تبليغ الدعوة
المنطلق
...
المنطلق
لا شك أن المنهاج التربوي السائد لدى أي أمة، يجب أن يراعي ثلاثة أمور، يتعلق كل أمر منها بقسم من أقسام الزمان: الماضي، والحاضر، والمستقبل، وهذه الأمور الثلاثة تكمن وفق هذا الترتيب فيما يلي:
أولاً: الإِرث الثقافي والحضاري، وهذا يتعلق بالماضي، من حيث البحث في سلبياته وإِيجابياته، سواء فهمت على وجهها الموضوعي، وقومت تقويما صحيحا، واستخلصت منها العظة والعبرة، أم فهمت على غير وجهها، وسواء أكان المنهاج الموضوع ضد هذا الإِرث، أم معه.
ثانيا: الواقع المعيش الذي يعانيه أصحاب هذا المنهاج، وما يحيط بهم من تأثيرات جغرافية، أو اجتماعية، أو سياسية، أو ثقافية، إِضافة إِلى التحديات التي تواجههم مرحليا، أو استراتيجيا.
ثالثا: المستقبل المنشود لهذه الأمة وما ينبغي أن يُبدأ به، أو يركّز عليه، حسب الأولويات التي يمليها المنهاج، بغية تحقيق هذا المستقبل الذي ينبغي أن تتضافر الجهود، لكي يكون أفضل من الواقع الموجود في الحاضر، والذي سرعان ما تطوى صفحته، ويسبقه الزمان.
стр. 107
ومن هذا المنطلق الذي لا يكاد يُختلَف عليه، ننظر إِلى المنهاج التربوي لدعوة الشيخ المجدد، شيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب، ﵀.
* فبالنسبة للعنصر الأول: لا يكاد يختلف أحد من المنصفين، على أن ماضي هذه الأمة الإِسلامية، وتراثها الثقافي والحضاري، قدّم أعظم مثل يمكن أن يستلهمها المسلمون اليوم، من خلال تجربة حضارية طويلة رائعة، تكفل للأمة النهوض من الهوة الحاضرة، التي مرت بمثلها، في فترات عديدة من التاريخ، وذلك حين تنفصل عن ثوابتها، ويصبح واقعها أشبه بحال الأمم المنقرضة، والتي استطاع الإِسلام أن يتغلب عليها بثقافته، وحضارته المتجددة المتأبية على الانسحاق، والانطماس.
وحول أصالة هذا المنهاج، وقدرته الثابتة، يقول الإِمام مالك بن أنس، إِمام دار الهجرة، حين رأى بعض الصور السلبية:
((لن يصلح آخر هذه الأمة إِلا بما صلح به أولها)) .
وبمقدار استيعاب الأمة لهذه الحكمة الواعية البصيرة التي استقاها مالك بن أنس، ﵀، من صفحات فجر الإسلام وضحاه، ومن فقهه الرشيد بطبيعة هذا الدين، وحاجة الإِنسانية إِلى مبادئه، وحاجتها إِلى وجود أمة تحمل المبادئ -قولاً وعملاً- للعالم
стр. 108
وانطلاقا من أنَّ هذه الأمة -كما أدرك مالك أيضا- تختلف عن كل الأمم في أبجديات الرُّقي الحضاري؛ ذلك لأننا قد علمنا من الوحي، ومنِ التجارب البشرية التي تعرض لها المسلمون خلال أربعة عشر قرناً، أنه إذا صح أن تتطور الأمم الأخرى بنبذ ماضيها، وتراثها، وعقائدها، وبالبحث عن جديد، مهما كان مخالفاً لهذا الماضي، فإِنه لن يصح لهذه الأمة الإِسلامية المصطفاة لحمل آخر رسالة إِلهية إِلى البشر أن تخضع لهذه المعادلة، ذلك لأن هذه الأمة تختلف تمام الاختلاف عن الأمم الأخرى، فلا يمكن لها أن تنهض من كبوتها، أو تتطور إِلى الأمام، إِلا إِذا عادت إِلى منطلقها، وقواعدها الثابتة.
ولعل سائلاً يسأل: لم تنفرد الأمة الإِسلامية عن بقية الأمم؟ هل هو غرور استعلائي عنصري؟ أو هو حب للتخلف؟ أو تقديس للماضي؟
إِن الإِجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، لا يمكن أن يقدّرها حق قدرها إلا من وقف على خصائص الإِسلام، الدين الخاتم، والرسالة الخاتمة، ووقف أيضاً على وظيفة المسلمين.
إِن هذا الدين يتميز بخصائص كثيرة يتفرَّد بها عما لدى الأمم الأخرى من مناهج، ولعل من أهم هذه الخصائص: خاصية أن مصدر هذا الدين كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه،
стр. 109
وهي الخاصية الوحيدة التي يمكن أن تنتج ارتقاءً وتطوراً، يتجه في النهاية إِلى أعلى، وإِلى تحقيق صلة مستقيمة بين الإِنسان، وخالقه من خلال القيم الثابتة التي لا تؤثر في وضوحها ونقائها، عوامل التعرية الزمانية.
كما أن المسلمين أراد الله لهم -في ظل ختم الرسالة- أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس، يدعون إِلى الله إِلى يوم القيامة.
ومن هذا المنطلق كان إِيمان الشيخ محمد بن عبد الوهاب بضرورة التمسك بأصول هذا المنهاج الرباني، من عقيدة، وشريعة، وأخلاق، بل بضرورة التمسك بالخطوات التي كان يترسمها السلف الصالح، وهذا ما أشارت إِليه الآية الكريمة:
﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التّوبة من الآية ١٠٠] .
فاتّباع السلف الصالح الموصّل إِلى رضوان الله -سبحانه- مشروط بالإِحسان في الاتّباع، وليس أيّ اتباع، صحيحاً، أو مغلوطاً، أو مشوباً ببعض آثار الفوضى الفكرية، أو العاطفية، كما يريد فريق من الناس أن يخدع نفسه، ويخادع الناس من حوله حين يقوم ببعض شعائر الدين، فتنسيه بقية المهمات الشرعية الكبرى، بحجة أنه متبع للسلف الصالح.
فهذا الإِحسان في الاتباع، هو المحك الأكبر، والمؤشر الأدق لمدى
стр. 110
قرب هذا المنهج، أو بعده مما يرضي الله، .
وهذا الإِحسان دائرته أدق، وأعمق من دائرة الإِيمان الذي تعد دائرته -هو أيضا- أدق، وأعمق من دائرة الإِسلام، فلا يكون إِحسان حتى يكون إِيمان، ولا يكون إِيمان حتى يكون إِسلام، وإِذا اختل الإسلام في أحد أركانه، اختلَّ الإِيمان -ولا بد- في أركانه، وعليه يضعف الأمل في بلوغ رضا الله، الذي تعبِّر عنه مرحلة الإِحسان.
إِنه لا بد من تصحيح الإِسلام -أولا- في قلوب المسلمين، وسلوكهم، فإِذا تم ذلك، ارتقى الإِنسان بإِسلامه، وإِيمانه إِلى درجة الإِحسان، وهناك يغرس حجر الأساس -من خلال هذا الالتزام- للفعالية والوثوب الحضاري المنشود.
