← История

История · id 11084

تاريخ العرب القديم

توفيق برو

Полный текст (488 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ومن بعض أبيات للنابغة الذبياني، نستدل أنهم عرفوا الحساب١، فقد قال في معلقته: واحْكُمْ كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثمدِ قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا مع نصفه فقدِ فحسبوه فألفوه كما ذكرت: ... تسعًا وتسعين لم تنقص ولم تزدِ فكلمت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العددِ٢ ولنلاحظ أن نقل هذه العملية الحسابية إلى علم الجبر، يعطينا المعادلة البسيطة التالية، على اعتبار أن العدد ٦٦ هو عدد الحمام الذي أشارت إليه الفتاة٣: س + س/٢ + ١ = ١٠٠ ولا نستطيع أن نقول: إنه كان للجاهليين فلسفة، غير أن كثيرًا من الخطرات الفلسفية نشاهدها في شعرهم، كقول زهير بن أبي سلمى: رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يُعَمر فيهرم ومثل هذه الخطرات كثيرة في الشعر الجاهلي الذي نتبين فيه آراء كثيرة تتصل بالسياسة والعدل والحرية والحكم والأخلاق، ولا سيما في معلقتي زهير بن أبي سلمى وطرفة بن العبد. ولطرفة بن العبد آراء في الأخلاق، تكاد تشبه آراء الفلاسفة الأبيقوريين في اللذة، ولا تختلف عن آراء هؤلاء إلا بكونها أكثر ميلًا إلى اللذة المادية، فهو يرى لذته في الخمرة، وإكرام الضيف واللهو مع النساء:

стр. 422

فلولا ثلاث هن من لذة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كُمَيْتٍ متى ما تعل بالماء تزبد وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعَمَّد كريم يُرَوِّي نفسه في حياته ... مخافة شرب في الممات مصرد إنه يرى أن الغاية من الحياة هي اللذة المادية العاجلة، ثم إنه لا يبالي بموقف الناس منه في ذلك، ما دام هو وحده سيتحمل نتائج سلوكه: وذرني وخلقي, إنني لك شاكر ... ولو حل بيتي نائيًا عند ضَرْغَد فقالوا: ذروه، إنما نفعها له ... وإلا تردوا قاصي البرْك يزدد وهو يريد أن يتمتع بهذه اللذائذ في الحياة؛ لأنه لن يكون بعد الموت شيء من ذلك١: فذرني أروي هامتي في حياتها ... ستعلم إن متنا غدًا أينا الصدى كما أننا نشاهد عند شعراء آخرين آراء تشابه ما قال به الدهريون والجبريون بعد ظهور الإسلام. والدهرية هم المؤمنون بأن الدهر قديم واجب الوجود، بل هو الله ينقلب بالإنسان كيف يشاء إلى أن يفنيه. والجبريون هم القائلون بأن كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر إنما هو محتم عليه، مقدر بقدرة الخالق، ولا حيلة للإنسان فيه، فهو كالريشة في مهب الريح، لا إرادة له ولا قدرة على أفعاله. فمن شعراء الجاهلية من تظهر في أشعاره النزعة الدهرية ممزوجة بالنظرة المادية الطبيعية، التي تفيد أن الحياة تقوم على تجمع العناصر الطبيعية، ويحل الموت بتحلل تلك العناصر "أو الطبائع". "فالطبع المحيي هو الذي يجمع هذه الطبائع ليهب الحياة، والدهر المفني هو الذي ينهك القوة ويسلب الحياة"٢. يقول الشاعر تميم بن مقبل: إن ينقص الدهر مني مرة لبِلى ... فالدهر أورد بالأقوام ذو غير

стр. 423

أو كقوله طرفة بن العبد: أرى العيش كنزًا ناقصًا كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر يَنْفَدِ١ ويظهر الجبر في الاعتقاد، بأن الموت حتم على كل حي في أجل معين، ليس فيه متقدم ولا متأخر. يقول عمرو بن كلثوم: وإنا سوف تدركنا المنايا ... مقدرة لنا ومقدّرينا ويقول طرفة بن العبد: ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟ فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي لعمرك, إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد أرى الموت أعداد٢ النفوس ولا أرى ... بعيدًا غدًا ما أقرب اليوم من غد ويرى طرفة أن الإنسان لا ينال في هذه الحياة من خير أو غنى وكثرة ولد، ولا يصيبه فيها من شر أو فقر، إلا ما كان الله قد أراد له: ولو شاء ربي كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد فأُلفيت ذا مال كثير وعادني ... بنون كرام سادة لمسود ولكعب بن زهير مثل هذا الرأي في قوله: فقلت: خلوا سبيلي لا أبا لكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يومًا على آلة حدباء محمول

стр. 424

الفصل الخامس عشر: الحياة الدينية عند عرب الشمال مدخل ... الفصل الخامس عشر: الحياة الدينية عند عرب الشمال يصنف العلماء الأديان إلى صنفين: أديان عليا، وأديان بدائية، وبديهي أن الصنف الأول هو الذي يشمل الأديان السماوية، بينما المقصود من الصنف الثاني هو الأديان الوثنية. وديانة العرب الجاهليين من النوع الأخير، وهي على قسمين: ديانة أهل الجنوب وقد سبق لنا دراستها، وديانة أهل الشمال وهي موضوع هذا الفصل. ليس من السهل تكوين فكرة صحيحة وواضحة عن مفهوم الدين عند العرب، وكيفية عبادتهم لآلهتهم، وكيفية تصورهم لها، ولا سيما في العهد الذي سبق ميلاد المسيح؛ لقلة ما بين أيدينا من نصوص دينية جاهلية، ولذا فإن معارفنا عنها وعن الأساطير العربية الدينية قليلة. وكل ما نعرفه عن عقائد الجاهليين أنها ابتدائية، ليس فيها شيء من العمق الروحي. وأما طقوسهم العبادية فلا نعرف منها إلا ما كان من طواف حول الأوثان وبيوتها، ولا سيما الكعبة التي تحوي عددًا كبيرًا منها، ومن تقديم بعض الضحايا الحيوانية، وأحيانا نادرة الضحايا والنذور البشرية لها. والسبب في أن معلوماتنا عنها قليلة ومشوهة، أن المؤرخين الإسلاميين لم يستسيغوا الخوض في أمور حاربها الإسلام١، وقد قضى الإسلام على كل أثر من آثار الوثنية، فأباد كل ما كان للجاهلية من أنصاب وتماثيل وأصنام. وقد أشار القرآن الكريم إلى عبادة الأوثان، وإلى المعتقدات الجاهلية في معرض التنديد بها, كما خاضت فيها بعض الكتب القديمة وهي على قسمين:

стр. 425

القسم الأول: كتب عامة تعرضت للأصنام وعبادتها، وهي إما كتب لغوية أو أدبية أو معاجم، أبرزها معجم البلدان لياقوت الحموي، بالإضافة إلى كتب المغازي والسيرة، وبخاصة منها سيرة ابن هشام. ومن الكتب المفيدة في هذا القسم ما عرف باسم "المؤلفات الكلاسيكية".

стр. 426

القسم الثاني مدخل ... القسم الثاني: كتب خاصة اقتصر مؤلفوها على البحث في الأمور الدينية، إنما لم يصلنا منها سوى كتاب واحد باسم "الأصنام" لهشام بن محمد بن السائب الكلبي المعروف باسم "ابن الكلبي" بينما لم يصلنا ما ألفه فيها كل من الجاحظ وأبي الحسن بن علي بن الحسين بن فضل بن مروان وغيرهما١. تعددت الأديان عند العرب الجاهليين، من عبادة للأصنام والأرواح والجن والجدود وما إليها، كما تسربت إليهم ديانة الفرس المزدكية والديانات التوحيدية؛ فعرفوها وتأثروا بها، ولم يظهر الإسلام إلا وكان في شبه جزيرة العرب خليط من مختلف الأديان والعقائد والنحل. ويمكن جمع معتقدات العرب قبل الإسلام في اتجاهين، أولهما: المعتقدات الوثنية، والثاني: معرفتهم عبادة الله.

