العناصر التي تتألف منها القبيلة
مدخل
...
العناصر التي تتألف منها القبيلة:
والقبيلة تتألف في العادة من عناصر كثيرة:
стр. 387
١- الصرحاء:
وهم أبناء القبيلة الذين يجري في عروقهم دمها النقي، كما أنهم ينحدرون من الجد الذي تنتسب إليه، وهؤلاء هم الذين يسودون القبيلة، ويؤلفون بيوتات الشرف فيها.
стр. 388
٢- أبناء القبيلة بالنقلة:
فقد كان جائزًا نقل رجل نسبه من قبيلة إلى قبيلة أخرى، فيصبح من أفرادها.
стр. 389
٣- أبناء القبيلة بالاستلحاق:
فقد تزوج القبيلة عبدًا من عبيدها امرأة من القبيلة، فيصبح مع الزمن فردًا من أفرادها يحمل نسبها. أما أولاد العربي من زواج غير شرعي أو من جواريه، فله الخيار في أن يلحقهم بنسبه أو لا يلحقهم، وإذا فعل أصبحوا يحملون نسب القبيلة١.
стр. 390
٤- العبيد:
وهم على نوعين: عرب وأجانب، ومصدر الرقيق العربي الحرب بين القبائل العربية، إذ إن العربي الذي يقاتل في الحرب ذودًا عن قبيلته، كان عليه أن يواجه إحدى حالات ثلاث: إما أن يُقتل أو يفر أو يُجرح، وحينئذ يؤسر فيسترق. أما النساء فغالبًا ما كُنَّ يؤخذن أسيرات وسبايا في عقب القتال. وربما كان هدف الغارة سبي النساء، وهذا ما كان يدعو القبائل إلى أخذ الحيطة الشديدة لحمايتهن. وتمنح القبيلة من يقوم بهذه المهمة بشجاعة ألقابًا بطولية "كحامي الظعينة", أو"فارس الظعينة"،
стр. 391
وكثيرًا ما كانت القبائل تبيع سبيها وأسراها "أم عمرو بن العاص كانت سبية، ثم بِيعث في سوق عكاظ".
أما مصدر الرقيق الأجنبي فكان الشراء، حيث كان العرب يرتادون أسواق الروم وفارس، فيشترون الأرقاء الذين كانت كل من دولتي الروم والفرس المتعاديتين تأسرهم من الأخرى في أثناء الحروب الكثيرة التي كانت تجري بين الطرفين. كما كان العرب يعتبرون أبناء جواريهم الذين لا يعترفون ببنوتهم رقيقًا لهم.
والرقيق أصناف يختلف ثمن العبد باختلافها: فهناك الرقيق الأسود، وكان في منزلة غاية في الانحطاط بالنسبة للرقيق الأبيض؛ ذلك أن العرب كانوا يتعشقون البياض ويحتقرون السواد، حتى ليطلقون على العبيد السود اسم "الأغربة" تشبيهًا لهم بطائر الغراب البغيض المشئوم١. أما الرقيق الأبيض فهو ذو مكانة أعلى وثمن أغلى، وهو من جنسيات مختلفة: فارسية أو بيزنطية أو من بعض الشعوب الأوروبية.
وبالرغم من أن الرقيق قد اعتبر كالآلة، يؤمر فيستجيب ويعمل، غير أن أثره كان عظيما على أهل مكة من حيث كثرة أفراده، إذ ندر ما خلا دار من دور مكة من عبيد يقتنيهم رب الدار. وقد استخدمهم مالكوهم؛ لما لهم من معرفة وخبرة ومهارة فنية، لا سيما الرقيق الأبيض في الحرف المختلفة، كأعمال البناء والتجارة والتعدين وغيرها، يشتغلون لحساب أسيادهم، كما استخدموا كحرس لهم ومشرفين على إدارة مبيعاتهم. وقد روي أن عاملا روميا عمل في بناء الكعبة في حياة الرسول قبل البعثة, كما رسم بعض العمال المسيحيين صورًا للأنبياء والملائكة ومريم العذراء، وغير ذلك من قصص الوحي الديني على جدران الكعبة، حتى إذا فتح الرسول مكة طمسها مثلما حطم الأصنام التي كانت هذه الصور قد أقحمت معها للزينة وربما تقديسا لها. وكان لهؤلاء الأرقاء إسهام في إدخال بعض الألفاظ الفارسية والإغريقية والحبشية إلى اللغة العربية، منذ عهد ما قبل الإسلام، كما استخدموا في الترفيه من رقص وغناء وضرب على الأوتار. وكان بوسع العبد أن يسترد حريته بأن يؤدي لسيده خدمة عظيمة، أو يظهر شجاعة فائقة في موقعة
стр. 392
حربية، أو يتفق مع سيده على أن يشتري حريته بمبلغ من المال، ويعرف ذلك باسم "المكاتبة". والرقيق الذي يتحرر بهذه الطريقة يعرف باسم "المكاتب"١.
стр. 393
٥- الموالي:
وهناك أيضا الموالي، ويرجعون إلى مصدرين: أولهما: أن الرقيق عندما يعتق يصبح من الموالي إذا أراد البقاء في القبيلة. والثاني: أن يلتجئ فرد من إحدى القبائل إلى قبيلة أخرى بسبب خلع قبيلته له، فيعتبر مولى من مواليها، ويطبق عليه التقليد المعروف باسم "الجوار" وهو إما جوار ضد عدو معين، أو جوار عام. وفي هذه الحالة يصبح للمستجير ما لأفراد القبيلة من حقوق، من حيث حمايته والأخذ بثأره إذا قُتل، ويطلق عليه اسم "حليف"١. وقد يصل الأمر بالمجير أن يقتل أعز الناس إليه إذا قتل حليفا مستجيرا، كما فعل أوفى بن مطر المازني الذي قتل أخاه؛ لأنه فتك غيلة بمستجير به، طمعًا في زوجته الجميلة التي كانت ترافقه.
وقد ينزل رجل صريح من غير الحلفاء على زعيم قبيلة فيصبح حليفه، ويعقد بين الاثنين عهد وميثاق يشهد عليه الملأ, وينص على بنود تقول: "دمي دمك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، ترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك"٢.
وللحليف واجبات: ألا يسيء ماديًّا أو معنويًّا إلى القبيلة المجيرة وإلا خلعته، وتحللت من التزاماتها نحوه. ومع ذلك لم يكن للحليف منزلة كمنزلة أبنائها الصرحاء؛ ذلك أن ديته نصف دية الفرد الصريح منها.
стр. 394
الخلع والخلعاء:
وفي مقابل ما يرفد القبيلة من عناصر خارجية عنها، هناك من التقاليد المعروفة عند العرب ما يقضي بأن القبيلة تستطيع أن تخلع أي فرد من أفرادها ولو كانوا من
стр. 395
الصرحاء، ويسمى هؤلاء بالخلعاء "مفردها: خليع ويطلق عليه أيضًا اسم لعين". والخلع في المجتمع القبلي شبيه بإسقاط الجنسية عن المواطن في عصرنا الحاضر, ويجري الخلع لأسباب:
١- إذا قتل فرد ما شخصًا آخر من قبيلته، ورفض ذوو المقتول قبول الدية؛ عندئذ تصبح القبيلة بشخص زعيمها، مضطرة لقتل القاتل، أو خلعه حفاظًا على وحدة القبيلة.
