسرى أبرويز بن هُرْمز إلى ابنه شيرويه الذي أقصاه عن العرش وسجنه، واعتلى مكانه العرش الكسروي. فلما طلب زعماء حركته الانقلابية منه قتل والده استمهلهم، وكتب إلى أبيه كتابًا وجه إليه جملة من التهم منها قتله للنعمان وعدم حفظه له ولأسرته جميلهم وخدمتهم للدولة، فأجابه والده بكتاب يبرز فيه موقفه, جاء فيه بما يخص النعمان: " ... وأما ما زعمت من قتلي النعمان بن المنذر، وإزالتي الملك عن

стр. 203

آل عمرو بن عدي إلى إياس بن قبيصة، فإن النعمان وأهل بيته واطئوا العرب، وأعلموهم توكفهم "توقعهم" خروج الملك عنا إليهم، وقد كانت وقعت إليهم في ذلك كتب، فقتلته ووليت الأمر أعرابيًّا لا يعقل من ذلك شيئًا"١. والواقع الذي تؤيده مختلف أحداث تلك الفترة أن الفرس قد تهيبوا في المدة الأخيرة ملوك المناذرة، الذين يظهر أنهم نزعوا إلى الاستقلال عن الفرس مدفوعين إلى ذلك بعواطفهم العربية، لا سيما وأن كسرى قد لمس في تصرفات النعمان بعض ما يعزز ظنونه، إذ اتجه إلى توسيع نفوذه في شبه الجزيرة العربية، فامتد سلطانه إلى البحرين وجبل طيء، وكثرت لطائمه التي يرسلها إلى الحجاز، وتعددت مشاكله مع بعض القبائل بسببها ولأسباب أخرى، فاشتبك مع بني يربوع في يوم "طخفة" ومع بني عامر في يوم السلان "وسنتحدث عن ذلك في بحث أيام العرب" ومن جهة أخرى أصبح بلاطه موئلًا للشعراء العرب ولأدبائهم، والتفَّ حوله زعماء القبائل يحرصون على التقرب منه، ويتنافسون فيما بينهم للحصول على ثقته بهم. والنعمان نفسه قد تضايق على ما يظهر من تصرفات عدي بن زيد، وأسرته العريقة في عمالتها للفرس وتجسسها على ملوك الحيرة، الأمر الذي قد يكون في نظرنا السبب الأساسي لقتله بأمر من النعمان، بينما يبدو أن السبب الذي أورده الأخباريون عن قتل الملك لعدي، إنما هو من نوع رواياتهم التي تهتم بالأسباب العرضية المباشرة. أما الرجل الذي ولاه الفرس على الحيرة فهو إياس بن قبيصة الطائي، وكان عميلًا لهم. لكنهم لم يلبثوا أن عزلوه إثر هزيمتهم في موقعة "ذي قار" التي كانت نتيجة للأحداث المتقدم ذكرها -كما سيأتي في بحث أيام العرب- وحكموا الحيرة حكما مباشرا. غير أن ثمة روايات تقول: إن إياس بن قبيصة كان على رأس إمارة الحيرة عندما اجتاحها العرب المسلمون فيما بعد٢. وقد ذهب المناذرة إثر انتهاء حكمهم إلى جهات البحرين، حيث نجح أمير منهم هو المنذر الخامس المعروف بلقب "المغرور" في تأليف إمارة عربية مستقلة، غير أن من

стр. 204

الروايات ما تقول: إن الأسرة اللخمية قد أعيدت إلى حكم الحيرة بشخص هذا الأمير. ومهما يكن من أمر، فإن نهاية المناذرة ونهاية الدولة الفارسية كانت على يد خالد بن الوليد، حينما شرعت الجيوش العربية الفاتحة في اقتحام دولة الفرس.

