وافقت عليها بالإجماع، والبطون كانت تشذ عن تنفيذها، إذا لم تكن موافقة لمزاجها١.
فالوصف الذي وصف المستشرق الأب "لامنس" به مكة بكونها جمهورية تجارية لا يخلو إذن من مبالغة. ولا يجب أن نعتقد أنها كانت جمهورية بكل ما للكلمة من معنى؛ ذلك أن النظام السياسي في مكة لا يعدو كونه اتحاد عشائر وبطون، ارتبط بعضها ببعض في سبيل التعاون لخدمة الكعبة وقصادها، ولتنظيم تجارة القوافل، يتولى تسيير أمورها نفر من رؤساء العشائر والأغنياء وذوي الجاه والنفوذ، يفصلون في الأمور حسبما يتراءى لهم أنه الصواب، وربما خفف من غلواء حرية البطون في مخالفة قرارات "الملأ" -الذي لم يكن في الواقع سوى شكل من أشكال مجالس القبائل المتحالفة في البادية- ارتباط المجتمع في مصلحة مشتركة، واعتقادهم بأن القائمين على "الملأ" إنما يتوخون المصلحة العامة، ويحرزون الثقة لنبل مقاصدهم٢.
حينما وضعت قريش مقاليد حكمها في يد قصي، اجتمعت إليه جميع أمورها، فله رئاسة دار الندوة، والسدانة حيث تحفظ لديه مفاتيح الكعبة، وهو الذي يفتحها للناس، ويأذن لهم بدخولها، ولا تقام فيها شعائر دينية إلا بإذنه، كما كانت له السقاية والرفادة. والأولى تقضي بتدبير ماء الشرب وحمله من آبار مكة المجاورة للكعبة، ووضعه في أحواض لسقاية الحجيج، وفي بعض الأحيان كان يحلى بالزبيب. وقد بقي ذلك إلى أن أعيد حفر بئر زمزم في عهد عبد المطلب بن هاشم بعد أن كان قد ردم. والثانية "الرفادة" تقضي بإطعام الحجيج، إذ كان قصي قد حمل قريشا على أن تخرج في كل موسم شيئًا من أموالها يخصص لتهيئة طعام يصنع للحجاج، ويقدم إليهم في منى وعرفات باعتبار أنهم ضيوف الله. ويفسر بعضهم هذا العمل بكون القصد منه ترغيب الناس بالإقبال على الحج، أو أن قريشا كانت تقصد به المؤاكلة مع القبائل العربية، تلك المؤاكلة التي تعد في عرفها بمثابة عقد جوار، فتكون قريش قد تعاقدت مع هذه القبائل برابطة الجوار والأمن، فتنال احترامها، وتحقق لقوافلها السير في أراضيها آمنة. ويظهر أن هذا التقليد ليس جديدًا في مكة إذ يروى أن عمرو بن لحي الخزاعي كان يطعم الحجيج ويقيم
стр. 247
لهم موائد الطعام، ولكن يبدو أن ذلك لم يصبح وظيفة مقررة إلا في عهد قصي بن كلاب١.
كما لم يكن لأحد سوى قصي أن يعقد لواء الحرب، فيجتمع تحت راية قريش المحاربون، فيسلمها قصي إلى من يختاره لقيادة الجيش, وقد يتولى بنفسه هذه القيادة، أو ينيب عنه من يتولاها. ولما أسن قصي عهد لابنه عبد الدار بجميع وظائفه. وكان عبد الدار أكبر أبنائه فثابر على القيام بها في حياة أبيه وبعد وفاته٢، إلى أن توفي فتولاها أولاده من بعده. غير أن أولاد عمهم عبد مناف -وكان هذا قد عظم شأنه وساد قومه في أيام أبيه، وكان له الفضل في أنه عقد حلفًا مع بعض القبائل، وهو حلف الأحابيش الذي تقدم ذكره- قد نازعوهم عليها، ورأوا أنهم أحق بتوليها لما لهم من النباهة والفضل، وكانوا أربعة هم: عبد شمس, وهاشم، والمطلب, ونوفل. فتفرقت كلمة قريش، إذ آزر قسم منها بني عبد مناف، وأيد آخرون بني عبد الدار، وبادر كل من الفريقين إلى عقد تحالف ضد الآخر. وقد سمي الحلف الذي تزعمه بنو عبد مناف باسم "حلف المطيبين" إذ أتوا بجفنة مملوءة بالطيب غمسوا أيديهم فيها، وأقسموا على التناصر والتآزر، ثم مسحوها بجدران الكعبة، بينما عقد خصومهم بنو عبد الدار مع من انضم إليهم من البطون حلفًا مهدوا له بإحضار جفنة مملوءة بالدم وغمسوا أيديهم فيها، ثم مسحوها بجدران الكعبة فسموا "الأحلاف" و"لعقة الدم". وأوشكت أن تقع بين الطرفين حرب طاحنة، لولا أن تداركها بعض العقلاء، ونجحت مساعي الصلح، وتم الاتفاق على أن تكون السقاية والرفادة لبني عبد مناف, والحجابة واللواء ورئاسة دار الندوة لبني عبد الدار٣.
وقد اصطلح بنو عبد مناف أن تكون الرفادة لأخيهم هاشم بدلًا من أخيه الأكبر عبد شمس الذي كان مقلًّا، كثير الولد، كثير الأسفار، قلما يقيم في مكة، بينما كان هاشم رجلا موسرا، غني من التجارة "وقيل: ضربوا بالقرعة فخرجت له". وقد ساعده غناه على القيام بالوظائف الموكلة إليه خير قيام، إذ كان يخرج في كل عام مالا كثيرا، فيثرد
стр. 248
للحجاج الخبز واللحم١, والخبز والسمن والسويق والتمر، ويؤمن لهم الماء، والماء يومئذ قليل. فأكسبته هذه الفعال نفوذًا وجاهًا بين قبائل العرب، الأمر الذي جر عليه حسد ابن أخيه أمية بن عبد شمس إذ نافره وفاخره وطالب بالتحكيم بينهما، فكره هاشم أن ينافر ابن أخيه. لكن قريشًا أكرهته على ذلك، وكانت المنافرة على خمسين ناقة تنحر ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين. وجُعل كاهن من خزاعة حكمًا بينهما، فنفَّر هاشما على ابن أخيه، فأخذ هاشم الإبل وأطعمها من حضر، وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين، ويقال: إن هذه كانت أول عداوة وقعت بين بني هاشم وبني أمية٢. إنما قد تكون هذه القصة موضوعة لتعليل خصام بني هاشم وبني أمية بعد الإسلام. ويروى عن هاشم أنه أول من نظم رحلتي الشتاء والصيف فجعلهما منتظمتين "لا تختلفان ولا تتخلفان" بعد أن كانتا قبل ذلك غير منتظمتين تمامًا، وقد نشطت التجارة في عهده، وازدهرت مكة ازدهارًا عظيمًا.