стр. 427

المعتقدات الوثنية مدخل ... ١- المعتقدات الوثنية: وللوثنية في شبه جزيرة العرب قبل الإسلام مظاهر عديدة منها عبادة مظاهر الطبيعة، عبادة الأرواح، الاعتقاد بالجن، عبادة الأسلاف، تقديس الأشياء والأماكن "حجارة، أشجار، ينابيع"، وأخيرًا الأصنام.

стр. 428

عبادة مظاهر الطبيعة: وقد عرف عبادة مظاهر الطبيعة في شتى دول الجنوب العربي، التي كانت موضوع دراستنا في القسم الأول من هذا الكتاب, إذ عبد العرب الجنوبيون مظاهر طبيعية

стр. 429

فلكية، متمثلة في القمر والشمس والزهرة، تلك الكواكب التي اعتبروها أسرة إلهية واحدة، مؤلفة من أب هو القمر، وأم هي الشمس، وابن هو عثتر "كوكب الزهرة". وقد قدمت عنها لمحة في فصل سابق. وهناك من الدلائل أن العرب الشماليين أيضا قد كرسوا بعض عبادتهم للشمس والقمر، إذ اتخذوا للشمس صنمًا بيده جوهرة على لون النار وله بيت خاص، وقد وقفوا له بعض الأوقاف وجعلوا له سدنة، وكانوا يصلون للشمس ثلاث مرات في اليوم: وقت طلوعها ووقت غروبها ووقت توسطها الفلك. واتخذوا للقمر صنمًا على شكل عجل وبيده جوهرة, يعبدونه ويسجدون له، ويصومون له أيامًا معلومة من كل شهر، ثم يأتون إليه بالطعام والشراب، فإذا فرغوا من الأكل أخذوا في الرقص والغناء والعزف بين يديه. ومن العرب من اتخذ عبادة الأصنام مثل الكواكب، وبنوا لها هياكل، وجعلوا لها عبادات خاصة١. ومن الكواكب التي عبدها عرب الشمال "النجم الثاقب" وهو كوكب "الزهرة" الذي عبده الجنوبيون باسم "عثتر"٢. وقد ورد ذكره في القرآن الكريم باسم "الطارق" في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ ٣. وقد أدان التنزيل الحكيم عبادة الشمس والقمر في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٤. وفي القرآن الكريم إشارات إلى عبادة الكواكب قبل معرفة الله ، في قصة إبراهيم عندما أنحى باللائمة على أبيه عبادته وقومه للأصنام، لكنه عندما رأى كوكبا توهم أنه الله فلما أفل انصرف عنه، وكذلك عندما رأى القمر ثم الشمس ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ, إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ ٥.

стр. 430

من ذلك يتضح أن أقدم عبادة هي عبادة الأصنام، وقد اختلطت بها عوامل غيبية ربطتها بالأجرام السماوية قبل معرفة عبادة الله.

стр. 431

تقديس الأرواح وعبادتها: لقد ساد في الجاهلية اعتقاد بأن في بعض المظاهر الطبيعية قوى خفية هي فوق قوى الطبيعة، منها ما يكون في الجسم وهي النفس، ومنها ما يكون خارج الجسم وهي الروح. وتصور الجاهليون الروح بأنها شيء مخالف للجسم، أي للمادة، وأنها مثل النسيم أو الهواء لا يمكن رؤيتها، وبعضهم تصورها طائرًا يتبسط في الجسم، فإذا مات الإنسان أو قتل، لم يزل يطيف به مستوحشًا، يصدح على قبره. وزعموا أن هذا الطائر يكون صغيرا ثم يكبر، حتى يصير كضرب من البوم، ويلازم أهل الميت وولده دون أن يروه، ليعلم ما يكون بعده ليخبره١، كما قال الصلت بن أمية لبنيه: هامي تخبرني بما تستشعروا ... فتجنبوا الشنعاء والمكروها وكانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لن يُدرَك ثأره تصير هامة، فتزقو عند قبره "اسقوني، اسقوني"، حتى إذا أدرك ذووه ثأره طارت. والهامة هي الرأس، ومن معانيها أنها طير من طيور الليل يألف القبور، أو البومة. ولأسطورة الهامة صلة بأسطورة الصدى, وقد زعموا أن الصدى طائر يخرج من رأس المقتول إلى بَلي، وقيل: هو ذكر البومة أي مذكر الهامة٢. وقد أشار الجاهليون إلى هذه المعتقدات في أشعارهم، كقول مغلس الفقعسي: وإن أخاكم قد علمت مكانه ... بسفح قُبا تسفي عليه الأعاصر له هامة تدعو إذا الليل جنها ... بني عامر هل للهلالي ثائر

стр. 432

وكقول قيس بن الملوح "مجنون ليلى" في الصدى: ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دوننا مس من الأرض أنكب لظل صدى رمسي وإن كنت رَمَّة ... لصوت صدى ليلى يَهشُّ ويطرب١ وللأرواح في اعتقاد الجاهليين قدرة على الظهور للإنسان بأشكال مختلفة؛ ولذا فإنهم قدسوها بل عبدوها. وقد اعتقدوا أنها تحل في بعض الحيوانات، فنشأت عندهم فكرة التشاؤم والتفاؤل والخوف من بعض الحيوانات، كالغراب والبومة والغول والحيات والعقارب؛ لزعمهم بأنها حيوانات لها أثر في حياة الإنسان، تجلب له الخير أو الشر. قال النابغة الذبياني: زعم البوارح أن رحلتنا غدًا ... وبذاك خبرنا الغراب الأسود والبوارح مفردها: بارح، وهو الطائر يمر من يسار الشخص إلى يمينه، وكان ذلك دليل الشؤم عندهم، وضده السنيح والسانح وهو الذي يمر من اليمين إلى الشمال، وهو دليل اليمن، غير أن هذا الاعتقاد وجد من أنكره من الجاهليين، قال عوف بن عطية بن الخرع: نؤم البلاد لحب اللقاء ... لا نتقي طائرًا حيث طارا سنيحًا ولا جاريًا بارحًا ... على كل حال نلاقي اليسارا٢

стр. 433

تقديس الأشجار والأماكن والأشياء المادية: واعتقد الجاهليون بأن الأرواح تحل في بعض الأشجار، فينظرون إليها نظرة تقديس، ويعرضون عن إلحاق الأذى بها أو قطعها؛ خوفًا من انتقام الروح التي حلت فيها منهم١، وكانوا يقدمون لها القرابين وينذرون النذور، ويتخذون مواضعها حرمًا مقدسًا يحجون إليه في بعض الأحيان. وقد اشتهر عدد من هذه الأشجار كنخلة نجران التي

стр. 434

جعلوا لها عيدًا في كل عام، وشجرة "ذات أنواط"، وكانت شجرة عظيمة خضراء يأتونها كل سنة تعظيمًا لها، فيعلقون عليها أسلحتهم ويذبحون عندها، وكانت قريبة من مكة، فإذا قصدوا الكعبة للحج علقوا أرديتهم على أغصانها، ودخلوا الحرم بغير أردية تعظيمًا للبيت، ولذا سميت "ذات أنواط"١. كما اعتقد الجاهليون بأن الكهوف والينابيع والحجارة العراض على الخصوص مأهولة بأرواح وعفاريت ذات قوى خارقة٢، الأمر الذي دعاهم إلى تقديسها رهبة، بينما قدسوا أماكن أخرى تعظيما لوجود أولياء صالحين قبروا في باطنها، أو قدسوا ينابيع وآبارًا؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن في أعماقها قوى خفية خارقة، تكمن في الماء فتبعث الحياة في الأرض الميتة.

