← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1108

المسائل التي قيل فيها لا فرق عند الحنابلة في العبادات

عهود بنت عيسى بعيطي

Полный текст (527 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

النداء (١)، لأنه عام وقد خص بحديث: (الجمعة على كل من سمع النداء) (٢). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة والله أعلم هو القول الأوّل القائل: تلزم الجمعة من كان خارج المصر ويسمع النداء، وذلك لقوة هذا القول وصحة أدلته والرد على الاعتراضات الواردة عليها، وضعف استدلال المخالف لما ورد عليها من مناقشات.

стр. 352

المطلب السادس عشر: لا فرق بين من كبر قبل سلام الإمام، في صلاة ما فاته يوم العيد على صفته وبين من فاتته الجمعة. صورة المسألة: إذا أدرك شخص مع المصلين التشهد في صلاة العيد، هل يصلي ركعتين ويفعل كما فعل الإمام أم يصلي أربعًا؟ جاء في الإنصاف: "ومن كبر قبل سلام الإمام، صلى ما فاته على صفته. هذا الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب. وقال القاضي: هو كمن فاتته الجمعة، لا فرق" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: صلاة العيد لم تعرف صفتها إلا بفعل رسول الله ﷺ ، وهو لم يصلها إلا في جماعة كصلاة الجمعة؛ فتأخذ أحكامها (٢). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في صفة صلاة المسبوق الذي أدرك الإمام قبل سلامه في صلاة العيد على قولين: القول الأوّل: إذا أدرك المسبوق إمامه في صلاة العيد قبل السلام، صلى العيد ركعتين، وهو مذهب

стр. 353

المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: إذا أدرك المسبوق إمامه في صلاة العيد قبل السلام، صلى العيد أربعًا كمن فاتته الجمعة (٤)، وهو مذهب الحنفية (٥)، وقول للحنابلة (٦). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- إذا أدرك المسبوق إمامه في صلاة العيد قبل السلام، صلى العيد ركعتين-بما يلي: الدليل الأوّل: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) (٧). وجه الدلالة من الحديث: عموم الحديث يقتضي دخول صلاة العيد في الحكم، ولم يرد ما يخصص هذا العموم (٨). الدليل الثاني: قَال النَّبِيِّ ﷺ : (هَذَا عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ) وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَوْلَاهُمْ ابْنَ أَبِي عُتْبَةَ بِالزَّاوِيَةِ فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ، وَصَلَّى كَصَلَاةِ أَهْلِ المِصْرِ وَتَكْبِيرِهِمْ (٩). وجه الدلالة من الحديث:

стр. 354

دل فعل أنس ﵁ على أن صلاة العيد تقضى على صفتها (١). الدليل الثالث: بإدراك المصلي للتشهد فقد أدرك بعض الصلاة، التي لم تبدل من أربع ركعات، فتقضى على صفتها، لأنها أصل بنفسها كسائر الصلوات (٢). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- إذا أدرك المسبوق إمامه في صلاة العيد قبل السلام، صلى العيد أربعًا كمن فاتته الجمعة -بما يلي: الدليل الأوّل: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "من فاتته العيد فليصلي أربعًا" (٣). يظهر أن وجه الدلالة هو: أن النص صريح في المسألة. نوقش: الخبر منقطع الإسناد فلا يصح الاحتجاج به (٤)، وتعارضه أخبار صحيحة ثابتة منها: ما روي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ يَوْمَ الْفِطْرِ صَلَّى كَمَا يُصَلِّي الْإِمَامُ» (٥)، وقال الحسن البصري في من فاته العيد: «يُصَلِّي مِثْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ» (٦). الدليل الثاني: صلاة العيد اختصت بشرائط؛ كالجماعة والمصر، ومع القضاء يتعذر تحصيلها

стр. 355

فلا تقضى ركعتين كالجمعة وإنما تقضى أربعًا (١). نوقش: لا يسلم بذلك، لأن صلاة العيد تصح من الجماعة والمنفرد، وهي تفارق الجمعة من وجوه منها: تأخير الخطبة فالمدرك للتشهد في الجمعة قد فاته مع فوات الركعتين الخطبتان القائمة مقام ركعتين، والجمعة تسقط بخروج وقتها بخلاف العيد (٢). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة-والله أعلم- هو القول الأوّل، القائل: إذا أدرك المسبوق إمامه في صلاة العيد قبل السلام، صلى العيد ركعتين، وذلك لقوة هذا القول وصحة أدلته وسلامتها من المعارض الراجح، وضعف أدلة المخالف لما ورد عليها من مناقشات.