стр. 205

الغساسنة مدخل ... الغساسنة يقول الأخباريون: إن أصل الغساسنة من اليمن, وإنهم ينتسبون إلى قبيلة الأزد، وإنهم خرجوا من اليمن حينما تصدع سد مأرب، ونزلوا على ماء في سهل تهامة يسمى "غسان" فنسبوا إليه، وإن الذي قادهم في هذا الخروج هو جدهم الأعلى عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء١، الذي ينتهي نسبه إلى ثعلبة بن مازن بن الأزد بن غوث، وإن أول ملوكهم هو "جفنة" ولذا فإنهم يعرفون باسم "آل جفنة" أيضا. ونحن ليس لدينا ما ينقض ولا ما يؤيد هذه الأقوال, إنما يستدل من الشعر الذي وصلنا من صدر الإسلام، أن مثل هذه الأقوال عن أصل الغساسنة كانت شائعة في الجاهلية القريبة من الإسلام وفي صدر الإسلام٢، من مثل قول حسان بن ثابت الذي ينتمي إلى قبيلة الأزد: فأما سألت فإنا معشر نجب ... الأزد نسبتنا والماء غسان٣ ويزعم الأخباريون أن الغساسنة حين قدموا إلى منطقة حوران والجولان وجدوا أن قبائل أخرى تسكنها وتعرف باسم الضجاعمة الذين أرجعهم النسابون إلى سليح بن حلوان من قضاعة. والمعلومات عن الضجاعمة غير متوفرة للمؤرخين، ويروي النسابون روايات مضطربة عن الذين تزعموهم. يقول الأخباريون: إن الحكم الذي أقامه الغساسنة في جهات الشام لم يأتهم عفوًا وبطريق سهل، إنما أخذوه بالقوة والحرب. فلما نزلوا المنطقة إلى جوار

стр. 206

سليح ضربت هذه عليهم الأتاوة لحساب الروم، وكان يتزعم الغساسنة آنذاك كبيرهم ثعلبة بن عمرو، فتحايل أخوه جذع على كبير سليح واغتاله، فوقعت الحرب بين القبيلتين، وكانت الغلبة للغساسنة وصار الملك إليهم. ويورد الأخباريون هذه القصة تفسيرًا لأصل المثل القائل: "خذ من جذع ما أعطاك". ويظهر أن الأخبار المروية عن فتك الغساسنة بالضجاعة مبالغ فيه؛ ذلك أنهم وإن فقدوا ملكهم، فإنهم لم يرتحلوا عن المنطقة، لا بل يروى أنهم أسهموا في مقاومة خالد بن الوليد في دومة الجندل، عندما تصدى المسلمون لفتح الشام١. كما يروي الأخباريون أن الروم كانوا يفرضون نفوذهم على الضجاعمة, وأنهم قد أنابوهم عنهم في جمع الإتاوات من السكان، فلما ظهر الغساسنة عليهم وثقوا بقوتهم واستمالوهم ووطدوا صلاتهم بهم، واعترفوا لهم بالرئاسة على العرب في بلاد الشام ومدوهم بالمعونة، واتخذوا منهم مجنا يتقون به غزوات الأعراب التي كانت غالبًا ما كانت تغير على مراكز الحضارة البيزنطية، كما اتخذوا منهم حلفاء ضد أعدائهم الفرس في الشرق، وهكذا أصبح الغساسنة دولة تابعة للروم البيزنطيين. ويختلف المؤرخون حول من هو أول ملك من ملوك الغساسنة؛ فبينما يقول بعضهم: إنه جفنة بن عمرو مزيقياء، يذكر المسعودي أنه الحارث بن عمرو مزيقياء. ويقرن المؤرخون بين جفنة وبين الإمبراطور أنسطاس الذي حكم بين ٤٩١-٥١٨م، ويقولون: إن هذا الإمبراطور قد ملَّكه على عرب الشام، فقتل ملوك قضاعة من سليح وبني جلق وغيرها، وبه سمي آل جفنة عمالًا للقياصرة على عرب الشام. فإذا صح زعمهم فيكون جفنة قد حكم بين نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الميلادي. والواقع أن تاريخ الغساسنة غامض، وليس ثمة اتفاق في التواريخ العربية على عدد ملوكهم. فهناك من يقول: إنهم أحد عشر ملكًا، وآخرون يقولون: إنهم اثنان وثلاثون، والفرق كبير بين القولين. أما التواريخ البيزنطية فلا تهتم إلا بعلاقاتهم مع القسطنطينية، ولا يعرف على التحقيق، وبشيء من التفصيل سوى تاريخ خمسة من ملوكهم حكموا في

