فباعتبار أن المجتمع مجتمع نزاع دائم وغزو مستمرّ، فالشجاعة والمواهب من أولى الصفات التي يجب أن تتوفر في الرئيس؛ لكي يستطيع أن يحقق النصر تلو النصر لقبيلته.
ثم هنالك الثروة والكرم، فهما خلتان ضروريتان في بيئة فقيرة، إذ لا بد للرئيس أن يكون على شيء كثير من الغنى، يستطيع معه الإنفاق عن سعة على أتباعه في أوقات الشدة والمجاعات. ولا تستقيم الرئاسة والغنى مع البخل، وإلا تعرض الرئيس للهجاء والمذمة وربما فكر القوم بالاستغناء عنه، كما يقول زهير بن أبي سلمى:
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يُستغنَ عنه ويُذممُ
والحنكة السياسية لا بد منها للرئيس؛ ذلك أن رؤساء القبائل هم رجال السياسة في دنيا البادية. ففي محيط القبيلة يتحتم على الرئيس أن يحافظ على وحدة قبيلته وتماسكها، فيراعي مكانة وجهاء قبيلته ورؤساء بطونها، ويظهر لهم الاحترام، ولا يمس شعورهم بشيء يكرهونه، لا سيما إذا كان فيهم من تدفعه قوة شخصيته، ومقدرته العقلية، وشجاعته إلى منافسة الرئيس، والطموح إلى الحلول مكانه. وعليه أيضا أن يداري إخوته وذوي قرباه، فغلطة واحدة قد تؤدي إلى حدوث شقاق في القبيلة، فتتصدع وحدتها، وتحترب بطونها، فتنفرط وتتبعثر. ولعل المسايرة وتغابي الرئيس والتظاهر أحيانا بقلة الإدراك، فيتغاضى عن بعض الهفوات التي تصدر عمن يحيطون به، قد تكسبه احترامهم ومحبتهم، كما يقول الشاعر:
ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي
وفي علاقاته مع القبائل الأخرى يتوجب عليه أن يكون حكيمًا لبقًا بعيدَ النظر، فرب هفوة واحدة تصدر منه تثير حربًا تتطاحن فيها عدة قبائل، أو تسبب كارثة لقبيلته، أو للحلف الذي يتزعمه١.
ولعل الحلم من الصفات التي تجعل الرئيس موضوع تقديس أكثر من غيرها، في مجتمع فرضت ظروفه على الأفراد طبعا حادا ومزاجا عصبيا، سرعان ما يلجئهم إلى الاحتكام لحد السيف عند أقل إثارة، فتقوم المنازعات الدموية لأتفه الأسباب. إن في
стр. 282
بيئة مثل هذه يسودها الطيش والرعونة لا بد أن يكون الرئيس على قسط وافر من الحلم والحكمة؛ ليستطيع السيطرة على جهالة الجهال.
وأخيرًا لا بد أن يكون الرئيس على قسط كبير من العدل؛ لكي يكون محترمًا من الجميع، باعتبار أنه -في كثير من الأحيان- يكون الحَكَم الذي يرجع القوم إليه في المنازعات١ التي تشجر بين أفراد القبيلة، ولكي يكون حكمه نافذًا على الجميع.
стр. 283
شكل الحكم:
أما كيفية ممارسة الشيخ لسلطاته, فيغلب عليها النهج الديمقراطي، ذلك أن الفرد في القبيلة له مكانة مرموقة، وليس شيئا تافها عديم الأهمية. بل قد يؤدي قتل فرد من أفرادها على يد فرد من قبيلة أخرى إلى حرب بين القبيلتين أخذًا بثأره؛ لأن أهمية القبيلة تكون بقوة أفرادها وكثرة عددهم.
ولذلك وجب على الرئيس ألا يمارس على أفراد قبيلته سلطة دكتاتورية مستبدة طاغية، بل وجب عليه أن يسود قبيلته بالتشاور مع رؤساء وزعماء بطونها وذوي الرأي والمشورة من أبنائها، بحيث يضمهم مجلس يسمى "مجلس القبيلة" الذي ينبغي عليه أن يجتمع كلما دعت الضرورة إلى اجتماعه. ومع ذلك يمكن القول: إنه كان للرئيس نفوذ كبير على قبيلته، إذ كانت كلمته مطاعة من الجميع, يتبعون رأيه فيوجههم أنَّى شاء، يقيمون بإقامته ويظعنون بظعنه، وإذا دعاهم للحرب لا يتأخرون.
وللرئيس حقوق أدبية: معنوية ومادية على أفراد قبيلته مثلما عليه واجبات نحوهم. فلقاء ما يبذل من جهود لتأمين مصالحهم وتدبير معاشهم ورفع مكانتهم، وجب عليهم -كما يقول ابن خلدون- أن يوقروه ويجلوه ويحترموه١، وأن يرضوا بما يخص به نفسه من
стр. 284
حصص في الغنائم التي تحصل عليها القبيلة في الغزوات والحروب، وأن تكون له منها حصة الأسد: يأخذ النشيطة "ما تصيبه في طريقها إلى الغزو" والصفية "ما يصطفيه لنفسه من الغنيمة" والمرباع "ربعها" والفضول "ما يفضل منها بعد قسمتها فيهم ولا يمكن تقسيمه، كالبعير الواحد أو الشاة الواحدة". وهو يعتبر ذلك كله حقًّا من حقوق رئاسته وسيادته للقبيلة، يعده لما يطرأ من النوائب، وما يتحمل من التبعات المالية١، فيفي بما يوجب عليه الكرم والجود من موجبات هي في أخلاق البادية فرض واجب على الزعيم والرئيس. وقد جمع أحد الشعراء ما يصيب رئيس القبيلة من الغنيمة في بيت واحد من الشعر:
لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول
وعلى الرغم من أن تولي الرئاسة يكون قائما على مبدأ الانتخاب، لكنه ليس انتخابا بالمعنى الذي نفهمه اليوم، بل هو أشبه بالاختيار التلقائي، إذ يفرض الرئيس نفسه على قبيلته بما وهب من صفات ذكرناها. ومع أن الحكم في القبيلة وراثي، ينتقل في الغالب إلى أكبر أبناء الرئيس، فإنه كثيرًا ما يتعين على الابن أن يحقق هذه الزعامة لنفسه بأن يقيم الدليل٢ -مستقلا- على شدة بأسه وقوة مراسه، ولا يتنكر في سلوكه للصفات التي يجب أن تتوفر لرئيس القبيلة حتى يسودها ويدير شئونها، كما يفصح عن ذلك عامر بن الطفيل أحد زعماء القبائل في الجاهلية٣:
وإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفي السر منها والصريح المهذب
فما سودتني عامر عن وارثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمقنب٤
стр. 285
غير أنه لا بد للقبيلة، ممثلةً بمجلس زعمائها، أن ترضى غالبًا بابن رئيسها الراحل، زعيمًا وشيخًا للقبيلة. يقول ابن خلدون: إنه من النادر أن تستمر رئاسة القبيلة في أكثر من أربعة آباء في العقب الواحد. ويعلل ذلك بأن الفضائل التي يتحلى بها الرئيس الأول، والتي تخوله السيادة والسيطرة، لا تلبث أن تنحل رويدا رويدا كلما تولى واحد من أعقابه المتتالين، إلى أن تضمحل تلك الفضائل في السيد الرابع، فتحتقر القبيلة شأنه، وتستبدل به سواه من تلك القبيلة١. غير أن ما يذكره ابن خلدون لا يمكن أن يعتبر قاعدة، فقد يأتي من أبناء وأحفاد الرئيس من هم أقدر وأجدر بالحكم من أبيهم أو جدهم.