وفي حوالي ٥١٠م خرج هاشم في رحلة تجارية إلى الشام، فمات في غزة عن أربعة أولاد، وكان أخوه المطلب بن عبد مناف أكبر منه ومن عبد شمس، وكان شريفا في قومه مطاعا, سيدا، وكانت قريش تسميه الفيض لسماحته، فولي بعده السقاية والرفادة. وقد احتضن المطلب ابنا صغيرا لأخيه هاشم يسمى "شيبة" حتى كبر واشتد عوده، وهو الذي عرف باسم "عبد المطلب"٣. وبعد أن توفي المطلب في أثناء تجارة له إلى اليمن، ولي عبد المطلب بن هاشم بعده الرفادة والسقاية، وكان الهم الشاغل له أن يستجيب للحلم الذي كان يراود أفكار القرشيين في حفر بئر زمزم، التي كانت جرهم قد ردمتها في أثناء انسحابها من مكة، نكايةً بخزاعة لتفسد عليها أمر السقاية، فضاعت معالمها، كما تقول
стр. 249
الروايات العربية، بينما يشير "درمنجهايم" إلى أن السيول التي كانت تتعرض لها مكة كثيرًا ما كانت تترك كميات عظيمة من الطمي واللحقيات فردمت زمزم مرة وطال اختفاؤها عدة أجيال١.
وتضيف الروايات أن عبد المطلب قد رأى حلمًا دله على مكان زمزم فحفر فيه حتى خرج الماء. وإذ كان قد وجد آنئذ عنتا من قريش٢، وحاجة إلى من يشد أزره٣، نذر على نفسه بأنه إذا رزق عشرة بنين، يمتنع بهم من مثل ما لقي حين حفر زمزم، لينحرَنَّ أحدهم لله عند الكعبة. ولما تحققت أمنيته دعا أبناءه العشرة إلى الوفاء بنذره فأطاعوا، فكتب اسم كل منهم على قدح، ثم استقسم بها لدى صاحب القداح عند كبير الآلهة هبل. ولما كان قدح عبد الله أصغر أولاده وأحبهم إلى قلبه هو الذي خرج، وهَمَّ عبد المطلب بذبحه، قامت قريش كلها تهيب به ألا يفعل. وانتهى الأمر بأن رجع القوم إلى عرَّافة، أشارت عليهم بأن يضربوا القداح على عبد الله وعلى عشر من الإبل، فإن خرجت القداح عليه، زادوا في عدد الإبل حتى يرضى الإله ففعلوا، ولم تخرج القداح على أقل من مائة من
стр. 250
الإبل ضحى بها عبد المطلب، ونجا عبد الله من الذبح١. ولم يلبث بعدئذٍ أن زوجه بآمنة بنت وهب بن عبد مناف "سيد بني زهرة" لكنه مات عنها وهو عائد من تجارة له إلى الشام بعيد وصوله إلى يثرب، وهي لا تزال حاملًا, وقدر لها أن تكون أمًّا لخاتم المرسلين.
стр. 251
التنظيم الإداري في مكة
مدخل
...
التنظيم الإداري في مكة:
يتصف النظام الذي سار عليه الحكم في مكة بكونه قد استند على الأسس الأرستقراطية، تولى فيه المهام كبار التجار وأصحاب القوافل التجارية، وبكونه قد جمع بين الإدارة والسياسة والتجارة والدين والحرب. وقد تقاسمت بطون قريش المناصب ذات الصلة بهذه الأمور بما يشبه حكم الشورى من بعض الوجوه١، وتولتها شخصيات بارزة من كل بطن. أما هذه المناصب التي استمر وجودها حتى ظهور الإسلام فهي التالية:
стр. 252
١- السدانة:
وهي حجابة الكعبة والإشراف عليها، إذ توضع مفاتيحها في عهدة رجل يتولى فتحها للحجاج عند القيام بمناسك الحج الموسمية، وهو الذي يأذن للناس بدخول الكعبة، ولا تقام الشعائر إلا بمعرفته. وكانت السدانة في أيدي بني عثمان بن عبد الدار وظلت في يدهم حتى فتح مكة وإسلام قريش١. أما صاحب العقد الفريد فقد جعل السدانة والحجابة منصبينِ، والأصح في نظرنا أنهما منصب واحد.
стр. 253
٢- السقاية:
كانت السقاية في بني هاشم، وصاحبها يتولى سقاء الحجاج لقلة الماء العذب في
стр. 254
مكة، فينشئ حياضًا من الجلد، توضع في فناء الكعبة، تنقل المياه إليها بالقرب من آبار مكة، وكان العديد منها قد حفر في عهد قصي١، وعهد عبد شمس٢، إلى أن حفر عبد المطلب بئر زمزم. أما الماء فكان يحلى بنقيع الزبيب؛ ليستطيع الحجاج شربه لما كان فيه من غلظة. ويروى أنه كان لعبد المطلب إبل كثيرة كان يحلبها ويمزج حليبها بالعسل في حوض من أدم ويقدمه للحجاج, كما كان يشتري الزبيب فينبذه بماء زمزم، ويسقيه الحاج؛ لأنه يكسر غلظ مائها. ولما أصبحت السقاية للعباس بن عبد المطلب -وقد دامت له حتى فتح الرسول مكة- استمر على ذلك، وكان له كرم في الطائف يحمل زبيبه إليها، فينبذه في الماء لسقاية الحاج٣.
стр. 255
٣- الرفادة:
وكانت في بني هاشم، وقد تولاها منهم, بعد هاشم، أخوه المطلب إلى أن بلغ ابنه عبد المطلب سن الرشد فتولاها بعد عمه، ثم أبو طالب بن عبد المطلب. وهي تقضي بإطعام الحجاج طعامًا تخرجه قريش من أقواتها في كل موسم، فيأكله من لا يحمل زادا من الحجاج، أو من كان معوزا منهم. وكان المقدار الذي يدفعه القرشيون من أموالهم لهذه الغاية مما يتناسب مع ثروة كل منهم، فكان هاشم يشتري بما يجتمع لديه منه دقيقًا، ويأخذ من كل ذبيحة، بدنة كانت أو بقرة أو شاة، فخذها فيجمع ذلك كله، ثم يحزر به الدقيق ويُطعمه الحاج. وقد استمر خلفاء هاشم في تقديم الرفادة للحجاج، وفعل الرسول مثلهم، وقلده في ذلك الخلفاء الراشدون، ومن أتى بعدهم من خلفاء١.
стр. 256
٤- الراية:
كانت لقريش راية تسمى "العقاب" فكانوا إذا أرادوا الحرب أخرجوها، فإذا
стр. 257
اجتمع رأيهم على واحد سلموه إياها، وإلا فإنهم يسلمونها إلى صاحبها وكان في بني عبد الدار، يتولاها منهم ذوو السن والشرف، حتى إذا كان يوم أحد قتل سبعة منهم وهم يدافعون عنها.