стр. 435

عبادة الملائكة: والملائكة أرواح في نظر الجاهليين، فهم روحانيون؛ ولذلك عبدوهم. والقرآن الكريم يشير في بعض آياته إلى هذه العبادة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ, قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُون﴾ ١. ومن الآيات الكريمة ما يشير إلى أن الجاهليين كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله وقد خلطوا بينهم وبين الجن: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٢. ومعنى خرقوا في الآية الكريمة: افتروا وكذبوا "راجع التفاسير".

стр. 436

عبادة الأسلاف: ومن معتقدات الجاهليين تقديس قبور أسلافهم، والتعبد لها على طريقة عبادة السلف التي كانت معروفة لدى معظم الشعوب القديمة. وقد حملهم على ذلك، اعتقادهم بأن أرواح أمواتهم تلازمهم قبورهم، فالهامة في نظرهم تلازم الخرائب والقبور، كما تلازم

стр. 437

أهل الميت وولده لتعلمه بخبرهم. فأرواح أمواتهم تبقى بينهم، ومن المفروض عليهم تقديسها. كان تقديسهم للسلف وعبادتهم لهم, ناشئًا عن حبهم وتقديرهم لأجدادهم العظام، وأبطالهم ورؤسائهم، كالذي أورد ابن الكلبي عن بني شيث بن آدم أنهم كانوا يأتون جسد أبيهم في المغارة التي دفن فيها، فيعظمونه ويترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل بن آدم: "يا بني قابيل! إن لبني شيث دوارًا يدورون حوله ويعظمونه, وليس لكم شيء" فنحت لهم صنمًا، فكان أول من عملها. كما قال ابن الكلبي: "كان ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر قومًا صالحين، ماتوا في شهر، فجزع عليهم ذوو أقاربهم، فقال رجل من بني قابيل: يا قوم! هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم، غير أني لا أقدر أن أجعل فيها أرواحًا؟ قالوا: نعم، فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم ونصبها لهم. فكان الرجل يأتي أخاه وعمه وابن عمه فيعظمه ويسعى حوله". وهكذا بمرور القرن بعد القرن استمروا على تعظيمهم قائلين: "ما عظم أولونا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله". فعبدوهم، وعظم أمرهم واشتد كفرهم١. وقد يعمد بعضهم إلى نصب الحجارة والشواهد على قبور أسلافهم المتوفين، فيطوفون حولها ويعبدونها بمرور الزمن؛ ولذا فإن الرسول ﷺ قد لعن المتخذين على القبور المساجد والسرج، ونهى عن الصلاة عليها، وأمر بتسوية القبور مع الأرض معتبرا أن "خير القبور الدوارس" كما أمر بطمس التماثيل.

стр. 438

عبادة الجن: يقول "نولدكه": إن فكرة عبادة الجن عقيدة قديمة، وجدت عند أقوام من غير العرب، وتسربت إلى العرب من جيرانهم الشماليين. والواقع أن العرب تأثروا بمؤثرات خارجية متعددة الجوانب، ومنها العقائد الدينية. كان من معتقدات الجاهليين أن بعض الأرواح تكون من الجن، وأن الجن وإن

стр. 439

كانت من الأرواح غير المنظورة، إلا إنه بالإمكان رؤيتها ومخاطبتها حتى والتزوج منها. ذلك بأن باستطاعتها أن تظهر وتختفي بسرعة، وتغير أشكالها بسرعة, تتجسم متى شاءت، وتظهر بالشكل الذي تريده، بصورة إنسان أو بصورة حيوان ولا سيما في صورة حية، وللناس قصص كثيرة عن ظهورها بالشكل الأخير. وهناك أيضا قصص عن مصاهرة أناس للجن، وظهور نسل وأسر من هذا التصاهر. وفي روايات العرب أنه كان لعمرو بن يربوع بن حنظلة التميمي زوجة من الجن١. وأهم الأماكن التي زعموا أن الجن تسكنها المواضع الموحشة، التي لا يطرقها الناس إلا نادرًا، والمواضع التي تصيبها الكوارث، كمواطن عاد وثمود، إذ تعيش في الخرائب والقبور والصحارى، وقرب عيون الماء وفي بعض الوديان. وأهم منطقة سكنها الجن في رأيهم وادي عبقر ومفازة صيهد في الربع الخالي, والحجر ديار ثمود. وهي تختار الظلام للظهور، فإذا انبلج الصبح ولت واختفت. ولذا فإن الناس إذا مروا ليلًا بمكان موحش، كانوا يحيون ساكنيه من الجن بقولهم "عموا ظلامًا". والمواضع المذكورة، وإن كانت هي الأماكن المفضلة لإقامة الجن، غير أن مواطنها غير محدودة ولا معينة، بل ترتاد كل موضع ومكان في زعمهم، حتى بيوت الناس لا تخلو منها. وفضلا عن ذلك فإنها شعوب وقبائل وفصائل مثل البشر، ولها رؤساء وملوك وحكام. فإذا أناخ قوم في مكان اعتقدوا أن فيه جنًّا استعاذوا بعظيم هذا المكان منهم، عساه يستجيب لنداء المستعيذ، ولا يسمح بإلحاق الأذى بالقوم٢. وإلى ذلك يشير التنزيل الحكيم في قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ٣ أي: ضلالًا, كما يشير إلى عبادتهم للجن في قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ ٤. واعتقدوا أن تقاليد قبائل الجن شبيهة بتقاليد قبائل الإنس، مثل إدراك الثأر والتحكيم بعد الحرب، كالذي يُروى عن قتل رجل من بني سهم لواحد من الجن، قضى

стр. 440

طوافه حول الكعبة، ودخل أحد دور بني سهم، فهاجت الجن وقتلت كثيرًا من بني سهم ثأرًا لقتيلها، فهب بنو سهم وحلفاؤهم ومواليهم وعبيدهم وقصدوا الجبال والشعاب، فلم يتركوا حية ولا عقربًا ولا خنفساء ولا دابة من شأن الجن أن تتجسد فيها إلا قتلوها، حتى اضطرت الجن إلى التوسط لدى قريش؛ لإنهاء النزاع بينها وبين سهم التي قتلت من الجن أضعاف ما قتله الجن منها، فنجحت الوساطة وانتهى النزاع بين الطرفين١. ومما اعتقد الجاهليون به، أن الجن قد تسرق الأطفال والرجال والنساء، وينسبون إلى الجن في الغالب فقدان الأشخاص في البوادي. وقد يتعرض الجن لبعضهم فيقتلونه عمدًا كالذي اشتهر عن تعرض من يدعي "شِقّ" من الجن لعلقمة بن صفوان جد مروان بن الحكم وإرغامه على المبارزة، فضرب كل منهما الآخر في لمحة بصر واحدة، فخرا ميتيْنِ. كما يروى أن حرب بن أمية وغيره من الأشخاص المعروفين قد قتلهم الجن٢. وكما أن الجن تلحق الأذى بالإنس، فإن منها من تسدي لهم الجميل من الفعال؛ لأن من الجن من هو طيب النفس مفيد ونافع، وإن كانوا قلة. من ذلك ما يروى عن الشاعر عبيد بن الأبرص أنه رأى حية فسقاها، فلما ضل له جمل وتاه ناداه هاتف بصوت مسموع، يشير إلى الموضع الذي ذهب إليه الجمل. فذهب عبيد إلى المكان فوجد جمله، وكان الهاتف صوت الحية التي تمثل فيها الجن. وينسب الجاهليون للجن كثيرًا من المصائب التي تصيب البشر مثل الأمراض والأوبئة والجنون بخاصة, وبين الجن والجِنَّة والجنون علاقة لفظية. ولتفادي هذه المصائب تجب مكافحة الجن وطردها بطرق مختلفة يقوم بها السحرة والكهان, ويستخدم الكاهن في ذلك الرقى والتعاويذ والعزائم لطرد الجن من جوفه. ومن الشائع لديهم أن لكل كاهن تابعًا من الجن "رئيًا" يستعين به, ويسترق له التابع الأخبار والأسرار من السماء، فيخبره بها فينقلها بدوره للسائلين٣.

