← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1108

المسائل التي قيل فيها لا فرق عند الحنابلة في العبادات

عهود بنت عيسى بعيطي

Полный текст (527 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حال عصيانه (١). يمكن أن يناقش: قياس المسافر العاصي على الحاضر العاصي إذا عدم الماء، بجامع العصيان في الجميع (٢). أجيب: لما كان للسفر تعلق بعدم الماء أو خوف فوات الوقت، والمسافر عاص به لم يجز له التيمم في ذلك السفر (٣). يمكن أن يناقش الجواب: السفر بمجرده لا يعتبر من الأعذار المبيحة للتيمم. الدليل الثاني: التيمم رخصة، والرخص تابعة للحال التي وجبت الرخصة لأجلها، فيمتنع التيمم في سفر المعصية تبعًا للحال، لأن المعصية تنافي الرخصة والتخفيف (٤). نوقش من وجهين: أ. التيمم عزيمة، تجب في السفر والحضر، فلا يترك في سفر المعصية؛ لأنه حكم لا يختص بالسفر، فيباح في سفر الطاعة والمعصية (٥). ب. على اعتبار أن التيمم رخصة، والرخص تنافي العصيان، فإنه لا ينتفي من الرخص بسبب العصيان إلا رخصة يظهر أثرها في السفر والحضر كالقصر والسفر (٦).

стр. 107

الدليل الثالث: في إباحة التيمم للعاصي بسفره إعانة له على السفر (١). يمكن أن يناقش: لا يسلم هذا؛ لأن الرخصة في التيمم لعلة السفر ذاته، وهذا متحقق فيمن كان سفره طاعة أو معصية فيصدق عليه وصف السفر (٢). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: يجوز التيمم في سفر المعصية؛ وذلك لقوة ما استدل به أصحاب هذا القول، ولأن أدلة المخالفين ضعيفة لا تقاوم دلالة النص.

стр. 108

المطلب الثالث: لا فرق في التيمم بين كون الجبيرة على كسر أو جرح. صورة المسألة: أصيب شخص وشُد على جرحه أو كسره، فهل المشروع في حقه للطهارة المسح فقط، أو يجمع إليه التيمم؟ جاء في المغني: "لا فرق في التيمم بين كون الشد على كسر أو جرح" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: ١ - الجرح موضع يحتاج إلى الشد عليه، فأشبه الكسر (٢). ٢ - يظهر والله أعلم أن السبب أيضًا هو: عدم وجود فارق بين الشد على الكسر والجرح يؤثر في الحكم، فكلاهما يصدق عليه وصف (الحائل) الذي يأخذ أحكام المسح. حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على جواز المسح على الجبيرة (٣) والعصابة (٤)، سواء أكان الشد لكسر أو لجرح (٥). ٢ - واختلفوا في حكم التيمم مع المسح عليها على قولين:

стр. 109

القول الأوّل: لا يجب التيمم مع مسح الجبيرة أو العصابة، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول للشافعية (٤). القول الثاني: يجب التيمم مع المسح على الجبيرة والعصابة، وهو القول الأصح للشافعية (٥)، ورواية عند الحنابلة (٦). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - لا يجب التيمم مع مسح الجبيرة أو العصابة - بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- ﵁، قَالَ: انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ، فَسَأَلْتُ النَّبِيِّ ﷺ ، (فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ) (٧). وجه الدلالة من الحديث: أمر النبي عليًّا بالمسح على الجبائر ولم يأمره بالتيمم م مع المسح (٨)، ويلحق بالجبيرة الجرح والقرح

стр. 110

ونحوه (١). نوقش: هذا الحديث لا يصح الاستدلال به؛ لضعف إسناده (٢). الدليل الثاني: عَنِ ابْنِ عُمَرَ- ﵄، أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَكَفُّهُ مَعْصُوبَةٌ فَمَسَحَ عَلَى الْعَصَائِبِ وَغَسَلَ سِوَى ذَلِكَ (٣). وجه الدلالة: اقتصر ابن عمر على المسح ولم يجمع إليه التيمم، وفعل الصحابي حجة (٤). الدليل الثالث: العضو المشدود محلٌ واحد، فلا يُجمع فيه بين بدلين (المسح والتيمم) (٥). الدليل الرابع: القياس على الخف بجامع أن كلاهما ممسوح في طهارة فلم يجب له التيمم، بل أن صاحب الجبيرة والعصابة أولى، لأن صاحب الضرورة أحق بالتخفيف (٦). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - يجب التيمم مع المسح على الجبيرة والعصابة - بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: (قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ) يَعْصِبَ (شَكَّ مُوسَى - علَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ

стр. 111

عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ) (١). وجه الدلالة من الحديث: نص الحديث على الجمع بين التيمم والمسح على عصابة المشجوج. نوقش: يحتمل أن صاحب الشجة وضع العصابة على الجرح من غير طهارة. ويحتمل أن (و) في الحديث بمعنى (أو)، أي إنما يكفيه أن يتيمم أو يعصب على جرحه (٢). الدليل الثاني: إنما وجب على واضع الجبيرة والعصابة التيمم والمسح لأنه أخذ شبهًا من الجريح في الخوف من غسل العضو، فوجب عليه التيمم مثله، وأخذ شبهًا من لابس الخف، في المشقة التي تلحقه في نزعه فوجب عليه المسح (٣). يمكن أن يناقش: الجريح لا يصير إلى التيمم إلا إذا تعذر المسح، ويصير إلى المسح إذا تعذر الغسل (٤). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: لا يجب التيمم مع مسح الجبيرة أو العصابة، وذلك لقوة أدلة هذا القول وصحة قياسه وسلامتها من المعارضة، ولموافقته قواعد الشريعة، ولأن المناقشة الواردة على استدلال المخالف أضعفت الاحتجاج بها.