стр. 258
٥- القيادة:
وهي إمارة الركب، يعتبر صاحبها كبير القواد، ويسير أمام الجيش في نفوره للقتال، أو في مقدمة الركب إذ سار للتجارة. وكانت القيادة في بني عبد شمس، تعاقب عليها بعده ابنه أمية بن عبد شمس ثم حرب بن أمية الذي قاد قريشًا في الفجارين الأول والثاني، وخلفه فيها أبو سفيان الذي حارب الرسول في يومي أحد والخندق, أما في بدر فكانت القيادة لعقبة بن ربيعة بن شمس؛ لغياب أبي سفيان في تجارة له إلى الشام.
стр. 259
٦- الأشناق "الديات ":
وهي من الوظائف المهمة، وكانت بيد بني تيم بن مرة. وقد ظهر الإسلام وهي في يد عبد الله بن أبي قحافة "أبي بكر الصديق". وهي تشمل دفع الديات والمغارم، إذ كانوا بعد انتهاء الحروب يقدرون الخسائر ويقررون ما يتطلبه إنهاؤها من دفع ديات وتعويضات، فيجمعون الأموال ليؤدوا ما يتوجب تأديته منها.
стр. 260
٧- القبة:
وهي خيمة كانوا إذا خرجوا للحرب ضربوها، وجمعوا فيها ما يجهزون به الجيش، وهي شبيهة بدائرة المهمات الحربية في زمننا. وكانت لخالد بن الوليد من بني مخزوم بن مرة.
стр. 261
٨- الأعنة:
وهي أعنة الخيل، وصاحبها يتولى خيل قريش، ويدبر شئونها في الحرب، وكانت لخالد بن الوليد.
стр. 262
٩- السفارة:
وتتلخص وظيفة القائم بها بأن يتصل بالقبائل الأخرى، للمفاوضة أو للمنافرة إذا
стр. 263
اقتضى الأمر ذلك. فهو الذي يبت في شئون المفاوضة مع الخصوم، وعقد الصلح بعد الحروب والخلافات، وعقد المحالفات وغير ذلك، وآخر من كان يقوم على هذا المنصب عمر بن الخطاب.
стр. 264
١٠- الإيسار:
وهي الأزلام، ويشرف صاحبها على السهام التي كانوا يستقسمون بها لمعرفة رأي الآلهة في أمر يستخيرونها فيه. فإذا هموا بأمر عام من سفر أو قتال، عمدوا إلى صاحب الأزلام عند هبل، يستقسمون عنده بما يشبه سحب القرعة عندنا. وكان يتولى ذلك رجل من بني جمح، وآخر من تولاها منهم صفوان بن أمية.
стр. 265
١١- المشورة:
وصاحبها يستشار في الأمور المهمة، ولم تكن قريش تجتمع على أمر حتى تعرضه عليه. وكان هذا المنصب في بني أسد، وآخر من تولاه منهم يزيد بن زمعة بن الأسود.
стр. 266
١٢- الأموال المحجرة:
وهي أموال كانوا يسمونها لآلهتهم، وفيها النقد والحلي، وهي تشبه بيت المال. وكانت ولايتها في بني سهم، وآخر من تولاها منهم الحارث بن قيس.
стр. 267
١٣- الندوة:
وهي الدار التي بناها قصي بجانب الكعبة، وكان الملأ من قريش يجتمع فيها للتشاور في أمور مكة المهمة، وفيها تحل جميع الأمور والمشاكل، فلا يعقد زواج إلا فيها، ولا يعقد لواء حرب، ولا تدرع جارية من قريش، أو يُختن غلام إلا فيها كما ذكرت سابقا، ومنها كانت ترحل قوافل التجارة، وفي فنائها تحط بعد رجوعها. ويعتبر المشرف عليها بمثابة رئيس مجلس شورى الدولة، أو كبير مستشاريها. وكانت رئاستها في قصي بن كلاب، ثم صارت من بعده لابنه عبد الدار، ثم في أحفاد هذا الأخير.
والذي نلاحظه على بعض هذه الوظائف، أنها ليست بذات أهمية. لكن قريشا
стр. 268
-على أغلب الظن- قد أكثرت منها لإرضاء كل بطونها؛ تحقيقًا لمبدأ الحكم الجماعي، وخوفًا من التحاسد، وإجلالًا للكعبة والمبالغة في تعظيمها١.
راجع شجرة نسب قريش في ملاحق الكتاب.
стр. 269
يثرب:
ومن مدن الحجاز المهمة مدينة "يثرب" الواقعة على سهل مرتفع، وعلى بعد يقارب ٥٠٠كم شمال مكة. وفي الشمال منها يقع جبل أحد ثم جبل سلع، بينما يقع في جنوبها الغربي جبل عير. وإلى الغرب منها تنحدر الأرض انحدارًا سريعًا نحو ساحل البحر الأحمر الذي يبعد عنها أكثر من بعده عن مكة. وفي جنوبها الغربي يمتد وادي العقيق فيما بينها وبين الفُرع. والفُرع من المدينة على أربعة أيام جنوبها كما يقول ياقوت الحموي. وفي العقيق آبار هي أعذب ما في تلك الديار من مياه١, وتحيط بالمدينة لابتان بركانيتان تعرفان بالحرتين، حرة واقم في الشرق، وحرة الوبرة في الغرب. ولذا فإن التربة البركانية تنتشر في أطرافها، وتجعل منها أراضيَ خصبة صالحة للزراعة٢، لا سيما وأن أراضيها تتصل بوديان كثيرة تحيط بالمدينة من جهاتها الأربع، الأمر الذي يجعل منها واحة تتسرب إليها المياه السطحية الجوفية، ويؤدي اجتماعها في الأمكنة المنخفضة إلى تكوين المستنقعات، وإلى تكاثر الحميات المرزغية٣. غير أن توفر المياه, وخصب تربتها قد ساعداها على الزراعة، وعلى قيام نوع من حياة الاستقرار فيها، لا سيما وأنها من المحطات التجارية التي كانت القوافل تقضي بعض الوقت فيها.
كان اسمها القديم "يثرب" وقد عرفت به في الكتابات المعينية القديمة، وهذا دليل على قدمها، كما هو دليل على أن علاقات ما كانت تربطها بالدولة المعينية، وربما كانت
стр. 270
من مستعمرات الدولة، وقد تكون سكنتها جاليات معينية ثم سبئية. وقد عرفت أيضًا باسم "مدينتا" -وهي كلمة تعني الحمى, أي: المدينة- وعلى رأي المستشرقين أن اليهود المتأثرين بالثقافة الآرامية، أو متهودة بني إرم هم الذين أطلقوا عليها هذا الاسم١. ومما جاء في بعض المصادر العربية أن لها أحد عشر اسمًا في التوراة منها: المدينة وطيبة وطابة والعذراء، وأن في صحيح مسلم حديثا عن الرسول: " إن الله تعالى سمى المدينة طابة " أو في حديث آخر له في الصحيحين: "هي المدينة يثرب" ٢. واسمها يثرب ورد في القرآن الكريم٣, وهو الاسم الذي كانت تعرف به قبل ظهور الإسلام, وقد سماها بعض المؤرخين القدامى "أم قرى المدينة".
