← Акыда

Акыда · id 11093

تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (399 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

[صفة النزول] " وتواترت الأخبار، وصحت الآثار بأن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا " شرع المؤلف ﵀ هنا في الكلام على صفة النزول، وهي صفة فعلية من صفات الله جل وعلا متعلقة بمشيئته سبحانه، دل عليها حديث رسول الله ﷺ ، وقد نص غير واحد من أهل العلم، منهم ابن عبد البر ١، وشيخ الإسلام ابن تيمية ٢، وابن القيم ٣، والذهبي"٤ على أنَّ هذا الحديث متواتر. وممن نصَّ على تواتره أيضاً الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي، حيث صدَّر كلامه على هذه الصفة بقوله: " وتواترت الأخبار " فهو ممن قرر أن حديث النزول حديث متواتر، وأكده في نهاية كلامه على هذه الصفة، حيث أورد جمعاً من الصحابة ممن رووا هذا الحديث عن رسول الله ﷺ . والنزول عند أهل السنة والجماعة حق، والقول فيه كالقول في سائر الصفات، فهم يقولون: إنَّ الرب ينزل إلى سماء الدنيا كما أخبر بذلك رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ولا يخوضون في نزوله بتكييف أو تمثيل أو تعطيل، بل يثبتون لله نزولاً حقيقياً يليق بجلاله وكماله وعظمته سبحانه، لا يشبه نزول المخلوقين. وما يلزم في نزول المخلوق من النقص والحاجة والافتقار ليس بلازم

стр. 107

للنزول عندما يضاف إلى الرب سبحانه، فإنَّ ما يضاف إلى الرب ﵎ يخصه ويليق بجلاله وكماله، وما يضاف إلى المخلوق يخصه ويليق بضعفه ونقصه كما سبق تقريره. وإثبات أهل السنة للنزول ـ وسائر الصفات ـ إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف؛ فإنَّه لم يأت في النصوص ذكر كيفية صفات الله ﵎، وإنما جاء فيها الإخبار عنه سبحانه بذكر صفاته ونعوت كماله؛ فأخبرنا النبي ﷺ أنَّ الله ﵎ ينزل، ولم يخبرنا كيف ينزل. فلا سبيل إلى الخوض في معرفة كيفية صفاته، بل الواجب قطع الطمع عن إدراكها، ومن خاض في طلب معرفتها فقد خاض في أمر لا سبيل إلى نيله وتحصيله. ولما ذكر المصنف ﵀ أنَّ الأحاديث في هذه الصفة صحيحة متواترة، بيَّن موقف المسلم صاحب السنة من هذه النصوص، فقال: " فيجب الإيمان به والتسليم له " هذا هو الموقف، يجب على المسلم أن يؤمن بنزول الله إلى السماء الدنيا؛ لثبوته في الأحاديث الصحيحة المتواترة، وأن يتلقاه بالقبول والتسليم. " وترك الاعتراض عليه " أي: وأن لا يقابل ذلك بالانتقاد والاعتراض، إذ كيف يليق بمسلم أن ينتقد أو يعترض على ما ثبت عن الرسول الكريم ﷺ . " وإمراره من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول " هذه هي المحترزات التي سبقت الإشارة إليها، والتي يجب على المسلم أن يحترز منها عند إثباته الصفات لله ﵎، وأن يحذر تمام الحذر من

стр. 108

الوقوع فيها، وهي: التكييف والتمثيل والتأويل والتعطيل. " ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول " التنزيه في صفات الله ﵎ مطلوب، فواجب على المسلم أن ينزه الله ﵎ عمَّا لا يليق به، فينَزَّه سبحانه عن النقائص والعيوب، وعن أن يقال في شيء من صفاته إنها تشبه صفات المخلوقين. أما تنزيه المبتدعة فهو باطل؛ لأنه تعطيل للصفات وعدم إثبات لها، ولهذا كان من تسبيحات بعضهم قوله: سبحان المنزه عن الصفات. فهم ينزهون الله تعالى عما يليق به؛ فينزهونه عن النزول، وهو صفة ثابتة لله تليق به، أضافها إليه رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وهكذا القول في الاستواء واليد وجميع الصفات، فلا يجوز أن ننزهه تنزيهاً يفضي إلى نفي اليد، ولا يجوز أن ننزهه تنزيهاً يترتب عليه نفي الاستواء. ولهذا فإن التسبيح الذي ينفي عن الله صفاته ليس هو في الحقيقة تسبيحاً، وإنما هو تعطيل للصفات، قال ابن هشام ﵀:"ألا ترى أن تسبيح المعتزلة اقتضى تعطيل كثير من الصفات"١. وقال ابن رجب ـ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ٢ ـ:"سبِّحه بما حمد به نفسه، إذ ليس كلُّ تسبيح بمحمود، كما أنَّ تسبيح المعتزلة يقتضي تعطيل كثير من الصفات"٣ هذا هو التنزيه الذي يذمه المصنف، والسلف عموماً. فهذه الكلمة " ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول "كلمة دقيقة ومتينة جداً، وخصوم المصنف ﵀ في زمانه لما شنَّعوا عليه عند ولاة الأمر، شنعوا