стр. 207

أواخر الدولة. وأول ملك اطمأن المؤرخون المحدثون إلى حقيقة حكمه هو جبلة بن الحارث أول هؤلاء الخمسة١. وقد روي عنه أنه غزا فلسطين عام ٥٠٠م، لكن المعلومات عنه قليلة ولا يعرف عنه ما يستحق الذكر. وحكم بعده ابنه:

стр. 208

الحارث بن جبلة "٥٢٩-٥٦٩م": وقد لقب بلقب "الأعرج" وهو الذي حارب المنذر الثالث بن ماء السماء ملك الحيرة وقتله في موقعه عين أباغ "يوم حليمة" وأبلى بلاءً حسنًا في قتال الفرس، فمنحه الإمبراطور جوستنيان لقب "بطريق" وهو يعني قائد عشرة آلاف في الجيش البيزنطي، ولقب "فيلارك" ويعني رئيس قبيلة، وقد ترجم العرب هذه الألقاب بمعنى "ملك" ويفسر بعض المؤرخين ذلك بأن ربما اعتبر ملوك الغساسنة أنفسهم خلفاء لملوك الأنباط. وقد قدم الحارث للبيزنطيين خدمات جلى، إذ رفعه ولاؤه للعرش البيزنطي إلى قتال المناذرة وأسهم في إخماد فتنة قامت ضد الإمبراطورية في السامرة في فلسطين، وحارب في الجيش البيزنطي الذي زحف إلى العاصمة الفارسية بقيادة القائد "بليزاريوس" لكنه آثر الانفصال عن الجيش البيزنطي، والعودة إلى مراكز إمارته لأسباب ذكرتها سابقًا. كان الحارث ذا شخصية قوية ومهابة عظيمة، زار سنة ٥٦٣م بلاط جوستنيان؛ ليتداول معه في شئون الإمارة، ومنها قضية من سيخلفه، وما يجب اتخاذه من تدابير لمواجهة خصمه القوي عمرو بن هند ملك الحيرة الجديد. وكان ظهوره في البلاط البيزنطي مثار اهتمام كبير من الحاشية ورجال القصر، وترك أثرا عميقا في نفوسهم بوصفه شيخا بدويا مهيبا. وقد بلغت الإمارة الغسانية في عهده ذروة اتساعها، فقد امتدت من قرب البتراء إلى الرصافة شمال تدمر، واشتملت على البلقاء والصفا وحوران، وأصبحت بصرى التي بنيت كاتدرائيتها سنة ٥١٢ م العاصمة الدينية في المنطقة، كما اشتهرت بكونها مركزا تجاريا نشطا. ولما كان الحارث من أتباع القائلين بالطبيعة الواحدة للمسيح "المنوفستية" فقد

стр. 209

استطاع في أثناء إقامته في القسطنطينية أن يقنع الإمبراطور بإسناد أسقفيات المقاطعات السورية إلى رؤساء هذه الطائفة، بالرغم من مخالفتها لمذهب الدولة الرسمي. ويقال: إن عدد الأساقفة الذين عينوا لهذه الأسقفيات بلغ تسعة وثمانين، فانتشرت العقيدة الجديدة في سورية في أثناء حكمه وحكم ابنه على نطاق واسع. والحارث هذا هو الملك الذي روي أن امرأ القيس الشاعر الكندي قد لجأ إليه؛ كي يتوسط لدى الإمبراطور البيزنطي ليعاونه على قتلة أبيه. وهو أيضا صاحب القصة المشهورة عن وفاء السموأل بن عادياء الذي أودع امرؤ القيس لديه دروعه، فأصر على رفض تسليمها لمندوبي الملك ولو كلفه ذلك قتل ولده. وقد خلفه ابنه:

стр. 210

المنذر بن الحارث "٥٦٩-٥٨١م": الذي كان متطرفًا في تأييد مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح، وقد حدث جفاء بينه وبين البيزنطيين بسبب ذلك, إذ ارتاب الإمبراطور جوستين "ابن أخي جوستنيان وخليفته" بولاء المنذر؛ نظرا لتعصبه الشديد لمذهبه, فكتب رسالة إلى حاكم سورية البيزنطي يأمره فيها بالتخلص منه. لكن كاتب الإمبراطور أرسلها خطأ إلى المنذر بدلا من الرسالة الموجهة إليه بدعوته إلى زيارة الحاكم للتشاور. فحصل الجفاء، وقطع الإمبراطور عنه الإمدادات مدة ثلاث سنوات متعاقبة، فتمرد وغادر أرض الروم إلى البادية، الأمر الذي أطمع المناذرة بسورية فهاجموها وأمعنوا في غزوهم لها، وأوقعوا الرعب في قلوب أهلها، مما حمل الروم على مصالحة المنذر، والتودد إليه لاسترضائه فعقد الصلح بين الطرفين في مدينة الرصافة سنة ٥٧٨م، فعاد المنذر إلى عرشه وتصدى لحرب المناذرة وانتصر عليهم، وتمكن من بلوغ عاصمتهم الحيرة وأحرقها وكان ذلك في عام ٥٨٠م. وقد زار المنذر وولدان له العاصمة البيزنطية في العام نفسه، فاستقبله الإمبراطور الجديد "تيبريوس" الثاني بحفاوة عظيمة، وأنعم عليه بالتاج بينما لم يكن لأسلافه سوى الإكليل يضعونه على رءوسهم١. وانتهز المنذر فرصة وجوده في العاصمة لإقناع رجال

стр. 211

القصر بالتسامح مع أتباع الطبيعة الواحدة والصفح عنهم، ومن المحتمل أن يكون قد عقد مجمعًا هناك لتعزيز مذهبه، واتصل بالبطاركة للتوفيق بين رجال الكنيستين، لكن مساعيه خابت بالرغم من إبداء البطاركة رغبتهم وعدم ممانعتهم في ذلك. لكن الوفاق لم يلبث أن انقلب إلى جفاء مرة ثانية، عندما تمادى المنذر في مساعيه الهادفة إلى إعلاء شأن مذهبه، الأمر الذي أوغر عليه صدر الكهنوت الرسمي للدولة، فحرض رجاله الإمبراطور عليه، سيما قد رافق ذلك إسهامه مع حاكم سورية البيزنطي في هجوم على الفرس، حيث أحجم الحاكم عن متابعة السير عند رؤيته أن الجسر القائم على نهر الفرات, والذي يؤدي إلى الأراضي الفارسية مهدم؛ فعاد أدراجه إلى الشام, وكتب إلى القسطنطينية كتابًا يدفع فيه عن نفسه مسئولية الإخفاق والخيبة، ويتهم المنذر بالخيانة، وبأن له صلات سرية مع الفرس، وأنه قد أخبرهم بقيام الحملة, وأوعز إليهم بهدم الجسر ليكتب لها الإخفاق. وزاد الأمر سوءًا أن المنذر بعد أن عاد إلى الشام جهز جيشًا سار به إلى الحيرة، فغزاها وألحق بها أضرارا جسيمة، ولم يغادرها إلا وهي شعلة من نار، خلافا لمقتضيات الهدنة بين الإمبراطوريتين. فاتخذ الروم من هذه الأعمال جميعها دليلًا على تحديه لهم. فأصدر الإمبراطور أمرا سريا إلى عامله الجديد في الشام -وكان صديقا للمنذر- بأن يحتال للقبض عليه، فدعاه لحضور حفلة تدشين كنيسة جديدة بنيت في حوران، وما أن أطل عليها حتى ألقي القبض عليه، وأرسله إلى العاصمة مع زوجته وثلاثة من أولاده، فوضعوا جميعًا في الأسر، ثم جرى نفيهم إلى صقلية حيث قضى المنذر نحبه بعد حين. قطع البيزنطيون بعد ذلك ونهائيا الإعانة المالية وسواها من الإعانات التي كانوا يدفعونها للغساسنة١. فما كان من أولاد المنذر، وعلى رأسهم ابنه الأكبر النعمان, إلا أن غادروا ديارهم وأعلنوا الثورة، فاتخذوا البادية منطلقا لسلسلة من الغارات، شنوها على أراضي البيزنطيين في الشام ينهبون ويدمرون. وقد استولوا على بلدة حوارين وقتلوا بعض أهلها، وأسروا آخرين منهم، وعادوا بكثير من الغنائم. ولم يسع القيصر إلا الإيعاز لحاكمه على الشام بتجهيز حملة إليهم. فلما رأى الحاكم صعوبة مهاجمتهم في البادية، عمد إلى المكر

