← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1108

المسائل التي قيل فيها لا فرق عند الحنابلة في العبادات

عهود بنت عيسى بعيطي

Полный текст (527 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٢ - واختلفوا في بطلانها بالانكشاف اليسير من غير قصد على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: لا تبطل الصلاة بانكشاف اليسير من العورة - مطلقًا -، لا فرق بين الفرجين وغيرهما، وهو مذهب الحنابلة (١)، وقول للحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤). القول الثاني: تبطل الصلاة بانكشاف العورة (٥) - مطلقًا -، لا فرق بين الفرجين وغيرهما، وهو مذهب المالكية (٦)، والشافعية (٧)، ورواية عند الحنابلة (٨). القول الثالث: لا تبطل الصلاة بانكشاف قدر الدرهم من العورة المغلظة، ومن المخففة ربعها، وهو مذهب الحنفية (٩). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل-لا تبطل الصلاة بانكشاف اليسير من العورة - مطلقًا -، لا فرق بين الفرجين وغيرهما-بما يلي:

стр. 177

الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١). وجه الدلالة من الآية: من لبس ثيابه للصلاة يعد آخذًا للزينة وساترًا للعورة، ولو مع انكشاف اليسير من عورته (٢). الدليل الثاني: عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: … لَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الفَتْحِ، بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا، فَقَالَ: (صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا). فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ، كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الحَيِّ: أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ؟ فَاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ القَمِيصِ (٣). وجه الدلالة من الحديث: انكشاف يسير من عورة عمرو ﵁ أمر انتشر ولم ينكره النبي، ولا أحد من أصحابه، والإقرار دليل على صحة الصلاة مع يسير الانكشاف (٤). الدليل الثالث: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ، قَالَ: (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ) (٥).

стр. 178

وجه الدلالة من الحديث: ظاهر الحديث يدل على أن المرأة إن تخمرت وغطت رأسها صحت صلاتها؛ ولو مع انكشاف شيء من بدنها (١). الدليل الرابع: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ (٢)، ﵁ قَالَ: كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، وَيُقَالُ لِلنِّسَاءِ: (لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا) (٣). وجه الدلالة من الحديث: في نهي النساء عن رفع رؤوسهن حتى يستوي الرجال دليل على انكشاف يسير من العورة أثناء الصلاة، ومع ذلك الانكشاف لم تبطل الصلاة (٤) الدليل الخامس: يسير العورة يشق التحرز من انكشافه، لأن ثياب الفقراء لا تخلو من خرق وثياب الأغنياء لا تخلو من فتق، فإذا انكشف شيء من العورة، عفي عنه ولم تبطل به الصلاة (٥). الدليل السادس: لما صحت الصلاة مع الانكشاف الكثير حال العذر، اختلف حكم يسيره عن كثيره حال عدم العذر (٦).

стр. 179

واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- تبطل الصلاة بانكشاف العورة - مطلقًا -، لا فرق بين الفرجين وغيرهما-بما يلي: الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١). الدليل الثاني: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ، قَالَ: (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ) (٢). وجه الدلالة من الآية والحديث: المراد: بالزينة: الثياب عند الصلاة، ومعناه ستر العورة، وظاهر الأمر الوجوب وتقييده بالصلاة يفيد شرطيته لصحتها، ومفهوم ذلك بطلانها عند انكشاف العورة (٣). يمكن أن يناقش: بطلان الصلاة إنما يكون بالانكشاف الكثير في الزمن اليسير، أو الانكشاف اليسير في الزمن الطويل، بدليل حديث عمرو بن سلمة. الدليل الثالث: عن جَرْهَد (٤) ﵁-قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَنَا وَفَخِذِي مُنْكَشِفَةٌ فَقَالَ: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ) (٥). وجه الدلالة من الحديث: نص الحديث يثبت وجوب ستر العورة مطلقًا (٦)، ومفهومه أن انكشاف شيء منها لا يجوز، وهو مبطل للصلاة.

стр. 180

نوقش الاستدلال من وجهين (١): أ. يسلم بأن الحديث يقتضي وجوب تغطية الفخذ وأنه عورة، ولكنه إذا انكشف بعضه عفي عنه، بدليل حديث عمرو لا سيما وقد كان المنكشف منه ما هو أفحش. ب. الخلاف في انكشاف العورة في الصلاة، وأما في النظر فيجب ستر جميعها، ولم يرد في الخبر ذكر الصلاةـ فيكون الاستدلال خارج محل النزاع. الدليل الرابع: انكشاف العورة في الصلاة حكم يتعلق بذات العورة، فيستوي فيه اليسير والكثير والفرجين وغيرهما (٢). يمكن أن يناقش: التسوية بين الانكشاف اليسير والكثير لا يستقيم؛ لأن مشقة الاحتراز حاصلة في اليسير دون الكثير فلزم افتراقهما في الحكم. واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل-لا تبطل الصلاة بانكشاف قدر الدرهم من العورة المغلظة، ومن المخففة ربعها-بما يلي: الدليل الأوّل: قال رسول الله ﷺ : (الفخذ عورة والفرج فاحشة) (٣). وجه الدلالة من الحديث: قوله ﵊ يقتضي التفريق بين العورتين في الستر، والتسوية بينهما حال الانكشاف مخالفة للخبر (٤). يمكن أن يناقش من أوجه: أ. يسلم بأن العورة المغلظة يفحش منها ما لا يفحش من غيرها، إلا أن التقدير بالدرهم والربع