ولذلك كان اهتمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتصحيح الاعتقاد، وكان تركيزه على تصحيح إِسلام الناس الذين يحيطون به في نجد، نواةً لشجرة الإِسلام العظمى، وعلى توفير أسباب الحماية اللازمة لها -قدر الاستطاعة- من القوى المعادية، التي تحرص ألا تنبت هذه النواة، التي يمكن أن تصبح بعد ذلك شجرة إِيمانية قوية، يتعذر اقتلاعها، لأنها ليست شجرة شركية مزيفة، مثل التي كانوا يعبدونها، ويتقربون إِليها. لقد ألفوا العيش في الحرّ والعري، وقد رأوا الشجرة شبحاً مخيفاً،
стр. 111
وراحوا يستنجدون بظلال كاذبة، ذاهبة أو آيبة، شرقية أو غربية، أو بظلال ضعيفة هزيلة، لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فعاش أناس منهم حيناً من الزمان يطلبون منها المدد، والعون والسند، ولكن هيهات، ثم هيهات. ومن هذا المنطلق، وضغوطه راح الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يعد العدّة، وأخذ يطلب العلم الشرعي على الطريقة السلفية الأولى، طريقة التلقي والمشافهة للعلماء العاملين، وعكف على البحث والاطلاع، ومحَّص وميَّز، وعرف ما يضر وما ينفع، فتحاشى الخلافات الكلامية، وأبى كل الإِباء أن يجترّها أمام أقوام ليس من مصلحتهم أن يسمعوها، أو يقرؤوا عنها أصلاً، فخرجت كتبه ورسائله خالية من التقعر والتكلف، نقية من الغوص فيما لا ينفع الخاصة، ولا يفهمه العامة من الناس، لكنها في الوقت ذاته تأخذ بعقول الأكياس. لقد أرسلت كتابات الشيخ مسائل الاعتقاد إِرسالا، كأنها مسلمات -وهي كذلك- لا تتطلب جدلاً عقيماً، أو سفسطة باردة، فغزا الشيخ بهذا اليسر والسهولة في بيان العقيدة الصحيحة، قلوب الناس، تماماً، كما فعل الرسول ﷺ وأصحابه الكرام، ومن تبعهم بإِحسان.
стр. 112
ويقع بعض الباحثين في خطأ استبعادهم أن يكون للشيخ محمد بن عبد الوهاب نوع من دراسة للفسلفة والمنطق، لمجرد أنه لا توجد في كتبه، ولا رسائله تلك التعمقات الفلسفية، والتشعبات المنطقية١.
ونحن نقول:
إِن الشيخ -كما هو معروف لدى الجميع- قد تربى على المدرسة السلفية، مدرسة ابن تيمية، وابن القيم، وأمثالهما، وهي مدرسة مشهورة بالاهتمام بمعالجة القضايا العقائدية، وغيرها بالأدلة النقلية والعقلية معاً.
ولعلّ من أعظم الأمثلة على ذلك كتاب شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: (درء تعارض العقل والنقل) فهو كتاب ضخم مليء بهذا النوعِ من التزاوج بين الوحي والعقل، ولكن الشيخ كان يدرك جيداً أن هذه المعارك الكلامية قد عفا عليها الزمان، وليس وراءها كبير طائل، ولا سيما مع العوام، وأشباه العوام، الذين هم القاعدة العريضة للعالم الإِسلامي كله، وليس في نجدٍ وحدها.
إننا نرى أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد غربل التراث الثقافي غربلة كافية، واستلهم الأصول الأولى لهذا الدين استلهاماً جيداً، حتى السيرة النبوية التي يعتبرها البعض ليست
стр. 113
الوسائل
أما الوسائل التربوية لتحقيق ثوابت المنهاج في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقد كانت متنوعة حسب الظروف التي تواجهها الدعوة، لكنها في مجموعها تتوزع بين تأليف الكتب، والرسائل الشخصية، وحلقات العلم، والمناظرات، والوسائل المالية، والجهاد بالسيف.
فأما الكتب والرسائل، فإِن غالبها يتميز بصغر حجمها، واختصارها واقتصارها على النصوص، ويتميز أسلوبها بالسهولة، والوضوح التام، وبعده عن الألفاظ الغريبة، والمصطلحات الفلسفية والكلامية، ويغلب عليها الدعوة إِلى التوحيد، وترسيخ العقيدة الإِسلامية الصحيحة، وبيان الحق بأدلته، والتذكير والوعظ، والإِكثار من إِيراد الآيات والأحاديث، وبيان المسائل التي تتناولها هذه الآيات والأحاديث.
وحول الأسباب الكامنة وراء تميّز كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالاختصار يقول أحد الباحثين: زعيم تحفّ به المسائل، والمشاكل من كل جهة، لا يجد متسعا من الوقت لتأليف الكتب المستفيضة؛ لذلك كانت رسائله أكثر من كتبه، وأحاديثه أكثر من رسائله١.
стр. 114
وأما الرسائل الشخصية والمكاتبات، باعتبارها من وسائل الدعوة عند الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، فإنها لا تقل أهمية عن الكتب في نشر مبادئ الدعوة، لا سيما أن الشيخ كان يكتبها بطريقة سهلة، وقد ترد فيها بعض الكلمات العامية أحيانا، مما جعلها تنتشر في أوساط العوام أكثر من الكتب.
ومن أبرز ملامح هذه الرسائل، أنها تمثل الصورة الحية لاهتمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بما يرد عليه من رسائل تولى الرد عليها، وأما تفصيلا لدعوته، أو ردا لبعض المزاعم والتهم، أو تعليما أو إرشادا.
ويبلغ عدد المطبوع من الرسائل ما يزيد على خمسين رسالة، وهي مطبوعة في مجلد خاص ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، التي نشرتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد قسمت تلك الرسائل إلى خمسة أقسام بحسب موضوعاتها -كما سبق-:
القسم الأول: في بيان عقيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحقيقة دعوته، ورد التهم والافتراءات الموجهة إليه.
القسم الثاني: في بيان أنواع التوحيد.
القسم الثالث: في بيان معنى (لا إله إلا الله) وما يناقضها من الشرك في العبادة.
القسم الرابع: في بيان الأشياء التي يكفر مرتكبها، ويجب قتاله، وبيان الفرق بين فهم الحجة، وقيام الحجة.
стр. 115
القسم الخامس: توجيهات عامة للمسلمين في الاعتقاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأما حلقات التعليم، فقد احتل المسجد منْزلة خاصة في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، حيث تلقى الخطب والدروس العلمية، صباحاً ومساءً، يحضرها الرجال والنساء والأطفال، وكان الشيخ يكلف من يلقي هذه الدروس -بعد أن يطمئن لعلمه وعقيدته- في المناطق النائية، وجاءت الوفود إِلى (الدرعية) تطلب المعلمين المتخصصين الذين أخذوا العلم على يد الشيخ محمد، وظل الشيخ ملازما لحلقاته العلمية إِلى أن توفاه الله.
وأما المناظرات، فقد استخدمت مرات في دعوة الشيخ، وخصص لها علماء مشهورون بحسن المناظرة والمحاورة بالبرهان، والذي شجع على تلك المناظرات، أن الشيخ كان يركّز في دعوته على طلب الحق بدليله، فكان ذلك حافزاً له، ولأتباعه على معرفة الدليل الصحيح، والراجح في كل مسألة، لا سيما في المسائل الاعتقادية، التي هي لبّ دعوة الشيخ.
