← История

История · id 11084

تاريخ العرب القديم

توفيق برو

Полный текст (488 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

القصر بالتسامح مع أتباع الطبيعة الواحدة والصفح عنهم، ومن المحتمل أن يكون قد عقد مجمعًا هناك لتعزيز مذهبه، واتصل بالبطاركة للتوفيق بين رجال الكنيستين، لكن مساعيه خابت بالرغم من إبداء البطاركة رغبتهم وعدم ممانعتهم في ذلك. لكن الوفاق لم يلبث أن انقلب إلى جفاء مرة ثانية، عندما تمادى المنذر في مساعيه الهادفة إلى إعلاء شأن مذهبه، الأمر الذي أوغر عليه صدر الكهنوت الرسمي للدولة، فحرض رجاله الإمبراطور عليه، سيما قد رافق ذلك إسهامه مع حاكم سورية البيزنطي في هجوم على الفرس، حيث أحجم الحاكم عن متابعة السير عند رؤيته أن الجسر القائم على نهر الفرات, والذي يؤدي إلى الأراضي الفارسية مهدم؛ فعاد أدراجه إلى الشام, وكتب إلى القسطنطينية كتابًا يدفع فيه عن نفسه مسئولية الإخفاق والخيبة، ويتهم المنذر بالخيانة، وبأن له صلات سرية مع الفرس، وأنه قد أخبرهم بقيام الحملة, وأوعز إليهم بهدم الجسر ليكتب لها الإخفاق. وزاد الأمر سوءًا أن المنذر بعد أن عاد إلى الشام جهز جيشًا سار به إلى الحيرة، فغزاها وألحق بها أضرارا جسيمة، ولم يغادرها إلا وهي شعلة من نار، خلافا لمقتضيات الهدنة بين الإمبراطوريتين. فاتخذ الروم من هذه الأعمال جميعها دليلًا على تحديه لهم. فأصدر الإمبراطور أمرا سريا إلى عامله الجديد في الشام -وكان صديقا للمنذر- بأن يحتال للقبض عليه، فدعاه لحضور حفلة تدشين كنيسة جديدة بنيت في حوران، وما أن أطل عليها حتى ألقي القبض عليه، وأرسله إلى العاصمة مع زوجته وثلاثة من أولاده، فوضعوا جميعًا في الأسر، ثم جرى نفيهم إلى صقلية حيث قضى المنذر نحبه بعد حين. قطع البيزنطيون بعد ذلك ونهائيا الإعانة المالية وسواها من الإعانات التي كانوا يدفعونها للغساسنة١. فما كان من أولاد المنذر، وعلى رأسهم ابنه الأكبر النعمان, إلا أن غادروا ديارهم وأعلنوا الثورة، فاتخذوا البادية منطلقا لسلسلة من الغارات، شنوها على أراضي البيزنطيين في الشام ينهبون ويدمرون. وقد استولوا على بلدة حوارين وقتلوا بعض أهلها، وأسروا آخرين منهم، وعادوا بكثير من الغنائم. ولم يسع القيصر إلا الإيعاز لحاكمه على الشام بتجهيز حملة إليهم. فلما رأى الحاكم صعوبة مهاجمتهم في البادية، عمد إلى المكر

стр. 212

والحيلة فتمكن من إلقاء القبض على النعمان، وأرسله أسيرًا إلى القسطنطينية "٥٨٤م" عندئذٍ تجزأت المملكة إلى أقسام متعددة يرأس كلًّا منها أمير، وتحالف بعضهم مع دولة الفرس، وبقي بعضهم الآخر بجانب بيزنطة. والواقع أن تاريخ الغساسنة في هذه الفترة يبدو على شيء من الغموض والاضطراب١. أما الفوضى فقد بقيت سائدة مدة من الزمن؛ الأمر الذي شجع الفرس على مهاجمة سورية بين ٦١١-٦١٤م إذ استولوا على دمشق والقدس، ولم يستطع هرقل أن يستردهما إلا بجهد عظيم "٦٢٩م" إذ استولوا على دمشق والقدس، ولم يستطع هرقل أن يستردهما إلا بجهد عظيم "٦٢٩ م". وربما يكون الروم قد أدركوا قيمة تحالفهم مع الغساسنة، فأعادوهم إلى إمارتهم، إذ جاء في أخبار الفتوح العربية لبلاد الشام أنهم واجهوا من قبل الغساسنة مقاومة، إذ حارب هؤلاء العرب الفاتحين في جانب البيزنطيين، وقد يكون:

стр. 213

جَبَلة بن الأيهم: آخر ملوكهم، وهو الذي وقف مع الروم ضد خالد بن الوليد في دومة الجندل وفي موقعة اليرموك, لكنه أسلم عقب هذه المعركة، وانضم إلى العرب المسلمين، ثم ارتد عن الإسلام بعد الحادثة المعروفة التي تروى عن وطء إزاره من قبل رجل عربي فلَطْمه له، وعدم قبوله حكم عمر بن الخطاب الذي أعطى العربي حق القود من جبلة، ولم يكن منه إلا أن هرب إلى القسطنطينية، وقضى بقية أيام حياته فيها. في ختام البحث في تاريخ المناذرة والغساسنة لا بد من كلمة عن السبب الذي حمل كلًّا من الروم والفرس على قلب ظهر المجن لملوك هاتين الدولتين، فهل لمسوا منهما بوادر حركات تمرد يهدد حكمهم؟ وهل كان ذلك دليلا على بوادر شعور بالرابطة القومية العربية ظهر أثره في موقعة ذي قار بخاصة؟ هذا ما تشير إليه بعض الأحداث وبعض المصادر لكن ما لدينا من مستندات غير كافٍ لجلاء هذه النقاط جلاء تامًّا. وهي بحاجة إلى مزيد من التقصي والبحث العميق.

стр. 214

حضارة المناذرة والغساسنة مدخل ... حضارة المناذرة والغساسنة من مقارنة حضارة المناذرة بحضارة الغساسنة تتضح لنا أمور عديدة؛ فبينما اتخذ المناذرة عاصمة ثابتة هي "الحيرة" لم يتخذ الغساسنة عاصمة ثابتة، بل كان مقرهم في أول الأمر عبارة عن معسكر متنقل، ثم اتخذوا "الجابية" في جنوب دمشق، قرب مرج الصفر شمال حوران عاصمة لهم، وفي وقت ما "جلق" قرب دمشق، في مكان على نهر بردى، أو "بصرى الشام". وقد وجد في الحيرة بعد أن قدم إليها المناذرة ثلاثة عناصر من السكان: رجال القبائل العربية من تنوخ, ثم سكان الحيرة الأصليون "العباد" وكانوا نصارى على المذهب النسطوري، يزاولون التجارة ويعرفون القراءة والكتابة, ثم الأحلاف وهم بعض العرب الذين نزلوا على القوم، وارتبطوا معهم بحلف، وكانت السيادة والسيطرة للعنصر العربي. وقد وجد في الحيرة نحل دينية كثيرة: من وثنيين يعبدون الأصنام، وصابئة يعبدون الكواكب، ومجوس يعبدون النار، ويهود, ومسيحيين أكثرهم على المذهب النسطوري، وأقلهم على مذهب اليعاقبة الذين يعتقدون بالطبيعة الواحدة للمسيح. والحيرة تمتاز بهوائها النقي العليل وبتربتها الخصبة وموقعها الممتاز من الناحيتين العسكرية والتجارية، اسمها يعني المخيم بالسريانية. والدولتان كانتا من النوع الذي نسميه اليوم "الدول الحاجزة" لوقوعهما على حدود دولتين كبيرتين، عمدتا إلى استخدامهما مجنا يصد عنهما غارات البدو والغزوات المتبادلة بينهما، وكلتاهما ارتبطتا بالدولتين الكبيرتين بأحلاف وارتباطات عسكرية، وكانتا تتمتعان بمستوى واحد من الاستقلال الذاتي والتبعية السياسية والعسكرية للأجنبي. وبينما امتد حكم المناذرة زهاء أربعة قرون، لم يدم حكم الغساسنة سوى قرن وبعض القرن، وانقرضتا بعدئذٍ معًا بفضل الفتح العربي الإسلامي.

стр. 215

وقد امتاز كل من الغساسنة والمناذرة بثقافتهم الراقية، إذ أقام الغساسنة حضارة نمت وترعرعت في سورية بفضل العناصر الرومانية والآرامية واليونانية، وكانت مزيجًا من تأثيرات بيزنطية وساسانية، بينما نرى أن المناذرة قد تأثروا بالحضارة الفارسية واليونانية والآرامية. وكان لمعرفة أهل الحيرة اللغة الفارسية أثر في نقل الآداب الفارسية، كما كان لبعض أسراهم من الروم فضل في الإسهام بنقل علوم اليونان وآدابهم إليهم. وتقدمت الحيرة في الطب في أيام المناذرة، واحتفظت بشهرتها فيه حتى بعد قيام الدولة العربية الإسلامية، كما حفلت بالمدارس ومعاهد العلم. وقد قلد ملوكها مظاهر أبهة الساسانيين، ولبسوا التيجان، واستعملوا الحجاب على أبوابهم، وكان بلاطهم صورة مصغرة عن بلاط المدائن. وكان الملك يستعين في الحكم برديف "وزير" ويستند على قوة عسكرية بعضها نظامي، مثل كتيبتي "الشهباء" الفارسية و"الدوسر" العربية، وبعضها الآخر غير نظامي، إذ كانت تضم القبائل الموالية، وأهمها كتائب "الرهائن" و"الصنائع" و"الوضائع"١، وكان لها حصون تعرف باسم "المسالح" "مفردها: مسلحة". أما بلاط الغساسنة فقد حفل بكثير من الجواري الروميات والمغنين، من مكيين وبابليين ويونان، وبموسيقيين من كلا الجنسين٢. وقد حدثنا حسان بن ثابت عن فخامة قصورهم ومجالس شرابهم وجواريهم، وبذخهم وترفهم، وإسرافهم في شرب الخمر