стр. 181

لم يرد الشرع به، فلا يجوز المصير إليه أو تخصيصه إلا بدليل ظاهر (١). ب. ما لم يرد الشرع فيه بالتقدير يرد إلى العرف (٢). ت. هذا الحديث لم يثبت فلا يصح الاحتجاج به (٣). الدليل الثاني: أن الشرع قد أقام الربع مقام الكل في كثير من المواضع، كمسح الرأس وحلقه في حق المحرم، كذلك في مسألة انكشاف اليسير من عورة المصلي، إذا الموضع موضع احتياط (٤). يمكن أن يناقش: هذا التحديد لا دليل عليه، ولو صح في الربع لم يصح في الدرهم. الدليل الثالث: ستر العورة شرط من شروط الصلاة لا ينتقل بتركه إلى بدل، فيختلف حكم يسيره وكثيره (٥). يمكن أن يناقش: غاية ما يدل عليه هذا الاستدلال هو التفريق بين الانكشاف اليسير من العورة والكثير، ولا دلالة فيه على تقدير ذلك بالدرهم والربع. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: لا تبطل الصلاة بانكشاف اليسير من العورة - مطلقًا - لا فرق بين الفرجين وغيرهما، وذلك لقوة هذا القول وموافقته لقواعد رفع الحرج والمشقة، وصراحة أدلته وسلامتها من المعارض.

стр. 182

المطلب الرابع: لا فرق في ستر العورة بين الظلمة وغيرها. صورة المسألة: هل يؤثر كون الإنسان في ظلمة أو غيرها في اشتراط ستر العورة أو لا؟ جاء في الإنصاف: "وسترها عن النظر بما لا يصف البشرة واجب … لا فرق بين أن يكون في ظلمة، أو حمام، أو بحضرة ملك، أو جنى، أو حيوان بهيم أو لا" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: الأمر بستر العورة واجب من واجبات الإسلام في الصلاة وغيرها، وكما وجب في النور فهو يجب في الظلمة وغيرها؛ إثباتًا بإثبات ونفيًا بنفي (٢). حكم المسألة: اتفق الفقهاء- رحمهم الله تعالى - على وجوب ستر العورة بين الناس - مطلقًا -، لا فرق بين الظلمة أو غيرها (٣). واستدلوا بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ (٤)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ (احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) قَالَ: قُلْتُ: يَا

стр. 183

رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: (إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: (اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ) (١). وجه الدلالة من الحديث: في الحديث أمر صريح بوجوب ستر العورة على الإطلاق من غير تقييد؛ فيستوي الحكم في الظلمة وغيرها (٢). الدليل الثاني: الستر الذي يحصل بالظلمة لا عبرة به،؛ لأنه لا يسمى سترًا في العرف (٣). الدليل الثالث: ستر العورة إن كان في الصلاة فهو واجب لحقها، وإن كان بين الناس فهو واجب لحقهم، وكلاهما باقٍ في الظلمة وغيرها (٤).

стр. 184

المطلب الخامس: لا فرق في صلاة العاري بين الخلوة وغيرها. صورة المسألة: من صلى عرياناً، هل تستوي كيفية صلاته بين كونه في خلوة أو لا؟ جاء في الإنصاف: "فإن عدم بكل حال، صلى جالسا، يومئ إيماء، فإن صلى قائما، جاز … لا فرق بين الخلوة وغيرها" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: يظهر والله أعلم أن سبب الإلحاق وعدم التفريق بين الخلوة وغيرها هو: أن ستر العورة مقصد شرعي في نفسه، فلم يختلف حكمه في حال دون حال. حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في كيفية صلاة العريان وتأثير الخلوة وعدمها في ذلك، على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: يصلى العريان قائمًا أو قاعدًا (٢) - اختيارًا- يومئ بالركوع والسجود، وهو مذهب الحنفية (٣)، والحنابلة (٤)، ووجه عند الشافعية (٥).

стр. 185

القول الثاني: يصلى العريان قائمًا -وجوبًا- يركع ويسجد، لا فرق بين الخلوة وغيرها، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، وقول زفر من الحنفية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤). القول الثالث: يصلي العريان قاعدًا -وجوبًا- لا فرق بين الخلوة وغيرها، وهو وجه عند الشافعية (٥)، ورواية عن الإمام أحمد (٦). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- يصلى العريان قائمًا أو قاعدًا- اختيارًا- يومئ بالركوع والسجود - بما يلي: الدليل الأوّل: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم) (٧). وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث على أن المنهي عنه يجب تركه بكل حال، أما المأمور به فيجب في حال الاستطاعة؛ فإذا لم يمكن فعل فرائض الصلاة إلا بمحرم لم يجب فعلها، لذا لا يلزم العريان القيام؛

