← История

История · id 11084

تاريخ العرب القديم

توفيق برو

Полный текст (488 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

تجارة مكة: يقول "درمنجهايم": إن الازدهار التجاري الذي تصيبه شبه جزيرة العرب بعامة ومكة بخاصة، كان مرتهنًا بطريق الهند، فبحسب أن يمر الطريق إلى الهند من الشمال، عبر وادي الرافدين، فارس، أفغانستان، أو من الجنوب والغرب، عبر شبه جزيرة العرب والخليج العربي واليمن، يكون العرب إما فقراء أو أغنياء١. والواقع أن مكة قد استفادت من وقوعها على طريق الهند، ذلك أن القوافل التجارية الآتية من اليمن ببضائع الهند والذاهبة إليها، كانت تمر فيها بوصفها محطة تجارية لا بد لها من النزول فيها. كما أعان على ازدهار مكة وارتقائها، من محطة تجارية إلى مدينة عامرة، تدهور العلاقات بين حكام فارس وحكام بلاد الشام البيزنطيين، ونشوب حروب طويلة بين الطرفين في القرنين اللذين سبقا ظهور الإسلام، مما أدى إلى تعطيل التجارة بين بلاد الشام والهند عبر إيران وأفغانستان، وإلى انتقال النشاط التجاري إلى شبه جزيرة العرب، وبخاصة ساحلها الغربي الواقع على البحر الأحمر، فاتجه المكيون إلى التجارة وانصرفوا إليها بكليتهم، لا سيما وأن سقوط اليمن في أيدي الأحباش قد أدى إلى خروج مقاليد التجارة من أيدي اليمنيين، وانتقالها بطبيعة الحال إلى أيدي المكيين، فعوضتهم التجارة ما حرمتهم الطبيعة من موارد الزراعة؛ بسبب كون الحجاز إقليمًا بسوده الجفاف والفقر في النبات. أسهم المكيون بالإضافة إلى نشاطهم التجاري الداخلي، في التجارة العالمية، فتاجروا مع مصر والحبشة، عبر البحر الأحمر عن طريق ميناء الشعيبة الذي كان ميناء لمكة في

стр. 352

العهد الجاهلي١، ومع اليمن لا سيما بعد أن نظم هاشم بن عبد مناف رحلتي الشتاء والصيف، الأولى إلى اليمن والثانية إلى الشام، فجعلهما منتظمتين. وكان لقريش عداهما رحلات تجارية تسير في أوقات مختلفة غير معينة، فأرسل المكيون قوافلهم إلى أسواق الحيرة، كما أرسلوها إلى الشام، يحملون إليها بضائع الهند من مجوهرات وتوابل وأفاوية وأقمشة نادرة، وبضائع الصين من ملابس حريرية مترفة للأباطرة والرهبان ورجال البلاط ومن عطور, وبضائع شرقي إفريقيا من ريش نعام وعاج ومسحوق الذهب وصموغ للكنائس، علاوة على صادرات الجنوب العربي من بخور ولبان ومر وجلود ومعادن ثمينة وعطور٢، ويعودون منها بالحبوب والزيوت والخمور، والمنسوجات القطنية والكتانية والحريرية، وحتى بالأسلحة التي كانت بيزنطة تفرض الحظر على تصديرها، فيلجأ العرب إلى تهريبها. وكان ارتحال القوافل أو قدومها يثير ضجة عظيمة في مكة، فما أن يعلن عن قدوم إحداها حتى يهب سكانها في شبه هيجان، ويستقبلوها بالدفوف والهتافات٣. لم تكن تجارة قريش ضيقة المجال، بل كانت عظيمة الاتساع، ولم تكن قوافلها ملك أفراد، بل كانت تعبيرا عن آمال مدينة بأسرها، تحمل أموالا لأهل مكة جميعا، منهم من يسافر معها، ومنهم من يستأجر رجالًا يقومون بهذه المهمة، ويسهم الجميع في رأس مالها. وقد تبلغ قيمة أسهم أحدهم كأبي أحيحة بن سعيد بن العاص بن أمية، وهو من أبرز أثرياء مكة، ثلاثين ألف دينار، وقد لا يتجاوز سهم أحد الفقراء منهم نصف دينار. ويصل عدد الإبل السائرة فيها إلى أكثر من ١٥٠٠ بعير شاهد "إسترابون" إحداها فقال: إنها أشبه بجيش سائر، إذ يرافقها حراس يتراوح عددهم بين ٢٠٠-٣٠٠ مسلح٤. والواقع أن تجارة قريش كانت تسير بقوافل لضمان حماية الأموال، إذ يرافقها رؤساء وحراس وأدلاء يقل عددهم أو يكثر، بحسب قلة الأموال الثمينة التي تحملها أو كثرتها.

стр. 353

ويختار الأدلاء من القبائل التي تمر القافلة في أراضيها؛ لأنهم أعلم بطرقها من غيرهم، وأكثر خبرة بمواطن الماء والكلأ، وأكثر علما بمكامن الخطر الذي قد تتعرض له القافلة، كوجود عوارض طبيعية، يمكن أن يتخذها اللصوص وقطاع الطرق كمائن للإغارة عليها. كما يحرص المكيون أن يكون رؤساء القوافل وحراسها من الشجعان القادرين على تأمين حمايتها. ويعقدون الاتفاقات مع رؤساء القبائل التي تمر القوافل في أراضيهم، ويدفعون لهؤلاء الرؤساء إتاوات وهدايا كي يسمحو لها بالمرور, ويتعهدوا بحمايتها من اللصوص وقطاع الطرق، حتى إذا تعرض للقافلة أحد من هؤلاء بسوء، كان من واجب الرئيس المتعاقد معه، والذي يقع الاعتداء في منطقته، أن يتعقب المعتدين ويؤدبهم، وأن يعيد الأشياء المنهوبة إلى أصحابها، وكان التجار يضيفون مبالغ هذه الإتاوات والهدايا إلى أسعار مبيع البضائع، الأمر الذي يجعلها غالية الثمن. وكثيرا ما كان أصحاب البضائع يلجئون إلى الوسائل المعنوية لحماية تجارتهم، مثل تقديم الهدايا والقرابين للآلهة عند مغادرة قوافلهم أو عند عودتها، وقد اتخذ بعض الأقوام كالأنباط والتدمريين إلهًا خاصًّا لحماية القوافل: "ذو الشرى" عند الأنباط و"ساعي القوم" أي حامي القوافل عند التدمريين. ويعقد القائمون على الحكم العهود والمواثيق مع رؤساء وحكام الدول المحيطة بهم، التي تقصدها قوافلهم، وهي التي تخولهم حق المرور في أراضيهم والاتجار فيها، وتوفير الأمان لها وحسن الجوار. وهذا هو الإيلاف الذي ورد ذكره في القرآن الكريم: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ, رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْف﴾ ١، أشبه شيء بالاتفاقات التجارية التي تعقد بين الدول في أيامنا الحاضرة، ووفقا لهذه العهود يتاح للتجار القرشيين التنقل في البلاد التي تعقد معها دون أن يعترضهم أحد، كما يتاح لأي دولة منها إذا شاءت أن تراقب الوافدين إليها. فالقوافل العربية التي كانت تقصد الشام كانت تتسوق من أسواق عينتها الحكومة البيزنطية لتحصِّل منها الضرائب، ولتراقب الوافدين الأجانب إلى بلادها٢.