стр. 441

وقد اتخذ الجاهليون طرقًا عديدة للتخلص من أذى الجن، ولا سيما من الخطفة والنظرة، أي خطفها للأطفال وإصابتهم بالعين. فهداهم تفكيرهم إلى تعليق بعض الأشياء على رأس الصبي، أو على لباسه مثل سن الثعلب، أو سن هرة، أو سن ذئب، أو تقطير شيء من السوائل في عينيه عند ولادته؛ لتنفير الجن عنه، وتسمى هذه الأمور المنفرة للجن باسم "النفرات". وقد يكون تعليق بقايا الحيوانات على الصبي من مخلفات العقيدة الطوطمية، لاعتقادهم بأن هذه الأجزاء ستخيف الجن، وتذكرهم بذلك الحيوان الذي يحتمي به الصبي١. وقد يلجئون في التحايل على الجن إلى تغيير اسم الصبي، وتسميته باسم حيوان صغير ينفر الجن منه. وهناك أيضا قصص الغول والسعلاة, وهي من أشهر القصص الجاهلي المذكور عن الجن. ويرى اللغويون أن من معاني الغول التلوُّن والظهور بصور مختلفة، والاغتيال والتضليل في المفاوز والغدر بالإنسان. وأما السعالي "مفردها: السعلاة" فذكروا أنها سحرة الجن, وقيل: إن الغيلان جنس منها، وإن الغيلان هي إناث الشياطين، وإن السعالي أخبث الغيلان٢.

стр. 442

عبادة الأصنام: وعبد العرب الجاهليون الأصنام، وهي تماثيل أو صخور عرفت بتسميات شتى، تختلف باختلاف المادة التي صنعت منها. فما كان منها مصنوعا من الخشب أو الذهب أو الفضة على صورة إنسان فهي أصنام, وما كان منها مصنوعا من الحجر فهي أوثان. ونوع ثالث منها عبدوه وأطلقوا عليه اسم الأنصاب, والأنصاب نوع من "حجارة غُبْر منصوبة، كانوا يطوفون بها ويعترون عندها" يعترون: يقدمون لها العتيرة أي: الذبيحة, ويسمون الطواف بها: "الدوار"١، وقد تكون الأصنام على هيئة حيوان أو طير، أو على أشكال أخرى. والعرب لم يعبدوا تلك الأصنام لمجرد كونها تماثيل أو حجارة، إنما لكونها تمثل في

стр. 443

نظرهم قوى عليا، هي فوق الطبيعة، ظنوا أنها كامنة فيها، كما أنها تمثل الأرواح التي تقدم معنا الحديث عنها، ومنها أرواح أسلافهم وأبطالهم ورجالهم الصالحين المتوفين، أو آلهة معينة، جعلوها رمزًا لها. وقد مرت معنا بعض الشواهد على ذلك، مثل إقامة بني قابيل تمثالا لجدهم، أو إقامتهم أيضا تماثيل لخمسة من أسلافهم الصالحين، صاروا يطوفون حولها تعظيمًا لهم. ومثل ما روي أن "اللات" في الطائف كانت تمثل رجلا من ثقيف، عبدوه عندما قال لهم عمرو بن لحي الخزاعي: إنه لم يمت إنما دخل الصخرة، وأمرهم بأن يبنوا عليها بنيانًا وأن يطوفوا حولها تعظيمًا له١، أو أنه قال لهم: إن ربكم دخل هذه الصخرة، ونصبها لهم ليعبدوها. وقد اعتقد الجاهليون أيضا، أن فيها وفي العزى شيطانين يكلمان الناس. كان لكل قبيلة إلهها الخاص، وقد تشترك عدة قبائل في عبادة إله أكبر، ويظهر أن العرب قد اقتبسوا شيئا من معتقداتهم وعباداتهم وأصنامهم من الأمم المجاورة. فقد كان من أصنامهم ما هو قديم، نشأت عبادته في شبه جزيرة العرب، كالذي ذكرته عما روي من إقامة بني شيث بن آدم وبني قابيل بن آدم تماثيل لأسلافهم، كما كان منها ما هو دخيل عليهم جاءهم من خارج شبه الجزيرة، ولا سيما من الشعوب السامية في شمال بلادهم. ففي رواية لابن الكلبي أن أول من غيَّر دين إسماعيل "فنصب الأوثان، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وبحَّر البحيرة، وحمى الحامية" هو عمرو بن لحي الخزاعي، الذي كان يلي أمور مكة والكعبة بعد جرهم، إذ "مرض مرضًا شديدًا فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حَمَّة إن أتيتها برئت. فأتاها فاستحم بها فبرئ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو. فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا فقدم بها مكة، ونصبها حول الكعبة"٢. كانت الكعبة معبدا كبيرا يضم أكبر عدد من الأصنام والأوثان. فقد حطم فيها الرسول ﷺ عند فتحه مكة، أكثر من ثلاثمائة صنم. ذلك أن قريشا قد نصبت في داخل الكعبة وحولها أصنام شتى القبائل العربية القريبة منها والبعيدة، لتجذبها إلى زيارة

стр. 444

الكعبة، وإلى ارتياد الأسواق التي كانت تقام في موسم الحج، فتستفيد من ذلك فوائد اقتصادية ومعنوية. وكان أشهر أصنام المشركين أربعة: هبل واللات والعزى ومناة. وبينما لم يرد للأول ذكر في القرآن الكريم، ذكر الثلاثة الأخر وغيرها من آلهة الجاهليين مرارًا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى، إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان﴾ ١. وقد جاءت هذه الآية تنديدًا بالكفار الذين جعلوا هذه الآلهة بنات الله، وأنهن يشفعن بالناس عنده. وكانت قريش تطوف الكعبة وتقول: "واللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، فإنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى"٢. ويظهر أن بعض الآلهة كانت تعبد منذ عهد نوح، كما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا، وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا، وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ٣. وقد تقدم معنا ما روي عن عبادة هذه الآلهة، منذ أن صنع بنو قابيل خمسة أصنام لخمسة من عظمائهم، ماتوا وكانوا يتسمون بهذه الأسماء. هبل: كان هبل أعظم الآلهة الوثنية في مكة، ويظهر أن عبادته كانت عامة في عرب الشمال، وكان موضعه داخل الكعبة، وهو مصنوع من عقيق أحمر على صورة إنسان، ويقال: إن أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وكان يقال له "هبل خزيمة". وكان مكسور الذراع الأيمن، فأبدله القرشيون ذراعًا من ذهب، وكانوا يطوفون حوله، ويستقسمون عنده بالأزلام، ويقدمون له الهدايا. روى ابن الكلبي أنه كان أمامه سبعة قِداح اثنان منها مكتوب على أحدهما "صريح" وعلى الثاني "ملصق"، فإذا شكوا في مولود أتوا إليه بهدية، ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج "صريح" ألحقوا المولود بنسبهم، وإن خرج "ملصق" دفعوه. وكان على أحد قدحين آخرين كلمة

