← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1108

المسائل التي قيل فيها لا فرق عند الحنابلة في العبادات

عهود بنت عيسى بعيطي

Полный текст (527 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الدليل الرابع: سجود السهو شرع لجبران الصلاة؛ فوجب أن يكون محله فيها وذلك يقتضي فعله قبل السلام (١). نوقش من وجهين: أ. قد يستقيم هذا الاستدلال إذا كان سبب السجود النقص في الصلاة، أما إذا كان سببه الزيادة فيها؛ فلو قُدر أن محله قبل السلام لاقتضى ذلك زيادتين في الصلاة وهذا لا يجوز (٢). ب. لا يسلم بأن جبر الشيء لا يكون إلا فيه ولا يصح خارجه، فإن هدي الحج والصيام جبر لما نقص في الحج وهما يؤديان بعد الخروج عنه (٣). واستدلَّ أصحاب القول الرابع القائل- محل سجود السهو إن كان لنقص فهو قبل السلام، وإن كان لزيادة فهو بعد السلام-بما يلي: الدليل الأوّل: عن عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ ﵁ (أَنَّه ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظَّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ) (٤). الدليل الثاني: عن أبي هريرة –﵁ قال: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللهِ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ) فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ، يَا رَسُولَ اللهِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: (أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟)

стр. 282

فَقَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ (فَأَتَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، بَعْدَ التَّسْلِيمِ) (١). الدليل الثالث: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن مسعود ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: (وَمَا ذَاكَ؟)، قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ" (٢). وجه الدلالة من الأحاديث: سجد رسول الله ﷺ في حديث ذي اليدين بعد السلام، وكان سببه الزيادة، وسجد في حديث ابن بحينة لتركه التشهد الأول قبل السلام وكان سببه النقصان فدل ذلك على اختلاف محل سجود السهو باختلاف سببه (٣). نوقش: روي عن رسول الله ﷺ سجوده للسهو قبل السلام وروي بعد السلام، وكان آخر الأمرين سجوده قبل السلام، فيعد نسخًا والأخذ به أولى (٤). أجيب: لا يسلم بدعوى النسخ وقد سبق ذكر وجه ذلك في أدلة القول الأول. الدليل الرابع: السجود للنقص يكون جبرًا للمتروك؛ فوجب أن يكون قبل السلام لأنه من تمام الصلاة، أما السجود للزيادة إنما هو ترغيم للشيطان فوجب أن يتأخر عنها لألا تحتمل الصلاة زيادتين (٥). نوقش من وجهين:

стр. 283

أ. السجود للزيادة يعد جبرًا لما وقع من الخلل، فهو وإن كان زيادة فهو نقص في المعنى، وأما ترغيم الشيطان يكون بالسجود في حال الشك (١). ب. لو قدر أن المصلي سها بنقص وزيادة معًا، لأجزأه سجود واحد وكان جابرًا للجميع (٢). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة-والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: محل سجود السهو قبل السلام إلا في موضعين، وذلك لوجاهة هذا القول وسلامة استدلاله من المعارض الراجح، وفيه ترجيح وجمع بين الأدلة (٣)، وإعمال لجميعها؛ وهو أولى من إهمالها.

стр. 284

المطلب الثاني: لا فرق في بطلان الصلاة بكثير الحركة دون يسيرها بين عمدها وسهوها. صورة المسألة: إذا فعل المصلي فعلًا من غير أفعال الصلاة كالمشي ونحوه، وكان كثيرًا، فهل تبطل صلاته بذلك الفعل، وهل يؤثر في الحكم كونه فعله عامدًا أو ساهيًا؟ جاء في المغني: "الزيادات في الصلاة على ضربين زيادة أفعال وزيادة أقوال … والثاني، من غير جنس الصلاة، كالمشي والحك والتروح، فهذا تبطل الصلاة بكثيره، ويعفى عن يسيره، ولا يسجد له، ولا فرق بين عمده وسهوه" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: الفاعل للفعل الكثير من غير جنس الصلاة؛ لا يعد مصليًا في نظر الناظر إليه، ولا تأثير للعمد والسهو في ذلك؛ فاستوى حكمهما (٢). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على أن الفعل اليسير من غير جنس الصلاة؛ لا يبطلها مطلقًا (٣). ٢ - واتفقوا على أن الفعل الكثير من غير جنس الصلاة-عمدًا- يبطلها (٤).