стр. 109

عليه بكلمات في كتابه، منها هذه الكلمة ١ التي تبين أساس الخلل الذي وقعوا فيه؛ فقد أتى على الشيء الذي يتشبثون به لتعطيل الصفات فنبه عليه، ورد على المعطلة الذين يوهمون الناس أنهم منزهة لله ﵎، فكشف حقيقة أمرهم، وجلَّى واقع حالهم. قال الحافظ ابن رجب:"أما قوله: " ولا أنزهه تنزيهاً ينفي حقيقة النزول " فإن صح هذا عنه ٢ فهو حق، وهو كقول القائل: لا أنزهه تنزيهاً ينفي حقيقة وجوده، أو حقيقة كلامه، أو حقيقة علمه، أو سمعه، أو بصره، ونحو ذلك"٣. لما قرر المصنف ﵀ هذه الخلاصة بدأ يورد الأدلة الدالة على نزول الرب ﵎ فقال: " فروى أبو هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال:"ينزل ربنا كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر"وفي لفظ:"ينزل الله "" عندما تتأمل هذا الحديث تجد أنَّ النبي ﷺ أسند فيه النزول إلى الرب، فقال: " ينزل ربنا "، وفي بعض ألفاظ الحديث كما نبه المصنف " ينزل الله "، والحديث كما تقدم حديث متواتر، ومعنى هذا أنَّ عدداً كبيراً من الصحابة سمعوه من النبي ﷺ ، وكلُّ واحد منهم سمعه من النبي ﷺ بهذا

стр. 110

اللفظ: " ينزل ربنا " فلو كان الذي ينزل غير الله: إما الملَك، أو الرحمة، أو الأمر، أو غير ذلك مما يدعيه معطلة هذه الصفة، لكان اللائق بنصح النبي ﷺ وبيانه وفصاحته أن يقول ـ في كلِّ مرة ـ: ينزل ملَك ربنا، أو يقول: تنزل رحمة ربنا، أو يقول ذلك على أقل تقدير في بعض المرات حتى يحمل هذا على هذا. أما أن يسمع الجميع منه هذا الحديث بلفظ: " ينزل ربنا "، وهو يقصد أن الذي ينزل غير الله، إما ملَك الله أو رحمته أو أمره، فلا يمكن ذلك؛ فإنَّ الخطاب بهذه الطريقة وهذا الأسلوب فيه تعمية على الناس، وهو أشبه بالألغاز والأحاجي منه بالنصح والبيان. فهل يُعقَل أن يقول مدرس لطلابه: جاء الأستاذ. وهو يقصد: جاء أخوه؟ أو يقول: جاء الطالب. وهو يقصد: جاء والد الطالب. ولا يكون في كلامه أيُّ قرينة يفهم منها السامع أن الذي جاء والد الطالب، ويريد أن يفهم المخاطبون أن الذي جاء هو والد الطالب. هل هذا يكون بياناً وإيضاحاً؟! عددٌ كبير من الصحابة يصلون إلى ثمانية وعشرين صحابياً ـ كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ ١ ـ يقول لهم النبي ﷺ : " ينزل ربنا " " ينزل الله "، كلُّهم يسمعونه بهذا اللفظ، وهو عند هؤلاء المتكلمين يقصد أن الذي ينزل هو الملَك. أيليق بنصح النبي ﷺ إذا كان الذي ينزل الملك أو الرحمة، وليس الرب ـ أن يقول لهذا العدد الكبير من الصحابة، وفي أوقات مختلفة: ينزل ربنا. والذي ينزل غير الله؟! هذا يتنافى مع كمال نصح النبي ﷺ ، بل فيه طعن في نصحه ﷺ .

стр. 111

وهذا أحد الأوجه التي ذكرها أهل العلم في الرد على من يتأول النزول أو ينفي حقيقته عن الله ﵎. " حين يبقى ثلث الليل الآخر " أي: في الثلث الأخير من الليل، هذا هو وقت النزول الإلهي، وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث الأخرى ذكرُ أوقات أخرى للنزول، مثل: "حين يمضي ثلث الليل الأول "، أو: " حين يمضي نصف الليل ". فإن كانت تلك الروايات ثابتة فهي محمولة ـ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ على تعدد النزول، وإلا فالأصح هو ما في هذه الرواية: " حين يبقى ثلث الليل الآخر " ١. " يقول " أي الذي ينزل، وهو الله . " من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له " إذا كان الذي ينزل ـ على زعم هؤلاء ـ هو الملَك، أيصح أن يقول"ـ مخاطباً الناس ـ: من يدعوني، من يسألني، من يستغفرني؟! فهذا من الوجوه التي تبين فساد تأويل هؤلاء وتعطيلهم لهذه الصفة، فالملَك لا يقول ذلك؛ لأنه يجعل بذلك نداً مع الله ، يُدعى ويُسأل، ويُستغاث به ويُطلب منه. ولو كان الذي ينزل الملَك لكانت الصيغة مختلفة، كأن يقول: " ينزل ملَك ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: إن ربكم يقول: من يسألني ومن يدعوني ومن يستغفرني " كما في الحديث الآخر:"إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إنَّ الله يحب فلاناً فأحببه، فيحبه

