← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1108

المسائل التي قيل فيها لا فرق عند الحنابلة في العبادات

عهود بنت عيسى بعيطي

Полный текст (527 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الدليل الثاني: الجماع في الدبر مستقذر وتنفر منه الطباع السليمة، فلا يحتاج لعقوبة زاجرة للامتناع عنه، فلم تجب في حق من فعله في نهار رمضان كفارة (١). نوقش الاستدلالان: الجماع في الدبر يعتبر جماع في فرج يفسد به الصوم، فأوجب الكفارة كالوطء في القبل (٢). الدليل الثالث: حقيقة الجماع منتفية في جماع الدبر، بدليل عدم وجوب الحد والغسل على فاعله (٣). نوقش: لا يسلم بعدم وجوب الغسل لأنه إيلاج فرج في فرج، وأما الحد فلم يجب لأن المعنى الذي وجب به حد الزنا لا يوجد في جماع الدبر؛ وهو تضييع الولد وفساد الفراش (٤). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة- والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: تجب الكفارة على من جامع في دُبُر بنهار رمضان من ذكر وأنثى، وذلك لقوته وموافقته للقواعد الأصولية، وضعف القول المخالف لما ورد على استدلاله من المناقشات.

стр. 387

المطلب الثالث: لا فرق في مشروعية صيام ستة أيام من شوال بين كونها متتابعة أو متفرقة. صورة المسألة: صام شخص شهر رمضان، وأراد صيام ستة أيام من شوال بعده، فهل له صيامها متتابعة أو متفرقة؟ جاء في المغني: "مسألة: قال ومن صام شهر رمضان وأتبعه بست من شوال وإن فرقها فكأنما صام الدهر … إذا ثبت هذا فلا فرق بين كونها متتابعة أو مفرقة، في أول الشهر أو في آخره" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: ١ - النصوص الواردة في فضل صيام ستة أيام من شوال (٢) مطلقة؛ ولم تقيد الصيام بقيد أو وصف (٣). ٢ - فضيلة صومها بعد رمضان؛ لكونها معه بمثابة صوم (٣٦٠) يومًا حاصلة مع التتابع والتفريق (٤). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في مشروعية تتابع صيام ستة أيام من شوال، على قولين: القول الأوّل:

стр. 388

يباح التتابع والتفريق في صوم ستة أيام من شوال (١)، وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول متأخري الحنفية (٤). القول الثاني: يكره التتابع في صوم ستة أيام من شوال، وهو مذهب الحنفية (٥)، والمالكية (٦). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- يباح التتابع والتفريق في صوم ستة أيام من شوال-بما يلي: الدليل الأوّل: عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر) (٧). وجه الدلالة من الحديث: في الحديث دلالة صريحة على استحباب صوم ستة أيام من شوال بعد صيام رمضان، وهو حث مطلق لا تقييد فيه، فعلم منه أن شوال كله محل لذلك، يستوي فيه صومها متتابعة ومتفرقة (٨).

стр. 389

الدليل الثاني: اتباع صوم رمضان بست من شوال يحصل بفعلها متتابعة ومتفرقة في أوله وآخره، للزوم الفصل بينهما بيوم الفطر، فليس المقصود بالاتباع كونها متصلة وتقديمها أفضل لأنه أقرب وأشد اتباعًا، وتأخيرها أفضل لكونه لا يلتبس به لحوقها برمضان فاستويا (١). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- يكره التتابع في صوم ستة أيام من شوال- بـ: أن تتابع صومها بعد رمضان يفضي إلى اعتقاد لزومها، فتُلحق برمضان في الوجوب (٢). نوقش من وجهين: أ. لا يسلم باعتقاد وجوبها؛ لأنه لا يخفى على أحد عدمه، لأن يوم الفطر يفصل بينها وبين رمضان (٣). ب. يلزم من هذا التعليل القول بكراهة صوم يوم عرفة وعاشوراء (٤). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة-والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: يباح التتابع والتفريق في صوم ستة أيام من شوال، وذلك لقوته في مقابلة القول المخالف، ولثبوت مقتضاه بالسنة الصحيحة.

стр. 390

المطلب الرابع: لا فرق في اعتكاف المكاتب بغير إذن سيده بين كونه واجبًا أو غير واجب. صورة المسألة: إذا نذر المكاتب اعتكافًا، فهل يفتقر جواز اعتكافه لإذن سيده، سواء كان اعتكافه واجبًا أو غير واجب؟ جاء في الكشاف: "وللمكاتب أن يعتكف بلا إذن سيده نص عليه … ؛ وظاهره: لا فرق بين الواجب وغيره وسواء نجم أو لا" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: يظهر أن سبب الإلحاق هو: ليس لولاية السيد على المكاتب أثر في ملك منافعه، وعليه فلا أثر لها في صحة اعتكافه الواجب؛ فيلحق به التطوع لحوقًا أولويًا. حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في حكم اعتكاف المكاتب بغير إذن سيده سواء كان اعتكافه واجبًا أو غير واجب، على قولين: القول الأوّل: يجوز للمكاتب أن يعتكف بغير إذن سيده سواء أكان اعتكافه واجبًا أو غير واجب، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).