стр. 216

ورعايتهم للشعراء. ويروى أن جبلة بن الأيهم عندما اعتنق الإسلام دخل المدينة المنورة بموكب فخم وعلى رأسه تاج أجداده الذي تزينه لؤلؤتان كبيرتان بحجم بيضة الحمام، أصبحتا مضرب المثل في الأدب العربي، وكانتا فيما مضى قرطين لأم الحارث بن جبلة١. وقد خلد بلاطهم عددًا من شعراء الجاهلية الذين نالوا عطاياهم، وكان من هؤلاء الشاعر لبيد الذي حارب إلى جانبهم في يوم حليمة، والنابغة الذبياني الذي لجأ إلى بلاطهم إثر غضب النعمان أبي قابوس عليه، فقال فيهم قصائد عديدة, أخص بالذكر منها بائيته التي مطلعها٢: كليني لهمّ يا أميمة ناصب ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب وهي التي مدح فيها عمرو بن الحارث، وبين فيها عظمة جيش الغساسنة النظامي، وكيف كان يسير في نظام كمشي الحدأ التوائم اثنين اثنين، وتتقدم الأدلة الجيش، والأعلام تخفق فوق رءوس الكتائب، تصاحبها عصائب الطير محلقة فوقها، تسير معها إلى حيث تقتات بجثث القتلى الذي تجندلهم في ساحة الوغى: إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم ... من الضاريات بالدماء الدوارب ومما جاء فيها من رائع المديح: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب وقد نشأ في الحيرة، بفضل كونها عاصمة قائمة في موقع تجاري حساس، بعض الصناعات الراقية التي بلغت درجة كبيرة من الإتقان، وكان أرقاها صناعة النسيج

стр. 217

بمختلف أنواعه من حرير وكتان وصوف. وكانوا يستعملون في تزيينه الوشي والتقصيب والتطريز بخيوط الذهب. وقد اشتهر عن ملوكهم أنهم كانوا يخلعون على الشعراء والمقربين أثوابًا تسمى بأثواب "الرضا" أو "المرفل" واحدها عبارة عن جبة، لها طوق من الذهب فيه قصيب من الزمرد. كما اشتهرت الحيرة بصنع الأسلحة من سيوف ذائعة الشهرة وسهام ورماح، وبصناعة الخزف والأواني الفخارية والتحف المعدنية والحلي والمجوهرات وعرفت الحيرة آنذاك بكونها أكبر مركز للهو في الشرق لكثرة ما فيها من حانات وملاهٍ. أما الزراعة فلا المناذرة ولا الغساسنة أهملوها، بل كانت كل من أراضي الدولتين خصبة صالحة لها، تتوفر فيها المياه للنهوض بها. فقد استغل المناذرة المياه الجوفية القريبة من سطح الأرض لقرب الفرات منها، وعنوا بزراعة النخيل بخاصة، إذ كانت مزارعه تمتد من النجف حتى الفرات، مثلما استغل الغساسنة مياه حوران فعمروا القرى والضياع وعنوا بزراعة الحبوب في الدرجة الأولى. وكما كان للمناذرة عمائر وأبنية ومدن كذلك كان منها للغساسنة. فقد عمرت السفوح الشرقية والجنوبية لحوران -على حد قول حمزة الأصفهاني- بعدد من القصور والكنائس والأبراج والأديرة والقناطر التي أقامها الغساسنة، وإنما لم يبق سوى أطلال القليل منها. لكن "نولدكه" يستبعد كل ذلك، ويرجع أن نشاطهم العمراني قد اقتصر على بناء الأديرة وقناطر المياه. ومن قصورهم المعروفة قصر المشتى، غير أن "كريزول"١ ينفي كونه من آثارهم، ويدلي بحجج غير كافية للإقناع، منها أنه لا يحتوي على أي رمز مسيحي، وأنه من الضخامة بحيث لم يكن باستطاعة الغساسنة القيام بنفقات بنيانه. ومن منشآتهم كنيسة في الرصافة تحمل كتابة ذكر فيها اسم المنذر بن الحارث "٥٦٨-٥٨٢م" مما يدل على أنه هو الذي بناها، وهي مبنية على الطراز السوري الصِّرْف، وتشبه قواعد أعمدتها قواعد أعمدة جبل سمعان. ومنها أيضا: برج حجري قرب قرية الضمير الحالية، وهو برج جانبي لبناء زال ولم يبق له من أثر، ومنزل في منحدرات حوران الشمالية جاء في نقش فيه أنه بني في عهد المنذر بن الحارث، والدير ذو البرج الموجود في قصر الحير

стр. 218

الغربي وهو من بناء الحارث بن جبلة "٥٥٩م" ويمكن أن يكون البناء الموجود في قلعة عمان، وقلعة القسطل من بناء الغساسنة١. أما المناذرة فقد ذكرت المصادر التاريخية ما كان من آثارهم العمرانية واهتمامهم بها، لا سيما القصور والأديرة والكنائس، غير أنها دَرَست، ومنها قصور الخورنق والسدير -ومن المحتمل أن يكون قصر السدير هو حصن الأخيضر المعروف الآن في العراق٢- وقصر الزوراء، وقصر سندار، والقصر الأبيض، وقصر مقاتل. أما الأديرة والكنائس فقد كانت كثيرة في الحيرة نظرًا لتنصر المناذرة، ومنها دير هند الكبرى ودير هند الصغرى. وقد تأثر المناذرة في فن عمائرهم بجيرانهم الفرس، لكنهم طوروا فيه، بحيث طبعوه بطابعهم الخاص. وكانت عمائرهم تحمل مسحة من الجمال تبدو في بياض حجارتها, حتى أنها قد سميت "الحيرة البيضاء". وقد اشتغل أهل الحيرة بالتجارة، وتعاملوا مع الهند والصين والبحرين وعدن، ونقلت قوافلهم المواد التجارية إلى الحجاز وتدمر وحوران, فدَرَّت عليهم ثروات طائلة، ونعموا بحياة رافهة، واستعملوا أواني الفضة والذهب، ولبسوا فاخر الثياب. وأما من حيث اللغة، فقد تكلم كل من المناذرة والغساسنة اللغة العربية الشمالية. واتخذ كل منهما الكتابة الآرامية "السريانية" في مراسلاتهما، وقد احتضنت كل من الإمارتين الشعراء والأدباء، وكان كل من البلاطين مقصدًا للشعراء الذين كانت الهبات والعطايا تغدق عليهم من قِبَلِ ملوك الدولتين. وكان للمناذرة الفضل في إغناء اللغة العربية بالألفاظ الفارسية، التي تعبر عن أشياء ليس لها ما يعبر عنها باللغة العربية. وبينما اعتنق الغساسنة النصرانية على مذهب الطبيعة الواحدة، نرى أن المناذرة قد ثابروا في أول الأمر على وثنيتهم، ثم مال متأخروهم إلى اعتناق المسيحية على المذهب النسطوري الذي يقول بطبيعتي المسيح اللاهوتية والناسوتية ممتزجتينِ، وكان هو الآخر يخالف المذهب الرسمي للدولة البيزنطية، وقد تميزت الحيرة بكثرة البيع والكنائس التي بنيت فيها.

стр. 219

دولة كِنْدَةَ ١ قامت دولة كندة في أواسط شبه الجزيرة العربية، وشملت معظم بلاد نجد مما يلي الحجاز شرقًا، وامتدت في الشمال والشرق الشمالي إلى مشارف الشام والعراق. وكان لها بعض النفوذ على قبائل منطقة عمان في الجنوب، وقد امتد حكمها في فترة من الزمن إلى الحيرة. واستمرت الدولة ما ينوف عن قرن من الزمان، وكان ظهورها بعد منتصف القرن الخامس الميلادي تحقيقًا أو قبل ذلك القرن تخمينًا. لم يعر المؤرخون الكلاسيكيون كبير اهتمام لتأريخ حوادث دولة كندة، ومعلوماتنا عنها مستمدة على الأغلب من الأخباريين العرب الذين تضاربت أخبارهم في التأريخ لها. وإذا صرفنا النظر عن التفاصيل التي اختلف فيها المؤرخون، فيمكن تلخيص ما اتفق معظمهم عليه في الخطوط التالية: ينتمي آل كندة الذين حكموها إلى قبيلة يمنية قحطانية يرجع نسبها إلى ثور بن عفير، الذي كان يلقب باسم "كندة" وينتهي في كهلان بن سبأ. سكنت هذه القبيلة قبيل قدومها إلى أراضي نجد هضاب اليمن، فيما يلي حضرموت إلى الشرق، وكانت حاضرتها "دَمُّون" التي ذكرها شاعرها امرؤ القيس في بعض أشعاره مثل قوله: كأني لم ألهو بدمون مرة ... ولم أشهد الغارات يومًا بعندل أو مثل قوله: تطاول الليل علينا دمّون ... دمّون إنا معشر يمانون وإننا لأهلنا محبون

стр. 220

وقد هاجرت جماعات منها، بعد الانحطاط الاقتصادي الذي أصاب اليمن؛ بسبب تأخر التجارة نتيجة للمنافسة الأجنبية والتدخل الأجنبي في شئون دولة حمير، أو بسبب نزاعات قبلية، إلى الشمال في منتصف القرن الثالث أو الرابع الميلادي، ونزلوا في أرض لمعد في موقع بنجد يسمى "بطن عاقل" على مسيرة يومين شرق مكة، سمي فيما بعد "غمر كندة" ويقع جنوب وادي الرمة بين مكة والبصرة، وسرعان ما اندمجوا بعرب الشمال وأصبحوا لا يختلفون عنهم، الأمر الذي حمل بعض المؤرخين إلى القول: إنهم من عرب العدنانية، بينما الأصح في نظرنا أن نأخذ بما روي عن كونهم من أصل يمني. يقول المستشرق "نيكلسون": إن كندة كانت تتبع ملوك اليمن. وربما كان هذا القول مستندًا على ما ذكره المؤرخ العربي هشام بن الكلبي، من أنه كان لكندة علاقة قوية بملوك حمير التبابعة. ويظهر أن الحميريين قد استعانوا بآل كندة لتأمين سلامة القوافل التجارية التي تسير بين الشمال والجنوب. وتكاد كلمة المؤرخين تتفق على أن قبائل معد الشمالية كانت تابعة لملوك حمير الذين كان لهم إشراف عليها؛ نتيجة توسعهم في الشمال، ولذا فإن ملوك حمير، على رأي أغلب الأخباريين، هم الذين كانوا يعينون ملوك كندة، كما يروى عن تعيين حجر بن عمرو، الذي قيل: إنه أول ملوكهم، إذ كانت توليته موافقة للسياسة اليمنية؛ لأن عصبيته كانت يمنية، وكان من أسرة تولت الملك في بلادها الأصلية، كما كان قد مضى على استقرارها أكثر من قرن أو قرنين في الشمال فعرف اتجاه العصبيات القبلية، وفهم عقلية عرب الشمال. وهذا هو الذي يحمل على القول: إن الدولة لم تكن في الواقع سوى تحالف أو اتحاد يجمع عدة قبائل تخضع لرئيس واحد اتخذ لقب "ملك". ويبدو من الأخبار المروية عن بعض ملوكها، أنهم قد بسطوا نفوذهم على هذه القبائل سواء بالمحالفات أو بالمصاهرة أو بالقوة. وقد جرت تولية حجر، بناء على طلب زعماء قبيلة بكر التي طغى سفهاؤها على عقلائها، وأكل قويها الضعفاء منها، فاختاره "حسان بن تبع" ملك اليمن لحكمهم؛ لأنه زعيم آل كندة، وكان ذا رأي راجح ووجاهة في قومه، وذلك في حوالي سنة ٤٨٠م١. ومن الرواة من ذكر أن حجرًا كان أخًا لحسان بن تبَّع من أمه، فلما دوخ حسان

