← История

История · id 11084

تاريخ العرب القديم

توفيق برو

Полный текст (488 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الفجار الأول ١: وهي في الواقع ثلاثة أيام سبب أولها: أن رجلًا من غفار كان معتزا بمنعته، اتخذ لنفسه مجلسا في عكاظ، وجعل يتطاول على الناس، وينشد أبياتا من الشعر يفتخر فيها عليهم، ثم مد رجله وقال: أنا أعز العرب فمن زعم أنه أعز مني فليضرب هذه الرجل بسيفه. فوثب رجل من بني نصر فضربها بسيفه فقطعها، فتحاور الحيان وكادت الدماء أن تسيل بينهما، ثم تراجعوا لأنهم رأوا أن الأمر يسير، ولا يستدعي القتال. وسبب اليوم الثاني: أن امرأة جميلة من بني عامر جاءت سوق عكاظ وعلى وجهها برقع، وبينما كانت تتحدث إلى بعض الشبان، أطاف بها شابان مستهتران من كنانة،

стр. 317

وسألاها أن تسفر عن وجهها فأبت فجلس أحدهما خلفها، وشك طرف ثوبها بشوكة إلى ظهرها، فلما نهضت انكشف قميصها عن جسمها فضحكا وقالا: منعتنا النظر إلى وجهك، وجدت لنا بالنظر إلى ظهرك، فنادت: يا لعامر، فاقتتلت عامر وكنانة، ووقعت بينهما دماء قليلة، إلى أن توسط حرب بن أمية بينهما، واحتمل دماء القوم، وأرضى بني عامر عما لحق بصاحبتهم. وأما اليوم الثالث، فسببه: أن رجلًا من كنانة قد استدان مالًا من رجل من بني نصر من هوازن، وعجز عن الوفاء به، فجاء النصري إلى سوق عكاظ، ومعه قرد وصار ينادي: "من يبتغي مثل هذا بمالي على فلان الكناني" تحقيرًا للرجل وقومه. فما كان من رجل كناني مر به وسمع القول إلا أن ضرب القرد بسيفه وقتله، فصرخ هذا في قيس عيلان، بينما صرخ الكناني في قومه، واجتمع الناس وتحاوروا، ثم اصطلحوا ولم تحدث حرب بين الطرفين.

стр. 318

الفجار الثاني ١: أما حروب الفجار الثاني فهي خمسة أيام، وقد وقعت بعد عشرين سنة من عام الفيل، أي حوالي عام ٥٩٠م، وذلك في حياة الرسول ﷺ قبل بعثته، ولم يكن في أيام العرب أشهر منها، وأشهرها وأهمها اليوم الأول الذي يسمى:

стр. 319

يوم نخلة: سببه: أن البراض الكناني، وكان رجلا شريرا فاسقا سكيرا، قد أتعب قومه، فخلعوه وتبرءوا منه، فالتحق بحي من قيس فخلعوه أيضا، فصار ينتقل من قبيلة إلى أخرى، ومن سيد إلى آخر، يطلب الحماية والجوار وكلهم يلفظونه، حتى نزل على حرب بن أمية فحالفه، ثم شرب بمكة فهم بخلعه، لكنه استحلفه ألا يفعل فتركه وشأنه بشرط أن يغادر مكة فتركها. وقدم البراض على النعمان بن المنذر أبي قابوس ملك الحيرة، وكان هذا يرسل في كل سنة لطيمة تباع له في عكاظ أو غيره من أسواق العرب، وتعهد له بأن يجيز له اللطيمة حتى يبلغها سوق عكاظ. لكن النعمان أجابه بأنه يريد رجلا يجيزها على كنانة وقيس،

стр. 320

فأبدى البراض استعداده لذلك. وكان رجل من قيس عيلان يسمى "عروة بن عتبة الكلابي" المعروف باسم "الرحال" قد سمع بذلك، فجاء إلى النعمان وقال له: "أكلب خليع يجيزها لك؟ أنا أجيزها على أهل الشيح والقيصوم، من أهل تهامة ونجد". ولما عهد النعمان باللطيمة إلى عروة، تبع البراض أثره حتى غافله وقتله غدرًا، فانهزم رجاله، واستاق البراض العير إلى خيبر، وبعث رسولا مستعجلا إلى كبير قريش حرب بن أمية يخبره بالأمر، وبالحذر من قيس. فنشر حرب بن أمية الخبر بين أشراف قريش، فاجتمع هؤلاء وتشاوروا في الأمر، واستعرضوا احتمال لجوء قيس إلى الأخذ بثأر قتيلها من كنانة. واتفق رأيهم على التفاوض مع عامر بن مالك سيد قيس بذلك، فأتوه وكلموه في الأمر، وبوجوب الاكتفاء بقتل القاتل، وأوشكت المفاوضات أن تنتهي إلى المصالحة. وصدف حينئذٍ أن جماعة من قريش كانت في عكاظ، وحينما بلغها ما فعله البراض، خشيت أن تكون قبيلتهم كنانة في ضيق بسبب هذه الحادثة وما يسفر عنها من ذيول، فركبوا إلى مكة لنصرتهم، فاعتبرت قيس عيلان ذلك غدرا من كنانة لأن قريشا منها، وأقسم رئيسها عامر بن مالك ألا تنزل كنانة عكاظ أبدًا، وشمر الفريقان للحرب. وقد جرت أول معركة في نخلة، إذ جدت قيس في اللحاق بجماعة قريش، حتى أدركتهم فيها، واقتتل الفريقان قتالًا هزمت فيه قريش وكنانة، والتجأت إلى الحرم، فكفت قيس عنها. وجر عمل الخليع إلى وقوع جملة أيام أخرى، أدت إلى اضطراب الأمن في مواسم وفي أماكن حرم فيها القتال عند العرب، فحصل في العام التالي يوم "شمطة" الذي تجمعت فيه قريش وكنانة بأسرها، وعلى رأسهم حرب بن أمية ومعه عبد الله بن جدعان على الميمنة وهشام بن المغيرة على الميسرة. وقد لحق بقريش الأحابيش ومن تبعتهم من بني أسد بن خزيمة، لملاقاة سليم وهوازن من قيس، وكان على رأسهم مسعود بن معتب الثقفي، وفي بني عامر ملاعب الأسنة أبو برَّاء، وفي بني نصر وسعد وثقيف سبيع بن ربيع، وفي بني جشم الصِّمَّة والد دُرَيْد، وفي غطفان عوف بن أبي حارثة، وفي بني سليم عباس بن زغل، وفي فهم وعدوان كدام بن عمر.

стр. 321

وكان النصر في أول النهار لكنانة على هوازن وحلفائها، حتى إذا كان آخر النهار، تداعت هوازن وصبرت، وأحرزت النصر على كنانة. وعادت هوازن وكنانة إلى الحرب في يوم عُرِفَ بيوم "العبلاء" واقتتلوا وكانت الهزيمة من نصيب كنانة أيضًا. وقد حز في نفس كنانة أن تهزم في يومي "شمطة" و"العبلاء" وراح رؤساؤها يستعدون للانتقام، وتكتلوا وأكثروا من شراء السلاح، وحمل عبد الله بن جدعان ثري قريش يومئذٍ ألف رجل من كنانة على ألف بعير، وتولى قيادة كل بطن رئيسه، واقتتل الناس قتالًا شديدًا في يوم عرف باسم "يوم عكاظ" الذي انتصرت فيه كنانة على قيس، وكان زعماء قريش "حرب" و"سفيان" و"أبو سفيان" وبنو أمية بن عبد شمس قد عقلوا أنفسهم وقالوا: "لا نبرح حتى نموت مكاننا أو نظفر" فسموا لذلك باسم "العنابس" أي: الأسود. أما اليوم الأخير فهو المعروف باسم "يوم الحريرة" الذي اقتتل فيه الطرفان قتالًا فاترًا بحيث يلقى الرجلُ الرجلَ، والرجلان يلقيان الرجلين، فيقتل بعضهم بعضا، دون أن يحرز فريق على الآخر أي نصر. ثم تداعيا إلى الصلح على أن يعدوا القتلى، فأيهما له فضل من القتلى على الآخر تدفع له ديتهم.