стр. 354

وقد اعتمد الروم البيزنطيون على تجارة مكة في كثير من شئونهم ووسائل ترفهم، لا سيما الحصول على الأقمشة الحريرية المزركشة الموشاة، ولم يكن بوسعهم الاستغناء عما يأتونهم به. وقد ذكر بعض مؤرخي الغرب أنه كان للبيزنطيين بيوت تجارية في مكة، يستخدمونها للشئون التجارية وللتجسس على أحوال العرب١. وتقاسم بنو عبد مناف النشاط التجاري في مختلف البلدان المجاورة، فكان هاشم الذي يروى أنه قد حصل على عهد أمان من القيصر البيزنطي لتجار مكة، يذهب إلى الشام، وعبد شمس الذي حصل على عهد مماثل إلى الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس، وكل منهما حصل على عهد "إيلاف" من كل من ملكي اليمن وفارس٢. وقد نشطت التجارة في عهد عبد المطلب بن هاشم، وازدهرت مكة وأصبحت مركزًا للصيرفة، كما يقول المستشرق "أوليري" ويمكن أن يدفع فيها التجار أثمان السلع التي يُتَّجر بها مع بلاد بعيدة، وكانت عمليات الشحن والتفريغ للتجارة الدولية تتم في مكة، ويجري فيها التأمين على التجارة عند نقلها من مكة إلى مختلف الجهات عبر طرق محفوفة بالمخاطر٣. وقامت طبقة من الصيارفة، يؤمنون للتجار عملات الدول الأجنبية التي يتعامل معها القرشيون. ومثلما كان لبيزنطة وفارس، وربما للحبشة أيضا، ممثلون تجاريون في قلب مكة، كان لمكة أيضا وكلاء تجاريون في أماكن مختلفة مثل غزة والشام ونجران. كما كان يأتي إلى مكة تجار أجانب من روم وفرس وغيرهم سكنوا فيها، وخالطوا أهلها وتحالفوا مع أثريائها، وأقام بعضهم فيها لقاء جزية سنوية يدفعونها لهم؛ لتأمين حمايتهم ولحفظ أموالهم وتجارتهم، وقد اتخذ بعض التجار الأجانب مستودعات فيها لخزن بضائعهم التي يأتون بها كالقمح والزيت والزيتون والخمور٤.

стр. 355

وقد أدى اختلاط قوافل تجار العرب من قديم الزمن بعرب الشام وغيرهم، إلى تسرب كثير من الكلمات التجارية والحضارية من يونانية وغير يونانية إلى لغة العرب، فتعربت بمرور الزمن في العهد الجاهلي١. ومما يدل على اهتمام الحجازيين بالتجارة كثرة الكلمات والعبارات المجازية التي وردت في القرآن الكريم، سواء فيما يتعلق بالتجارة مثل: الحساب والميزان والقسط والمثقال والذرة والقرض والربا والدينار والدرهم ... إلخ, أو فيما يخاطب التنزيل الحكيم قريشًا باللغة التي تفهمها وهي التجارة، من ذلك الآيات الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢، و ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين﴾ ، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَة﴾ ٣. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة مماثلة. وحتى نساؤهم قد اشتغلن في التجارة، واشتهرت منهن عديدات مثل: خديجة بنت خويلد التي كانت تستأجر الرجال للذهاب بعروضها التجارية إلى الشمال، وهند بنت عبد المطلب، والحنظلية أم أبي جهل التي كانت تتاجر بالعطور، تستوردها من اليمن٤. يقول "درمنجهايم": إن القرشيين قد تميزوا عن العرب جميعًا بحسن تذوقهم للعمل التجاري، فدعموا عملياتهم التجارية بتنظيم مالي ومصرفي مدهش، واستعملوا عملات مختلفة منها الدينار البيزنطي، الذي كان له المقام الأول في شبه الجزيرة، ومنها عملات يونانية أو فارسية "الدرهم الفضي الفارسي"، أو حميرية كما كان لهم موازين عامة، ويعتقد بأنهم استعملوا الميزان ذا الكفتين كما يستدل من بعض الآيات الكريمة، ومكاييل "صاع، مد، ربع صاع" أشار إليها القرآن الكريم. وكان لهم موازين خاصة دقيقة يزنون بها