стр. 221

بلاد العرب، وسار في الحجاز، وأخضع نجدًا وهم بالانصراف ولى أخاه حجرًا على معد، فدانوا له وسار فيهم أحسن سيرة. غير أن من المؤرخين من يذكر أن عدة ملوك حكموا قبل حجر، وأن مدد بعضهم في الحكم كانت طويلة، تتراوح بين ٢٠-٤٠ سنة١، لكن المعلومات عنهم قليلة جدًّا، ولا يُستطاع استنتاج مادة تاريخية منها. وتذكر الأخبار أن حجرًا قام إثر توليه الملك بحملات توسع بها في أطراف نجد، إذ هاجم قبائل الحجاز وشمالي شبه الجزيرة العربية وجهات البحرين، بعد أن بسط سيطرته على أرض اليمامة في الشرق، وانتزع جانبًا من الأراضي التي كانت تحت سيطرة مناذرة الحيرة. وفي رواية أنه بينما كان في غزوة بجهات عُمان، استغل أحد أمراء الغساسنة فرصة غيابه عن بلاده، فأغار على أراضيه، وغنم أموالا كثيرة، وقينة من أحب قيانه إليه -أو في رواية أخرى: زوجته- وفيما هو منصرف قال للقينة: "ما ظنك بحجر؟ فقالت: لا أعرفه ينام إلا وعضو فيه يقظان, وليأتينك فاغرًا فاه كأنه بعير آكلٌ مرارًا ... " فلطمها الغساني، فما لبثوا أن لحقهم حجر كما وصفت، فرد الأموال والقينة٢. ويرجع الأخباريون سبب تسميته بلقب "آكل المرار" الذي غلب عليه لهذه المناسبة، بينما يذكر آخرون أن سببه تكشير كان به، يشبه تكشير الإبل إذا أكلت مرارًا فقلصت مشافرها، وغير ذلك من أسباب لا مجال لذكرها٣. ولما توفي حجر طاعنا في السن خلفه ابنه عمرو الملقب بالمقصور؛ ربما لأنه اقتصر على ما تحت نفوذه من أراضٍ، ولم يستطع الوقوف أمام القبائل التي انشقت عنه، أو لأن ربيعة قصرته على ملك أبيه، الأمر الذي يدعو إلى الظن أنه لم يكن قويًّا صاحب عزم وإرادة. ويروى أنه عقد علاقات طيبة مع المناذرة، لا سيما وأنه زوج ابنته من الأسود بن المنذر الأول ملك الحيرة، فولدت له ابنه النعمان بن الأسود الذي ملك الحيرة بين ٤٤٩-٥٠٣م، كما كانت له علاقات وثيقة مع ملوك اليمن وحسنة مع مختلف القبائل، إذ كان

стр. 222

قد أصهر إلى بعضها. غير أن قبائل ربيعة قد خرجت في عهده -الذي يبدو أنه لم يكن طويلًا- عن طاعة كندة إلى حين، وذلك بظهور وائل بن ربيعة الملقب باسم "كليب" والمعروف في بني تغلب، وتختلف الروايات عن كيفية موته. فهل قتله الحارث بن أبي شمر الغساني؛ لأنه غزا الشام مع ربيعة بحسب رواية اليعقوبي؟ ١ أم أن قتله كان على يد ربيعة حينما خرجت عليه، فاستنجد بالتبابعة فأمدوه بجيش لكنه قتل في المعركة؟ وقد تولى بعده ابنه:

стр. 223

الحارث بن عمرو: غير أن الغموض يكتنف كيفية تسنمه العرش، ويظهر أنه لم يتسنمه إرثًا من أبيه بكل بساطة وسهولة، لا بل إنه كان للتبابعة الفضل في ذلك، الأمر الذي يستدل منه أنه كان للتبابعة إشراف مستمر على ملوك كندة، ويبدو أن الاضطراب قد حل في المملكة في أواخر عهد أبيه عمرو، بخروج ربيعة عليه، فأعاد التبابعة السكينة والهدوء، وولوا الحارث بناءً على طلب من قبيلة بكر التي سادت فيهم الفوضى من جديد، فأرسل ملك حمير الحارث على رأس جيش إلى بلاد معد والحيرة، فتسنم العرش خليفةً لأبيه١. كان الحارث أشهر وأعظم ملوك كندة، فقد استطاع أن يعيد سيطرة دولته على قبائل ربيعة، كما توسط -بعد حرب البسوس التي دامت أربعين سنة، والتي أودت بأبطال بكر وتغلب- بين القبيلتين بالصلح. واغتنم مشاكل البيزنطيين الداخلية فهاجم فلسطين, ولكن حاكمها "رومانوس" هزمه في إحدى المعارك، فلم يلبث الحارث أن شن على الروم هجوما انتقاميا هزمهم فيه، فاضطر الإمبراطور "أنستاسيوس" إلى عقد صلح معه؛ لكي يأمن هجماته على المدن السورية "٥٠٢م". وفي عهده الطويل جرى الفتح الحبشي لليمن فضعف شأن آل كندة؛ بسبب أنهم كانوا يستمدون قوتهم من ملوك حمير، فحاول الحارث التقرب من ملوك فارس, وقد عاصره منهم "قباذ". ويروي ابن الأثير أن الحارث قد اعتنق المزدكية بناء على طلب من

стр. 224

"قباذ"١ وأن الملك الفارسي قد أعانه على ملك الحيرة المنذر الثالث الذي رفض الاستجابة لطلب "قباذ" باعتناقها، فلم يكن من الحارث إلا أن احتل الحيرة وتسلم عرشها بمساعدة "قباذ"٢. غير أن معظم الروايات العربية، وإن هي اتفقت حول استيلاء الحارث على الحيرة في هذه الفترة، تغفل ما روي عن اعتناقه المزدكية، لا سيما وأن الدينوري المهتم بتأريخ الفرس لا يذكرها, وهي تتفق في خطوطها الأساسية حول روايتين لابن الكلبي، ملخصهما أن الملك الفارسي قباذ كان ضعيف الإرادة يعوزه العزم والحزم، عاجزًا عن ضبط مملكته، فاستغل قبيلة ربيعة ضعفه وعجزه عن نصرة المناذرة، فوثبت على ملك الحيرة فأخرجته. وهنا تختلف الروايات حول من هو ملك الحيرة الذي تعرض للإخراج، أهو المنذر الثالث أم والده النعمان الثاني. ومهما يكن هذا الاختلاف، فالرواية تتابع القول بأن ربيعة لجأت إلى الحارث بن عمرو الكندي، وقاتلت معه حتى قتل النعمان، وظهر الحارث على ابنه المنذر الثالث، الذي اضطر إلى الانضواء إليه، بعد أن تنازل عن حقه في عرش أبيه. ولما حصل هذا اضطر قباذ إلى ملاطفة الحارث، وإقرار العمل الذي قام به. وليس في هذه الروايات ما يشير إلى اعتناق الحارث المزدكية، أو إلى رفض النعمان أو المنذر الثالث اعتناقها، وكل ما في الأمر ضعف قباذ، وعجزه عن مساعدة صاحبه النعمان، وانتهاز الحارث الذكي الفرصة لتوسيع مملكته وبسط سيطرته على مملكة الحيرة٣. ويظهر أن أعداء ملوك الحيرة هم الذين أشاعوا عنه ذلك؛ للحط من قدره في نظر العرب. غير أن الدكتور جواد علي يعلق على هذه الحوادث بقوله: "إن الحالة في العراق قد ساءت بين ٥٠٣ و٥٠٦م، ففي هذه الفترة وقعت الحرب بين الروم والفرس وارتبك الوضع، وشغلت الحرب عرب الحيرة عن حماية أنفسهم من الأعراب الذين كانوا يترقبون مثل هذه الفرصة السانحة. وربما كان هؤلاء قد استولوا على الحيرة، فأغار الحارث عليها، بعد أن غادرها ملكها ليحارب الروم مع الفرس، واستولى على ما كان تابعًا له، وأضافه

стр. 225

إلى ملكه مدة من الزمن، فلما انتهت الحرب بعقد الهدنة "٥٠٦م" وهدأت الأحوال استعاد ملك الحيرة -المنذر الثالث- ملكه من آل آكل المرار"١. على أن الحارث بن عمرو بعد أن استولى على الحيرة التفَّتْ قبائل معد حوله, وتقرب رؤساؤها منه، ودانوا له بالطاعة ففرق أولاده فيهم ملوكا، إذ وضع ابنه حجرًا على أسد وغطفان وكنانة، وكانت مساكنها عند وادي الرمة بين جبل شمر وخيبر، وابنه شرحبيل على بكر بن وائل بأسرها، ومعد يكرب على قيس عيلان بأسرها، وسلمة على تغلب وما إليها. وأما المنذر الثالث، الذي كان قد خضع له وتقرب منه وتزوج ابنته هند "عمة امرئ القيس" فإنه بعد أن انتزع ملكه منه، وكان ذلك بعد موت قباذ وتولي ابنه كسرى أنوشروان عرش فارس, قد قلب له ظهر المجن، وانتقم منه شر انتقام، فلاحقه إلى أراضي بني كلب، وأسر من عائلته أربعين شخصًا بينهم ولدان له، فذبحهم وفيهم يقول امرؤ القيس: ملوك من بني حجر بن عمرو ... يساقون العشية يقتلونا فلو في يوم معركة أصيبوا ... ولكن في ديار بني مرينا وما زال المنذر يجد في طلب الحارث حتى أدركه فقتله. ويختلف المؤرخون حول هذه النقطة؛ فمنهم من يقول: إنه توفي حتف أنفه في بني كلب كما يدعي بنو كندة، بينما يدعي بنو كلب أنهم هم الذين قتلوه. وبموت الحارث انتقل الحكم إلى أكبر أولاده المسمى "حجر" ومن حينها أخذ نجم آل كندة في الأفول. وتتواتر الروايات، مع بعض الاختلاف في الجزئيات، أن قبيلة أسد لم تكن راضية عن حجر، وأنه لم يكن يقيم بينهم دائمًا، وأن صلتهم به لم تكن طيبة، وأنهم قبلوه ملكًا عليهم على كره منهم. لذلك فإنهم لم يلبثوا أن أعلنوا عليه الثورة، ورفضوا أن يدفعوا له الإتاوة السنوية، فحاربهم وقبض على رؤسائهم وقتل كثيرا منهم، فانتقمت "أسد" منه حينما سنحت لها فرصة مواتية وقتلته٢.