стр. 322

الحروب بين القبائل العربية والمناذرة مدخل ... الحروب بين القبائل العربية والمناذرة: كانت علاقات المناذرة بالقبائل العربية كثيرة، وكان لملك المناذرة في قلوب معظم هذه القبائل مكانة كبيرة. ولما كان مجلسه يضم كثيرًا من رؤساء وأشراف هذه القبائل، وكان هؤلاء ينالون منه الخلع والهدايا الكثيرة، كان يقع فيما بينهم تنافس على التقرب منه، ويتحاسدون في نوال عطاياه، مما يجر إلى حروب تقع فيما بينهم، أو بينهم وبين ملك الحيرة نفسه. وهناك أسباب أخرى لهذه الحروب، فقد كان لملوك الحيرة تجارة مع الأسواق العربية، ذلك أن لطائمهم "مفردها: لطيمة, وهي القافلة التجارية" تذهب كل عام إلى

стр. 323

أسواق العرب وبخاصة سوق عكاظ، وكانت مهاجمة بعض القبائل لهذه القافلة تؤدي غالبًا إلى نشوب الحرب، وكان من هذه الحروب على سبيل المثال:

стр. 324

يوم السِّلّان: وقد وقع بين بني عامر بن صعصعة من قيس عيلان، وبين النعمان بن المنذر أبي قابوس، عندما تعرضوا للطيمته، التي كان يجهزها في كل عام، ويرسلها إلى سوق عكاظ. وكان بنو عامر قومًا حُمْسًا، متشددين في دينهم، لقاحًا لا يدينون للملوك، فما كان من النعمان إلا أن وجه إليهم أخاه لأمه "وبرة الكلبي"، ووضع تحت أمره الصنائع والوضائع، وجماعات من بني ضبة والرباب وتميم، وقد أوصاهم إذا فرغوا من البيع وانسلخت الأشهر الحرم، أن يقصدوا بني عامر وهم بنواحي السلان بالقرب من عكاظ. غير أن قريشًا قد علمت بالمكيدة والخطة بالرغم من تكتم القائمين على الحملة، وأرسلت إلى بني عامر تحذرهم، فتهيئوا للحرب وسلموا قيادتهم لفارس مشهور هو عامر بن مالك المعروف باسم "ملاعب الأسنة", والتقى الفريقان في "السلان" فتغلب العامريون على جيش النعمان وهزموه وأسروا أخاه "وبرة" ولم يفكوا إساره إلا بألف بعير وفرس١، ومن الأيام التي وقعت بين القبائل العربية والمناذرة:

стр. 325

يوم طخفة: وقد وقع بين بني يربوع من تميم، وبين النعمان بن المنذر أبي قابوس، بسبب عقده العزم على نزع الردافة منهم، وكانت فيهم أبًا عن جد، ووضعها في بني دارم من تميم أيضا. وكانت الردافة بمنزلة الوزارة، حيث يجلس الرديف على يمين الملك إذا جلس. فلما أبى بنو يربوع التنازل عن الردافة، أرسل إليهم النعمان قوة كثيفة فيها الصنائع والوضائع، وعلى أسها ابنه قابوس وأخوه حسان لتخضعهم. ودارت المعركة في موضع يقال له "طخفة" فتغلب بنو يربوع على جيش النعمان، وأسروا ابنه قابوس وأخاه حسان، واضطر الملك إلى إعادة الردافة إليهم، وفداء

стр. 326

قابوس وحسان. وروي أيضًا أن بني يربوع قد أخلوا سبيل قابوس وحسان، فقدر الملك صنيعهم، فرد عليهم الردافة وعفا عنهم ما قتلوا وما غنموا، وأعطاهم ألفي بعير١. وفي ذلك يقول مالك بن نويرة التميمي مفتخرًا: ونحن عقرنا مهر قابوس بعدما ... رأى القوم منه الموت والخيل تلحب عليه دلاص ذات نسج وسيفه ... جُراز من الهندي أبيض مقضب

стр. 327

حروب العرب مع الأقوام الأخرى مدخل ... حروب العرب مع الأقوام الأخرى: وقد وقعت هذه الحروب مع الفرس، وتعود أسبابها إجمالًا إلى سبب اقتصادي، هو رغبة الفرس في استغلال نصرهم الذي حققوه على الأحباش ومن ورائهم البيزنطيين، في اليمن بمساعدتهم العرب على تحرير أراضيهم، استغلالًا اقتصاديًّا, والحصول على أرباح طائلة بحصر مقاليد التجارة في أيديهم، وذلك بتسيير قوافلهم التجارية بين اليمن وفارس عن طريق البر، وقد فعلوا ذلك ونفذوه. غير أن مشروعهم هذا كان بحاجة إلى دعم من قبل قوات عسكرية، تؤمن لهم السيطرة على الأرضين والطرق التي تمر فيها هذه القوافل عبر شبه جزيرة العرب، أو على الأقل شراء رؤساء القبائل بالمال. لكن وضع الإمبراطورية الفارسية وبعد المسافة وصعوبة المسالك، لم تسمح لهم بتحقيق مشروعهم، فتعرضت قوافلهم للسلب والنهب من قبل القبائل، وأسفرت عن حملات انتقامية ضد العرب. كما تعود إلى أسباب سياسية، هو تخوف الفرس من العرب، لا سيما عرب الحيرة، ورغبتهم في تضييق قبضتهم على أعناقهم، كما بينت في الفصول السابقة.

стр. 328

يوم الصفقة مدخل ... ١- يوم الصفقة١: وقد حدث في أوائل القرن السابع للميلاد، وسببه: أن "بازان" نائب كسرى أبرويز في اليمن، قد أرسل إليه أحمالا من حاصلات اليمن ومصنوعاتها، فلما بلغت مكانا من أرض