стр. 356

السبائك الذهبية الخام، ومكاييل خاصة يكيلون بها مساحيق الذهب. وقد عمد التجار المكيون إلى استعمال دفاتر حسابات تولوا مسكها، كما استعملوا أختامًا وأساليب معقدة، ورموزًا في الكتابة كانت تثير تهكم البدو لجهلهم بها١. لم يكن التجار القرشيون يجمدون أموالهم الفائضة، بل كانوا يوظفونها في مشاريع استثمارية خارج الحجاز. فقد كان آل أبي ربيعة يشغِّلون أنوالًا لنسج الحرير في اليمن، وكان لأبي أحيحة الثري الكبير أموال موظفة في مشروعات زراعية في الطائف، ولأبي سفيان أملاك وولايات تجارية في شرق الأردن وفلسطين، ولعقبة بن أبي معيط مركز تجاري في مدينة صفورية بفلسطين. ومن الدراسات التي قام بها بعض المستشرقين يستدل على أن تجار مكة كانوا يراعون بعض المعاملات التجارية المالية، ويذكر الباحثون بعض الطرق التي كانوا يتبعونها، مثل طريقة عقد القرض، وطريقة الشراكة والمضاربة، إذ كانت تكتب بها صكوك، فيقدم امرؤ مالًا ويأخذ ربحًا، فيصبح شريكًا مضاربًا، دون أن يشترك في العمل. وثمة طريقة للمضاربة هي أشبه بالميسر، وكانت تؤدي في كثير من الأحيان إلى الإفلاس والفقر، كأن يضارب التاجر على أسعار البضائع الأجنبية قبل ورودها، أو على قدوم القوافل في مواعيدها أو متأخرة، أو يبيعون ويشترون الثمار قبل نضجها وقطافها. وكثيرًا ما كان الفقراء أو البدو البسطاء ضحية أساليب الغش التي يلجأ إليها التجار من ذوي الضمائر الفاسدة، أو الصيارفة الجشعون الذين كانوا يقرضون المال بفائدة فاحشة تزيد على ٥٠ في المائة أو حتى مائة في المائة، أو السماسرة والوسطاء المريبون الذين يبتغون جمع الأموال دونما حاجة إلى رأس مال٢، كما كانوا فريسة للمزورين الذين يكتبون بالقروض المؤداة إلى المدين مستندات يسجلون فيها ضعف المبلغ الذي يؤدونه له، والذين كانوا يستعملون أساليب لا حصر لها في الخداع والغش، فيحصلون على فوائد القروض مضاعفة، وتضاعف كلما تأخر المدين عن أداء الدين السابق، وهو الذي عبر عنه التنزيل الحكيم باسم "الربا" وحرمه.

стр. 357

وقد وجد في مكة أثرياء كبار نعموا بالحياة الدنيا وغرقوا في الترف، مثل عبد الله بن جدعان، الذي لم يكن يشرب إلا بكأس من الذهب فعرف باسم "حاسي الذهب", والوليد بن المغيرة المخزومي، وقد اشتهر بنو مخزوم بالثروة والمال، وأبو أحيحة الذي أورث بناته أموالًا طائلة، فأصبحن من أغنى أغنياء مكة، وعبد المطلب بن هاشم الذي بلغ ثمن الحلل التي كُفِّن بها ألف مثقال من الذهب، وطرح على جثمانه المسك حتى غمره١. ومن التجارة التي راجت في مكة تجارة الرقيق، فأصبحت أكبر سوق لها. كما اصطبغت مكة بصبغة دولية؛ لكثرة ما كان يرتادها من غرباء جاءوا من أمم ومن أصقاع مختلفة، وأصبحت تعج بهم عجًّا، بينهم فرس وروم وأحباش وزنوج، كما كان منهم النصارى واليهود، يشكلون جاليات جاء أفرادها للتجارة أو للعمل اليدوي في البناء والزراعة والصناعة، أو جاء بعضهم هربا من الاضطهادات الدينية في بلادهم الأصلية، مثل المسيحيين واليهود، وهذا ما يفسر لنا ما دخل لغة قريش من ألفاظ رومية أو فارسية أو حبشية أوغيرها.

стр. 358

أسواق العرب مدخل ... أسواق العرب: كان للعرب أسواق تجارية عامة، يقصدها الناس من شتى أنحاء شبه الجزيرة للبيع والشراء. وقد اختيرت لها الأماكن المناسبة، من حيث الاتساع والقرب من المدن المتحضرة وتوفر الماء. وهي تكون عادة محاذية للسواحل، حيث المنخفضات التي تتجمع فيها السيول الهابطة من المرتفعات المجاورة، أو مجاورة للوديان التي تتوفر فيها الينابيع، أو متمركزة في واحات هي في الوقت نفسه محطات للتزود بالغذاء والماء، ومراكز تجارية ترتادها القوافل للبيع والشراء والراحة. ولم يكن عرب شبه الجزيرة فقط هم الذين يقصدون هذه الأسواق، بل كان يأتيها تجار من خارج البلاد. فقد كان الروم مثلا يتوغلون إلى مسافات بعيدة في أراضي العرب الشاسعة للبيع والشراء١.

стр. 359

من هذه الأسواق ما هو دائم، ومنها ما هو موسمي موقت، يعقد في شهر معين من السنة، ومنها ما هو عام يرتاده العرب من شتى أنحاء شبه الجزيرة، أو ما هو محلي يتم فيه التبادل بين التجار والبدو المجاورين. ومع أن هذه الأسواق أقيمت لغاية أساسية هي التجارة وتبادل السلع المختلفة من طعام وشراب وثياب وسلاح وخيل وإبل، غير أنها لم تكن تقتصر على هذا الأمر، بل كان الشعراء والخطباء والمبشرون الدينيون من مسيحيين وغيرهم, يقصدونها للمباراة في الشعر والخطابة وبث الدعوات الدينية. ومما يروى أن الرسول ﷺ كان يخرج إلى هذه الأسواق، ويعرض دينه على القبائل العربية التي ترتادها لهدايتهم. وربما جاء أحدهم ليبحث عن غريم، أو عن عبد هرب من داره، أو عن دابة سرقت له١، أو ليسعى في فداء أسير من ذويه. وفي هذه الأسواق، لا سيما في سوق عكاظ، كان العقلاء ينتهزون فرصة التقاء الزعماء من شتى القبائل؛ ليوفقوا بين المتخاصمين منهم والمتنازعين، وليصلحوا بين قبيلة وأخرى تقتتلان، وتحل المشاكل الموجبة للنزاع من دفع ديات، أو وفاء بالتزامات، أو دفع ديون. كما تعقد فيها عهود الجوار والمحالفات، وتعلن فيها القرارات التي تتخذها القبائل لخلع السفهاء من أفرادها. كانت الأسواق منتشرة في جميع أنحاء شبه جزيرة العرب, وموزعة على أيام السنة كلها بوجه التقريب. يقول القلقشندي٢: "كان للعرب في الجاهلية أسواق يقيمونها في شهور السنة، وينتقلون من بعضها إلى بعض، ويحضرها سائر قبائل العرب من بَعُدَ منهم ومن قَرُبَ، فكانوا ينزلون دومة الجندل أول يوم من ربيع الأول فيقيمون أسواقها بالبيع والشراء، والأخذ والعطاء، فيعشرهم رؤساء آل بدر في دومة الجندل، وربما غلب على السوق بنو كلب فيعشرهم بعض رؤساء كلب، فتقوم سوقهم إلى آخر الشهر. ثم ينتقلون إلى سوق هجر، من البحرين، في شهر ربيع الآخر فتقوم أسواقهم بها. وكان يعشرهم المنذر بن ساوى أحد بني عبد الله بن دارم، ثم يرتحلون نحو عمان بالبحرين، فتقوم سوقهم بها، ثم يرتحلون فينزلون عدن من اليمن أيضًا، فيشترون منه اللطائم وأنواع