стр. 391

القول الثاني: لا يجوز للمكاتب أن يعتكف بغير إذن سيده سواء كان اعتكافه واجبًا أو غير واجب، وهو وجه للشافعية (١)، ورواية عند الحنابلة (٢). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل- يجوز للمكاتب أن يعتكف بغير إذن سيده سواء كان اعتكافه واجبًا أو غير واجب -بما يلي: الدليل الأوّل: المكاتب يشبه الحر في عدم ملك شيئًا من منافعه، وليس لسيده إجباره على الكسب، فلا يملك منعه من الاعتكاف؛ لأن الذي له عليه هو الدين فقط (٣). الدليل الثاني: لا يحصل باعتكاف المكاتب عجز عن حق سيده ووفاء نجوم كتابته، فلا وجه لمنعه من الاعتكاف واجبًا كان أو تطوعًا (٤). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل- لا يجوز للمكاتب أن يعتكف بغير إذن سيده سواء كان اعتكافه واجبًا أو غير واجب - بـ: أن المكاتب يجب عليه الاكتساب لوفاء دينه، وفي اعتكافه وقعوده عن تحصيل المال إضرار بسيده (٥). نوقش: الواجب على المكاتب هو دفع نجم الكتابة عند حلوله، والذي يحصل بالاعتكاف هو

стр. 392

حبس المنافع وهي غير مملوكه للسيد (١). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة –والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: يجوز للمكاتب أن يعتكف بغير إذن سيده سواء كان اعتكافه واجبًا أو غير واجب؛ وذلك لقوته ووجاهة استدلاله، وضعف القول المخالف لورود المناقشة على استدلاله.

стр. 393

الفصل الرابع: المسائل التي قيل فيها: لا فرقَ عند الحنابلة في الحج، والجهاد. وفيه مبحثان. المبحث الأول: المسائل التي قيل فيها: لا فرقَ عند الحنابلة في الحج. المبحث الثاني: المسائل التي قيل فيها: لا فرقَ عند الحنابلة في الجهاد.

стр. 394

المبحث الأول: المسائل التي قيل فيها: لا فرقَ عند الحنابلة في الحج. وفيه سبعة عشر مطلبًا. المطلب الأول: لا فرق بين قاطني مكة وغيرهم ممن هو بها في الإهلال بالحج أو العمرة من مكة. المطلب الثاني: لا فرق في تطيب من أراد الإحرام بين ما يبقى عينه من الطيب، أو أثره. المطلب الثالث: لا فرق بين قتل القمل، أو إزالته بإلقائه على الأرض، أو بالزئبق. المطلب الرابع: لا فرق في وجوب الفدية بين حلق الشعر أو إزالته بالنورة، أو قصه أو غير ذلك. المطلب الخامس: لا فرق في وجوب الفدية بين العامد والمخطئ، ومن له عذر ومن لا عذر له. المطلب السادس: لا فرق في فساد الحج بالجماع بين أن يكون الوطء في القبل أو الدبر من آدمي أو بهيمة. المطلب السابع: الوطء قبل رمي جمرة العقبة يفسد الحج، لا فرق بين ما قبل الوقوف وبعده. المطلب الثامن: لا فرق بين من حلق ومن لم يحلق، في عدم إفساد حجه بالوطء بعد الرمي. المطلب التاسع: لا فرق في ضمان الصيد بالدلالة والإشارة بين كون الدال في الحل أو الحرم. المطلب العاشر: لا فرق بين الحصر العام في حق الحاج وبين الخاص في حق شخص واحد. المطلب الحادي عشر: لا فرق في جواز تأخير الحلق والتقصير إلى آخر النحر بين القليل والكثير، والعامد والساهي. المطلب الثاني عشر: لا فرق في رمي جمرة العقبة يوم النحر بين الرمي بعد الفجر وبعد طلوع الشمس. المطلب الثالث عشر: لا فرق في ترك المبيت بمنى بين ليلة وأكثر. المطلب الرابع عشر: لا فرقَ في تأخير المتمتع صيام الثلاثة أيام في الحج عن يوم النحر، بين تأخيرها لعذر أو لغيره. المطلب الخامس عشر: لا فرق في وجوب الهدي على من فاته الوقوف بعرفة بين كونه ساق الهدي أو لا. المطلب السادس عشر: لا فرق في ولد الهدية بين ما عينه ابتداء وبين ما عينه بدلا عن الواجب في ذمته. المطلب السابع عشر: لا فرق في وقت الذبح للأضحية بين أهل المصر وغيرهم.