стр. 356

الفصل الثالث: المسائل التي قيل فيها لا فرق عند الحنابلة في الزكاة، والصيام، وفيه مبحثان. المبحث الأول: المسائل التي قيل فيها لا فرق عند الحنابلة في الزكاة. المبحث الثاني: المسائل التي قيل فيها لا فرق عند الحنابلة في الصيام.

стр. 357

المبحث الأول: المسائل التي قيل فيها لا فرق عند الحنابلة في الزكاة وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: لا فرق في ضمان الزكاة إن هلكت في يد الإمام إذا تسلفها بين أن يسأله رب المال أو الفقراء أو لم يسأله أحد. المطلب الثاني: لا فرق في زكاة الحلي المباح بين أن يكون ملكًا لرجل أو امرأة. المطلب الثالث: لا فرق في ثبوت الزكاة في عروض التجارة بين أن يملك بعوض أو بغير عوض. المطلب الرابع: لا فرق بين الدين الحال والمؤجل في الزكاة. المطلب الخامس: لا فرق في زكاة صداق المرأة بين كون القبض قبل الدخول أو بعده.

стр. 358

المطلب الأول: لا فرق في ضمان الزكاة إن هلكت في يد الإمام إذا تسلفها بين أن يسأله رب المال أو الفقراء أو لم يسأله أحد. صورة المسألة: إذا تسلف الإمام من مال الزكاة فتلف المال في يده، فهل عليه ضمان ما تلف أو لا؟ جاء في المغني: "فصل: إذا تسلف الإمام الزكاة، فهلكت في يده، فلا ضمان عليه، وكانت من ضمان الفقراء، ولا فرق بين أن يسأله ذلك رب المال أو الفقراء أو لم يسأله أحد" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: قاعدة: "جواز اتحاد القابض والمُقبض" (٢)، فتعتبر يد الإمام كيد الفقراء سئل أو لم يسأل (٣). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على عدم ضمان الإمام للزكاة إذا تسلفها بسؤال رب المال وتلفت في يده (٤). ٢ - واختلفوا في ضمانه لها إذا تسلفها من غير مسألة، على قولين: القول الأوّل: لا يضمن الإمام الزكاة إذا تسلفها من غير مسألة وتلفت في يده، بغير تعد ولا تفريط، وهو

стр. 359

مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، ووجه عند الشافعية (٣). القول الثاني: يضمن الإمام الزكاة إذا تسلفها من غير مسألة وتلفت في يده، وهو مذهب الشافعية (٤)، ومقتضى قول المالكية (٥). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - لا يضمن الإمام الزكاة إذا تسلفها من غير مسألة وتلفت في يده، بغير تعد ولا تفريط - بما يلي: الدليل الأوّل: قياس ولاية الإمام على ولاية الوصي على اليتيم؛ بجامع الإذن بالقبض في الكل، فإذا تلف المال في يد الإمام لم يضمن لولايته. (٦). الدليل الثاني: ضمان المتلف إنما يجب بفعل الإنسان، وفعل الإمام هو الأخذ، وهو مأذون له،

стр. 360

فلا يصلح أن يكون سببًا للضمان (١). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- يضمن الإمام الزكاة إذا تسلفها من غير مسألة وتلفت في يده-بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-﵁-قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ … الْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ … (وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا) ثُمَّ قَالَ: (يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ (٢) أَبِيهِ؟) (٣). وجه الدلالة من الحديث: ثبت بالحديث أن النبي ﷺ قد كان تسلف من العباس صدقة عامين من غير سؤال، وأخبر بقوله: (هي علي ومثلها) أن ضمانها عليه، فثبت أن الإمام يضمن الزكاة إذا تلفت في يده (٤). نوقش: معنى قوله: "هي علي" أنا أُؤديها عنه برًا به وإحسانًا إليه، بدليل قوله: أن العم صنو الأب (٥). الدليل الثاني: قياس ولاية الإمام على الفقراء على ولاية الوكيل فيما وكل به، بجامع أن الكل ولاية على أهل رشد، وعليه فيضمن الجميع ما قبضه وتلف في يده (٦).

стр. 361

نوقش من وجهين (١): أ. لا يقاس الإمام على غيره في الولاية، لأن ولايته مأذون بها شرعًا، فصار قبضه كقبض المستحق. ب. إذا أخذ الإمام المال من مالكه فقد أخذه باختياره؛ لأنه لم يجبره فصار كقبضه له بمسألته. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: لا يضمن الإمام الزكاة إذا تسلفها من غير مسألة وتلفت في يده، بغير تعد ولا تفريط، وذلك لقوة هذا القول وسلامة استدلاله من المعارض الراجح، وورود المناقشة المضعفة لقول المخالف.