стр. 329

نجد، أغارت عليها تميم وانتهبتها، وسلبت رسل كسرى١. فقدم هؤلاء على "هوذة بن علي الحنفي" صاحب اليمامة وكان على النصرانية، كما كان إذا جهز كسرى لطيمة لترسل إلى اليمن، يجهز رسل الملك الفارسي ويحسن جوازهم، بمعنى أنه كان عميلًا للفرس في اليمامة. فلما قدم عليه رسل كسرى١ بعد أن سُلبوا، وانتُهبت لطيمة كسرى، أحسن إليهم وكساهم. ولذا فإن الملك الفارسي، حينما بلغه خبر الحادثة، أنعم عليه بمال كثير، وبتاج من تيجانه, وأقطعه أموالا بهجر، وكلفه بتأديب بني تميم جزاء ما فعلوا بلطيمته، وعززه بحملة من أساورة الفرس، وعلى رأسها قائد فارسي يسمى "المكعبر". ولما وصل المكعبر وهوذة إلى هجر، نزلا حصنًا يسمى "المشقر" وقد تهيبا دخول أرض تميم, وأهلها ممتنعون فيها، فعمدا إلى الحيلة والغدر، فبعثا في طلب بني تميم يدعونهم إلى "الميرة" -وكانت سنة شديدة قاسية- فأقبلوا على كل صعب وذلول، كما يقول ابن الأثير، فجعل المكعبر يدخلهم الحصن خمسة خمسة وعشرة عشرة، على أن يخرجوا من باب آخر، وكل من دخل ضرب عنقه. وعندما طال الأمر ورأى الناس أن من يدخلون لا يخرجون، بعثوا رجالا يستعلمون الخبر، ولما وقفوا على الحقيقة شد رجل من عبس، فضرب السلسلة التي كانت على الباب فقطعها، وخرج من كان بالباب. فلم يكن من المكعبر إلا أن أمر بإغلاق أبواب المدينة، وضرب أعناق كل من كان فيها من تميم. وقد سمي هذا اليوم باسم "يوم الصفقة" لإصفاق الباب أي: إغلاقه. كما عرف باسم "يوم المشقر" نسبة للحصن، وقد صادف هذا اليوم عيد الفصح، فاستوهب هوذة من المكعبر مائة رجل من تميم كساهم وأطلق سراحهم بمناسبة العيد، فمدحه الأعشى بقصيدة منها: سائل تميمًا يوم صفقتهم ... لما أتوه أسارى كلهم ضرعا وسط المشقر في عيطاء مظلمة ... لا يستطيعون فيها ثم ممتنعا

стр. 330

ففك من مائة منهم وثاقهم ... فأصبحوا كلهم من غله خلعا بهم تقرب يوم الفصح ضاحية ... يرجو الإله بما أسدى وما صنعا وكان من ذيول يوم الصفقة أن وقع بين بني الحارث بن كعب ومعهم مذحج وقضاعة وبين تميم يوم يسمى:

стр. 331

يوم الكلاب الثاني: الذي وصفه صاحب الأغاني بأنه أحد أعظم ثلاثة أيام من أيام العرب، ويقصد باليومين الآخرين: يوم ذي قار، ويوم جبلة بين بني تميم وبني عامر من العدنانية١. ويوم الكلاب الثاني هو من الأيام التي وقعت بين القحطانية والعدنانية، وهو وإن كان موضع بحثه في غير هذه الفقرة، فلا بد من التنويه عنه بمناسبة حدوثه كنتيجة لليوم السابق، وخلاصته: أن بني تميم خافوا، بعد أن أوقع بهم الملك الفارسي، وضعفوا أن تطمع العرب بأموالهم، وتستغل ضعفهم فتفاجئهم بغزو، فاجتمع سبعة من ذوي الرأي فيهم، وأبرزهم وأسنهم: أكثم بن صيفي الأسدي الذي نيَّف على التسعين، وقيس بن عاصم المنقري، والزبرقان بن بدر السعدي، واتفقوا على خطة حكيمة، هي أن يجتمعوا على ماء، ولا يعلم الناس أين هم مجتمعون، حتى يقوى ظهرهم وتصلح أحوالهم، فارتحلوا ونزلوا على ماء بين الكوفة والبصرة يدعى "الكلاب" وتفرقت بطونهم: الرباب وسعد وحنظلة في مختلف أطراف الوادي. والواقع أن إحدى قبائل العرب الجنوبية من نجران "بنو الحارث بن كعب" قد بلغهم ما حل بتميم، فطمعوا بخيلهم وإبلهم ونسائهم، فأرادوا اغتنام الفرصة للسطو عليهم، فجمعوا جموعهم وساروا ومعهم مذحج وقضاعة، في عسكر عظيم إذ بلغوا ثمانية آلاف "لا يعلم في الجاهلية جيش أكثر منه، ومن جيش كسرى بذي قار، ومن يوم جبلة" -كما يقول ابن الأثير- يريدون بني تميم. ولما سمع بهم هؤلاء امتثلوا لمشورة أكثم بن صيفي،

стр. 332

ورتبوا أنفسهم بشكل جعل لهم الغلبة حين وقعت المعركة، فأنزلوا بمذحج ومن معها من قضاعة هزيمة شنيعة، وكسروهم شر كسرة، وقتلوا كبار زعمائهم، وأسروا رئيس مذحج عبد يغوث بن وقاص الحارثي، وقتلوه لقاء مقتل النعمان بن مالك بن جساس من زعماء تميم. وقد برز في هذا اليوم قيس بن عاصم المنقري الذي صات إليه الرياسة في تميم١.

стр. 333

موقعة ذي قار مدخل ... ٢- موقعة ذي قار: أما موقعة ذي قار التي وقعت بين العرب عامة والفرس، فتعتبر أهم وأعظم يوم من أيام العرب، سواء من حيث عواملها التي برزت فيها الأسباب السياسية من إمعان الفرس في تسلطهم على العرب، واستبدادهم بهم، وخشيتهم من تزايد قوتهم وأهميتهم -وقد بينت ذلك فيما تقدم من بحوث١- أو سواء من حيث كثرة المقاتلين الذين حشدهم كل من الطرفين في أرض المعركة، أو من حيث نتائجها وما رافقها من صور أبرزت التضامن العربي بصورة جلية، وما تخللها من أحداث برهنت عن تحدي العرب لإحدى أقوى دولتين مجاورتين لشبه جزيرة العرب. بينت فيما تقدم الأسباب الأساسية لهذه المعركة، وملخصها: أن قتل عدي بن زيد من قبل النعمان بن المنذر قد أسفر عن ظهور زيد بن عدي على مسرح الأحداث، واتصاله بكسرى، وإيغار صدره على النعمان، بسبب ما روي على لسان النعمان من تحقير له، فأرسل في طلبه. وقد أدرك النعمان ما يراد به من شر، فحمل أسلحته ودروعه، وحاول اللجوء إلى بعض القبائل العربية من طيء وغيرها، فخاب ظنه فيها؛ لأنها خشيت بطش كسرى، فلم ير بدًّا من الذهاب إلى الملك الفارسي. وفي طريقه إليه عرَّج على بني شيبان في ذي قار، ونزل عند هانئ بن مسعود بن عمرو الشيباني٢، وكان سيدًا منيعًا في قومه، فأبدى للنعمان استعداده لحمايته، لكنه قيد استعداده بقوله: "أنا مانعك مما أمنع نفسي وأهلي وولدي منه, ما بقي من عشيرتي الأدنين رجل، وإن ذلك غير نافعك لأنه مهلكي