стр. 395

المطلب الأول: لا فرقَ بين قاطني مكة وغيرهم ممّن هو بها في الإهلال بالحج أو العمرة من مكة. صورة المسألة: إذا قدِمَ شخص لمكة وأقام بها، ثم أراد الإهلال بحج أو عمرة: فهل له الإهلالُ من مكة أم تلزمه العودة لميقاته والإهلال منه؟ جاء في المغني: "وأهل مكة إذا أرادوا العمرة، فمن الحِلِّ، وإذا أرادوا الحجَّ، فمن مكة أهلُ مكة، مَنْ كان بها، سواء كان مقيمًا بها أو غيرَ مقيم … لا فرقَ بين قاطني مكة وغيرهم ممن هو بها" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: ١ - عموم النصوص الواردة في المسألة، ومنها: ماجاء عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما وقَّتَ المواقيتَ قال: (هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) (٢). ٢ - استواء المكيّ وغيره ممن هو بمكة في معنى الاستيطان (٣). حكم المسألة: اتّفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على أن أهل مكة ومن أقام بها من غير أهلها؛ يُهِلّون بالعمرة والحج (٤) من مكة (٥)، واستدلّوا بما يلي:

стр. 396

الدليل الأوّل: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: (أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَحْلَلْنَا، أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى، قَالَ: فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ (١) (٢). الدليل الثاني: عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقْ الهَدْيَ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ)، فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ، فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ" (٣). وجهُ الدَّلالة من الحديثين: الحديثان نصٌّ في أن أهل مكة يُهِلّون منها بالعمرة والحج، سواء في ذلك من كان من مكة أو واردًا إليها (٤). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما وقَّتَ المواقيتَ قال: (هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) (٥).

стр. 397

وجهُ الدَّلالة من الحديث: بيَّنَ الحديث أن أهل مكة مهلُّهم من مكة، والعموم يشمل كل من أقام بمكة؛ لأن من أتى على ميقات كان ميقاتًا له (١).

стр. 398

المطلب الثاني: لا فرقَ في تطيُّب من أراد الإحرام، بين ما يبقى عينه من الطيب، أو أثره. صورة المسألة: إذا تطيَّب مريد الإحرام قبل إحرامه في بدنه: فهل له التطيب بكل طيب، سواء كان مما يبقي أثرًا أم لا؟ جاء في المغني: "ويتطيب، وجملة ذلك أنه يستحبُّ لمن أراد الإحرام أن يتطيب في بدنه خاصة، ولا فرقَ بين ما يبقى عينه كالمسك والغالية، أو أثره كالعود والبخور وماء الورد" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: عموم حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) (٢). حكم المسألة: ١ - اتَّفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على تحريم الطيب للمُحرِم حال إحرامه - مطلقًا - (٣). ٢ - واتَّفقوا على إباحة تطيُّبِ المحرم في بدنه قبل إحرامه بما لا يبقى أثره (٤). ٣ - واختلفوا في تطيبه في بدنه قبل إحرامه بما يبقى أثره على قولين:

стр. 399

القول الأوّل: يجوز للمُحرِم أن يتطيب قبل الإحرام في بدنه بما يبقى أثره، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: يُكرَه للمُحرِم أن يتطيب قبل إحرامه في بدنه بما يبقى أثره، وهو مذهب المالكية (٤)، وقول للحنفية (٥). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - يجوز للمحرم أن يتطيب قبل الإحرام في بدنه بما يبقى أثره - بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ، حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ (٦) الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ) (٧). الدليل الثاني: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) (٨). وجهُ الدَّلالة من الحديثين: دلَّت النصوص على إباحة تطيب المحرم في بدنه قبل الإحرام؛ وإن بقي أثره؛ لأن المراد بوَبِيص

стр. 400

الطيب في مفارق رسول الله ﷺ أثرُه (١). نوقِشَ: عن عائشة ﵂ (أنها طيَّبَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا) (٢). وفي طوافه على نسائه بعد تطيبه دليل على اغتساله قبل الإحرام، وبذلك يكون قد أحرم غير متطيب؛ فدلَّ تجنُّبُه له على كراهته للمُحرِم (٣). أُجيبَ: ليس في الحديث حُجّة، لأن طواف رسول الله ﷺ على نسائه يحتمل أنه كان لغير جماع؛ كأن يكون ليعلمهن كيف يحرمن أو غير ذلك (٤). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - يُكرَه للمِحرِم أن يتطيب قبل إحرامه في بدنه بما يبقى أثره - بما يلي: الدليل الأوّل: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ خَلُوقٍ - أَوْ قَالَ: صُفْرَةٍ - وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ … قَالَ: (أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ؟)، قَالَ: (اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الْخَلُوقِ - أَوْ قَالَ: أَثَرَ الصُّفْرَةِ -، وَاخْلَعِ الْجُبَّةَ عَنْكَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا صَنَعْتَ فِي حَجَّتِكَ) (٥). وجهُ الدَّلالة من الحديث: دلَّ أمر النبي ﷺ بغسل أثر الطيب، على كراهة تطيب المحرم بما يبقى أثره بعد الإحرام (٦). نوقِشَ من أوجُهٍ:

стр. 401

أ. اختلفت ألفاظ الحديث: فقد ورد في بعض ألفاظه "جُبّة بها أثر الخلوق (١) " وفي بعضها "وهو متضمخ بالخلوق" وفي بعضها "عليه ردع (٢) من زعفران". وهذا يدل على أن طيب الرجل كان في الجُبّة وليس في البدن، وكان من الزعفران، وهو منهيٌّ عنه للرجال في غير الإحرام (٣) ففي حال الإحرام من باب أَوْلى (٤). ب. واقعة هذا الحديث في سنة ثمان من الهجرة عام حنين، وحديث عائشة ﵂ في سنة عشر عام حجة الوداع؛ فيكون ناسخًا لما قبله (٥). ت. يحتمل أن تطيب الرجل كان بعد الإحرام (٦). الدليل الثاني: قياس تطيب المحرم بما يبقى أثره على سائر المحظورات التي يمنع ابتداؤها، فلم يجز استدامتها كاللبس وقتل الصيد (٧). نوقِشَ من أوجه: أ. هذا قياس مع الفارق؛ فاللباس يستعمل لينزع وليس على وجه الإتلاف؛ فالاستدامة فيه كالابتداء، وأما الطيب فيستعمل للإتلاف فلا تكون الاستدامة فيه كالابتداء (٨).