٢- لما كانت القبيلة مسئولة عن أعمال أفرادها، تضطر أحيانا إلى خلع من يسيء منهم إليها، بكثرة اعتدائه وجرائره ضد القبائل الأخرى، التي تحملها أفعاله على شن الغارات الثأرية ضدها، مفضلة أن تضحي بفرد بدلًا من جماعات منها.
٣- وتخلع القبيلة كل من يلحق بها العار بأعماله اللا أخلاقية المشينة، التي تعتبرها لوثة في جبينها.
يذاع الخلع بطرق عديدة في المواسم والأسواق، بالمناداة أو الكتابة. كان الرجل يأتي بابنه إلى الموسم ويقول: "ألا إني قد خلعت ابني هذا فإن جُرَّ "أي أُخذ بجريرة" لم أضمن, وإن جُرَّ عليه -أي: قُتل- لم أطلب"١ فلا يؤخذ الأب بجرائر ابنه الخليع, ومن وقتها تصبح قبيلته في حل من أعماله، وتسقط حقوقه عليها، ويحرم عليه البقاء فيها، فيذهب ملتجئًا إلى غيرها. وأما إذا كانت شروره ومآثمه كثيرة فنادرا ما يلقي مجيرا، ويصبح الأمر خطيرًا بالنسبة إليه؛ إذ يجد نفسه في موقف حرج ووضع شاذ٢.
وقد يتكتل الخلعاء فيؤلفون عصابة تقطع الطرق وتعيث في الأرض فسادًا, تسلب وتنهب وتلقي الرعب في النفوس، وقد شاعت تسمية هؤلاء باسم "الصعاليك".
وقد اشتهر معظم الخلعاء، ويطلق عليهم أيضا اسم "ذؤبان العرب" بضروب من الشجاعة والإقدام وعدم المبالاة بالحياة بحيث كان بعض الرؤساء والزعماء يستخدمونهم للفتك بخصومهم. وقد انضم قسم منهم إلى امرئ القيس الشاعر الكندي عندما نهض مع قبيلة بكر للأخذ بثأر أبيه من قبيلة أسد.
стр. 396
كما كانوا متحللين من العصبية القبلية، لا يفرقون بين قبيلتهم وغيرها، من حيث الإغارة عليها والسطو على أموالها، وإن كانوا في أغلب الأحيان يؤثرون التمركز في المناطق المجاورة للأسواق التجارية أو طرق القوافل التجارية، بحيث يغيرون عليها, ويُعملون يد السلب والنهب فيها١. وقد اشتهر منهم عدد من الشعراء الذين أطلق عليهم اسم "الشعراء الصعاليك" والذين مارسوا هذه الأعمال، مثل: الشنفرى وعروة بن الورد، الذي اشتهر بعلو الأخلاق والجود والكرم، ينفق ما يسلبه على الفقراء والمعوزين, ومنهم "تأبط شرًّا" والسليك بن السلكة وجعفر بن علبة. والشعراء الصعاليك كانوا، على العموم، كرماء يتصفون بالشهامة والمروءة والأنفة. وفي شعر للشنفرى ما يبسط لنا بعض الصفات الخلقية لهؤلاء الشعراء حيث يخاطب بني قومه الذين آذوه، بأبيات من قصيدته المعروفة باسم "لامية العرب"٢.
стр. 397
السجايا العربية:
يتضح مما تقدم أن القبائل العربية كانت في نزاع مستمر بينها, وقد طبعت حياة البداوة على الكفاح والذود عن الحمى، بل وممارسة الظلم في بعض الأحيان والمواقف، أي: مبادرة الخصم بالعداء قبل التعرض لعدائه. قال زهير بن أبي سلمى:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يُهدَّم ومن لا يظلم الناس يُظلَم
стр. 398
غير أن في أخلاق البداوة ما يخفف كثيرًا من مساوئ الغزو والسلب والظلم. فالبدوي ولا سيما العربي أقرب بطبيعته الفطرية إلى الخير، ومهما تمادى في السلب والعدوان تنافسًا على أسباب الحياة من كلأ ومرعى، فإن طبيعته التي فطرت على الجود والكرم تدفعه إلى موازنة الشر الناتج عن تلك المنافسة. فقد فرضت عليه حياة البادية نوعا من السلوك، جعل من الشهامة والأريحية، والنجدة وحب الضيافة، والعفو عند المقدرة، وإباء الضيم، والوفاء بالعهد، والأمانة، والدفاع عن الجار واللاجئ والمستغيث، طبعا أصيلا وفطريا فيه١، وهو بعيد عن المداراة والمصانعة؛ لأنها بعيدة عن الفطرة, قريبة من الرياء.
وقد اشتهر العرب بالكرم شهرة عظيمة، ولهم فيه ضروب شتى، وأصبحت سيرة بعضهم مضرب الأمثال؛ كحاتم الطائي، وكعب بن مامة الإيادي، وأوس بن حارثة الطائي، وهرم بن سنان، وعبد الله بن جدعان التميمي الملقب باسم "حاسي الذهب" وفيه ضرب المثل القائل: "أقرى من حاسي الذهب". وأجواد العرب وكرماؤهم كُثُرٌ يصعب حصرهم.
ويتجلى الكرم في نحر الجُزُر -مفردها: جَزُور، وهو ما يُجزر من النوق والغنم- وإطعام الضيوف والفقراء والمساكين، أو بموجز العبارة: أن يبذل المرء أكثر مما يأخذ. وكان من عادة العرب أن يشعلوا النيران في ربوات عالية؛ ليهتدي بها السائرون في الصحراء، ويتجهوا إلى المضارب المستعدة لاستضافتهم. ومما يؤثر عن حاتم الطائي قوله لعبد له:
أوقد فإن الليل ليل قرّ ... والريح يا واقد ريح صرّ
عل يرى نارك من يمرّ ... إن جلبتَ ضيفًا فأنت حرّ
وكان يحرص على ألا يأكل وحده، مخافة أن يوصم بالبخل بعد موته فيخاطب زوجته قائلًا:
أيا يابنة عبد الله وابنة مالك ... ويابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلًا فإني لست آكله وحدي
стр. 399
أخًا طارقًا أو جار بيت فإنني ... أخاف ملامات الأحاديث من بعدي
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا ... وما بي إلا تلك من شيمة العبد١
ومن السجايا التي تحلى بها العربي المروءة، وقد تركز المثل الأعلى للأخلاق العربية في هذه السجية التي تغنى بها الشعراء، وهي تتجلى في الشجاعة، وفي كثرة ما يبذل من جهد، وما يظهر من تفانٍ دفاعًا عن القبيلة، وفي سبيل إجارة المظلوم، ونجدة الملهوف، وحماية الجار والعِرْض، والكرم، وقد فسرت بأنها كمال الرجولة، أو بعبارة موجزة، تقتضي المروءة من المرء أن "يغشى الوغى ويعف عن المغنم"٢.