стр. 226

ولم يكف المنذر من جهة أخرى عن التنكيل بآل كندة، وظل يسعى إلى التفريق فيما بينهم، حتى أوقع بعضهم ببعض، فاحترب الأخوان سلمة وشرحبيل، واستمال كل منهما عددًا من القبائل إلى جانبه، وتمكن الأول من قتل الثاني١، لكنه لم يسلم من ملاحقة المنذر له، فالتجأ إلى قبيلة بكر بن وائل فملكته عليها. غير أن المنذر لم يلبث أن شن الحرب عليها في يوم "أوارة" الأول وحقق لنفسه نصرا ساحقا، وقتل سلمة مع عدد كبير من أنصاره وأحرق نساءهم. ولما أدرك امرؤ القيس بن حجر٢, الشاعر الكندي المعروف، انشغال أعمامه وإخوته بعضهم ببعض، وعجزهم عن الأخذ بثأر أبيه أخذ على عاتقه هذه المهمة، وكان أصغرهم سنًّا وأقلهم أملًا بالملك. وتذكر الروايات أن حجرا لم يكن راضيا عن ابنه امرئ القيس، فطرده وآلى على نفسه ألا يأويه في داره أنفةً من قوله الشعر، وكانت الملوك كما قيل تأنف من ذلك. وهناك روايات أخرى مضطربة عن كون السبب في طرده ناشئًا عن تغزله بامرأة من نساء أبيه كان عاشقا لها فلم يصل إليها، حتى كان منها يوم الغدير بدارة جلجل، حيث قال قصيدته المعلقة: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل ومما جاء فيها ذكره لها وتسميتها بـ "أم الحويرث" بينما لم تكن سوى "هرا" التي قيل: إنها زوجة أبيه: كدأبك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل ألا رب يوم لك منهن صالح ... ولا سيما يوم بدارة جُلْجُل تجاه مثل هذه الروايات المضطربة، لا يستطيع المؤرخ إلا أن يقف حائرًا. ولطالما

стр. 227

لا نملك من المستندات ما يسمح لنا برسم صورة أكثر علمية لهذه الأحداث، فليس لنا إلا متابعة الرواية وهي تقول: إنه بعد أن طرده والده، كان يسير في أحياء العرب، ومعه أخلاط من شذاذ العرب، فإذا صادف غديرًا أو روضة أقام فذبح لهم، وأكل وأكلوا معه, وشرب الخمر وسقاهم وغنته قيانه. وفي الأغاني١ نجد قصة وصول خبر مقتل والده إليه وهو على هذه الحالة يلعب النرد في موقع "دمون" فلم يلتفت إلى ناقله إلا بعد أن انتهى نديمه من ضرب نرده؛ لئلا يفسد عليه دسته. أي: إن الرواية تحرص على حبك القصة بالبرهان على صلابة امرئ القيس، خلافا لإخوته الذين تظهرهم وقد جزعوا وحثوا التراب على رءوسهم، وكانت وصية الوالد المحتضر ألا يُدفع كتابه إلا إلى أيهم لا يجزع للخبر. فلما التفت إلى الساعي وعلم الخبر قال: تطاول الليل علينا دمون ... دمون إنا معشر يمانون وإننا لأهلنا محبون ثم قال: ضيعني صغيرا وحملني دمه كبيرا، لا صحو اليوم ولا سكر غدا, "اليوم خمر، وغدًا أمر" فذهبت مثلا، ثم قال: خليليَّ لا في اليوم مصحى لشارب ... ولا في غد إذ ذاك ما كان يشرب ثم شرب سبعًا، فلما صحا آلى على نفسه ألا يأكل لحمًا، ولا يشرب خمرًا، ولا يدهن بدهن، ولا يصيب امرأة حتى يدرك ثأره. والواقع أن الروايات مضطربة حول هذه الناحية أيضًا، فمنها ما يقول: إنه كان مع والده حينما هاجمه بنو أسد، وإنه تمكن من النجاة على فرس له، أو إنه كان غلاما قد ترعرع، فلما بلغه الخبر وهو مقيم في بني حنظلة، وكان ناقله رجل اسمه عجل قال: أتاني وأصحابي على رأس صيلع ... حديث أطار النوم عني فأنعما فقلت لعجلي بعيد مآبه ... أبن لي وبيِّن لي الحديث المجمجما فقال: أبيت اللعن عمرو وكاهل ... أباحا حمى حجر فأصبح مسلما ومهما يكن من أمر ما قيل، فإن امرأ القيس -كما يظهر من مجمل الروايات- قد أخذ

стр. 228

يسعى لدى بكر وتغلب في سبيل الأخذ بثأر أبيه. فلما لمست قبيلة أسد الجانية استعداده لقتالها؛ حاولت استرضاءه، وأرسلت إليه وفدًا من ساداتها ظل ثلاثة أيام يحاول مقابلته، فاحتجب عنهم ثلاثة أيام ثم خرج عليهم في قباء وخف وعمامة سوداء؛ إشعارًا بأنه مطالب بثأر أبيه. ورفض جميع عروضهم، وكان منها أنهم على استعداد لكي يسدوا إليه بمن يختار من بيت أسد "أشرفهم بيتا وأعلاهم في بناء المكرمات" فيذبحه، أو أن يرضى منهم بفداء بالغ ما بلغ. ثم فاجأهم بقوله: "لقد علمت العرب أن لا كفء لحجر، وأني لن أعتاض به جملًا أو ناقة فأكتسب بذلك مسبة". وكان قسم امرئ القيس أن يقتل من أسد مائة ويجز نواصي مائة. ولما أدركت قبيلة أسد إصرار امرئ القيس على قتالها ثأرًا لدم أبيه، هجرت ديارها فلاحقها في قوة من بني بكر وتغلب، وقاتلها حتى كثر فيها القتلى والجرحى, ولما جاء الليل فحجز بين الطرفين هربت أسد. وفي صباح اليوم التالي رفضت بكر وتغلب الاستمرار في مساعدته؛ لأنهما رأته أنه قد أخذ بثأره ولا ضرورة لمتابعة القتال، فلما أجاب بأنه لم يصب من بني أسد ما يشفي غليل الثأر في صدره، قالوا: بلى ولكنك رجل مشئوم، وكرهوا القتال معه وانصرفوا، فحاول الاستنجاد ضد أعدائه بقبائل أخرى. ولما خاب أمله فيها طلب مساعدة أحد أقيال اليمن، فأرسل معه قوة لا يتجاوز عدد أفرادها ٥٠٠ رجل، وتبعه بعض شذاذ العرب، واستأجر من القبائل رجالًا، ثم سار بهؤلاء جميعًا إلى بني أسد، فظفر بهم, وأنشد: قولا لدودان عبيد العصا١ ... ما غركم بالأسد الباسل قد قرت العينان من مالك ... ومن بني عمرو ومن كاهل حلت لي الخمر وكنت امرأً ... عن شربها في شغل شاغل غير أن ثمة روايات تنفي كون امرئ القيس قد أصاب ثأره من بني أسد، كما يُفهم من أبيات لعبيد بن الأبرص: يا ذا المخوفنا بقتل أبيه ... إذلالًا وحبنا أزعمت أنك قد قتلت ... سراتنا كذبًا ومينا

стр. 229

ومهما يكن من أمر، فإن المنذر بن ماء السماء قد أخذ يلاحق امرأ القيس، بعد أن بسط سيطرته على المنطقة، والتجأت إليه قبيلة أسد، واحتمت به، فوجه إليه جيشًا عززه كسرى أنوشروان بفصيلة من المقاتلين الفرس الأساورة، فلم يكن من القوى التي كانت بجانب امرئ القيس إلا أن انفضت من حوله خوفًا من بطش المنذر بها، ولم يستطع أن يجد نصيرا من أية قبيلة من القبائل التي طلب مساعدتها، فهام على وجهه؛ ولذلك لصق به لقب "الملك الضليل" ثم رأى في النهاية أن يسير إلى القسطنطينية متخذًا من الملك الغساني الحارث بن أبي شمر وسيطا له عند قيصرها لينصره على أعدائه، وفي ذلك يقول: ولو شاء كان الغزو من أرض حمير ... ولكنه عمدًا إلى الروم أنفرا ويروى أنه في طريقه إلى أرض الروم مر على "تيماء" وفيها السموأل بن عادياء، فأودع عنده ابنته وأمواله وأدرعًا خمسة كانت لبني آكل المرار، وقد كتب له السموأل كتابا إلى الحارث بن أبي شمر. أما رفيقه في سفرته فكان كما تقول الرواية "عمرو بن قميئة" الذي سمته العرب "عمرًا الضائع" لموته في غربة وفي غير أرب ولا مطلب، وقد ذكره امرؤ القيس في شعره: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقانِ بقيصرا فقلت له: لا تبكِ عينك إنما ... نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا كما يظهر من شعره أنه سلك طريق الشام ومر بحوران وبعلبك وحمص: فلما بدت حوران والآل دونها ... نظرت فلم تنظر بعينك منظرا لقد أنكرتني بعلبك وأهلها ... ولابن جريج في قرى حمص أنكرا ولما وصل امرؤ القيس إلى العاصمة البيزنطية قبل القيصر مساعدته كما يروى، إذ وضع تحت تصرفه جيشًا، لكنه عدل عن مساعدته عندما أتاه رجل يسمى "الطمَّاح" كان امرؤ القيس قد قتل أخاه فلحقه إلى القسطنطينية، وأوغر صدر القيصر عليه قائلًا: "إن العرب قوم غدر، ولا تأمن أن يظفر بما يريد، ثم يغزوك بمن بعثت معه" أو -بحسب رواية لابن الكلبي- قال له: "إن امرأ القيس غويٌّ عاهر، وإنه لما انصرف عنك