стр. 362

المطلب الثاني: لا فرق في زكاة الحلي المباح بين أن يكون ملكًا لرجل أو امرأة. صورة المسألة: إذا تملك شخص ذهبًا أو فضة، ونوى استعماله فهل تجب فيه الزكاة، سواء أكان مالكه رجلًا أو امرأة؟ جاء في المغني: "فأما المعد للكرى أو النفقة إذا احتيج إليه، ففيه الزكاة؛ لأنها إنما تسقط عما أعد للاستعمال، لصرفه عن جهة النماء، ففيما عداه يبقى على الأصل، … لا يسقط عنه. ولا فرق بين كون الحلي المباح مملوكا لامرأة تلبسه أو تعيره، أو لرجل يحلي به أهله، أو يعيره أو يعده لذلك" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: اتحاد السبب الموجب للحكم في حلي الرجل والمرأة إن كان مباحًا وأعد للاستعمال؛ وهو عند الموجبين للزكاة: اعتبار أصل الحلي وتعلق الحكم بعينه، وعند غيرهم هي: صرفه عن جهة النماء (٢). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على وجوب الزكاة في الذهب والفضة المعدان للتجارة والقنية سواءً كان المالك لهما رجلًا أو امرأة (٣).

стр. 363

٢ - واتفقوا على وجوب الزكاة في الحلي المستعمل استعمالًا محرمًا (١). ٣ - واختلفوا في حكم زكاة الحلي من الذهب والفضة المستعملان في مباح سواء كان مملوكًا لرجل أو امرأة، على قولين: القول الأوّل: تجب الزكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال؛ سواءً كان مالكه رجلًا أو امرأة، وهو مذهب الحنفية (٢)، وقول عند الشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤). القول الثاني: لا تجب الزكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال؛ سواءً كان مالكه رجلًا أو امرأة، وهو مذهب المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- تجب الزكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال؛ سواءً كان مالكه رجلًا أو امرأة - بما يلي: الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ (٨). وجه الدلالة من الآية: في الآية وعيد شديد لمن ترك إنفاق الذهب والفضة في سبيل الله من غير تفريق بين نوع ونوع،

стр. 364

فيشمل المستعمل وغيره سواء أكان متخذًا من قبل المرأة، أو الرجل لتحلية زوجته؛ لعموم الآية (١). الدليل الثاني: «أَنَّ امْرَأَة أَتَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ومعها ابنة لها وَفِي يْدِ ابنتها مسكتانِ (٢) غليظتان مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَها: (أَتُعطين زكاة هذا؟)، قَالَتْ: لَا، قَالَ: (أيسرك أن يُسَوِّرَك اللَّهُ بِهما يوم القيامة سُوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟)، فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ورسوله» (٣). وجه الدلالة من الحديث: بين الحديث أن الوعيد بالعذاب سببه عدم إخراج زكاة الذهب المستعمل، وهو تأكيد وتأويل للوعيد المذكور في الآية السابق ذكرها (٤). نوقش: الحديث ضعيف فلا يصح الاحتجاج به (٥). أجيب: لعل المقصود بالتضعيف رواية الترمذي، وقد روي الحديث من طرق أخرى صححها كثير من أهل العلم (٦).

стр. 365

الدليل الثالث: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ-﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا (١) مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَنْزٌ هُوَ؟ فَقَالَ: (مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ، فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ) (٢). وجه الدلالة من الحديث: معنى كنز الذهب والفضة عدم إخراج زكاتهما، فعلى أي وجه أمسكهما المالك وجبت فيهما الزكاة (٣). نوقش: لعل المقصود بزكاة الحلي في الحديث عاريته (٤). أجيب: العارية مستحبة والوعيد لا يستحق إلا بترك الواجب (٥). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- لا تجب الزكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال؛ سواءً كان مالكه رجلًا أو امرأة -بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ جَابِرٍ-﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَيْسَ في الْحُلِيِّ زَكَاةٌ) (٦). وجه الدلالة من الحديث: يدل النفي في الحديث على عدم وجوب الزكاة في الحلي، وهو محمول على المباح منه الذي أعد