وقد هيأت الطبيعة كل المقومات التي تجعل من العربي رجلًا قويًّا، صحيح الجسم شجاعًا، يضطلع بالمهام التي فرضتها عليه ظروف بيئته، بالإضافة إلى ما فطر عليه من الذكاء وصفاء الذهن. فالبدوي العربي يكتسب صحة البدن وقوته من هواء البادية النقي، ومن أشعة الشمس الساطعة على الدوام، ومن الجو الطلق الذي يعيش فيه، ومن حركته الدائمة ومرانه المستمر على احتمال المشاق. ويكتسب الشجاعة من اضطراره الدائم إلى الدفاع عن نفسه وأهله، وما يملك من متاع ضد المغيرين على قبيلته، وضد الحيوانات المفترسة. فالشجاعة والقتال طبع فُطر عليهما العربي من نعومة أظفاره.
وكل ما يحلم به العربي أن ينال الذكر الحسن بين الناس، فيشيد هؤلاء بالفضائل التي يتحلى بها، فما المرء في نظره إلا أن يترك سيرة حسنة، فهو حديث من بعده. على أن الحرية واستقلال الفكر من أنبل المقاصد التي يسعى إليها العربي، وهي مثله الأعلى المنشود، وأشد السجايا اتصالا بنفسه وقلبه، فقد رضعها في المهد، وتشربت بها نفسه في آفاق الصحراء التي لا حد لها. وقد بلغ من تعلقه بحب الحرية أنه كان يكره كل قانون إلا قانون البادية، وكل نظام عدا نظام العشيرة٣.
стр. 400
الأسرة:
إن الوحدة الاجتماعية في البادية والحضر معًا هي القبيلة، وركن القبيلة هي الأسرة، والرجل هو عماد الأسرة وربها وصاحب نسبها. والعلاقة الاجتماعية بين أفراد الأسرة كانت قائمة على أساس التضامن الوثيق بين أفرادها، كتضامن أسر القبيلة ضد القبائل الأخرى. فالعلاقات في المجتمع العربي تقوم على أساس التضامن المتسلسل الصاعد، اعتبارًا من أفراد الأسرة ثم الأفخاذ فالبطون فالعشائر، ثم الأحلاف، وللنسب دخل كبير في هذا التضامن، وهو الذي نسميه بالعصبية القبلية.
стр. 401
الزواج:
كانت الأسرة تقوم على أساس الزواج بعقد وبمهر معين، يدفعه الزوج بعد رضاء أولياء الفتاة ورضائها في بعض الأحيان، وهو ما يسمى بزواج المهر أو زواج البعولة، وقد يغالي بعض الآباء في قيمة المهر مغالاة شديدة، على أنه ذكر إلى جانب هذا أنواع أخرى من الزواج منها زواج السبي من نساء العدو الأسيرات، ولا يشترط فيه رضا الفتاة أو المهر، ثم زواج الإماء، ويكون بشراء أمة تكون هي وأولادها منه ملك يمينه إلا إذا أعتقهم. وهذه الأنواع من الزواج كان يقرها المجتمع الجاهلي، وقد أقرها المجتمع الإسلامي بعد ذلك مع شيء من التعديل، من حيث تحديد تعدد الزوجات، والتشجيع على عتق الإماء. وعرف العرب أيضا زواج المتعة، وكان يجري بعقد شخصي بين رجل وامرأة غير بكر، لوقت معين تنتهي العلاقة بينهما بانتهائه، وبمهر مقدم وحقوق للأولاد على أبيهم في الإرث, غير أن الانتساب فيه يكون للأم في الغالب, وهو يشبه زواج المهر إلا من حيث اشتراط المدة وانتساب الأولاد١. ومن أنواع الزواج التي عرفت في الجاهلية زواج الشغار، وذلك بأن يتفق رجلان على أن يتزوج كل منهما قريبة الآخر، ممن له عليها حق الولاية كالأخت أو الابنة، وبدون مهر. وفي ذلك ما فيه من عدم احترام حرية المرأة وحقوقها، إنما لم يكن شائعًا شيوعًا كبيرًا. وقريب منه نكاح البدل كأن ينزل رجلان كل منهما للآخر
стр. 402
عن زوجته، وهو لا يقتضي المهر. وقد عرف في الجاهلية نكاح "الخدن" "المخادنة" كأن يتخذ رجل صديقة له "خليلة".
ومن أنواع الزواج التي لم يقرها الإسلام, واستهجنها المجتمع الجاهلي أيضا زواج المقت، ويكون بأن يرث الابن الأكبر زوجة أبيه، إذا لم يكن لها أولاد منه كما يرث المتاع، إلا إذا افتدت نفسها من الورثة برضا منهم، وإذا أراد زَوَّجها من أحد إخوته بمهر جديد، وما ذلك إلا لأن الزواج كان يعني أن تقطع المرأة صلتها بأبيها وإخوتها، فإذا لم تكن ذات ولد ساءت حالتها ولم تجد من يعيلها١. والمعتقد أن هذا النوع من الزواج كان نادر الوقوع، ومقصورًا على فئات خاصة ضئيلة من السكان، وربما يكون قد تسرب إلى المجتمع العربي من المجوس. وقد سمي باسم زواج المقت؛ لأنه كان ممقوتا، والولد الذي يكون ثمرته يسمى "مقيتًا". أما الرجل الذي يخلف أباه على امرأته إذا طلقها أو مات عنها، أو يزاحم أباه على امرأته فكانوا يطلقون عليه اسم "الضيزن" أي: الشريك أو المزاحم عند الاستسقاء "ومعنى الضيزن: الصنم".
وقد حرم المجتمع الجاهلي زواج الأب بابنته، والزواج بالأمهات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخت وزوجات الأبناء. لكن زواج الرجل بأختين تكونان معًا في عصمته كان مباحًا.
ويضاف إلى العادات التي كانت معروفة عند العرب في الجاهلية أن أحدهم إذا تقابل مع آخر من غير قبيلته ومعه ظعينة قاتله عليها، وإن تمكن أخذها منه، واستحلها لنفسه. كما أن الجاهليين قد اعتبروا الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة بدون عقد ضربا من الزنى، فيقولون للمرأة عندئذ: إنها بغي وزانية وفاجرة وعاهرة ومسافحة٢.
ولم يكن عدد الزوجات محددًا، بل كان للجاهلي أن يعدد من الزوجات ما يشاء، مدفوعا إلى ذلك بعوامل شتى، قد تكون شخصية بحتة أو إنسانية، كأن يدخل في عصمته
стр. 403
نساء لا معيل لهن، أو سياسية بأن يُصهر إلى عدد كبير من القبائل، تناصره وتؤيده عند الحاجة.