стр. 230

بالجيش، ذكر أنه كان يراسل ابنتك ويواصلها، وهو قائل في ذلك أشعارا يشهرها بها بين العرب فيفضحها ويفضحك"١. فبعث القيصر إليه بحلة وشي منسوجة بالذهب مسمومة، بعد أن خرج بالجيش، فلما لبسها تسمم جسمه وتقرح فسمي بـ "ذي القروح" وكان ذلك سبب وفاته. وفي شعر امرئ القيس إشارة إلى ذلك وإلى الطماح الذي يقال: إنه وشى به: وبدلت قرحًا داميًا بعد صحة ... فيا لك من نعمى تحولن أبؤسا لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا فلو أنها نفس تموت جميعة٢ ... ولكنها نفس تساقط أنفسا غير أن مثل هذه الروايات لا يمكن الوثوق بصحتها؛ إذ ليس لها من مستند ترتكز عليه، لا سيما وأن في القصيدة التي يذكر فيها الطماح بيتًا من الشعر يدل على أنه كان مصابا بداء قديم، ربما كان الجدري أو داء آخر ينتج عنه قروح في الجلد، قد كان ينتابه بين حين وآخر حتى فتك به في النهاية: تأوبني دائي القديم فغلسا ... أحاذر أن يرتد دائي فأنكسا وبموت امرئ القيس اضمحلت مملكة كندة، وامَّحى أثرها، وحلت محلها دولة المناذرة في النفوذ على القبائل التي كانت تابعة لها، حتى إذا تضعضعت هذه الدولة إثر موقعة ذي قار، استقلت القبائل في شئونها الداخلية. وبعد لا بد من كلمة حول قصة الوفاء التي نسبت إلى السموأل بن عادياء الذي أودع امرؤ القيس عنده دروعه وأمواله. فقد روي أن الملك الغساني الحارث بن أبي شمر، قد أرسل إلى السموأل يطلب منه تسليم الدروع والأموال، فأبى من تسليمها بالرغم من تهديد رسل الملك بقتل ولده إن لم يسلمها، وكانت تضحيته بولده مثالًا للوفاء عند العرب. ويختلف المؤرخون فيما إذا كان السموأل يهوديا أو نصرانيا أمه من غسان, وقد نسبه بعضهم إلى آل غسان, قال ابن دريد: إنه من غسان، لكنه ذكر أيضا أنه يهودي، بينما نسبه

стр. 231

محمد بن حبيب إلى غسان، ولم يشر إلى تهوده. وهناك من يشك في القصة من أساسها، وأنها قد تكون موضوعة، يقول "ونكلر" Winekler: إن قصة الوفاء هذه إنما هي أسطورة استمدت من أسفار صموئيل الأول في التوراة. وقد جاءت أساطير العرب لتصوغها بهذه الصورة فتجعل بطليها شخصين: السموأل, وامرأ القيس١. أما عن حضارة دولة كندة فإنها لم تترك من الآثار الحضرية شيئًا سوى ذكرى شاعرها الكبير امرئ القيس وقصائده الشهيرة، إذ لم يكن لها مدن ولا حصون ولا قصور جديرة بالخلود، إنما الذين قاموا عليها كانوا بدوا حافظوا على نظم البداوة وتقاليدها، واستعملوا الخيام مساكن لهم، ولم يستقروا في حاضرة معينة، أما ديانتهم فكانت وثنية، من أصنامهم ذو الخلصة. على أن اليهودية قد تسربت إلى بعضهم، لكن المسيحية قد انتشرت على نطاق واسع، فاعتنقها بنو تغلب وجماعة من أسد. غير أن قيام هذه الدولة يعد أول محاولة في شمالي شبه الجزيرة العربية لتكتل مجموعة من القبائل، حول سلطة مركزية لها زعيم واحد. لكنها فشلت بسبب افتقارها إلى المؤهلات التي تجعل منها دولة واحدة، ذلك الذي ستنجح فيه محاولة أخرى أقوى منها؛ لتوفر العوامل الفكرية والاجتماعية لا سيما قوة العقيدة التي جاءت بها، تلك هي الدعوة الإسلامية التي كانت كفيلة بأن تعيد لا إلى هذه القبائل وحسب، بل إلى جميع القبائل العربية في شبه الجزيرة وحدتها، وتنظمها في دولة واحدة وطيدة الأركان.

стр. 232

الفصل الثامن: الحياة السياسية الحضرية في الحجاز مدخل ... الفصل الثامن: الحياة السياسية الحضرية في الحجاز ليس لدينا من المستندات العلمية ما يكشف عن تاريخ الحجاز في العصور القديمة, ولعل السبب في الغموض الذي يكتنف تاريخه عزلته وبعده عن الأحداث العالمية المجاورة، وعدم احتكاكه بالدول الأجنبية المتحضرة. على أن وعورة مسالكه، وقسوة مناخه، وجفاف إقليمه، وجدب أراضيه، لتوسطه صحارى مقفرة، قد جعلت منه منطقة لا مطمع لأجنبي فيها. ولذا عاش حياته الخاصة بعيدا عن الأضواء في تاريخ العالم القديم١. وبينما كان القسم الجنوبي من شبه الجزيرة العربية قد أقام دولًا، وابتدع حضارة كان الحجاز يتابع حياة البداوة، الأمر الذي جعل المؤلفات الكلاسيكية تخلو من ذكره أخباره. إن معلوماتنا عن تاريخ الحجاز مستقاة من أفواه الرواة الذين عاشوا قبل الإسلام بقليل، أو عاصروا الجاهلية والإسلام معًا، والملاحظ أن رواياتهم تغلب عليها الصيغة الغيبية، فقد تأثرت بالإسرائيليات وبجو الإيمان الجديد، إذ دونت في العهد الإسلامي، وبعد أن مضى ما يقارب من قرنين على بزوغ فجر الإسلام. وليس لنا أمل في الوقوف على معلومات تاريخية مستوفية للدقة العلمية، عن ماضي الحجاز في العصور القديمة البعيدة عن الإسلام، إلا إذا قامت في حواضره المهمة تنقيبات من شأنها أن تكشف لنا عن آثاره التي قد تكون مطمورة في باطن التربة. والمعلومات المتوفرة لدينا في الوقت الحاضر تنبئ أن الحجاز قد ثابر على بداوته، حتى توفرت لبعض مراكزه الشروط التي ساعدتها على التطور، ذلك أن القوافل

стр. 233

التجارية، التي كانت تخترق شبه جزيرة العرب طولًا وعرضًا، قد استخدمتها محطات تستريح فيها من عناء السفر، فارتقت إلى مدن زاهرة، أسهمت في التجارة، وتحضرت وأَلِف سكانها حياة الاستقرار، بينما ثابرت سائر مناطقه على حياتها البدوية المألوفة. ولذا يمكن الحديث عن فئتين من سكان الحجاز: ١- عرب مستقرون من أهل المدن، تحضروا وبنوا المساكن من الحجارة والطين فسموا "أهل المدر". ٢- عرب رحَّل من أهل البوادي، ثابروا على حياتهم القبلية المتنقلة، واعتمدوا على الغزو والرعي، وعاشوا تحت الخيام المصنوعة من الوبر، فسموا "أهل الوبر". ولم تلبث مدن الحجاز المتحضرة مثل مكة ويثرب والطائف أن ارتقت، فأنشأ بعضها كيانات سياسية واجتماعية على شيء غير يسير من التنظيم, فهي جديرة إذن بالدراسة والاهتمام. وتأتي في مقدمة هذه المراكز الحضرية مدينة:

стр. 234

مكة: التي تقع في وادٍ جديب غير ذي زرع، وفي منطقة جافة قارِّية المناخ حارة جدا في الصيف، إذ تشرف عليها جبال جرد تزيد في قساوة مناخها. ومع أن أمطارها قليلة، قد تمر سنة أو سنتان أو ثلاث لا تهطل عليها قطرة من المطر، فإنها حينما تهطل -وكثيرًا ما يحدث ذلك فجأة- تكون من الغزارة والقوة بحيث تشكل سيولا تنحدر في الشعاب والوديان وتهدد الكعبة أحيانا، بل قد تغمر جوانبها لأيام عديدة وتترك في إثرها ركامًا من الطين والحصى١. إن مكة بلدة قديمة، ذكرها بطليموس الإسكندري الذي عاش في القرن الثاني الميلادي، في كتابه الجغرافي باسم "مكورابا Macoraba" ولا بد أنها أقدم منه بكثير, غير أننا لا نجد كتابة جاهلية تدلنا على اسمها القديم. وإذا صحت تسمية بطليموس، ولم تكن محرفة عن الأصل، فهي تقابل لفظة "مكرب" التي تقدم معنا أنها