стр. 212

والحيلة فتمكن من إلقاء القبض على النعمان، وأرسله أسيرًا إلى القسطنطينية "٥٨٤م" عندئذٍ تجزأت المملكة إلى أقسام متعددة يرأس كلًّا منها أمير، وتحالف بعضهم مع دولة الفرس، وبقي بعضهم الآخر بجانب بيزنطة. والواقع أن تاريخ الغساسنة في هذه الفترة يبدو على شيء من الغموض والاضطراب١. أما الفوضى فقد بقيت سائدة مدة من الزمن؛ الأمر الذي شجع الفرس على مهاجمة سورية بين ٦١١-٦١٤م إذ استولوا على دمشق والقدس، ولم يستطع هرقل أن يستردهما إلا بجهد عظيم "٦٢٩م" إذ استولوا على دمشق والقدس، ولم يستطع هرقل أن يستردهما إلا بجهد عظيم "٦٢٩ م". وربما يكون الروم قد أدركوا قيمة تحالفهم مع الغساسنة، فأعادوهم إلى إمارتهم، إذ جاء في أخبار الفتوح العربية لبلاد الشام أنهم واجهوا من قبل الغساسنة مقاومة، إذ حارب هؤلاء العرب الفاتحين في جانب البيزنطيين، وقد يكون:

стр. 213

جَبَلة بن الأيهم: آخر ملوكهم، وهو الذي وقف مع الروم ضد خالد بن الوليد في دومة الجندل وفي موقعة اليرموك, لكنه أسلم عقب هذه المعركة، وانضم إلى العرب المسلمين، ثم ارتد عن الإسلام بعد الحادثة المعروفة التي تروى عن وطء إزاره من قبل رجل عربي فلَطْمه له، وعدم قبوله حكم عمر بن الخطاب الذي أعطى العربي حق القود من جبلة، ولم يكن منه إلا أن هرب إلى القسطنطينية، وقضى بقية أيام حياته فيها. في ختام البحث في تاريخ المناذرة والغساسنة لا بد من كلمة عن السبب الذي حمل كلًّا من الروم والفرس على قلب ظهر المجن لملوك هاتين الدولتين، فهل لمسوا منهما بوادر حركات تمرد يهدد حكمهم؟ وهل كان ذلك دليلا على بوادر شعور بالرابطة القومية العربية ظهر أثره في موقعة ذي قار بخاصة؟ هذا ما تشير إليه بعض الأحداث وبعض المصادر لكن ما لدينا من مستندات غير كافٍ لجلاء هذه النقاط جلاء تامًّا. وهي بحاجة إلى مزيد من التقصي والبحث العميق.