стр. 334

ومهلكك" ونصحه -كما يقول صاحب الأغاني- بمقابلة الملك، بعد أن يكون قد سيَّر إليه الهدايا والأموال، وبأن يلقي نفسه بين يديه، فإن صفح عنه عاد ملكًا، وإلا فالموت -وهو نازل بكل مخلوق- خير من تجرع الذل والبقاء سوقةً بعد المُلْك١. فقبل النعمان نصيحته، وآثر المضي في سبيله إلى المدائن، لإدراكه أن كسرى سيطوله أينما يكون، وأودع عند هانئ بن مسعود حلقته وأهله وولده وألف شكة٢. وما أن أصبح في قبضة كسرى حتى قيده، وأمر بطرحه تحت أرجل الفيلة، وفي رواية أخرى قيده وبعث به إلى السجن، ولم يزل سجينا حتى وقع طاعون فمات فيه، ووضع مكانه إياس بن قبيصة من طيء ملكًا على الحيرة. كان إياس عميلا مخلصا للفرس، فكلفه كسرى بأن يطلب من هانئ بن مسعود أسلحة النعمان التي أودعت عنده، ولما رفض هانئ تسليمها عقد كسرى العزم على محاربته، وأرسل إلى شيبان أن اختاروا واحدة من ثلاث خصال: إما أن تعطوا ما بأيديكم فيحكم فيكم الملك بما شاء، وإما أن تُعَرُّوا الديار "تغادروها" وإما أن تأذنوا بحرب. فتداول القوم الأمر، واستقر رأيهم على المقاومة، وولوا أمرهم أحد بني عجل وهو "حنظلة بن ثعلبة بن سيار" وكانوا يتيمنون به وكان من رأيه القتال، ذلك أنه لما رأى من بعض القوم ترددًا قال لهم: "لا أرى إلا القتال؛ لأنكم إن أعطيتم ما بأيديكم قُتلتم وسبيت ذراريكم، وإن هربتم قتلكم العطش وتلقاكم تميم فتهلككم، فآذنوا الملك بحرب". أما كسرى فقد أمر قائديه "الهامرز" وهو مرزبانه الكبير و"جلابزين" بمن تحت إمرتهما من قطعات، أن يجتمعا إلى إياس بن قبيصة، ثم كتب إلى قيس بن مسعود بن قيس بن شيبان -وكان كسرى قد أطعمه الأبُلَّة- بأن يوافي إياسًا، وجاءت الفرس بجند عظيم، ومعهم الفيلة عليها الأساورة، فلما دنت من معسكر العرب انسل قيس بن مسعود ليلا فأتى هانئًا، فقال له: أعط قومك سلاح النعمان فيقووا، فإن هلكوا كان تبعا

стр. 335

لأنفسهم وكنت قد أخذت بالحزم، وإن ظفروا ردوه عليك، ففعل بما أشار عليه وقسم الأسلحة في ذوي الجلد والبأس من قومه. ولما رأى حنظلة بادرة وهن من هانئ، الذي أمر جماعته بأن تركب الفلاة، إذ لا طاقة لهم بجنود كسرى، وثب وقال لهانئ: "إنما أردت نجاتنا فلم تزد على أن ألقيتنا في الهلكة" ثم رد الناس وقطع وضن الهوادج "أحزمة الإبل"؛ لئلا يتمكن المتخاذلون من حمل نسائهم عليها إذا هربوا، فسمي "مقطع الوضن" ونصب خيمة في بطحاء ذي قار وجلس عندها وقال: أما أنا فلن أفر حتى تفر هذه الخيمة. وبدأ الاستعداد للحرب، وكان عدد من اشترك من العرب مع الفرس ثلاثة آلاف من بني تغلب أعداء بكر، ومن بني إياد وبني نمر وبني قضاعة بالإضافة إلى ألفين من الأساورة على كل ألف منهما قائد، والقائدان هما "الهامرز وجلابزين" كما اشتركت في المعركة كتيبتا الشهباء والدوسر التابعتان لمملكة الحيرة، فبلغ عدد الجيش الفارسي حوالي سبعة إلى ثمانية آلاف محارب. أما المقاتلون العرب فكانوا أقل عددًا، وفيهم بنو شيبان وبنو بكر بن وائل وبنو عجل وبعض الحلفاء من سكون، بالإضافة إلى مائتي أسير من بني تميم أبدوا رغبتهم في القتال بإصرار وعناد، وقد استقى العرب ماءً لنصف شهر، وكان بنو إياد في الجانب الفارسي قد أرسلوا إلى بني بكر وأعلموهم بأنهم سيخذلون الفرس في أثناء المعركة، وأشار يزيد بن حمار السكوني، وكان حليفا لشيبان، بأن يكمنوا للفرس كمينا، فوضعوا يزيد على رأس الكمين، ومعه جمع من قومه. وقد رتب حنظلة خطة القتال على أساس أن يخرج الكمين من وراء الفرس، عندما يكون القتال قد استعر بين الفريقين، ويكون خروج الكمين إشارة لبني إياد كي ينفصلوا عن الفرس ويغادروا صفوفهم. لما بدأت المعركة مال الفرس إلى الجبابات خوفًا من العطش، فتعقبتهم بكر وعجل وظلتا تقاتلانهم، حتى رجعوا إلى بطحاء ذي قار, والعطش قد أضناهم، ثم قتل "الهامرز" في مبارزة مع فارس عربي، فخرج الكمين من جب ذي قار، وهاجم الجيش الفارسي من الخلف، ونفذ بنو إياد عزمهم فخذلوا الفرس، وكان مقدرا على هؤلاء أن

стр. 336

يهزموا هزيمة شنيعة وفاصلة، فتعقب العرب فلولهم، حتى قتلوا "جلابزين" قائد مسيرة الجيش الفارسي، وكان النصر الحاسم للعرب. يقول المسعودي١: "إن وقعة ذي قار حدثت لتمام أربعين سنة من مولد الرسول ﷺ وهو بمكة بعد أن بُعث، وقيل: بعد أن هاجر". وفي رواية أخرى أنها كانت بعد وقعة بدر بأشهر، وأن الرسول قد قال فيها: "هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، ونُصِرَتْ عليهم بي"٢.

стр. 337

أهمية معركة ذي قار ونتائجها: إن لهذه المعركة أهمية عظيمة من حيث مظاهرها القومية, فقد جرؤ العرب لأول مرة في التاريخ على لقاء الفرس في معركة سافرة، فقويت معنوياتهم. ومع أن عددًا من القبائل العربية كانت في جانب الفرس، غير أن شعورهم كان مع العرب, وقد دل على ذلك خذلان بني إياد للجيش الفارسي في اللحظة الحاسمة من المعركة، وتضامن بني سكون وبعض بني تميم مع بكر وشيبان. وعلى أثر خذلان الفرس في يوم ذي قار، أقصي إياس بن قبيصة عن حكم الحيرة، إذ عده الفرس مسئولا عن الهزيمة بوصفه القائد الأعلى للجيش المحارب فيها. ويظهر أنه قد هرب من وجههم، كما تقول الرواية العربية، إذ انفصل عن المعركة عندما أدرك الخسارة التي لحقت جيشه، وذهب إلى كسرى، وأخبره أن النصر للفرس فيها، خوفًا من أن يخلع كتفه كما فعل بمن أتاه قبل ذلك بأخبار مشئومة عنها ولاذ بالفرار، فحكم الفرس الحيرة حكما مباشرا. وقد افتخر العرب، وما زالوا يفتخرون بيوم ذي قار، ومما قال الأعشى فيه: وجند كسرى غداة الحنو١ صبحهم ... منا غطاريف ترجو الموت فانصرفوا لقوا ململمة شهباء يقدمها ... للموت لا عاجز فيها ولا خرف

стр. 338

فيها فوارس محمود لقاؤهم ... مثل الأسنة لا ميل ولا كشف لما أمالوا إلى النشاب أيديهم ... ملنا ببيض فظل الهام يقتطف وخيل بكر فما تنفك تطحنهم ... حتى تولوا وكاد اليوم ينتصف