стр. 404
الطلاق:
كان الطلاق من حق الرجل، يستعمله متى شاء لأي سبب أو حتى بدون سبب. وكان العرف يقضي بأن الرجل إذا طلق زوجته واحدةً كان أحق الناس بها. أما إذا استوفى الثلاث انقطع السبيل عنها، فالطلاق ثلاثًا معناه الفرقة التامة بين الزوجين١. على أن هنالك من النسوة من كن يشترطن عند الزواج أن يكون لهن الحق في الطلاق إذا أردن, وكانت المرأة إذا أرادت أن تطلق زوجها غيرت باب قبائها، فإن كان قِبَل المشرق جعلته قبل المغرب، فإذا رأى الزوج ذلك عرف أنها قد طلقته فلم يأتها, لكن ذلك لم يكن ليحصنهن من تطليق أزواجهن لهن إذا أرادوا. وإذا طلقت الزوجة أو مات عنها زوجها ألزمت بقضاء العدة حتى يتبين ما إذا كانت حاملًا أم غير حامل، خوفًا من أن تختلط الأنساب فيما لو تزوجت قبل انقضاء العدة٢.
стр. 405
العلاقات ضمن الأسرة:
لقد اختلف الباحثون المحدثون حول وضع المرأة الاجتماعي في العهد الجاهلي، وقد استنتج بعضهم١ من الآيات القرآنية التي تدعو إلى إحقاق حقوق المرأة، وعدم إمساكها ضرارًا إذا طُلقت -كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُن﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُن ... ﴾ ٢- أنها كانت مضطهدة، يبغى عليها ويستهان شأنها، بينما استنتج آخرون من أخبار الجاهلية التي وصلت إلينا في كتب التاريخ والآداب القديمة، أنها كانت تتمتع بمكانة مرموقة في المجتمع الجاهلي.
стр. 406
لكن الواقع أن موضوع مكانة المرأة في العصر الجاهلي يحتاج إلى دراسة عميقة وشاملة، ولا يمكن للباحث أن يعطي أحكامًا مطلقة موجزة عنه في ثنايا البحوث العامة. ومن الأخبار المتناثرة في بعض كتب الأدب نلمس أن علاقة الرجل بالمرأة في العهد الجاهلي كانت قائمة على الاحترام المتبادل في كثير من الأحيان، إذ كانت تستشار في بعض الأمور، وتشارك الرجل أكثر أعماله، وتتمتع بقسط من الحرية. فالشعراء كانوا يعطونها حقها من النسيب، ويبدءون قصائدهم بالتشبيب بها، وبعض الآباء يستشيرون بناتهم في أمر زواجهن واختيار بعولهن١.
لا نكران أن الرجل في الأسرة الجاهلية كان له المركز الممتاز، فهو قوام الأسرة وربها، والمسئول عن حياتها ورزقها ومختلف شئونها، والمحارب المدافع عنها، المطالب بالثأر والغرامات، وصاحب الكلمة النافذة، والمرأة كانت تابعة له، ومنسوبة إليه، وتحت حمايته ومسئوليته، غير أنها كانت تشاطر الرجل كثيرًا من مسئولياته. وإذا كانت لا تغني غناء الرجل في الحروب، والحروب هي أساس الحياة في المجتمع الجاهلي؛ ولذلك تدنت منزلتها عن منزلته، إلا أنها كانت خير رفيق له وخير عون، وكانت تجيد من الفنون ما يجعلها في مستوى ثقافي يلائمه، من قول للشعر والغناء، بالإضافة إلى قيامها بواجباتها كأم ومربية للأطفال، وكانوا يسمونها ربة المنزل تكريمًا لها٢. وفي الروايات القديمة أن المرأة مارست الكهانة والعرافة كالرجل، وكان الرجال يلجئون إلى رأيها في معضلات الأمور, كما جرى عندما لجأ عبد المطلب بن هاشم إلى كاهنة عندما أبى عليه قومه إلا أن يذبح ابنه عبد الله، وفاء لنذر نذره للآلهة. والمرأة الجاهلية فوق ذلك كانت تشعر بشخصيتها وبمكانتها في المجتمع، وتحرص على مكانتها من أن تهان, "قصة ليلى أم عمرو بن كلثوم مع هند أم عمرو بن هند".
стр. 407
ومما تجدر الإشارة إليه، أن العرب لم يكونوا يزوجون بناتهم في غير العرب، وأن الفتيات البدويات لم يكنَّ يحببن الزواج في الحضر، وأن المرأة المرغوب فيها هي الولود التي تنجب كثيرًا من البنين؛ لأنهم عماد الأسرة العربية، التي اعتادت أن تعيش في حراسة السواعد المفتولة والرماح السمهرية.
كان العربي يغار على نسائه، ويحرص عليهن، ويعتبر العرض أغلى من النفس والمال والولد١؛ ولذلك كان الرجال يصطحبون نساءهم في الغزوات والحروب، ويجعلونهن في مؤخرة الجيش، خوفًا من مباغتة العدو لهن في مضارب القبيلة والرجال غائبون، وكي يدرك المحارب أن هزيمته ستجعل عرضه مباحًا لأعدائه، فيستميت في القتال ليجنب نساءه السبي. وفضلا عن ذلك، فإن النساء في المؤخرة كنَّ يعنين بالمرضى، ويضمدن جراح المصابين، كما يشجعن المحاربين، ويأخذن بتلابيب الفارين من ساحة القتال. ففي موقعة ذي قار وقفت امرأة من بني عجل، تنشد مستحثة الرجال على الجلاد:
إن تهزموا نعانق ... ونفرش النمارق
أو تُهزَموا نفارق ... فراق غير وامق
стр. 408
معاملة الأولاد:
إن أولوية الرجل في الأسرة الجاهلية قد جعلت للأب سلطة على أفراد عائلته، وقد تصل إلى حد تجعل للآباء على أولادهم حق التصرف بمصائرهم، ففي بعض الأحيان كانوا يجعلون أولادهم رهائن في أيدي خصومهم؛ فيؤدي ذلك أحيانا إلى قتل هؤلاء لهم، وإذا استثنينا هذه الحالة الشاذة، ومثلها ما كان من وأد البنات، فإن العربي كان يعامل أبناءه معاملة تنطوي على العطف والحنان والمحبة١ مع حرصه على تربيتهم تربية خشنة،
стр. 409
تؤدي بهم إلى استكمال أسباب القوة؛ ليكونوا درعًا حصينًا له ولقبيلته. وكان الآباء يتخيرون لأبنائهم الأسماء التي تدل على الخشونة، أو توحي بالتفاؤل بالظفر على الأعداء مثل: كلب، أسد، فهر، صخر, غلاب، ضرار، حنظلة، حرب، بينما كانوا يتخيرون لأرقائهم أسماء جميلة مثل: سهيل، ميسور، هانئ، نجاح، فلاح, ونحو ذلك. سئل الدقيش الكلابي: لماذا تسمون أبناءكم بشر الأسماء، وعبيدكم بأحسنها؟ قال: إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا، وعبيدنا لأنفسنا١.