стр. 112

المطلب الرابع: لا فرقَ في النية للتيمُّم بين ما وجب بالشرع، وما وجب بالنذر (١). صورة المسألة: إذا تيمَّم شخص ونوى بتيمُّمه صلاةً معيَّنة: فهل يستبيح بذلك التيمم مثل ما نواه وما هو دونه؟ جاء في الإنصاف: "من نوى شيئًا استباح فعله، واستباح ما هو مثله أو دونه … قال الشيخ تقي الدين: ظاهر كلامهم؛ لا فرقَ بين ما وجب بالشرع وما وجب بالنذر" (٢). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: كلُّ تيمُّمٍ أباح عبادة صحَّ أن يُبيحَ ما هو من نوعها، كما هو الحال في النوافل، وكذلك النذر؛ لأن إيجابَ الإنسان على نفسه فرعٌ عن إيجاب الله عليه (٣). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في إباحة التيمُّم للفريضة، ومثلها، وما هو دونها، على قولين: القول الأوّل: يُستباح بالتيمُّم الفريضة، ومثلها، وما هو دونها، ما دام في الوقت (٤)، وهو مذهب

стр. 113

الحنابلة (١). القول الثاني: يُستباح بالتيمُّم فريضة واحدة، وما هو دونها (٢)، وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - يُستباح بالتيمُّم الفريضة، ومثلها، وما هو دونها، ما دام في الوقت - بما يلي: الدليل الأوّل: الفرضُ أكملُ الممنوعات بالحدث المباحات بالتيمُّم؛ ونية التيمُّم له تتضمن ما دونه، ويُستباح باستباحته تبعًا (٦). الدليل الثاني: التيمُّم طهارة صحيحة، فكما أباحت فرضًا جاز أن يُستباح بها فرضان كطهارة الماء (٧). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - يُستباح بالتيمُّم فريضة واحدة، وما هو دونها - بما يلي: الدليل الأوّل: عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْأُخْرَى» (٨).

стр. 114

وجهُ الدَّلالة من الحديث: دلَّ الحديث دَلالةً صريحة على أن التيمُّمَ لا يبيح صلاتَين مفروضتَين، ودلَّ قوله: (من السُّنّة) على أن ذلك مقتضى سُنّة محمد ﷺ (١). نوقِشَ من وجهين: أ. الحديث في سنده ضعف؛ فلا يُحتَجُّ به (٢). ب. لو صحَّ فيحتمل أن المراد أن لا يصلِّيَ به صلاتَين في وقتَين بدليل أنه يستبيح به أكثر من صلاة من التطوع؛ وإنما امتنع أن يصلي به فرضين في وقتين لبطلان التيمُّم بخروج الوقت (٣). الدليل الثاني: التيمُّم طهارة ضرورة، فلا يجمع فيها بين فرضَين كما لو كان في وقتَين، كطهارة المستحاضة (٤) الدليل الثالث: لا يُستباح بالتيمُّم مكتوبتَين، لأن الفريضة الثانية ليست تبعًا للأولى (٥). نوقِشَ الدليلان: التيمُّم بعد الفراغ من الفرض الأوّل يُعَدُّ تيمُّمًا صحيحًا مبيحًا للتطوع به؛ نوى به المكتوبة، فكان له أن يصل به فرضًا كحالة ابتدائه (٦). الترجيح: بعد عرضِ الأقوال وأدلّتِها، يظهَرُ أن الراجح في المسألة - والله أعلم - هو القول الأوّل القائل: يُستباح بالتيمُّم الفريضة، ومثلها، وما هو دونها، ما دام في الوقت؛ وذلك لأن فيه توسعة على المكلَّفين، ولما ورد من مناقشات على استدلال القول المخالف، علمًا أن هذه المسألة لا ترد، لأن

стр. 115

المرجح في التيمُّم أنه رافع للحدث كالوضوء.

стр. 116

المطلب الخامس: لا فرق في بطلان تيمم لابس العمامة وغيرها بالخلع بين أن يكون مسح عليها قبل التيمم أو لا. صورة المسألة: لبس شخص عمامة ثم تيمم، وبعد تيممه نزع العمامة، فهل يبطل تيممه سواء أكان مَسَح عليها قبل التيمم أو لا؟ جاء في الكشاف: "وإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه كعمامة أو جبيرة أو خف لبسه على طهارة ثم خلعه، بطل تيممه نصًا في رواية عبد الله (١) على الخفين، وفي رواية حنبل (٢) عليهما وعلى العمامة وظاهره: لا فرق بين أن يكون مسح عليه قبل التيمم أو لا" (٣). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: خلع العمامة أو الخف مبطل للوضوء، فأبطل التيمم كسائر مبطلاته، سواء مسح عليه قبل التيمم أم لا (٤).