стр. 402

ب. ينتقض هذا القياس بالنكاح؛ فإن المحرم يُمنَع من ابتدائه دون استدامته (١). ت. هذا القياس معارض بقياس إباحة تطيب المحرم قبل إحرامه بما يبقى أثره على إباحة حلقه قبل إحرامه، بجامع أن بقاء الكل بعد الإحرام ليس بفعل منه (٢). الترجيح: بعد عرضِ الأقوال وأدلّتِها، يظهَرُ أن الراجح في المسألة - والله أعلم - القول الأوّل القائل: يجوز للمحرم أن يتطيب قبل الإحرام في بدنه بما يبقى أثره؛ وذلك لقوة هذا القول وسلامة استدلاله من المعارض الراجح، وورود المناقشات على استدلال القول المخالف.

стр. 403

المطلب الثالث: لا فرقَ بين قتل القمل، أو إزالته بإلقائه على الأرض، أو بالزئبق. صورة المسألة: إذا تأذَّى شخص بعد تلبسه بالإحرام من القمل، فأراد قتله أو إزالته: فهل يباح له ذلك؟ جاء في المغني: "ولا يتفلَّى المحرم، ولا يقتل القمل، ويحكّ رأسه وجسده حكًّا رفيقًا … ولا فرقَ بين قتل القمل، أو إزالته بإلقائه على الأرض، أو قتله بالزئبق" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: المعنى الذي منع المحرم لأجله من قتل القمل هو الترفه، وذلك متحقق في إزالة القمل أو قتله بأي صورة كانت (٢). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في حكم قتل المحرم للقمل أو إزالته بإلقائه على الأرض أو قتله بالزئبق على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: يُباح للمحرم قتل القمل وإزالته - مطلقًا -، وهو رواية عند الحنابلة (٣). القول الثاني: يحرم على المحرِم قتل القمل وإزالته - مطلقًا -، وهو مذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥)،

стр. 404

والحنابلة (١). القول الثالث: يُكره للمُحرِم قتلُ القمل أو إزالته من رأسه فقط، وهو مذهب الشافعية (٢). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - يُباح للمحرم قتل القمل وإزالته مطلقًا - بما يلي: الدليل الأوّل: - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا) (٣). وجهُ الدَّلالة من الحديث: يدلُّ الحديث بمعناه على إباحة قتل كل ما يتأذى منه الإنسان؛ فيلحق القمل بالمذكورات في الحديث في إباحة قتله لتحقق وصف الأذى فيه، وهو الوصف الذي أُنيط به الحكم (٤). الدليل الثاني: قياس القمل على البراغيث بجامع تحقق الأذى من الجميع (٥). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - يحرم على المحرم قتل القمل وإزالته مطلقًا - بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ (٦) ﵁، قَالَ: وقف عليّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 405

- بِالْحُدَيْبِيَةِ وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلًا، فَقَالَ: (يُؤْذِيكَ هَوَامُّ (١) رَأْسِكَ؟) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: (احْلِقْ رَأْسَكَ … فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ … ) (٢). وجهُ الدَّلالة من الحديث: في ترك كعب ﵁ للقمل حتى تناثر من رأسه، وإيجاب الفدية عليه، دليل على منع المحرم من قتل القمل أو إزالته بأي صورة، إذ لو كان مباحًا لما تركه، أو لأمره النبي ﷺ بإزالته خصوصًا (٣). نوقِشَ: دلالة الحديث ظاهرة في جواز إزالة كل ما يُتأذى منه، وإيجاب الفدية إنما كان من أجل حلق الرأس؛ لأن تناثر القمل عليه كان من شعث الإحرام، فلو كان محرِمًا لما أذن له (٤). الدليل الثاني: في قتل المحرم للقمل وإزالته عنه معنى الترفُّه، وهو ممنوع منه (٥). يمكن أن يناقَش: تقرَّر بالقواعد الشرعية أن "الضرر يزال" (٦) فكما أن على المكلف إزالة الضرر الواقع على غيره؛ فعليه إزالة الضرر الواقع على نفسه.

стр. 406

واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل - يُكره للمُحرِم قتلُ القمل أو إزالته من رأسه فقط – بـ: أن قتل المحرم لقمل الرأس فيه معنى إماطة الأذى عن رأسه (١). يمكن أن يناقَش: إباحة قتل القمل وإزالته منوطٌ بتحقق الإيذاء، سواء كان في الرأس أو البدن من غير كراهة. الترجيح: بعد عرضِ الأقوال وأدلّتِها، يظهَرُ أن الراجح في المسألة - والله أعلم - هو القول الأوّل القائل: يُباح للمحرم قتل القمل وإزالته - مطلقًا -؛ وذلك لقوة هذا القول ووجاهة استدلاله وموافقته لقواعد الشريعة.