وكان كثير من أمراء البلاد يطلبون من الشيخ في الدرعية أن يرسل لهم من يناظرهم في بعض المسائل، فكان الشيخ يستبشر بذلك، ويرسل إِليهم من يثق في علمه، وعقيدته.
ومن هؤلاء الذين أبلوا في ذلك بلاءً حسنا، الشيخ العالم عبد العزيز
стр. 116
الحصين، والشيخ العالم حمد بن ناصر بن معمر١ وغيرهما من تلامذة الشيخ وأحفاده.
* وأما الوسائل المالية، فلا شك أنها ذات أثر بالغ في قلوب المدعوّين، لا سيما الفقراء المعوزون، وهذا منهج نبوي رائع، سلكه رسول الله ﷺ مع بعض المشركين، فتألف به قلوبهم، وملك به رقابهم.
ففي الصحيحين عن أبي سعيد: " أن عليا بعث إِلى النبي ﷺ بذُهَيبَةٍ في تربتها من اليمن، فقسمها بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعُيَينة بن بدر، وعلقمة بن علاثة، وزيد الخير، وقال ﷺ أتألفهم"٢.
وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب، يمشي على هذا المنهاج النبوي مع المدعوين، حتى كان يستدين المبالغ لسدّ حاجاتهم، وبعد وجود موارد لبيت المال، أصبح ينفق منه، وخاصة على من كان من أصحاب النفوذ في قبائلهم، حتى يسهم هؤلاء في نشر الدعوة في بلادهم أكثر وأكثر٣.
ومن الجدير بالذكر أن السيف كان من الوسائل التي استعملت في حماية الدعوة إلى الله منذ ظهور الإِسلام، إِلا أنه كان يأتي آخر الوسائل، بعد الدعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن،
стр. 117
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدرجاته المتفاوتة: التعليم والتعريف، والقول اللطيف، ثم الزجر والتخويف، ثم يأتي استعمال القوة في موضعها.
لقد كانت الدولة السعودية -دولة الدعوة- التي آزرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، خير من يتمثَّل الإِسلام، وسياسته التربوية مع المدعوين، فإِن قادتها وعلماءها لم يألوا جهداً في بذل النصح، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، إِلى أن اضطروا اضطراراً إِلى استعمال القوة، حين قام عليهم أعداؤهم، وصاحوا في جميع البلدان بتكفيرهم، وأباحوا دماءهم، فقامت الدولة بإِعلان الجهاد، وحض أتباعها عليه، فامتثلوا أمرها، فنصرها الله، ومكن لها في الأرض، بسبب نصرتها دعوة الإِسلام الصحيح نصرا عظيما١.
стр. 118
إعداد الرجال
يعد من دعائم الرسالة الدعوية لدى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، اختياره للرجال الذين يقع عليهم العبء الأكبر في الدعوة إِلى الله فقد كان، ﵀، يهتم بثلاث فئات:
الأولى: الأمراء، والرؤساء: وهم القوة المادية الضاربة على يد كل من تسوّل له نفسه أن يعترض الدعوة بسوء، وعندما قويت شوكة الدعوة، وأيدها الله بالإِمام محمد ابن سعود، تغيرت نظرة كثير من الأمراء والرؤساء، واقتنع بالدعوة منهم الكثير، وكان لهم أثر في نشر الدعوة، والجهاد في سبيلها تحت إِمرة الإِمام محمد بن سعود.
ومن الأمور التي ساعدت على ذلك أن الشيخ ﵀ علّم الناس أن طاعة الأمراء في المعروف فرض عين، واعتبر مخالفتهم، والخروج عليهم من مسائل الجاهلية١ فنجحت دولة الدعوة في القيام بوظيفة الدعوة في مناخ مشحون بالالتزام والإِيمان.
الثانية: العلماء، والقضاة، والفقهاء: وهم القوة العلمية التي تعتمد عليها الدعوة في نشر المبادئ الدعوية، وكشف الشبهات، وردّ التّهم الملقاة على الدعوة والداعية، وشرح كتب الشيخ للعوام وأشباه العوام، في المدن والقرى.
стр. 119
وفي جميع المراحل الدعوية، لم يهمل الشيخ ﵀، مراسلة العلماء، والقضاة، والفقهاء، ولكنه في المرحلتين: الأولى، والثانية كان يعرفهم بنفسه وبدعوته، ويردّ عن نفسه ما شاع من تهم وأكاذيب، ويدعم كلامه بالحجة والدليل، فكسب كثيراً منهم في صفه، وكان من بينهم شيوخه الذين تعلم على أيديهم في مكة، والمدينة، والبصرة، وكان له منهم العون والسند، لا سيما بعد أن راجعوا الكتب المعتمدة في مذهب الحنابلة، وتبين لهم أنه على الحق المبين١.
أما في المرحلة الثالثة، فإِن رسائله كانت تغلب عليها النصيحة، وطلب النصح منهم، وأنه على أتم الاستعداد لإِجابة الحق بأدلته الصحيحة٢.
هذا، ولا يغيب عن الذهن أهمية توفر الصفات التالية فيمن يكون له أثر في تأييد الدعوة:
١- التصديق، والاقتناع التام بوجوب توحيد الله وإِخلاص جميع أنواع العبادة له٣.
٢- البغض، والكراهية لكل من خالف التوحيد بقوله، أو سلوكه.٤.
стр. 120
٣- التصريح بالكراهية للشرك بجميع أشكاله وألوانه، والتصريح بالمؤازرة للدعوة التي تحقق التوحيد، وتعمل على نشره١.
٤- المفارقة، والمهاجرة الفعلية لكل من أقام على شيء من الشرك.
٥- الاعتقاد بأن الاستغاثة، أو الاستعانة فيما لا يقدر عليه إِلا الله، أو الاستعاذة، أو الذبح لغير الله، هي من الشرك الأكبر٢.
٦- معرفة أن شرك الأواخر أعظم من شرك الأوائل، لأن الأوائل كانوا يشركون بالله في الرخاء، ويوحدونه في الشدائد، أما الأواخر، فإِنهم يشركون بالله في الرخاء، والشدة.
٧- التكفير لكل من ارتكب شيئا من أمور الشرك الأكبر، ما دام عارفا بحقيقة الشرك، وبمعنى التوحيد الذي أوجبه الله على الخلق.
٨- المعاداة لكل من فعل ذلك، ومعاملته كالكافر، ولو كان أباً، أو ابنا.
٩- القتال ضد من ناوأ التوحيد، ودافع عن مظاهر الشرك بعد إِقامة الحجة عليه٣.
ومن توفرت فيه الصفات السابقة لزمته طاعة ولي الأمر، ومبايعته على كتاب الله وسنة رسوله، والجهاد في سبيله، وموالاة من والاه، ومعاداة من حاربه، وعاداه٤.