كان الجاهليون يفضلون من المواليد البنين على البنات، وقد دعاهم إلى ذلك عوامل عديدة؛ فالأولاد يصبحون في المستقبل محاربين، تعتمد عليهم القبيلة في الدفاع عن حوزتها وفي الكسب، بينما تكون البنت عبئًا ثقيلًا تحتاج إلى حماية، أو قد تجلب العار إلى قبيلتها فيما إذا تعرضت للسبي. تقول الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢ وكذلك جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ٣ ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ٤ يتضح لنا من هذه الآيات ثلاثة أمور: أولًا أن العرب كانوا يفضلون البنين على البنات، وأنهم كانوا يئدون البنات، وأن سبب كره ولادة البنات عدم غنائهن في القتال والخصام، وقد لمس الباحثون أسبابًا أخرى للوأد منها الإملاق: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُم﴾ ٥،
стр. 410
وعدم القدرة على إعالة الأولاد، أو الحرص على صيانة العرض، وخشية أن يلحق القبيلة عار من فعل السبي.
وعلى كل حال لم يكن الوأد شاملًا، بل اقتصر على بعض الأوساط المتردية ماديًّا واجتماعيًّا، ولا سيما في سني القحط والمجاعات، وفي البوادي القاحلة. ويروى أنه قد اقتصر على بعض الحالات، في بعض بطون قبيلتي تميم وأسد١، كحالة ولادة مولود مشوه، أو إذا كان الوالد فقيرا، أو كثير العيال، أو كان مع فقره مئناثًا، وفوق ذلك لا يستطيع الدفاع عن حريمه لضعفه.
ومع ذلك كان هناك ما يحد من هذه العادة السيئة، كإقدام ذوي الشهامة والمروءة على تبني أولاد ليسوا من صلبهم، يجعلون لهم مثلما لأولادهم من حقوق، وإنقاذ المجتمع من عادة الوأد بتسقط الأخبار عمن يقدم على وأد بناته، فيفتدونهن من آبائهن. فالشاعر الفرزدق كان يفتخر بأن جده غالب بن صعصعة، كان يعرف في الجاهلية أنه محيي الموءودات.
стр. 411
الإرث:
كان الإرث من حق الرجل فقط، وقد حرمت منه المرأة والأولاد الصغار والجواري والبنات. ويظهر أن هذا الحق قد خص به الذين يركبون الخيل ويحملون السلاح، وقاعدتهم في ذلك: "لا يرث الرجل من ولده إلى من أطاق القتال"١.
وللرجال أن يرثوا من النساء، وأن يرثوهن أنفسهن، كما يرثون المتاع "يرث الابن الأكبر زوجات أبيه". ومن مات عن بنات ولم يكن له أبناء ذكور يرثه إخوته، وتحرم بناته من ميراثه. ولكن يظهر أن حرمان المرأة من الميراث، لم يكن عامًّا في جميع القبائل، بل إن بعضها كانت تعطي النساء الحق في الإرث. فقد ورد في بعض المصادر القديمة أن ذا المجاسد عامر بن جشم بن غنم من بني يشكر قد ورَّث ماله لأولاده إناثا وذكورا، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، فشاع حكمه في بعض الجاهليين، ثم أقره الإسلام٢.
стр. 412
الفصل الرابع عشر: الحياة الفكرية عند عرب الجاهلية
مدخل
...
الفصل الرابع عشر: الحياة الفكرية عند عرب الجاهلية
قد يتبادر إلى الذهن أن عرب الجاهلية كانوا أمة منعزلة عن العالم؛ بسبب الوضع الجغرافي لشبه جزيرة العرب, التي تحيط بها الصحارى والبحار من جميع الجهات. غير أن الدراسات الحديثة قد كشفت عن خطأ هذا الاعتقاد، وأثبتت أن العرب لم يكونوا في منأى عن الحضارات الكبرى التي جاورتهم١، بل اتصلوا بها وتفاعلوا معها. وكانت صلة الوصل بينهم وبينها، أولًا التجارة، ثم المدنيات العربية التي اضطلعت بها بعض الإمارات العربية المتاخمة لحدود بيزنطة وفارس، كدول الأنباط والغساسنة والمناذرة، أو بواسطة الجاليات المسيحية واليهودية التي استقرت في بعض المدن الحجازية، كيثرب ومكة ونجران.
فقد كان لوقوع مكة والمدينة على طرق القوافل التجارية أثر كبير في ازدياد أهميتهما وارتقائهما فكريا وحضاريا؛ ذلك أن أهلهما قد احتكوا بالأمم المجاورة، واعتنق بعضهم الديانات السماوية كاليهودية والمسيحية، وأصبح بعضهم يعرفون القراءة والكتابة وتقدموا فكريًّا. وعلى رأي بعض المستشرقين أن بعض أجزاء شبه جزيرة العرب قد تفاعلت مع مظاهر الحضارة الهللينية، وأن كثيرا من الأفكار، ومن نتاج الثقافات اليونانية والرومانية، ومن العقائد المسيحية والمزدكية قد اختلطت وامتزجت فيها. وهكذا لم يبق العرب سادرين في عزلتهم, بل أخذوا بنصيب من يقظة عارمة، زاد في وضوح معالمها وقوعهم في أطراف المدنيات الكبرى٢. ومن الجدير بالذكر أن من أهم
стр. 413
النتائج الفكرية التي أسفرت عنها رحلات المكيين إلى الحيرة أنهم قد نقلوا منها حروف الهجاء، الأمر الذي استتبع نشوء الخط المعروف باسم الخط الكوفي.
يقارن الجاحظ بين العرب وغيرهم من الأمم فيقول: "بأنه وإن عرف عن الهند واليونان وفارس تطرقهم إلى صنوف من العلم والفلسفة والمنطق والخطابة، إنما لم يتصفوا بالبيان وزلاقة اللسان وانثيال البديهة، بل كان ما خرج عنهم، إنما هو عن "طول فكرة، وعن اجتهاد وخلوة" بينما "كل شيء للعرب، إنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام ليس فيه معاناة ولا مكابدة" وأنهم بالرغم من كونهم أميين، كانوا مطبوعين لا يتكلفون، "تأتيهم المعاني إرسالًا، وتنثال عليهم الألفاظ انثيالًا" وأن كل ما خلفوه من شعر أو نثر لشاهد صادق على الديباجة الكريمة، والرونق العجيب، والسبك والنحت الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم أن يجاريه"١.
ويقول أحمد أمين: "إن العربي الجاهلي عصبي المزاج سريع الغضب، والمزاج العصبي يستتبع عادة ذكاء. وفي الحق: إن العربي ذكي، يظهر ذكاؤه في لغته, فكثيرا ما يعتمد على اللمحة الدالة، والإشارة البعيدة، كما يظهر في حضور بديهته، فما هو إلا أن يفاجأ بالأمر فيفجؤك بحسن الجواب"٢.
مما تقدم تتضح لنا الخطوط الأساسية لمميزات الفكر العربي في الجاهلية. فالعربي الجاهلي لم يمارس العلم، ولم تكن له فلسفة ولا منطق، إنما تميزت ثقافته بالفنون الأدبية من خطابة ونثر وأمثال وشعر، تنثال عليه المعاني انثيالًا دون تكلف. فالسليقة الشعرية فيه طبع أصيل، وقد فطر على البديهة والارتجال والإلهام. وهو ذكي سريع الخاطر يعتمد على اللمحة الدالة والإشارة البعيدة.