стр. 339

الفصل الحادي عشر: القبائل العربية ومواطنها قبل الإسلام مدخل ... الفصل الحادي عشر: القبائل العربية ومواطنها قبل الإسلام في البحث عن أنساب العرب وطبقاتهم بينت أن المؤرخين يرجعون العرب إلى جدين اثنين: قحطان وعدنان، وأن مساكن القحطانيين تقع في جنوبي شبه جزيرة العرب، وأن مساكن العدنانيين في شماليها. وبالرغم مما يكتنف نسبة العرب إلى جدين مختلفين من شكوك أوردها الباحثون المحدثون، فإنه لا بد من التسليم بتقسيمهم تقسيمًا جغرافيًّا, أي: إلى جنوبيين وشماليين، ولا بد من الإشارة إلى أن قبائل جنوبية قد نزحت إلى الشمال وقطنت في جوار القبائل الشمالية، والمهم في بحثنا هذا معرفة مواطن أهم هذه القبائل -على قدر الإمكان- في الجاهلية القريبة من الإسلام، وهذه خطوط عامة عنها:

стр. 340

القبائل العدنانية في الشمال: يرجع النسابون قبائل الشمال إلى عدنان، فيقولون: إنه كان لعدنان ولدان أولهما عك والثاني معد، وإن القبائل التي نسلت من الأول سميت باسم "قبائل عك", والأخرى باسم "قبائل معد". وقد نزلت قبائل عك في نواحي زبيد جنوبي تهامة. يقول ابن حزم الأندلسي: إن من ولد عك غافق بن الشاهد بن علقمة بن عك، وإن عبد الرحمن الغافقي شهيد موقعة بلاط الشهداء في فرنسا منهم١. ويقال: إن بقية من عك بقيت حتى بعد ظهور الإسلام، إنما لم يكن لها شأن يستحق الذكر. أما ابن عدنان الآخر معد، الذي تنتسب إليه قبائل عرب الشمال، فقد ذكر النسابون ولدين له هما: قنص الذي سكنت قبائله أرض مكة وأوديتها وشعابها وجبالها وما صاقبها من البلاد, ثم نزار الذي كان من أولاده: إياد وربيعة ومضر وأنمار، وكل منهم قد أنسل أولادًا أطلق اسم كل منهم على القبيلة التي انتسبت إليه.

стр. 341

وأما قبائل إياد فقد استوطنت تهامة، لكنها أجليت عنها إثر حرب وقعت بينها وبين ربيعة ومضر، وكانت هي الخاسرة فيها، فاضطرت إلى النزوح نحو البحرين حيث اختلطت بقضاعة. وفي أول حكم سابور الذي تولى ملك فارس وهو صبي حدث، انتقلت إياد مع كثير غيرها من القبائل العربية نحو الكوفة, وقد عاصرت هذه النقلة أيام حكم امرئ القيس بن عمرو على الحيرة، فلما شب سابور وتولى الحكم الفعلي في مملكته -بعد عهد وصاية عليه- خشي من مغبة وجود هذه القبائل في جنوب العراق، فنكل بأفرادها تنكيلًا شديدًا وشردها، وكان يخلع أكتاف من يقع في قبضته من زعمائها، فأطلق عليه لقب "ذي الأكتاف". ويظهر أن وجود إياد قد استمر في العراق على نحو ما حتى حكم كسرى أنوشروان، في عهد المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة، وقد سخط عليهم كسرى بسبب إغارة منهم على نساء الفرس، فغزاهم ونكل بهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة في مكان عرف باسم "دير الجماجم" لكثرة ما تكدس فيه من الجثث والجماجم، ثم نفاهم عن أراضي العراق. وقد التجأت بطون من إياد إلى أرض الروم والشام وتفرقت فيها، بعد أن مرت بالموصل وطردت منها١. وبقيت ربيعة ومضر في جهات تهامة، إلى أن قامت الفتن والخلافات بين مختلف بطونها، فنزحت ربيعة إلى وسط شبه الجزيرة العربية "جهات نجد وغمر كندة" وما يلي ذلك شرقا حتى الخليج العربي. ومن أشهر قبائل ربيعة قبيلة عبد القيس التي نزلت في البحرين حيث كانت قبائل إياد قد سبقتها إليها، فجاءت عبد القيس وأجلتها واحتلت مكانها، واقتسمت البلاد بين بطونها، وقصد قسم منها عمان. كما نزلت قبائل أخرى من ربيعة، كقبائل بكر بن وائل "ومنها الشاعر المعروف الحارث بن حلزة" وتغلب بن وائل "ومنها الشاعر المشهور عمرو بن كلثوم" وعنزة في ظواهر نجد والحجاز وتهامة، إلى أن وقعت الحرب فيما بينهم إثر مقتل كليب على يد جساس، فتفرقوا ونزلت قبائل من بكر في العراق والبحرين، وأخرى من تغلب في العراق وفي بادية الشام.

стр. 342

وعند ظهور الإسلام كانت قبائل ربيعة تسكن اليمامة "في نجد" وهي قبائل حنيفة وبني قيس بن ثعلبة. ومن إحدى هذه القبائل، وهي قبيلة ضبيعة، نبغ عدد من الشعراء المعروفين، منهم: الأعشى ميمون بن قيس، والمرقش الأكبر عمرو بن سعد، والمرقش الأصغر ربيعة بن قيس وعمرو بن قميئة وهما ابنا أخوي المرقش الأكبر، وطرفة بن العبد. وإلى أحمس بن ضبيعة ينتسب الشاعر المسيَّب واسمه زهير بن علس وهو خال الشاعر الأعشى "أعشى بكر" ومنهم الشاعر المتلمس وهو جرير بن عبد المسيح١. ومن ربيعة قبيلة أسد، وكانت مساكنها شمالي وادي الرمة. وأما القبائل التي نسلت من مضر بن نزار فقد شكلت شعبا عظيما على رأي النسابين. فمن أبناء مضر: إلياس وقيس عيلان. وقد أصبح لقبائل قيس عيلان شأن عظيم، إذ أصبحت تؤدي معنى العدنانية في مقابل القحطانية. ولم تزل مضر في تهامة بعد خروج ربيعة منها، حتى كثر عددها، وضاقت البلاد ببطونها، وتنافست على الكلأ والمرعى، وبغى بعضهم على بعض، واقتتلوا فتفرقوا، وظعنت قيس إلى بلاد نجد إلا بعض قبائلها، كهوازن التي قصدت الطائف وذي المجاز وحنينًا وغرب نجد بوجه عام. ومن قيس عيلان تحدرت بعض القبائل البارزة مثل: سعد وهوازن وسليم، وكانت تسكن الجزء الغربي من نجد. وإلى قيس تنتسب عطفان التي منها عبس وذبيان، وبنو سليم وثقيف التي سكنت الطائف، عامر التي سكنت في نجد, وهلال وكلاب وكعب. ومن القبائل المضرية مدركة وطابخة، وقد انحدرتا من إلياس "خندف" بن مضر. ومن مدركة تحدرت هذيل التي سكنت في السراة "بين مكة والمدينة" وقد اشتهر الهذليون بكثرة شعرهم وجودته، وخذيمة التي منها أسد وكنانة، التي سكنت بجوار مكة، وانحدرت منها قريش. ومن طابخة تحدرت الرباب، وقد سكنت على أطراف الدهناء، وإليها تنتسب قبائل عبد مناة وعدي وعوف وثور ومزينة التي سكنت جبل رضوى قرب المدينة، وضبة

стр. 343

التي سكنت في اليمامة، ومر التي تنتسب إليها أكبر قبائل الجاهلية القريبة من الإسلام، وهي تميم التي انتشرت بطونها في نجد، وفي وادي العراق وشتى أنحاء شبه الجزيرة. وقد كان بين ربيعة ومضر عداء شديد، ظل قرونًا طويلة، كان من شدته أن ربيعة قد جنحت في أغلب الأحيان إلى التحالف مع اليمنيين لمقاتلة أبناء عمهم المضريين.