стр. 121
توزيع الوظائف في دولة الدعوة
لقد توسعت الدولة السعودية، دولة الدعوة، وتعددت مهماتها، وكثرت وظائفها، مما تطلب توزيع الوظائف والمسئوليات، بغية تمهيد الطريق، لتحقيق كيان حقيقي فاعل للدولة الإِسلامية، تلك الدولة التي أكرم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والمسلمين بها حين قيّض -سبحانه- آل سعود لحمل راية الدعوة والذود عنها، وهذه الوظائف العملية تتوزع مجالات الحياة المدنية والعسكرية، كالآتي:
أولاً: وظيفة القتال:
ويقوم بها كل من توافرت فيه القدرة على القتال تحت راية دولة الدعوة، مجاهدين في سبيل الله، مخلصين عملهم له، دفاعا عن التوحيد وأهله ووطنه، وكان ذلك فرض عين في أول الأمر، حتى قويت الدولة، وعز جانبها، فأصبح فرض كفاية، على أن يتسلحوا بالأسلحة اللازمة، وأن يتعلموا الرمي بالبندقية، ولم يكن لهم رواتب معروفة على ذلك إِلا ما يؤملون من غنيمة بعد النصر١.
стр. 122
ثانيا: وظيفة المرابطة:
وهي الإِقامة على الثغور، حماية لأرض الإِسلام من الأعداء، وقد كانت تبنى الحصون، والقصور المجهزة بالأسلحة، والعتاد، والأطعمة اللازمة لعدة شهور، وهذه بعض القصور التي بنيت على عهد الإِمام محمد بن سعود، وابنه عبد العزيز، رحمهما الله:
١- قصر البريمي، وهو مبني في عمان.
٢- قصر الغُذوانة بالرياض.
٣- قصر البدع، بني قريبا من بلدة الدَّلَم.
٤- قصر بسام، بني في السر.
٥- قصر الصفا، بني في عنيزة١.
ثالثاً: وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وهذه الوظيفة هي التي ميّزت الدولة السعودية، وأتباعها عن سائر الدول، ولم تكن هذه المهمة من اختصاص مجموعة بعينها، بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب الجميع.
وحتى تتجنّب الأخطاء في هذه المهمة، فإِنه لا بد أن تتوافر ضوابط مهمة فيمن يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، أهمها:
١- معرفة ما يأمر به الاَمر، وينهي عنه الناهي.
стр. 123
٢- الرفق فيما يأمر به، وينهى عنه.
٣- الصبر على الأذى الذي يترتب على القيام بتلك المهمة.
٤- ألا يؤدي إِنكار المنكر إِلى ما هو أنكر منه.
٥- ألا تكون المسألة من المسائل الاجتهادية المختلف فيها بين أهل العلم المعتبرين؛ فإن خلاف كل منهم، لا يسمى منكرا وإِنما ينكر على من يخالف الدليل، إِذا تبين له ثبوته، وعدل عنه إِلى رأيه، وتعصب له.
٦- أن يكون الإِنكار في أول الأمر في صورة نصيحة سرّية لمن صدر منه المنكر، فإِن تاب، وإِلا أنكر عليه علانية.
وشملت هذه المهمة الأسواق بما فيها من عملات وموازين وغير ذلك، وإِذا حان وقت الصلاة لا تجد متخلفا عنها إِلا نادرا، ولا ترى من يشرب "التبغ" إِلا في السرّ، حتى اختفت المنكرات، وقوي حظ المعروف هناك١.
رابعاً: وظيفة جمع الزكاة والغنائم والأخماس:
والقائم عليها طائفة معينة من قبل ولاة الأمر يسمون "الجباة"، وذكر المؤرخ ابن بشر أنهم كانوا يجمعونها من بوادي جزيرة العرب مما وراء الحرمين، وعمان، واليمن، والعراق، والشام، وكانت تبلغ الآلاف من الريالات٢.
стр. 124
ولقد كان هذا العمل من جباية الأموال يخضع لرقابة شديدة، خوفا من الظلم، والإِجحاف بأصحاب الأموال.
خامساً: وظيفة القضاء:
والقضاة هم الذين يقومون بفض المنازعات بين الأفراد والقبائل، وكان يُعين من تتوافر فيه الكفاية لهذه المهمة، من دراية كافية بعلوم الشرع، لا سيما الفقه، والحديث.
وكان القائم بقضاء الدرعية، عاصمة الدولة، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتولى القضاء بعد وفاته، أبناؤه: حسين، وعبد الله، ثم أحفاده، وقد كانوا على معرفة بعلوم الشريعة، أهلتهم لهذه المهمة بجدارة.
ويتصف القضاة بالنّزاهة، والعدل، والمساواة بين الناس، لا فرق بين أمير وغير أمير، وقد ذكر أن أحد الأمراء سبَّ رجلاً في مجلسه، فأخبر الرجل قاضي الدرعية وقتئذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فأرسل إِلى الأمير، فاعترف بالذنب، فعرض القاضي على الرجل أن يشتري المسبّة بالفداء، فأبى الرجل، فحكم على الأمير كحكمه على سائر الناس، وهو الضرب بالعصى، فتلقاه الأمير، وهو يقول: سمعا وطاعة لما يحكم به الشرع الحنيف، وسرى الخبر إِلى آل سعود، وإِلى أهل الدرعية، فحمد الناس هذه العدالة١.
стр. 125
سادساً: وظيفة التعليم:
وهي من أعظم الوظائف، إِن لم تكن أعظمها على الإطلاق؛ لأن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، دعوة تربوية في المقام الأول، والتعليم والتربية ركنان أساسيان في الدعوة إِلى الله، ولعلّ الشيخ محمداً قد فطن إِلى ذلك منذ البداية الأولى، فكان يتزود بالعلم، وينشره بكل ما يملك، ويربي أولاده، وأحفاده، وتلامذته على ذلك، وكان الأمراء أنفسهم يحيون هذه السنة في مجالسهم العامة والخاصة.
والذي حدا بالشيخ محمد بن عبد الوهاب إِلى ذلك، كثرة أعدائه الذين يفترون الشبهات العلمية حول دعوته، فكان المنهج التعليمي المشبع بالحجة والبرهان، هو السبيل المناسب لرد هذه الفتنة، واقتلاع جذورها.١
وكان الشيخ يضع الأسلوب الأمثل لتعليم الناس على اختلاف درجاتهم وبيئاتهم، ولعل كتابه: (تلقين أصول العقيدة للعامة) خير دليل على هذه القدرة التربوية، حيث جاء على صورة سؤال وجواب بأسلوب مقنع وجميل٢.
هذا، ومن الجدير بالذكر أن مجالس الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كانت تعقد في الأماكن المناسبة، وفي المسجد.
وكان الشيخ يلقي دروس التوحيد والتفسير والفقه وغيرها، وكان
стр. 126
يأمر النساء والصبيان بحضور الدرس؛ ليتعلموا شؤون دينهم بأدلتها الصحيحة.
أما أبناء الشيخ وتلامذته، فقد كان لكل واحد منهم مجلسه الذي يحضره العلماء وغيرهم؛ لأن المعلمين كانت تتوافر فيهم الإِجادة، وسعة الاطلاع، والرفق بالمتعلمين، والجود بالعلم في كل وقت.
ومما ساعد على نشر العلم، والإِقبال عليه، أن الدولة قد أعدت له ميزانية مالية مناسبة، حتى شمل التشجيع المالي الصغار، حيث يخرجون من عند المعلم بألواحهم إِلى الأمير في قصره، ويعرضون عليه خطوطهم، فمن استحسن خطه أعطاه أكثر من غيره١.