стр. 407

المطلب الرابع: لا فرقَ في وجوب الفدية بين حلق الشعر أو إزالته بالنورة (١)، أو قصّه، أو غير ذلك. صورة المسألة: إذا حلق المحرِم رأسه، أو أزال شعره بنورة أو نحوها: فهل تجب عليه الفدية؟ جاء في المغني: "ومن حلق أربع شعرات فصاعدًا، عامدًا أو مخطئًا، فعليه صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ثلاثة آصُعٍ من تمر بين ستة مساكين، أو ذبح شاة، أي ذلك فعل أجزأه … ولا فرق في ذلك بين إزالة الشعر بالحلق، أو النورة، أو قصّه، أو غير ذلك" (٢). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: معنى الترف حاصل بإبانة الشعر، وهو متحقق في جميع صور الإزالة من حلق ونتف وقص وإحراق، فيستوي الحكم في جميعها (٣). حكم المسألة: اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على وجوب الفدية على المحرم إذا حلق شعره، أو قصّه، أو أزاله بالنورة ونحوها (٤)، واستدلّوا بما يلي:

стр. 408

الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١). وجهُ الدَّلالة من الآية: دَلالة النص تقتضي وجوب الفدية على المحرم إذا حلق شعره؛ والتقدير: فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه (فحلق) فعليه فدية، والقص وجميع صور الإزالة في معنى الحلق، فيثبت لها مثل حكمه (٢). الدليل الثاني: عن كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ آية الفدية خَاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً، حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: (مَا كُنْتُ أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى - أَوْ مَا كُنْتُ أُرَى الجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى - تَجِدُ شَاةً؟) فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ: (فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ) (٣). وجهُ الدَّلالة من الحديث: أوجبَ النبي ﷺ الفدية على كعب، بسبب الحلق الذي فيه إلقاء للتفث وإزالة الشعث، ويلحق بالحلق جميع ما في معناه من قصّ ونتف ونحوه (٤).

стр. 409

المطلب الخامس: لا فرقَ في وجوب الفدية بين العامد والمخطئ، ومن له عذر ومن لا عذر له. صورة المسألة: إذا حلق المحرم شعره: فهل يؤثر في وجوب الفدية عليه كونه حلق عامدًا أو ناسيًا، معذورًا أو غير معذور؟ جاء في المغني: "فصلٌ على المحرِم فدية إذا حلق رأسَه … وأنه لا فرقَ بين العامد والمخطئ، ومن له عذر، ومن لا عذر له" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: حلقُ المحرِم رأسه حال العمد أو النسيان يُعَدُّ إتلافًا؛ يوجب الفدية في الكل؛ من غير فرق (٢). حكم المسألة: ١ - اتَّفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على وجوب الفدية على المحرم إذا حلق رأسه عمدًا، معذورًا أو غير معذور (٣). ٢ - واختلفوا في وجوبها على الناسي على قولين:

стр. 410

القول الأوّل: لا تجب الفدية على المحرِم إذا حلق رأسه ناسيًا، وهو وجه عند الشافعية (١)، وقول للحنابلة (٢). القول الثاني: تجب الفدية على المحرم إذا حلق رأسه ناسيًا، وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - لا تجب الفدية على المحرم إذا حلق رأسه ناسيًا - بما يلي: الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٧). الدليل الثاني: قال رسول الله ﷺ : (عُفِيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان) (٨). وجهُ الدَّلالة من الآية والحديث: علَّمَ اللهُ عباده بنصِّ الآية أن يسألوه عدم المؤاخذة لهم بنسيان شيء مما افترضه عليهم، أو إصابة شيء حرَّمه عليهم؛ وقد قال "قد فعلت"، وجاء خبر النبي ﷺ مؤكدًا لهذا المعنى، وهذه العمومات تشمل كل نسيان؛ ومنها المحرِم إذا أخذ من شعره نسيانًا (٩). الدليل الثالث: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ خَلُوقٍ - أَوْ قَالَ: صُفْرَةٍ -،

стр. 411

وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ … قَالَ: (أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ؟)، قَالَ: (اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الْخَلُوقِ - أَوْ قَالَ: أَثَرَ الصُّفْرَةِ -، وَاخْلَعِ الْجُبَّةَ عَنْكَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا صَنَعْتَ فِي حَجَّتِكَ) (١). وجهُ الدَّلالة من الحديث: أمر النبي ﷺ الرجل بنزع الجُبّة وغسل الصُّفْرة، ولم يأمره بالفدية، فدلَّ سكوتُه عنها على سقوطها في حق المحرِم إذا ارتكب محظورًا ناسيًا له (٢). نوقِشَ: التحريم إنما ثبت في ذلك الوقت؛ بدليل انتظار النبي ﷺ للوحي حين سئل (٣). أُجيبَ: لا يُسلم بهذا التأويل؛ لأن النبي ﷺ أمره بنزع الجُبّة وغسل الصُّفْرة، وذلك لا يجب فعله قبل ثبوت التحريم (٤). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - تجب الفدية على المحرِم إذا حلق رأسه ناسيًا - بما يلي: الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٥). وجهُ الدَّلالة من الآية: دَلالة الآية تقتضي وجوب الفدية على المحرِم إذا حلق رأسه لأذًى به، وهو معذور (والناسي في معناه)، فكان ذلك تنبيهًا على وجوبها على غير المعذور من باب أَوْلى (٦). يمكن أن يناقَش: المعذور وغير المعذور يصدق عليهما وصف العمد في ارتكاب المحظور، أما