стр. 366

للاستعمال (١). نوقش من وجهين: أ. الحديث لا أصل له، فلا تقوم به حجة، ولو صح فإن دلالته لا تعارض عموم الأدلة الصحيحة (٢). ب. موجب الحديث يقتضي أنه لا زكاة في الحلي مطلقًا، ولا قائل به، لأنه يؤدي للأخذ بالحديث من وجه وتركه من وجه (٣). الدليل الثاني: «أن أم المؤمنين عَائِشَةَ-﵂ كَانَتْ تَلِي بَنَاتَ أَخِيهَا يَتَامَى فِي حَجْرِهَا لَهُنَّ الْحَلْيُ، فَلَا تُخْرِجُ مِنْ حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ» (٤). وجه الدلالة من الحديث: ظاهر الحديث يدل على أن عائشة ﵂ كانت لا تخرج زكاة الحلي المعد للاستعمال، ويستحيل أن تترك الإخراج إلا أن تعلم أن زكاته غير واجبة (٥). نوقش: يحتمل أنها لم تخرج زكاة حليهن لصغر سنهن، أو أن ذلك الحلي لم يبلغ نصابًا (٦). الدليل الثالث: قياس الحلي المستعمل على الثياب والأمتعة والأثاث، بجامع أن الكل مال اختصاه الإنسان لنفسه، فلم تجب فيه الزكاة. (٧). نوقش من وجهين:

стр. 367

أ. لا يصح القياس لسببين: ١ - أنه معارض بالنصوص فهو فاسد الاعتبار. ٢ - عدم استواء الأصل والفرع في العلة، فالأصل في الذهب والفضة الزكاة، وفي الثياب ونحوها عدمها (١). ب. عين الذهب والفضة لا يشترط فيها النماء فلا تسقط زكاتهما بالاستعمال لأنهما أثمان والثمنية لا تبطل بالاستعمال (٢). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة-والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: تجب الزكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال؛ سواءً كان مالكه رجلًا أو امرأة، وذلك لقوة هذا القول وصراحة أدلته، والأخذ به فيه احتياط، ولضعف أدلة المخالفين وورد المناقشة عليها.

стр. 368

المطلب الثالث: لا فرق في ثبوت الزكاة في عروض التجارة بين أن يملك بعوض أو بغير عوض. صورة المسألة: إذا ملك شخص عرضًا بغير عوض كالهبة والوصية ونحوهما، فهل تجب فيها زكاة عروض التجارة؟ جاء في المغني: "ولا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين؛ أحدهما أن يملكه بفعله، كالبيع، والنكاح، والخلع، وقبول الهبة، والوصية، والغنيمة، واكتساب المباحات؛ لأن ما لا يثبت له حكم الزكاة بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية، كالصوم. ولا فرق بين أن يملكه بعوض أو بغير عوض" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: التملك للعرض المملوك بعوض أو بغير عوض كله حاصل بفعل المالك، فلا مساغ للتفريق بينهما في الحكم (٢). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على وجوب الزكاة في عروض التجارة إذا ملكت بعوض (٣).

стр. 369

٢ - واختلفوا في وجوبها في العروض المملوكة بغير عوض على قولين: القول الأوّل: تجب الزكاة في عروض التجارة المملوكة بغير عوض، وهو مذهب الحنابلة (١)، وقول أبي يوسف من الحنفية (٢). القول الثاني: لا تجب الزكاة في عروض التجارة المملوكة بغير عوض، وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، وقول أبي يعلى من الحنابلة (٦). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- تجب الزكاة في عروض التجارة المملوكة بغير عوض، -بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ-﵁-قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ) (٧).

стр. 370

وجه الدلالة من الحديث: يدل عموم الحديث على وجوب زكاة العروض من أي صنف كانت، وذلك يقتضي التسوية بين ما ملك بعوض أو بغير عوض (١). الدليل الثاني: التجارة بعوض هي الكسب، والأعيان المملوكة بغير عوض تعد من كسب مالكها، فتلحق بالتجارة وتأخذ حكمها احتياطًا للعبادة (٢). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- لا تجب الزكاة في عروض التجارة المملوكة بغير عوض-بما يلي: الدليل الأوّل: العرض الذي ملك بغير عوض يشابه الموروث فلا تجب فيه الزكاة (٣). نوقش: العرض المملوك بغير عوض مُلكه صاحبه بفعله، فأشبه البيع، وفارق الموروث لأنه يملكه قهرًا، فيجري عليه حكم استدامة الأصل وهو القنية (٤). الدليل الثاني: العروض لا تكون للتجارة إلا إذا نوى مالكها ذلك، وما ملك بغير عوض ليس فيها معنى التجارة ولم تتصل بها نيتها (٥). يمكن أن يناقش: بعد التسليم؛ لأن العرض المملوك بعوض قد تطرأ عليه نية التجارة، فينتقل عن أصله، وكذلك ما ملك بغير عوض، فالعبرة بانتقال الملك عن فعل من المالك. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة – والله أعلم- هو القول الأوّل القائل:

стр. 371

تجب الزكاة في عروض التجارة المملوكة بغير عوض، وذلك لما فيه من احتياط للعبادة، ووجاهة استدلاله في مقابلة ضعف قياس وتعليل القول المخالف.