إن هذه الثقافة لمما يتفق مع بداوة العيش، وهي طور مر العرب فيه. والبداوة كما قال ابن خلدون في حديثه عن العرب "جيل في الخلقة طبيعي" مثلهم كمثل غيرهم من
стр. 414
الأمم المتبدية، كالبربر والترك والأكراد، وهي حالة اجتماعية تمر فيها الأمم في طور نشوئها وارتقائها١.
غير أن حالتهم الفكرية كانت من التقدم النسبي بحيث إن الدين الإسلامي بما انبثق عنه من نظم انقلابية ثورية، قد لقي استجابة منهم، فنفذ إلى قلوبهم ونقلهم بأيسر وجه إلى ميادين الحضارة، إذ تفهموا علوم اليونان والسريان وغيرهم، وتمثلوها وصهروها في بوتقة العروبة، وأقاموا على أسسها صروح حضارتهم العربية الإسلامية، التي استتمت جميع مقومات العبقرية والإلهام، وسحرت الكتاب والمستشرقين، فأفاضوا في وصفها، وتعمقوا في دراستها.
وبالرغم مما انطوى عليه العهد الجاهلي من عبادة للأوثان، ومن اعتقادات وطقوس اجتماعية بدائية جلها خرافي، فليس من العدل أن ترتسم عنه في الأذهان صورة سيئة ومشوهة، بحيث نتصوره وكأنه عهد ظلم وقاتم. ذلك أننا لو أمعنا النظر فيما اتصل بنا من ترك الجاهلية في الأدب والشعر والنثر والخطابة والأمثال والحكم، لرأينا أنه لا يمكن أن يصدر إلا عن شعب بلغ درجة كافية من التطور الفكري، وأن اللغة التي صيغ بها، لم تكن لتبلغ ما بلغته من كمال التركيب، والغنى بالمفردات، والدقة في التعبير، والبلاغة والمقدرة على أداء المعاني، لو لم يكن قد مضى على تطورها آنذاك قرون عديدة لا ندرك مداها. فقد قطعت شوطًا بعيدًا في التكامل والاستقرار٢، وبلغت في عبقرية التعبير عن المعاني بألفاظ وتراكيب توافق الجرس والحركة والإيقاع شأوًا بعيدًا٣، وأوفت على الكمال حتى أصبحت أتم اللغات السامية صرفا ونحوا وبلاغة٤.
فالشعر الجاهلي بما اشتمل عليه من رائع الوصف وجمال الصور ونبل الأخلاق والمشاعر، وما يخلب اللب من فن الإيقاع٥ لدليل ساطع على أن قائليه قد وُهبوا قسطًا
стр. 415
وفيرًا من رهافة الإحساس ورقة الشعور، وبرهنوا عن تقديم فني مرموق، وذوق أدبي مصقول. وعلى العموم, إننا نجد في الأدب الجاهلي شعرًا كان أو نثرًا، من المثل العليا والآراء في الحياة، ما يجعله أدبا إنسانيا خصبا وغزيرا١.
يقول الشاعر سليمان العيسى في حديث له في مجلة الموقف العربي٢:
"إننا لا ندري من أية غاية مجهولة موغلة في القدم انحدرت إلينا القصيدة العربية بشكلها الذي نعرفه جميعًا. كل ما تعلمناه في المدارس وسمعناه من أساتذتنا، أن أقدم ما وصلنا من تراثنا الشعري هو الشعر الجاهلي، وعلى رأس الشعر الجاهلي هذه القصائد الساحرة: المعلقات.
والشعر الجاهلي يرجع إلى الوراء، فإذا هو لا يتعدى مائة وخمسين سنة قبل الإسلام. والمعلقات تحوم حول الإسلام، ومن أصحابها من أدرك الدعوة الجديدة وآمن بها، ومنهم من مات قبل الدعوة بقليل.
وتلقي بنظرك إلى هذه المعلقات، إلى هذه الأشكال التقليدية الأولى، فإذا أنت أمام شعر قد بلغ الذروة؛ ذروة في اللغة، وذروة في الخيال والفكر، وذروة في الموسيقى، وذروة في نضج التجربة وأصالة التعبير، أفيعقل أن يكون مثل هذا النضج الفني بداية؟ أفيمكن أن يكون القطرات الأولى التي تألف منها نهر الشعر العربي؟.
إني لأرى، ويشاركني في هذا الرأي كثيرون، أن منابع الشعر ما تزال أقوى وأغنى من مصبه حتى الآن، وأن شعرنا الجاهلي ما يزال النموذج الرائع الجدير بأن نعود إليه، وأن نغترف منه، وأن نتتلمذ عليه إذا أردنا أن نكون كتابًا أو شعراء مجيدين".
ثم ينتهي إلى القول: "إن تاريخ القصيدة العربية قديم قديم، ما أحسب إلا أن البحث الجدي سيبلغ جذوره، ويكشفها في يوم من الأيام". والواقع كما يقول سليمان العيسى، إن تاريخ القصيدة العربية قديم، وهو أقدم بكثير من التاريخ الذي حدده لقدمه "١٥٠ سنة قبل الهجرة". فلكي تبلغ اللغة العربية والشعر العربي الكمال والروعة،
стр. 416
اللذين بلغاهما عند ظهور الإسلام، وكي يتجلى رونق اللغة العربية بأجمل وأروع ما يمكن أن يتجلى به في القرآن الكريم، لا بد أن يكون قد مضى على تدرجهما في الرقي أضعاف أضعاف هذه المدة.
والعصر الجاهلي بما اتصف به من تفتح الخصائص القومية، ذلك التفتح الذي يتجلى في تكامل اللغة العربية، أحرى بأن نعتبره عصرًا من العصور المرموقة للعروبة. وليس في هذه النظرة أي "تناقض، ولا هي تعليل لتعصب العرب لجنسهم" كما يزعم المستشرق الفرنسي كلود كاهن١. وبالإضافة إلى ذلك، وكما يقول كلود كاهن، لا بد لنا من الوقوف على التقاليد الجاهلية كي نفهم النصوص الإسلامية المقدسة، ولندرك إدراكًا كاملًا التشريع الإسلامي سواء من حيث نقضه لتلك التقاليد، أو إقراره لبعضها.
ومن التراث الأدبي الجاهلي كان الشعر يؤلف الكثرة المطلقة، فأكثر ما بلغنا منهم الشعر وأقله النثر٢. وكان للشعر والشعراء مكانة عظيمة في المجتمع الجاهلي، وبوسع الشاعر أن يرفع من شأن الذليل والوضيع إذا مدحه، أو أن يذل الرفيع والعزيز إذا هجاه٣. وكان لظهور الشاعر في المجتمع الجاهلي أهمية عظيمة, إذ تقام الأفراح في القبيلة وتجري الاحتفالات وتنحر الذبائح، وتأتي الوفود لتهنئ القبيلة التي نبغ فيها الشاعر. والشاعر يدافع عن قبيلته بشعره كما يدافع الفارس عنها بسيفه٤. والشعر كما قيل عن حق ديوان العرب، يستطيع الباحث الاستعانة به؛ ليجلو الكثير من نواحي المجتمع العربي الجاهلي، ومن أخلاق الجاهليين وعاداتهم وتقاليدهم.