أما تاريخ يثرب، فإن الغموض يكتنفه من جميع جوانبه، ولا يستطيع المؤرخ أن يثق بما أورده المؤرخون العرب عن تاريخها فيما قبل القرن الأول الذي سبق ظهور الإسلام، بينما يمكن تتبع أخبارها منذ بداية القرن السادس الميلادي؛ لقرب هذه الفترة من حوادث السيرة النبوية. وأول ما تذكره الروايات القديمة أنها واحة, كان العمالقة أول من سكنوها، ثم تغلبت عليها بعض القبائل اليهودية واستقرت إلى جانبهم.
والمعلومات عن هجرة اليهود إلى يثرب غامضة. وفي الكتب العربية روايات عنها هي أقرب إلى الأساطير والخرافات. تقول بعض الروايات: إن موسى لما أظهره الله على فرعون وطئ الشام وأهلك من بها، وبعث بعثا من اليهود إلى الحجاز وأمرهم بألا يستبقوا من العماليق أحدا بلغ الحلم، فقدموا عليهم فقتلوهم مع ملكهم٤. غير أن هذه القصة لا يعرفها اليهود أنفسهم، كما يقول ابن خلدون، وهي لا تعدو كونها من الأساطير التي اعتاد أخباريو العرب على تلفيقها، وقد رفض الأخذ بها المؤرخ الإسرائيلي الحديث "إسرائيل ولفنسون".
стр. 271
والواقع أنه ليس ثمة من دليل تاريخي على قدوم اليهود إلى بلاد العرب قبل القرن الأول الميلادي. وربما يكون مجيئهم إلى شمالي الحجاز وقت أن نكل بهم الرومان في عام ٧٠، عندما قاموا بثورة ضدهم، وبعد أن سيطرت روما على الشرق العربي قبيل منتصف القرن الأول قبل الميلاد. وعلى كل حال وجد منهم في يثرب قبائل يهودية عرفت أخبارها وعلاقاتها مع عرب المدينة في القرن الأول الذي سبق ظهور الإسلام. وهي قبائل بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة.
ويشك بعض المؤرخين في كون القبائل اليهودية في يثرب يهودية الأصل حقًّا، أو في أنها جاءت من خارج الجزيرة العربية، فاليعقوبي يقول عن بني النضير بمناسبة الوقعة التي أوقعها بهم النبي: "ثم كانت وقعة بني النضير وهم فخذ من بني جذام, إلا أنهم تهودوا ونزلوا بجبل يقال له: النضير فسموا به"١، وكذلك كان رأيه في بني قريظة؛ غير أن الذي عليه عامة المؤرخين، أنهم قدموا من خارج الجزيرة العربية، وأنهم يهود في الأصل، وأن أسماءهم وإن كانت عربية، إلا أن أسماء آبائهم وجدودهم عبرية، وأن الرطانة العبرية كانت تبدو على لسانهم عندما كانوا يتكلمون العربية، كما أن النسابين العرب لم يذكروا أية قبيلة من قبائل اليهود في المدينة أو في غيرها ضمن الأنساب العربية، ولم يحاول اليهود أن يفعلوا ذلك أيضا، لا بل كانوا يحرصون على نسبة أنفسهم إلى الإسرائيليين٢.
نزل اليهود يثرب، وقد أتوا إليها -على أغلب الظن- متفرقين خلال فترات متفاوتة. لكنهم تكاثروا فيما بعد في غربيها وجنوبيها، وعلى الطريق المؤدية منها إلى الشام. وأما القبائل التي سكنتها منهم فهي قبائل بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، وقد قدر عدد رجالها البالغين بحوالي ألفين، بينما ذكر بعض المؤرخين أن أكثر من عشرين بطنًا آخرين، كانوا يسكنون في جوارها، أو في جوار القبائل العربية في يثرب. وقد ذكروا بعض أسماء هذه القبائل، ومنها بنو محمحم، وبنو زعورا وبنو ثعلبة وغيرهم ... والمعتقد أنها بعض بطون من القبائل اليهودية الأخرى سكنت في ضواحي المدينة، وفي القرى القريبة منها.
стр. 272
وقد احتك اليهود بالعرب المقيمين في المدينة، وتحدثوا باللغة العربية، وقال بعضهم الشعر بها، وتسموا بالأسماء العربية، وتأثروا بنظم العرب الاجتماعية وبتقاليدهم وعاداتهم، أو بالأحرى اندمجوا فيها اندماجًا ظاهريًّا، غير أنهم قد انعزلوا عنهم في سكناهم، وعاش بعضهم مع بعض عيشة التكتل، لهم أحياؤهم الخاصة، لا يساكنون فيها غيرهم، جريا على عوائدهم، وابتنوا لأنفسهم "آطامًا" "حصونًا" وقلاعًا، وقرى محصنة في مرتفعات يثرب، وعلى قمم التلال المجاورة لها، أو في القرى المنتشرة على الطريق المؤدية إلى الشام، وأخصها بالذكر خيبر وفدك وتيماء، نقلوا فكرة بنائها من فلسطين، الأمر الذي يدل على أن علاقاتهم مع العرب لم تكن هادئة مستقرة، وأنهم لم يطمئنوا إلى العرب كل الطمأنينة، بل كانت تقع بين الطرفين بعض الحوادث التي كانت تضطرهم إلى إقامتها، للاحتماء فيها إذا داهمهم مهاجم.
لم تكن الحواضر العربية -عندما قدم اليهود إليها- خالية من السكان، كما يدعي المؤرخ اليهودي إسرائيل ولنفسون، إنما كانت يثرب وبقية المراكز الواقعة في شمالها مأهولة بقبائل وبطون عربية كان لبعضها شأن كقبيلة غطفان التي اضطر يهود خيبر لمحالفتها للاحتماء بها، كما ساكن اليهود في يثرب بطونا عربية من اليمن، ومن بلي وسليم وغسان١.