стр. 412

الناسي فضدّه، فلا يأخذ حكمه. الدليل الثاني: "السبب هو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم" (١)، وسبب وجوب الفدية على المحرم هو: حلقه شعره حال إحرامه؛ ومع تحقق السبب يستوي في الوجوب العامد وغيره (٢). نوقِشَ: الأصل فيما كان من باب المنهي عنه ألّا يؤثر فعله مع النسيان (٣). الدليل الثالث: القياس على وجوب الفدية على من جامع ناسيًا، بجامع أن كل محظور وجب تركه (٤). نوقِشَ من وجهين: أ. هذا القياس على أصل مختلف فيه، فلا يستقيم (٥). ب. ولو صحَّ القياس فإنه معارَضٌ بعموم نصوص رفع الحرج والمؤاخذة على الناسي، وهي مقدَّمة على الاجتهاد. الترجيح: بعد عرضِ الأقوال وأدلّتِها، يظهَرُ أن الراجح في المسألة - والله أعلم - هو القول الأوّل القائل: لا تجب الفدية على المحرِم إذا حلق رأسه ناسيًا؛ وذلك لقوة هذا القول وصحة أدلته، وضعف الاعتراضات الواردة عليها.

стр. 413

المطلب السادس: لا فرقَ في فساد الحج بالجماع بين أن يكون الوطء في القبل أو الدبر، من آدمي أو بهيمة. صورة المسألة: إذا جامع المحرِم بحج أو عمرة حال الإحرام: فهل يفسد حجه، سواء كان ذلك الجماع في قُبُل أو دُبُر من آدمي أو بهيمة؟ جاء في المغني: "ولا فرقَ بين الوطء في القبل والدبر، من آدمي أو بهيمة" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: ١ - الوطء في الدبر ووطء البهيمة يستويان في الحرمة على غير المحرم؛ فلزم استواؤهما في الحرمة على المحرِم بطريق الأَوْلى (٢). ٢ - الدبر أحد السبيلين، فأشبه القبل، ومقتضى ذلك استواؤهما في الحكم (٣). حكم المسألة: ١ - اتَّفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على فساد الحج بالجماع في القبل من الآدمي (٤). ٢ - واختلفوا في فساده بكل من: الجماع في الدبر، وبوطء البهيمة، على قولين:

стр. 414

أوّلًا: الخلاف في فساد الحج بالجماع في الدبر: القول الأوّل: يَفسد الحج بالجماع في الدبر، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: لا يَفسد الحج بالجماع في الدبر، وهو قول للحنفية (٥). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - يَفسد الحج بالجماع في الدبر - بما يلي: الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٦). الدليل الثاني: عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (٧). وجهُ الدَّلالة من الآية والحديث: في النصوص نهي صريح عن الرفث في الحج، والرفث هو: الجماع، "والنهي يقتضي الفساد" (٨)، وعموم اللفظ يشمل كل جماع؛ سواء كان في قبل أو دبر أو جماع بهيمة (٩).

стр. 415

الدليل الثالث: الوطء في الدبر تنقضي به الشهوة، ويشبه الوطء في القبل بدليل إيجاب الغسل به (١). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - لا يَفسد الحج بالجماع في الدبر - بما يلي: الدليل الأوّل: لا يثبت الإحصان بالوطء في الدبر، فلا يفسد الحج به (٢). نوقِشَ: المعنى الذي مُنع لأجله المحرِمُ من الوطء في القبل هو قضاء الشهوة، وهو متحقق في الوطء في الدبر، بدليل وجوب الغسل منه (٣). الدليل الثاني: لا يَفسد الحج بالوطء في الدبر؛ لقصور قضاء اللذة فيه، بسبب سوء المحل، أشبه الوطء دون الفرج (٤). نوقِشَ: الوطء فيما دون الفرج يفارق الوطء في الدبر في كثير من الموجبات، فلا يجب به مهرٌ، ولا عدّة، ولا غسلٌ إلّا أن ينزل (٥). الترجيح: بعد عرضِ الأقوال وأدلّتِها، يظهَرُ أن الراجح في المسألة - والله أعلم - هو القول الأوّل القائل: يَفسد الحج بالجماع في الدبر؛ وذلك لقوة هذا القول وصحة أدلته التي لا تقوى أدلة المخالفين العقلية على معارضتها. ثانيًا: الخلاف في فساد الحج بجماع البهيمة: القول الأوّل:

стр. 416

يَفسد الحج بجماع البهيمة، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: لا يَفسد الحج بجماع البهيمة، وهو مذهب الحنفية (٤)، وقول بعض الحنابلة (٥). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - يَفسد الحج بجماع البهيمة – بـ: العمومات التي نصَّتْ على منع الجماع للمحرم، وقد سبق ذكرها في المسألة السابقة. واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - لا يَفسد الحج بجماع البهيمة – بـ: أن وطء البهيمة شبهة كالوطء دون الفرج، لا يوجب الحد؛ فلا يفسد به الحج (٦). يمكن أن يناقَش: الحدود تُدرأ بالشبهات، ولذلك لم يجب الحد، أمّا فساد الحج فمتعلق بالرفث، وهو متحقق هنا. الترجيح: بعد عرضِ الأقوال وأدلّتِها، يظهَرُ أن الراجح في المسألة - والله أعلم - هو القول الأوّل القائل: يفسد الحج بجماع البهيمة؛ وذلك لقوة هذا القول ووجاهته وصحة أدلته في مقابلة ضعف القول المخالف.