стр. 112

جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إنَّ الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القبول في الأرض"١. " ولا يصح حمله على نزول القدرة، ولا الرحمة، ولا نزول الملك " لما أثبت المصنف ﵀ النزول، وذكر حديث أبي هريرة دليلاً عليه، أشار إلى التأويل الذي حصل من المبتدعة أهل الأهواء لهذه الصفة، حيث أولوا النزول بنزول القدرة أو الرحمة أو الملَك. وقد نبه أهل العلم على أمر يتعلق بالرد على من يحرف النزول ويصرفه عن بابه الذي دلت عليه السنة، فقالوا: ينظر أولاً في حال هذا المتأول، هل هو ممن يثبت علو الله أم لا. فإن كان لا يثبت العلو ولا يؤمن به فيقال له: ممن ينزل الأمر، وممن تنزل الرحمة، وممن ينزل الملَك، وما عندك فوق إله؛ إذ إنك لا تثبت علو الله. وإن كان يثبت العلو، ويقول: إنَّ الذي ينزل هو الرحمة أو الملَك أو الأمر فيناقش بالطريقة الأخرى التي منها: بعض الوجوه التي أشرت إليها سابقاً، ومنها ما ذكره المصنف ﵀ حيث أورد روايات أخرى للحديث تقصم ظهور هؤلاء المعطلة، فقال: " لِمَا روى مسلم بإسناده عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال:"ينزل الله إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل فيقول: أنا الملِك، أنا الملِك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، حتى يضيء الفجر"" ومقصود المصنف ﵀ من إيراد هذه الرواية هو لفظة: " أنا الملِك

стр. 113

أنا الملِك " فهي قاصمة لظهور هؤلاء المتأولين، فيقول لهم المصنف: إذا كان الذي ينزل هو ملَك من الملائكة، أيقول هذا الملَك: أنا الملِك أنا الملِك؟! لا يمكن أن يقول ذلك، وإلا كان مدَّعياً لنفسه الألوهية والربوبية، وأنه شريك لله في الملك، أو متفرد به من دون الله. ثم أورد حديث رفاعة بن عَرابة ـ بفتح العين ـ الجهني أيضاً للفظة فيه تقصم ظهور أهل التأويل، فقال: " وروى رفاعة بن عَرابة الجهني أنَّ رسول الله ﷺ قال:"إذا مضى نصف الليل أو ثلث الليل، ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي أحداً غيري، من ذا الذي يستغفرني أغفر له، من ذا الذي يدعوني أستجيب له، من ذا الذي يسألني أعطيه. حتى ينفجر الصبح" رواه الإمام أحمد " ساق المؤلف هذا الحديث لأجل هذه اللفظة: " لا أسأل عن عبادي أحداً غيري " ففيها أبلغ الرد على هؤلاء المعطلة، إذ لو كان الذي ينزل هو الملَك: جبريل أو غيره، لم يصح أن يقول: " لا أسأل عن عبادي أحداً غيري "؛ فإنَّ هذا لا يقوله إلا الله . ولما أورد المصنف ﵀ هذين الحديثين لأجل اللفظتين السابقتين قال: " وهذان الحديثان يقطعان تأويل كلِّ متأول، ويدحضان حجة كلِّ مبطل " أي يكفي أن تقول لهم: هل الذي تزعمون أنه ينزل هو الذي يقول: " أنا الملِك، أنا الملِك "؟! ، وهل الذي تزعمون أنه ينزل هو الذي يقول: " لا أسأل عن عبادي أحداً غيري "؟! وكما ذكر المصنف، هذان اللفظان يقطعان

стр. 114

تأويل كلِّ متأول، ويدحضان حجة كلِّ مبطل. ثم لما ذكر الأحاديث السابقة: حديث أبي هريرة من طريقين وحديث رفاعة، أشار إلى ما يؤكد المعنى الذي سبق أن أشار إليه في صدر كلامه عن هذه الصفة، وهو أنَّ الحديث متواتر عن النبي ﷺ ، فأورد أسماء جماعة من الصحابة ممن رووا هذا الحديث، فقال: " وروى حديث النزول: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وعمرو بن عبسة، وأبو الدرداء، وعثمان بن أبي العاص، ومعاذ بن جبل، وأم سلمة زوج رسول الله ﷺ ، وخلق سواهم " وممن جمع أحاديث النزول: الدارقطني في كتاب " النزول "، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية أورد جملة من هذه الأحاديث في كتابه: " شرح حديث النزول ". وقال الإمام اللالكائي:"رواه عن النبي ﷺ عشرون نفساً"١، وذكر جملة منهم. وقال ابن القيم:"رواه ـ أي حديث النزول ـ عن النبي ﷺ نحو ثمانية وعشرين نفساً"، ثم ساق أحاديثهم ٢. ثم لما أورد المصنف ﵀ النصوص قرر العقيدة التي يعتقدها أهل السنة بناء على هذه الأحاديث، فقال: " ونحن مؤمنون بذلك مصدقون، من غير أن نصف له كيفية، أو نشبهه بنزول المخلوقين " " نحن ": أي أهل السنة، المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . " مؤمنون بذلك مصدقون " أي: مقرون بأنَّ الله ينزل إلى سماء الدنيا،