غير أن اليهود الذين ازداد تقاطرهم، ما لبثوا أن أصبحوا مع الزمن أكثرية سكان يثرب، فانفردوا في شئونها، إذ لم تكن البطون العربية القليلة فيها على شيء من القوة، فعايشت اليهود الذين كانوا آنئذٍ أصحاب الثروة والنفوذ، وخضعت لهم وأدت لهم الخراج كما قال قائلها:
نؤدي الخرج بعد خراج كسرى ... وخرج بني قريظة والنضير٢
وليس معنى ذلك أن اليهود عندما قدموا إلى يثرب قد استقروا فيها دون مقاومة، بل إن المقاومة الشديدة التي صادفوها من سكانها الأصليين قد حملتهم -بعد أن سيطروا
стр. 273
عليها- إلى بناء الآطام والقلاع؛ ليحتموا فيها منهم. ثم بدءوا في استثمار الأراضي الخصبة في الزراعة.
كان لليهود أثر اقتصادي مهم في يثرب، بإقامتهم الضياع في المنطقة المحيطة بيثرب وكانت ملائمة للزراعة، لخصب أراضيها، وتوفر المياه فيها، وقد اتسعت مراكز سكناهم على مناطق واسعة، وصلت حتى تبوك المجاورة لحدود بلاد الشام. وليس معنى ذلك أن العرب لم يعرفوا الزراعة قبلهم، فقد ذكر ياقوت الحموي أن أول من زرع بالمدينة، واتخذ بها النخل، وعمر الدور والآطام، واتخذ بها الضياع العماليق.
وقد مارس اليهود مختلف الصناعات، كالصياغة وصناعة الأسلحة، والاهتمام بالتجارة، وسيطروا بذلك على زمام الأمور الاقتصادية في المدينة، لا سيما وأنهم قد امتهنوا الصيرفة والإقراض بالفائدة الفاحشة "الربا" وأثروا إثراء عظيما، وكثر عددهم حتى غلبوا على يثرب جنسيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا.
وما زال هذا شأنهم، حتى قدمت إلى يثرب قبائل عربية هجرت الجنوب اليمني لأسباب اقتصادية سيئة، من تدني مستوى النشاط الزراعي والتجاري، ولأسباب سياسية من تنازع أقيال اليمن بعضهم مع بعض، ومن إلحاح الأحباش على غزو اليمن، وكانت هجرتهم إلى الحجاز بعامة، وإلى المدينة بخاصة متقطعة. وأشهر هذه القبائل الأوس والخزرج من الأزد، وينسبها النسابون إلى عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء، فهم وغساسنة الشام أبناء عم، وربما قدموا معا من اليمن، وتفرقت كل فئة منهم في جهة. ومن الصعب تحديد الفترة التي جرت فيها هذه الهجرة، فقد تكون -بحسب استنتاجات المؤرخين المحدثين- في أواخر القن الرابع الميلادي.
وقد قامت بين العرب القادمين وبين اليهود علاقات طيبة في أول الأمر، إذ لم يكن عدد القادمين مما يخيف اليهود، ووجد العرب أن الأموال والآطام والعدد والقوة بيد اليهود، فقنعوا مضطرين بسماح اليهود لهم بمجاورتهم. كما فكر اليهود بالاستفادة من خبرة العرب بالزراعة -وأصلهم من اليمن المعروف بزراعته النشيطة- فاتخذوا منهم عمالًا ومساعدين لهم في أعمالهم الزراعية١. لا بل عقد الطرفان فيما بينهم حلف جوار يأمن به
стр. 274
بعضهم من بعض١، فأتاح هذا الحلف للعرب أن يتعاملوا مع اليهود، وأن يعملوا معهم جنبًا لجنب في الزراعة والتجارة؛ فأثروا وازداد عددهم، وراحوا ينظمون أنفسهم، فلم يلبث اليهود أن نقضوا العهد الذي يربطهم بهم، إذ رأوا فيهم خطرًا يهدد مصالحهم ومستقبلهم، وخافوا أن تزداد قوة العرب، ويشتد ساعدهم، فيهددوا نفوذ اليهود، فأخذوا للأمر عدته، وعادوا إلى سلوك سياسة الاستبداد وناوءوا الأوس والخزرج، وحاولوا تقليم أظافرهم.
عندئذٍ ظهرت الفتن والعداوات بين الطرفين، ولما أدرك العرب أن لا قِبَلَ لهم بمجابهة اليهود، إذ كانوا أكثر عددًا وأقوى استعدادًا، أقاموا في منازلهم، وخافوا أن يجليهم اليهود عن المدينة، ثم اتصلوا بأبناء عمهم الغساسنة في الشام -وكان زعيم العرب في يثرب آنذاك مالك بن العجلان من الخزرج- فأتاهم أمير من غسان يسمى "أبو جبيلة" بقوة كبيرة، فأعمل الحيلة في استدراج زعماء اليهود، وفتك بهم كما تقول الرواية العربية، فضعف بذلك نفوذ اليهود، وتقلص عن الحياة السياسية والاجتماعية في يثرب، ليقوى نفوذ الأوس والخزرج بالمقابل، وزاد عدد الآطام التي ابتنوها، حتى أصبح لبطن واحد فقط منهم ١٩ أطمًا، بينما كان لليهود ما يقارب ٥٩ أطمًا.
غير أن اليهود بدءوا من ذلك الحين يحاربون القبيلتين حربًا خفية، بالدس والوقيعة بينهما، وقد استغلوا ما بينهما من تنافس قد انقلب بعدئذ إلى عداوة، ذلك أن أسبابا عديدة قد حملت القبيلتين على التنازع، منها ما هو سياسي، يتلخص بالتنافس على الرئاسة واحتلال مركز الصدارة في يثرب، لا سيما وأنه كان لزعيم الخزرج مالك بن العجلان شرف الانتصار على اليهود، فاعتزت بهذا الانتصار، ونافستها الأوس على هذا الفخر. ومنها ما هو اقتصادي يتلخص في كون الأوس -الأكثر عددًا من الخزرج- قد استطاعوا الاستيلاء على بقاع من الأرض أكثر خصبا، وأغنى من الجهات التي نزلها الخزرج، فنافستها الخزرج على ذلك، فعمل اليهود على تشجيع عوامل الفرقة، وإذكاء روح التحاسد بين القبيلتين؛ لكي يضعفوهما٢. وما زالوا كذلك حتى حملوا القبيلتين على الاصطدام، فاحتربتا حروبًا لم تنتهِ إلا قبيل قدم الرسول مهاجرًا إلى المدينة.
стр. 275
وكانت كل من القبيلتين تتحالف مع بعض القبائل العربية الأخرى, من خارج المدينة، أو حتى مع قبيلة أو أخرى من قبائل اليهود في المدينة، إذ كان التناقض والتنافس فيما بين هذه القبائل لا يقل عما كان من تنافس وتنازع فيما بين الأوس والخزرج، وكل قبيلة ترمي من وراء عقد المحالفات إلى تقوية نفسها، وضمان النصر على منافستها. وقد حالفت الخزرج بني قينقاع، بينما تحالفت الأوس مع بني قريظة. وأشهر الحروب التي وقعت بين الطرفين هي المعروفة بيوم سمير ويوم السرارة ويوم حاطب ويوم بعاث، وكان النصر فيها سجالًا بين الأوس والخزرج.