стр. 186

لأنه يفضي إلى كشف العورة؛ وعدم اللزوم لا ينفي الصحة، فلو صلى قائمًا صحت صلاته؛ لأن في القيام تكميلًا للأركان وهو مقصود في الجملة، ومتى لم يكن بدًا من الإخلال ببعض فروض الصلاة لم يتعين أحدها (١). الدليل الثاني: قاعدة: "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما" (٢) في القعود ستر للعورة، وفي القيام أداء الأركان، فجاز كلاهما إلا أن القعود أولى؛ لأن فيه ستر العورة المغلظة والإتيان بما يقوم مقام الأركان، وفي القيام إتيان بالأركان وترك الستر وما يقوم مقامه (٣). الدليل الثالث: العريان إذا صلى قاعدًا مومئًا بالركوع والسجود فقد أتى ببعض الركوع والسجود التامين؛ وستر معظم العورة المغلظة، ولم يفته سوى تكميل الأركان وتكميل الشرط المعجوز عنه؛ وهذا لا يخرج عن جنس الصلاة المشروعة (٤). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- يصلى العريان قائمًا -وجوبًا- يركع ويسجد، لا فرق بين الخلوة وغيرها - بما يلي: الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ (٥). الدليل الثاني: عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ (٦) ﵁ قال: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ) (٧).

стр. 187

وجه الدلالة من الآية والحديث: في النصوص أمر بالقيام في الصلاة وهو عام لم يفرق بين المستتر والعريان (١). نوقش من وجهين: أ. النصوص في وجوب القيام؛ ولا خلاف في وجوبه، ولكنه معارض بوجوب الستر في قوله ﵊: (غط فخذك) (٢) فيسقط وجوب القيام ترجيحًا لوجوب الستر (٣). ب. الحديث محمول على الحال التي لم يُترك فيها الساتر فهو فيها مستطيع للقيام، أما العريان فغير مستطيع حكمًا (٤). الدليل الثالث: القيام ركن من أركان الصلاة، فلا يسقط إلا عند العجز عنه، والعريان قادر على الإتيان به من غير ضرر؛ لذا يلزمه كما لو كان مستترًا (٥). نوقش: العريان لا يترك القيام للعجز عنه؛ بل ليحصل له الستر (٦). الدليل الرابع: العجز عن بعض أركان الصلاة لا يُسقط ما يُقدر عليه منها؛ كمن عجز عن القراءة لم يسقط عنه القيام، ومن عجز عن القيام لم تسقط عنه السترة، وعليه فمن عجز عن السترة لا يسقط عنه القيام (٧). نوقش: يسلم بأن العجز عن الستر لم يسقط القيام؛ ويجبان جميعًا، فيؤتى بأولاهما عند تعذر الجمع

стр. 188

بينهما (١). واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل -يصلي العريان قاعدًا -وجوبًا- لا فرق بين الخلوة وغيرها- بما يلي: الدليل الأوَّل: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-﵄ قَالَ: «الَّذِي يُصَلِّي فِي السَّفِينَةِ، وَالَّذِي يُصَلِّي عُرْيَانًا، يُصَلِّي جَالِسًا» (٢). وجه الدلالة من الحديث: الحديث نص في أن حق العريان الصلاة قاعدًا (٣). نوقش: هذا الأثر لم يثبت فلا يصح الاحتجاج به (٤). الدليل الثاني: عن ابن عمر-﵄-في قوم انكسرت بهم مراكبهم، فخرجوا عراة، قال: يصلون جلوسا، يومئون إيماء برءوسهم (٥). وجه الدلالة: أفتى ابن عمر بأن العريان يصلي قاعداً يومئ إيماء، ولم يوجد له مخالف من الصحابة، فكان كالإجماع (٦). يمكن أن يناقش: هذه حادثة عين؛ وثبوت الفتيا فيها بصلاتهم قعودًا لا ينفي إباحتها لهم قيامًا الدليل الثالث: القعود يحصل به الستر وهو آكد من القيام لوجهين (٧):

стр. 189

أ. أنه لا يسقط مع القدرة عليه بحال، أما القيام فيسقط في النوافل. ب. الستر لا يختص بالصلاة؛ فهو واجب فيها وفي غيرها، بخلاف القيام، وما كان مقصودًا في نفسه وللصلاة أولى مما يقصد للصلاة فقط. نوقش: القعود لا يحصل به الستر للعريان؛ لأن عورته ظاهرة وإنما خفيت بغمضها، وصار بذلك تاركًا للقيام والستر جميعًا (١). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: يصلى العريان قائمًا أو قاعدًا- اختيارًا- يومئ بالركوع والسجود، وذلك لوجاهة هذا القول وموافقته لأصول الشريعة وقواعدها، وقوة استدلال أصحابه وسلامتها من المعارض الراجح، وورود المناقشة على استدلال المخالفين مما أضعف الاحتجاج بها.