стр. 235

كانت تطلق لقبًا على حكام قتبان وسبأ، قبل أن يتلقبوا بألقاب "ملوك" وتعني مفهوم "مقرب" في لغتنا؛ لأن مكة تقرب إلى الإله١. وفي رأي بعض المؤرخين أن اسمها الحالي "مكة" مشتق من لفظة "مكا" البابلية التي تعني "البيت" وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم باسم "بكة" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِين﴾ ٢، كما ورد باسم مكة: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ٣, ويعلق بعضهم على ذلك بقولهم: إن مكة اسم المدينة، وبكة اسم البيت. كما ذهب بعض المؤرخين في تفسير هاتين التسميتين مذاهب لغوية ودينية، استنبطوها من مكانة الكعبة وقدسيتها، كقولهم: إن تسميتها "مكة" جاءت من كونها تمك الجبارين، أي: تذهب نخوتهم، وتسميتها "بكة" لازدحام الحجاج فيها "يبك بعضهم بعضًا بكًّا"٤. وهذه التفسيرات متأخرة ولا شك، واسم مكة لا بد أن يكون سابقا لهذه المفاهيم٥, على أن أهمية مكة تعود إلى عوامل عديدة أهمها: كعبتها التي وصفت بكونها "البيت العتيق". أما بناء الكعبة فينسب إلى إبراهيم الخليل "﵇". وقد جاء في القرآن الكريم ما يؤيد ذلك: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ ٦. لكن ما أغضى عنه القرآن من قصة قدوم إبراهيم إلى مكة، أفاض فيه الأخباريون، ورواياتهم في واقع الأمر مقتبسة من الإسرائيليات، فقالوا: إن مجيئه كان بوحي من الله، إذ أمره بالمسير إلى بلده الحرام. فقصد وزوجته هاجر وابنه إسماعيل مكة، وأنزلهما في مكان زمزم اليوم، ثم انصرف راجعًا إلى الشام٧. هذه الخلاصة

стр. 236

لرواية أوردها ابن سعد وابن الأثير يتمها المسعودي١ بقوله: "إن إبراهيم استودع زوجته وابنه خالقه، وكان من ظمأ إسماعيل، وسعي هاجر بين الصفا والمروة ذهابًا وإيابًا بحثًا عن الماء، أن أنبع الله لهما زمزم". وتضيف الروايات العربية إلى ذلك قولها: "إن ظهور الماء قد جذب أول قبيلة قدمت إليها وهي جرهم٢" فضرب أفرادها خيامهم قرب الماء، واستقروا وعاشوا مع الطفل وأمه. وقد ترعرع إسماعيل فيهم حتى إذا كبر زوجوه منهم. ثم جاء إبراهيم من الشام ليتفقد زوجته وولده وتعاون مع إسماعيل في بناء البيت٣, وأن إسماعيل قد أنسل اثني عشر ولدًا نشأت منهم العرب المستعربة، وأنهم تركوا لجرهم الحكم في مكة رعاية للخئولة، بينما تقول روايات أخرى: إن جرهم كانت موجودة قبل ذلك في مكة، وكان معها حولها قوم العماليق، لا بل إن العماليق كانوا أسبق من جرهم في سكنى مكة. لا شك أن هذه الروايات تستند إلى نصوص إسرائيلية، وهي موجودة فعلا في الكتب العبرية، ومنصوص عنها في التلمود، وما أورد الأخباريون العرب منها فيه من الاضطراب ما نلمسه فيما روى ابن الأثير منها "الكامل: ١/ ٦١". وهي وإن قصرت عن إضفاء السمة العلمية الدقيقة على تاريخ هذه الفترة، إلا أنها تشير إلى حقيقة تاريخية لا ريب فيها٤، وهي قدوم إبراهيم وابنه إسماعيل، وبناؤه البيت الحرام الذي أسبغ على

стр. 237

مكة صفة القداسة، تلك الصبغة التي كانت من أبرز العوامل في ازدهارها وارتفاع شأنها. والمؤرخ اليوم عاجز عن إعطاء معلومات مفصلة -غير ما ورد من موجز عنها في القرآن- تتصف بالدقة العلمية عن تاريخ يرجع بمكة إلى أكثر من قرن وبعض القرن قبل الهجرة, وعلى رأي بعض المؤرخين أن تاريخ مكة الحقيقي إنما يبدأ من عهد قصي بن كلاب الجد الأكبر للرسول ﷺ أي: منتصف القرن الخامس الميلادي١ حسب تقدير بعضهم، وأوائل القرن السادس الميلادي حسب تقدير آخرين. ذلك أن حياة مكة قد قامت على التجارة، إذ كان لموقعها أهمية تجارية عظيمة، فهي نقطة التقاء لطرق عديدة تأتيها من جميع الجهات، من اليمن، ومن الخليج العربي، ومن الحبشة عن طريق البحر الأحمر، ومن مصر وفلسطين وسورية. وليس من المعلوم على وجه التحقيق متى كان منشؤها، إنما الراجح أن موقعها المهم على طريق القوافل التجارية قد جعل منها، من غابر الزمن، محطة يقيم فيها رجال القوافل أيامًا؛ بسبب إمكان العثور على ماء للشرب فيها، الأمر الذي دعا إلى ارتفاع شأنها، وإلى تحولها من محطة تجارية إلى مدينة زاهرة، لا سيما بعد أن أقيم فيها بيت عبادة. والواقع أن عوامل كثيرة أدت إلى تحويل مجرى التاريخ في شبه جزيرة العرب من البتراء وتدمر، ونجد إلى الحجاز. فقد تحولت الطرق التجارية من جديد إلى البحر الأحمر، منذ أن استولى الرومان على سورية ومصر، قبيل مستهل النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد، وسيطروا على تجارة هذا البحر من خليجي العقبة والسويس، بعد أن قضوا على دولة الأنباط وجعلوا محطتها التجارية تحت سيطرتهم، وعلى الدولة التدمرية إذ دمروها، فقضوا بذلك على حياتها التجارية. عندئذٍ بدأت سفن الرومان التجارية تمخر عباب البحر الأحمر في طريقها إلى الشرق الأقصى، وتمر بالثغور الحجازية في ذهابها وإيابها، ولم تفقد المحطات التجارية البرية ومنها مكة أهميتها، بل ازداد نشاطها، بعد أن انحطت دول الجنوب

стр. 238

العربي، وتخلت عن دورها التجاري المرموق، فتسلمت مكة وأهلها قريش مقاليد التجارة في شبه الجزيرة العربية، لا سيما وأن العلاقات التجارية بين قريش وبين الأحباش الذين احتلوا اليمن، وبينهم وبين البيزنطيين الذين حرضوهم عليهم كانت حسنة. يضاف إلى ذلك أن الحروب الطويلة بين الفرس والروم البيزنطيين في مستهل القرن السابع الميلادي، قد أتاحت لتجارة مكة أن تزدهر؛ بسبب أن هذه الحروب قد عطلت طرق التجارة بين الشرق والغرب، فكان من الطبيعي، أن يتحول مركز الثقل الاقتصادي إلى جهة غربي شبه الجزيرة العربية، وكان لوقوع مكة في ملتقى الطرق المارة بين شرقي شبه الجزيرة وعالم البحر المتوسط، وبين إفريقيا السوداء وبلاد الشام أثر كبير في ازدهارها١. ثم إن كثيرًا من رجال القبائل العربية التي كانت تفر من أواسط شبه الجزيرة، بسبب النزاع القبلي الذي استفحل في جهات نجد -كما رأينا في بحث مملكة كندة، وكما سنرى في بحث أيام العرب- كانوا يأتون إلى مكة ويستوطنون فيها، فتكاثر أهلها وازداد نشاطهم. وكانت مكة فوق هذا مركزا دينيًا، يستقطب نفوس العرب، يحجون إلى كعبتها من جميع أرجاء شبه الجزيرة من قديم الزمن، وقد سميت "البيت العتيق" لقدمها، وكان العرب يعظمونها ويقسمون بها الأيمان، كقول زهير: فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم كما كان يرافق الطقوس الدينية التي تجري في مكة في شهور معلومة من السنة، بمناسبة الحج إلى الكعبة، نشاط تجاري مهم، إذ تقام الأسواق التجارية، وتدوم أكثر من خمسة أشهر على فترتين منفصلتين وفي أمكنة مختلفة، وكان في الحجاز شبكة واسعة منها، ويرافق البيع والشراء مظاهرات أدبية رائعة، إذ يتبارى الشعراء والخطباء في إلقاء القصائد والخطب ويتفاخرون. فاستطاعت قريش بذلك أن تفرض لغتها على سائر قبائل

стр. 239

شبه الجزيرة. فشئون الدين والتجارة والأدب، كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا في الجاهلية. وأخيرًا, إن كثرة الجوالي الأجنبية التي كانت تقصد الحجاز من فرس وروم وزنوج وأحباش وغيرهم، يأتون للتجارة أو للعمل في البناء والزراعة والصناعة، بالإضافة إلى الهجرات التي كانت تتوارد باستمرار من اليمن، ومنها هجرة الأوس والخزرج إلى يثرب، وغيرهما من القبائل إلى الشمال، كان لها أثر كبير في توسع مكة وارتقائها. إن الروايات عن تاريخ مكة من إسماعيل إلى قصي بن كلاب متناقضة، فيها كثير من الاضطرابات. فالمسعودي١ يذكر أن أول من نزل زمزم هم العماليق لا جرهم، فاستقروا في أسفل مكة "أجياد" ثم تبعتهم جرهم فنزلوا أعلاها "قُعَيْقعان" يُعشِّر كل منهما التجارة التي تدخلها من ناحيته، ثم احتربت القبيلتان فانتصر العماليق على جرهم، وتولوا شئون البيت، ولم تلبث جرهم أن غلبتهم، فتولت أمورها ثلاثمائة سنة، حتى إذا طغت وبغت أهلك الله معظمها، فاستقوى عليها بنو خئولتها أحفاد إسماعيل وطردوها٢، واستعادوا ولايتهم على البيت، بينما يذكر ابن هشام أن ولاية جرهم قد استمرت إلى أن قدمت قبيلة أخرى من قبائل اليمن٣، بعد انهيار سد مأرب، هي قبيلة خزاعة، فنازعت قبيلة جرهم، وانتصرت عليها، فأخرجتها من مكة، وحكمت مكانها، كما خرج منها أبناء إسماعيل حيث تفرقوا حول مكة وفي تهامة.