ويمتاز يوم سمير بكون أسبابه تعود إلى التنافس السياسي والاقتصادي بين القبيلتين، ذلك أن حليفًا لمالك بن العجلان زعيم الخزرج قد فاخر به أمام جمع من الناس في سوق بني قينقاع، وفضله على أهل يثرب جميعا١, فغافله رجل من الأوس يسمى "سمير" فقتله، فطالب مالك بن العجلان بديته، واختلف الطرفان في مقدار الدية أتكون دية الصريح كما زعم مالك، أم دية الحليف وهي نصف دية الصريح كما زعمت الأوس، وأصر الجانبان على موقفهما، فوقعت الحرب بينهما ولم تنته إلا بتحكيم المنذر النجاري الخزرجي جد حسان بن ثابت، أو ثابت بن المنذر والد حسان، بحسب رواية الأغاني، الذي قضى لمالك بن العجلان بدية الصريح إرضاء له، على أن يعود الأمر بعد ذلك إلى السنن المعروفة٢. ولما رفضت الأوس الإذعان لهذا التحكيم أخرج الحكم من ماله نصف الدية، وأرضى بذلك الطرفين المتنازعين. أما السبب الاقتصادي فسيرد شرحه في بحث أيام العرب.
وكان يوم بعاث٣، الذي حدث في السنة الخامسة قبل الهجرة، آخر وقائع هذه
стр. 276
الحروب، إذ أدرك رجال القبيلتين مغبة الحرب بينهما، واستفادة اليهود من نزاعهما المستمر؛ لاستعادة نفوذهم في يثرب وبسط سيطرتهم عليها، لا سيما أن العرب قد أدركوا ما كان من مكر اليهود وحيلهم، وما كانوا يحيكون من دسائس للوقيعة بين القبيلتين، فصاروا يطلقون عليهم تسمية "ثعالب".
لقد ألحقت الحرب في يوم بعاث بالقبيلتين أضرارًا جسيمة، إذ أصابت الزروع والممتلكات بأضرار جسيمة نتيجة القطع والتخريب والتحريق، وقتل عدد كبير من رجال القبيلتين بينهم وجهاء وزعماء بارزون، فاتجهت أفكار الطرفين إلى وضع حد للمآسي التي أضعفت العرب، وإحلال السلام والوئام في يثرب، لينصرف كل إنسان إلى عمله ويتذوق السكان راحة الهدوء والطمأنينة.
كان النصر في هذه الحرب للأوس وحلفائها من يهود بني النضير وبني قريظة. فلما أدركت تصميم حلفائها اليهود على التنكيل بالخزرج، وعلى تحطيمهم وإذلالهم، وخشيت أن ينفردوا بها بعد ذلك، آثرت أن تلتزم الاعتدال، فتكف عنهم وتتحاشى إفناءهم، وأن تكتفي بما حققته من قضاء على روح التسلط فيهم، إذ رأت أن جوارهم خير لها من جوار "الثعالب".
وعلى العموم فإن يوم بعاث قد أضعف جميع قبائل وبطون العرب في يثرب، فاشتد ميلهم إلى الاتحاد. واستجاب كل من الطرفين لداعي الوفاق، وكان أحد زعماء الخزرج وهو عبد الله بن أُبَيّ بن سلول قد وقف موقفا حياديا من الحرب، فاتجهت إليه الأنظار كي يكون واسطة للتجميع وحل النزاع١، واتفق الجميع على تتويجه ملكًا على المدينة، ولم يمنع من تحقيق ذلك سوى قدوم الرسول ﷺ إلى المدينة مهاجرا. فحقق من وحدة العرب جميعا ما عجز عنه العرب من قبل.
стр. 277
الطائف:
وهي ثالث مدينة مهمة في الحجاز، وكانت تسمى "وج" نسبةً إلى أحد رؤسائها من العمالقة كما يروى، ويزعم الرواة أنه أخو أجأ الذي سمي به جبل طيء. و"وج" هو واديها الذي يقول فيه الشاعر:
سقيًا لوج وجنوب وج ... واحتله غيث دراك الثج١
وتقع الطائف في مرتفع من الأرض على بعد ١٠٠كم تقريبًا "١٢ فرسخًا كما يقول ياقوت الحموي" إلى الجنوب الشرقي من مكة. وتتمتع بمناخ بارد شتاء، ربما تجمد المياه فيها خلاله، ومعتدل صيفًا مما جعلها مصيفًا لأهل مكة ولغيرهم من العرب، لا سيما وأنها واحة غنية بمياهها العذبة وتربتها الخصبة، وببساتينها وحدائقها التي تفيض بالفواكه والثمار.
يقول ياقوت الحموي: "الطائف ذات مزارع ونخل وأعناب وموز وسائر الفواكه، وبها مياه جارية وأودية تنصب منها إلى تبالة، وجل أهل الطائف من ثقيف وحمير وقوم من قريش، وهي على ظهر جبل غزوان، وبغزوان قبائل هذيل"٢. كما يقول: إن بيوتها لاطئة حرجة، وفي أكنافها كروم على جانب ذلك الجبل، فيها من العنب العذب ما لا يوجد مثله في بلد من البلدان، وأما زبيبها فيضرب به المثل، وفواكه أهل مكة منها، وكان للطائف عدا ذلك موقع تجاري ممتاز بوقوعها بالقرب من الأسواق التجارية الحجازية لا سيما سوق عكاظ. وكانت صلاتها متينة بأهل مكة الذين كان لهم فيها عقارات وأراضٍ زراعية، كما كان أثرياؤهم يوظفون أموالهم في تجارة أهلها.
وقد نالت الطائف من الغنى والازدهار؛ نتيجة اشتغال أهلها بالزراعة والتجارة، ما جعلها تضاهي مكة أهميةً حتى كان يقال لهما "المكتان" أو "القريتان". وفي القرآن الكريم إشارة إلى ذلك في قوله تعالى، منوهًا باستكبار المشركين أن يبعث محمد رسولًا، بينما في مكة والطائف من هم في زعمهم أكبر حظا منه: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى
стр. 278
رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم﴾ ١، ويقصدون بالرجل العظيم أحد اثنين: الوليد بن المغيرة من مكة، أو عروة بن مسعود الثقفي من الطائف.
وقد سكنت الطائف قبيلة ثقيف، التي أثرت من الزراعة والتجارة إثراءً عظيمًا، وخشيت على ثروتها من غزو الطامعين من الأعراب الذين يقيمون حولها، ويهددون بغزوها بين حين وآخر، فبنت -كما تقول الرواية- سورًا "طائفًا" حول المدينة يحميها من جميع جهاتها فسميت "الطائف". ولياقوت الحموي رواية أخرى عن هذه التسمية تقول: إن تاجرا كبيرا من حضرموت يقال له الدّمّون أتى أهلها ومعه مال كثير، فقال لهم: "أحالفكم لتزوجوني وأزوجكم، وأبني لكم طوفًا عليكم، مثل الحائط لا يصل إليكم أحد من العرب"٢.