стр. 445

"ناهي" وعلى الثاني "آمر"، فإذا أرادوا الإقدام على عمل أتوا واستقسموا، فإذا خرج "الآمر" فعلوا، وإن خرج "الناهي" أحجموا, وهكذا في أمور أخرى. وعند هبل ضرب عبد المطلب على ابنه عبد الله. ولما ظفرت قريش في معركة أحد، صاح أبو سفيان "اعل هبل" "أي: علا دينك"، فقالوا الرسول: "الله أعلى وأجل"١. اللات: صخرة مربعة أقيم عليها بناء في الطائف, وقد اعتبرتها ثقيف من أعظم المعبودات، وعظمتها قريش وجميع العرب. وكانت تعرف عندهم باسم "الربَّة" أي السيدة، وقد شبهها "هيرودوت" بإلهة الفلك uRANIA، وهي تقابل الأم الكبرى للآلهة، أو "عشتروت" عند الساميين الشماليين٢. وكانوا يسمون أولادهم بأسماء منسوبة إليها مسبوقة بكلمة "وهب، تيم، زيد" مثل وهب اللات، تيم اللات، زيد اللات، بينما كانوا يسبقون أسماء الآلهة الأخرى بكلمة عبد كقولهم: عبد العزى، عبد يغوث، عبد مناف ... إلخ. وكان تحت صخرة اللات حفرة عرف باسم "غبغب" تحفظ فيها الهدايا والنذور والأموال التي كانت تقدم إليها. ويظهر من بيت ينسب إلى كعب بن مالك الأنصاري: وننسى اللات والعُزَّى وودًّا ... ونسلبها القلائد والسيوفا أن الناس كانوا يعلقون القلائد والسيوف على الأصنام، ويقدمون إليها الحلي والثياب والنفائس، وما طاب في الأعين، كهدايا ونذور إليها٣. فلما أسلمت ثقيف بعث الرسول ﷺ المغيرة بن شعبة إليها، فهدمها وحرَّقها بالنار، واستولى على كل ما كان عندها٤.

стр. 446

العُزَّى: وكانت أعظم الأصنام عند قريش بعد هبل، وربما نافسته، يزورونها ويهدون لها، ويتقربون عندها بالذبح، وكانت بوادٍ من نخلة الشامية يقال له "حُراض" بين مكة والعراق. أما أول من اتخذها فهو "ظالم بن أسعد" فبنى عليها بيتا، وحمت لها قريش شعبًا من الوادي. وزعم العرب أن العزى شيطانة تأتي ثلاث سَمُرات١ ببطن نخلة، وأن أصواتًا كانت تخرج من داخل بيتها يسمعها المتعبدون. وكان العرب إذا فرغوا من حجهم وطوافهم بالكعبة، لم يحلوا حتى يأتوا العزى فيطوفوا بها ويحلوا عندها، ويعكفوا عندها يومًا. وفي كتاب الأصنام رواية طريفة عن قيام خالد بن الوليد بهدم بيتها وتحطيمها، وقطع السمرات الثلاث التي قيل: إنها كانت تحيط ببيتها٢. مناة: وكانت معروفة في مكة, وقد شاعت عبادتها بين قبائل هذيل وخزاعة، وكان مكانها عند ساحل البحر بين المدينة ومكة، تعظمها القبائل الساكنة في تلك الجهات، ولا سيما الأوس والخزرج، إذا كانتا تخصانها بالتعظيم، كخاصة ثقيف للات وقريش للعزى، فإذا حجوا إلى مكة، عادوا إلى مناة، ليحلقوا شعرهم عندها. وربما اعتبرت مناة إلهة القضاء والقدر، أو ما يقابل الحظ المخلص عند الإغريق. وأما تحطيم صنمها، فكان في السنة الثامنة للهجرة عندما سار الرسول ﷺ لفتح مكة, فأرسل علي بن أبي طالب للقيام بهذه المهمة، فهدمها وأخذ ما كان لها، ومن ذلك سيفان روي أن الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الغساسنة كان قد أهداهما إليها، ويقال: إن ذا الفقار سيف علي أحدهما٣. ومن أبرز الأصنام التي عبدها العرب من أقدم العصور: ود: وقد اتخذته "كلب" بدومة الجندل. ويروي ابن الكلبي أن أول من آمن به وعبده

стр. 447

-عندما أرسله عمرو بن لحي من شط جدة، وأمر بأن تدعى العرب إلى عبادته وهي في موسم الحج- عوف بن عذرة من كلب، إذ نصبه في دومة الجندل، وجعل ابنه عامرًا سادنًا له، ولم يزل بنوه يسدنونه حتى ظهر الإسلام، ولما كانت غزوة تبوك أُرسل خالد بن الوليد لهدمه، فحالت بنو عبدود وبنو عامر دون ذلك، فقاتلهم خالد حتى قتلهم وهدمه وكسره، وكان فيمن قتل آنذاك حسان بن مصاد ابن عم الأكيدر صاحب دومة الجندل. ويصفه ابن الكلبي فيقول: "كأن تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد دُبر "نقش" عليه حُلتان، متزر بحلة، مرتدٍ بأخرى، عليه سيف قد تقلده وتنكب قوسًا، وبين يديه حربة فيها لواء ووفضة "جعبة" فيها نبل" ومن طريف ما روى ابن الكلبي أن رجلا يسمى حارثة الأجداري كان يهدي اللبن إلى الصنم، ويرسله مع ابنه مالك، وينقل عن مالك قوله: "كان أبي يبعثني باللبن إليه فيقول: اسقه إلهك، فأشربه"١. وابن الكلبي يجعل عمرو بن لحي الخزاعي بطل عبادة الأصنام، فهو يدفع بهذا الصنم أو ذاك إلى هذه القبيلة أو تلك؛ لتعبده. ويظهر أن هذا الأمر كان معروفًا عنه عند ظهور الإسلام، إذ روي عن الرسول قوله: "رفعت لي النار فرأيت عمرًا رجلًا قصيرًا أحمر أزرق يجر قصبه في النار. قلت من هذا؟ قيل: عمرو بن لحي، أول من بحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة، ودعا العرب إلى عبادة الأوثان" ٢. وكان من هذه الأوثان: سواع: الذي دفع به عمرو إلى رجل من هذيل، يقال له الحارث بن تميم، ينتسب إلى مدركة بن إلياس، فجعله في أرض يقال لها رهاط من بطن نخلة، وتعبَّده من يليه من مضر. وحينما أجابته مذحج دفع إلى رجل منها: يغوث: فوضع بأكمة في اليمن يقال لها مذحج، وتعبدته مذحج ومن والاها، وأجابته هَمْدان فدفع إلى رجل منها:

стр. 448

يعوق: فوضع في قرية يقال لها خَيْوان، وتعبدته همدان ومن والاها من أرض اليمن. وأجابته حمير، فدفع إلى رجل منها: نسرًا: فوضع في مكان من أرض سبأ يقال له "بَلْخع" وتعبدته حمير ومن والاها، وظلوا يعبدونه حتى هودهم ذو نواس١. وإلى جانب هذه الآلهة، هناك آلهة أخرى أقل أهمية مثل: الفَلْس: وكان لطيء تعبده وتهدي إليه، وتَعتِر عنده، ومكانه وسط جبلهم أجأ. ويظهر أنه كان عبارة عن صخرة سوداء منتصبة، وكأنها تمثال إنسان، وكان له سادن من بني بولان، وفي اعتقادهم أنه لا يأتيه خائف إلا أمن عنده، ولا يطرد أحد طريدة فيلجأ بها إليه إلا تركت له. وكان لطيء أصنام أخرى مثل: "اليَعْبوب" وهو صنم لجديلة طيء، و"باجر". وهناك أصنام أخرى تَعبَّد لها العرب منها: "الأقيصر" لقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان، و"سعد" لبني مالك وكان صخرة طويلة بساحل جدة، و"نهم" لمزينة، و"سعير" لعَنَزَة، و"ذو الخلصة" وكان لباهلة وبجيلة وأزد السراة وهوازن. ومن الأصنام ما اعتقد الجاهليون أنها كانت بشرًا، فمسخها الله حجرًا مثل صنمي: إساف ونائلة: ويروى أنهما كانا رجلًا وامرأة من جرهم قد تحابا، ثم قصدا مكة للحج فدخلا الكعبة، فوجدا غفلة من الناس وخلوة في البيت، ففجرا بها، فمسخا حجرين، فأخرجا ووضعا موضعهما؛ ليعتبر بهما الناس، فعبدا بمرور الزمن، عبدتهما خزاعة وقريش، ومن حج البيت من العرب٢. وقد ذكرت الآيات الكريمة أن مما آمن به الجاهليون "الجبت والطاغوت": ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا

стр. 449

هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ١. والتنزيل الحكيم في هذه الآية، يُنحي باللائمة على اليهود الذين أيدوا الكفار في موقفهم من الدين الجديد. ويقال في تفسير الجبت والطاغوت: إن الجبت في الأصل صنم، فاستعملت الكلمة في كل ما عُبِد من دون الله، وكذلك الطاغوت، ويقال أيضا: إنهما الكهنة والشياطين، أو إن الطاغوت هو "هبل"، أو إن الطواغيت بيوت كانت العرب تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحجاب، وتهدي لها، وتطوف بها كطوافها بالكعبة، وتنحر عندها٢، لكنها لا ترقى في مكانتها إلى منزلة الكعبة.

стр. 450

طقوس العرب العبادية: كان الحج أهم هذه الطقوس، وللحج أشهر معلومات تبين بالأهلة كما يقول في التنزيل الحكيم فيما يتعلق بعبادة المسلمين: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ١. وقد ذكرت الروايات المتواترة أنها كانت عند الجاهليين ثلاثة: ذو القعدة، ذو الحجة، محرم. وقد جعلت حُرُمًا لا يجوز فيها القتال؛ ليأتي الناس للحج آمنين مطمئنين. ومن أبرز الأمثلة على حرص المكيين على حرمة هذه الأشهر، أنه لما لمس زعماء قريش أن هناك من تسول لهم أنفسهم أن ينتهكوا حرمتها، بخلق الأسباب الداعية إلى الحرب، قد تداعوا إلى عقد حلف يسمى "حلف الفضول". وقد حضره الرسول وفضل حضوره على حمر النعم. يقول ابن سعد٢: "كان حلف الفضول منصرف قريش من الفجار ورسول الله ﷺ يومئذٍ ابن عشرين سنة ... وكان أشرف حلف كان قط، وأول من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب، فاجتمعت بنو هاشم وزهرة وتميم في دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعامًا، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله: لنكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه

стр. 451

حقه، ما بل بحر صوفة، وفي التآسي في المعاش١، فسمت قريش ذلك الحلف "حلف الفضول" ... وقال رسول الله ﷺ : "ما أحب أن لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حُمْرَ النَّعَم". جعلت هذه الأشهر ثلاثة مع أن موسم الحج لا يستغرق أكثر من شهر وأيام، غير أن المسافات الشاسعة التي يضطر الحاج لقطعها، تحتاج إلى مدة كافية يذهب فيها ويعود، ويتعاطى فيها الناس البيع والشراء في الأسواق في ظل الأشهر الحرم. والطواف بالكعبة هو أهم مراسم تحيتها وتكريمها، وكان في الجاهلية أبرز تقليد من تقاليد الحج، وقد جعله الدين الإسلامي ركنًا من أركانه. غير أن الإسلام لم يقر هذا التقليد إلا لأنه في الأصل من تقاليد دين سماوي كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ٢. وزيارة الكعبة نوعان: زيارة عمرة في أي وقت، وزيارة حج في وقت معلوم، ولم يكن يجوز الجمع بينهما في الجاهلية وإلا عد ذلك فجورًا، حتى إذا جاء الإسلام أجاز الجمع بينهما. والطواف سبعة أشواط على مدار الكعبة، ويبدأ من الركن الذي فيه الحجر الأسود، وهو حجر صواني لامع اعتقد العرب أنه أنزل من السماء هدية للكعبة. وقد حافظ الإسلام على قدسيته وعلى تقاليد الحج، إنما نفي عنها كل ما يمت إلى الوثنية بصلة وكرسها لله الواحد الأحد، فأعاد الأمور إلى نصابها، باعتبار أن الكعبة كانت في الأصل بيتًا لله سبحانه وتعالى٣. يذكر الأخباريون أن الطائفين بالبيت كانوا صنفين، صنف يطوفون عراة ويعرفون باسم "الحُلَّة" وهم من غير قريش، وصنف يطوفون بثيابهم ويعرفون باسم "الحُمس" وهم من قريش.

стр. 452

الحُلَّة: ومن الروايات أن أيًّا من الحلة طاف بثيابه ألزم بطرحها بعد الطواف، ولا يجوز له استعمالها بعدئذ، وتبقى في مكانها حتى تبلى من الوطء والشمس فتسمى عندئذ "لقًى". وفي رواية أخرى أن من يطوف من الحلة بثيابه يضرب, وتنتزع منه ثيابه، ويلزم أن يأخذ من الحمس ثيابا للإحرام تسمى الثياب الأحمسية، إما شراء أو إعارة أو هبة، وإلا فإن عليه أن يطوف عاريًا. وتخضع النساء لهذه القاعدة أيضا، إنما كن يتفادين انكشاف عورتهن للحجاج، بأن يتخذ بعضهن سيورًا يعلقنها على خصورهن، أو يطفن في دروع مفرجة المقاديم والمآخير، فيستترن بها، أو يطفن ليلًا. والتفسير الذي أعطي لهذه الفروض، هو الحرص على أن يكون الطائف نقيا متحررا من آثامه، فلا يطوف في ثياب قارف فيها الذنوب، فيلزم بتدارك ثياب من الحمس، باعتبارهم متشددين في دينهم أتقياء زهاد، فالثياب التي يبيعونها أو يؤجرونها نظيفة كنظافة أهلها، بعيدة عن الإثم بعدهم عنها، فهي الثياب الوحيدة الصالحة للطواف. ولا بد أن يكون طواف العري -والحالة هذه- طوافًا دوافعه فقر الطائف، وعدم تمكنه من شراء أو استئجار ثوب من الأحمسي ليطوف به، وعدم قدرته من جهة أخرى على طرح ثيابه لتصبح "لُقًى" إذ لا ثياب له غيرها، فلا يكون أمامه سوى الطواف عاريا١. على أن الإسلام قد حرم طواف العري، وحتم على قريش وغيرها لبس "الإحرام". الحُمْس: والحمس على نقيض الحلة, إنهم من قريش وحلفائها. ومعنى الكلمة التشدد في الدين، وكانوا إذا زوجوا امرأة منهم إلى أحد من غير الحمس، فرضوا عليه أن يكون نسله منها حمسًا، بينما كانوا يتزوجون من أية قبيلة كانت دون قيد أو شرط. وكانوا إذا أحرموا لا يسلئون السمن، ولا يأتقطون الأقط "أي: لا يصنعون طعامًا من اللبن المخيض"، ولا يأكلون الزبد، ولا يغزلون الوبر والشعر، ولا يستظلون بخيام صنعت بها, بل يستظلون