стр. 417

المطلب السابع: الوطء قبل رمي جمرة العقبة يُفسد الحج، لا فرقَ بين ما قبل الوقوف وبعده. صورة المسألة: إذا جامع المحرِم بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأوّل: فهل يَفسد حجه بذلك الجماع؟ جاء في المغني: "ومن وطئ قبل رمي جمرة العقبة، فقد فسد حجهما … ولا فرقَ بين ما قبل الوقوف وبعده" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: الجماع أحد محظورات الإحرام التي يمتنع عنها المحرم طيلة تلبسه بالإحرام، فيستوي في ذلك ما قبل الوقوف وبعده (٢). حكم المسألة: ١ - اتَّفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على فساد الحج بالجماع قبل الوقوف بعرفة (٣). ٢ - واختلفوا في فساده بالجماع بعد الوقوف وقبل التحلل الأوّل، على قولين: القول الأوّل: يَفسد الحج بالجماع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأوّل، وهو مذهب المالكية (٤)،

стр. 418

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). القول الثاني: لا يَفسد الحج بالجماع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأوّل، وهو مذهب الحنفية (٣)، وقول للمالكية (٤). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - يَفسد الحج بالجماع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأوّل - بما يلي: الدليل الأوّل: - قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٥). وجهُ الدَّلالة من الآية: نهى الله عن الجماع في الحج، والنهي يقتضي فساد المنهيّ عنه، وهو عامٌّ يشمل ما قبل الوقوف وبعده، فيبقى على عمومه ما لم يرد ما يخصصه (٦). الدليل الثاني: عن عُمَرُ بن الخطاب – ﵁ قال فِي مُحْرِمٍ بِحَجَّةٍ أَصَابَ امْرَأَتَهُ، يَعْنِي وَهِيَ مُحْرِمَةٌ: "يَقْضِيَانِ حَجَّهُمَا، وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ مِنْ حَيْثُ كَانَا أَحْرَمَا، وَيَفْتَرِقَانِ حَتَّى يُتِمَّا حَجَّهُمَا" (٧). وجهُ الدَّلالة: جاء الجواب في المحرِم إذا جامع امرأته مطلقًا، لا تفصيل فيه بين ما قبل الوقوف وبعده، وتركُ

стр. 419

التفصيل يفيد العموم، فيكون حكمهما واحدًا وهو الفساد (١). الدليل الثالث: الإجماع: فقد رُوِيَ عن غير واحد من الصحابة (٢) القول بفساد حج مَنْ جامع بعد الوقوف بعرفة، ولم يُعرف لهم مخالف، فكان إجماعًا (٣). الدليل الرابع: الجماع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأوّل قد صادف إحرامًا تامًّا، فأفسده كما لو كان قبل الوقوف (٤). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - لا يَفسد الحج بالجماع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأوّل - بما يلي: الدليل الأوّل: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ) (٥). الدليل الثاني: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتٍ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ) (٦). وجهُ الدَّلالة من الحديثين:

стр. 420

علق النبي ﷺ إتمام الحج بالوقوف بعرفة، وليس المراد حقيقة التمام؛ لبقاء ركن الطواف، فقد تم الحج حكمًا، ومقتضى التمام الحكمي أمن الفساد وامتناع وروده على حج من جامع بعد الوقوف بعرفة (١). نوقِشَ من وجهين: أ. معنى قوله ﵇: «الحج عرفة» أي معظمه عرفة، وهو الركن المتأكد فيه، ولا يلزم من أمن فوات الحج أمن فساده بدليل أن العمرة يؤمن فواتها ولا يؤمن فسادها (٢). ب. إدراك العبادة في وقتها لا يمنع ورود الفساد عليها، كما لو أدرك المصلي الجماعة بركعة لم يمنع ذلك تعرض صلاته للفساد (٣). الدليل الثالث: بعد الوقوف بعرفة لا يبقى على المحرم ركن إلّا طواف الإفاضة، والجماع قبله وبعد التحلل الأوّل لا يفسد به الحج، وإذا لم يبطل قبل الإفاضة مع بقاء الواجبات التي لو تركها بالكلية لم يبطل حجه؛ فلئن أفسدها لم يبطل من باب أَوْلى (٤). نوقِشَ: ترك العبادة أخف من إبطالها بالكلية، ولهذا لو ترك صوم رمضان، لم تجب عليه كفارة، ولو جامع فيه مع النية، وجبت الكفارة، ولو ترك حج النافلة، لم يكن عليه شيء، ولو أبطله لأثِمَ، ولزمه القضاء والهدي، فإن جامع المحرِم بعد الوقوف وقبل التحلل فقد تعدى الحد، بخلاف التارك، وكذلك سائر العبادات فلو ترك رمي الجمرة حتى فات وقتها، أو ترك الحلق، فالإحرام باقٍ عليه (٥). الترجيح: بعد عرضِ الأقوال وأدلّتِها، يظهَرُ أن الراجح في المسألة - والله أعلم - هو القول الأوّل القائل:

стр. 421

يفسد الحج بالجماع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأوّل؛ وذلك لقوة هذا القول وصحة أدلته وسلامتها من المعارض الراجح، لأن الإجماع حجة قاطعة تترك بها الظواهر.