стр. 190

المطلب السادس: لا فرق في الصلاة في المقبرة بين القديمة والحديثة. صورة المسألة: إذا صلى شخص في مقبرة، فهل يؤثر كون المقبرة قديمة أو حديثة في حكم الصلاة؟ جاء في المغني: "إن صلى في المقبرة أو الحش أو الحمام أو في أعطان الإبل؛ أعاد … فلا فرق في المقبرة بين القديمة والحديثة … " (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: عموم أحاديث النهي عن الصلاة في المقبرة، ومنها: عن ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: فِي الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ الْكَعْبَة) (٢). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في وجود فرق بين المقبرة الحديثة والقديمة (٣)، وتأثير ذلك على صحة الصلاة، على خمسة أقوال: القول الأوّل:

стр. 191

لا تصح الصلاة في المقبرة – مطلقًا-، قديمة كانت أو حديثة، وهو مذهب الحنابلة (١)، وقول عند المالكية (٢). القول الثاني: تكره الصلاة في المقبرة، إلا أن يكون فيها موضع أعد للصلاة لا نجاسة فيه ولا قبر، وهو مذهب الحنفية (٣)، وقول للمالكية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥). القول الثالث: تصح الصلاة في المقبرة - مطلقًا -، قديمة كانت أو حديثة، وهو مذهب المالكية (٦)، ورواية عند الحنابلة (٧). القول الرابع: تكره الصلاة في المقبرة الحديثة، ولا تصح في القديمة، وهو قول القاضي عبد الوهاب (٨) المالكي (٩). القول الخامس:

стр. 192

لا تصح الصلاة في المقبرة (القديمة) التي نبشت، وتكره في (الحديثة) التي لم تنبش، وهو مذهب الشافعية (١). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل-لا تصح الصلاة في المقبرة - مطلقًا-، قديمة كانت أو حديثة -بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ) (٢). وجه الدلالة من الحديث: نص الحديث على إخراج المقبرة عن أن تكون مسجدًا، والصلاة لا تصلح إلا فيما جعل مسجدًا ومحلًا للسجود، وإذا وقع السجود في غير موضعه لم يعتد به، وعلى هذا لا تصح الصلاة في المقابر قديمها وحديثها (٣). الدليل الثاني: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: (لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا)، قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا (٤). الدليل الثالث: قال النبي ﷺ : (أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) (٥).

стр. 193

وجه الدلالة من الحديثين: في الأحاديث نهي عن الصلاة في المقبرة، وظاهره التحريم، وهو للتعبد يتناول كل ما يقع عليه اسم المقبرة، قديمة أو حديثة (١). الدليل الرابع: عن أبي مرثد الغنوي (٢)، قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا) (٣). وجه الدلالة من الحديث: قوله: (ولا تصلوا إليها)، فيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى القبر، لما فيه من التعظيم البالغ، وذلك يتناول الصلاة على القبر أو إليه أو بين قبرين (٤). الدليل الخامس: عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قال النَّبِيِّ ﷺ : (اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) (٥). وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث على أن القبور ليست محلًا للعبادة ولا موضعًا للصلاة، وعليه فلا تصح الصلاة في المقابر سواء أكانت قديمة أو حديثة (٦). نوقش ما سبق من استدلال:

стр. 194

هذه النصوص يعارضها قوله ﷺ جعلت لي الأرض مسجدا وطهوراَ، وقوله لأبي ذر حيثما أدركتك الصلاة فصل فقد جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وهي من فضائله ﵊، فتكون ناسخة لما عرضها من أحاديث النهي (١). أجيب بعدة أجوبة: ١ - حديث النهي خاص، وحديث الإباحة عام (٢)، والخاص يقدم على العام (٣). ٢ - قوله: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" بيان لكون جنس الأرض مسجدًا له، وذلك لا يمنع أن تعرض للأرض صفة تمنع السجود عليها، كأن تكون مقبرة، فهي محل للسجود لكن عرض لها ما يخرجها عن كونها مسجدًا (٤). ٣ - عموم أحاديث الإباحة قد خص منها الموضع النجس، وتخصيصها بالاستثناء والنهي الصريح أولى (٥). ٤ - المقصود من أحاديث الإباحة بيان اختصاص النبي ﷺ وأمته بالتوسعة عليهم في مواضع الصلاة دون من قبلهم من الأمم، وليس المقصود تفصيل الحكم (٦). كما يمكن أن يجاب: بأن أحاديث النهي عن الصلاة في المقابر مستفيضة ومتواترة (٧). الدليل السادس: الصلاة في المقبرة قد تتخذ ذريعة إلى عبادة القبور، أو إلى التشبه بمن يعبد القبور، لذا نهي عنها سدًا لذريعة الشرك (٨).

стр. 195

واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل-تكره الصلاة في المقبرة، إلا أن يكون فيها موضع أعد للصلاة لا نجاسة فيه ولا قبر-بما يلي: الدليل الأوّل: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: فِي الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ الْكَعْبَةِ) (١). وجه الدلالة من الحديث: في الحديث نهي على الصلاة في المقبرة، والنهي إذا لم يكن لمعنى في ذات الصلاة لا يمنع جوازها، لأن النبي ﷺ إنما نهى عن الصلاة في المقبرة لما في ذلك من التشبه باليهود، في قوله: (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا قبري بعدي مسجدًا) (٢)، وذلك عام في كل مقبرة (٣). نوقش: اتخاذ اليهود للقبور مساجد أخص من مجرد الصلاة فيها، والنهي عن الأخص لا يستلزم النهي عن الأعم (٤). الدليل الثاني: عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: " قُمْتُ يَوْمًا أُصَلِّي وَبَيْنَ يَدِيَّ قَبْرٌ لَا أَشْعُرُ بِهِ فَنَادَانِي عُمَرُ: الْقَبْرَ الْقَبْرَ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِي الْقَمَرَ، فَقَالَ لِي بَعْضُ مَنْ يَلِينِي: إِنَّمَا يَعْنِي الْقَبْرَ فَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ" (٥).