стр. 117

حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في بطلان تَيَمُّم من تَيَمُّم وعليه خفان أو عمامة لبسهما على طهر ثم خلع ذلك الملبوس، سواء أكان مسح عليه قبل التيمم أو لا، على قولين (١): القول الأوّل: لا يبطل التيمم بخلع العمامة أو الخف، سواء أكان مسح عليهما قبل التيمم أو لا، وهو مذهب الشافعية (٢)، وقول بعض الحنابلة (٣). القول الثاني: يبطل التيمم بخلع العمامة أو الخف، سواء كان مسح عليهما قبل التيمم أو لا، وهو مذهب الحنابلة (٤). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل – لا يبطل التيمم بخلع العمامة أو الخف، سواء أكان مسح عليهما قبل التيمم أو لا - بما يلي: الدليل الأوّل: التيمم طهارة لم يمسح فيها على الحائل المنزوع، فلا يبطل بنزعه كما لو كان الملبوس مما لا يجوز المسح عليه (٥). الدليل الثاني: إباحة المسح لا يصير بها ماسحًا ولا بمنزلة الماسح، كما لو لبس عمامة يجوز المسح عليها ومسح على رأسه من تحتها، فلا تبطل طهارته بنزعها (٦).

стр. 118

واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - يبطل التيمم بخلع العمامة أو الخف، سواء كان مسح عليهما قبل التيمم أو لا - بما يلي: الدليل الأوّل: في خلع الممسوح عليه معنى يبطل الوضوء؛ لأنه وإن اختص بعضوي التيمم صورةً، فإنه متعلق بأعضاء الوضوء الأربعة حكمًا (١). الدليل الثاني: الخلع مبطل للوضوء فأبطل التيمم (٢). نوقش الاستدلال: لو ثبت هذا فإن الوضوء إنما يبطل بالنزع؛ لأن المنزوع ممسوح عليه فيه؛ بخلاف ما عليه الحال في هذه المسألة (٣). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: لا يبطل التيمم بخلع العمامة أو الخف، سواء أكان مسح عليهما قبل التيمم أو لا، وذلك لوجاهة ما علل به أصحاب هذا القول، وضعف تعليلات المخالفين التي لا تقوى على الدفع.

стр. 119

المطلب السادس: لا فرق بين رطب النجاسة وجافها. صورة المسألة: إذا أصاب أسفل الخف والحذاء نجاسة، فدلكت بالأرض حتى زالت عين النجاسة فهل يطهرها ذلك الدلك، رطبةً كانت أو جافة؟ (١). جاء في الشرح: "الخفين: إنما يجزئ دلكهما بعد جفاف نجاستهما؛ لأنه لا يبقى لها أثر، ولا يجزئ قبل الجفاف … وظاهر الأخبار لا فرق بين رطب ولا جاف" (٢). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: يظهر - والله أعلم - أن سبب الإلحاق هو: ١ - الأحاديث النبوية لم تفرق في التطهير بالدلك بين الرطب والجاف. ٢ - قياس رطوبة النجاسة على محل الاستنجاء. حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على أن الخف وما في معناه إذا تنجس بمائع، فلا يطهره إلا الغسل (٣). ٢ - واختلفوا في تطهير أسفل الخف أو الحذاء إذا أصابته نجاسة لها جرم، هل يكفي فيه الدلك أو لابد من الغسل، سواء أكانت النجاسة رطبة أو يابسة، أم لا؟ على ثلاثة أقوال: القول الأوّل:

стр. 120

يجزئ دلك أسفل الخف أو الحذاء بالأرض - مطلقًا - حتى تزول عين النجاسة، رطبةً كانت أو يابسة، وهو مذهب المالكية (١)، وقول أبي يوسف من الحنفية (٢)، وقول للشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤). القول الثاني: لا يجزئ دلك أسفل الخف أو الحذاء إذا أصابته نجاسة ذات جرم، رطبةً كانت أو يابسة، وهو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وقول محمد بن الحسن من الحنفية (٧)، وقول للمالكية (٨). القول الثالث: يجزئ دلك أسفل الخف إن كانت النجاسة جافة، وإن كانت رطبةً فلا يجزئ إلا الغسل، وهو قول أبي حنيفة (٩)، والقاضي أبي يعلى (١٠) من الحنابلة (١١). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - يجزئ دلك أسفل الخف أو الحذاء بالأرض - مطلقًا - حتى تزول عين النجاسة، رطبةً كانت أو يابسة - بما يلي:

стр. 121

الدليل الأوّل: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ) (١). الدليل الثاني: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ، قَالَ: (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ)، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا) - أَوْ قَالَ: أذى - " وَقَالَ: (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا) (٢). وجه الدلالة من الحديثين: ١ - دل الحديثان على أن الخف أو الحذاء إذا أصابته النجاسة، فإن الدلك يطهره؛ لأن لفظ الأذى جاء معرفًا بالألف واللام، فأفاد العموم (٣) في الرطب واليابس (٤). ٢ - في صلاة النبي ﷺ وأصحابه في نعالهم، -وهي لا تخلو من نجاسة تصيبها-، دليل على إجزاء الدلك؛ لأنه لو لم يجز دلكها لم تصح الصلاة فيها (٥).