стр. 344

القبائل القحطانية في الشمال: جاءت هذه القبائل من الجنوب اليمني، وأول من قدم منها قضاعة من نسل حمير بن سبأ. إذ جاءت إلى جدة وما يصاقبها من تهامة إلى الجنوب, وقد اضطرت إلى النزوح من هذا المكان؛ لحرب وقعت بينها وبين ربيعة التي كانت في جوارها، وكان السبب أن رجلًا منها عشق فتاة من ربيعة، فانتصرت مضر وإياد وأنمار لربيعة، بينما انتصرت عك لقضاعة، فهُزمت قضاعة وأجليت عن أماكنها، فقصدت نجدًا ثم الشام١. وفي ذلك يقول عامر بن الظرب المضري: قضاعة أجلينا عن الغور كله ... إلى فلجات الشام تزجي المواشيا وما عن تقال كان إخراجنا لهم ... ولكن عقوقًا منهم كان باديا بما قدم الهندي لا دَرَّ دَرُّه ... غداة تمنى بالحرار الأمانيا وللنسابين آراء في أصل قضاعة: منهم من يرجع نسبها إلى حمير بن قحطان، ومنهم من ينسبها إلى معد بن عدنان. وسبب هذا الاختلاف عوامل سياسية كان لها أثر في تصنيف الأنساب في عهد معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد، إذ حملا زعماء قضاعة ومنها كلب التي كانت ميسون زوجة معاوية منها، على التخلي عن نسبتهم إلى القحطانية اليمنية والانتماء إلى معد. فأثرت المغريات والأموال التي بذلها معاوية وابنه في بعض زعماء قضاعة، واستجابوا لطلب الخليفتين الأمويين، بينما رفضت الأكثرية وأبت إلا الاستمرار في نسبتها إلى قحطان. ويظهر أن اختلاط قبائل من قضاعة بقبائل عدنانية، وأخرى منها بقبائل قحطانية، هو السبب في اضطراب النسابين في نسب قضاعة، بعضهم يجعلها في معد وبعضهم الآخر في قحطان٢.

стр. 345

وقد تفرقت بطون قضاعة في نجد والبحرين ومشارف الشام. كما جاء الضجاعمة، وينتسبون إلى سليح التي تتفرع من قضاعة، فنزلوا البلقاء جنوبي سورية، حتى إذا قدم الغساسنة إلى المنطقة التي كانوا يقيمون فيها، اغتصبوا منهم الزعامة والإشراف على القبائل المقيمة في جنوبي الشام، بعد حرب جرت بين الطرفين. ومن قضاعة قبيلة بلي التي سكنت سيناء، وكلب التي استوطنت بادية الشام، وجهينة وعذرة، وقد نزلوا وادي أضم بالحجاز، وقد عرف العذريون برقة عواطفهم وطهارة عشقهم١، وقد ضرب المثل به فقيل: "الحب العذري" كناية عن تفاني العاشق في حبه مع حرصه على العفة، إذ يصف الشعراء القدامى العاشق العذري بأنه يذوب وجدًا دون أن يفكر في لمس حبيبته٢. كما هاجرت الأزد من كهلان بن سبأ إلى الشمال، فسكن قسم منهم في معان، والقسم الآخر في تهامة على ماء اسمه "غسان" ومنه انتقلوا إلى جنوبي سورية، حيث كونوا دولتهم "دولة الغساسنة". وكذلك هاجرت إلى الشمال قبيلة طيء من عريب بن كهلان بن سبأ، وبنو مرة وفروعهم التي سكنت شمالي الحجاز. غير أن طيء تحولت بعدئذ إلى الشرق، وجاورت بني أسد، وانتزعت منهم جبل شمر، وسكنته قبل الإسلام بقرون. ونزحت أيضا قبائل من الأزد إلى جهات البحرين، حيث كانت تقيم قبائل عديدة مختلفة المنشأ، منها العدنانية ومنها القحطانية فتآزرت وتضافرت واتحدت في حلف جمع شملها تحت اسم "تنوخ" ونزحت إلى أطراف الحيرة حيث أقامت دولة المناذرة. ومن الأزد الجنوبيين الأوس والخزرج، وقد انفصلتا عن كتلة الأزد الرئيسية، واتجهتا نحو الحجاز، وأقامتا في يثرب. ومنهم أيضا قبيلة خزاعة التي تسلطت على مكة قبل قصي وقريش. ومن كهلان بن سبأ: همدان ومذحج، وأغلبهم ظل يسكن اليمن، وإلى مذحج ينتسب بنو الحارث الذين سكنوا الجنوب الشرقي للطائف، وبجيلة التي كان لها أثر كبير

стр. 346

في فتوح العراق، في عهد الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب وإلى عريب حفيد كهلان تنتسب عاملة وجذام، وكانتا تسكنان بادية الشام. وإلى جذام تنتسب لخم التي منها ملوك الحيرة، وكندة التي حكمت حضرموت، ومدت سلطانها إلى بني أسد وربيعة وبكر في اليمامة ونجد "مملكة كندة". كان معظم هذه القبائل من البدو الرحل، الذين ثابروا على الحياة البدوية المتنقلة، سواء منهم الشماليون أو الجنوبيون الذين انتقلوا إلى الشمال، باستثناء فئة منهم سكنوا بعض مدن الحجاز "مكة ويثرب والطائف" ولزموا حياة الاستقرار فيها، ومارسوا الزراعة والتجارة التي تيسرت لهم بسبب خصب الأرض في بعض الأماكن، وملاءمة الموقع الجغرافي للحياة التجارية، غير أنهم مع ذلك قد حافظوا على تقاليدهم القبلية. راجع الجداول الإجمالية التي تبين شجرة أنساب مختلف القبائل العربية في ملاحق الكتاب.

стр. 347

الفصل الثاني عشر: الحياة الاقتصادية عند العرب مدخل ... الفصل الثاني عشر: الحياة الاقتصادية عند العرب كان البدو يحتقرون المهن وكسب الرزق عن طريق الصناعة، وقد اقتصر عملهم فيها على مصنوعات بسيطة يصنعها العربي لنفسه. أما الزراعة فإن الجفاف وطبيعة البلاد الصحراوية، قد جعلا الأرض قاحلة إلا في اليمن وبعض الواحات في الشمال. وحتى التجارة فإنها لم يكن للبدو خلق يؤهلهم لها، وقليلا ما كانوا يمارسونها، بيد أنهم قد استُخدموا حراسًا للقوافل التجارية، أو أدلاء لها لقاء أجور يتقاضونها من أصحاب القوافل, الذين ربما استأجروا منهم جمالا لنقل بضاعتهم. ومع كون التجارة هي المهنة التي يكنون لها شيئًا من الاحترام أكثر من سواها، فإنهم كانوا يكرهون التكالب عليها، وينددون باندفاع قريش فيها. إنما كانت معيشة البدو قائمة على ما تنتجه مواشيهم من ألبان ولحوم يتغذون بها، ومن صوف ينسجون منه خيامهم ولباسهم، ومن جلود يستعملون منها قِرَبًا أو أحذية يحتذونها, كما كانوا يعتمدون على الموارد التي تأتيهم من الغزو، الذي كان ركنا من أركان الحياة في الصحراء, ولم يكن نوعا من اللصوصية بالرغم من أنه شبيه بها, بل كان في نظرهم نوعا من الممارسة المباحة، ومن التقاليد المتعارف عليها، إذ تغير قبيلة على أخرى بسبب عداوة بينهما، أو حتى بسبب كونها أضعف منها، تأخذ إبلها وماشيتها ومتاعها، وتسبي نساءها وأولادها، فتتحفز القبيلة المعتدى عليها للأخذ بالثأر وتتربص بالأولى، حتى إذا واتتها فرصة سانحة، انقضت عليها لتغزوها بدورها وتسلبها ما تملكه؛ ثأرًا منها لما فعلته بها، ومما درج عليه العرب أنهم يحتفظون بالسبي من نساء وأولاد، حتى ترسل قبيلتهم الفدية التي تطلبها القبيلة المنتصرة، كما كان المغيرون يتحاشون جهد استطاعتهم إراقة الدماء١.