стр. 240

كان عمرو بن لحي الخزاعي -كما تذكر الروايات- أول من ملك من خزاعة، وإن مكة بدأت تتطور في عهده، بعد أن كان شأنها قد انحط؛ بسبب ظلم جرهم واعتسافها الحجاج والتجار، حتى قل عدد الوافدين إليها منهم. وقد عمد إلى إقامة الولائم للحجاج، وتوفير الماء لهم في مواسم الحج، ليرغبهم في زيارة الكعبة وعبادة الأصنام. ذلك أنه كان أول من غير دين إبراهيم وبدله كما يقولون، إذ يروى أنه زار الشام، ورأى قومًا يعبدون الأصنام فأتى بصنم منها نصبه على الكعبة، وقويت خزاعة وعم ظلم عمرو بن لحي الناس. ولما أكثر عمرو من الأصنام حول الكعبة غلب على العرب عبادتها١، وامَّحت الحنيفية منها إلا قليلًا٢. على أن أمر عبادة الأصنام، وامحاء ديانة إبراهيم بمجرد إحضار عمرو بن لحي صنما من الشام، وإقامته حول الكعبة تبدو غير معقولة، لولا أن تكون الحنيفية قد ضعفت في نفوس القوم. والواقع أنها ضعفت، فقد ذكر المسعودي "أن إلياس بن مضر، وقد شرف وبان فضله، كان أول من أنكر على بني إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم. وظهرت منه أمور جميلة حتى رضوا به ... فردهم إلى سنن آبائهم، حتى رجعت تامة على أولها"٣. وبقيت خزاعة تلي أمر مكة وكعبتها، وتُعَشِّر التجارة التي تمر بها، مدة قدرها المسعودي بثلاثمائة سنة، بينما قدرها ابن كثير بخمسمائة سنة، وروى الأزرقي الرقمين٤، إلى أن نهض قصي بن كلاب فتزعم قريشًا، وجمع شملها ووحد بطونها المتفرقة في قبيلة كنانة، واستطاع أن يستولي على مكة، وأن يفرض سيطرته عليها، وكان ذلك على أغلب الظن في النصف الأول من القرن السادس الميلادي. أما خزاعة فلم تضمحل، وكانت في عهد الرسول بالمدينة محالفة له، ومنها بنو كعب وبنو المصطلق.

стр. 241

قريش: قيل في تسمية قريش بهذا الاسم روايات كثيرة مختلفة، منها أنه غلب عليها، نسبةً لاسم جدها الأعلى النضر بن كنانة الذي كان يلقب به، أو لأن كنانة اشتغلت بالتجارة فكانت تجمع المال، والجمع والكسب هو التقريش. ومما قيل: إن فهر بن مالك بن النضر كان له ثلاثة أولاد، فتفرقوا ثم تجمعوا، فقالت بكر: "تقرش بنو جندلة" أي: تجمعوا. وهناك رأي لمحمد بن سعد صاحب الطبقات الكبرى١ يقول: "إن اسم قريش مشتق من كلمة "التقريش" أي: التجمع؛ لأن قصيَّ بن كلاب جمع٢ بطون كنانة، وناهض بهم خزاعة، وانتزع منها حكم مكة وسدانة الكعبة، فسمي لذلك مجمعًا". وفي هذه الحالة يكون الاسم أحدث مما إذا أخذنا بالأقوال السابقة. وقريش تنتمي إلى خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر من عرب الشمال المعدّية "العدنانية". كان قصي أول رؤساء مكة من قريش، وقد ذكر النسابون أن اسمه زيد٢، وغلب عليه لقب " قصي" لأنه أقصى عن عشيرته كنانة الساكنة في مكة، عندما توفي والده، وتزوجت أمه من رجل قضاعي ينتمي إلى قبيلة عذرة، فاحتملته معها إلى أرض زوجها بأطراف الشام. ولما أصبح شابًّا وكان "جلدا نهدا", كما يقول محمد بن سعد، تشاجر مع شاب قضاعي، وآثر العودة إلى أهله وعشيرته في مكة، حيث كان له أخ شقيق يسمى "زهرة". ثم تزوج من "حُبَّى" ابنة زعيم خزاعة "حُلَيْل بن حُبْشِية بن سلول" الذي كان يلي أمر مكة, والحكم فيها، وولاية البيت. ولما توفي والد زوجته آلت إليه ولاية مكة وكعبتها، والروايات مضطربة حول كيفية استيلائه عليها، فمنها ما تقول: إن والد زوجته قد أوصى له بها، أو أوصى بها لابنته،

стр. 242

فعجزت عنها، فتركتها لزوجها، أو أن حُليلًا قد أورثها ابنه المخرش الملقب بـ "أبي غبشان" وكانت العرب تجعل لسادن البيت جُعْلًا في كل موسم، فمنعوا عنه في إحدى السنين ما كانوا يؤدونه، فغضب فدعاه قصي وسقاه، ثم اشترى منه سدانة البيت بزق من الخمر وبعير، فذهبت قصته مثلًا في الخسارة: "أخسر من صفقة أبي غبشان"١. وفي كتاب "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام"٢ أن أبا غبشان لم يكن ابنًا لحليل بل شريكًا له. غير أن هذه الروايات قد تكون موضوعة، وربما يكون الأقرب إلى الواقع أن قصيًّا استولى على السدانة بالقوة، كما جاء في رواية لابن سعد في الطبقات، منقولة عن ابن الكلبي، تقول: إنه لما توفي حليل وانتشر وُلد قصي، وكثر ماله وعظم شرفه، رأى أنه أولى بالبيت، وبولاية مكة من خزاعة بكر، فجمع قومه من كنانة وقريش، واستنصر إخوته لأمه "بنو عذرة من قضاعة" فاقتتل الفريقان قتالا شديدا حتى كثر القتلى فيهما٣، ثم تداعيا إلى الصلح وحكَّما بينهما "يعمر بن عوف بن كعب الكناني" فقضى هذا بأن قصي بن كلاب أولى بالبيت ومكة من خزاعة، وأن كل دم أصابه قصي من خزاعة وبكر موضوع, يشدخه تحت قدميه, وأن ما أصابت خزاعة وبكر من قريش وكنانة ففيه الدية مؤداة، فسمي لذلك "يعمر الشداخ"٤. كانت قريش في عهد قصي قسمين: قريش البطاح؛ لأن قصيا جمع بطون قريش في

стр. 243

الأبطح من مكة، فأقاموا منازلهم في الشعب بين جبل أبي قبيس والذي يقابله، وهو باطن مكة وفي وسط الكعبة، وكانوا عدة بطون١ في مقدمتهم بنو هاشم وبنو أمية، وقد شكلوا بعدئذ طبقة السادة أصحاب القوافل والغنى والجاه، إذ اتخذوا التجارة ورعاية البيت الحرام موردًا يتعيشون منه، وأثروا ثراءً عظيمًا. ثم قريش الظواهر الذين لم يدخلهم قصي الأبطح، فسكنوا أطراف مكة خارج الشعب، وكانوا من بطون قرشية مختلفة، وهم أدنى مكانة وجاهًا من قريش البطاح٢. وقد روي أنهم كانوا يمارسون الغزو والغارات، وأنهم يعتبرون لذلك من البداة أو شبه المستقرين، ولم تكن حالتهم المادية حسنة. وقد سكن إلى جانب هؤلاء جميعا جماعات من العرب، تحالفوا مع قريش في عهد قصي وتولى عقد ذلك الحلف ابنه عبد مناف، فقد روى اليعقوبي أنه لما كبر أمر عبد مناف بن قصي جاءته خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة يسألونه الحلف ليَعِزُّوا به، فعُقد بينهم الحلف الذي يقال له حلف الأحابيش؛ لأن الحلف عقد في وادي "حبشي" الذي يقع على بعد ستة أميال من أسفل مكة، فسموا باسمه٣. كما سكن في ظواهر مكة وضواحيها جماعات من الأجانب واللاجئين والأرقاء٤ من صناع وعمال وفنانين، جاء بعضهم من داخل شبه الجزيرة، ومعظمهم من خارجها.

стр. 244

التنظيم السياسي في مكة: بعد أن تولى قصي حكم مكة بدأ في تنظيم شئونها، فأخذ يجمع ما تشتت من بطون قريش, ثم قسم مكة أرباعًا بين قومه، وجعل لكل بطن حيا خاصا به قرب الكعبة. وما

стр. 245

أقره قصي من نوع الحكم، وإن يكن حضري الطابع في مظهره، فإنما هو في جوهره تنظيم قبلي، تكيف تكيفًا خاصًّا بحسب ظروف الاستقرار، وبحسب علاقات قريش التجارية الواسعة، واتصالها بالعالم المتحضر. فلم تكن المدينة عند العرب هي الوحدة السياسية، ينصهر أفرادها في بوتقة المواطنة للمدينة فقط، دون أي اعتبار للانتماء القبلي، بل كانت القبيلة هي المعبر عن هذه الوحدة مثل قريش وبطونها المختلفة في مكة، وثقيف وبطونها في الطائف، والأوس والخزرج والقبائل اليهودية المختلفة في يثرب. وقد جرى عرف العرب على الانتساب للقبائل وإلى البطون ضمن القبائل لا إلى المدن، وبقيت الرابطة القبلية هي التي تنظم علاقات المكيين بعضهم ببعض حتى ظهور الإسلام. وقد أصبحت الدار التي بناها قصي لنفسه، وجعل بابها يؤدي إلى الكعبة، المقر الذي يجتمع فيه إلى سادة قريش وزعماء بطونها ووجوههم -فيما سمي باسم "الملأ" وهو يشبه مجلس الشيوخ في المدن الرومانية القديمة- وقد سمي هذا المقر باسم "دار الندوة" فيها يجتمع قصي بوجهاء بطون قريش، ويتشاور معهم في الأمور العامة. وإنما سميت كذلك لأن القوم إذا حز بهم أمر ندُّوا إليها، أي: اجتمعوا فيها للتشاور، فسميت دار الندوة، أي: دار الجماعة١. ولم يكن هنالك من أمر يهم قريشًا إلا ويحل فيها، ففيها كان يعقد لواء الحرب، إذا أقدمت قريش على حرب، وفيها يتم تجهيز القوافل وتستعد للرحيل، وفي فنائها تحط عند عودتها محملة بالبضائع، وحتى المسائل المدنية كانت تُحَلُّ فيها. يقول اليعقوبي: "وكان لا ينكح رجل من قريش، ولا يتشاورون في أمر، ولا يعقدون لواء بالحرب، ولا يعذرون غلاما "يختنونه" إلا في دار الندوة"٢. وفيها كانت تدرَّع الفتيات حين يبلغن سن الرشد، إذ يشق قصي قميصهن ويلبسهن لباس البالغات. ولم يكن لأحد لم يبلغ سن الأربعين -عدا بني قصي وحلفائهم من رؤساء العشائر، أو من كان مفوهًا ذا رأي ومشورة وحكمة- أن يشترك في مجلس دار الندوة "الملأ". أما قرارات مجلس دار الندوة، تلك التي لم تكن تتبع قانونا مدونا، بل كان للتقاليد والأعراف القبلية الشأن العظيم في إصدارها، فلم تكن ملزمة لجميع البطون إلا إذا