стр. 285

٣ - واختلفوا في بطلان الصلاة بالفعل الكثير من غير جنسها سهوًا على قولين: القول الأوّل: تبطل الصلاة بالفعل الكثير (١) -من غير جنسها- سهوًا، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥) القول الثاني: لا تبطل الصلاة بالفعل الكثير -من غير جنسها- سهوًا، وهو رواية عند الحنابلة (٦). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- تبطل الصلاة بالفعل الكثير -من غير جنسها- سهوًا-بما يلي: الدليل الأوّل: العمل الكثير في الصلاة لا تدعو إليه الحاجة، لذا تبطل به، لأن الصلاة حالة مذكرة وليست حالة نسيان (٧). الدليل الثاني: العمل الكثير في الصلاة من غير جنسها يقطع نظمها والتوالي فيها، ويذهب

стр. 286

خشوعها، وذلك يشابه قطعها حقيقة (١). الدليل الثالث: الفعل الكثير في الصلاة من غير جنسها يعد منافيًا لها ومخرجًا عن وصفها، وذلك متحقق في السهو والعمد (٢). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- لا تبطل الصلاة بالفعل الكثير -من غير جنسها- سهوًا-بـ: عن أبي هريرة –﵁-قال: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللهِ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ) فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ، يَا رَسُولَ اللهِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: (أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟) فَقَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ (فَأَتَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، بَعْدَ التَّسْلِيمِ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: النبي ﷺ مشى وتكلم، ودخل منزله، وكل ذلك يعد فعلًا كثيرًا من غير جنس الصلاة؛ ومع ذلك بنى على صلاته (٤). يمكن أن يناقش:: لم يكن عمله ذلك حال تلبسه بالصلاة، ولم يكن داخلًا فيها. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة-والله أعلم- هو القول الأوّل القائل:

стр. 287

تبطل الصلاة بالفعل الكثير-من غير جنسها- سهوًا، وذلك لقوة هذا القول وسلامة استدلاله من الاعتراض، وضعف القول المخالف لورود المناقشة على استدلاله.

стр. 288

المطلب الثالث: لا فرق في سجود السهو بين الفرض والنافلة. صورة المسألة: إذا صلى شخص صلاة تطوع، وسهى في أثنائها؛ فهل يشرع له السجود لذلك السهو؟ جاء في الشرح: "لا فرق بين النافلة، والفرض في سجود السهو، أنه يشرع فيهما" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: ١ - عموم النصوص الواردة في مشروعية سجود السهو لم تفرق بين فرض ونفل (٢). ٢ - اسم الصلاة يعد من قبيل المشترك المعنوي؛ وذلك يقتضي دخول كلٍ من الفريضة والنافلة في معناه؛ لأن الاسم يتناولهما جميعًا (٣). ٣ - أسباب السهو توجد في النافلة كما توجد في الفريضة (٤). حكم المسألة: اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على مشروعية سجود السهو في الفريضة والنافلة (٥)،

стр. 289

واستدلوا بما يلي: الدليل الأوّل: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّم … ) (١). الدليل الثاني: عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قَالَ: (إِذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ) (٢). وجه الدلالة من الأحاديث: أمر النبي – ﷺ في الأحاديث بالسجود للسهو أمرًا عامًا، ولم يفرق بين نافلة وفرض (٣). الدليل الثالث: قال سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ: «سَجْدَتَا السَّهْوِ فِي النَّوَافِلِ كَسَجْدَتَيِ السَّهْوِ فِي الْمَكْتُوبَةِ» (٤). الدليل الرابع: صلاة النافلة في معنى الفريضة؛ فهي صلاة ذات ركوع وسجود فيشرع السجود لسهوها (٥). الدليل الخامس: الفريضة والنافلة تستويان في حكم النقصان؛ فلزم استواؤهما في الجبران (٦).

стр. 290

المطلب الرابع: لا فرق في التطوع في أوقات النهي بين مكة وغيرها. صورة المسألة: إذا أراد شخص أن يتطوع في أوقات النهي في مكة المكرمة، فهل يجوز له ذلك؟ جاء في المغني: "ولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: عموم النصوص الواردة في المنع من التطوع في أوقات النهي (٢). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على تحريم التطوع المطلق في أوقات النهي في غير مكة المكرمة (٣). ٢ - واختلفوا في حكمه بمكة على قولين: القول الأوّل: لا يجوز التطوع في أوقات النهي بمكة المكرمة، وهو مذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والحنابلة (٦).