стр. 115

كما أخبر بذلك رسوله ﷺ . " من غير أن نصف له " أي: نزول الله. " كيفية " أي: لا نكيف النزول، وليس من أهل السنة أحد يحاول أن يقدر في ذهنه كيفية لنزول الله ﵎ فضلاً عن أن يتكلم بلسانه بشيء من ذلك، فنؤمن بأنَّه ينزل حقيقة إلى السماء الدنيا، لكننا نجهل كيفية نزوله. " أو نشبهه بنزول المخلوقين " أي: لا يقاس نزول الله ﵎ بنزول المخلوقين، فلنزول المخلوقين لوازم مختصة بهم، وهي النقص والاحتياج والافتقار. أما نزول الله فهو نزول يليق بجلاله وكماله. جاء عن أحد السلف وهو أبو جعفر الترمذي ﵀ نظير قول الإمام مالك عندما سُئل عن الاستواء، فقد سأله رجل عن النزول، فقال له: النزول كيف يكون، يبقى فوقه علو؟ فقال:"النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"١. وهذا مما يؤكد لنا أنَّ قول الإمام مالك ﵀ هو بمثابة القاعدة، تطبق في جميع الصفات، وليس مختصاً بالاستواء. قال الذهبي ـ تعليقاً على هذا الأثر ـ:"صدق فقيه بغداد وعالمها في زمانه؛ إذ السؤال عن النزول ما هو: عيٌّ؛ لأنَّه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة، وإلا فالنزول والكلام والسمع والبصر والعلم والاستواء عبارات جليلة واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء، فالصفة تابعة

стр. 116

للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر"١. ثم شرع المصنف ﵀ في ذكر بعض الآثار عن السلف في ذلك، فقال: " وقد قال بعض العلماء: سئل أبو حنيفة عنه ـ يعني عن النزول ـ فقال: ينزل بلا كيف " هذا ذكره البيهقي في كتابه " الأسماء والصفات " ٢. " ينزل بلا كيف " هذه طريقة أهل السنة، " ينزل ": أي نثبت النزول لله جل وعلا على الوجه اللائق بجلاله وكماله. " بلا كيف ": أي بدون أن نحدد لهذا النزول كيفية. " وقال محمد بن الحسن الشيباني ـ صاحبه ـ:"الأحاديث التي جاءت أنَّ الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات، فنحن نرويها، ونؤمن بها، ولا نفسرها"" " الأحاديث التي جاءت أنَّ الله يهبط إلى سماء الدنيا " يهبط أي: ينزل، وقد جاء الحديث في بعض رواياته بلفظ: " يهبط "، فعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:"إذا كان ثلث الليل الباقي، يهبط الله إلى السماء الدنيا"٣. " ونحو هذا من الأحاديث " أي التي جاء فيها التصريح بنزول الله ﵎ إلى سماء الدنيا.

стр. 117

" إنَّ هذه الأحاديث قد روتها الثقات، فنحن نرويها " لاحظ المنهج، هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها. أهل البدع لا يروونها ولا يعتدون بها، وإنما يخوضون في ردها وتأويلها. " ونؤمن بها " يعني نصدق ونقر بمدلولها، وبما جاء فيها من أخبار. " ولا نفسرها " أي: تفسيرات الجهمية، التي هي تحريف وصرف للفظ عن ظاهره ومدلوله، فهذا التفسير باطل ١. والسلف ﵏ عندما يقولون: " لا نفسرها " أو " لا تفسر " أي أحاديث الصفات، يقصدون: لا تفسر تفسيرات الجهمية. أما تفسيرها الذي هو فهم معناها، ومعرفة مدلولها على ضوء مقتضى اللغة التي خوطبنا بها فمطلوب ومتعين. " وروينا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كنت أنا وأبي عابرين في المسجد، فسمع قاصاً يقص بحديث النزول، فقال: إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل الله إلى سماء الدنيا، بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال. فارتعد أبي ﵀، واصفر لونه، ولزم يدي، وأمسكته حتى سكن، ثم قال: قف بنا على هذا المتخوض، فلما حاذاه قال: يا هذا، رسول الله ﷺ أغير على ربه منك، قل كما قال رسول الله ﷺ . وانصرف " ثم أورد ﵀ هذا الأثر عن الإمام أحمد في قصة سماعه لهذا القاص، وإنكاره عليه. وهذا الخبر ذكره أيضاً مرعي الكرمي الحنبلي في كتابه " أقاويل الثقات في أحاديث الصفات " ٢. وهو غاية في الجمال والحسن،