стр. 360

الطيب، ثم يرتحلون فينزلون الرابية من حضرموت، ومنهم من يجوزها إلى صنعاء، ثم تقوم أسواقهم بها، ويجلبون منها الخرز والأدم والبرود، وكانت تجلب إليها من معافر، ثم يرتحلون إلى عكاظ في الأشهر الحرم، فتقوم أسواقهم ويتناشدون الأشعار ويتحاجون، ومن له أسير سعى في فدائه، ومن له حكومة ارتفع إلى الذي يقوم بأمر الحكومة، وكان الذي يقوم بأمر الحكومة فيها من بني تميم، وكان آخر من قام بها منهم الأقرع بن حابس التميمي، ثم يقيمون بعرفة ويقضون مناسك الحج، ويرجعون إلى أوطانهم". إن أشهر أسواق شرقي شبه الجزيرة العربية: سوق "المشقَّر" بالبحرين قرب هجر، وكان يرتادها ساكنو الجهات الشرقية والغربية من شبه الجزيرة, كما يرتادها تجار الهند وفارس. ويرتاد هؤلاء سوقًا أخرى في البحرين هي سوق هجر. وفي عمان وجد سوقان إحداهما سوق "دبا" وكانت مقصد الصينيين والهنود إلى جانب من يقصدها من سكان شبه الجزيرة، والأخرى سوق "صحار". واشتهر في جنوبي شبه الجزيرة العربية: سوق "الشحر" في المهرة، وسوق "عدن" وسوق "الرابية" بحضرموت وسوق "صنعاء" في اليمن. وفي شمالي شبه الجزيرة سوق "دومة الجندل" وتقع على منتصف الخط الواصل بين العقبة والبصرة تقريبًا، وبالقرب من جبلي طيء "أجأ وسلمى"، وكان يتنافس على رئاستها كل من أكيدر العبادي من السكون، وقنافة من بني كلب أيهما كانت له الغلبة عشَّر السوق. وأكيدر هو صاحب حصن دومة الجندل الشهير, وقد دهمه خالد بن الوليد بمناسبة وقعة تبوك، وتغلب عليه فأسلم بعدئذٍ. كان البيع يجري في هذه السوق بطريقة "بيع الحصاة" ولم يكن أحد ممن يرتاد السوق يشتري أو يبيع حتى يبيع "الأكيدر"، ملك السوق، كل شيء يريد بيعه، ثم يشرع في استيفاء المكس على بيوع رواد السوق١. أما غربي شبه الجزيرة، ولا سيما الحجاز، فقد حفل بكثير من الأسواق، وكان السبب في كثرتها أولًا: وجود الكعبة كمركز ديني يستقطب الوافدين إليه لإقامة الشعائر الدينية، وبالمناسبة للقيام بالأعمال التجارية في أسواق أقيمت لمد الحجاج بما يحتاجون

стр. 361

إليه. ثانيًا: وقوع حواضره المهمة على المسالك التجارية المارة من الجنوب إلى الشمال. ثالثًا: لأن المنطقة متعددة الفعاليات، ففيها تجارة قريش المزدهرة، وبعض الواحات والحرات التي يتعاطى أهلها الزراعة، وتكثر فيها الغلات، وتقوم فيها بعض الصناعات، كما في يثرب وفدك وتيماء وغيرها من الحرات التي سكنها اليهود. وقد اشتهر هؤلاء بصناعات كثيرة، نقلوها إلى هذه الجهات، مما جعل في المنطقة حركة مبادلات تجارية نشيطة.

стр. 362

سوق عكاظ: ومن أشهر أسواق غربي شبه الجزيرة العربية سوق عكاظ التي عرفت بأهميتها التجارية العظيمة، إلى جانب أهميتها من الناحيتين الاجتماعية والأدبية. ففيها تباع أفخر الملابس وأطيب الخمور وأشهر أنواع الأسلحة، ويرد إليها من اليمن البرود الموشاة وأحسن أنواع الطيوب، ومن الشام الزيوت والزبيب والخمور، ويباع فيها الحرير والأحذية وشتى الأدوات المعدنية ويعرض فيها الرقيق. وقد يأتي إليها غازٍ بما سلب من أسلحة خصم قتله في غارة، فيرى ذوو المقتول سلاح قتيلهم، فيترصدون بائعه، حتى إذا ظفروا به خارج السوق ثأروا منه لدم قريبهم. وكان من عادة فرسان العرب المبرزين أن يأتوا السوق ملثمين؛ كي لا ينكشف أمرهم، ويتعرف عليهم ذوو الثارات عندهم، فيذهبوا ضحية الثأر. وسوق عكاظ معرض لكثير من عادات العرب وأحوالهم الاجتماعية، ولحل بعض مشاكلهم السياسية، إذ كان يتم فيها التحكيم بين القبائل المتحاربة، ويتبادل الفرقاء المتخاصمون ديات قتلاهم. ومن كان له إتاوة على قوم نزل على عكاظ فجاءوه بها، ومن أراد إجارة أحد هتف بذلك في السوق، ليعلم عامة الناس بذلك, والقبيلة التي تريد خلع أحد السفهاء من أفرادها، ينادي مناديها بذلك فيها, وإذا أراد أحد أن يلحق آخر بنسبه أعلن ذلك. وفي السوق تعقد معاهدات الصلح والسلام، ويتفق المتخاصمون على دفع الديات. فالسوق كانت بمثابة جريدة من الجرائد الدورية والرسمية، أو بالأحرى وسيلة من وسائل الإعلام العامة. وإلى جانب كون سوق عكاظ معرضًا من معارض التجارة، وندوة من ندوات