стр. 291

القول الثاني: يجوز التطوع في أوقات النهي بمكة المكرمة، وهو مذهب الشافعية (١)، ورواية عند الحنابلة (٢). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- لا يجوز التطوع في أوقات النهي بمكة المكرمة-بما يلي: الدليل الأوّل: عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ-﵁-قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» (٣). الدليل الثاني: عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ (٤)، يَقُولُ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: (حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ (٥) الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ) (٦). وجه الدلالة من الحديثين: النهي في الأخبار ورد عامًا؛ لم يفرق بين مكة وغيرها، فوجب أن يشمل الحكم جميع

стр. 292

البلدان (١). الدليل الثالث: المنع من التطوع في أوقات النهي إنما كان لمعنى مقارنة الشمس قرن الشيطان، وهو يعم سائر الأمكنة، ولذلك نظائر في الشرع: كالمنع من صوم يوم العيد؛ فهو يعم الأمكنة كلها (٢). واستدلَّ أصحاب القول الثاني: القائل- يجوز التطوع في أوقات النهي بمكة المكرمة-بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ أَبِي ذَرٍّ-﵁-أَنَّهُ أَخَذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، إِلَّا بِمَكَّةَ، إِلَّا بِمَكَّةَ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: نص الحديث على استثناء مكة من عموم النهي، وذلك يقتضي إباحة الصلاة فيها في جميع الأوقات؛ لتفضيل الله لها وتخصيصها بالحراسة من أن يتخطفها شيطان (٤). نوقش من أوجه: أ. الحديث ضعيف، فلا يصح الاحتجاج به (٥). ب. لا يستقيم تعليق الحكم في مكة بالشرف والفضيلة، فهذا المعنى لا ينتهض لتخصيص عموم النصوص؛ لأن المنع من الصلاة في أوقات النهي يقتضي تعلق مفسدة بالفعل،

стр. 293

ومعنى الفضيلة يقتضي تعلق مصلحة به، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما؛ ولا علم بالمقادير في ذلك فيرجع للنصوص الصحيحة (١). ت. يحتمل أن قوله: إلا بمكة، أريد به نفي إباحة التطوع فيها والمعنى: ولا بمكة، كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (٢)؛ أي: ولا خطأ (٣). يمكن أن يجاب: لا يصح أن تكون (إلا) بمعنى الواو؛ لأن ذلك لم يعرف في كلام العرب، ولا يستقيم المعنى به؛ لأن الخطأ لا يُحظر (٤). الدليل الثاني: عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ (٥) ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا، فَلا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) (٦). وجه الدلالة من الحديث: دل عموم الحديث على إباحة الصلاة بمكة في جميع الأوقات، وهو تخصيص لعموم المنع من الصلاة في أوقات النهي (٧). نوقش من أوجه:

стр. 294

أ. الحديث يفيد الإباحة، والأحاديث الأخرى تفيد الحظر؛ فتُقدم عليه (١)، والقاعدة "إذا اجتمع مبيح وحاظر غلب جانب الحظر" (٢). ب. لا يحمل الحديث على عموم المشيئة، وإنما المراد منه توجيه ولاة الأمر في المسجد الحرام؛ ألا يمنعوا أحدًا من الصلاة فيه أي ساعة شاء (٣). ت. يحتمل أن المقصود بالصلاة في الحديث هي ركعتي الطواف؛ وإنما جازت لأنها تابعة له (٤). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة-والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: لا يجوز التطوع في أوقات النهي بمكة المكرمة، وذلك لقوة هذا القول وموافقته لقواعد الشريعة، وسلامة استدلاله من المعارض الراجح، وورود المناقشة على استدلال المخالف أضعف الاحتجاج بها.

стр. 295

المطلب الخامس: لا فرق في وقت الزوال بين الجمعة وغيرها، ولا بين الشتاء والصيف. صورة المسألة: إذا أراد شخص التطوع بالصلاة وقت زوال الشمس؛ فهل يؤثر كون ذلك اليوم جمعة أو غيرها. جاء في المغني: "ولا فرق في وقت الزوال بين الجمعة وغيرها، ولا بين الشتاء والصيف" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: كل وقت يُنهى فيه عن عبادة أو يؤمر بها؛ لا يختلف الحال فيه باختلاف الأيام مع استواء الوقت في جميعها (٢). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في حكم التطوع وقت زوال الشمس يوم الجمعة، على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: جواز صلاة التطوع وقت زوال الشمس يوم الجمعة، وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، وقول أبي يوسف من الحنفية (٥)، واختيار ابن تيمية (٦).

стр. 296

القول الثاني: عدم جواز صلاة التطوع وقت زوال الشمس - مطلقًا -، وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، وقول للمالكية (٣). القول الثالث: يجوز التطوع بالصلاة وقت الزوال-يوم الجمعة-في الشتاء دون الصيف، وهو قول عطاء (٤)، وقتادة (٥). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- جواز صلاة التطوع وقت زوال الشمس يوم الجمعة-بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ (٦)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: (إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) (٧).