стр. 372

المطلب الرابع: لا فرق بين الدين الحال والمؤجل في الزكاة. صورة المسألة: إذا استدان شخص من آخر دينًا بلغ النصاب، فهل على الدائن إخراج زكاة ذلك المال إذا لم يقبضه أم أن الواجب عند القبض، سواء أكان الدين حالًا أم مؤجلًا؟ جاء في المغني: "وإذا كان له دين على مليء فليس عليه زكاة حتى يقبضه، فيؤدي لما مضى … وظاهر كلام أحمد، أنه لا فرق بين الحال والمؤجل" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: الدين المؤجل داخل في ملك الدائن كالمعجل، فاستوت أحكامهما؛ كصحة الحوالة بهما والبراءة منهما، فكذلك حكم زكاتهما (٢). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على وجوب الزكاة في الدين البالغ نصابًا، إذا كان على مليء (٣)، سواء أكان حالًا أو مؤجلًا (٤). ٢ - واختلفوا في لزوم إخراجها على قولين: القول الأوّل:

стр. 373

لا يلزم إخراج زكاة الدين حتى يُقبض (١)، سواء أكان حالًا أو مؤجلًا، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: يلزم إخراج زكاة الدين ولو لم يقبض، سواء أكان حالًا أو مؤجلًا (٥)، وهو مذهب الشافعية (٦)، ورواية عند الحنابلة (٧). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل-لا يلزم إخراج زكاة الدين حتى يقبض، سواء أكان حالًا أو مؤجلًا-بما يلي: الدليل الأوّل: روي عن علي وابن عمر وعائشة ﵃: "لا زكاة في الدين حتى يقبض" (٨). الدليل الثاني: القياس على الدين على معسر، بجامع أن الكل دين ثابت في الذمة؛ فلا يلزم

стр. 374

إخراج زكاته قبل قبضه (١). الدليل الثالث: أوجب الله زكاة الدين منه، ولا سبيل إليه إلا بقبضه (٢). الدليل الرابع: الزكاة إنما وجبت على طريق المواساة، وليس من المواساة إخراج زكاة مال لم يقبض ولا ينتفع به (٣). الدليل الخامس: من شروط إخراج الزكاة: القدرة على الأداء، ومن لم يقبض الدين قد لا يقدر على أداء زكاته (٤). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- يلزم إخراج زكاة الدين ولو لم يقبض، سواء أكان حالًا أو مؤجلًا- بـ: أن الدين إذا كان على مليء فإنه مقدور على قبضه والتصرف فيه، فصار كالوديعة في وجوب الزكاة (٥). نوقش: الوديعة تفارق الدين، لأنها بمنزلة ما في اليد؛ فالمودع نائب عن المالك في الحفظ ويده كيده، وإنما وجبت الزكاة فيها لأنها في ملكه ولقدرته على الانتفاع بها كسائر أمواله (٦). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة-والله أعلم-هو القول الأوّل القائل: لا يلزم إخراج زكاة الدين حتى يقبض، سواء أكان حالًا أو مؤجلًا، وذلك لقوته وسلامة استدلاله من الاعتراضات، وفي القول به تيسير على المكلف، ولضعف القول المخالف وورود المناقشة على استدلاله.

стр. 375

المطلب الخامس: لا فرق في زكاة صداق المرأة بين كون القبض قبل الدخول أو بعده. صورة المسألة: إذا عُقد على امرأة، وحال على صداقها حول، فهل تجب عليها زكاته إذا قبضته سواء قبل الدخول أو بعده؟ جاء في المغني: "والمرأة إذا قبضت صداقها زكته … ولا فرق بين ما قبل الدخول أو بعده" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: صداق المرأة داخل في ملكها سواء دُخل بها أو لا، ولا تأثير لتعرضه للزوال في الحكم (٢). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في وجوب زكاة صداق المرأة بالقبض إن كان قبل الدخول أو بعده، على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: تجب الزكاة في صداق المرأة من حين العقد -إذا حال عليه الحول-ولو لم تقبضه، لا فرق بين ما قبل الدخول وبعده، وهو مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: تجب زكاة صداق المرأة إذا قبضته -وحال عليه الحول- لا فرق بين ما قبل الدخول وبعده،