стр. 363

السياسة والاجتماع، فهي معرض من معارض الأدب والخطابة، إذ تعقد فيها حلقات الأدب والشعر، ويتناشد الشعراء قصائدهم، يحكم فيها أخصائيون يكونون في الغالب من فطاحل شعراء الجاهلية. ففي الروايات أن نابغة بني ذبيان كانت تضرب له قبة من أدم أحمر اللون في سوق عكاظ، يجتمع إليه فيها الشعراء، ويستمع إلى ما ينشدونه من قصائد، فيعطي رأيه فيها. ولعل ما عرف باسم المعلقات هو مما كان يعجب به هذا الشاعر الكبير، وهذا يتم في كل موسم من مواسم السوق. ومعلقات الشعراء الجاهليين كثيرة، وهي من عيون الشعر في الجاهلية ولعل تسميتها جاءت من تشبهها، لجودتها، بالقلائد التي تعلق في نحور الغانيات. ولم يكن أقل من ذلك شأن الخطباء والوعاظ، إذ يحتشد الناس حول أحدهم وتشخص إليه الأبصار، فيطلع عليهم بخطبة كخطبة قس بن ساعدة الإيادي التي يقول فيها: "أيها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات ... إلخ" وهي معروفة١. وكان إلى جانب سوق عكاظ أسواق أخرى أقل أهمية، مثل "مجنة" و"ذي مجاز"، وهي قريبة من مكة. وفي يثرب وحولها قامت بعض الأسواق مثل سوق بني قينقاع في يثرب نفسها، حيث كان العرب يبتاعون مصنوعات اليهود الذهبية والمعدنية وغيرها، وقد اشتهر بنو قينقاع بالصياغة. كما وجد في يثرب سوق يقيمها النصارى من سكانها تسمى "سوق النبط" والمعتقد أن نبط الشام كانوا ينزلون فيها للاتجار بالحبوب، كما قام خارج يثرب وإلى مسافة غير بعيدة منها سوق بدر، حيث وقعت الموقعة الشهيرة في الإسلام بين الرسول وكفار قريش، وهو موضع توفر فيه الماء.

стр. 364

حماية التجارة في الأسواق: تعارف العرب على تقاليد يلتزمون بها في أمور تجارتهم، ومواسم حجهم إلى الكعبة. وهي تقضي بتحريم القتال خلال أربعة أشهر في السنة سموها الأشهر الحرم، ثلاثة منها متتابعة هي: ذو القعدة، ذو الحجة، المحرم، وشهر واحد منفرد هو رجب الفرد أو رجب الأصم، وربما كان السبب في تسميته "الأصم" كونه لا تسمع فيه قعقعة السلاح. وكان من أعظم العار عندهم، أن يخرق أحدهم حرمة هذه الأشهر، فيسفك فيها

стр. 365

دمًا، حتى تنقضي تمامًا، وحتى يغادر الناس المكان الحرام، أي الكعبة وما يجاورها من أماكن محدودة المعالم، والحرب محرمة فيها طوال أيام السنة، فإذا لقي المرء قاتل أبيه ما وسعه التعرض له بسوء فيها. ولذا سمى العرب الحروب التي جرت بين كنانة وقيس عيلان في عكاظ باسم "حروب الفجار" لأنهم اقتتلوا في الأشهر الحرم، وامتدت اشتباكاتهم حتى الأماكن المقدسة. والسبب الذي حمل العرب على اتباع هذه التقاليد، هو حرصهم على توفير جو من السلام والطمأنينة خلال مواسمهم الدينية التي يشترك الناس والقبائل من أرجاء شبه الجزيرة العربية كافة فيها. وقد حرصوا على جعل أكبر أسواقهم تقام في الأشهر الحرم؛ لتوفير جو السلام والهدوء للتجارة أيضا. فكانت سوق حُباشة وسوق صحار في رجب، وسوق حضرموت في ذي القعدة، وأسواق عكاظ ومجنة وذي مجاز في ذي الحجة١، بحيث لا ينتهي بيعهم وشراؤهم من سوق عكاظ حتى ينصرفوا إلى السوق التي تعقد بعدها، ويستمر تنقلهم على هذا المنوال طوال أيام السنة تقريبًا، كما تقدم معنا في أول هذا الفصل. كما أن من الأسواق ما كانت تقام في غير الأشهر الحرم، الأمر الذي أوجب أن يكون قدوم الناس إليها بعروضهم التجارية بخفارة، ورجوعهم منها بخفارة؛ خوفًا على هذه العروض من أن تكون نهبًا مقسمًا للصوص وقطاع الطرق. فتجارة العرب كانت أروج ما يكون حيث يستتب الأمن، ويعم الهدوء، وتعم الثقة. وقد تميزت مكة وما يجاورها من مناطق بهذه الميزة لمجاورتها الكعبة، فغنيت وازدهرت من التجارة، وفرضت نفوذها الأدبي على القبائل العربية كافة. بيد أن رعاية التقاليد الآنفة الذكر ليست بالشيء المطرد على إطلاقه، بل قد يحدث أن بعض القبائل لا تعرف لهذه الحرمات حقًّا، فتسفك الدم ولو في الشهر الحرام وفي البلد الحرام٢, أو أن طالب ثأر لا يملك أعصابه حينما يشاهد قاتل أخيه أو أبيه فيقتله، الأمر الذي حمل القوم على التفكير في توفير الحماية لهذه الأسواق. وقد أُطلق على من يقومون