стр. 297

وجه الدلالة من الحديث: رويت أخبار في عموم النهي عن التطوع وقت الزوال، ورويت أخبار في عموم الإباحة، وهذا الخبر يفيد التفصيل: ومقتضاه استثناء يوم الجمعة من عموم النهي (١). نوقش: الحديث منقطع الإسناد، فلا يعارض المسند المتصل (٢). يمكن أن يجاب: ثبت عن النَّبِيُّ ﷺ أنه قال: (ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ) (٣)، ومعناه يفيد جواز التنفل يوم الجمعة قبل الصلاة مطلقًا (٤). الدليل الثاني: «أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُصَلُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ، فَإِذَا خَرَجَ عُمَرُ، وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ .. فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ، وَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ، أَنْصَتْنَا، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مِنَّا أَحَدٌ» (٥). وجه الدلالة: فيه تصريح باستمرارهم في الصلاة إلى خروج الإمام؛ ومعلوم أن خروج عمر كان بعد زوال الشمس (٦). الدليل الثالث: يشق على الناس مع كثرتهم يوم الجمعة انتظار زوال الشمس، وقد يغلبهم النوم فأبيحت لهم الصلاة ليشتغلوا بها وتطرد عنهم النوم (٧). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- عدم جواز صلاة التطوع وقت زوال الشمس

стр. 298

مطلقًا-بما يلي: الدليل الأوّل: عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، يَقُولُ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: (حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ (١) الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ) (٢). وجه الدلالة من الحديث: عموم النهي في الحديث -عن الصلاة عند زوال الشمس- يعم جميع الأيام؛ فيشمل الجمعة وغيرها (٣). يمكن أن يناقش: رغب النبي ﷺ الناس في التبكير للجمعة وندبهم إلى الصلاة قبلها إلى خروج الإمام؛ من غير تخصيص ولا استثناء (٤). الدليل الثاني: عن عَمْرو بْنِ الْعَاصِ (٥) ﵁ قال: "كُنْتُ أَرَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَامُوا فَصَلُّوا أَرْبَعًا" (٦).

стр. 299

وقال ابن مسعود: كنا ننهى عن ذلك (١) يعني الصلاة يوم الجمعة وقت الزوال. يمكن أن يناقش: هذه الآثار تعارضها آثار دلت على الجواز وقد سبق ذكرها في أدلة القول الأول. ولم أقف – فيما اطلعت عليه - على أدلة للقول الثالث. ويمكن أن يجاب عن هذا القول: أن التفريق بين الشتاء والصيف وتخصيص أحدهما بالمنع تخصيص من غير دليل. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة-والله أعلم- القول الأوّل القائل: جواز صلاة التطوع وقت زوال الشمس يوم الجمعة، وذلك لوجاهة هذا القول وصحة أدلته، والرد على الاعتراضات الواردة على استدلاله، وأقوال المخالفين بعضها ضعيف الاستدلال وبعضها لا دليل عليه.

стр. 300

المطلب السادس: لا فرق في حصول العلم بسماع التكبير بين أن يكون المأموم في المسجد أو في غيره. صورة المسألة: إذا اتم مؤتم بإمام يسمع تكبيره، وكان المأموم خارج المسجد واتصلت صفوف المصلين، فهل يصح الائتمام أو لا؟ جاء في المغني: "ويأتم بالإمام من في أعلى المسجد وغير المسجد، إذا اتصلت الصفوف … والعلم يحصل بسماع التكبير، فجرى مجرى الرؤية، ولا فرق بين أن يكون المأموم في المسجد أو في غيره" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: استواء معنى الاقتداء حال اتصال صفوف المصلين، داخل المسجد وخارجه وتحققه فيهما (٢). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على صحة ائتمام من سمع التكبير-مع اتصال الصفوف-سواء أكان داخل المسجد أو خارجه (٣).

стр. 301

٢ - واختلفوا في صحة ائتمام من سمع التكبير وهو خارج المسجد ولم تتصل الصفوف، على قولين: القول الأوّل: عدم صحة إئتمام من سمع التكبير وهو خارج المسجد ولم تتصل الصفوف، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول للمالكية (٤). القول الثاني: صحة إئتمام من سمع التكبير وهو خارج المسجد ولم تتصل الصفوف، وهو مذهب المالكية (٥)، وقول للشافعية (٦)، ورواية عند الحنابلة (٧). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- عدم صحة إئتمام من سمع التكبير وهو خارج المسجد ولم تتصل الصفوف-بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: (لَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ، لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ) (٨)، يعني بصلاة الإمام (٩). وجه الدلالة من الحديث:

стр. 302

في الحديث تحذير ووعيد لمن ترك صلاة الجماعة -بلا عذر- وصلى في بيته -ولو جماعة- لأنه يعد تاركًا لها، وكذلك من جاور المسجد وصلى بصلاة إمامه دون اتصال الصفوف؛ لم يصح ائتمامه، ولو صح لما لحقه الوعيد بالكفر والضلال والنفاق (١). الدليل الثاني: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي بِصَلَاةِ الْإِمَامِ قَالَ: (إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا نَهَرٌ أَوْ طَرِيقٌ أَوْ جِدَارٌ فَلَا يَأْتَمُّ بِهِ) (٢). يظهر أن وجه الدلالة: أخبر عمر ﵁ ببطلان إئتمام من ائتم بإمام يسمعه وانفصلت بينهما الصفوف. نوقش: هذا الخبر ليس بثابت (٣). الدليل الثالث: صَلَّى نِسوَةٌ مَعَ عائشةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ في حُجرَتِها فقالَت: لا تُصَلِّينَ بصَلاةِ الإمامِ فإِنَّكُنَّ دونَه في حِجابٍ (٤). وجه الدلالة من الحديثين: دلت الأخبار على عدم صحة الائتمام خارج المسجد؛ ومع عموم حكمها، إلا أنه يستثنى منه حال اتصال الصفوف لقوة الحاجة إليه (٥). الدليل الرابع: المسجد محل الجماعة، وفيه مظنة القرب، ولا يصح الائتمام خارجه لعدم معنى

стр. 303

الاجتماع؛ فاشترط اتصال الصفوف ليتحقق هذا المعنى، لأن الصفوف المتصلة في حكم المسجد (١). الدليل الخامس: باتصال الصفوف يمكن الاقتداء دون خلل، وبعدمه لا تتحقق تبعية المكان وتشتبه على المأموم أفعال الإمام (٢). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- صحة إئتمام من سمع التكبير وهو خارج المسجد ولم تتصل الصفوف-بما يلي: الدليل الأوّل: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث على أن الائتمام على أي وجه كان فقد جاز، وصحت به الصلاة (٤). يمكن أن يناقش: لا يكون الائتمام جائزًا إلا إذا تحقق؛ وهو منتفٍ مع عدم اتصال الصفوف ولو وجد السماع. الدليل الثاني: مسجد رسول الله قد ضاق على المصلين وكانوا يصلون بالقرب منه حيث يمكنهم معرفة أفعال الإمام ولم ينكر ذلك أحد (٥). يمكن أن يناقش: صلاتهم خارج المسجد محمولة على حال اتصال الصفوف، وليس فيما ذكر دليل على صلاتهم مع عدم اتصال صفوفهم. الدليل الثالث: السماع أحد طرق العلم، والعبرة به وهو يختلف بقرب الموضع وبعده (٦).

стр. 304

يمكن أن يناقش: السماع دون اتصال الصفوف قد يحصل به لبس على المأموم؛ كأن يكبر الإمام ويسجد للسهو ويظن المأموم أنه كبر للقيام. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة- والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: عدم صحة إئتمام من سمع التكبير وهو خارج المسجد ولم تتصل الصفوف، وذلك لقوة هذا القول ووجاهته، وضعف أدلة القول المخالف لما ورود عليها من مناقشات.

стр. 305

المطلب السابع: لا فرق في الصلاة إلى المتحدثين والنائم بين الفريضة والنافلة. صورة المسألة: إذا صلى شخص في قبلته شخص نائم أو متحدث، فما الحكم، وهل يؤثر فيه كون الصلاة فريضة أو نافلة؟ جاء في المغني: "تكره الصلاة إلى المتحدثين، لئلا يشتغل بحديثهم، واختلف في الصلاة إلى النائم، فروي أنه يكره … لا فرق بين الفريضة والنافلة إلا في صلاة الراكب" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: عموم النهي في ما جاء عن ابْنِ عَبَّاسٍ-﵄ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ الْمُتَحَدِّثِ وَالنَّائِمِ) (٢). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في حكم الصلاة إلى النائم والمتحدثين على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: لا تكره الصلاة إلى النائم والمتحدث في الفرض والنفل، وهو مذهب الحنفية (٣)، وقول

стр. 306

للمالكية (١)، ورواية عند الحنابلة (٢). القول الثاني: تكره الصلاة إلى النائم والمتحدث في الفرض والنفل، وهو مذهب المالكية (٣)، الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وقول للحنفية (٦). القول الثالث: تكره الصلاة إلى النائم فقط (٧) في الفريضة دون النافلة، وهو قول عند الحنابلة (٨). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- لا تكره الصلاة إلى النائم والمتحدث في الفرض والنفل-بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ عَائِشَةَ- ﵂: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَانَ يُصَلِّي صَلَاتَهُ بِاللَّيْلِ وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ أَيْقَظَهَا، فَأَوْتَرَتْ) (٩). وجه الدلالة من الحديث:

стр. 307

الحديث صريح الدلالة في جواز الصلاة إلى النائم، ولو لم يجز ما فعله ﵊ (١). الدليل الثاني: كان أصحاب النبي ﷺ -يتذاكرون العلم والمواعظ ويقرأون القرآن، وبعضهم يصلي ولم ينههم النبي ﷺ عن ذلك ولو كان مكروها لنهاهم عنه (٢). استدل أصحب القول الثاني القائل- تكره الصلاة إلى النائم والمتحدث في الفرض والنفل-بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ-﵄ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ الْمُتَحَدِّثِ وَالنَّائِمِ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: في الحديث نهي يفيد التنزيه عن الصلاة إلى النيام والمتحدثين، وهو عام فيشمل الفرض والنفل (٤). نوقش من وجهين: أ. الحديث غير ثابت فلا يصح الاحتجاج به (٥). ب. يحمل النهي في الحديث على ما إذا ارتفعت أصوات المتحدثين، أو خيف خروج شيء من النائم يُضحك المصلي ويُخجل النائم إذا انتبه (٦). الدليل الثاني: الصلاة إلى المتحدثين فيها إشغال للمصلي عن حضور قلبه، ولا يؤمَن مع الصلاة إلى النيام ما تنزه الصلاة عنه كخروج الريح ونحوه (٧).

стр. 308

يمكن أن يناقش من وجهين: أ. يستثنى من حكم الجواز تحقق حصول الاشغال للمصلي (١). ب. الأصل عدم ذلك، ولا يعلق الحكم بأمر محتمل. واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل-تكره الصلاة إلى النائم فقط في الفريضة دون النافلة-بـ: عن عَائِشَةَ- ﵂ قالت: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَانَ يُصَلِّي صَلَاتَهُ بِاللَّيْلِ وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ أَيْقَظَهَا، فَأَوْتَرَتْ) (٢). وجه الدلالة من الحديث: ثبت بالحديث جواز الصلاة إلى النائم في النافلة ويبقى حكم الفرض على مقتضى العموم (٣). أجيب: حديث الجواز صحيح وحديث النهي ضعيف؛ ولا تترك دلالة الخبر الصحيح لدلالة الخبر الضعيف (٤). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم-هو القول الأوّل القائل: لا تكره الصلاة إلى النائم والمتحدث في الفرض والنفل، وذلك لقوة هذا القول وصحة دليله، في مقابلة ضعف أدلة المخالفين لعدم مناهضتها الأدلة الصحيحة الصريحة.

стр. 309

المطلب الثامن: لا فرق في إمامة المرأة والخنثى بين الفرض والنفل. صورة المسألة: إذا ائتم رجال بامرأة أو خنثى، فما حكم ذلك الائتمام، سواء أكانت الصلاة فرضًا أو نفلًا أو تراويحًا؟ جاء في الكشاف: "ولا تصح إمامة امرأة برجال … ولا إمامة خنثى مشكل برجال، لاحتمال كونه امرأة … وعلى المذهب لا فرق بين الفرض والتراويح وغيرها" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: يظهر والله أعلم أن سبب الإلحاق في المسألة هو: عموم النصوص الواردة في حكم إمامة المرأة بالرجال. حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على عدم صحة إمامة المرأة والخنثى بالرجال في الفرض (٢). ٢ - واختلفوا في صحة إمامتهما بالرجال في التراويح، على قولين: القول الأوّل: لا تصح إمامة المرأة والخنثى بالرجال في التراويح، وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)،

стр. 310

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). القول الثاني: تصح إمامة المرأة والخنثى بالرجال (٣) في التراويح؛ إن كانت قارئة والرجال أميون (٤)، وهو قول عند الشافعية (٥)، ورواية عند الحنابلة (٦). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- لا تصح إمامة المرأة والخنثى بالرجال في التراويح - بما يلي: الدليل الأوّل: عن جابر-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: (أَلَا لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا) (٧). وجه الدلالة من الحديث: في الحديث نهي صريح عن إمامة المرأة للرجال، ومقتضاه الفساد؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف، ولو كانت إمامة المرأة للرجال صحيحة لنقل ذلك عن رسول الله ﷺ