стр. 376

وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ورواية عند الحنابلة (٣). القول الثالث: لا تجب زكاة صداق المرأة –قبل الدخول-، إلا إذا قُبض وحال عليه الحول، وهو رواية عند الحنابلة (٤). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- تجب الزكاة في صداق المرأة من حين العقد -إذا حال عليه الحول-ولو لم تقبضه، لا فرق بين ما قبل الدخول وبعده -بما يلي: الدليل الأوّل: الصداق مال تام الملك وإن لم يقبض؛ لأن استيفاؤه ممكن (٥). الدليل الثاني: القياس على ثمن المبيع، بجامع أن الكل فيه استحقاق القبض وإجبار المدين على قضائه، فتجب فيه الزكاة وإن لم يقبض (٦). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- تجب زكاة صداق المرأة إذا قبضته -وحال عليه الحول- لا فرق بين ما قبل الدخول وبعده- بـ: القياس على دين الكتابة، بجامع أن الكل بدل عن ما ليس بمال، فلم تجب فيهما الزكاة قبل القبض (٧). نوقش من وجهين:

стр. 377

أ. هذا قياس مع الفارق؛ لأن دين الكتابة عوض عن مال، وللمكاتب الامتناع من أدائه (١). ب. الزوج قد ملك ما هو مقابل الصداق؛ وهو منفعة البضع، فاقتضى أن تملك الزوجة عوضه وهو الصداق، ويد الزوج لا تمنع تصرف المرأة في صداقها، فوجب عدم امتناع وجوب زكاته (٢). واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل- لا تجب زكاة صداق المرأة –قبل الدخول- إلا إذا قُبض وحال عليه الحول - بـ: أن الوجوب والانعقاد لا يثبتان إلا بالقبض؛ فلا يلزم الإخراج قبل الثبوت (٣). يمكن أن يناقش: بما نوقش به استدلال القول الثاني. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة-والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: تجب الزكاة في صداق المرأة من حين العقد -إذا حال عليه الحول-ولو لم تقبضه، لا فرق بين ما قبل الدخول وبعده، وذلك لوجاهة هذا القول وقوة استدلاله، وورود المناقشة المضعفة لاستدلال المخالفين.

стр. 378

المبحث الثاني: المسائل التي قيل فيها لا فرق عند الحنابلة في الصيام وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: لا فرق بين قليل القيء وكثيره. المطلب الثاني: لا فرق في وجوب كفارة الوطء على الصائم بين كون الفرج قبلًا أو دبرًا، من ذكر أو أنثى. المطلب الثالث: لا فرق في مشروعية صيام ستة أيام من شوال بين كونها متتابعة أو متفرقة. المطلب الرابع: لا فرق في اعتكاف المكاتب بغير إذن سيده بين كونه واجبا أو غير واجب.

стр. 379

المطلب الأول: لا فرق بين قليل القيء وكثيره. صورة المسألة: إذا استدعى الصائم القيء عامدًا مختارًا، فهل يفسد صومه بخروج ذلك القيء قل أو أكثر؟ جاء في المغني: "مسألة من استقاء فعليه القضاء … وقليل القيء وكثيره سواء … ولا فرق بين كون القيء طعاما، أو مرارا، أو بلغما، أو دما، أو غيره … " (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: عموم النص الوارد في المسألة (٢)، وهو حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من ذرعه (٣) القيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء (٤) فليقض) (٥). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على أن من غلبه خروج القيء لا يفسد صومه - مطلقًا -

стр. 380

سواء أكان قليلًا أو كثيرًا (١). ٢ - واتفقوا على أن خروج القيء باستدعاء، إذا كان كثيرًا يفسد الصوم (٢). ٣ - واختلفوا في فساده بالاستدعاء إذا كان قليلًا على قولين: القول الأوّل: يفسد الصوم بتعمد استدعاء القيء إذا كان قليلًا، وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وقول محمد بن الحسن من الحنفية (٦). القول الثاني: يفسد الصوم باستدعاء القيء (٧) إذا كان أقل من ملء الفم، وهو مذهب الحنفية (٨)، ورواية عند الحنابلة (٩).

стр. 381

استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- يفسد الصوم بتعمد استدعاء القيء إذا كان قليلًا -بما يلي: الدليل الأوّل: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فليقض) (١). وجه الدلالة من الحديث: دل ثبوت القضاء على فساد الصوم بالاستقاء عمدًا، وظاهر اللفظ العموم؛ يستوي فيه حكم القليل والكثير (٢). الدليل الثاني: القياس على سائر المفطرات، بجامع أن الكل مفسد للصوم القليل منه والكثير (٣). الدليل الثالث: تكلف القيء واستدعاؤه لا يؤمن معه رجوع شيء منه للجوف غالبًا، فإذا تعمده فكأنه تعمد الابتلاع (٤). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- يفسد الصوم باستدعاء القيء إذا كان أقل من ملء الفم-بما يلي: الدليل الأوّل: أن رسول الله ﷺ قال: (يُعَادُ الْوُضُوءُ مِنْ سَبْعٍ: … مِنْ قَيْءٍ ذَارِعٍ، أَوْ دَمٍ سَائِلٍ، أَوْ نَوْمٍ مُضْطَجِعٍ، أَوْ دَسْعَةٍ (٥) تَمْلَأُ الْفَمَ) (٦).