стр. 366

بهذه المهمة اسم "الذادة المُحرِمين" بينما أُطلق على الذين يهتكون حرمة التقاليد المتعارف عليها اسم "المُحِلين". ويشرف على مهمة الذود عن "التحريم" الملوك، إذا كانت الأسواق تعقد في أرض مملكة، أو رؤساء القبائل الذين تقوم الأسواق في جوارهم. والرئيس الذي يحمي السوق يلقب باسم "ملك السوق" وربما تنافس رئيسا قبيلتين مجاورتين على ملكية السوق، فيجري الاتفاق بينهما على التناوب في القيام بهذه المهمة. وتتجلى سيادة الرئيس بأخذ العشر من التجار عما يباع، ويطلق عليه اسم "المكس" وكان يقال للعشار: صاحب المكس١. وربما اعتبر بعضهم المكوس بمثابة غرامات، وإلى ذلك يشير الشاعر جابر بن حنى التغلبي بقوله: أفي كل أسواق العراق إتاوة ... وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم

стр. 367

طرق البيع ومصطلحاته مدخل ... طرق البيع ومصطلحاته: هناك طرق مختلفة للبيع والشراء عرفت في الجاهلية, وبعضها يبدو على شيء من الغرابة، بحيث لا يختلف عما هو معروف لدينا الآن باسم "الحظ واليانصيب" وقد أبطلها الإسلام إثر قيامه, ولعل أشهرها طريقة بيع الحصاة التي كانت معروفة في سوق دومة الجندل. وتتم على أشكال مختلفة، كأن يقول البائع للمشتري: ارمِ هذه الحصاة على أي ثوب وقعت فهو لك بكذا من الدراهم, أو أن يعترض المشتري قطيعًا من الغنم فيقول له صاحبه: ارم حصاة "فأية شاة أصابتها فهي لك بكذا", أو أن يبيع رجل من أرضه بقدر ما تنتهي إليه رمية حصاة بكذا من النقود, أو أن يقبض على كف من الحصى ويقول: لي بكل حصاة درهم ثمنًا لكذا من الأشياء أو السلع التي يبيعها, أو أن يجتمع نفر على سلعة يساومون صاحبها عليها، فأيهم رضي ألقى حصاته فيقع عليه البيع١. ومنها بيع الملامسة وذلك بأن يأتي البائع بثوب مطويٍّ نهارًا أو في ظلمة، فيلمسه المستام، فيقول له صاحب الثوب: "بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك له، مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته"، فلا يقلب المشتري الثوب لا ليلا ولا نهارا.

стр. 368

ومن طرق بيوع الجاهلية:

стр. 369

بيع المعاومة: كأن يبيع الرجل ثمر شجره عامين أو ثلاثة أو أكثر, وهو بيع مجهول وغير مملوك.

стр. 370

بيع المزابنة: وهو بيع الرطب في رءوس النخل بالتمر كيلًا، أي: بيع شيء لا يُعلَم كيله ولا عدده ولا وزنه بمسمى من مكيل وموزون ومعدود، وقد يكون بيع معلوم بمجهول من جنسه، ويحتمل فيه الغبن فهو بيع مغابنة. وسمي بيع المزابنة؛ لأن أحد المتبايعين إذا ندم زبن صاحبه عما عقد عليه، أي: دافعه في ذلك.

стр. 371

بيع التصرية: وتتلخص بأن الرجل إذا أراد بيع شاة أو ناقة امتنع عن حلبها أيامًا، فيحتفل اللبن في ضرعها فيعظم. فإذا كان ذلك منها، عرضها للبيع، فيظن المشتري أن كثرة لبنها واحتفال ضرعها عادة مستمرة لها؛ فلا يلبث أن يتبين خطؤه بعد شرائها. والتصرية تعني الجمع، يقال: صَرَّ الماء في الحوض إذا جمعه. ومن بيوع الجاهلية بيع ما في بطون الحوابل من الحيوانات. وأخيرًا هنالك ما يقال له:

стр. 372

بيع النَّجَش: وهو أن يواطئ البائع رجلًا آخر، فيحمله على امتداح بضاعته، أو أن يساومه عليها بثمن مرتفع، فينظر إليه ناظر يرغب في شرائها، فتجوز عليه الخدعة، ويشتري السلعة بثمن مرتفع١. وأخيرًا هناك:

стр. 373

بيع الناجز: وهو البيع المعروف لجميع الناس بادين وحاضرين، وذلك إذا كانت المبادلة يدًا بيد. قالوا: بيع السوق ناجزًا بناجز أي: حاضرًا بحاضر١.

стр. 374

الفصل الثالث عشر: الحياة الاجتماعية والتقاليد البدوية مدخل ... الفصل الثالث عشر: الحياة الاجتماعية والتقاليد البدوية من الواضح أن النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لعرب الجاهلية هي حصيلة التفاعل بينهم وبين البيئة التي عاشوا فيها, فقد خضعوا لشروط بيئتهم، ولاءموا حياتهم الاجتماعية مع الظروف الطبيعية التي نشئوا فيها. لقد اتصفت ظروف المعيشة في شبه جزيرة العرب بالقسوة والإملاق، سماء شحيحة بالغيث، وأرض صحراوية قاحلة في أغلب أرجائها، فأوجبت هذه الظروف أن يكون الأساس في حياة العرب، وبخاصة عرب الشمال، البداوة. والبداوة تعني الحياة القبلية المتنقلة، إذ إن طبيعة البلاد الصحراوية تفرض على ساكنيها أن يعانوا حياة شاقة لا مجال فيها للقرار واستيطان الأرض. فالقبائل تتنقل مع إبلها ومواشيها وخيامها وأمتعتها المتواضعة من مكان إلى مكان، تتبع مساقط الغيث ومنابت الكلأ. فإذا نفد العشب من مكان قد ارتادته، تركته وجدَّت في البحث عن مكان آخر تجد فيه ما افتقدته. ولما كانت الأمكنة المعشوشبة محدودة, وجب على القبائل المختلفة أن تتنافس وأن تتنازع للحصول عليها، فتتألف بينها سلسلة من العداوات تجر وراءها سلسلة من الثارات. ولذا قامت الحياة القبلية أو النظام القبلي على أساس التضامن بين أفراد العشيرة، أو بين العشائر التي تنتمي إلى قبيلة واحدة، لتستطيع الصمود أمام القبائل الأخرى التي تنافسها. ذلك أن المصلحة المشتركة أو الوحدة السياسية مفقودة بين القبائل، والقبيلة هي الوحدة التي يتجمع حولها الأفراد. والأفراد لا يعرفون سوى قبيلتهم ملاذًا لهم، خلافًا لأهل الحضر الذين يكرسون ولاءهم للدولة في أيامنا الحاضرة. وإذا كانت القبيلة تقوى بأفرادها، وكانت قوة الأفراد من قوة الجماعة، وجب على