стр. 311

- وأصحابه (١)، وإذا لم تصح إمامة المرأة بالرجال لم تصح إمامة الخنثى بهم لاحتمال كونه امرأة (٢). الدليل الثاني: عن أبي هريرة –﵁ قال رسول الله ﷺ : (خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا) (٣). الدليل الثالث: عن ابن مسعود ﵁ قال: (أَخِّرُوهُنَّ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ) (٤). وجه الدلالة من الحديثين: دل الحديثان على وجوب تأخير النساء في موقف الصلاة؛ وإذا وجب تأخيرهن فقد حرم تقديمهن لإمامة الرجال (٥)، لأنهن عورات وقد يفتتن الرجال بهن (٦). الدليل الرابع: عن أبي بكرَة (٧) ﵁ -قال رسول الله ﷺ : (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً) (٨). وجه الدلالة من الحديث: ثبت بنص الحديث عدم جواز تولي المرأة للإمامة العظمى، فكذلك الإمامة الصغرى قياسًا

стр. 312

عليها (١). الدليل الخامس: لا يجوز للمرأة أن تؤذن للرجال -بدليل: أن النبي ﷺ جعل لأم ورقة (٢) مؤذنًا يؤذن لها- فلم يجز لها أن تأمهم من باب أولى (٣). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- تصح إمامة المرأة والخنثى بالرجال في التراويح؛ إن كانت قارئة والرجال أميون-بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ ﵂ (أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كان يَزُورُهَا (أم ورقة) فِي بَيْتِهَا وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا) (٤). وجه الدلالة من الحديث: أمر النبي ﷺ لأم ورقة أن تؤم أهل دارها كان عامًا، لم يخص النساء ويستثني الرجال، وفي ذلك دليل على صحة إمامة المرأة بالرجال (٥). نوقش من وجهين: أ. هذا الحديث تعارضه أحاديث النهي عن ائتمام الرجال بالنساء وأحاديث الأمر بتأخير النساء عن الرجال، التي سبق ذكرها في أدلة القول الأول (٦).

стр. 313

ب. روي الحديث بزيادة: «أَذِنَ لَهَا أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا وَيُقَامَ وَتَؤُمَّ نِسَاءَهَا» (١)، فيحمل المطلق على المقيد في هذه الرواية (٢). أجيب: ورد الأمر لأم ورقة بأن تقدم الرجال أمامها وتصلي بهم من ورائهم، في قوله: «فقدمي الرجال أمامك وصلي بهم» (٣)، وهذا الأمر صريح لا احتمال فيه (٤). نوقش الجواب: إنما هو خاص بأم ورقة ﵂؛ بدليل أنه جعل لها مؤذن ومعلوم أن الأذان إنما يشرع في الفرائض، ولا خلاف في أن المرأة لا تؤم الرجال في الفرائض، وتخصيص صحة إمامتها بهم في التراويح وتأخرها عنهم تحكم من غير دليل (٥). الدليل الثاني: قال رسول الله ﷺ : (يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ … ) (٦). وجه الدلالة من الحديث: بين الحديث ان الأقرأ لكتاب الله أحق بالإمامة-وهو على العموم-وعليه فإن المرأة إذا كانت أقرأ من الرجال كانت أحق أن تؤمهم (٧). نوقش: لفظ القوم خاص بالرجال (٨)، بدليل قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ (٩)، ولو

стр. 314

دخلت النساء في لفظ القوم لما أعاد ذكرهن. الدليل الثالث: وصف الرق أشد من وصف الأنوثة، بدليل أن العبد يُقتل بالمرأة الحرة، وهي لا تُقتل به، فإذا صحت أمامة العبد بالأحرار فإمامة المرأة بهم من باب أولى (١). نوقش: قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢)، فقصرت المرأة عن أن تكون لها ولاية وقوامة؛ لأنها وصفت في الشرع بنقصان العقل والدين فلم تصح إمامتها بالرجال (٣). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة-والله أعلم- هو القول الأول القائل: لا تصح إمامة المرأة والخنثى بالرجال في التراويح، وذلك لوجاهة هذا القول وقوة أدلته، في مقابلة ضعف أدلة القول المخالف لما ورود عليها من مناقشات.

стр. 315

المطلب التاسع: لا فرق في كراهة وقوف الإمام أعلى من المأموم بين قصد التعليم وعدمه. صورة المسألة: إذا وقف الإمام في موضع أرفع من موضع المأمومين، فما حكم وقوفه؟ جاء في الكشاف: "ويكره أن يكون الإمام أعلى من المأموم … لا فرق بين أن يقصد تعليمهم أم لا" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: ارتفاع الإمام عن المأموم فيه معنى التكبر -وهو ضد ما وضعت له الصلاة من السكينة والتواضع- وهذا المعنى متحقق في قصد التعليم وغيره، فتسد الذريعة ويجري فيه القصد وعدمه مجرى واحدًا (٢). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على جواز وقوف الإمام أعلى من المأمومين إذا كان الارتفاع يسيرًا (٣). ٢ - واختلفوا في حكم وقوفه إذا كان الارتفاع كثيرًا سواء قصد التعليم أو لا، على ثلاثة أقوال: القول الأوّل:

стр. 316

يكره للإمام أن يقف أعلى من المأموم إذا كان الارتفاع كثيرًا لا فرق بين قصد التعليم وعدمه، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: يباح للإمام أن يقف أعلى من المأموم إذا كان الارتفاع كثيرًا، لا فرق بين قصد التعليم وعدمه، وهو قول للحنفية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥). القول الثالث: لا يكره للإمام أن يقف أعلى من المأموم إذا قصد تعليمهم (٦)، وهو مذهب الشافعية (٧)، وقول لأبي حنيفة (٨)، والمالكية (٩)، ورواية عند الحنابلة (١٠). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- يكره للإمام أن يقف أعلى من المأموم إذا كان الارتفاع كثيرًا لا فرق بين قصد التعليم وعدمه- بما يلي: الدليل الأوّل: كَانَ عَمَّار بْنِ يَاسِرٍ-﵁-بِالْمَدَائِنِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَتَقَدَّمَ عَمَّارٌ

стр. 317

وَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ (١) يُصَلِّي وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ-﵁-فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ فَاتَّبَعَهُ عَمَّارٌ، حَتَّى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارٌ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ) أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؟، قَالَ عَمَّارٌ: «لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدَيَّ (٢). الدليل الثاني: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ (٣) – ﵁، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ فَوْقَ شَيْءٍ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ) يَعْنِي أَسْفَلَ مِنْهُ (٤). وجه الدلالة من الحديثين: دل الحديثان على أن وقوف الإمام على موضع أرفع عن المأمومين منهي عنه مطلقًا، وأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يكرهون ذلك (٥). نوقش: يحمل النهي على كون الارتفاع لغير قصد التعليم (٦). أجيب: ظاهر النهي التحريم؛ وبصلاة النبي ﷺ وارتفاعه على المنبر

стр. 318

ينصرف إلى الإباحة مطلقًا (١). الدليل الثالث: في وقوف الإمام على موضع أرفع من المأمومين تشبه بأهل الكتاب (٢). الدليل الرابع: المأموم يحتاج في اقتدائه بالإمام للنظر إلى ركوعه وسجوده، وإذا وقف الإمام على مكان أرفع من المأموم لأدى ذلك لتكلفه برفع بصره المنهي عنه (٣). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- يباح للإمام أن يقف أعلى من المأموم إذا كان الارتفاع كثيرًا، لا فرق بين قصد التعليم وعدمه - بـ: عن سهل الساعدي-﵁-أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى المنبر ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى (٤)، فَسَجَدَ فِي أَصْلِ المِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي) (٥). وجه الدلالة من الحديث: دل فعل النبي ﷺ على جواز ارتفاعُ الإمام على المأمومين مطلقًا من غير كراهة (٦). نوقش: دلالة الحديث لا تتناول إطلاق جواز ارتفاع الإمام دون قصد التعليم، لأن مناسبة الفعل

стр. 319

تقتضي اعتبار وصف التعليم علة للجواز (١). واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل- لا يكره للإمام أن يقف أعلى من المأموم إذا قصد تعليمهم-بـ: عن سهل الساعدي-﵁-أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى المنبر، ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى، فَسَجَدَ فِي أَصْلِ المِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي) (٢). وجه الدلالة من الحديث: بين النبي ﷺ أن صعوده المنبر وصلاته عليه إنما كان لتعليم أصحابه، وفي ذلك دلالة صريحة على جواز ارتفاع الإمام على المأموم لقصد التعليم وبيان أفعال الصلاة (٣) نوقش من أوجه (٤): أ. يحمل وقوف النبي ﷺ على أنه كان على درجة المنبر السفلى؛ فيكون ارتفاعه يسيرًا، جمعًا بين الأدلة. ب. النبي ﷺ لم يتم الصلاة على المنبر؛ بل كان جلوسه وسجوده على الأرض مساويًا للمأمومين. ت. ثبت النهي عن ارتفاع الإمام على المأموم بقول رسول الله، وما ورد في الحديث من

стр. 320

فعله؛ والعمل بحكم القول مقدم على العمل بحكم الفعل (١). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة-والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: يكره للإمام أن يقف أعلى من المأموم إذا كان الارتفاع كثيرًا لا فرق بين قصد التعليم وعدمه، وذلك لقوة هذا القول وفيه إعمال لجميع الأدلة، والرد على الاعتراض الوارد عليه، وورود المناقشات المضعفة لأدلة المخالفين.
следующие страницы →