стр. 382

وجه الدلالة من الحديث: دل مفهوم الحديث على أن القيء إذا كان أقل من ملء الفم، فلا اعتبار لحكمه، بدليل عدم نقض الوضوء به، فكذلك الصوم لا يفسد بقليله المستدعى (١). نوقش: الحديث لا أصل له فلا يصح الاحتجاج به (٢). الدليل الثاني: القيء إذا كان أقل من ملء الفم صار كالريق فيأخذ حكمه (٣). نوقش: هذا القياس فاسد الاعتبار؛ لأنه معارض بالنص، والعمل بإطلاق النص أولى (٤). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة- والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: يفسد الصوم بتعمد استدعاء القيء إذا كان قليلًا، وذلك لقوته وصحة أدلته وسلامتها من الاعتراض، وضعف القول المخالف وورود المناقشات على استدلاله.

стр. 383

المطلب الثاني: لا فرق في وجوب كفارة الوطء على الصائم بين كون الفرج قبلًا أو دبرًا، من ذكر أو أنثى. صورة المسألة: إذا جامع الصائم في نهار رمضان، فما موجب ذلك الجماع، سواء أكان في قُبُل أو دُبُر، من ذكر أو أنثى؟ جاء في المغني: "جامع الصائم في الفرج فأنزل أو لم ينزل … لأن فساد الصوم ووجوب الكفارة حكمان يتعلقان بالجماع … ولا فرق بين كون الفرج قبلا أو دبرا، من ذكر أو أنثى" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: الدبر أحد السبيلين، فأشبه القبل، ومقتضى ذلك استواؤهما في الحكم (٢). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على فساد صوم من جامع (٣) في قُبُل أو دُبُر بنهار رمضان - من ذكر أو أنثى - ووجوب القضاء عليه (٤). ٢ - واختلفوا في وجوب الكفارة على من جامع بنهار رمضان - من ذكر أو أنثى - في دبر، على قولين:

стр. 384

القول الأوّل: تجب الكفارة على من جامع في دُبُر بنهار رمضان من ذكر وأنثى (١)، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). القول الثاني: لا تجب الكفارة على من جامع في دُبُر بنهار رمضان من ذكر وأنثى، وهو قول لأبي حنيفة (٦)، والشافعية (٧)، ووجه عند الحنابلة (٨). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- تجب الكفارة على من جامع في دُبُر بنهار رمضان من ذكر وأنثى -بما يلي: الدليل الأوّل: عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ- ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (وَمَا أَهْلَكَكَ؟) قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: (هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟) قَالَ: لَا، قَالَ: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟) قَالَ: لَا، قَالَ: (فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟) قَالَ: لَا، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه

стр. 385

وسلم - بِعَرَقٍ (١) فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: (تَصَدَّقْ بِهَذَا) قَالَ: أعلى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا (٢) أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: (اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: أمر النبي ﷺ السائل بالكفارة من غير استفصال عن حاله، فدل ذلك على عموم الحكم في كل جماع وقع في نهار رمضان (٤) لأن "ترك الاستفصال من الرسول في حكايات الأحوال مع الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال" (٥). الدليل الثاني: الدبر أحد الفرجين، والجماع فيه يعد إيلاج فرج في فرج، فتجب به الكفارة (٦). الدليل الثالث: الجماع في الدبر يحصل به انقضاء الشهوة، فتجب به الكفارة؛ لتكامل الجناية (٧). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- لا تجب الكفارة على من جامع في دُبُر بنهار رمضان من ذكر وأنثى -بما يلي: الدليل الأوّل: الجماع في الدبر لا يحصل به الإحلال ولا الإحصان، فلا تجب به الكفارة (٨).