стр. 375

الفرد في القبيلة أن يتضامن مع قبيلته على الخير والشر، وأن ينصر أخاه ظالمًا أو مظلومًا، وأن يكون أفراد القبيلة يدًا واحدة على من سواهم: لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا إن هذا التضامن هو الذي يطلق عليه اسم "العصبية القبلية". والعصبية كما عرفها ابن خلدون: "النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو أن تصيبهم هلكة" وإنها مظهر من مظاهر صلة الرحم، تلك الصلة التي هي شيء طبيعي في البشر. وتتولد العصبية القبلية عند الأفراد عن وعي أو غير وعي، وتستمر بتعاقب الأجيال، على نمط عاطفة عميقة وفكرة ثابتة. فهي بمثابة الرباط الذي يشد بطون القبيلة وأفرادها بعضهم إلى بعض، فيجعلهم يدا واحدة, ولولا هذا الشعور لما كان في وسعهم أن يدافعوا عن أنفسهم ومصالحهم. فالعصبية القبلية بهذا المعنى هي البديل الذي لا بد منه للرابطة القومية، ولكن في حيزها المتطرف. ويقترن بالعصبية القبلية عادة الثأر، إذ تقضي تقاليد البادية أن يطالب أهل المقتول بقاتله ليقتلوه به، وهو الأمر المعروف باسم "القَوَد" إلا إذا رضوا بدية القتيل. والدية تختلف باختلاف مركز القتيل من الناحية الاجتماعية، فالدية الواجبة عن الملوك والزعماء تختلف عن دية الأفراد والصعاليك، ودية الصريح ضعف دية الحليف. والذي جرى عليه العرب أن يأخذوا مائة من الإبل دية القتيل من عامتهم، ودية الأشراف تزيد على ذلك، بينما تكون دية الملوك ألف بعير١. أما إذا لم يحصل القود، ولم يرضَ ذوو القاتل أو عشيرته بدفع الدية، ويكون القاتل قد لاذ بالفرار، عندئذٍ يصبح الأخذ بثأره واجبًا محتمًا. إذ يصمم ولي المقتول، ويكون عادة أقرب الناس إليه، على الأخذ بثأره، وغالبا ما يحرم على نفسه أن يشرب الخمر أو يقرب النساء أو يمس رأسه غسل حتى يدرك ثأره٢، وقد يستغرق طلب الثأر عشرات

стр. 376

السنين. والعرب يعتقدون أن القتيل تخرج من رأسه هامة تنادي على قبره "اسقوني فإني صدية"، ولا ينقطع نداؤها إلا حين يؤخذ بثأره١. ومتى أدرك أولياء القتيل ثأرهم، ورأوا أن من قتلوه كفؤًا لقتيلهم، نام الثأر في صدورهم، وعندئذ يسمى "الثأر المنيم". أما الذي يتوانى عن طلب الثأر لقتيله فيلحقه العار, وقد يلحق العار القبيلة بأسرها إذا نامت عن ثأرها ولم تسعَ إليه، فينظر العرب إليها نظرة ازدراء واحتقار, وحتى من يقبل دية قتيله يُنظر إليه بمثل هذه النظرة. وكثيرًا ما يتولد عن الانتقام للدم المسفوح ثأر جديد، يجر وراءه سلسلة من الثارات المتبادلة، أشبه ما يكون بالحلقة المفرغة، وقد يستغرق ذلك أجيالًا. كما قد تسوى الأمور، بأن يسلم القاتل طوعا أو كرها إلى أهل القتيل كي يقتلوه به، فلا يبقى مجال لطلب الثأر. لكن القبيلة التي تفعل ذلك تكون قد جلبت على نفسها عارا لا يمحى. لذلك فإن القبائل تفضل أن تقتل القاتل بدلًا من تسليمه طوعا للمطالبين به؛ دفعًا للعار. وقد تتفق قبيلتان متحاربتان على تسوية الثارات بينهما لحقن الدماء فترضيان بالتحكيم، يتولاه شخص معين أو هيئة محكمين، يرضى بهم الطرفان، فيحكمون بأن تدفع القبيلة التي يكون قتلاها أقل من الثانية فضل الديات لها. وقد يحكمون بإبطال المطالبة ببعض الدماء، باعتبارها لا تستوجب دفع الدية، ويقال لذلك "الشدخ". والمثال على ذلك: الحكم الذي أصدره "يعمر بن عوف" بين قصي وخزاعة، فحكم بأن كل دم أصابه قصي من خزاعة موضوع، يشدخه قصي تحت قدميه، فسمي يعمر لذلك باسم "يعمر الشداخ"٢. خلاصة القول: أن العصبية والثأر هما صنوان متلازمان وأمران طبيعيان في