стр. 122

نوقش الاستدلال من وجهين: أ. قول النبي ﷺ في نعليه، وأن فيهما قذرًا يدل على أن القذر لم يزل منهما، فلا يجزئهما الدلك (١). أجيب: لا دلالة في هذا على عدم إجزاء الدلك؛ لأنه لم ينقل أنه دلكهما، وهذا هو الظاهر؛ لأنه لم يعلم بالقذر فيهما، حتى أخبره جبريل ﵇ ولو ثبت ذلك فإن الدلك يطهرهما (٢). ب. يحتمل أن المراد بالقذر والأذى في الحديث هو ما يستقذر من الطاهرات كالمخاط والنخام، ولا يلزم أن يكون المراد النجاسة (٣). أجيب: الأذى في لسان الشرع يحمل على النجاسة كناية عن عينها، ولو كان المقصود ما يستقذر من الطاهرات كالطين ونحوه لصرح به، لما في ذلك من اللبس (٤). الدليل الثالث: قياس الخف أو الحذاء على محل الاستنجاء؛ بجامع أن كلًا منهما يعتبر محلًا تتكرر فيه النجاسة، فأجزأ فيه المسح (٥). يمكن أن يناقش: الخف ملبوس؛ بخلاف محل الاستنجاء، فلزم افتراقهما في الحكم (٦).

стр. 123

يمكن أن يجاب: هو وإن كان ملبوسًا، إلا أن إصابة النجاسة لأسفله مما تعم به البلوى، وتكرر ذلك يجعل في اشتراط غسله حرج، والحرج مدفوع في دين الله (١). الدليل الرابع: الخف صلب لا تتداخله أجزاء جرم النجاسة، وإنما تتداخله رطوبتها وهو قليل، وقد يجتذبه الجرم إذا جف، فلا يبقى بعد الدلك إلا اليسير وهو عفو (٢). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل – لا يجزئ دلك أسفل الخف أو الحذاء أذا أصابته نجاسة ذات جرم، رطبةً كانت أو يابسة- بما يلي: الدليل الأوّل: قياس أسفل الخف والحذاء على الثوب والرجل وغيرهما، بجامع أن الجميع محل تنجس فوجب غسله (٣). يمكن أن يناقش: هذا القياس فاسد الاعتبار، لمعارضته النص الصريح من قول رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ) (٤). الدليل الثاني: الخف ملبوس فلم يجزئ في أسفله الدلك كظاهره (٥). يمكن أن يناقش: هو وإن كان ملبوسًا إلا أن إصابة النجاسة لأسفله مما تعم به البلوى -بخلاف ظاهره- وتكرر ذلك يجعل في اشتراط غسله حرج، والحرج مدفوع في دين الله (٦).

стр. 124

واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل – يجزئ دلك أسفل الخف إن كانت النجاسة جافة، وإن كانت رطبةً فلا يجزئ إلا الغسل- بما يلي: الدليل الأوّل: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي – ﷺ قال: (إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه، فطهورهما التراب) (١). وجه الدلالة من الحديث: ظاهر هذا الخبر يقتضي جواز تطهير نجاسة أسفل الخف بالمسح، سواء أكانت رطبة أو يابسة، إلا أن الدلالة قد قامت على أنه لا يجزئ في الرطب إلا الغسل؛ لأن الصلاة تمتنع مع النداوة القائمة التي لا تزول بالدلك، فلم يبق إلا أن يكون مدلول الخبر جواز دلكها بعد الجفاف (٢)، وعلى ذلك لابد من التفريق بين الرطب واليابس، فيطهر اليابس بالدلك، والرطب بالغسل. نوقش: الأصل أن النصوص تحمل على ظاهرها إلا أن يدل دليل أو قرينه على خلاف الظاهر (٣). الدليل الثاني: دلك النجاسة بعد جفافها يزيل أثرها، أما دلكها قبل الجفاف لا يجزئ؛ لأن أثرها يبقى، والأثر دليل على الوجود (٤). يمكن أن يناقش:

стр. 125

الأثر وإن بقي فهو معفو عنه كأثر الاستجمار (١). الدليل الثالث: دلك رطب النجاسة يتلطخ به الخف وتكثر به، فلابد من الجفاف لكي يجزئ الدلك، وأما الرطب فلا يزيله إلا الغسل (٢). يمكن أن يناقش: ما ذكر من استدلال هو اجتهاد يعارضه النص، ولا اجتهاد في مقابلة النص. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: يجزئ دلك أسفل الخف أو الحذاء بالأرض - مطلقًا - حتى تزول عين النجاسة، رطبةً كانت أو يابسة، وذلك لقوة أدلة هذا القول وسلامتها من المعارض الراجح، وورود المناقشة على استدلال المخالفين، ولأن التفريق تحكم بلا دليل، بل هو يعارض الدليل.