стр. 417
فكل ما كان للجاهليين من آراء ومذاهب وميول قد عبروا عنها بالشعر، ففي الشعر كانت تنطلق نفوسهم على سجيتها، وتكشف عما تحب وتكره. وفي الشعر يعظمون القوة، ويمجدون الشجاعة والبطولة، بينما كرسوا النثر للخطب والوصايا، والأقاصيص والأمثال والحكم، وفيه كانت تتجلى آراؤهم ومناهج تفكيرهم١.
стр. 418
معارف العرب:
صحيح أن العرب كانوا يؤمنون ببعض المعتقدات الخرافية، وكثير منها مقتبس من غيرهم، وما ذلك إلا لعجز عقولهم عن تكوين نظرة شاملة عن الكون واتساق حوادثه، وهذا ناتج عن طبيعة بيئتهم التي لم تهيئ لهم الاستقرار المادي والنفسي؛ ليتمكنوا من التفكير السليم والملاحظة الدقيقة الهادئة، والنظر في حوادث الكون، وربط النتائج بالأسباب، وتعليلها تعليلا منطقيا صحيحا، فآمنوا بوجود الجن والأرواح الخفية، وكونها العلل التي تجلب الأمراض والشرور، غير أنهم مع ذلك قد عرفوا صنوفا من الثقافة, تتناسب مع ما هيأه لهم مجتمعهم البدوي من فرصة النظر في الكون. فما كان منه متعلقا بالعلم والفلسفة، فقد كان مبنيًّا على التجربة القاصرة. ولذلك لا نستطيع أن نقول: إنه كان لديهم علوم، بل معارف اقتضتها ظروف حياتهم اليومية.
فإذا نظروا في السماء ورصدوا النجوم؛ فلكي تهديهم في أسفارهم، ويستدلوا بها على المواقع والمسالك التي يريدون سلوكها. ومع ذلك فقد هداهم نظرهم إلى معرفة مواقع الكواكب، وتنقلها في بروجها بين فصل وآخر من فصول السنة، وميزوا السيارة من الثابتة منها.
وقد ركزوا اهتمامهم على القمر الذي يهتدي به السارون، واستعملوا كالبابليين السنة القمرية والشهر القمري والتقسيم الأسبوعي للشهر. ولكنهم لما أدركوا عدم انطباق السنة القمرية على السنة الشمسية، وتتابع الفصول سنة بعد أخرى، لجئوا إلى ما يسمى بالنسيء -أي إضافة شهر إلى السنة القمرية كل ثلاث سنوات كي توافق السنة الشمسية- وقد أعطوا بعض الكواكب أسماء لا تزال معروفة حتى الآن مثل: عطارد، سهيل، العيوق،
стр. 419
الدبران، الزهرة، الثريا، المجرة، الفرقدان، السماكان، الشعريان. وسموا أولادهم بأسماء بعضها مثل: سهيل، هلال، الزبرقان١.
ومما يلاحظ أن معلومات العرب الجاهليين الفلكية عملية، ولا تعتمد على المسلمات العلمية والحساب، وكانت تتناقل بالرواية وتحفظ بالمران والمخالطة، ولم يُعن أحد بتدوينها أو التأليف فيها. ويظهر أن بعض معلوماتهم الفلكية قد تسربت إليهم من جيرانهم البابليين والكلدانيين في العراق.
أما الطب، فبالرغم من أنه كان يعتمد في كثير من الأحيان على التعاويذ والرقى والعزائم وطرد الجن من جسم المريض، أو بعبارة موجزة على الشعوذة، فإنهم قد اعتمدوا أيضا على التجربة. فقد عرفوا التداوي بالحشائش، واستعملوا البتر لمداواة الأعضاء الفاسدة في الجسم، والكي والحجامة ومداواة العيون وغير ذلك. كما كان لهم أطباء تعلموا في فارس أو بلاد الروم, فالحارث بن كلدة تعلم في فارس وتمرن فيها، وعرف تشخيص الداء ووصف الدواء. ونشأ ابنه النضر طبيبًا كأبيه، وهو الذي أمر الرسول بقتله، وكان قريبا له "ابن خالته"؛ لأنه حارب الدعوة الجديدة حربًا شعواء، وكان كثير الأذى للرسول٢.
ومن وصف طرفة بن العبد لناقته بثلاثين بيتًا، جاء فيها قوله:
وجمجمة مثل العلاة كأنما ... وعى الملتقى منها إلى حرف مبرد
وأروع نباض أحذّ ململم ... كمرداة صخر في صفيح مصمد٣
يتضح أنه لاحظ بعض الأمور من تشريح الحيوان، لا تدل على مجرد ملاحظة عابرة، بل على مشاهدة عاقلة وواعية، هي بعلم الطب والتشريح ألصق. فقد شبه جمجمة الجمل بالسندان، وأدرك أنها مؤلفة من عظام مسننة الأطراف، متداخلة يمسك
стр. 420
بعضها ببعض. وكذلك وصف القلب بأنه ضامر مدور ملء اليد، قاسٍ كالحجر، ملفوف في مثل المنديل، فيه نبض وحركة١.
وقد عرف الجاهليون الكهانة، وكانت منصبًا دينيًّا يدعي صاحبه أنه قريب من الله يعرف الغيب، تُقدَّم إليه النذور، فيتقبلها باسم الأصنام التي يزعم أنه يترجم عن إرادتها، وينظر في النجوم.
ومارسوا العرافة، والعراف يشبه الكاهن في ادعائه معرفة الغيب، وكان مثله يطبب الناس روحيا ونفسيا بما هو أقرب إلى الشعوذة. وقد اشتهر من الكهنة والعرافين عدد من الرجال والنساء.
كما مارسوا القيافة، وهي تتبع الأثر على الرمال, ومعرفة بصمات الأقدام، وتمييزها عن بعضها، ولو تزاحمت وتراكمت. ولا يخفى ما لهذه المعرفة من أثر في الصحراء، حيث تقضي الحاجة الماسة بتتبع آثار اللصوص والفارين والشاردين والقوافل. ونبغوا في الفراسة وهي معرفة انتماء الأشخاص بمجرد التفرس في وجوههم, أو معرفة القرابة بين شخص وآخر بمجرد ملاحظة وجوههم وبعض أعضائهم. ومارسوا الريافة، وهي معرفة استنباط الماء من الأرض بواسطة بعض الأمارات الدالة على وجوده, فيعرف بعده وقربه بشم التراب، أو برائحة بعض النباتات فيه.
وعرف عرب الجاهلية حركات الأنواء، وأحوال الجو، والاستدلال منها على تقلبات الطقس. وكانوا يستدلون على هطول المطر قبل نزوله بلون الغيوم, وعرفوا المسالك والاتجاهات، وهي نوع من المعارف الجغرافية تفيدهم في الأسفار، يهديهم إلى ذلك مسامتة الكواكب الثابتة ومنازل القمر، إذ لكل كوكب سمت يهتدى به٢.
غير أن ملاحظاتهم كانت مبنية على تجربة ناقصة، قد تصيب حينا وتخطئ أحيانا، إنما لم تخلُ من ذكاء ونباهة في كثير من الأحيان.