стр. 377

الصحراء، حيث لا قوة أو دولة تحمي الفرد إذا ضعف، أو تنتقم له إذا اعتدى عليه أحد، اللهم إلا عشيرته أو قبيلته. ولذا فرضت تقاليد البادية أن يثأر الفرد لنفسه أو لذويه، من كل من يلحق الأذى به أو بذويه. ويتضامن معه أفراد عشيرته، أو بطون قبيلته، في الوصول إلى حقه ضد أي فرد أو جماعة تعتدي عليه من خارج قبيلته. هذه التقاليد هي في البادية البديل الذي لا بد منه لوظائف الدولة، التي تعاقب وتحمي في المجتمعات الحضرية في عصرنا الحاضر. ولا بد في هذه الحالة من أن يزداد الشعور القبلي والعصبية القبلية عمقًا وقوةً، بحيث يعتبر أفراد القبيلة أنفسهم جسمًا واحدًا لا تنفصم أجزاؤه عن بعضها؛ ولذا نجد أن العرب كانوا يطلقون على رتب الأنساب أسماء مأخوذة عن أعضاء الجسم، وكأنهم رتبوها على بنية الإنسان١. وهي ست مراتب رتبها الإمام الماوردي كما يلي: الشعب، القبيلة، العمارة، البطن، الفخذ، الفصيلة، وكلها أصول وفروع للنسب القبلي تقابل أسماء من أعضاء الجسم, وقد زاد بعضهم العشيرة قبل الفصيلة كما قال النووي. وهناك من رتب هذه المراتب نفسها على نسق آخر تقديما وتأخيرا.

стр. 378

المرتبة الأولى: الشعب: وهي تشمل النسب الأبعد كعدنان وقحطان. ونسل كل منهما شعب فهما شعبان. وفي القاموس: الشاعبان هما المنكبان لتباعدهما, وفيه أيضا: الشعب: موصل قطع الرأس "في أعلاه" وربما سمي الشعب بهذا الاسم؛ لأنه أعلى مرتبة من مراتب النسب، مثلما الشعب "موصل قطع الرأس" في أعلى رأس الإنسان، ومنه تتفرع:

стр. 379

المرتبة الثانية: القبائل: والقبائل العربية تتفرع من الشعب كما تتفرع قبائل الرأس "وهي قطع عظم الرأس المشعوب بعضها إلى بعض" من أعلى الرأس "أي: الشعب", وقد ذكر الجوهري أن قبائل العرب إنما سميت باسم قبائل الرأس. يقول القلقشندي: القبيلة هي ما انقسم فيه

стр. 380

الشعب كربيعة ومضر. وربما سميت القبائل باسم "جماجم" أيضًا: "جماجم العرب هي القبائل التي تجمع البطون".

стр. 381

المرتبة الثالثة: العمارة: وهي بمثابة العنق والصدر من الإنسان, وهي ما انقسمت فيه أقسام القبيلة كقريش أو كنانة.

стр. 382

المرتبة الرابعة: البطن: وهو ما انقسمت فيه أقسام العمارة كبني عبد مناف وبني مخزوم.

стр. 383

المرتبة الخامسة: الفخذ: وقد جعلوها بعد البطن؛ لأن الفخذ من الإنسان بعد البطن. والفخذ ما انقسمت فيه أقسام البطن كبني هاشم وبني أمية.

стр. 384

المرتبة السادسة: الفصيلة: وقد جعلوها بعد الفخذ؛ لأنها النسب الأدنى الذي يفصل عنه الرجل بمثابة الساق والقدم. والفصيلة ما انقسمت فيه أقسام الفخذ كبني العباس١. والعصبية القبلية هي في الأصل الشعور بصلة النسب إلى جد واحد، وتختلف شدة رباطها باختلاف درجات الالتحام في النسب. غير أن هنالك من الدلائل ما يشير إلى أن النسب أمر عرفي، إلى جانب كونه أمرًا طبيعيًّا، إذ يدخل فيه الأفراد الذين يصاهرون القوم وينتسبون إليهم بالولاء ولو كانوا من قبائل أخرى. ويكون للعصبية القبلية قيمة أعظم من حيث الرباط الذي يجمع بين القبائل التي ترجع إلى نسب واحد، إذا رفد رابط النسب رابط من المصلحة والجوار. وقد لا يكون للنسب شأن كبير أحيانا إذا تضارب مع المصلحة وحسن الجوار.

стр. 385

ويبلغ الشعور بوحدة النسب في القبيلة درجة هي من القوة بحيث تعتبر أن كل من لا ينتمي إليها إنما هو غريب، وأحيانًا وفي ظروف معينة عدو، ذلك أن القبائل العربية كانت تؤلف مجتمعًا يسوده التفكك، وعدم الشعور بالروابط القومية الجامعة.

стр. 386

العناصر التي تتألف منها القبيلة مدخل ... العناصر التي تتألف منها القبيلة: والقبيلة تتألف في العادة من عناصر كثيرة:

стр. 387

١- الصرحاء: وهم أبناء القبيلة الذين يجري في عروقهم دمها النقي، كما أنهم ينحدرون من الجد الذي تنتسب إليه، وهؤلاء هم الذين يسودون القبيلة، ويؤلفون بيوتات الشرف فيها.

стр. 388

٢- أبناء القبيلة بالنقلة: فقد كان جائزًا نقل رجل نسبه من قبيلة إلى قبيلة أخرى، فيصبح من أفرادها.

стр. 389

٣- أبناء القبيلة بالاستلحاق: فقد تزوج القبيلة عبدًا من عبيدها امرأة من القبيلة، فيصبح مع الزمن فردًا من أفرادها يحمل نسبها. أما أولاد العربي من زواج غير شرعي أو من جواريه، فله الخيار في أن يلحقهم بنسبه أو لا يلحقهم، وإذا فعل أصبحوا يحملون نسب القبيلة١.

стр. 390

٤- العبيد: وهم على نوعين: عرب وأجانب، ومصدر الرقيق العربي الحرب بين القبائل العربية، إذ إن العربي الذي يقاتل في الحرب ذودًا عن قبيلته، كان عليه أن يواجه إحدى حالات ثلاث: إما أن يُقتل أو يفر أو يُجرح، وحينئذ يؤسر فيسترق. أما النساء فغالبًا ما كُنَّ يؤخذن أسيرات وسبايا في عقب القتال. وربما كان هدف الغارة سبي النساء، وهذا ما كان يدعو القبائل إلى أخذ الحيطة الشديدة لحمايتهن. وتمنح القبيلة من يقوم بهذه المهمة بشجاعة ألقابًا بطولية "كحامي الظعينة", أو"فارس الظعينة"،
следующие страницы →