стр. 246

وافقت عليها بالإجماع، والبطون كانت تشذ عن تنفيذها، إذا لم تكن موافقة لمزاجها١. فالوصف الذي وصف المستشرق الأب "لامنس" به مكة بكونها جمهورية تجارية لا يخلو إذن من مبالغة. ولا يجب أن نعتقد أنها كانت جمهورية بكل ما للكلمة من معنى؛ ذلك أن النظام السياسي في مكة لا يعدو كونه اتحاد عشائر وبطون، ارتبط بعضها ببعض في سبيل التعاون لخدمة الكعبة وقصادها، ولتنظيم تجارة القوافل، يتولى تسيير أمورها نفر من رؤساء العشائر والأغنياء وذوي الجاه والنفوذ، يفصلون في الأمور حسبما يتراءى لهم أنه الصواب، وربما خفف من غلواء حرية البطون في مخالفة قرارات "الملأ" -الذي لم يكن في الواقع سوى شكل من أشكال مجالس القبائل المتحالفة في البادية- ارتباط المجتمع في مصلحة مشتركة، واعتقادهم بأن القائمين على "الملأ" إنما يتوخون المصلحة العامة، ويحرزون الثقة لنبل مقاصدهم٢. حينما وضعت قريش مقاليد حكمها في يد قصي، اجتمعت إليه جميع أمورها، فله رئاسة دار الندوة، والسدانة حيث تحفظ لديه مفاتيح الكعبة، وهو الذي يفتحها للناس، ويأذن لهم بدخولها، ولا تقام فيها شعائر دينية إلا بإذنه، كما كانت له السقاية والرفادة. والأولى تقضي بتدبير ماء الشرب وحمله من آبار مكة المجاورة للكعبة، ووضعه في أحواض لسقاية الحجيج، وفي بعض الأحيان كان يحلى بالزبيب. وقد بقي ذلك إلى أن أعيد حفر بئر زمزم في عهد عبد المطلب بن هاشم بعد أن كان قد ردم. والثانية "الرفادة" تقضي بإطعام الحجيج، إذ كان قصي قد حمل قريشا على أن تخرج في كل موسم شيئًا من أموالها يخصص لتهيئة طعام يصنع للحجاج، ويقدم إليهم في منى وعرفات باعتبار أنهم ضيوف الله. ويفسر بعضهم هذا العمل بكون القصد منه ترغيب الناس بالإقبال على الحج، أو أن قريشا كانت تقصد به المؤاكلة مع القبائل العربية، تلك المؤاكلة التي تعد في عرفها بمثابة عقد جوار، فتكون قريش قد تعاقدت مع هذه القبائل برابطة الجوار والأمن، فتنال احترامها، وتحقق لقوافلها السير في أراضيها آمنة. ويظهر أن هذا التقليد ليس جديدًا في مكة إذ يروى أن عمرو بن لحي الخزاعي كان يطعم الحجيج ويقيم

стр. 247

لهم موائد الطعام، ولكن يبدو أن ذلك لم يصبح وظيفة مقررة إلا في عهد قصي بن كلاب١. كما لم يكن لأحد سوى قصي أن يعقد لواء الحرب، فيجتمع تحت راية قريش المحاربون، فيسلمها قصي إلى من يختاره لقيادة الجيش, وقد يتولى بنفسه هذه القيادة، أو ينيب عنه من يتولاها. ولما أسن قصي عهد لابنه عبد الدار بجميع وظائفه. وكان عبد الدار أكبر أبنائه فثابر على القيام بها في حياة أبيه وبعد وفاته٢، إلى أن توفي فتولاها أولاده من بعده. غير أن أولاد عمهم عبد مناف -وكان هذا قد عظم شأنه وساد قومه في أيام أبيه، وكان له الفضل في أنه عقد حلفًا مع بعض القبائل، وهو حلف الأحابيش الذي تقدم ذكره- قد نازعوهم عليها، ورأوا أنهم أحق بتوليها لما لهم من النباهة والفضل، وكانوا أربعة هم: عبد شمس, وهاشم، والمطلب, ونوفل. فتفرقت كلمة قريش، إذ آزر قسم منها بني عبد مناف، وأيد آخرون بني عبد الدار، وبادر كل من الفريقين إلى عقد تحالف ضد الآخر. وقد سمي الحلف الذي تزعمه بنو عبد مناف باسم "حلف المطيبين" إذ أتوا بجفنة مملوءة بالطيب غمسوا أيديهم فيها، وأقسموا على التناصر والتآزر، ثم مسحوها بجدران الكعبة، بينما عقد خصومهم بنو عبد الدار مع من انضم إليهم من البطون حلفًا مهدوا له بإحضار جفنة مملوءة بالدم وغمسوا أيديهم فيها، ثم مسحوها بجدران الكعبة فسموا "الأحلاف" و"لعقة الدم". وأوشكت أن تقع بين الطرفين حرب طاحنة، لولا أن تداركها بعض العقلاء، ونجحت مساعي الصلح، وتم الاتفاق على أن تكون السقاية والرفادة لبني عبد مناف, والحجابة واللواء ورئاسة دار الندوة لبني عبد الدار٣. وقد اصطلح بنو عبد مناف أن تكون الرفادة لأخيهم هاشم بدلًا من أخيه الأكبر عبد شمس الذي كان مقلًّا، كثير الولد، كثير الأسفار، قلما يقيم في مكة، بينما كان هاشم رجلا موسرا، غني من التجارة "وقيل: ضربوا بالقرعة فخرجت له". وقد ساعده غناه على القيام بالوظائف الموكلة إليه خير قيام، إذ كان يخرج في كل عام مالا كثيرا، فيثرد

стр. 248

للحجاج الخبز واللحم١, والخبز والسمن والسويق والتمر، ويؤمن لهم الماء، والماء يومئذ قليل. فأكسبته هذه الفعال نفوذًا وجاهًا بين قبائل العرب، الأمر الذي جر عليه حسد ابن أخيه أمية بن عبد شمس إذ نافره وفاخره وطالب بالتحكيم بينهما، فكره هاشم أن ينافر ابن أخيه. لكن قريشًا أكرهته على ذلك، وكانت المنافرة على خمسين ناقة تنحر ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين. وجُعل كاهن من خزاعة حكمًا بينهما، فنفَّر هاشما على ابن أخيه، فأخذ هاشم الإبل وأطعمها من حضر، وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين، ويقال: إن هذه كانت أول عداوة وقعت بين بني هاشم وبني أمية٢. إنما قد تكون هذه القصة موضوعة لتعليل خصام بني هاشم وبني أمية بعد الإسلام. ويروى عن هاشم أنه أول من نظم رحلتي الشتاء والصيف فجعلهما منتظمتين "لا تختلفان ولا تتخلفان" بعد أن كانتا قبل ذلك غير منتظمتين تمامًا، وقد نشطت التجارة في عهده، وازدهرت مكة ازدهارًا عظيمًا. وفي حوالي ٥١٠م خرج هاشم في رحلة تجارية إلى الشام، فمات في غزة عن أربعة أولاد، وكان أخوه المطلب بن عبد مناف أكبر منه ومن عبد شمس، وكان شريفا في قومه مطاعا, سيدا، وكانت قريش تسميه الفيض لسماحته، فولي بعده السقاية والرفادة. وقد احتضن المطلب ابنا صغيرا لأخيه هاشم يسمى "شيبة" حتى كبر واشتد عوده، وهو الذي عرف باسم "عبد المطلب"٣. وبعد أن توفي المطلب في أثناء تجارة له إلى اليمن، ولي عبد المطلب بن هاشم بعده الرفادة والسقاية، وكان الهم الشاغل له أن يستجيب للحلم الذي كان يراود أفكار القرشيين في حفر بئر زمزم، التي كانت جرهم قد ردمتها في أثناء انسحابها من مكة، نكايةً بخزاعة لتفسد عليها أمر السقاية، فضاعت معالمها، كما تقول

стр. 249

الروايات العربية، بينما يشير "درمنجهايم" إلى أن السيول التي كانت تتعرض لها مكة كثيرًا ما كانت تترك كميات عظيمة من الطمي واللحقيات فردمت زمزم مرة وطال اختفاؤها عدة أجيال١. وتضيف الروايات أن عبد المطلب قد رأى حلمًا دله على مكان زمزم فحفر فيه حتى خرج الماء. وإذ كان قد وجد آنئذ عنتا من قريش٢، وحاجة إلى من يشد أزره٣، نذر على نفسه بأنه إذا رزق عشرة بنين، يمتنع بهم من مثل ما لقي حين حفر زمزم، لينحرَنَّ أحدهم لله عند الكعبة. ولما تحققت أمنيته دعا أبناءه العشرة إلى الوفاء بنذره فأطاعوا، فكتب اسم كل منهم على قدح، ثم استقسم بها لدى صاحب القداح عند كبير الآلهة هبل. ولما كان قدح عبد الله أصغر أولاده وأحبهم إلى قلبه هو الذي خرج، وهَمَّ عبد المطلب بذبحه، قامت قريش كلها تهيب به ألا يفعل. وانتهى الأمر بأن رجع القوم إلى عرَّافة، أشارت عليهم بأن يضربوا القداح على عبد الله وعلى عشر من الإبل، فإن خرجت القداح عليه، زادوا في عدد الإبل حتى يرضى الإله ففعلوا، ولم تخرج القداح على أقل من مائة من

стр. 250

الإبل ضحى بها عبد المطلب، ونجا عبد الله من الذبح١. ولم يلبث بعدئذٍ أن زوجه بآمنة بنت وهب بن عبد مناف "سيد بني زهرة" لكنه مات عنها وهو عائد من تجارة له إلى الشام بعيد وصوله إلى يثرب، وهي لا تزال حاملًا, وقدر لها أن تكون أمًّا لخاتم المرسلين.
следующие страницы →