стр. 126

المطلب السابع: لا فرق في التطهير بين الحاصل بفعل الله تعالى أو فعل الآدمي. صورة المسألة: إذا خلل شخص خمرًا، هل يؤثر ذلك التخليل في حلها، أم أن هناك فرق بين تخليل الخمر وتخللها بنفسها؟ جاء في المغني: "أن التطهير لا فرق فيه بين ما حصل بفعل الله تعالى وفعل الآدمي" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: التطهير بفعل الله أو بفعل الآدمي كلاهما ينقل ذات الخمر إلى ذات الخل، والذوات المختلفة تأخذ أحكامًا مختلفة، وذات الخل حلال بالإجماع، فوجب أن يكون حلال كيفما انتقل (٢). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على طهارة الخمر وحلها إذا انقلبت خلًا بنفسها (٣). ٢ - واختلفوا في طهارتها وحلها إذا تخللت بفعل آدمي على قولين: القول الأوّل: لا تطهر الخمر ولا تحل إذا كان التخليل بفعل الآدمي، وهو مذهب الشافعية (٤)،

стр. 127

والحنابلة (١)، وقول عند المالكية (٢). القول الثاني: تطهر الخمر وتحل إذا كان التخليل بفعل الآدمي، وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، ووجه عند الحنابلة (٥). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - لا تطهر الخمر ولا تحل إذا كان التخليل بفعل الآدمي - بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ أَنَسٍ، ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا، فَقَالَ: (لَا) (٦). الدليل الثاني: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كَانَ عِنْدَنَا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ فَلَمَّا نَزَلَتِ المَائِدَةُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، وَقُلْتُ: إِنَّهُ لِيَتِيمٍ، فَقَالَ: (أَهْرِيقُوه) (٧). الدليل الثالث: أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ – ﵁، سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، قَالَ: (أَهْرِقْهَا) قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: (لَا) (٨).

стр. 128

وجه الدلالة من الأحاديث: تضمنت النصوص المذكورة نهيًا مقتضاه التحريم، وسببه الاستعجال بالمعالجة المحرمة، فيحكم بنقيض القصد (١)، ولو كان استصلاح الخمر جائزًا لما أمر ﵊ بإراقتها، بل أرشدهم إليه لا سيما وهي لأيتام يحرم التفريط في أموالهم (٢). نوقش من أوجه: أ. يحتمل أن المراد بالنهي في حديث أنس هو المنع من اتخاذها واستعمالها على الموائد استعمال الخل (٣). ب. حديث أبي طلحة النهي فيه محمول على إرادة معنى في غيره، وهو دفع عادة العامة، لأنهم كانوا حديثي عهد بتحريم الخمر، فبالغ ﵊ في زجرهم، ولو أمرهم بتخليلها لأدى ذلك لفساد العامة، لأن التخلل لا يكون إلا بعد وقت معتبر (٤). أجيب: الأصل في النهي التحريم، ولا يصرف عنه إلا بصارف (٥). ت. إن خمور الأيتام كانت جائزة الإراقة، وليست بأموال، وحتى لو كان في إراقتها مفسدة فإن ارتكابها جائز لمصلحة عامة (٦).

стр. 129

يمكن أن يجاب: هذا الاعتراض يفيد المعنى المذكور في وجه الاستدلال، فهو يقويه ولا يعارضه. الدليل الرابع: إجماع الصحابة، "فقد روي أن عمر –﵁ صعد المنبر فقال لا يحل خمر أفسدت حتى يكون الله هو الذي تولى إفسادها … " (١)، وهذا قول اشتهر فلم ينكر (٢). الدليل الخامس: الخمر إذا طرح فيها الخل فإنه ينجس، ولو زالت النجاسة عن الخمر بقيت نجاسة الخل، فلم يطهر (٣). نوقش: يسلم بالتنجيس لكنه جائز للحاجة كدبغ جلد الميتة (٤). يمكن أن يجاب: هذا القياس معارض بالأدلة الصحيحة الصريحة، التي جاءت في النهي عن التخليل، وقد سبق ذكرها. واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - تطهر الخمر وتحل إذا كان التخليل بفعل الآدمي - بما يلي: الدليل الأوّل: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ –﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ) (٥)، وفي رواية: (إِنَّ دِبَاغَهَا يَحِلُّ كَمَا يَحِلُّ خَلُّ الْخَمْرِ) (٦).

стр. 130

وجه الدلالة من الحديث: جعل النبي –﵊ الخمر كالإهاب في الطهارة، فالإهاب يطهر بفعل الآدمي، فكذلك الخمر فالحديث لم يفرق بين تخلل وتخلل، فقد حقق –﵇ التخليل وأثبت حل الخل شرعًا (١). يمكن أن يناقش: الحديث ضعيف وقد بين وجه ضعفه في التخريج (٢)، ولا ترد لأحاديث الصحيحة الصريحة في المنع من تخليل الخمر بحديث مجمل لا يثبت (٣). الدليل الثاني: عَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ- ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: (نِعْمَ الْأُدُمُ - أَوِ الْإِدَامُ - الْخَلُّ) (٤). وجه الدلالة من الحديث: الحديث عام يتناول جميع ما يطلق عليه اسم الخل، فلم يفرق بين خلٍّ وخل، وفي التخليل يزول الوصف المفسد (الخمرية)؛ لأن التخليل إصلاح، والإصلاح مباح (٥). نوقش من وجهين:

стр. 131

أ. المراد من الحديث الاقتصاد والابتعاد عن ملاذ الأطعمة، فأرشد للائتدام بالخل وما في معناه مما تخف مؤنته، وعدم التأنق في المطعم (١). ب. الخل قد يصنع من غير الخمر وهذا هو المباح الذي نص عليه أهل العلم، واعتبروه المقصود في الحديث، جاء في الإنصاف: "الخل المباح أن يصب على العنب أو العصير خل قبل غليانه حتى لا يغلي" (٢). الدليل الثالث: القياس على حل الخمر إذا تخللت بنفسها، إذ لا فرق بين الحالين (٣). يمكن أن يناقش: هذا القياس ممتنع، لأن القول بجواز إمساك الخمر حتى تتخلل ليس محل اتفاق، فلا يستقيم هذا الاستدلال (٤). الدليل الرابع: الحكم الواجب لعلة شرعية يزول بزوال تلك العلة (٥)، وعلة التنجيس في الخمر تزول بجميع صور التخليل (٦). يمكن أن يناقش: زوال الإسكار إنما كان بفعل محرم، فلم يترتب عليه أثره (٧). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: لا تطهر الخمر ولا تحل إذا كان التخليل بفعل الآدمي، وذلك لقوة أدلة أصحاب هذا القول ودفعها لما ورد عليها من الاعتراضات، وورود المناقشة المضعفة لاستدلال المخالفين.