стр. 422

المطلب الثامن: لا فرقَ بين من حلق ومن لم يحلق، في عدم فساد حجه بالوطء بعد الرمي. صورة المسألة: إذا جامع الحاجّ بعد رمي جمرة العقبة: فهل يفسد حجه؟ جاء في المغني: "وإن وطئ بعد رمي جمرة العقبة، فعليه دم، ويمضي إلى التنعيم فيحرم؛ ليطوف وهو محرم … ولا فرقَ بين من حلق ومن لم يحلق، في أنه لا يفسد حجه بالوطء بعد الرمي" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: ١ - الحج عبادة لها تحليلان، وإذا وجد المفسد بعد التحلل الأوّل لم تَفسد؛ كما في الصلاة (٢). ٢ - الحلق يعتبر خروجًا من النُّسُك وليس نُسُكًا بذاته، وعليه فإن التحلل الأوّل مرتب على رمي الجمرة (٣). حكم المسألة: ١ - اتَّفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على عدم فساد من جامع بعد رمي جمرة العقبة والحلق (٤). ٢ - واختلفوا في فساد حج من جامع بعد الرمي ولم يحلق، على قولين:

стр. 423

القول الأوّل: لا يَفسد حج من جامع بعد رمي جمرة العقبة ولم يحلق، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: يَفسد الحج بالجماع بعد رمي جمرة العقبة وقبل الحلق، وهو قول للمالكية (٥)، ووجه للشافعية (٦)، والحنابلة (٧). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - لا يفسد حج من جامع بعد رمي جمرة العقبة ولم يحلق- بما يلي: الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٨). الدليل الثاني: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتٍ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ) (٩). وجهُ الدَّلالة من الآية والحديث: بيَّنت النصوص أن من وقف بعرفة وتحلل التحلل الأوّل، فقد أتم نُسُكَه، وقضى تفثه، وما أتمه

стр. 424

وقضاه، فقد سلم من الإبطال (١). الدليل الثالث: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ بِأَهْلِهِ، وَهُوَ بِمِنًى، قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَة (٢). وجهُ الدَّلالة من الحديث: أمر ابن عباس ﵁ السائل أن ينحر، ولم يأمره بقضاء الحج؛ وهذا يدل على أن حجه صحيح؛ لأن الوطء وقع بعد التحلل برمي جمرة العقبة دون تعرض لذكر الحلق (٣)، ولم يخالف في ذلك أحد من الصحابة، فكان إجماعًا (٤). الدليل الرابع: إذا جاز للمحرِم بعد رمي جمرة العقبة الخروج من إحرامه بفعل ما ينافيه وهو الحلق، فلا يَفسد بالوطء؛ لأن الإحرام لم يكن باقيًا على حاله (٥). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - يَفسد الحج بالجماع بعد رمي جمرة العقبة وقبل الحلق - بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ أوِ النِّكاحَ) (٦). وجهُ الدَّلالة من الحديث:

стр. 425

الحديث نصٌّ صريح في أن المحرِم يحل من إحرامه التحلل الأوّل بعد الرمي والحلق، ومقتضى ذلك حرمة الجماع قبل الحلق وفساد الحج به (١). نوقِشَ: هذا الحديث ضعيف، فلا يصحُّ الاحتجاج به (٢). والذي صح في ذلك هو ما رواه النسائي، أن رسول الله ﷺ قال: (إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ، إِلَّا النِّسَاءَ) (٣) ومقتضاه حصول التحلل الأوّل بالرمي وحده، فمن جامع بعده لم يَفسد حجه ولو لم يحلق (٤). الدليل الثاني: المحرِم ممنوع من الوطء قبل التحلل الأوّل لإبقاء الإحرام عليه، فلو جامع قبل الحلق فسد حجه، كما لو جامع قبل الوقوف (٥). نوقِشَ: المحرِم بعد رمي جمرة العقبة ليس بمحرمٍ، بدليل إباحة قتل الصيد ولبس الثياب له، وإنما بقي عليه شيء من الإحرام وهو تحريم الوطء، ومجرد تحريم الوطء لا يُفسد ما مضى قبله من العبادة (٦). الترجيح: بعد عرضِ الأقوال وأدلّتِها، يظهَرُ أن الراجح في المسألة - والله أعلم - القول الأوّل القائل: لا يفسد حج من جامع بعد رمي جمرة العقبة ولم يحلق؛ لقوة هذا القول وصحة أدلته، في مقابلة
следующие страницы →