стр. 279
الفصل التاسع: الحياة السياسية في البادية العربية
مدخل
...
الفصل التاسع: الحياة السياسية في البادية العربية
إذا اعتبرنا التنظيم السياسي بمثابة الدولة أو الحكومة التي تنبثق عن إرادة الشعب، لتحكم وفق ما يؤمن المصلحة العامة لمجموع الأمة، بواسطة مؤسسات تلتزم كل منها بالنظر في نوع معين من الاختصاص، فإننا لا نرى مثل ذلك التنظيم عند القبائل، التي كانت تعيش في بوادي شبه الجزيرة العربية. كل ما في الأمر، أن القبائل العربية كانت تتصور الدولة على أنها القبيلة، فتكرس ولاءها لها، ولا ولاء تكرسه لغير القبيلة. فالقبيلة هي الوحدة الاجتماعية التي تتقمص صفة الدولة، وتقوم بمهامها في البادية، لا دستور لها مكتوب، ولا قوانين مقننة، ولا نظم تشرعها مجالس، اللهم إلا تقاليد وأعراف متوارثة راسخة، فرضتها على الجميع طبيعة الحياة في البادية، فالتزم القوم بها التزامًا دقيقًا.
ويرتبط أفراد القبيلة برابطة تقوم على أساس وحدة الدم ووحدة الجماعة١، والإيمان بهذه الوحدة والتعصب لها هو ما يطلق عليه اسم "العصبية القبلية"، فالعصبية القبلية هي بمثابة الشعور القومي في عرف البدوي. وتتوسع هذه العصبية في الأحلاف، فتشمل القبائل والعشائر بالنسب أو بالجوار أو الداخلة في الحلف٢.
وباعتبار أن شبه الجزيرة كانت تضم عشرات من القبائل, لكل منها عصبيتها الخاصة، فإن مجتمعًا هذا شأنه لا يمكن أن تظهر فيه نزعة قومية شاملة، بالرغم من كون القبائل العربية كلها تعيش في محيط جغرافي واحد، وتجمع ما بينها تقاليد وعادات واحدة، وتدرك أنها تنتمي إلى قوم واحد، وجنس واحد، وتتكلم لغة واحدة تتعصب لها
стр. 280
وتصف ما سواها باللغات الأعجمية. وليس مرد فقدان النزعة القومية عند العرب آنذاك إلا لضعف الوعي السياسي في نفوسهم، وانحصاره في أفق ضيق محدود، لا تتجاوز حدوده حدود القبيلة.
ولم يكن لدى البدوي مفهوم الوطن الشامل، الذي يضم هذه الوحدات المتجانسة في تركيبها الاجتماعي، المتنافرة في علاقاتها السياسية. كل ما يفهمه أن الأرض التي تنزل فيها هي وطنه، فإذا تركها وانتقل إلى غيرها، أصبحت وطنًا لقبيلة جديدة تحل محل قبيلته فيها، ويصبح له وطن جديد في أرض جديدة تحتلها قبيلته، وكل ما هو خارج هذه الأرض هو بالنسبة إليه في حكم الأرض الأجنبية، وكل من ينتمي لغير قبيلته هو في حكم الأجنبي الغريب عنه، فوطن البدوي وطن متنقل يتبدل باستمرار.
على أن ضيق المعاش في أرض قاحلة كشبه جزيرة العرب، كان يدفع القبائل إلى البحث باستمرار عن الماء والكلأ، وإلى تنافس القبائل عليهما، فتقع الحروب والغارات بينها، وتضطرب شبه الجزيرة وتمور بمنازعات دامية لا نهاية لها، كل منها تقاتل وتحارب لتنتزع من غيرها ما تحت يدها من مراعٍ بقوة السيف، فيما يسمى "شريعة الغاب"١.
وقد فرضت ظروف الحرب الدائمة بين القبائل، وبحثها عن موارد الرزق الشحيحة، أن يكون للقبيلة زعيم ترتضيه لقيادتها وإدارة شئونها الحربية والاقتصادية، رجل يستطيع بسجاياه وكفاءته أن ينتزع الاعتراف بتقدمه وسيادته عن رضًا وطيب نفس، والحرب في الحقيقة خير مناسبة لظهور كفاءة الرجال وبروز الزعامة؛ لحاجة القوم إلى من يستطيع أن يسدد خطاهم نحو النصر.
كان لكل قبيلة رئيس يسمى شيخ القبيلة, وكي يتولى رئاستها لا بد من أن تتوفر فيه بعض الصفات المثلى الضرورية للمجتمعات القبلية، والتي يستطيع بها أن يحقق مصالح القبيلة وأن يسودها، كالشجاعة والغنى والكرم والحلم والعدل وكثرة الأنصار وسداد الرأي وكمال التجربة مع كبر السن على الغالب.
стр. 281
فباعتبار أن المجتمع مجتمع نزاع دائم وغزو مستمرّ، فالشجاعة والمواهب من أولى الصفات التي يجب أن تتوفر في الرئيس؛ لكي يستطيع أن يحقق النصر تلو النصر لقبيلته.
ثم هنالك الثروة والكرم، فهما خلتان ضروريتان في بيئة فقيرة، إذ لا بد للرئيس أن يكون على شيء كثير من الغنى، يستطيع معه الإنفاق عن سعة على أتباعه في أوقات الشدة والمجاعات. ولا تستقيم الرئاسة والغنى مع البخل، وإلا تعرض الرئيس للهجاء والمذمة وربما فكر القوم بالاستغناء عنه، كما يقول زهير بن أبي سلمى:
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يُستغنَ عنه ويُذممُ
والحنكة السياسية لا بد منها للرئيس؛ ذلك أن رؤساء القبائل هم رجال السياسة في دنيا البادية. ففي محيط القبيلة يتحتم على الرئيس أن يحافظ على وحدة قبيلته وتماسكها، فيراعي مكانة وجهاء قبيلته ورؤساء بطونها، ويظهر لهم الاحترام، ولا يمس شعورهم بشيء يكرهونه، لا سيما إذا كان فيهم من تدفعه قوة شخصيته، ومقدرته العقلية، وشجاعته إلى منافسة الرئيس، والطموح إلى الحلول مكانه. وعليه أيضا أن يداري إخوته وذوي قرباه، فغلطة واحدة قد تؤدي إلى حدوث شقاق في القبيلة، فتتصدع وحدتها، وتحترب بطونها، فتنفرط وتتبعثر. ولعل المسايرة وتغابي الرئيس والتظاهر أحيانا بقلة الإدراك، فيتغاضى عن بعض الهفوات التي تصدر عمن يحيطون به، قد تكسبه احترامهم ومحبتهم، كما يقول الشاعر:
ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي
وفي علاقاته مع القبائل الأخرى يتوجب عليه أن يكون حكيمًا لبقًا بعيدَ النظر، فرب هفوة واحدة تصدر منه تثير حربًا تتطاحن فيها عدة قبائل، أو تسبب كارثة لقبيلته، أو للحلف الذي يتزعمه١.