стр. 196

وجه الدلالة من الحديث: لم يأمر عمر ﵁ المصلي بإعادة الصلاة بعد ما بين له وجود القبر، مما يدل على جوازها، وفي الإرشاد دليل على الكراهة (١). يمكن أن يناقش: ليس في الحديث ما يدل على الكراهة، فلعل بيان عمر بوجود القبر كان لأجل ألا يجعله المصلي بين يديه، وليس لأجل الصلاة في المقبرة، بدليل قول المصلي فتنحيت. الدليل الثالث: المقابر مظنة لوجود النجاسة، والنهي عن الصلاة فيها إنما كان تجنبًا للنجاسات وفي هذا دليل على جواز الصلاة في المقابر عند تحقق الطهارة، وكراهتها مع مظنة وجود النجاسة (٢). نوقش: احتمال وجود النجاسة لا يوجب كراهة الصلاة في المقبرة، لأن الأرض تطهر بما يصيبها من الريح والشمس والاستحالة (٣). واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل-تصح الصلاة في المقبرة - مطلقًا -، قديمة كانت أو حديثة-بما يلي: الدليل الأوّل: عن جَابِرُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) (٤). وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث على أن كل موضع متى ما كان طاهرًا. صحت فيه الصلاة، ولفظ الأرض يفيد

стр. 197

العموم (١)، فيكون شاملًا للمقبرة قديمة كانت أو حديثة (٢). يمكن أن يناقش: تحمل أحاديث الإباحة على الجواز، وأحاديث النهي على الكراهة، جمعًا بين الأدلة (٣). الدليل الثاني: "عن أبي هريرة ﵁، أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد - أو شابًّا - ففقدها رسول الله ﷺ ، فسأل عنها - أو عنه - فقالوا: مات، قال: (أفلا كنتم آذنتموني) قال: فكأنهم صغروا أمرها - أو أمره - فقال: (دلوني على قبره) فدلوه، فصلى عليها … " (٤). وجه الدلالة من الحديث: دل فعل النبي ﷺ وهو: صلاته في المقبرة على صحة الصلاة فيها (٥). نوقش: صلاته إنما كانت على جنازة وهي مشروعة في المقابر (٦). واستدلَّ أصحاب القول الرابع القائل-تكره الصلاة في المقبرة الحديثة، ولا تصح في القديمة-بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا) (٧). وجه الدلالة من الحديث:

стр. 198

دل النهي الوارد في الحديث على كراهة الصلاة في المقبرة إذا كانت جديدة وطاهرة (١). يمكن أن يناقش من وجهين: أ. النهي يقتضي التحريم والتحريم يقتضي الفساد (٢). ب. ليس في الحديث ما يدل على قدم المقبرة أو حداثتها، واللفظ عام، يشمل كل مقبرة قديمة كانت أو حديثة. الدليل الثاني: المقبرة القديمة مظنة لوجود عظام الموتى ومخالطتها التراب، فتمنع الصلاة فيها، وذلك مأمون في المقبرة الجديدة (٣). نوقش: هذا ضعيف، لأن إطلاق النهي عن الصلاة في المقابر يدل على أن علته مظنة الشرك ومشابهة المشركين (٤). واستدلَّ أصحاب القول الخامس القائل-لا تصح الصلاة في المقبرة (القديمة) التي نبشت، وتكره في (الحديثة) التي لم تنبش-بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ) (٥).

стр. 199

وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث على عدم صحة الصلاة في المقابر، ويحمل على المنبوشة منها، لأنها قد اختلطت بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم، وأما المقبرة التي لم تحرك فترابها طاهر لم يختلط بشيء (١). نوقش من وجهين: أ. تعليل النهي عن الصلاة في المقابر بنجاسة التراب فيه نظر، فإن مسجد رسول الله ﷺ كان مقبرة للمشركين، فأمر بالقبور فنبشت، فهذه مقبرة منبوشة جعلت مسجدًا مع بقاء ترابها، ولو كان نجسًا لأمر بنقله من المسجد، فيتبين أن الحكم معلق بظهور القبور وليس بالنجاسة (٢). ب. نبش القبور الأصل عدمه (٣). الدليل الثاني: عن أَبي ذَرٍّ ﵁ قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى) قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ عَامًا، ثُمَّ الْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ، فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ) (٤). وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث على إباحة الصلاة في كل موضع من الأرض حتى المقبرة، وهو محمول على

стр. 200

الجديدة التي لم تنبش، لأنها مدفن للنجاسات، وأجزاء الأرض التي يباشرها المصلي طاهرة وتحول بينه وبين النجاسات، لذا تصح الصلاة فيها وتكره للنهي (١). يمكن أن يناقش: بما نوقش به الاستدلال الأوّل. الدليل الثالث: أن للموتى حرمة، فلأجل تلك الحرمة تكره الصلاة في المقبرة الحديثة التي لم تنبش (٢). يمكن أن يناقش: هذا الاستدلال لا دليل عليه، وما دلت عليه الأدلة هو أن علة النهي هي سد ذريعة الشرك. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: لا تصح الصلاة في المقبرة – مطلقًا-، قديمة كانت أو حديثة، وذلك لقوة أدلة هذا القول والرد على الاعتراضات الواردة عليها، ولأن المناقشة الواردة على أدلة المخالفين قد أضعفت الاحتجاج بها.