стр. 421
ومن بعض أبيات للنابغة الذبياني، نستدل أنهم عرفوا الحساب١، فقد قال في معلقته:
واحْكُمْ كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثمدِ
قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا مع نصفه فقدِ
فحسبوه فألفوه كما ذكرت: ... تسعًا وتسعين لم تنقص ولم تزدِ
فكلمت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العددِ٢
ولنلاحظ أن نقل هذه العملية الحسابية إلى علم الجبر، يعطينا المعادلة البسيطة التالية، على اعتبار أن العدد ٦٦ هو عدد الحمام الذي أشارت إليه الفتاة٣:
س + س/٢ + ١ = ١٠٠
ولا نستطيع أن نقول: إنه كان للجاهليين فلسفة، غير أن كثيرًا من الخطرات الفلسفية نشاهدها في شعرهم، كقول زهير بن أبي سلمى:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يُعَمر فيهرم
ومثل هذه الخطرات كثيرة في الشعر الجاهلي الذي نتبين فيه آراء كثيرة تتصل بالسياسة والعدل والحرية والحكم والأخلاق، ولا سيما في معلقتي زهير بن أبي سلمى وطرفة بن العبد.
ولطرفة بن العبد آراء في الأخلاق، تكاد تشبه آراء الفلاسفة الأبيقوريين في اللذة، ولا تختلف عن آراء هؤلاء إلا بكونها أكثر ميلًا إلى اللذة المادية، فهو يرى لذته في الخمرة، وإكرام الضيف واللهو مع النساء:
стр. 422
فلولا ثلاث هن من لذة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كُمَيْتٍ متى ما تعل بالماء تزبد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعَمَّد
كريم يُرَوِّي نفسه في حياته ... مخافة شرب في الممات مصرد
إنه يرى أن الغاية من الحياة هي اللذة المادية العاجلة، ثم إنه لا يبالي بموقف الناس منه في ذلك، ما دام هو وحده سيتحمل نتائج سلوكه:
وذرني وخلقي, إنني لك شاكر ... ولو حل بيتي نائيًا عند ضَرْغَد
فقالوا: ذروه، إنما نفعها له ... وإلا تردوا قاصي البرْك يزدد
وهو يريد أن يتمتع بهذه اللذائذ في الحياة؛ لأنه لن يكون بعد الموت شيء من ذلك١:
فذرني أروي هامتي في حياتها ... ستعلم إن متنا غدًا أينا الصدى
كما أننا نشاهد عند شعراء آخرين آراء تشابه ما قال به الدهريون والجبريون بعد ظهور الإسلام. والدهرية هم المؤمنون بأن الدهر قديم واجب الوجود، بل هو الله ينقلب بالإنسان كيف يشاء إلى أن يفنيه. والجبريون هم القائلون بأن كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر إنما هو محتم عليه، مقدر بقدرة الخالق، ولا حيلة للإنسان فيه، فهو كالريشة في مهب الريح، لا إرادة له ولا قدرة على أفعاله.
فمن شعراء الجاهلية من تظهر في أشعاره النزعة الدهرية ممزوجة بالنظرة المادية الطبيعية، التي تفيد أن الحياة تقوم على تجمع العناصر الطبيعية، ويحل الموت بتحلل تلك العناصر "أو الطبائع". "فالطبع المحيي هو الذي يجمع هذه الطبائع ليهب الحياة، والدهر المفني هو الذي ينهك القوة ويسلب الحياة"٢. يقول الشاعر تميم بن مقبل:
إن ينقص الدهر مني مرة لبِلى ... فالدهر أورد بالأقوام ذو غير
стр. 423
أو كقوله طرفة بن العبد:
أرى العيش كنزًا ناقصًا كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر يَنْفَدِ١
ويظهر الجبر في الاعتقاد، بأن الموت حتم على كل حي في أجل معين، ليس فيه متقدم ولا متأخر. يقول عمرو بن كلثوم:
وإنا سوف تدركنا المنايا ... مقدرة لنا ومقدّرينا
ويقول طرفة بن العبد:
ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي
لعمرك, إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد
أرى الموت أعداد٢ النفوس ولا أرى ... بعيدًا غدًا ما أقرب اليوم من غد
ويرى طرفة أن الإنسان لا ينال في هذه الحياة من خير أو غنى وكثرة ولد، ولا يصيبه فيها من شر أو فقر، إلا ما كان الله قد أراد له:
ولو شاء ربي كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد
فأُلفيت ذا مال كثير وعادني ... بنون كرام سادة لمسود
ولكعب بن زهير مثل هذا الرأي في قوله:
فقلت: خلوا سبيلي لا أبا لكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يومًا على آلة حدباء محمول
стр. 424
الفصل الخامس عشر: الحياة الدينية عند عرب الشمال
مدخل
...
الفصل الخامس عشر: الحياة الدينية عند عرب الشمال
يصنف العلماء الأديان إلى صنفين: أديان عليا، وأديان بدائية، وبديهي أن الصنف الأول هو الذي يشمل الأديان السماوية، بينما المقصود من الصنف الثاني هو الأديان الوثنية. وديانة العرب الجاهليين من النوع الأخير، وهي على قسمين: ديانة أهل الجنوب وقد سبق لنا دراستها، وديانة أهل الشمال وهي موضوع هذا الفصل.
ليس من السهل تكوين فكرة صحيحة وواضحة عن مفهوم الدين عند العرب، وكيفية عبادتهم لآلهتهم، وكيفية تصورهم لها، ولا سيما في العهد الذي سبق ميلاد المسيح؛ لقلة ما بين أيدينا من نصوص دينية جاهلية، ولذا فإن معارفنا عنها وعن الأساطير العربية الدينية قليلة.
وكل ما نعرفه عن عقائد الجاهليين أنها ابتدائية، ليس فيها شيء من العمق الروحي. وأما طقوسهم العبادية فلا نعرف منها إلا ما كان من طواف حول الأوثان وبيوتها، ولا سيما الكعبة التي تحوي عددًا كبيرًا منها، ومن تقديم بعض الضحايا الحيوانية، وأحيانا نادرة الضحايا والنذور البشرية لها. والسبب في أن معلوماتنا عنها قليلة ومشوهة، أن المؤرخين الإسلاميين لم يستسيغوا الخوض في أمور حاربها الإسلام١، وقد قضى الإسلام على كل أثر من آثار الوثنية، فأباد كل ما كان للجاهلية من أنصاب وتماثيل وأصنام.
وقد أشار القرآن الكريم إلى عبادة الأوثان، وإلى المعتقدات الجاهلية في معرض التنديد بها, كما خاضت فيها بعض الكتب القديمة وهي على قسمين:
стр. 425
القسم الأول:
كتب عامة تعرضت للأصنام وعبادتها، وهي إما كتب لغوية أو أدبية أو معاجم، أبرزها معجم البلدان لياقوت الحموي، بالإضافة إلى كتب المغازي والسيرة، وبخاصة منها سيرة ابن هشام. ومن الكتب المفيدة في هذا القسم ما عرف باسم "المؤلفات الكلاسيكية".