وهذا كله من واقع إِيمان الجميع بقيمة العلم والتربية، وأهميتهما في حراسة الدين، والدفاع عنه.
سابعاً: وظيفة الضيافة:
وهي عادة عربية أصيلة، أقرها الإِسلام، وحث عليها، وقد خصصت الدولة لهذه المهمة المبالغ الضخمة من بيت المال، حيث كانت تعقد مجالس الضيافة كل يوم مرتين، وكان يحضرها الأعداد الكبيرة من أهل الدرعية، وغيرهم٢.
ثامناً: وظيفة حفظ الضالة:
وهي إِحدى الوظائف المهمة، لاسيما في البيئة الصحراوية
стр. 127
الشاسعة، حيث تفقد المواشي، ولا يقع صاحبها عليها إِلا بصعوبة بالغة، وكان يؤتى بأعداد كبيرة من هذه الماشية، فكانت ترعى وتُتعهد، حتى يأتي صاحبها بعد فترة قد تطول، فيأخذها ونتاجها معها١.
وقد كان لهذه الوظيفة صداها الكبير في أرض الجزيرة، مما عزز جانب الدولة، والدعوة أيما إِعزاز.
تاسعاً: وظيفة تأمين الطرق:
وهي وظيفة تعتبر ضرورة ملحة للمسافرين في هذه المسافات البعيدة، وكانت مهمة شاقة كلفت الدولة مئونة كبيرة، لم تكن لتقوم بها على النحو الذي قامت به، لولا توفيق الله، ثم كون الدولة تنطلق من عقيدة راسخة، وعبادة خالصة لله .
وقد كان لهذا الأمر الذي يتعلق بتأمين الطرق أثره العظيم في ذلك الوقت، ولا سيما لدى قوافل الحجاج الذين كانوا يعطون مكوساً باهظة لقطاع الطرق، فقويت بذلك شوكة دولة الدعوة، وأيدها الكثيرون، وذاع صيتها في أرجاء العالم الإِسلامي كله، حيث كانت الجيوش التركية عاجزة عن تحقيق ما حققته الدولة السعودية، دولة الدعوة ذات البعد العقدي والدعوي، وذلك بفضل الله تعالى، ثم بفضل تحكيم شرع الله، وإِنزال العقوبات المقررة شرعاً،
стр. 128
بقطاع الطرق واللصوص١.
ولا شك أن هذه الوظيفة قد يسرت بقية الوظائف، من جمع الزكوات، وإِرسال العلماء، وغير ذلك.
عاشراً: وظيفة أمراء البلدان:
وهي الإِشراف على الوظائف السابقة في نواحي الدولة، التي كانت قد بلغت أكثر من ثلاث عشرة ناحية، وعلى كل ناحية أمير يعاونه عالم أو قاضٍ.
وكانت هذه النواحي أول الأمر خاضعة لنظام أشبه بالنظام العسكري، حيث كانت دولة الدعوة محاطة بكثير من العداوات، ومن هنا عظمت وظيفة الأمراء، وكان الأمير في الناحية يمثل الإِمام الأكبر في العاصمة٢.
ونود في نهاية الأمر أن نبين أمرين يتعلقان بهذه الوظائف:
١- أن هذه الوظائف لم تظهر دفعة واحدة، بل بالتدريج، وكذلك لم تكن فاعليتها في النواحي التابعة لها بدرجة واحدة، بل بدرجات متفاوتة.
٢- أن هذه الوظائف كانت تأخذ صفة تطوعية في بادئ الأمر، ثم أخذت بعد ذلك صفة رسمية.
رحم الله الإِمامين الجليلين اللذين نفع الله بهما الإِسلام كثيراً: الإِمام محمد بن سعود، والشيخ محمد بن عبد الوهاب.
стр. 129
إنصاف الدعوة وآثارها خارج الجزيرة العربية
...
إنصاف الدعوة
جعل الأستاذ أحمد أمين الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في الصدارة من العشرة الذين اختارهم في دراسته حول زعماء الإصلاح فيِ العصر الحديث، وبين الأسباب التي دفعت المصلح الشيخ محمدا للقيام بدعوته الإِصلاحية في نجد.
لكنه أخطأ فيما ذكره عن الشيخ، من أنه زعيم الفرقة التي تسمى الوهابية، وأن الحكومة الحاضرة في الحجاز تعتنق مذهبه١.
فليس الشيخ محمد زعيم فرقة، وليست هناك فرقة تسمى الوهابية، وإِنما أطلق أعداء الشيخ عليه، وعلى دعوته هذه الأقوال، إِثارة للعامة ضدها، وتشويها لصورتها، وليس للشيخ مذهب خاص به، بل هو مجتهد في إِطار مذهب الإِمام أحمد بن حنبل، كما أن المملكة العربية السعودية لا تعتنق مذهباً اسمه المذهب الوهابي، بل ولا تعتنق المذهب الحنبلي إِلى درجة العقيدة التي تعتنق، وإِنما هو فقه من الفقه، واجتهادٌ من الاجتهاد، ومذهب من المذاهب الفقهية التي يؤخذ منها ويُرد، ولم يرغم الملك عبد العزيز، ﵀، كما لم تُرغم المملكة العربية السعودية أحداً على مذهب من المذاهب الفقهية المعتبرة.
стр. 130
فشأن الإِمام أحمد بن حنبل، ﵀، شأن الإِمام مالك، والإِمام أبي حنيفة، والإِمام الشافعي، والأوزاعي، والليث بن سعد، وغيرهم، ﵏ أجمعين.
ومع ذلك فإن تلامذة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والمتأثرين به لم يعودوا يأبهون كثيراً عند نعتهم بالوهابية من بعض الناس، ولا يريدون أن يحققوا أهداف خصومهم الذين يريدون لهم أن ينشغلوا بالدفاع عن أنفسهم، فليس الانتساب للشيخ محمد بن عبد الوهاب تهمة يدافع عنها، كما أن الانتساب للإِمام أحمد بن حنبل، والإِمام الشافعي، أو الإِمام مالك، ليس تهمة أيضاً.
وكل ما يسعى السلفيون لتوضيحه، هو أن يبينوا للناس حقائق الأشياء المتصلة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأنه متبع لا مبتدع، وأنه داعٍ إِلى الإِصلاح، لا صاحب مذهب، وأنه ليس زعيم فرقة موجودة في نجد فقط.
بل هو صاحب دعوة تدعو الناس في كل العالم، إِلى أن يعودوا إِلى التوحيد الخالص لله بمعناه الكامل بلا شريك، ولا وسيط، وأن ينبذوا ما يناقض التوحيد، وأن يزيلوا كل شائبة تلحق بعقيدة التوحيد الصافية، التي هي الميزة الكبرى لدعوة الإِسلام، التي قدرت الله حق قدره، ودافعت عن حق الأنبياء، ووضعت الأنبياء في مكانهم الصحيح
стр. 131
رسلاً لله، وقدوة للبشرية، ونماذج رفيعة، وأيضاً عبيداً مخلصين لله، أزكى، وأطهر، وأعلى ما تكون العبودية.