стр. 118

وفيه الرد على باطل هؤلاء المبطلين، وتكلفات المتخرصين في الكلام حول صفات الله تعالى. فالإمام أحمد مر على هذا القاص وهو يقص بحديث النزول، وعادة كثير منهم التزيد في الكلام، وعدم الاقتصار؛ لأنَّ للقاص مهمة معينة، وهدفاً محدداً، وهو أن يؤثر على الناس. فتراه يزيد في الكلام، ويتوسع في الأخبار، ويضيف إليها إضافات. ولهذا يقول الإمام أحمد ﵀:"أكذب الناس السؤَّال والقصاص"١، السؤَّال: الذين يسألون الناس حاجتهم ويشكون إليهم فقرهم، فمثل هؤلاء يكثر فيهم الكذب؛ لأنهم يريدون التأثير على من أمامهم. وكذلك الشأن في القصاص، فانظر إلى هذه الزيادات من هذا القاص: " بلا زوال، ولا انتقال، ولا تغير حال " أشياء من عنده أضافها للحديث، وهي ألفاظ مجملة أطلقها المتكلمون وجعلوها متكأً لهم في تعطيل الصفات. فلما سمع الإمام أحمد هذا الكلام " ارتعد، واصفر لونه، ولزم يدي " أي: أمسك بيده. وهذا الوصف يكثر في السلف، فتراهم يتأثرون تأثراً بالغاً مثل تأثرنا لأمور الدنيا. نحن في أمور الدنيا يرتعد الواحد منا، ويصفر لونه، وتحمر بشرته. بينما السلف ﵏ ما كان يظهر عليهم هذا التأثر في أمور الدنيا، لكن إذا انتهكت حرمات الله، واعتُدِي على صفات الله ﵎ ظهر عليهم ذلك.

стр. 119

ولهذا يستغرب بعض الناس عندما يسمع خبر مالك ﵀ لما جاءه المبتدع وسأله عن الاستواء، كيف استوى؟ وأنه غضب وعلاه الرحضاء، أي: صار يتصبب عرقاً من شدة الغضب والتأثر. " ثم قال: قف بنا على هذا المتخوض " في بعض النسخ " المتخرص " وكلاهما منطبق عليه. " فلما حاذاه " أي: صار محاذياً له قريباً منه. " قال: يا هذا رسول الله ﷺ أغير على ربه منك " وهذه الكلمة يُرد بها على كلِّ متخرص، وكلِّ متكلم، وكلِّ مبتدع فيما يتعلق بالصفات، فإنهم يضعون أشياء وتكلفات وأموراً لا تدل عليها النصوص، ولم تبن على الأدلة، بزعم منهم أنهم ينزهون الله ﵎ بها. ورسول الله ﷺ أغير على ربه منهم. " قل كما قال رسول الله ﷺ " هذا هو منهج أهل السنة في الصفات: أن يقول المسلم مثل ما قال الرسول الكريم ﷺ ، لا كما يقول المتخرصون،: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. " قال حنبل: قلت لأبي عبد الله ـ يعني الإمام أحمد ـ: ينزل الله إلى سماء الدنيا، قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا، مالك ولهذا، أمض الحديث على ما رُوي بلا كيف ولا حد، على ما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب " " نزوله بعلمه أو بماذا؟ " يعني بأيِّ شيء؟ " فقال لي: اسكت عن هذا " لأن هذه الأسئلة لا ترد إلا عند المتكلمين والمتكلفين.

стр. 120

" اسكت عن هذا، مالك ولهذا، أمضِ الحديث على ما رُوي " يعني أمِرَّه كما جاء، الحديث جاء مثبتاً لنزول الرب ﵎، والنزول فيه أسند إليه ﵎، فأمضه كما ورد. " بلا كيف ولا حد " وهذا على طريقة أهل السنة في الصفات: يثبتونها إثبات وجود لا إثبات تكييف وتحديد، فالنزول لا يحد بوصف معين أو بهيئة معينة، وإنما هو نزول يليق بالله ﵎ لا نعرف كيفيته. ولم ينقل عن أحد من السلف ﵏ أنه تأول النزول أو غيره من الصفات، وقد تحدى شيخ الإسلام ابن تيمية بعض المتكلمين في زمانه، وأمهلهم ثلاث سنوات أن يأتوا عن واحد من السلف أنَّه تأول شيئاً من صفات الله ﵎، فلم يقدروا على ذلك ١. وهنا أنبه على أنَّه نقل عن الإمام مالك بن أنس ﵀ أنَّه قال:"ينزل ربنا: أي أمره" ٢، وهذه الرواية لا تثبت عن الإمام مالك؛ لأنها جاءت عنه من طريقين: الطريق الأولى من طريق كاتبه حبيب بن أبي حبيب، يقول ابن القيم:"وحبيب هذا غير حبيب، بل كذاب وضاع باتفاق أهل الجرح والتعديل، ولم يعتمد أحد من العلماء على نقله"٣. والطريق الأخرى جاءت من طريق رجل لا يعرف، فالسند إلى الإمام مالك ﵀ لا يثبت. إضافة إلى أنَّ هذا مخالف لما رواه زهير بن عباد قال:"من أدركت من