وقد تمتد سلطة الرئيس إلى قبائل أخرى يجمعها تحت لوائه بالحلف أو الجوار؛ فتزداد قوته ويتسع نفوذه، وقد يكون العكس فتنقسم قبيلته بعد موته، فيتولى كل ولد من أولاده بطنًا من بطونها.
وللأحلاف التي انعقدت بين مختلف القبائل العربية قبل الإسلام أهميتها، من حيث كونها بداية تجمع، قد استُغل مرارًا لتشكيل عدد من الدول "دولة الحيرة، دولة كندة" ذلك أن القبائل العربية قد شعرت بضرر العزلة وخطورتها، وأدركت ألا سبيل إلى أن تحافظ قبيلة ما على كيانها إن بقيت في عزلة عن غيرها، بل هي بحاجة إلى التضافر والتناصر مع القبائل التي تمتُّ إليها بصلة النسب أو الجوار أو المصلحة المشتركة.
стр. 286
الأحلاف
مدخل
...
الأحلاف:
ففي جو التنازع والاحتراب الذي كان سائدًا، بحيث كان القوي يستهين بالضعيف،
стр. 287
ويهاجمه ويغنم منه ويسبي نساءه، كان لا بد أن تلجأ القبائل الصغيرة المستضعفة للانضمام بالتحالف إلى القبائل الكبيرة، التي تبحث بدورها عن حلفاء تقوى بهم -مهما صغر شأنهم- ضد خصومها الأقوياء. وقد يقوم التحالف وإبرام المواثيق بين القبائل المختلفة؛ لصيانة المصالح المشتركة أو لمراعاة الهدوء والسلام بين المتجاورين، أشبه شيء بما يعقد من معاهدات سياسية بين شتى الدول الحديثة.
وبمجرد أن تدخل القبيلة في حلف مع قبيلة أو قبائل أخرى، يصبح لها على حلفائها كل الحقوق والواجبات التي تربط أفراد القبيلة الواحدة بعضهم ببعض، إذ يكون عليهم أن ينصروها على أعدائها، وأن يلبوا دعوتها إذا استنجدت بهم ضد اعتداء وقع عليها، ويكون عليها أن تقوم بالواجبات نفسها تجاه حلفائها. وينشأ بذلك عصبية بين القبائل المتحالفة، تدفعها إلى التضامن في الحروب والتعاون في تبعات الدماء١.
وقد يطول عهد الحلف بين قبيلتين أو يقصر، بحسب دوام المصلحة التي دعت إلى عقده، ويكون للقبيلة الأكبر والأقوى حق زعامة الحلف. وربما ينفرط الحلف بسبب نكول أحد الأطراف عن تنفيذ الشروط المتفق عليها. وربما دام الحلف زمنًا طويلًا بحيث تندمج القبيلتان المتحالفتان في نسب واحد مع الزمن, ويضرب مثلا على ذلك الاندماج الذي تم بين القبائل المختلفة -من مضرية ومعدية ويمنية- التي تجمعت في البحرين، ثم تحالفت وتعاقدت على التناصر والتآزر، واندمجت بمرور الزمن اندماجا تاما، واتخذت اسم "تنوخ"٢. وكما يجري التحالف بين قبائل عديدة فتتكتل وتندمج، كذلك تتعرض بعض القبائل الأخرى إلى التفكك الداخلي، إذ تتناحر بطونها المختلفة، وتتحالف بعضها على بعضها الآخر فتنقسم، وتنفرط وحدتها.
لقد بلغ الإقبال في شبه الجزيرة العربية، قبيل الإسلام، على عقد الأحلاف لدرجة أن معظم القبائل كانت متحالفة مع بعضها، ولم يبق خارج نطاق التحالف سوى القلة منها. ويطلق العرب على القبيلة التي لا ترتبط بحلف مع غيرها اسم "الجمرة" إذ تشعر أنها قادرة بمفردها على قتال من يقاتلها من القبائل وتفتخر بذلك. وقد عرف بعضهم
стр. 288
القبائل التي لم تتحالف مع غيرها، بأنها التي تتكون من ثلاثمائة فارس أو ألف فارس, أما إذا تحالفت مع غيرها فإنها تكون قد انطفأت١. ومما روي عن القبائل التي قالوا: إنها الجمرات كونها لم تقوَ على الصمود بمفردها في الحروب، فاضطرت إلى طلب المساعدة من القبائل الأخرى، وتحالفت معها فانطفأت٢.
стр. 289
طقوس الأحلاف:
عرف العرب بالوفاء والالتزام بالمواثيق. وكان من شدة حرصهم على الوفاء بعهود التحالف أن اتبعوا طقوسًا يقومون بها عندما يعقدونها، والغرض منها أن يحيطوها بجو من القدسية والرهبة، من شأنه أن يلزم المرتبطين بها إلزامًا شديدًا ودقيقًا.
من هذه الطقوس أن يحضروا طستًا من المسك، يغمسون أيديهم فيه، ويمسحون بها جدران الكعبة، كما جرى بالنسبة لحلف المطيبين وهو حلف بني عبد مناف ضد بني عبد الدار عندما اختلفوا على الوظائف التي خلفها جدهم قصي، بينما أتى خصومهم بنو عبد الدار بطست من الدم غمسوا أيديهم فيه، ومسحوا بها جدران الكعبة.
أو كأن يأخذ الطرفان المتحالفان مقدارا من ماء زمزم، يغسلون به أركان الكعبة، ثم يجمعونه في جفنة ويشرب منه الطرفان، كما جرى في حلف الفضول بين قريش وزهرة وتيم. أو كأن يوقدوا نارًا يدعون بالحرمان من خيرها لمن ينقض الحلف، ويتلفظون بعبارات١ يعتقدون أن من شأنها أن تزيد الحلف قوة وثباتا. وقد يلقي فيها سدنة النار ملحا وكبريتا، حتى إذا استشاط وفرقع، هددوا المتحالفين، وهولوا عليهم بقولهم: إن النار تهددكم إن نقض أحدكم الحلف، فإن كان يضمر الغدر نكل عن التحالف، وإن كان مخلصًا أبرمه.
وقد ذكر "هيرودوت" طريقة للتحالف يقول فيها: إن شخصًا ثالثًا يقف بين
стр. 290
الطرفين المتحالفين؛ ليجري مراسيم عقد الحلف، فيأخذ حجرًا له حرف حاد كالسكين، يجرح به راحتي الرجلين قرب الأصبع الوسطى، ثم يأخذ قطعة من ملابسهما فيغمسها في دمهما، ويلطخ بها سبعة أحجار، يحمل المتحالفان بعضها إلى قومهما، وهو في أثناء ذلك يتلو أدعية للأصنام، حتى إذا انتهت مراسيم الحلف، قاد الحليف حليفه إلى أهله وعشيرته؛ لإخبارهم بذلك وللإعلان عنه، فيصبح الحليف بذلك أخًا لحليفه، أمرهما واحد في الوفاء، كما كانوا يعتقدون.