стр. 453

الأدم ما داموا حرمًا، ويطوفون بالبيت بثيابهم. وإذا أحرم أحدهم وكان من أهل المدر، نقب نقبًا في ظهر بيته منه يدخل ومنه يخرج, ولا يدخل من بابه. وكانوا يفرضون على غير الأحمسي ألا يطوف بالبيت إلا بثياب أحمسية، وألا يأكل في الحرم إلا من طعام أهل الحرم، أكان ذلك شراء أو قراء، كما كلفوا العرب أن تفيض من مزدلفة بدلًا من عرفة التي كانوا يفيضون منها١. يتبين مما سبق، أن الحمس هم عمومًا من سكان مكة أهل الحرم، وأما الحلة فمن غير أهل مكة. فلأهل مكة امتيازات خاصة، ميزوا أنفسهم بها عن سائر الناس؛ لأنهم جيران البيت وسدنته، وقد شرفوا على غيرهم بوجوده بينهم، فجعلوا من أنفسهم طبقة أرستقراطية، وفرضوا نفوذهم على العرب جميعا لحاجة هؤلاء إليهم. الطُّلس: وهم وسط بين الحمس والحلة كما قيل، يصنعون في إحرامهم ما يصنع الحلة، ويصنعون في ثيابهم ودخولهم البيت ما يصنع الحمس، فلا يطوفون عراة ولا يستعيرون ثياب الحمس، لكنهم يدخلون البيوت من أبوابها، ويقفون مع الحلة ويصنعون ما يصنعون٢ ولا يختلفون عنهم إلا في قصة طواف العري. وهم سائر أهل اليمن وأهل حضرموت وعك وإياد. الحلق والتقصير والهدي: كان الحلق والتقصير قبل البعثة من علامات التحلل من الإحرام بعد أداء المناسك، فلا يحلق الحاج قبل تقديم قربانه. وكان يطلق على القرابين اسم "الهدي والقلائد" وهي الحيوان الذي يسوقه الحاج ليذبحه قربان شكر للآلهة. وكان من عادة العرب أن يضعوا في عنق الهدي قلادة من سيور الجلد أو ألياف الشجر أو فتيل الخيط. كما يعمدون إلى إشعار البُدْن أي جرحها جرحًا خفيفًا في سنامها، فيسيل دمها على ظهرها، إشارة إلى كونها هديًا فتصبح بذلك محرمة، ويسمون البدن المجروحة "شعيرة".

стр. 454

وقد أقر الإسلام هذه الطقوس لما فيها من فائدة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ١. وقد أشار التنزيل الحكيم إلى الهدي المقلد أو المجروح بأنه من شعائر الله، وأنه واجب الاحترام ولا يجوز الاعتداء عليه. وكان أصحاب الهدي في الجاهلية يتأثمون من أكل لحوم هديهم، ويتركونها للفقراء والمساكين والبائسين، أو للجوارح من الطير والوحش٢. غير أن الإسلام قد أباح لأصحابها أن يأكلوا منها، وأن يطعموا الفقراء والبائسين والمحتاجين: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ, لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ٣. الهدايا: تتلخص موجبات التقديس التي كان يكرسها الجاهليون للقوى التي عبدوها بنوعين من السلوك، فقد قدسوها إما رهبةً وإما رغبةً. قدسوا القوى الشريرة "الجن" لا لأنهم جعلوها في مصاف الآلهة، بل لأنها تملك من القوى الخارقة ما لا يملكه الإنسان، وهي قادرة على الأذى والضرر، فهي في نظرهم فوق البشر، ولكنها دون الآلهة منزلةً. أما التي اعتقدوا فيها الخير من الآلهة، فقد عبدوها رغبة في نوال خيرها ونفعها. وإن رجاء الإنسان الخير من آلهته، أمر معروف عند جميع الأمم القديمة، وليس أدل على ذلك من أن هذه الشعوب كانت تصطحب معها تماثيل آلهتها في الحرب؛ كي تنصرها على أعدائها. وعمرو بن لحي الخزاعي جلب الأصنام من الشام؛ لأن عبدتها أفهموه أنهم يستسقون بها المطر، ويستنصرون بها على أعدائهم. وكذلك فعل أبو سفيان بن حرب في موقعة أحد، إذ اصطحب كلًّا من اللات والعزى، ليستنصر بهما على المسلمين. وكان للأنباط والتدمريين آلهة لحماية تجارتهم، يرجون منها أن تبارك أعمالهم التجارية، وتأتي لهم بالربح الوفير، وكذلك كان لعرب الجاهلية في شبه الجزيرة تقاليد

стр. 455

مماثلة، إذ كانوا ينذرون لآلهتهم النذور، ويطلبون منها أن تبارك قوافلهم التجارية، وتحفظها عند رحيلها، كما يقدمون لها القرابين عند عودتها سالمة، إعرابًا عن شكرهم لها إذا حفظتها من الأذى. كما أن للجاهليين حاجات أخرى يتوخون أن تقضيها لهم آلهتهم؛ أن تمنحهم الصحة، وتقيهم من الأمراض، وتحفظ لهم أطفالهم، وأن توفقهم في أعمالهم وتوفر لهم أسباب الرزق والمعيشة. ولكي ترضى عنه الآلهة، وتحقق لهم هذه الأماني، كان عليهم أن يرضوها بالهدايا وهي على نوعين: هدايا تقدم بشروط وهي النذور، وتكون هذه النذور إما معنوية، كأن ينذر المرء للإله إن رزقه ولدًا أن يسميه على اسمه, أو يكرسه لخدمته. أو تكون مادية, كأن ينذر إن قضى له أمرًا أن يقدم له ضحية من حيوان أو مأكل أو مشرب، وفي أحيان نادرة أن يضحي له بأحد أولاده إن رزقه عددا معينا منهم. وكان من نذورهم أن أحدهم ينذر إذا بلغت إبله كذا عددًا، أن يذبح من كل عشرة منها رأسا لآلهته في شهر رجب، والذبيحة تسمى حينئذ "الرجبية أو العتيرة"١. وقد يقدم للآلهة هدايا دون أن يربط تحقيقها بأي شرط، بل يكون ذلك لاسترضائها؛ كأن يقدموا لها طيوبا كالبخور والصموغ يحرقونها عندها، أو يقدموا لها سيوفا وقلائد وثيابا نفيسة أو حليا يعلقونها عليها, أو يضعوها في حفرة أو مكان خصص لذلك، كالحفرة التي كانت لصنم "اللات" "الغبغب". أما الضحايا الحيوانية التي يقدمونها لها، فكانوا يذبحونها على مذابح وضعت أمام الصنم أو داخل بيته، وتكون من الحجر المنحوت أو غير المنحوت. وقد تؤخذ كمية من دمها فيلطخ بها الصنم أو تلطخ بها جدران الكعبة، إذا كان الصنم الذي قدمت له فيها. وقد حرم الإسلام تلطيخ الكعبة بالدم, وهذه العملية تسمى نسكا، والذبيحة نسيكة، وكلمة منسك معناها "دم مهرق". ومن الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢.