стр. 386

الدليل الثاني: الجماع في الدبر مستقذر وتنفر منه الطباع السليمة، فلا يحتاج لعقوبة زاجرة للامتناع عنه، فلم تجب في حق من فعله في نهار رمضان كفارة (١). نوقش الاستدلالان: الجماع في الدبر يعتبر جماع في فرج يفسد به الصوم، فأوجب الكفارة كالوطء في القبل (٢). الدليل الثالث: حقيقة الجماع منتفية في جماع الدبر، بدليل عدم وجوب الحد والغسل على فاعله (٣). نوقش: لا يسلم بعدم وجوب الغسل لأنه إيلاج فرج في فرج، وأما الحد فلم يجب لأن المعنى الذي وجب به حد الزنا لا يوجد في جماع الدبر؛ وهو تضييع الولد وفساد الفراش (٤). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة- والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: تجب الكفارة على من جامع في دُبُر بنهار رمضان من ذكر وأنثى، وذلك لقوته وموافقته للقواعد الأصولية، وضعف القول المخالف لما ورد على استدلاله من المناقشات.

стр. 387

المطلب الثالث: لا فرق في مشروعية صيام ستة أيام من شوال بين كونها متتابعة أو متفرقة. صورة المسألة: صام شخص شهر رمضان، وأراد صيام ستة أيام من شوال بعده، فهل له صيامها متتابعة أو متفرقة؟ جاء في المغني: "مسألة: قال ومن صام شهر رمضان وأتبعه بست من شوال وإن فرقها فكأنما صام الدهر … إذا ثبت هذا فلا فرق بين كونها متتابعة أو مفرقة، في أول الشهر أو في آخره" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: ١ - النصوص الواردة في فضل صيام ستة أيام من شوال (٢) مطلقة؛ ولم تقيد الصيام بقيد أو وصف (٣). ٢ - فضيلة صومها بعد رمضان؛ لكونها معه بمثابة صوم (٣٦٠) يومًا حاصلة مع التتابع والتفريق (٤). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في مشروعية تتابع صيام ستة أيام من شوال، على قولين: القول الأوّل:

стр. 388

يباح التتابع والتفريق في صوم ستة أيام من شوال (١)، وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول متأخري الحنفية (٤). القول الثاني: يكره التتابع في صوم ستة أيام من شوال، وهو مذهب الحنفية (٥)، والمالكية (٦). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- يباح التتابع والتفريق في صوم ستة أيام من شوال-بما يلي: الدليل الأوّل: عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر) (٧). وجه الدلالة من الحديث: في الحديث دلالة صريحة على استحباب صوم ستة أيام من شوال بعد صيام رمضان، وهو حث مطلق لا تقييد فيه، فعلم منه أن شوال كله محل لذلك، يستوي فيه صومها متتابعة ومتفرقة (٨).

стр. 389

الدليل الثاني: اتباع صوم رمضان بست من شوال يحصل بفعلها متتابعة ومتفرقة في أوله وآخره، للزوم الفصل بينهما بيوم الفطر، فليس المقصود بالاتباع كونها متصلة وتقديمها أفضل لأنه أقرب وأشد اتباعًا، وتأخيرها أفضل لكونه لا يلتبس به لحوقها برمضان فاستويا (١). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- يكره التتابع في صوم ستة أيام من شوال- بـ: أن تتابع صومها بعد رمضان يفضي إلى اعتقاد لزومها، فتُلحق برمضان في الوجوب (٢). نوقش من وجهين: أ. لا يسلم باعتقاد وجوبها؛ لأنه لا يخفى على أحد عدمه، لأن يوم الفطر يفصل بينها وبين رمضان (٣). ب. يلزم من هذا التعليل القول بكراهة صوم يوم عرفة وعاشوراء (٤). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة-والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: يباح التتابع والتفريق في صوم ستة أيام من شوال، وذلك لقوته في مقابلة القول المخالف، ولثبوت مقتضاه بالسنة الصحيحة.

стр. 390

المطلب الرابع: لا فرق في اعتكاف المكاتب بغير إذن سيده بين كونه واجبًا أو غير واجب. صورة المسألة: إذا نذر المكاتب اعتكافًا، فهل يفتقر جواز اعتكافه لإذن سيده، سواء كان اعتكافه واجبًا أو غير واجب؟ جاء في الكشاف: "وللمكاتب أن يعتكف بلا إذن سيده نص عليه … ؛ وظاهره: لا فرق بين الواجب وغيره وسواء نجم أو لا" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: يظهر أن سبب الإلحاق هو: ليس لولاية السيد على المكاتب أثر في ملك منافعه، وعليه فلا أثر لها في صحة اعتكافه الواجب؛ فيلحق به التطوع لحوقًا أولويًا. حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في حكم اعتكاف المكاتب بغير إذن سيده سواء كان اعتكافه واجبًا أو غير واجب، على قولين: القول الأوّل: يجوز للمكاتب أن يعتكف بغير إذن سيده سواء أكان اعتكافه واجبًا أو غير واجب، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
следующие страницы →