стр. 132

المطلب الثامن: لا فرق في عدم النجاسة بالموت بين المسلم والكافر. صورة المسألة: إذا مات آدمي، فهل يحكم بنجاسته بسبب الموت مسلمًا كان أو كافرًا أو لا؟ جاء في الإنصاف: "ولا ينجس الآدمي بالموت … لم يفرق أصحابنا بين المسلم والكافر" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: ١ - استواء المسلم والكافر في وصف الآدمية حقيقةً ومعنى (٢). ٢ - استواء المسلم والكافر في الطهارة حال الحياة فكذلك الممات (٣). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في حكم نجاسة الآدمي بالموت مسلمًا كان أو كافرًا، على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: لا ينجس الآدمي بالموت مسلمًا كان أو كافرًا، وهو مذهب المالكية (٤)، والحنابلة (٥)، وقول

стр. 133

للحنفية (١)، والصحيح عند الشافعية (٢). القول الثاني: ينجس الآدمي بالموت مسلمًا كان أو كافرًا، وهو مذهب الحنفية (٣)، وقول عند الشافعية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥). القول الثالث: ينجس الكافر بالموت ولا ينجس المسلم، وهو قول بعض المالكية (٦)، وقول عند الحنابلة (٧). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل – لا ينجس الآدمي بالموت مسلمًا كان أو كافرًا - بما يلي: الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٨). وجه الدلالة من الآية: نصت الآية على تكريم الآدمي، ومن مقتضى التكريم ألا يحكم بنجاسته بالموت، وهي عامة في كل آدمي (٩). الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١٠).

стр. 134

وجه الدلالة من الآية: يلزم من حل نكاح نساء أهل الكتاب طهارة أبدانهن وذلك في الحياة والموت، إذ من المعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك لم يجب عليه في الغسل إلا كما يجب عليه في الغسل من المسلمة (١). الدليل الثالث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ –﵁ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ) (٢)، وروي عن الحاكم: (لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا) (٣). وجه الدلالة من الحديث: الحديث صريح في عدم نجاسة الآدمي، وهو عام في الحياة والموت، وفي المسلم والذمي (٤). الدليل الرابع: قبل رسول الله عثمان ابن مضعون (٥) بعد موته ودموعه تجري على خده، فلو كان نجسًا لما قبله مع رطوبته (٦).

стр. 135

الدليل الخامس: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ (١) فِي الْمَسْجِدِ) (٢). ولو كان نجسًا لما أدخله ﵊ إلى المسجد (٣). الدليل السادس: الميت آدمي فلم ينجس بالموت -كالشهيد- ولو نجس بالموت لما أُمرنا بغسله؛ لأن الغسل لا يطهِّره، فغسل ما هو نجس العين يزيد تنجيسه ولا يفيده الغسل تطهيرًا، والكافر يقاس على المسلم في ذلك؛ بجامع الآدمية (٤). نوقش: لو كان طاهرًا لما أمرنا بغسله، كسائر الأعيان الطاهرة (٥). أجيب: غسل نجس العين غير معهود أما غسل الطاهر فمعهود، كالجنب فعلم أن الغرض من غسل الميت تكريمه وإزالة الأوساخ عنه (٦). الدليل السابع: الحكم بطهارة الميت مسلمًا كان أو كافرًا منقول عن ابن مسعود وابن عباس

стр. 136

وعائشة ﵃ في قضايا متعددة ولم يعرف لهم مخالف، فيكون إجماعًا (١). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - ينجس الآدمي بالموت مسلمًا كان أو كافرًا - بما يلي: الدليل الأوّل: روي أَنَّ زِنْجِيًّا وَقَعَ فِي زَمْزَمَ يَعْنِي فَمَاتَ، فَأَمَرَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَأُخْرِجَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُنْزَحَ (٢). وجه الدلالة: لو لم تتنجس البئر بوقوع الآدمي فيها، لما أمر بنزحها (٣). يمكن أن يناقش الاستدلال من وجهين: أ. أن هذا الأثر ضعيف، وقد بُين ذلك في التخريج. ب. يحتمل أن يكون الأمر بالنزح لتغير الماء، وليس لمجرد وقوع الآدمي. الدليل الثاني: الأدمي حيوان دموي، كغيره من الحيوانات الدموية التي تنجس بالموت (٤). يمكن أن يناقش: هذا قياس فاسد الاعتبار، لأنه معارض بالنصوص والآثار التي سبق ذكرها في أدلة القول الأوّل. الدليل الثالث: الآدمي إذا مات لم يحل أكله، فحكمنا بنجاسته كسائر الميتات (٥).