стр. 456

نفهم أنهم كانوا يعرفون الله إلى جانب الأصنام التي عبدوها، فينذرون له ولها من زروعهم ومواشيهم, لكنهم كانوا يؤثرونها عليه، فيعطونها ما جعلوه من نصيب الله. ويذكر ابن الكلبي مثالا على ذلك، أنه كان لخولان صنم يسمى عميانُس "يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسمًا بينه وبين الله " ". فما دخل في حق الله من حق عميانس ردوه عليه، وما دخل في حق الصنم من حق الله تركوه له"١. وفي "المحبر" لابن حبيب "ص٣٣١-٣٣٢": "أن أهل المدر والحرث كانوا إذا حرثوا أو غرسوا غرسًا، خطوا في وسطه خطا ينصفه إلى نصفين، وقالوا: ما دون هذا الخط للآلهة، وما ذرأه لله. فإذا سقط ثمر من القسم الذي جعلوه لله في القسم الذي جعلوه لآلهتهم أبقوه، وإن سقط ثمر من القسم الذي جعلوه لآلهتهم في القسم الذي جعلوه لله ردوه ... وكذلك إذا تسربت المياه من حصة الآلهة إلى حصة الله ردوها، أما إذا كان العكس فلا يردونها"٢. وقد يلجأ البدو من الجاهليين إلى نذر نذور من الإبل تترك سائبة لا يستفيد منها أحد، كما جاء في الآية الكريمة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٣. وتفسير هذه الأسماء: أن الجاهليين كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن، آخرها ذكر، بحروا أذنها، أي شقوها، وخلوا سبيلها، فلا تُركب ولا تُحَمَّل، فهي "بحيرة". وكان الرجل إذا مرض يقول: إن شفيت فناقتي سائبة، ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها. وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرًا فهو لآلهتهم، وإذا ولدتهما معا قالوا: وصلت الأنثى أخاها فلا يذبح الذكر، وتسمى هي وَصِيلة. وإذا نتج من صلب الفحل عشرة أبطن, حرَّموا ظهره ولم يمنعوه من ماء ولا مرعى, وقالوا: قد حمى ظهره فهو حام, فلما جاء الإسلام منع هذه العادات.

стр. 457

وقيل في تفسيرها آراء أخرى، إذ يقول بعضهم: إن السائبة الناقة إذا ولدت عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر، فتُسَيَّب لا يركب ظهرها ولا يُجَزُّ وبرها، ولا يشرب لبنها إلا ضيف. أما إذا أنتجت بعد ذلك أنثى، شقت أذن هذه, وأخلي سبيلها مع أمها، ويجري عليها التحريم الذي يطبق على أمها وتسمى "بحيرة". والوصيلة: الشاة إذا أتأمت "ولدت توأمًا" عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن، ليس بينها ذكر، فيقولون: قد وصلت. وكل ما ولدت بعد ذلك يكون للذكور منهم دون إناثهم، إلا أن يموت من مواليدها شيء، عندئذ يشتركون في أكله ذكورهم وإناثهم١. وقد ندد القرآن الكريم بذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ٢.

стр. 458

البعث والحساب بعد الموت: ليس باستطاعتنا معرفة ما إذا كان الجاهليون يعتقدون بالبعث بعد الموت أو بعدمه، إلا من خلال أقوال شعرائهم، ومن القليل الذي رواه الأخباريون عن تقاليدهم، ومن بعض الآيات القرآنية التي تعرضت لهذا الأمر وهي قليلة. وقد ناقض الشعراء بعضهم بعضا في ذلك: منهم من أنكر البعث، ومنهم من آمن به. وربما كان السبب في ذلك تأثر القائلين بالبعث بالأفكار التوحيدية التي تسربت إلى شبه جزيرة العرب. ومعنى ذلك أن الأصل هو نكران البعث، وأن أغلب الجاهليين كان على هذا الاعتقاد، وقد دهشوا من قول الرسول ﷺ بالبعث والحساب، كما جاء في التنزيل الحكيم: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ١، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢، أو كما يقول شاعر جاهلي: حياة ثم موت ثم نشر ... حديث خرافة يا أم عمرو

стр. 459

ومن الشعر الذي ينبئ باعتقادهم أن الموت نهاية حياة الإنسان، قول شداد بن الأسود يرثي قومه من قتلى بدر، مستغربًا فكرة البعث التي بشر بها الرسول: يخبرنا الرسول بأنْ سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام غير أن الأخباريين رووا لنا أن فريقا من الجاهليين كانوا يؤمنون بالبعث والحشر بالأجساد، ويستشهدون على ذلك بالتقليد الجاهلي الذي يقال له "البلية"، ويقصدون بذلك عقل ناقة أو جمل عند قبر ميت ليحشر وهو راكب عليها، فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت جوعًا وعطشًا١. ويروى أن من تقاليد الجاهلية أن يعكسوا رأس الناقة أو الجمل إلى مؤخرة، ويأخذون ولية -أي: سرجا- فيشدون وسطه، ويقلدون عنقه، ويتركونه كذلك حتى يموت عند القبر. إذ كان بعضهم يوصي بأن يدفنوا معه ناقته كي لا يسير إلى المحشر راجلا, فيفعلون ذلك، كما قال عمرو بن زيد المتمني يوصي ابنه: ابني, زودني إذا فارقتني ... في القبر راحلة برحل فاتر للبعث أركبها إذا قيل: اظعنوا ... مستوثقين معًا لحشر الحاشر٢ ومما ينبئ بالاعتقاد بالبعث والقيامة والحساب، قول خزيمة بن الأشيم يوصي ابنه: يا سعد إما أهلكنَّ فإنني ... أوصيك -إن أخا الوصاة الأقرب- لا تتركن أباك يعثر راجلا ... في الحشر يصرع لليدين وينكب واحمل أباك على بعير صالح ... وتقي الخطية, إنه هو أقرب ولعل لي مما تركت مطية ... في الحشر أركبها إذا قيل: اركبوا وقول زهير بن أبي سلمى: فلا تكتمن الله ما في صدوركم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم يوخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم٣

стр. 460

اليهودية في بلاد العرب: وقد يكون ما جاء به زهير نتيجة تأثير من الديانات التوحيدية, فقد كان من التأثيرات الخارجية في بلاد العرب ما هو ديني، قد انتقل عن طرق اليهودية. ذلك أن هذه الديانة كانت منتشرة في أفراد من حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة وبلي، وكان لليهود مستعمرات في تيماء وفدك وخيبر ووادي القرى، بالإضافة إلى قبائل كثيرة منهم سكنت يثرب وما يجاورها من قرى، وأشهرهم بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير, وقد تقدم في فصول سابقة لمحة عنهم وعن تاريخ دخولهم إلى بلاد العرب "القرن الأول الميلادي". وقد تركوا في البلاد تأثيرًا مهمًّا من حيث الزراعة والصناعة والتجارة، إذ أدخلوا إليها أنواعا جديدة من الأشجار، وطرقا جديدة في الزراعة: حفروا الآبار وعملوا في تربية المواشي والدواجن، وعملت نساؤهم في نسج الأقمشة. غير أن التجارة كانت غالبة على مرافق حياتهم، وأحرز بعضهم مثل أبي رافع الخيبري شهرة كبيرة، إذ كان يرسل بضاعته بواسطة القوافل إلى الشام، ويستورد الأقمشة المختلفة منها. وقد احتكر اليهود بخاصة تجارة البلح والشعير والقمح، وبلغ ثراؤهم من التجارة مبلغا جعل العرب يلجئون إليهم لاستدانة المال لقاء رهن أمتعتهم لديهم، وكان الربا شائعا بينهم. ومما اشتهروا به صناعتهم المعدنية، كالصياغة والحدادة وصنع الأسلحة والدروع والخوذ. وإلى جانب هذه التأثيرات المادية كان لهم تأثير معنوي، إذ بثوا في بلاد العرب كثيرًا من مفاهيمهم الدينية، وربما كان لوجود المستعمرات اليهودية على طريق قوافل التجارة أثر فعال في ذلك، بالرغم من صدوف البدو عن التقيد بدين وتعاليم وطقوس مرهقة. ومن المفاهيم التي نتجت عن تأثير يهودي ومسيحي: فكرة الإله الواحد السماوي، وخلقه العالم في ستة أيام، وفكرة الجنة والنار والقيامة والبعث ويوم الحساب والميزان.
следующие страницы →