كما كان من طقوس قريش عند عقد الأحلاف، أن يأخذ الحليف حليفه إلى الكعبة، وبعد إجراء بعض المراسيم يطوفان حول الأصنام لإشهادها على ذلك، ثم يعودان إلى قريش لإشهادها وإشهاد من يكون حاضرًا في الكعبة، على صحة الحلف وقبول الحليف محالفة حليفه، حيث يصبح له ما له، وعليه ما عليه.
وفي الأحلاف المهمة والمواثيق الخطيرة، كان القرشيون يؤكدون على العهود والمواثيق تأكيدا شديدا، وذلك بأن يكتبوا ما اتفقوا وتعاهدوا عليه في صحيفة١، يشهد عليها رؤساؤهم وسادتهم من الطرفين، ومن أناس آخرين محايدين، ثم يعلقون الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا لها وتشديدًا للميثاق، كالذي كان من تآمر قريش على مقاطعة بني هاشم قبل هجرة الرسول إلى المدينة المنورة٢.
стр. 291
الفصل العاشر: أيام العرب في الجاهلية
مدخل
...
الفصل العاشر: أيام العرب في الجاهلية
يقصد بأيام العرب تلك الحروب والوقائع التي نشبت بين القبائل العربية في المجتمع الجاهلي الذي كان يضطرم بالمنازعات. وتعتبر هذه الأيام بما اشتملت عليه من أحداث ومناسبات توضح أسباب ودواعي ما وقع بين مختلف القبائل الجنوبية "القحطانية" أو بين شتى القبائل الشمالية "العدنانية" أو ما وقع بين القحطانية والعدنانية، أو بين العرب عامة وبين الأقوام غير العربية، كالفرس والروم والبيزنطيين من حروب مصدرًا من مصادر التأريخ للعلاقات التي كانت سائدة بين القبائل العربية. كما أنها بما روي في أثنائها من مأثور الكلام ورائع النثر وحماسي الشعر، وبما اشتملت عليه من طريف القصص، وما تخللها من بيان للطبائع والتقاليد البدوية، تعتبر ينبوعًا من ينابيع الأدب، وبابًا كبيرًا من أبوابه، ومرآة تعكس أحوال العرب وعقليتهم، وعاداتهم وتقاليدهم في الحرب١ والسلم والأسر والفداء، كما تنبئ بفضائلهم وشيمهم التي فطروا عليها، كالشهامة والوفاء بالعهد وحماية الجار والانتصار للقبيلة والصدق والصبر في القتال٢.
وتختلف أهمية هذه الأيام باختلاف حدتها وشمولها ومدتها. فقد يقتصر بعضها على مناوشات بسيطة يذهب ضحيتها بضعة أشخاص, وقد تحتدم احتداما شديدا فيربو عدد ضحاياها على المئات, وقد تشترك فيها عدة قبائل متحالفة في كل جانب، أو قد تقتصر على قبيلتين تتقاتلان، وقد تدوم مدة طويلة تصل أحيانا إلى أربعين سنة، تكون فيها
стр. 292
الوقائع متقاربة أو متباعدة, يفصل بين الواحدة والأخرى سنون عديدة، إذ تثار حينما تتجدد المناسبات أو قد لا تدوم سوى أيام أو أسابيع قليلة. إنما تغلب عليها بوجه عام صفة الغزوات السريعة الخاطفة في أغلب الأحيان، وتنتهي عادة بصلح يتفق فيه الجانبان على دفع ديات القتلى، وحل المشكلات التي سببت الحرب. وغالبا ما تثابر القبيلة المنتصرة على الفخر بفعال أبطالها في الحرب، مما يثير القتال بين الطرفين من جديد، بسبب جواب أو رد فعل عنيف قد يصدر من سفيه عابث لا يرضيه سماع ذلك الفخر، أو من القبيلة المغلوبة التي يعز عليها أو على أفرادها أن يسمعوا ذلك الكلام١. وكان العرب يحفظون أخبار هذه الأيام، ويفتخرون بالنصر الذي أحرزوه فيها، أو يتحينون الفرصة السانحة للأخذ بثأر الهزائم التي لحقتهم فيها.
لقد ألَّفت مادة هذه الأيام القسط الأكبر من المعلومات التي ذكرها الأخباريون في تأريخهم للعهد الجاهلي، استنادًا إلى ما تناقله الناس من قصص سمعوه ممن شهدوها، فحفظوه في صدورهم إلى أن كان عهد التدوين فدُوِّن. وقد أحب الناس هذه المادة، وتناولها بلذة وشوق، سواء في الجاهلية أو في الإسلام، وكانت موضوع سمرهم في هذين العهدين. وهي مادة عربية خالصة، تخللها شعر قيل في تلك المناسبات الدامية, وهو وإن كان من باب الفخر والحماسة، وتضمن صورًا شتى من هجاء الخصم والانتقاص منه، مما لا يخول المؤرخ الحديث أن يستنتج منه مادة تاريخية يثق بصحتها تمام الثقة؛ لما تخلله دون شك، من مبالغات هي من جانب الحليف أو القريب أكثر مما هي في جانب الخصوم والأعداء، إلا أن فضله لا ينكر في كونه العامل الأكبر في حفظ تلك الأخبار وصيانتها من النسيان، ذلك أن الشعر أدعى للحفظ عند العربي من النثر، وأن الراوي والسامع يضطر في العادة إلى البحث عن المناسبة التي قيل فيها ذلك الشعر، فيطلع على الحوادث ويحفظها. فعلى هذه المادة كان اعتماد المؤرخين القدامى في التأريخ للتطورات السياسية التي حدثت قبيل الإسلام، وقد وصلت إلينا في كتب المؤرخين العرب، تلك التي صنفت بعد قرنين من الهجرة، وهي المصادر الوحيدة التي تحدثنا عنها.
لكن هذه الأيام غير مبوبة، وغير منسقة على حسب ترتيب وقوعها، ولا حسب
стр. 293
ترتيب حوادثها، وعددها عظيم من الصعب حصره، وقد روي أن بعض المؤرخين القدامى قد ألفوا فيها كتبًا خاصة, بعضها تضمن ٧٥٠ يومًا أو ١٢٠٠ يوم، وأن أبا الفرج الأصبهاني ألف كتابًا جمع فيه ١٧٠٠ يوم منها، لكن ما صنف من هذه الكتب لم يصلنا١. والأيام التي وصلت أخبارها إلينا قد حدثت في الجاهلية القريبة من الإسلام، في مدى قصير من الزمن، وفي الفترة الواقعة -على التقريب- ما بين عام ١٥٠ قبل الإسلام وبين بزوغ فجره٢.