стр. 201

المطلب السابع: لا فرق في الصلاة في الحمام بين مكان الغسل وصب الماء. صورة المسألة: إذا صلى شخص في حمام، فهل يتعلق حكم صلاته بأماكن من ذلك الحمام، أم أن جميع ما يغلق عليه باب الحمام ويتناوله الاسم سواء في الحكم؟ جاء في المغني: "وكذلك إن صلى في المقبرة، أو الحش، أو الحمام (١)، أو في أعطان الإبل؛ أعاد … فلا فرق في المقبرة بين القديمة والحديثة … ولا فرق في الحمام بين مكان الغسل وصب الماء" (٢). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: إطلاق النهي في النصوص الواردة في الصلاة في الحمام، كحديث ابن عمر ﵁ الذي قال فيه: (نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة في سبعة مواطن؛ في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق والحمام ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله) (٣). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في حكم الصلاة في الحمام على ثلاثة أقوال:

стр. 202

القول الأوّل: لا تصح الصلاة في الحمام - مطلقًا -، وهو مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: تصح الصلاة في الحمام إذا تُيقن من طهارته، وهو مذهب المالكية (٢)، وقول للحنفية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤). القول الثالث: تكره الصلاة في الحمام إلا موضع خلع الملابس، وجلوس الحمامي (٥)، وهو مذهب الحنفية (٦)، والشافعية (٧)، وقول عند المالكية (٨). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل-لا تصح الصلاة في الحمام مطلقًا -بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ-﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ) (٩).

стр. 203

وجه الدلالة من الحديث: نص الحديث على إخراج الحمام عن أن يكون مسجدًا -والاسم يتناول كل ما يدخل في المسمى- والصلاة لا تصلح إلا فيما جعل مسجدًا ومحلًا للسجود، وإذا وقع السجود في غير موضعه لم يعتد به، وعليه فلا تصح الصلاة في الحمام مطلقًا (١). يمكن أن يناقش من وجهين: أ. محمل النهي عن الصلاة في الحمام على الكراهة (٢). يمكن أن يجاب: الأصل أن النهي يقتضي التحريم والتحريم يقتضي الفساد، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل (٣). ب. محل المنع في الحديث هو الحمام المتنجس (٤). يمكن أن يجاب: إطلاق النهي في الحديث يدل على المنع من الصلاة في كل حمام، والتقييد تحكم بلا دليل. الدليل الثاني: الحمام موضع الأوساخ والبول، فهو مظنة للنجاسات، لذا تمنع الصلاة فيه وإن كان طاهرًا، لتعلق الحكم بمظنة النجاسة دون حقيقتها (٥). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل-تصح الصلاة في الحمام إذا تيقن من طهارته-بما يلي: الدليل الأوّل: عن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ

стр. 204

مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) (١). وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث على أن كل موضع متى ما كان طاهرًا. صحت فيه الصلاة، ولفظ الأرض يفيد العموم (٢)، وهو شامل للحمام إن توفر فيه شرط الطهارة (٣). يمكن أن يناقش: هذا العموم مخصص بقوله ﵊: (إلا المقبرة والحمام) (٤)، فيقدم حكم الخاص على العام (٥). الدليل الثاني: عَنِ ابْنِ عُمَرَ-﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ (٦). وجه الدلالة من الحديث: في الحديث نهي عن الصلاة في الحمام، ومعنى النهي عن ذلك هو اتقاء نجاسته لأنه موضع يتخذ للاغتسال من النجاسة وغيرها فيحمل داخل الحمام على النجاسة حتى يتيقن من طهارته، وخارجه حيث يخلع الناس ثيابهم على الطهارة حتى يوقن فيه بالنجاسة (٧).

стр. 205

يمكن أن يناقش: الأصل أن النهي يقتضي التحريم والتحريم يقتضي الفساد، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل (١). واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل-تكره الصلاة في الحمام، إلا موضع خلع الملابس، وجلوس الحمامي-بما يلي: الدليل الأوّل: عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (٢) قال: عَرَّسَ (٣) رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً، بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ. فَرَقَدَ بِلَالٌ، وَرَقَدُوا. حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ. فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ، وَقَدْ فَزِعُوا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذلِكَ الْوَادِي. وَقَالَ: (إِنَّ هذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) (٤). وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث على أن كل موضع علم وجود الشيطان فيه يستحب الخروج عنه وإقامة الصلاة في غيره (٥)، والحمام مأوى الشياطين فتصح الصلاة فيه وتكره، لأن المنع لا يعود على الصلاة (٦)، وأما موضع خلع الملابس وجلوس الحمامي فينتفي حكم الكراهة فيهما؛ لعدم تحقق المعنى الموجب لها (٧).