стр. 121

المشايخ: مالك وسفيان وفضيل بن عياض وعيسى بن المبارك ووكيع: كانوا يقولون: إن النزول حق"١، كما أنَّه مخالف لطريقة مالك وطريقة السلف في الصفات عموماً ـ ومنها النزول ـ من إمرارها كما جاءت وإثباتها لله على الوجه اللائق بجلاله وكماله. " وقال الإمام إسحاق بن راهويه: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ : ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب كيف. إنما ينزل بلا كيف " " يا أبا يعقوب " يخاطب الإمام إسحاق بن راهويه. " هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ : ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف ينزل؟ " يسأل عن كيفية النزول. " قال: قلت: أعز الله الأمير " لاحظ التلطف معه، ومخاطبته مخاطبة تناسب مقامه، فهو أحد الولاة، فخاطبه بهذه المخاطبة حتى يتقبل الحق ولا يتمسك بالباطل. " لا يقال لأمر الرب كيف " يعني أنَّ " كيف " لا تصلح في هذا المقام، فكما أنه ﵎ لا يقال في أفعاله: " لم "، فلا يقال في صفاته: " كيف ". فالتكييف في الصفات باطل، والسؤال عن الأفعال بـ " لم " باطل أيضاً. قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٢. وأهل السنة يسمون من يسأل عن أفعال الله بـ " لم ": لِمَ فَعَلَ كذا، ولِمَ لَمْ يفعل كذا باللمية، والذين يسألون عن الصفات بـ " كيف ": المكيفة. وكلٌّ

стр. 122

من الأمرين باطل. قال الإمام البربهاري ﵀:"واعلم أنَّه إنما جاء هلاك الجهمية من أنهم فكروا في الرب ، فأدخلوا: " لم " و" كيف "، وتركوا الأثر، ووضعوا القياس، وقاسوا الدين على رأيهم"١. " وإنما ينزل بلا كيف " أي بلا كيف نعلمه، وإلا فلنزول الله كيفية، لكننا لا نعلمها. فالمنفي: علمنا بالكيف، لا وجوده. ثم قال الحافظ عبد الغني"﵀: " ومن قال يخلو العرش عند النزول أو لا يخلو، فقد أتى بقول مبتدع ورأي مخترع " يشير المصنف ﵀ إلى مسألة تتعلق بنزول الله إلى سماء الدنيا، وهي: حينما ينزل هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ " والأقوال التي ذكرت في هذه المسألة ثلاثة، لخصها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:"منهم من ينكر أن يقال: يخلو أو لا يخلو، كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني ٢ وغيره. ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش، وقد صنف عبد الرحمن بن منده مصنفاً في الإنكار على من قال: لا يخلو منه العرش ... والقول الثالث، وهو الصواب، وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها: أنه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه"٣.

стр. 123

وإنما صوَّب شيخ الإسلام ﵀ القول الثالث لما فيه من الجمع بين النصوص التي تثبت الاستواء لله ﵎ على الوجه اللائق به وأنه سبحانه مستو على عرشه بائن من خلقه، مع الحديث المثبت للنزول. فالله مستو على عرشه بائن من خلقه، وينزل كيف شاء، ولا يشبه نزوله سبحانه نزول المخلوقين، واللوازم التي تلزم في نزول المخلوقين: من شغر مكان وحلول في مكان، ليست لوازم لصفة الرب، وإنما هي لوازم لصفة المخلوق. واختار ابن القيم ﵀ قول الحافظ عبد الغني، فقال:"أما الذين أمسكوا عن الأمرين، وقالوا: لا نقول: يتحرك وينتقل ولا ننفي ذلك عنه. فهم أسعد بالصواب والاتباع، فإنهم نطقوا بما نطق به الكتاب، وسكتوا عما سكت عنه"١.