أما أسباب تلك الحروب فأحيانا ما تكون تافهة، مثال أن تنشب حرب تدوم أربعين سنة بين عبس وذبيان بسبب سباق خيل، أو تنشب حرب كأحد أيام الفجار بسبب تحقير رجل لآخر لم يؤد ما عليه من دين له في ذمته، أو كأن تنشب أخرى من هذه الحروب بسبب جهالة من رجل يفتخر بقومه قائلًا: من كان يعرف نفسه أعز قبيلًا مني فليضرب هذه الرِّجْل بسيفه، ويمد رجله فيضربها رجل من قبيلة أخرى فيقطعها، وتقع الحرب بين القبيلتين, غير أنها لم تكن تنشب دوما لأسباب تافهة، بل ترجع في أحيان أخرى إلى أسباب اقتصادية، كحرب البسوس، أو كحرب الأوس والخزرج في المدينة، وكانت سياسية اقتصادية، أو قد تكون لبواعث أجنبية ناشئة عن النفوذ البيزنطي والفارسي. وبعض الأسباب ترجع إلى عسف الحكام بالقبائل الضعيفة التابعة لهم؛ بسبب الإتاوة التي كانوا يلحفون في جمعها وفي الحصول عليها، بقطع النظر عن الظروف والأوقات، كتلك الأيام التي حدثت بين العدنانية والقحطانية، والتي غلب عليها طابع التخلص من سيطرة اليمن ومن نفوذها على القبائل المعدية. وتكاد روايات الأخباريين تجمع على أن الحكم في عرب الشمال كان للتبابعة، سواء كان حكما مباشرا أو بالواسطة، أي: بتدخلهم في اختيار الرؤساء والمشايخ وتعيينهم على تلك القبائل. ومن أسباب الحروب نزاع القبائل على الماء والمرعى، أو للأخذ بثأر أو غير ذلك من أسباب، كمحاولة التخلص من حكم قبيلة أخرى بظهور شخصية قوية فيها، أو أمثال ذلك من أسباب٣.
стр. 294
وأما نتائج تلك الحروب فلا تختلف عن النتائج التي تنشأ عادة عن مثيلاتها من الحروب، كاستحكام الضعف في القبائل العربية، وإشاعة الفرقة فيما بينها، واستمرار تفكك العرب وإمعان الدول الأجنبية في التحكم بهم، وفرض نفوذها الاستعماري على أغلب مناطقهم القريبة منها، كالحيرة وجنوبي العراق، وحوران وجنوبي سورية، ومنطقة الخليج العربي وحتى اليمن البعيدة عنها.
على أن تلك الأيام وإن تكن دليلًا على عدم الشعور بالأمة الواحدة، بل بعصبية القبيلة، إلا أننا إذا نظرنا إليها من زاوية أخرى، ولم نسقط من حسابنا اقترانها بحركة التحالف النشيطة التي رافقت هذه الحروب الكثيفة، فإنه يكون من الظلم أن يتهم العرب بالفردية، والمجتمع العربي بالجمود والتشتت. فالواقع أن القبائل العربية كانت متصلة متداخلة، متحركة تمور بالحيوية. فلقد كان ثمة حركة نشيطة بين القبائل، فهي تلتقي وتتباعد، وتارة تفرقها الحروب والغارات والعداوات، وطورًا يؤلف بينها الحلف والجوار، ولم تكن الحروب الضارية التي كانت تنشب فيما بينها، إلا دليلا على مزيد من القوة الكامنة في نفوسها، ومن الحيوية والنشاط. ولقد أخذت حركة التحالف في الازدياد والاتساع قبيل ظهور الإسلام، وراحت القبائل تتكتل في مجامع كبيرة، وتضطرم شبه الجزيرة بحروب عنيفة بين أطراف متكتلة في أحلاف واسعة، يحاول كل من متزعميها فرض سيطرته ونفوذه على ما يجاوره من وحدات وابتلاعها، مما يدل على عدم استطاعة القبيلة العربية أن تعيش في مجالها الضيق, فهي بحاجة إلى من تؤاخيه من القبائل الأخرى، وتربط مصيرها بمصيره، والواقع أن هذا الاندفاع نحو التحالف والتجمع، قد ساير النهضة العربية التي بدت ملامحها على المجتمع العربي الجاهلي١ قبيل الإسلام، وتناولت شتى مظاهر حياته، إذ شملت السياسة والدين والفكر، فكانت تمهيدًا لظهور الإسلام ونهضته الرائعة الشاملة.
وبعد: أكرر ما أسلفت بأن هذه الأيام لا يمكن تصنيفها تصنيفًا يراعي تسلسل وقوعها زمنيا، إنما يمكن أن نعطي كشفًا عن أهمها بحسب الفئات التي اشتركت فيها. فنبدأ بما وقع منها بين مختلف قبائل القحطانية:
стр. 295
حروب القحطانية فيما بينها
مدخل
...
١- حروب القحطانية فيما بينها:
من هذه الحروب ما جرى بين الأوس والخزرج في يثرب, وقد أعطيت لمحة عنها في البحث الذي تحدثت فيه عن مدينة يثرب. وقد ذكرت أن الأسباب التي دعت إلى قيام الحرب بين القبيلتين العربيتين كانت سياسية واقتصادية، إذ كان لزعيم الخزرج مالك بن العجلان الفضل في انتصار عرب المدينة على اليهود، فأصبح له الذكر والشرف كما يقول صاحب الأغاني١، وتسنمت الخزرج مركز الصدارة في المدينة. ولما كانت الأوس قد وضعت يدها على أراضٍ أكثر خصبًا وغنًى من الأراضي التي احتلتها الخزرج، وأصبحت تسيطر على الوضع الاقتصادي ليثرب، لم تقبل أن تكون للخزرج هذه المنزلة دونها، وساءها أن يفتخر حليف للخزرج عليها، كما رأينا سابقا؛ فكان أن قتله رجل من الأوس، فوقعت معركة "سمير" بين القبيلتين.
وكان لليهود اليد الطولى في الدس والوقيعة بين القبيلتين العربيتين؛ لما حل بهم من خذلان أمام العرب. وقد حدثت بعد يوم سمير وقائع عديدة ذكرها المؤرخون٢، منها أيام: حاطب وسرارة وفازع والربيع والبقيع والفجاران الأول والثاني وكعب وبعاث. وأما نتيجة التحكيم الذي جرى في أعقاب يوم "سمير" والذي قضى بأن تُدفع لمالك بن العجلان، عن حليفه الذي قتله سمير الأوسي، دية الصريح٣، وإن كانت قد أرضت كلًّا من الأوس والخزرج، غير أن البغضاء والعداوة قد تمكنت في نفوس أبناء القبيلتين، فتجددت الحروب لأسباب مباشرة مختلفة بينهما في الأيام التالية التي دامت مائة سنة تقريبا وكان آخرها:
стр. 296
يوم بعاث:
الذي حدث قبل الهجرة بخمس سنوات، وكان سببه المباشر أن الأوس رأت بعد الأيام الطويلة السابقة أنها أضعف من الخزرج التي كانت لها الغلبة في معظمها، وأنها لم
стр. 297
تعد قادرة على الصمود أمام الخزرج التي اتجهت نيتها إلى الاستيلاء على ما في يد الأوس من أراض خصبة، فحاولت التحالف مع بني قريظة وبني النضير، فلم يكن من الخزرج إلا أن هددت القبيلتين اليهوديتين بالحرب إن هما استجابتا للأوس، فلم تلبثا أن أعلمتا الخزرج بوقوفهما على الحياد. لكن الخزرج لم تقنع بذلك بل طالبتهما برهائن تضمن عدم تحالفهما مع الأوس، فدفعتا إليها بأربعين غلاما وزعتهم في بيوت زعمائها١، ولما يئست الأوس من ضمان أسباب النصر، أوفدت إلى مكة وفدا في محاولة منها لاستعداء قريش على الخزرج، فلم يستجب القرشيون إلى طلبها حرصا على عدم التدخل في أمور من شأنها أن تمس سلامة علاقاتها التجارية مع الجوار.