стр. 206

يمكن أن يناقش: المواضع التي هي مأوى الشياطين يتحول عنها وجوبًا، لأنها سبب مانع من صحة العبادة وصلاحها، وهي تعكس على المصلي مقصوده من العبادة (١). الدليل الثاني: الحمام مصب الغسالات والنجاسات عادة، ولا يخلو من رشاش، لذا تكره الصلاة فيه بخلاف موضع جلوس الحمامي (٢). يمكن أن يناقش: إذا كان الحمام مظنة للنجاسات فإن الحكم يتعلق بالمظنة دون الحقيقة، وذلك ثابت في الشرع، كنقض الطهارة بالنوم، ووجوب الغسل بالتقاء الختانين (٣). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: لا تصح الصلاة في الحمام - مطلقًا -، وذلك لقوة أدلة هذا القول والرد على المناقشات الواردة عليها، وضعف أدلة المخالفين.

стр. 207

المطلب الثامن: لا فرق في الصلاة في المجزرة والمزبلة، بين ما كان منها طاهرًا ونجسًا، ولا بين كون الطريق فيها سالكًا أو لم يكن. صورة المسألة: إذا صلى شخص في مجزرة أو مزبلة، فهل يتعلق حكم صلاته بذات الموضع؟ أو أن الحكم متعلق بوجود النجاسة فيهما؟ جاء في المغني: "والمجزرة: الموضع الذي يذبح القصابون فيه البهائم، وشبههم معروفا بذلك معدا. والمزبلة: الموضع الذي يجمع فيه الزبل. ولا فرق في هذه المواضع بين ما كان منها طاهرًا ونجسًا" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: إطلاق لفظ المجزرة والمزبلة في ما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: فِي الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ الْكَعْبَةِ) (٢). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في حكم الصلاة في المجزرة والمزبلة على قولين: القول الأوّل: تصح الصلاة في المجزرة والمزبلة (٣)، إن تحققت طهارتهما، وهو مذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥)،

стр. 208

والشافعية (١)، وقول للحنابلة (٢). القول الثاني: لا تصح الصلاة في المجزرة والمزبلة - مطلقًا -، وهو مذهب الحنابلة (٣). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل-تصح الصلاة في المجزرة والمزبلة إن تحققت طهارتهما-بما يلي: الدليل الأوّل: عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ-﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) (٤). وجه الدلالة من الحديث: دل عموم الحديث على صحة الصلاة في المجزرة والمزبلة، لأن لفظ الأرض يشملهما وذلك إن تحققت طهارتهما، عملًا بالوصف الوارد في الحديث (٥). الدليل الثاني: عن ابْنِ عُمَرَ-﵄ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: فِي الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ الْكَعْبَةِ) (٦). وجه الدلالة من الحديث:

стр. 209

في الحديث نهي عن الصلاة في المجزرة والمزبلة، وعلته وجود النجاسة (١)، فإن تحققت طهارتهما صحت الصلاة فيهما، لأن وجه المنع هو انعدام شرط الطهارة، وعند تحقق الشرط ينتفي المنع (٢). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل-لا تصح الصلاة في المجزرة والمزبلة مطلقًا -بما يلي: الدليل الأوّل: عن بْنِ عُمَرَ-﵄ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: فِي الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ الْكَعْبَةِ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: النهي في الحديث ظاهره التحريم، وهو للتعبد، يتناول موضع الذي يقع عليه اسم المجزرة والمزبلة مطلقًا (٤). نوقش: حديث "جعلت لي الأرض مسجدًا" متفق على صحته، وقد استثني منه المقبرة والحمام ومعاطن الإبل بأحاديث صحيحة، فيبقى ما عداها على العموم، وأما حديث ابن عمر يرويه العمري (٥)، وزيد بن جبيرة (٦) وقد تكلم فيهما من قبل حفظهما، فلا يترك الحديث الصحيح بحديثهما" (٧).

стр. 210

الدليل الثاني: المجزرة مظنة للنجاسة، والمزبلة موضع أعد لإلقاء الزبائل النجسة والطاهرة، والنهي يتناول الموضع لأنه مأوى الشياطين، وخلوه من النجاسات في بعض الأوقات لا يمنعه أن يكون معدًا لها، وإذا كان معدًا لها تناوله النهي لفظًا ومعنى (١). يمكن أن يناقش: بما نوقش به الاستدلال الأوّل. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: تصح الصلاة في المجزرة والمزبلة إذا تحققت طهارتهما، وذلك لوجاهة هذا القول وقوة استدلال أصحابه وسلامتها من المعارض الراجح، وورود المناقشة المضعفة لاستدلال المخالف.