ولعل الحلم من الصفات التي تجعل الرئيس موضوع تقديس أكثر من غيرها، في مجتمع فرضت ظروفه على الأفراد طبعا حادا ومزاجا عصبيا، سرعان ما يلجئهم إلى الاحتكام لحد السيف عند أقل إثارة، فتقوم المنازعات الدموية لأتفه الأسباب. إن في
стр. 282
بيئة مثل هذه يسودها الطيش والرعونة لا بد أن يكون الرئيس على قسط وافر من الحلم والحكمة؛ ليستطيع السيطرة على جهالة الجهال.
وأخيرًا لا بد أن يكون الرئيس على قسط كبير من العدل؛ لكي يكون محترمًا من الجميع، باعتبار أنه -في كثير من الأحيان- يكون الحَكَم الذي يرجع القوم إليه في المنازعات١ التي تشجر بين أفراد القبيلة، ولكي يكون حكمه نافذًا على الجميع.
стр. 283
شكل الحكم:
أما كيفية ممارسة الشيخ لسلطاته, فيغلب عليها النهج الديمقراطي، ذلك أن الفرد في القبيلة له مكانة مرموقة، وليس شيئا تافها عديم الأهمية. بل قد يؤدي قتل فرد من أفرادها على يد فرد من قبيلة أخرى إلى حرب بين القبيلتين أخذًا بثأره؛ لأن أهمية القبيلة تكون بقوة أفرادها وكثرة عددهم.
ولذلك وجب على الرئيس ألا يمارس على أفراد قبيلته سلطة دكتاتورية مستبدة طاغية، بل وجب عليه أن يسود قبيلته بالتشاور مع رؤساء وزعماء بطونها وذوي الرأي والمشورة من أبنائها، بحيث يضمهم مجلس يسمى "مجلس القبيلة" الذي ينبغي عليه أن يجتمع كلما دعت الضرورة إلى اجتماعه. ومع ذلك يمكن القول: إنه كان للرئيس نفوذ كبير على قبيلته، إذ كانت كلمته مطاعة من الجميع, يتبعون رأيه فيوجههم أنَّى شاء، يقيمون بإقامته ويظعنون بظعنه، وإذا دعاهم للحرب لا يتأخرون.
وللرئيس حقوق أدبية: معنوية ومادية على أفراد قبيلته مثلما عليه واجبات نحوهم. فلقاء ما يبذل من جهود لتأمين مصالحهم وتدبير معاشهم ورفع مكانتهم، وجب عليهم -كما يقول ابن خلدون- أن يوقروه ويجلوه ويحترموه١، وأن يرضوا بما يخص به نفسه من
стр. 284
حصص في الغنائم التي تحصل عليها القبيلة في الغزوات والحروب، وأن تكون له منها حصة الأسد: يأخذ النشيطة "ما تصيبه في طريقها إلى الغزو" والصفية "ما يصطفيه لنفسه من الغنيمة" والمرباع "ربعها" والفضول "ما يفضل منها بعد قسمتها فيهم ولا يمكن تقسيمه، كالبعير الواحد أو الشاة الواحدة". وهو يعتبر ذلك كله حقًّا من حقوق رئاسته وسيادته للقبيلة، يعده لما يطرأ من النوائب، وما يتحمل من التبعات المالية١، فيفي بما يوجب عليه الكرم والجود من موجبات هي في أخلاق البادية فرض واجب على الزعيم والرئيس. وقد جمع أحد الشعراء ما يصيب رئيس القبيلة من الغنيمة في بيت واحد من الشعر:
لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول
وعلى الرغم من أن تولي الرئاسة يكون قائما على مبدأ الانتخاب، لكنه ليس انتخابا بالمعنى الذي نفهمه اليوم، بل هو أشبه بالاختيار التلقائي، إذ يفرض الرئيس نفسه على قبيلته بما وهب من صفات ذكرناها. ومع أن الحكم في القبيلة وراثي، ينتقل في الغالب إلى أكبر أبناء الرئيس، فإنه كثيرًا ما يتعين على الابن أن يحقق هذه الزعامة لنفسه بأن يقيم الدليل٢ -مستقلا- على شدة بأسه وقوة مراسه، ولا يتنكر في سلوكه للصفات التي يجب أن تتوفر لرئيس القبيلة حتى يسودها ويدير شئونها، كما يفصح عن ذلك عامر بن الطفيل أحد زعماء القبائل في الجاهلية٣:
وإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفي السر منها والصريح المهذب
فما سودتني عامر عن وارثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمقنب٤
стр. 285
غير أنه لا بد للقبيلة، ممثلةً بمجلس زعمائها، أن ترضى غالبًا بابن رئيسها الراحل، زعيمًا وشيخًا للقبيلة. يقول ابن خلدون: إنه من النادر أن تستمر رئاسة القبيلة في أكثر من أربعة آباء في العقب الواحد. ويعلل ذلك بأن الفضائل التي يتحلى بها الرئيس الأول، والتي تخوله السيادة والسيطرة، لا تلبث أن تنحل رويدا رويدا كلما تولى واحد من أعقابه المتتالين، إلى أن تضمحل تلك الفضائل في السيد الرابع، فتحتقر القبيلة شأنه، وتستبدل به سواه من تلك القبيلة١. غير أن ما يذكره ابن خلدون لا يمكن أن يعتبر قاعدة، فقد يأتي من أبناء وأحفاد الرئيس من هم أقدر وأجدر بالحكم من أبيهم أو جدهم.
وقد تمتد سلطة الرئيس إلى قبائل أخرى يجمعها تحت لوائه بالحلف أو الجوار؛ فتزداد قوته ويتسع نفوذه، وقد يكون العكس فتنقسم قبيلته بعد موته، فيتولى كل ولد من أولاده بطنًا من بطونها.
وللأحلاف التي انعقدت بين مختلف القبائل العربية قبل الإسلام أهميتها، من حيث كونها بداية تجمع، قد استُغل مرارًا لتشكيل عدد من الدول "دولة الحيرة، دولة كندة" ذلك أن القبائل العربية قد شعرت بضرر العزلة وخطورتها، وأدركت ألا سبيل إلى أن تحافظ قبيلة ما على كيانها إن بقيت في عزلة عن غيرها، بل هي بحاجة إلى التضافر والتناصر مع القبائل التي تمتُّ إليها بصلة النسب أو الجوار أو المصلحة المشتركة.