стр. 124

[صفة اليدين] طريقة أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات واحدة، ومنهجهم واحد، وهو الاعتماد على الكتاب والسنة، والتعويل الكامل عليهما، والإيمان بما جاء فيهما، وإثبات ما ثبت فيهما، فلا يثبتون صفة من قبل أنفسهم، بل يقتصرون على ما نطق به الكتاب والسنة. ولما كان هذا أصل الأصول وأساس العلم والإيمان، اقتضى المقام في مثل هذا المختصر ـ وكذلك في المطولات التي تكتب في الاعتقاد ـ أن يؤكد على هذا الأمر في أكثر من مناسبة، ولهذا يلاحظ القارئ الكريم أنَّ المصنف ﵀ لما ذكر صفة اليدين قال: " ومن صفاته سبحانه الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله المصطفى الأمين: اليدان " وهذا المعنى سبق أن قرره المصنف وأكد عليه، وكان يكفي ما قرره في صدر هذه الرسالة، لكن لما كان هذا المقام مقاماً عظيماً وأصلاً متيناً وأساساً لابد منه في جميع الصفات، اقتضى ذلك أن يؤكد عليه، حتى يستقر في النفوس ويتمكن في القلوب. ولما كان أهل البدع يخوضون في مثل هذه الصفات إجمالاً وتفصيلاً بعقولهم القاصرة وأفهامهم الرديئة، كان من المناسب عند أهل السنة والجماعة أن يؤكدوا على أنَّ إثبات الصفات على وجه التفصيل مبني على الأصل العام الكلي في جميع الصفات، وهو الاعتماد اعتماداً كلياً على ما جاء في الكتاب والسنة. واليدان: من صفات الله تعالى الذاتية الثابتة في الكتاب والسنة، كالوجه

стр. 125

والقدم والساق والعين والعلو وغيرها، وهي صفات لا تنفك عن الذات، ولا تعلق لها بالمشيئة ـ بخلاف الصفات الفعلية ـ التي لها تعلق بالمشيئة. وأهل السنة منهجهم في صفات الله الذاتية والفعلية واحد، ويقولون: باب الصفات واحد، فيثبتون ما ثبت في الكتاب والسنة كما جاء، ويؤمنون به كما ورد، بلا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل. واليدان ثابتتان لله ، وهما اثنتان، كما دلت على ذلك نصوص كثيرة في الكتاب والسنة كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ١، وقوله سبحانه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٢، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة عن النبي ﷺ . وقد جاء في بعض النصوص ذكر هذه الصفة بالإفراد، كما في قوله : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ٣، وكما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٤، وكما في حديث محاجة آدم موسى الآتي ذكره. وجاءت في بعض النصوص بالجمع، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ٥. وهذا لا يشكل على أنَّ الله موصوف بأنَّ له يدين تليقان بجلاله وكماله وعظمته؛ لأنَّ لغة العرب تتسع للإخبار عن المثنى بالمفرد والجمع لأغراض معلومة في اللغة. فتقول العرب: رأيت بعينِي، وسمعت بأذنِي وذهبت إلى فلان بقدمِي، والمقصود: رأيته بعينَيَّ، وسمعته بأذنَيَّ، وذهبت إليه بقدمَيَّ. ومن هذه الأغراض: المشاكلة بين المضاف والمضاف إليه، فلمَّا يكون المضاف إليه مفرداً يناسبه أن يكون المضاف مفرداً أيضاً، كما في قوله تبارك

стр. 126

وتعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ، يده أي: يد الله ، يد: مضاف مفرد، والهاء الضمير: مضاف إليه، وهو مفرد أيضاً. ولمَّا يكون المضاف إليه جمعاً فمن المناسب أن يكون المضاف جمعاً كذلك، كما في قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ . ومن أغراض التعبير بالجمع عن المفرد: التعظيم. وبهذا يزول تلبيس الجهمية ومشاكستهم في هذا المقام، حيث يقول بعضهم: يلزم من ذلك إثبات أيد كثيرة، أو أعين كثيرة، أو نحو ذلك مما يقوله هؤلاء. فلله يدان، ثبتتا في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، إحداهما: يمين، والثانية: أخرى، كما في الحديث الصحيح:"إن يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض" ١، وجاء في رواية في صحيح مسلم ٢ تكلم في إسنادها بعض أهل العلم فيها ذكر الشمال: " شماله "، فإن صحت هذه الرواية وثبتت يقال عن اليد الأخرى: إنها شمال، وإلا فيقال: " الأخرى ". وكونه سبحانه له يمين وأخرى، لا يتنافى مع ما ثبت عنه ﷺ في الحديث

стр. 127

الصحيح أنه قال:"كلتا يدي ربي يمين مباركة"١؛ لأنَّ مقصوده ﷺ دفع توهم النقص؛ فإنه إذا قيل: يمين وأخرى أو شمال، قد يتوهم البعض أنَّ الأخرى أنقص في البذل والعطاء والقوة. فلدفع هذا التوهم قال ﷺ : " وكلتا يدي ربي يمين ". فلله يدان حقيقيتان تليقان بجلاله وكماله وعظمته، لا تشبهان أيدي المخلوقين، موصوفتان بالقبض، والبسط، والأخذ، والعطاء، والطي، وغير ذلك من الصفات التي هي صفات اليد الحقيقية. قال ابن القيم ﵀:"ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع وروداً متنوعاً متصرفاً فيه، مقروناً بما يدل على أنها يد حقيقية"ثم ذكر هذه الأوجه ٢. وليس تشبيهاً أن يثبت لله يدٌ تليق به، وإنما التشبيه أن يقاس بالمخلوقين، فيقال: يد كأيدينا، ولهذا لما سئل إمام أهل السنة أحمد ابن حنبل عن المشبه من هو؟ قال:"من قال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي فقد شبه الله سبحانه بخلقه"٣. هذا هو التشبيه، أما من يقول: يد تليق بجلاله وعظمته وكماله سبحانه فهذا ليس تشبيهاً لا من قريب ولا من بعيد.