стр. 137

نوقش: الميت من بني آدم لا يسمى ميتة، فهو ليس برجس ولا نجس، ولم يحرم أكله لنجاسته وإنما إكرامًا له، ويفارق بقية الميتات بموجب شرفه وحرمته (١). الدليل الرابع: ما انفصل من أعضاء ابن آدم في حال الحياة نجس لفقد الحياة، فكذا الحكم في جملته بعد الممات (٢). نوقش: هذا قياس مع الفارق، فإن ما انفصل من الآدمي حال الحياة، ليس له حرمة كحرمة الميت، بدليل أنه لو و انفصل عضو من الحي لا يصلى عليه، بخلاف ما لو وجد طرف لميت صُلي عليه (٣). ثم إن الأبعاض ليس لها حكم الجملة في الحقيقة ولا شريعة فهذا اعتبار فاسد (٤). واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل - ينجس الكافر بالموت ولا ينجس المسلم - بما يلي: الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٥). وجه الدلالة من الآية: نصت الآية على نجاسة أعيان المشركين، واللفظ عام يتناول الحي والميت، بل هو حال الموت أولى (٦). نوقش:

стр. 138

المراد بالنجاسة في الآية هي نجاسة الاعتقاد والاستقذار وليس المراد نجاسة أعضائهم (١). قال الواحدي (٢): "قال أهل العلم وأصحاب المعاني: هذه النجاسة التي وصف الله بها المشركين نجاسة الحكم لا نجاسة العين، سموا نجسًا على الذم، ولو كانت أعيانهم نجسة لما طهرهم الإسلام، ولكن شركهم يجري مجرى القذر في أنه يوجب نجسهم فسموا نجسًا لهذا المعنى" (٣). الدليل الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال: (سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ) (٤). الدليل الثالث: عن ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قال: «المُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا» وَقَالَ سَعِيدٌ بن المسيب (٥): «لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ» (٦). وجه الدلالة: دلت الأحاديث والآثار المذكورة على طهارة المسلم، حيًا كان أو ميتًا، والخبر إنما ورد في المسلم، ولا يصح قياس الكافر عليه، لأن الكافر لا حرمة له بدليل عدم الصلاة عليه (٧). نوقش: لفظ المؤمن إنما ورد في الحديث تغليبًا لا تخصيصًا، ويجوز أن يكون المعنى أن المؤمن طاهر

стр. 139

الأعضاء لمجانبته النجاسة (١)، أو أنه ثناء على الإيمان وترغيب فيه (٢). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: لا ينجس الآدمي بالموت مسلمًا كان أو كافرًا، وذلك لقوة هذا القول وتظافر النصوص الدالة عليه، ولأن أدلة المخالفين لا تناهض أدلة القول المرجح، وهي لا تُقدم على النصوص الواردة في المسألة.

стр. 140

المطلب التاسع: لا فرق بين أن يكون زمن الدم أكثر من زمن الطهر أو مثله أو أقل. صورة المسألة: إذا تقطع حيض امرأة فرأت يومًا دمًا، ويومًا طهرًا، هل يعتبر الكل حيضًا، أم تضم الدم إلى الدم وتعتبر الطهر فاصلًا دون اعتبار لكون زمن الدم أكثر من الطهر أو مثله أو أقل منه؟ جاء في المغني: "فصل في التلفيق ومعناه ضم الدم إلى الدم الذين بينهما طهر … ولا فرق بين أن يكون زمن الدم أكثر من زمن الطهر أو مثله أو أقل منه" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: يظهر والله أعلم أن سبب الإلحاق هو: عدم التفريق بين كون زمن الطهر أكثر أو أقل أو مساوي للدم، لأن مناط الحكم هو تحقق وجود الدم وانقطاعه الذي يتحقق به الطهر ولا عبرة بالقلة والكثرة. حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على أن الطهر المتخلل بين دمين إذا كان خمسة عشر يومًا فصاعدًا، فإنه يكون فاصلًا بينهما (٢). ٢ - واختلفوا في اعتباره فاصلًا أو عدم اعتباره إن كان أقل من الخمسة عشر يومًا على قولين: القول الأوّل:

стр. 141

يعتبر الطهر فاصلًا، ويُضَم الدم إلى الدم بجمع أيامه دون أيام الطهر، سواء كان قدر النقاء أكثر من قدر الدم أو مثله أو أقل منه، وهو مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢)، وقول للشافعية (٣). القول الثاني: لا يعتبر الطهر فاصلًا، ويكون الجميع حيضًا (٤)، وهو مذهب الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، ورواية عند الحنابلة (٧)، واختيار ابن تيمية (٨). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - يعتبر الطهر فاصلًا، ويُضَم الدم إلى الدم بجمع أيامه دون أيام الطهر، سواء كان قدر النقاء أكثر من قدر الدم أو مثله أو أقل منه - بما يلي: الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٩). وجه الدلالة من الآية: سمى الله الحيض أذى وأمر باعتزال النساء فيه حتى يطهرن، وليس هناك ما