стр. 348

فالبيئة البدوية بيئة غزو وغارات، وما ذلك إلا لأن الصحراء قليلة الموارد شحيحة النبات. فالقبيلة التي تشعر بأنها لا تملك ما يؤمن لها موارد الرزق والمعيشة، ترى من حقها أن تأخذ ممن يملك، حتى أصبح الغزو جزءًا من عقلية البدوي وطبعه، فإذا لم يجد من يغزوه من أعدائه أو من البعيدين عنه، أغار على جيرانه، أو حتى على ذوي قرباه. يقول الشاعر القطامي في ذلك: وأحيانًا على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا

стр. 349

التجارة في الحضر: على أن الأمر يختلف بالنسبة للحضر؛ ذلك أن التجارة هي التي حظيت بالاهتمام في المجتمعات الحضرية، فأقبل القوم عليها إقبالًا شديدًا إلى درجة أن المؤرخ اليوناني "سترابون" الذي اهتم بأحوال العرب في الجاهلية، كان يرى أن كل عربي فيها تاجر أو دليل١. ويقول "درمنجهايم": إن العرب كانوا الرواد الأوائل للتجارة العالمية، ولم يكن باستطاعة الرومان القدماء الاستغناء عنهم في هذا الميدان. وبلغ من أهمية التجارة لديهم أن الملوك والزعماء كانوا أحيانا تجارًا، فملوك المناذرة كانوا يرسلون اللطائم "القوافل التجارية" إلى أسواق الحجاز في كل عام، كما كان ولاة الأمر في تدمر قد مارسوا التجارة، وكذلك علية قريش ورؤساؤها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التجارة كانت العامل المهم في نشوء دول الشمال العربي. وكان أثرها كبيرًا على أوضاع دول الجنوب العربي، من حيث تذبذب عواصمها، وانتقالها تبعا لانتقال الأهمية التجارية من مكان إلى آخر، حتى إن سقوط بعض الدول ونشوء غيرها، سواء في الجنوب أو في الشمال، كان على الغالب مبنيا على أساس ازدهار التجارة في الدولة الجديدة الناشئة، وانحطاط التجارة لدى الدولة الزائلة؛ بسبب تحول الطرق التجارية عنها، وانحيازها إلى الدولة الناشئة. وفضلا عن ذلك، فإن العامل التجاري قد كيَّف سياسة الدول الأجنبية المحيطة بشبه جزيرة العرب، وحدد موقفها تجاه بعض الدول التي قامت فيها، إذا طمعت فيها كل

стр. 350

من بيزنطة والحبشة وفارس الساسانية، وصممت إما على انتزاع مقاليد التجارة من يدها، بالسيطرة على المسالك التجارية المهمة التي تصلها بالشرق الأقصى، أو باختلالها. والواقع أن بعض أطراف شبه الجزيرة قد رزحت تحت الاحتلال الحبشي، أو تحت احتلال دولة الفرس الساسانية١.

стр. 351

تجارة مكة: يقول "درمنجهايم": إن الازدهار التجاري الذي تصيبه شبه جزيرة العرب بعامة ومكة بخاصة، كان مرتهنًا بطريق الهند، فبحسب أن يمر الطريق إلى الهند من الشمال، عبر وادي الرافدين، فارس، أفغانستان، أو من الجنوب والغرب، عبر شبه جزيرة العرب والخليج العربي واليمن، يكون العرب إما فقراء أو أغنياء١. والواقع أن مكة قد استفادت من وقوعها على طريق الهند، ذلك أن القوافل التجارية الآتية من اليمن ببضائع الهند والذاهبة إليها، كانت تمر فيها بوصفها محطة تجارية لا بد لها من النزول فيها. كما أعان على ازدهار مكة وارتقائها، من محطة تجارية إلى مدينة عامرة، تدهور العلاقات بين حكام فارس وحكام بلاد الشام البيزنطيين، ونشوب حروب طويلة بين الطرفين في القرنين اللذين سبقا ظهور الإسلام، مما أدى إلى تعطيل التجارة بين بلاد الشام والهند عبر إيران وأفغانستان، وإلى انتقال النشاط التجاري إلى شبه جزيرة العرب، وبخاصة ساحلها الغربي الواقع على البحر الأحمر، فاتجه المكيون إلى التجارة وانصرفوا إليها بكليتهم، لا سيما وأن سقوط اليمن في أيدي الأحباش قد أدى إلى خروج مقاليد التجارة من أيدي اليمنيين، وانتقالها بطبيعة الحال إلى أيدي المكيين، فعوضتهم التجارة ما حرمتهم الطبيعة من موارد الزراعة؛ بسبب كون الحجاز إقليمًا بسوده الجفاف والفقر في النبات. أسهم المكيون بالإضافة إلى نشاطهم التجاري الداخلي، في التجارة العالمية، فتاجروا مع مصر والحبشة، عبر البحر الأحمر عن طريق ميناء الشعيبة الذي كان ميناء لمكة في

стр. 352

العهد الجاهلي١، ومع اليمن لا سيما بعد أن نظم هاشم بن عبد مناف رحلتي الشتاء والصيف، الأولى إلى اليمن والثانية إلى الشام، فجعلهما منتظمتين. وكان لقريش عداهما رحلات تجارية تسير في أوقات مختلفة غير معينة، فأرسل المكيون قوافلهم إلى أسواق الحيرة، كما أرسلوها إلى الشام، يحملون إليها بضائع الهند من مجوهرات وتوابل وأفاوية وأقمشة نادرة، وبضائع الصين من ملابس حريرية مترفة للأباطرة والرهبان ورجال البلاط ومن عطور, وبضائع شرقي إفريقيا من ريش نعام وعاج ومسحوق الذهب وصموغ للكنائس، علاوة على صادرات الجنوب العربي من بخور ولبان ومر وجلود ومعادن ثمينة وعطور٢، ويعودون منها بالحبوب والزيوت والخمور، والمنسوجات القطنية والكتانية والحريرية، وحتى بالأسلحة التي كانت بيزنطة تفرض الحظر على تصديرها، فيلجأ العرب إلى تهريبها. وكان ارتحال القوافل أو قدومها يثير ضجة عظيمة في مكة، فما أن يعلن عن قدوم إحداها حتى يهب سكانها في شبه هيجان، ويستقبلوها بالدفوف والهتافات٣. لم تكن تجارة قريش ضيقة المجال، بل كانت عظيمة الاتساع، ولم تكن قوافلها ملك أفراد، بل كانت تعبيرا عن آمال مدينة بأسرها، تحمل أموالا لأهل مكة جميعا، منهم من يسافر معها، ومنهم من يستأجر رجالًا يقومون بهذه المهمة، ويسهم الجميع في رأس مالها. وقد تبلغ قيمة أسهم أحدهم كأبي أحيحة بن سعيد بن العاص بن أمية، وهو من أبرز أثرياء مكة، ثلاثين ألف دينار، وقد لا يتجاوز سهم أحد الفقراء منهم نصف دينار. ويصل عدد الإبل السائرة فيها إلى أكثر من ١٥٠٠ بعير شاهد "إسترابون" إحداها فقال: إنها أشبه بجيش سائر، إذ يرافقها حراس يتراوح عددهم بين ٢٠٠-٣٠٠ مسلح٤. والواقع أن تجارة قريش كانت تسير بقوافل لضمان حماية الأموال، إذ يرافقها رؤساء وحراس وأدلاء يقل عددهم أو يكثر، بحسب قلة الأموال الثمينة التي تحملها أو كثرتها.