غير أن الخزرج قد أقدمت على تصرف أهوج، عندما أسفر أحد زعمائها عن نيته في الاستيلاء على ما في أيدي قريظة والنضير من أراضٍ ودور، وأنذرهم بتسليمها أو قتل غلمانهم٢، فأعطى بذلك المجال إلى تحالف تم بين القبيلتين اليهوديتين وبين الأوس، وبدأت حرب بين الطرفين، وأقدم زعماء الخزرج -عدا عبد الله بن أبي بن سلول- على قتل الرهائن اليهود. وحشد كل من الطرفين حلفاءهما من داخل المدينة ومن خارجها، إذ راسلت الأوس حلفاءها من بني مزينة، بينما رأت الخزرج أن تراسل حلفاءها من بني أشجع وبني جهينة، وانضم إليها بنو قينقاع من اليهود.
كانت الغلبة في اليوم الأول من القتال للخزرج، إنما لم يلبث الأوس أن مالوا على خصومهم يقتلونهم ويحرقون منازلهم ونخيلهم، بينما كان اليهود ينكلون بهم تنكيلا
стр. 298
شديدًا، ويمعنون في الفتك بهم وفي نهبهم وإذلالهم. وكان فيما سبق وذكرته في البحث عن يثرب من اعتدال الأوس وعدم الإمعان في إذلال الخزرج١, وتفضيل جوارهم على جوار "الثعالب" الذين أظهروا عزمهم على القضاء عليهم؛ لينفردوا بعد ذلك بالأوس، ثم مال الطرفان إلى الصلح, وبرزت شخصية عبد الله بن أبي بن سلول٢ الذي اختير ليكون ملكًا على يثرب، وكاد أن يتم له ذلك، لولا قدوم الرسول ﷺ والمسلمين مهاجرين إلى المدينة.
стр. 299
حروب القحطانية والعدنانية
مدخل
...
حروب القحطانية والعدنانية:
إن من أهم الحروب التي وقعت بين القحطانية والعدنانية:
стр. 300
يوم البيضاء:
وهو من الأيام القديمة, وسببه أن القبائل العدنانية قد امتعضت من قدوم القبائل القحطانية من الجنوب إلى الشمال، ومنافستها على الماء والمرعى. فلما جاءت قبيلة "مذحج" القحطانية من اليمن، وقصدت متسعا من الأرض في سهل تهامة، الذي اعتبر في عرف الأخباريين موطنا لقبائل معد من قديم الزمن، اصطدمت بهذه القبائل، فبرزت لها قبيلة عدوان وزعيمها يومئذ عامر بن الظرب العدواني، الذي اجتمعت قبائل معد بأسرها تحت لوائه، فهاجم القبيلة اليمنية القادمة وهزمها في موقع "البيضاء".
والأخباريون يعدون عامر بن الظرب من حكام العرب القدماء المبرزين، يأتيه الناس ليحكم بينهم، وصارت أحكامه سنة يتبعونها، وقد عرف بعقله وحكمته، وكون أقواله قد جعلت مضربًا للأمثال، وقيل: إنه أول من قال بتحريم الخمر قبل الإسلام. ويقول الأخباريون: إن يوم "البيضاء" هو أول يوم اجتمعت فيه سائر قبائل معد تحت
стр. 301
راية واحدة، ثم اجتمعت بعدئذ مرتين: المرة الأولى تحت راية ربيعة بن الحارث، والمرة الثانية تحت راية كليب بن ربيعة١.
стр. 302
القبائل المعدية وزهير بن جناب الكلبي ممثل اليمينة
مدخل
...
القبائل المعدية وزهير بن جناب الكلبي ممثل اليمنية:
وقد درج رؤساء معد بعد ذلك على خطة الخروج على طاعة حكام اليمن، أو من عينه هؤلاء الحكام عليهم، إذ ملت قبائل معد التبعية للجنوب، فثارت على ممثليه في الشمال.
كانت قبائل الشمال المعدية متفرقة، لا تكف عن الخصام والانقسام، مما دفع القبائل الضعيفة منها إلى الاستظلال بدولة تحميها من أخواتها القويات. وكان أكثر خضوع القبائل المعدية "العدنانية" لدولة حمير في اليمن، تؤدي لها الإتاوة كل عام. وكانت القبيلة من أهل البادية إذا دخلت في رعاية حمير، طلبت منها أن تولي عليها أميرًا. وكان من هذا القبيل قيام دولة كندة كما رأينا سابقا.
وأشهر من تولى الرئاسة على بدو الشمال "بكر وتغلب من ربيعة", تحت رعاية الدولة الحميرية، زهير بن جناب الذي ينتهي نسبه إلى عذرة الكلبي، وهو من الذين اجتمعت إليه قضاعة القحطانية اليمنية. وقد عرف زهير بشدة بطشه وبسالته وشجاعته ورجاحة عقله، وعرف باسم "الكاهن" لسداد رأيه. فصار يجمع الإتاوة والخراج من القبائل التي تولى الإشراف عليها لقاء النجعة والكلأ والمرعى.
وظلت قبائل الشمال تذعن لدولة اليمن، بشخص ممثلها, وتوليها الاحترام، إلى أن أصابها الوهن بسبب ظروف الاحتلال الحبشي لليمن "٥٢٥م" فذهبت هيبتها من قلوبهم، وراحوا يفكرون في الخروج عن سيطرتها، والإمساك عن دفع الإتاوة لها. وكان قطع الإتاوة والخروج عن طاعة اليمن على يد ربيعة والد الفارس المشهور "كليب" الذي كان معاصرا لزهير بن جناب.
يقول ابن الأثير: إن أبرهة الحبشي حين طلع إلى نجد، أتاه زهير فأكرمه وفضله على من أتاه من العرب، ثم أقره على بكر وتغلب فتولى أمرهم. ويقول عن زهير: إنه عمَّر
стр. 303
طويلًا جدًّا "عاش مائتين وخمسين سنة، أوقع فيها مائتي وقعة، وقيل: عاش أربعمائة وخمسين سنة". إن هذا القول، وإن يكن أقرب إلى الخرافة ولا يمكن تصديقه، إلا أن ما يمكن أن نستنتجه منه، ومن ذكر اتصاله بأبرهة الحبشي -إذا صحت روايته عن هذا الاتصال- أن ولاية زهير لقبائل الشمال ربما تكون قد حدثت في عهدين؛ في عهد حمير، ثم في عهد أبرهة، بعد أن قضى الأحباش على ملكها، وأن ذلك ربما يكون قد حدث في الربع الأول من القرن السادس الميلادي حتى بعد منتصفه.