وهذا الفهم لطبيعة الدعوة السلفية قد أفاض توضيحه السلفيون، بل إِن الملك عبد العزيز، ﵀، أوضحه في خطب رسمية معلنة، فما كان يجوز لأحمد أمين أن يختل الميزان في يديه، وأن يتحدث عن الدعوة الوهابية حديثا متأرجحا يجنح للصواب حينا، وللخطأ حينا.
يقول الملك عبد العزيز ﵀ في خطابه في موسم الحج، في غرة ذي الحجة ١٣٤٧هـ (١١ / ٥ / ١٩٢٩م) موضحا المعنى الحقيقي للتقيد بمنهاج السلف في العقيدة:
((يسموننا بالوهابيين، ويسمون مذهبنا الوهابي باعتبار أنه مذهب خاص نحن لسنا أصحاب مذهب جديد، أو عقيدة جديدة، ولم يأت محمد بن عبد الوهاب بالجديد، فعقيدتنا، هي: عقيدة السلف الصالح، التي جاءت في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ونحن نحترم الأئمة الأربعة، ولا فرق عندنا بين مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، كلهم محترمون في نظرنا، إِننا لا نبغي التجديد الذي يفقدنا ديننا، وعقيدتنا.
وقد خطب الملك عبد العزيز في موسم حج سنة ١٣٥٢هـ (١٩٣٤م) فزاد أمر العقيدة السلفية، والتسامح المذهبي توضيحا، فقال:
стр. 132
وقد جعلنا الله مبشرين بالكتاب، والسنة، وما كان عليه السلف الصالح، لا نتقيد بمذهب دون آخر، ومتى وجدنا الدليل القوي في أي مذهب من المذاهب الأربعة رجعنا إِليه، وتمسكنا به، أما إِذا لم نجد دليلا قويا، فنأخذ بقول الإمام أحمد)) ١.
وجدير بالذكر -كما بسطنا القول في هذا البحث- أن دعوة الشيخٍ محمد بن عبد الوهاب دعوة متبعة، لا مبتدعة، فليست مذهباً جديداً، وصاحبها لم يقل بذلك، وليس من حق أحد أن يفرض عليه ما لم يقل به، ولا أن يلبس الدعوة ثوباً غير ثوبها.
لقد كان الشيخ محمد يسير على خط من سبقه من أئمة السلف، كالإِمام أحمد بن حنبل، وأحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، وغيرهما، ساعياً إِلى عودة المسلمين إِلى المبادئ الإِسلامية الصحيحة التي لعبت بها الأهواء والبدع والخرافات في كثير من بلاد المسلمين، فجاهد في سبيل الكشف عن حقيقة الشريعة الصافية، وتنقية العقيدة الإِسلامية من تأويلات المتأولين وأباطيل المبطلين، على النحو الذي كان عليه السلف الصالح ﵃ أجمعين.
لكن الناس لما طال عليهم العهد مع الأباطيل والبدع والخرافات، أصبحوا ينظرون إِلى مستوى التوحيد الصافي العالي الرفيع البعيد عن الشوائب على أنه شيء جديد غريب على النفوس، وذلك بتأثير ضغط الاعتقادات الفاسدة، والأوضاع التي اختلط فيها الحق بالباطل.
стр. 133
لقد تصدّت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بلا مساومة، ولا انهزامية لكل المظاهر، والأشكال التي تسيء إِلى جوهر الإِسلام النقيّ، وإِلى طبيعته الصافية، وحاربت كل ما دخل على الإِسلام من شوائب، مطالبة كل المسلمين بالاحتكام إِلى الكتاب، والسنّة الصحيحة، فهما المنبعان الصافيان اللذان يجب أن يعود إِليهما المسلمون كلما ضلّت بهم السبل في التاريخ، وكلما تاهوا عن حقائق الإِسلام الحقيقية النقية، بعيداً عن ضغط الانحرافات العقلية، والتأويلات الباطنية، وضغوط الانحرافات السلوكية والفكرية.
وإِذا كانت الشهادتان هما أساس الإِسلام، ولا إِسلام بدون توحيد العبودية والربوبية، فإِنه من الطبيعي أن تنصبّ جهود الشيخ محمد -بالدرجة الأولى- على تنقية عقيدة التوحيد من كل صور الوثنية، فالشهادتان هما الأساس الذي تقف فوقه كل أركان الإِسلام، وشعب الإِيمان وبهذا الفهم انطلقت الدعوة الإصلاحية التي نذر الشيخ لها نفسه، ﵀.
وقد يظن البعض أن التركيز على عقيدة التوحيد من شأنه أن يكون على حساب الشريعة، أو العبادات، أو الأخلاق، أو الجوانب التربوية الحضارية ولكننا إِذا نظرنا إِلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
стр. 134
الإِصلاحية نجد أنها لم تغفل هذه الجوانب، لكنها لم تقع فيما وقعت فيه بعض الحركات الإِصلاحية، التي بدأت فى دعوِتها من الأغصان، وتركت الجذور، أو على الأقل أعطت للجذور مرتبةَ متأخرة، مع أن الأغصان ثمرة ونتيجة للجذور، والفطرة تقتضي أن تكون البدايةُ بالجذور، لأن صلاح الجذر يرشح على كل السيقان، والأغصان، والأوراق.
ونرى أن هذه الحركات الإِصلاحية التي ركزت على الجوانب السياسية أو الاقتصادية، لم تستطع أن تمضي في طريقها لبناء دولة للدعوة، تترسَّم الخطوات العقلية الحكيمة المنسجمة مع طبيعة الإِسلام، وتجربة بناء دولة الإِسلام الأولى بمراحلها المختلفة، بالإِضافة إِلى أن في صلاح العقيدة صلاحا لبقية الجوانب، شريعةً كانت، أو أخلاقا، أو بناء مؤسسات حضارية، سياسية كانت، أو اقتصادية، أو اجتماعية.
إِن الدعوة الإِصلاحية حلقة في سلسلة طويلة من الدعوات الإِصلاحية، بل إِن الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه كان ثمرة من ثمرات مدارس إِصلاحية، أخذت بيده إِلى هذا الطريق الذي خدم به دينه، فالشيخ ابن عبد الوهاب كان ينتمي إِلى مدرسة الإِمامين: أحمد بن حنبل، وأحمد بن تيمية، كما أن البيت الذي نشأ فيه كان بيت علم موصول بالكتاب والسنة، فجدّه سليمان بن علي كان من كبار علماء نجد، وعمّه إِبراهيم كان عالماً وفقيهاً، وابن عمه عبد الرحمن بن
стр. 135
إِبراهيم كان كذلك عالماً فقيها، وكان والده قاضياً للعيينة، وكان من الشيوخ الذين تأثر بهم في اتجاهه الإِصلاحي السلفيّ الشيخ عبد الله بن سيف الذي التقاه في المدينة النبوية، وكان من أكبر عوامل توثيق الروابط بينهما، وتمكين المحبة، توافق أفكارهما في عقيدة التوحيد، والتألم مما عليه أهل نجد، وغيرهم من عقائد باطلة١.