стр. 353

ويختار الأدلاء من القبائل التي تمر القافلة في أراضيها؛ لأنهم أعلم بطرقها من غيرهم، وأكثر خبرة بمواطن الماء والكلأ، وأكثر علما بمكامن الخطر الذي قد تتعرض له القافلة، كوجود عوارض طبيعية، يمكن أن يتخذها اللصوص وقطاع الطرق كمائن للإغارة عليها. كما يحرص المكيون أن يكون رؤساء القوافل وحراسها من الشجعان القادرين على تأمين حمايتها. ويعقدون الاتفاقات مع رؤساء القبائل التي تمر القوافل في أراضيهم، ويدفعون لهؤلاء الرؤساء إتاوات وهدايا كي يسمحو لها بالمرور, ويتعهدوا بحمايتها من اللصوص وقطاع الطرق، حتى إذا تعرض للقافلة أحد من هؤلاء بسوء، كان من واجب الرئيس المتعاقد معه، والذي يقع الاعتداء في منطقته، أن يتعقب المعتدين ويؤدبهم، وأن يعيد الأشياء المنهوبة إلى أصحابها، وكان التجار يضيفون مبالغ هذه الإتاوات والهدايا إلى أسعار مبيع البضائع، الأمر الذي يجعلها غالية الثمن. وكثيرا ما كان أصحاب البضائع يلجئون إلى الوسائل المعنوية لحماية تجارتهم، مثل تقديم الهدايا والقرابين للآلهة عند مغادرة قوافلهم أو عند عودتها، وقد اتخذ بعض الأقوام كالأنباط والتدمريين إلهًا خاصًّا لحماية القوافل: "ذو الشرى" عند الأنباط و"ساعي القوم" أي حامي القوافل عند التدمريين. ويعقد القائمون على الحكم العهود والمواثيق مع رؤساء وحكام الدول المحيطة بهم، التي تقصدها قوافلهم، وهي التي تخولهم حق المرور في أراضيهم والاتجار فيها، وتوفير الأمان لها وحسن الجوار. وهذا هو الإيلاف الذي ورد ذكره في القرآن الكريم: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ, رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْف﴾ ١، أشبه شيء بالاتفاقات التجارية التي تعقد بين الدول في أيامنا الحاضرة، ووفقا لهذه العهود يتاح للتجار القرشيين التنقل في البلاد التي تعقد معها دون أن يعترضهم أحد، كما يتاح لأي دولة منها إذا شاءت أن تراقب الوافدين إليها. فالقوافل العربية التي كانت تقصد الشام كانت تتسوق من أسواق عينتها الحكومة البيزنطية لتحصِّل منها الضرائب، ولتراقب الوافدين الأجانب إلى بلادها٢.

стр. 354

وقد اعتمد الروم البيزنطيون على تجارة مكة في كثير من شئونهم ووسائل ترفهم، لا سيما الحصول على الأقمشة الحريرية المزركشة الموشاة، ولم يكن بوسعهم الاستغناء عما يأتونهم به. وقد ذكر بعض مؤرخي الغرب أنه كان للبيزنطيين بيوت تجارية في مكة، يستخدمونها للشئون التجارية وللتجسس على أحوال العرب١. وتقاسم بنو عبد مناف النشاط التجاري في مختلف البلدان المجاورة، فكان هاشم الذي يروى أنه قد حصل على عهد أمان من القيصر البيزنطي لتجار مكة، يذهب إلى الشام، وعبد شمس الذي حصل على عهد مماثل إلى الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس، وكل منهما حصل على عهد "إيلاف" من كل من ملكي اليمن وفارس٢. وقد نشطت التجارة في عهد عبد المطلب بن هاشم، وازدهرت مكة وأصبحت مركزًا للصيرفة، كما يقول المستشرق "أوليري" ويمكن أن يدفع فيها التجار أثمان السلع التي يُتَّجر بها مع بلاد بعيدة، وكانت عمليات الشحن والتفريغ للتجارة الدولية تتم في مكة، ويجري فيها التأمين على التجارة عند نقلها من مكة إلى مختلف الجهات عبر طرق محفوفة بالمخاطر٣. وقامت طبقة من الصيارفة، يؤمنون للتجار عملات الدول الأجنبية التي يتعامل معها القرشيون. ومثلما كان لبيزنطة وفارس، وربما للحبشة أيضا، ممثلون تجاريون في قلب مكة، كان لمكة أيضا وكلاء تجاريون في أماكن مختلفة مثل غزة والشام ونجران. كما كان يأتي إلى مكة تجار أجانب من روم وفرس وغيرهم سكنوا فيها، وخالطوا أهلها وتحالفوا مع أثريائها، وأقام بعضهم فيها لقاء جزية سنوية يدفعونها لهم؛ لتأمين حمايتهم ولحفظ أموالهم وتجارتهم، وقد اتخذ بعض التجار الأجانب مستودعات فيها لخزن بضائعهم التي يأتون بها كالقمح والزيت والزيتون والخمور٤.

стр. 355

وقد أدى اختلاط قوافل تجار العرب من قديم الزمن بعرب الشام وغيرهم، إلى تسرب كثير من الكلمات التجارية والحضارية من يونانية وغير يونانية إلى لغة العرب، فتعربت بمرور الزمن في العهد الجاهلي١. ومما يدل على اهتمام الحجازيين بالتجارة كثرة الكلمات والعبارات المجازية التي وردت في القرآن الكريم، سواء فيما يتعلق بالتجارة مثل: الحساب والميزان والقسط والمثقال والذرة والقرض والربا والدينار والدرهم ... إلخ, أو فيما يخاطب التنزيل الحكيم قريشًا باللغة التي تفهمها وهي التجارة، من ذلك الآيات الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢، و ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين﴾ ، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَة﴾ ٣. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة مماثلة. وحتى نساؤهم قد اشتغلن في التجارة، واشتهرت منهن عديدات مثل: خديجة بنت خويلد التي كانت تستأجر الرجال للذهاب بعروضها التجارية إلى الشمال، وهند بنت عبد المطلب، والحنظلية أم أبي جهل التي كانت تتاجر بالعطور، تستوردها من اليمن٤. يقول "درمنجهايم": إن القرشيين قد تميزوا عن العرب جميعًا بحسن تذوقهم للعمل التجاري، فدعموا عملياتهم التجارية بتنظيم مالي ومصرفي مدهش، واستعملوا عملات مختلفة منها الدينار البيزنطي، الذي كان له المقام الأول في شبه الجزيرة، ومنها عملات يونانية أو فارسية "الدرهم الفضي الفارسي"، أو حميرية كما كان لهم موازين عامة، ويعتقد بأنهم استعملوا الميزان ذا الكفتين كما يستدل من بعض الآيات الكريمة، ومكاييل "صاع، مد، ربع صاع" أشار إليها القرآن الكريم. وكان لهم موازين خاصة دقيقة يزنون بها
следующие страницы →