وتتمة رواية ابن الأثير أنه قد صدف في إحدى السنين أن أصاب القوم قحط، فأمحلت الأرض وتأخروا عن الدفع، فجاءهم زهير يلح عليهم بدفع الإتاوة. ولما شكوا إليه ضيق ذات يدهم، لم يعرهم أذنا صاغية، بل منعهم من النجعة والمرعى حتى يؤدوا ما عليهم، فصبروا على مضض، حتى إذا رأوا مواشيهم تكاد أن تهلك، لم يروا بدًّا من شق عصا الطاعة. فأنفذوا إلى زهير رجلا يدعى "زَيَّابة" من بني تيم اللات لاغتياله, فجاء "زيابة" إليه وهو نائم، وغرز سيفه في بطنه، وظن أنه بذلك قد قضى عليه١. غير أن الضربة جاءت غير مميتة، إذ تظاهر زهير بالموت كي لا يجهز عليه زيابة بضربة أخرى، فنجا من الموت٢.
ونقل زهير إلى قومه، ولما شفي جمع الجموع من أهل اليمن٣، وسار إلى بكر وتغلب، وقاتلهم قتالًا شديدًا انهزمت فيه بكر وتغلب، وأُسر كليب ومهلهل ابنا ربيعة، وأخذت الأموال، وكثرت القتلى في بني تغلب، كما أسر جماعة من فرسانهم ووجوههم.
صعب الأمر على قبائل ربيعة، فتجمهرت وولت عليها ربيعة والد كليب ومهلهل,
стр. 304
وخرجت على زهير، واستنقذت الأميرين الأسيرين منه. ولم يلبث زهير بعدئذٍ أن عاد إلى سطوته، فوضع الإتاوة على بني معد جميعًا من جديد. وربما يكون توقيت هذه الولاية الجديدة موافقة لقدوم أبرهة الحبشي إلى الشمال، وتكليف زهير بهذه المهمة، بمعنى أن تكون الولاية في عهد دولة حمير.
ولما توفي ربيعة خلفه ابنه كليب، وفي نفسه على اليمنية حقد وضغينة؛ لما قاسى في أسر ممثلها زهير، فجمعت تحت لوائه معدا بأسرها: "ربيعة ومضر وإياد ونزار" وحارب اليمنية في معركة عرفت باسم:
стр. 305
يوم خَزَار:
وكان سببه المباشر أن بني معد قد أوفدوا وفدًا من وجوههم ليكلموا ملكًا من ملوك اليمن، كما يقول ابن الأثير، وربما يكون زهير بن جناب، كان في يده أسارى من مضر وربيعة ليطلق سراحهم، فاحتبس بعض رجال الوفد رهينة لديه، وقال للباقين أن يأتوه برؤساء قومهم، لكي يأخذ عليهم المواثيق بالطاعة له، وإلا قتل أصحابهم.
فلما رجعوا إلى قومهم وأخبروهم بما جرى، اجتمعت ربيعة وباقي قبائل معد حول كليب وائل، وسارت تحت رايته، فأمَّر عليهم سلمة بن خالد المعروف باسم "السفاح التغلبي" ووجهه إلى جبل "خزار" الكائن في نجد على طريق مكة البصرة، وأوصاه بأن يوقد نارا للاهتداء إليه، أما إذا غشيه العدو فليوقد نارين، ولما بلغ مذحجًا اجتماع ربيعة ومسيرها، استنفروا من يليهم من قبائل اليمن وساروا إليهم١.
وما أن وصل هؤلاء إلى جبل خزار حتى أوقد السفاح نارين٢ فأقبل كليب بجموعه وصبح اليمنية، واقتتل الفريقان قتالا شديدا كثرت فيه القتلى، وانهزمت مذحج واليمنية، وأحرز المعديون نصرًا عظيمًا عليها، وفي ذلك يقول الفرزدق يهجو جريرًا ويفاخر بأجداده:
стр. 306
لولا فوارس تغلب ابنة وائل ... دخل العدو عليك كل مكان
ضربوا الصنائع والملوك وأوقدوا ... نارين أشرفتا على النيران
وقد اشترك عمرو بن كلثوم التغلبي في هذا اليوم، وأشار إليه في معلقته:
ونحن غداة أوقد في خزارى ... رفدنا فوق رفد الرافدينا
فكنا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنو أبينا
فصالوا صولة فيمن يليهم ... وصلنا صولة فيمن يلينا
وكان من نتيجة هذا اليوم، أن ربيعة وسائر قبائل معد قد استقلت عن سيطرة اليمن، ولم يعودوا يدفعون لممثليها أية إتاوة أو خراج. وقد نظرت معد إلى كليب وائل نظرها إلى منقذ عظيم، فولوه الملك عليهم، وجعلوا له قسم الملك وتاجه، فعظم نفوذه وازداد شأنه.
стр. 307
حروب العدنانية فيما بينها
مدخل
...
حروب العدنانية فيما بينها:
ومنها ما كان بين فرعي القيسية: ربيعة ومضر، ومنها ما كان بين قبائل ربيعة بعضها مع بعض، أو بين قبائل مضر. والحديث عن جميع الحروب والأيام التي وقعت لمختلف قبائل العرب أمر يطول شرحه، ونحن إنما نجتزئ أهم هذه الأيام وأشهرها:
стр. 308
حروب البسوس
...
حرب البسوس:
وقد وقعت بين بكر وتغلب من ربيعة، ودامت سنين طويلة. ولم تكن حربا واحدة، بل هي حروب عدة، وقعت في أوقات متقطعة. وسببها أن وائل بن ربيعة المعروف بلقب "كليب" من تغلب، قد بلغ مبلغا عظيما من السيادة والنفوذ -لا سيما إثر انتصاره في يوم خزار- حيث اجتمعت تحت رايته كل قبائل معد فتوجته، وقد حاز من الجاه والعظمة ما جعل المثل يضرب بعزته فيقال: "أعز من كليب وائل".
وقد داخله من الزهو والخيلاء ما تجاوز الحد حتى طغى وبغى، فاتخذ لنفسه بقعة من الأرض أو ما يسمى بـ "الحمى" ومنع أيًّا كان من أن يطأها أو يوقع الأذى في شيء منها، أشبه ما يكون بحرم المعابد في الجاهلية، لا بل تجاوز من سبقه من أصحاب الأحماء،
стр. 309
إذ حرم على أي كان أن يصطاد في أرضه ويقول: "وحش أرض كذا في جواري فلا يصاد".
كما حرم أن ترد إبل مع إبله، أو أن توقد نار مع ناره، أو أن يمر أحد بين بيوته، وألا يقوم أحد بغارة إلا بإذنه. فكان سبب الحرب إذن اقتصاديا، بالإضافة إلى غطرسة كليب وغروره.
وكان كليب متزوجًا من امرأة من بكر اسمها "جليلة بنت مرة" أخت جساس بن مرة من شيبان. وصدف أن رجلا نزل ضيفا على البسوس خالة جساس، وكان للضيف ناقة ترعى مع نوق جساس في حمى كليب، فأنكرها كليب، وحذر جساسًا من أن عودة هذه الناقة إلى حماه سيدعوه إلى قتلها، فلم يكن من جساس إلا أن هدده بالقتل إن فعل ذلك.