стр. 211

المطلب التاسع: لا فرق في الصلاة في الأرض المغصوبة بين غصبه لرقبة الأرض وغصبه منافعها. صورة المسألة: إذا صلى شخص في أرض مغصوبة، فهل يؤثر الغصب على صحة صلاته؟ وهل يؤثر كون الغصب وقع على الرقبة أو المنفعة في الحكم أم لا؟ جاء في المغني: "وفي الصلاة في الموضع المغصوب روايتان … إذا ثبت هذا فلا فرق بين غصبه لرقبة الأرض بأخذها، أو دعواه ملكيتها، وبين غصبه منافعها" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: تأثير الغصب في حكم الصلاة متحقق في كل من مغصوب العينة، أو المنفعة (٢). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على تحريم الصلاة في الموضع المغصوب (٣). ٢ - واختلفوا في حكم صحتها فيه على قولين: القول الأوّل: تصح الصلاة في الأرض المغصوبة - مطلقًا -، لا فرق بين مغصوبة المنفعة أو الرقبة (٤)، وهو مذهب الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، ورواية عند الحنابلة (٨).

стр. 212

القول الثاني: لا تصح الصلاة في الأرض المغصوبة - مطلقًا -، لا فرق بين مغصوبة المنفعة أو الرقبة، وهو مذهب الحنابلة (١)، وقول للحنفية (٢)، ووجه عند الشافعية (٣). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل-تصح الصلاة في الأرض المغصوبة، - مطلقًا - لا فرق بين مغصوبة المنفعة أو الرقبة- بما يلي: الدليل الأوّل: الصلاة في الأرض المغصوبة صلاة تامة مستوفية للأركان والشروط والقيام والركوع والسجود، وقد اقترن بها فعل الغصب، فيتعلق النهي بالصلاة من جهة اللفظ وبالفعل من جهة المعنى، ومتى كان النهي في غير ذات العبادة لم يمنع من صحتها (٤). الدليل الثاني: المحل المغصوب ليس بسبب يمنع من أداء الواجب، ولا وصف يؤثر في صحة الصلاة أو فسادها (٥). الدليل الثالث: الصلاة في الموضع المغصوب صحيحة؛ لاختصاص المنع بالاستيلاء على حق الغير، وذلك يمنع منه المصلي وغيره (٦). الدليل الرابع: الأرض المغصوبة أرض طاهرة، وحق المالك فيها لا يمنع من صحة الصلاة فيها (٧). الدليل الخامس: لم ينقل عن أحد من السلف أمرهم الظلمة بإعادة ما صلوه في المواضع

стр. 213

المغصوبة، ولو لم تصح صلاتهم لأمروهم بذلك (١). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل-لا تصح الصلاة في الأرض المغصوبة - مطلقًا - لا فرق بين مغصوبة المنفعة أو الرقبة-بما يلي: الدليل الأوّل: الغاصب قد عصى اللهَ بغصبه، وحركاته في الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود اختيارية واقعة في مكان محرم، والمعصية يستحيل أن تكون طاعة؛ فيحكم ببطلانها (٢). نوقش: الاستحالة إنما تتحقق عندما يكون العبد متقرب بالوجه الذي هو عاص به، وأما الصلاة في الموضع المغصوب فمتعلق الأمر والنهي فيها متغايران، فهما كاختلاف المحلين، واجتماعهما إنما كان باختيار المكلف، فلا تلازم بينهما، وعليه فلا تناقض واستحالة والصلاة صحيحة (٣). الدليل الثاني: قاعدة "درء المفاسد أولى من جلب المصالح" (٤) تصحيح الصلاة في الموضع المغصوب يؤدي لكثرة الغصب، لأن العبادات ما دامت تصح مع الغصب فإن القول بذلك يفضي لانتشار الظلم، ودفعًا لهذه المفسدة يحكم بعدم صحة. الصلاة (٥). يمكن أن يناقش: جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) (٦). ١ - تحريم الشارع للغصب والإنكار الشديد والتهديد العظيم منه للغاصبين والظلمة؛ فيه كفاية

стр. 214

للحد من انتشار الظلم (١). ٢ - إيقاع العقوبة على المكلف بصحة عبادته من عدمها لا يملكها مكلف مثله و إنما هو شرع من عند الله. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: تصح الصلاة في الموضع المغصوب - مطلقًا - لا فرق بين مغصوبة المنفعة أو الرقبة، وذلك لوجاهة ما علل به أصحاب هذا القول وسلامتها من المعارض، وضعف تعليلات المخالفين ورود المناقشة عليها.

стр. 215

المطلب العاشر: لا فرق بين قليل النجاسة وكثيرها في عدم صحة الصلاة معها. صورة المسألة: إذا وقعت في الثوب نجاسة، فهل هناك فرق في أن تكون النجاسة قليلة أو كثيرة في الحكم على صحة الصلاة؟ جاء في المغني: "وإن صلى وفي ثوبه نجاسة، وإن قلت، أعاد وقد ذكرنا أن الطهارة من النجاسة شرط لصحة الصلاة، ولا فرق بين كثيرها وقليلها" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: عموم الأدلة الواردة في الأمر باجتناب النجاسة، لم تفرق بن قليل النجاسة وكثيرها (٢). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على أن طهارة الثوب من شروط الصلاة (٣). ٢ - واتفقوا على أن أثر محل الاستجمار معفو عنه (٤). ٣ - واتفقوا على أن يسير الدم في الثوب معفو عنه (٥).
следующие страницы →