стр. 214

حضارة المناذرة والغساسنة مدخل ... حضارة المناذرة والغساسنة من مقارنة حضارة المناذرة بحضارة الغساسنة تتضح لنا أمور عديدة؛ فبينما اتخذ المناذرة عاصمة ثابتة هي "الحيرة" لم يتخذ الغساسنة عاصمة ثابتة، بل كان مقرهم في أول الأمر عبارة عن معسكر متنقل، ثم اتخذوا "الجابية" في جنوب دمشق، قرب مرج الصفر شمال حوران عاصمة لهم، وفي وقت ما "جلق" قرب دمشق، في مكان على نهر بردى، أو "بصرى الشام". وقد وجد في الحيرة بعد أن قدم إليها المناذرة ثلاثة عناصر من السكان: رجال القبائل العربية من تنوخ, ثم سكان الحيرة الأصليون "العباد" وكانوا نصارى على المذهب النسطوري، يزاولون التجارة ويعرفون القراءة والكتابة, ثم الأحلاف وهم بعض العرب الذين نزلوا على القوم، وارتبطوا معهم بحلف، وكانت السيادة والسيطرة للعنصر العربي. وقد وجد في الحيرة نحل دينية كثيرة: من وثنيين يعبدون الأصنام، وصابئة يعبدون الكواكب، ومجوس يعبدون النار، ويهود, ومسيحيين أكثرهم على المذهب النسطوري، وأقلهم على مذهب اليعاقبة الذين يعتقدون بالطبيعة الواحدة للمسيح. والحيرة تمتاز بهوائها النقي العليل وبتربتها الخصبة وموقعها الممتاز من الناحيتين العسكرية والتجارية، اسمها يعني المخيم بالسريانية. والدولتان كانتا من النوع الذي نسميه اليوم "الدول الحاجزة" لوقوعهما على حدود دولتين كبيرتين، عمدتا إلى استخدامهما مجنا يصد عنهما غارات البدو والغزوات المتبادلة بينهما، وكلتاهما ارتبطتا بالدولتين الكبيرتين بأحلاف وارتباطات عسكرية، وكانتا تتمتعان بمستوى واحد من الاستقلال الذاتي والتبعية السياسية والعسكرية للأجنبي. وبينما امتد حكم المناذرة زهاء أربعة قرون، لم يدم حكم الغساسنة سوى قرن وبعض القرن، وانقرضتا بعدئذٍ معًا بفضل الفتح العربي الإسلامي.

стр. 215

وقد امتاز كل من الغساسنة والمناذرة بثقافتهم الراقية، إذ أقام الغساسنة حضارة نمت وترعرعت في سورية بفضل العناصر الرومانية والآرامية واليونانية، وكانت مزيجًا من تأثيرات بيزنطية وساسانية، بينما نرى أن المناذرة قد تأثروا بالحضارة الفارسية واليونانية والآرامية. وكان لمعرفة أهل الحيرة اللغة الفارسية أثر في نقل الآداب الفارسية، كما كان لبعض أسراهم من الروم فضل في الإسهام بنقل علوم اليونان وآدابهم إليهم. وتقدمت الحيرة في الطب في أيام المناذرة، واحتفظت بشهرتها فيه حتى بعد قيام الدولة العربية الإسلامية، كما حفلت بالمدارس ومعاهد العلم. وقد قلد ملوكها مظاهر أبهة الساسانيين، ولبسوا التيجان، واستعملوا الحجاب على أبوابهم، وكان بلاطهم صورة مصغرة عن بلاط المدائن. وكان الملك يستعين في الحكم برديف "وزير" ويستند على قوة عسكرية بعضها نظامي، مثل كتيبتي "الشهباء" الفارسية و"الدوسر" العربية، وبعضها الآخر غير نظامي، إذ كانت تضم القبائل الموالية، وأهمها كتائب "الرهائن" و"الصنائع" و"الوضائع"١، وكان لها حصون تعرف باسم "المسالح" "مفردها: مسلحة". أما بلاط الغساسنة فقد حفل بكثير من الجواري الروميات والمغنين، من مكيين وبابليين ويونان، وبموسيقيين من كلا الجنسين٢. وقد حدثنا حسان بن ثابت عن فخامة قصورهم ومجالس شرابهم وجواريهم، وبذخهم وترفهم، وإسرافهم في شرب الخمر
следующие страницы →