ولما رأى كليب ناقة الضيف ترعى بعدئذ في حماه مع نوق جساس، رماها بسهم أنفذه إلى ضرعها، فصاح صاحبها لما علم بذلك "يا للذل" وصرخت البسوس على صراخه "وا ذلاه" فأسكتها جساس قائلا بأنه سيقتل بالناقة جملًا أعظم منها، يعني بذلك صهره كليبا، وفعلا نفذ وعيده، فاغتنم غفلة من كليب، وطعنه برمح في ظهره فقتله. وهذه رواية يقول بها كل من ابن الأثير وصاحب الأغاني١.
غير أن صاحب الأغاني، يضيف إلى ذلك رواية أخرى تقول: إن ليس جساس هو الذي رمى كليبًا، بل كان في صحبته ابن عمه المزدلف عمرو بن أبي ربيعة، وأن عمرًا هذا هو الذي طعن كليبًا وحطم صلبه، ويمضي في رواية مقتل كليب قائلا: إن قتله كان لشدة طغيانه على بكر قبيلة جساس، إذ منعها من ارتياد الماء: "فمرت بكر بن وائل على نِهْيٍ "غدير" يقال له "شُبَيْث" فنفاهم كليب عنه، وقال: لا يذوقون منه قطرة، ثم مروا على نهي آخر يقال له "الأحص" فنفاهم عنه وقال: لا يذوقون منه قطرة، ثم مروا على بطن الجريب "وادٍ عظيم في نجد" فمنعهم إياه، فمضوا حتى نزلوا "الذنائب" "موضع بنجد" واتبعهم كليب وحيه حتى نزلوا عليه، ثم مر عليه جساس وهو واقف
стр. 310
على غدير الذنائب فقال: طردت أهلنا عن المياه حتى كدت تقتلهم عطشًا، فقال كليب: ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون. فمضى جساس ومعه ابن عمه المزدلف، وقال بعضهم: بل جساس ناداه فقال: هذا كفعلك بناقة خالتي، فقال له: أَوَقد ذكرتها, أما أني لو وجدتها في غير إبل مرة لاستحللت تلك الإبل بها. فعطف عليه جساس فرسه، فطعنه برمح فأنفذ حضنيه "من دون الإبط إلى الكشح". فلما تداءمه "أدركه" الموت قال: يا جساس اسقني من الماء، قال: ما عقلتُ "منعت" استسقاءك الماء منذ ولدتك أمك إلا ساعتك هذه. وهو يشير بذلك إلى أن كليبا قد منع قوم جساس الماء طوال حكمه، وجساس لم يمنعه إياه إلا هذه الساعة. وقد عطف المزدلف عمرو بن أبي ربيعة بعدئذٍ على رأس كليب فاحتزه١. وفي هذه الرواية دليل على تغلب السبب الاقتصادي على حرب البسوس، وأن ما فعله جساس لم يكن سوى تعبير عن ثورة عامة ضد عسف كليب واستبداده.
عندئذ هَبَّ المهلهل٢ أخو كليب -وهو الشاعر الفارس المعروف- للأخذ بثأر أخيه، فجز شعره وقصر ثوبه، وحرم على نفسه اللهو والشراب، وألا يشم طيبًا، ولا يدَّهن بدهن حتى يقتل بكل عضو من كليب رجلًا من بني بكر بن وائل. لكنه نزل على رأي قومه بأن يفاوض خصومه قبل قتالهم، فأذن لوفد منهم بأن يقصد "مرة" والد جساس، فاتصل به الوفد وخيره بين ثلاث خصال: إما أن يدفع إليهم بجساس ليقتل بكليب، أو بهمام أخي جساس لأنه عدل لكليب، أو أن يَقِيد من نفسه٣.
فرفض "مُرَّة" كل هذه العروض قائلا: أما جساس فغلام حديث السن، ركب رأسه فهرب فلا علم لي به، وأما همام فأبو عشرة وأخو عشرة ولو دفعته إليكم لصيَّح بنوه في وجهي وقالوا: دفعت أبانا للقتل بجريرة غيره؟ وأما أنا فلا أتعجل الموت، وهل تزيد
стр. 311
الخيل على أن تجول جولة فأكون أول قتيل؟ وهل لكم في غير ذلك؟ هؤلاء بني، فدونكم أحدهم فاقتلوه به، وإن شئتم فلكم ألف ناقة فغضبوا وقالوا: إنا لم نأتك لترذل لنا بنيك "أي تعطينا أردأ بنيك" وتفرقوا١. وكان لا بد من نشوب الحرب، وقد دامت حوالي أربعين سنة، حدثت فيها ست معارك كبيرة آخرها يوم "تحلاق اللمم" وانتهت بوساطة ملك الحيرة المنذر بن ماء السماء الذي أدى تدخله بين الفريقين إلى صلح عقد بينهما، وقيل: بوساطة الحارث بن عمرو الكندي.
стр. 312
حروب المضرية فيما بينهما
مدخل
...
حروب المضرية فيما بينها:
أما الحروب التي جرت بين قبائل الفرع الثاني من العدنانية أي: المضرية فمنها المعروفة باسم:
стр. 313
يوم داحس والغبراء:
الذي حدث في أواسط شبه الجزيرة العربية بين قبيلتي عبس وذبيان المتفرعتين من غطفان، وقد جاء توقيته بعد انتهاء حرب البسوس بزمن قليل، وكان السبب في وقوعه خلاف على سباق خيل بين أفراس لحذيفة بن بدر بن فزارة سيد ذبيان، وأخرى لقيس بن زهير بن جذيمة سيد عبس، الذي يصفه الأخباريون بسداد الرأي والحنكة، وقد عرف باسم "قيس الرأي", ويروون عنه حكمًا ونصائح، وبخاصة ما قاله في مناسبات هذه الحرب.
وخلاصة الحادثة أن قيسًا وقومه نزلوا في جوار حذيفة وحيه لنسب يربط بينهما، وكان لقيس أفراس لم يكن في العرب مثلها، فحسده حذيفة عليها، ولم يلبث أن كره جواره وأراد إخراجه فلم يجد حجة لذلك. ثم إنه قد جره إلى رهان على سباق بين فرسين لقيس ذكر وأنثى, هما داحس والغبراء، ومثلهما له وهما الخَطَّار والحنفاء.
ولما أدرك حذيفة إخفاق أفراسه في السباق عمد إلى استغلال حيلة قد دبرها لإعاقة خيل قيس عن الجري وأدركها قيس، فاختلف الطرفان، وكل منهما ادعى السبق لأفراسه، ورفض حذيفة أن يؤدي الرهان وقدره عشرون ناقة. وانتهى النزاع إلى حرب
стр. 314
استمرت طويلًا، كثرت وقائعها وكانت متفرقة، قتل فيها حذيفة وعدة رؤساء، وامتدت حتى بزوغ فجر الإسلام، ولم تنتهِ إلا بتوسط الرؤساء، حيث سويت بدفع فضل الديات من الطرف الذي كانت قتلاه أقل من قتلى الطرف الآخر.