والعالم الثاني هو المحدث محمد حياة السندي، وكان هذا على وفاق مع الشيخ محمد في بطلان الاستغاثة بالقبور، فقد ذكر أن الشيخ محمداً وقف يوما عند قبر النبي ﷺ فرأى أناساً يتصرفون في أقوالهم وأفعالهم، تصرفات غير مشروعة، فرآه محمد حياة السندي فأتى إِليه، فقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ما تقول في هؤلاء؟ قال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٩] . وهذا الوفاق كان سبباً قويّاً في تلقي الشيخ محمد منه كثيراً من المعارف والعلوم، وقد وصف بعضُ الباحثين أثر الشيخ محمد حياة السندي في شخصية الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنه شعلةٌ أنارت له الطريق٢.ونحن واثقون من أنه لم يخل قرن من القرون، ولا عقد من العقود منذ ظهر الإِسلام إِلى اليوم من داعية من دعاة التوحيد الصافي، ينفي عن الإِسلام، وعقيدته الصحيحة انحرافات المنحرفين، ويبين أباطيل أصحاب الأهواء وهؤلاء الأعلام قد تأثَّر بهم وبسيرتهم وبأعمالهم، الشيخ
стр. 136
محمد بن عبد الوهاب، فكان، ﵀، حلقة في سلسلة طويلة كريمة، جزاهم الله جميعاً خيرا.
إِن هذه الدعوة دعوة الإِسلام التوحيدية، هي آخر ما بقي للبشرية من معالم النبوة والوحي، فإِله اليهود -اليوم- إِله خاص بهم، يؤثرهم على غيرهم، ويعمل لحسابهم وحدهم، وإِله النصارى -اليوم-، إِله مثلث الأضلاع، يشترك معه في الحكم أقنومان مساعدان، هما: الابن، والروح القدس (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً) .
فإِذا أصيبت دعوة التوحيد الإِسلامية النقية، كما جاءت في القرآن الكريم، وكما طبقها، وعاش لها وبها رسول الله خاتم النبيين محمد ﷺ فمعنى ذلك أن تندرس معالم التوحيد.
ومن هنا كانت أهمية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإِصلاحية التي قاومت بكل وضوح وقوة وشجاعة، كل مظاهر الشرك، وكل أدران الوثنية، وكل ما يمكن أن يتطور، فيصبح شركاً.
إِن هذه الدعوة -بهذا- لم تنقذ المسلمين وحدهم، وإِنما قدمت للإِنسانية أجلّ خدمة، وقدمت للدين أعظم صورة من صور الجهاد الديني الإِصلاحي:
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال من الآية: ٤٢] .
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ [الكهف من الآية: ٢٩]
стр. 137
ولربما تساءل بعض الناس: لماذا ركّز الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا التركيز الشديد على العقيدة؟
ولعلّ الإِجابة أصبحت واضحة، بعد أن أشرنا إِلى أهمية الحفاظ على عقيدة التوحيد في الإِسلام، فسلامة عقيدة التوحيد في الإِسلام إِنقاذ للمسلمين، وللبشرية كلها، لأن الإِسلام هو الدين الذي يستحق كلمة "دين التوحيد" بعد أن فسدت الرسالات السابقة كلها بتأثير أهواء البشر، وبالتالي، ففي ضياع عقيدة التوحيد الإِسلامية إِفساد للبشرية كلها. ومن هنا كان تركيز الشيخ الكبير، وكانت غيرته الشديدة.
وليس أحمد أمين إِلا نموذجا واحدا من نماذج كثيرة تسرعت في الحكم على الشيخ، ولعلّ كثيرا من المناوئين للشيخ لم يقرأ للشيخ أصلا، وإِنما قرأ عنه من أعدائه، وقد كان للسياسة أثرها الكبير في هذا، ولا سيما السياسة الإِنجليزية التي كانت ترقب بواعث النهضة في الأمة الإِسلامية، وتحاول الإِجهاز عليها قبل أن تؤتي ثمارها، كما أن الدولة العثمانية التي انتشرت فيها طرق صوفية مغالية، انطلقت في هجومها على الدعوة السلفية، لمخالفتها لها في المنهاج وما يتعلق بأمور العقيدة، كالتوسل والاستعانة بالموتى، ولم تحاول الدولة العثمانية، والطرق
стр. 138
الصوفية فيها أن تعرف الإِطار العام للدعوة السلفية الإِصلاحية، فكان الأمر أشبه -عند هؤلاء الغلاة من الصوفية- بعقيدة توسلية يدافعون عنها، ويرون وجودهم فيها، فلم يتبين هؤلاء خطورة رفضهم للدعوة الإِصلاحية، وحربهم عليها. فإِذا وجَدْتَ من يهاجمُ هذه الدعوة، فاعلم أنه إِنما أتي من قبل هذين الأمرين، أو أحدهما:
إما الخضوع للدعاية السياسية التي أبصرت خطر الانبعاث الإِسلامي القائم على التوحيد الصافي، على مصالحها ووجودها. وإِما غلاة الصوفية الذين رفضوا الدعوة السلفية بالجملة لمخالفتها لأصل من أصولهم، كالتوسل بالموتى، وهي مخالفة رأوا فيها -كذلك- قضاءً على مصالحهم، ومنافعهم فالعامل المصلحي مشترك بين الرافضين جميعا.
وينضم إِلى هؤلاء وأولئك من ينالون من صحابة رسول الله ﷺ ومن أعلام أهل السنة، ويرون في الاستعانة بالموتى والتوسل بهم، أصلا من أصول الدين.
стр. 139
آثار الدعوة خارج الجزيرة العربية
أما المادحون للدعوة والداعون لها فكثيرون، وهم أكثر من أن يحصروا في مكان، بل إِن المتأثرين بها، السائرين على نهجها، قد انتشروا في العالم الإِسلامي، وقدموا لمجتمعهم، وجماعاتهم، خيرا كثيرا.
فإِذا ذهبنا إِلىِ تأثير الدعوة في القيادات العلمية في العالم الإِسلامي وجدنا لها تأثيرا كبيرا، يكاد يمتد إِلى كثير من المصلحين في مختلف البلاد الإِسلامية.
ويعدّ الشيخ محمد بن علي الشوكاني (١١٧٣- ١٢٥٢هـ) من أهم الذين تأثروا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقد ولي القضاء بصنعاء اليمن حيث كان الحكام زيدية، لكن لم يحصر نفسه في دائرة المذهب الزيدي، وقد التقىِ هو والشيخ محمد بن عبد الوهاب في منبعهما العلمي، فنهلا معا من علم ابن تيمية ومدرسته، ومن مؤلفاته الكبيرة كتابه (نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار) ومن كتبه أيضا: (قطر الولي في معرفة الولي) ، وكتابه: (الدواء العاجل لدفع العدو الصائل) ، وقد كتب كثيرا في مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما كتب شعرا في رثائه، وفي مدح آل سعود الذين نصروا الدعوة السلفية يقول في بعضه:
стр. 140
لقد مات طود العلم قطب الرحى العلا ... ومركز أدوار الفحول الأفاضل
أفق يا معيب الشيخ ماذا تعيبه؟ ... لقد عبت حقا واتحلت بباطل
أفيقوا أفيقوا إنه ليس داعيا ... إلى دين آباء له وقبائل
دعا لكتاب الله والسنة التي ... أتانا بها طه النبي خير قائل
ويقول في آل سعود:
هم الناس أهل الفضل يعرف فضلهم ... جميع بني الدنيا فما للمجادل؟!