стр. 142

يستدل به على الحيض إلا وجود الدم ولا ما يستدل به على الطهر إلا النقاء (١). نوقش: لا يسلم وصفها بالطهارة وإن انقطع الدم؛ لأن الطهر لا يكون إلا عند الانقطاع الصحيح، وليس بزوال حدث الحيض (٢). يمكن أن يجاب: تحقق النقاء بزوال الدم، يعد انقطاعًا صحيحًا وإن قلت مدته. الدليل الثاني: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) (٣). وجه الدلالة من الحديث: الإدبار المذكور في الحديث إنما يعرف بالانقطاع، فإن انقطع الدم حكم بالطهر (٤). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: «أَمَّا مَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ، فَلَا تُصَلِّي، فَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتُصَلِّ» (٥). وجه الدلالة:

стр. 143

في النص أمر بالاغتسال في زمن الطهر مطلقًا، وفي هذا دليل على أن المرأة متى انقطع حيضها حكم بطهرها ووجب عليها الاغتسال (١). الدليل الرابع: الضرورة تقتضي عدم جعل كل واحد من الدم حيضة؛ لأن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا أو خمسة عشر وإذا لم يكن سبيل لجعله حيضة تعين الضم (٢). الدليل الخامس: الدم المضموم بعضه إلى بعض حيض؛ لأنه في زمن يصلح أن يكون فيه حيض أشبه ما لم يفصل بينهما طهر (٣). الدليل السادس: لما كان الدم دالًّا على الحيض، وجب أن يكون النقاء دالًّا على الطهر (٤). الدليل السابع: لو جاز أن يجعل النقاء حيضًا لما تعقبه من الحيض لجاز أن يكون الحيض طهرًا، لما تعقبه من الطهر، فعلى هذا تلفق أيام الدم تكون حيضًا، وتلفق أيام النقاء فتكون طهرًا (٥). نوقش: الدم المتخلل بين طهرين حيض بالاتفاق فلم يجعل تابعًا لأيام الطهر، والعادة في الحيض أن سيلانه لا يستمر فيوجد تارة وينقطع أخرى لذا حكم بكونه حيضًا ولم تجر العادة في الطهر أنه يوجد تارة وينقطع أخرى، فعلم أنه تابعًا للحيض وليس بطهر صحيح (٦). أجيب: لا يصح جعل النقاء الخالص حيضًا تبعًا لما يتخلله من الدم، لأن المرأة إن رأت القصة البيضاء كان نقاءًا خالصًا وطهرًا صحيحًا، وأما لحظات استمساك الدم لا يوجد فيها النقاء الخالص ولا

стр. 144

علامته (١). الدليل الثامن: من تقطع حيضها تكون نقية حسًا طاهرة قطعًا، والنقاء مجاوز لأزمنة الفترات (٢) في العادات فإثبات الحيض ولا حيض بعيد (٣). نوقش: تحقق الانقطاع ليس بطهر كما أن تحقق سيلان الدم ليس بحيض حتى تستمر مدة الحيض (٤). يمكن أن يجاب: لو كان تحقق الانقطاع ليس بطهر، لما أمر النبي المرأة بالاغتسال عند إدبار الحيض وزواله. واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - لا يعتبر الطهر فاصلًا، ويكون الجميع حيضًا - بما يلي: الدليل الأوّل: قياس الطهر المتخلل بين دمين -وهو أقل من مدة الطهر- على دم الاستحاضة، بجامع الفساد في الجميع، وبين صفة الصحة والفساد منافاة والفاسد لا تتعلق به أحكام الصحيح شرعًا فكان كالدم المتوالي (٥). يمكن أن يناقش: لا يسلم لهذا الاستدلال؛ لأن القول بفساد الطهر المتخلل بين دمين إن كان أقل من مدة الحيض، لا مستند له، وقد سبق ذكر الأدلة الدالة على الحكم بصحة هذا الطهر.

стр. 145

الدليل الثاني: إن لأقل الحيض مدة ولأقل الطهر مدة، وما نقص عن أقل الحيض لا يعتد به كذلك ما نقص عن أقل الطهر لا يعتد به، فلم يعتبر طهر صحيح بدلالة أنه لا يفصل بين دمين، فصار كالانقطاع إذا لم يوجد معه نقاء (١). يمكن أن يناقش: هذا اعتراض بمحل النزاع فلا يستقيم. الدليل الثالث: جرت عادة النساء في الحيض بأن يجري الدم زمانا ويستمسك زمانا، وليس من عادته أن يستديم جريانه إلى انقضاء مدته، فلما كان زمان إمساكه حيضًا؛ لكونه بين دمين كان زمان النقاء حيضا لحصوله بين دمين، فعلى هذا تكون الخمسة عشر كلها حيضًا (٢). نوقش: الفترة المعتادة بين دفعتي الدم حيض بلا خلاف، وأما ما زاد عنها من النقاء فهو طهر (٣). الدليل الرابع: لو كان ما رأته من النقاء طهرًا لانقضت العدة بثلاثة منها (٤). نوقش: لا تنقضي العدة به؛ لأن على المرأة أن تعتد بأقراء كاملة، وهذا كله قرء واحد تفرق عليها وضم بعضه لبعض فكان حيضة واحدة وما بينه من الطهر ملغى (٥). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: يعتبر الطهر فاصلًا، ويُضَم الدم إلى الدم بجمع أيامه دون أيام الطهر، سواء كان قدر النقاء أكثر من قدر الدم أو مثله أو أقل منه، وذلك لقوة أدلة هذا القول ودلالتها على المراد، والمناقشات
следующие страницы →