وتمتاز هذه الحروب بكون وقائعها قد تعددت، وبكونها شملت قبائل غير عبس وذبيان، وهي شيبان وضبة وأسد وقبائل أخرى، وبأنها قد اقترنت بشهرة بطل مغوار وشاعر مشهور هو عنترة بن شداد العبسي الذي طغت شهرة قصته على قصة داحس والغبراء، وكان للشاعر زهير بن أبي سلمى ذكر فيها١.
ومن الحروب التي جرت للمضربة فيما بينها تلك المعروفة في التاريخ باسم:
стр. 315
حروب الفجار
مدخل
...
حروب الفجار:
وقد سميت بهذا الاسم؛ لأنها وقعت في الأشهر الحرم وانتهكت جوار الحرم. وهي فجاران، وقد جرت بين كنانة من جهة، وقيس عيلان "هوازن وثقيف" من جهة ثانية:
стр. 316
الفجار الأول ١:
وهي في الواقع ثلاثة أيام سبب أولها: أن رجلًا من غفار كان معتزا بمنعته، اتخذ لنفسه مجلسا في عكاظ، وجعل يتطاول على الناس، وينشد أبياتا من الشعر يفتخر فيها عليهم، ثم مد رجله وقال: أنا أعز العرب فمن زعم أنه أعز مني فليضرب هذه الرجل بسيفه. فوثب رجل من بني نصر فضربها بسيفه فقطعها، فتحاور الحيان وكادت الدماء أن تسيل بينهما، ثم تراجعوا لأنهم رأوا أن الأمر يسير، ولا يستدعي القتال.
وسبب اليوم الثاني: أن امرأة جميلة من بني عامر جاءت سوق عكاظ وعلى وجهها برقع، وبينما كانت تتحدث إلى بعض الشبان، أطاف بها شابان مستهتران من كنانة،
стр. 317
وسألاها أن تسفر عن وجهها فأبت فجلس أحدهما خلفها، وشك طرف ثوبها بشوكة إلى ظهرها، فلما نهضت انكشف قميصها عن جسمها فضحكا وقالا: منعتنا النظر إلى وجهك، وجدت لنا بالنظر إلى ظهرك، فنادت: يا لعامر، فاقتتلت عامر وكنانة، ووقعت بينهما دماء قليلة، إلى أن توسط حرب بن أمية بينهما، واحتمل دماء القوم، وأرضى بني عامر عما لحق بصاحبتهم.
وأما اليوم الثالث، فسببه: أن رجلًا من كنانة قد استدان مالًا من رجل من بني نصر من هوازن، وعجز عن الوفاء به، فجاء النصري إلى سوق عكاظ، ومعه قرد وصار ينادي: "من يبتغي مثل هذا بمالي على فلان الكناني" تحقيرًا للرجل وقومه. فما كان من رجل كناني مر به وسمع القول إلا أن ضرب القرد بسيفه وقتله، فصرخ هذا في قيس عيلان، بينما صرخ الكناني في قومه، واجتمع الناس وتحاوروا، ثم اصطلحوا ولم تحدث حرب بين الطرفين.
стр. 318
الفجار الثاني ١:
أما حروب الفجار الثاني فهي خمسة أيام، وقد وقعت بعد عشرين سنة من عام الفيل، أي حوالي عام ٥٩٠م، وذلك في حياة الرسول ﷺ قبل بعثته، ولم يكن في أيام العرب أشهر منها، وأشهرها وأهمها اليوم الأول الذي يسمى:
стр. 319
يوم نخلة:
سببه: أن البراض الكناني، وكان رجلا شريرا فاسقا سكيرا، قد أتعب قومه، فخلعوه وتبرءوا منه، فالتحق بحي من قيس فخلعوه أيضا، فصار ينتقل من قبيلة إلى أخرى، ومن سيد إلى آخر، يطلب الحماية والجوار وكلهم يلفظونه، حتى نزل على حرب بن أمية فحالفه، ثم شرب بمكة فهم بخلعه، لكنه استحلفه ألا يفعل فتركه وشأنه بشرط أن يغادر مكة فتركها.
وقدم البراض على النعمان بن المنذر أبي قابوس ملك الحيرة، وكان هذا يرسل في كل سنة لطيمة تباع له في عكاظ أو غيره من أسواق العرب، وتعهد له بأن يجيز له اللطيمة حتى يبلغها سوق عكاظ. لكن النعمان أجابه بأنه يريد رجلا يجيزها على كنانة وقيس،
стр. 320
فأبدى البراض استعداده لذلك. وكان رجل من قيس عيلان يسمى "عروة بن عتبة الكلابي" المعروف باسم "الرحال" قد سمع بذلك، فجاء إلى النعمان وقال له: "أكلب خليع يجيزها لك؟ أنا أجيزها على أهل الشيح والقيصوم، من أهل تهامة ونجد".
ولما عهد النعمان باللطيمة إلى عروة، تبع البراض أثره حتى غافله وقتله غدرًا، فانهزم رجاله، واستاق البراض العير إلى خيبر، وبعث رسولا مستعجلا إلى كبير قريش حرب بن أمية يخبره بالأمر، وبالحذر من قيس. فنشر حرب بن أمية الخبر بين أشراف قريش، فاجتمع هؤلاء وتشاوروا في الأمر، واستعرضوا احتمال لجوء قيس إلى الأخذ بثأر قتيلها من كنانة. واتفق رأيهم على التفاوض مع عامر بن مالك سيد قيس بذلك، فأتوه وكلموه في الأمر، وبوجوب الاكتفاء بقتل القاتل، وأوشكت المفاوضات أن تنتهي إلى المصالحة.
وصدف حينئذٍ أن جماعة من قريش كانت في عكاظ، وحينما بلغها ما فعله البراض، خشيت أن تكون قبيلتهم كنانة في ضيق بسبب هذه الحادثة وما يسفر عنها من ذيول، فركبوا إلى مكة لنصرتهم، فاعتبرت قيس عيلان ذلك غدرا من كنانة لأن قريشا منها، وأقسم رئيسها عامر بن مالك ألا تنزل كنانة عكاظ أبدًا، وشمر الفريقان للحرب.
وقد جرت أول معركة في نخلة، إذ جدت قيس في اللحاق بجماعة قريش، حتى أدركتهم فيها، واقتتل الفريقان قتالًا هزمت فيه قريش وكنانة، والتجأت إلى الحرم، فكفت قيس عنها.
وجر عمل الخليع إلى وقوع جملة أيام أخرى، أدت إلى اضطراب الأمن في مواسم وفي أماكن حرم فيها القتال عند العرب، فحصل في العام التالي يوم "شمطة" الذي تجمعت فيه قريش وكنانة بأسرها، وعلى رأسهم حرب بن أمية ومعه عبد الله بن جدعان على الميمنة وهشام بن المغيرة على الميسرة. وقد لحق بقريش الأحابيش ومن تبعتهم من بني أسد بن خزيمة، لملاقاة سليم وهوازن من قيس، وكان على رأسهم مسعود بن معتب الثقفي، وفي بني عامر ملاعب الأسنة أبو برَّاء، وفي بني نصر وسعد وثقيف سبيع بن ربيع، وفي بني جشم الصِّمَّة والد دُرَيْد، وفي غطفان عوف بن أبي حارثة، وفي بني سليم عباس بن زغل، وفي فهم وعدوان كدام بن عمر.