لقد جاهدوا في الله حق جهاده ... إلى أن أقاموا بالظبي كل مائل
وممن استفاد من الدعوة الإِصلاحية السلفية، وتأثر بها في جهوده الشيخ محمد رشيد رضا، صاحب المنار: (المجلة والتفسير) .
ويمكن القول بأن رجال جمعية أنصار السنة المحمدية التي رأسها الشيخ حامد الفقي قد استفادوا بدرجة كبيرة من الدعوة الإِصلاحية السلفية.
وفي العراق تأثر محمود شكري الألوسي بالدعوة تأثرا كبيرا ظهر في كتابه: فتح المنان، وفي كتابه: كنْز السعادة في شرح كلمة الشهادة.
وفي الهند تأثر بالدعوة الأمير صديق حسن خان، المتوفي سنة (١٨٩٠م) وناصر حسين، المتوفى سنة (١٩٠٢م) ، كما تأثر بالدعوة أهل الحديث في الهند. وأيضا استفاد من الشيخ محمد بن عبد الوهاب أحمد بن عرفان الشهيد، المعروف باسم (السيد أحمد) ، المتوفي سنة ١٨٣١م.
стр. 141
وفي أنحاء من العالم استفاد من الدعوة كثيرون، وقد ذُكِرَ منهم أحمد بن عبد اللطيف الخطيب من أندونيسيا، ومحمد نور الفطاني، والحاج عبد الكريم أمر الله، والشيخ أحمد السوراكتي، وهم من أندونيسيا. ومن التركستان قيل: إِن جهاد إِيشان إِيش محمد كول ممن استفاد من الدعوة.
ومن الجزائر ذكر أن الشيخ عبد الحميد بن باديس قد استفاد من دعوة الشيخ محمد.
وغيرهم كثيرون.
أما تأثير الدعوة في المجال الفكري والإِنساني العام، فهو تأثير يمتد إِلى آفاق العالم، بالإِضافة إِلى مستوى تأثيرها في الأفراد الذين ذكرنا نماذج منهم، وحسبنا أن نشير إِلى المرئيات والتحليلات التالية، تاركين لمن أراد تتبّع التفاصيل العودة إِلى هذه المصادر التي نشير إِليها نفسها. ففي بحثه حول استفادة الدعوات الإِصلاحية الإِسلامية من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بيّن الدكتور/ وهبة الزحيلي، ذلك في المجالات التالية:
أثرها في الجزيرة العربية.
أثرها في الهند.
стр. 142
أثرها في سومطرة.
أثرها في المغرب والجزائر.
أثرها في تونس.
أثرها في ليبيا.
أثرها في زنجبار وأفريقيا.
أثرها في السودان.
أثرها في مصر.
أثرها في الشام.
أثرها في العراق.
أثرها في تركيا.
أثرها في اليمن.
أثرها في عقلية المثقف.
أما الأستاذ/ عبد الفتاح الغنيمي، فقد قدم دراسة حول أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في غرب أفريقيا.
وقد كتب الشيخ/ إِسماعيل أحمد بحثا عن تأثير دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تايلند.
وفي الوقت نفسه كتب الأستاذ/ نجيح عبد الله بحثا حول تأثير دعوة
стр. 143
الشيخ محمد بن عبد الوهاب في حركات الإِصلاح في إِندونيسيا.
وكتب الدكتور/ عبد الحليم عويس بحثا حول أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الفكر الإِسلامي في الجزائر، وهو يقصد تأثيرها في جمعية العلماء التي قادها: الشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ البشير الإِبراهيمي١.
أما كتاب الأستاذ/ محمد جمال جمعة: (انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خارج الجزيرة العربية) فهو سجل حافل، يتتبع تأثير دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في الدول والجماعات والأشخاص، بطريقة ضافية وافية، وذلك فيما يزيد على ثلاثمائة صفحة، شملت الحديث عن مجالات تأثير الدعوة الإِصلاحية في العالم، في الهند، وأندونيسيا، وغرب إِفريقيا، والشام، ومصر، والعراق، وليبيا، والسودان، والمغرب الأقصى، والجزائر، وغيرها.
ومن أهم الجهود التي كتبت في بيان أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإِصلاحية ما كتبه الدكتور/ صالح بن عبد الله بن عبد الرحمن العبود في كتابه القيم: (عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، وأثرها في العالم الإِسلامي) .
стр. 144
وفي ضوء هذا الامتداد العالمي يصعب أن نستقصي أثر هذه الدعوة، أو أن نقدم بعض الشهادات المادحة التي وردت في دوائر المعارف، أو في الموسوعات التاريخية، أو بأقلام مؤرخين كبار، أو أدباء مشهورين، مثل عباس العقاد، وطه حسين، وأبي الحسن الندوي، ورشيد رضا، والدكتور أحمد شلبي، وتوماس أرنولد، واستودارد لوثروب، وحسن إِبراهيم حسن، وعبد الكريم الخطيب، وعبد الحليم الجندي، وأحمد حسين، وأكوبرت الألماني، ومحمد عبد الله ماضي، وغيرهم، فأمر الدعوة عالمي، لا يكفي معه مثل هذه الشهادات التي قد يستدل بها في أمر صغير أو عابر، لكنها -مع دلالتها الكبيرة- مجرد مؤشر من مؤشرات كثيرة، تزكي هذه الدعوة، وتظهر معدنها الأصيل، وتدلّ على أنها دعوة عالمية إِسلامية، وليست مجرد دعوة محصورة في إطار قومي أو وطني.
وقد كان حسنا ما فعله الأستاذ/ أمين سعيد في كتابه: (سيرة الإِمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب) حين ألمح إِلى هذه العالمية في التأثير عند ذكره لآراء العلماء في دعوة الشيخ، فقد قسمهم قسمين:
- رأي علماء الشرق.
- آراء العلماء الغربيين.
فمن الشرق، نقل رأي الشيخ محمد عبده، ورأي علماء الشام،
стр. 145
ورأي عالم عراقي، ورأي الأستاذ أحمد أمين، ورأي الدكتور طه حسين، ورأي الأستاذ العقاد، ورأي أحمد حسين، ورأي الأستاذ فيليب حتّي.
ومن الغرب نقل أقوال لوثروب ستودارد، ورأي مستشرق ألماني كبير، ورأي مؤرخ ألماني، ورأي جماعة من المشترقين، ورأي عالم فرنسي، ورأي مستشرق نمساوي، ورأي المستشرق سريو، ورأي المستشرق جب الإِنجليزي، وقول دائرة المعارف البريطانية.
والحق أن تأثير الدعوة كان عالميا يمتد شرقا، ويمتد غربا.
لقد كان تياراً لبعث إِسلامي رشيد، ولنهضة حضارية عقدية وتشريعية وأخلاقية واعية.
وسيبقى هذا التيار الذي يدعو إِلى العودة إِلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وسيرة السلف الصالح سيبقى هذا التيار هو الطريق الأقوم والناجح ما بقيت في المسلمين روح فاعلة، وقلوب نابضة بالحب لله ورسوله، تحقيقا لقوله ﵊: " تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي "١.
وصدق الله الذي أنزل في كتابه الكريم:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التّوبة: ٣٣] .