стр. 128

ومن يجترئ أن يقول: إنها تشبه أيدي المخلوقين إلا من ابتلي بالزيغ والضلال وعدم تعظيم الرب وعدم قدره حق قدره، كما قال ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ١، فقد وصف الله يده بهذه العظمة: أنَّ الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه فكيف يقال يد كأيدينا!! وبهذا يزول تشنيع المبتدعة على أهل السنة بأنهم مشبهة، إذ المشبه من يقيس الله بخلقه فيقع صراحة في التشبيه، أو يعطل صفات الله فراراً من التشبيه. ولهذا قال أئمة السلف ﵏: كل معطل مشبه، وكل مشبه معطل ٢. لأنَّ من يعطل صفة الله إنما عطلها فراراً من التشبيه الذي قام في نفسه، توهَّمَ أن إثبات هذه اليد لله حقيقة يقتضي التشبيه فأراد أن يفر منه فعطل الصفة، ولما عطَّل الصفة وقع في تشبيه آخر، وهو تشبيه الله إما بالجمادات أو المعدومات أو الممتنعات حسب نوع تعطيله. ولهذا فإنَّ كلَّ تعطيل محفوف بتشبيهين: تشبيه قبل التعطيل وآخر بعده. وكلُّ مشبه معطل، فمن ادعى أنَّ اليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ يد كيد المخلوق فهو معطل، ولم يعطل مرة واحدة، بل وقع في ثلاثة أنواع من التعطيلات: الأول: تعطيله للرب العظيم عن صفة كماله اللائقة بجلاله، فإنَّه لم يثبت يداً تليق به، بل عطَّلها بتشبيهه.

стр. 129

والثاني: تعطيله للنص المثبت لهذه الصفة عن مدلوله، فهو لم يؤمن بمدلول قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وهذا نوع آخر من التعطيل وقع فيه. والثالث: تعطيله للآيات الكثيرة النافية للتشبيه، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١ وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ٢، ونظائرها من الأدلة. فهذه أنواع من التعطيل وقع فيها المشبه. ولا يسلم من التشبيه والتعطيل إلا صاحب السنة، الذي يثبت لله صفة كماله، على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته سبحانه. وفي هذا السياق الذي نحن بصدده أذكر قصة دارت بيني وبين شخص لا تخلو من فائدة مهمة في هذا الباب. مرة في المسجد النبوي صلى بجواري رجل من إحدى الدول، وجرى بيني وبينه بحث في موضوعات مختلفة، من بينها صفات الله جل وعلا، فقال لي: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٣ ـ وأشار إلى يده ـ وقال: هذه جارحة، يده: قدرته. فلما تحدث وفعل ما فعل اتَّضح لي بالمعاينة ما قرره أهل العلم من أنَّ مرتكز التعطيل وأساسه: التشبيه الذي قام في نفوس هؤلاء، فإنه لما قرأ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ كان يقرأ الآية وهو يشير إلى يد نفسه، وقال: يده قدرته. إذاً قوله: " يده قدرته " جاء من تلاوته للنص وفهمه منه يداً كيد المخلوق. فلما لم يفهم من النص إلا التشبيه، فلابد أن ينزه الله عن هذا التشبيه. فقلت ـ بمجرد فراغه من كلامه ـ: لماذا تشبه الله؟ قال لي: أنا لا أشبه الله. قلت: بل أنت تشبه الله، أنت تقرأ الآية وتشير إلى يد نفسك، وهذا عين التشبيه، وهذا التشبيه الذي وقع منك هو الذي جرك إلى التعطيل. أما أهل السنة عندما يقرءون هذه الآية وغيرها من الآيات المثبتة لصفات الرب لا يخطر ببالهم ـ فضلاً عن أن يتكلموا به بألسنتهم

стр. 130

أو يشيروا إليه بجوارحهم ـ أن الصفات المضافة إلى الله مثل الصفات المضافة إلى المخلوقين، فأهل السنة في سلامة تامة وبعد كامل عن التشبيه والتعطيل، أما من يشبه فإنَّه سيعطل ولابد، ومن يعطل فإنَّه سيشبه ولابد، ولا سلامة من الأمرين إلا بإثبات الصفات لله جل وعلا على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته وكماله. لما قرر المصنف ثبوت هذه الصفة ذكر بعض الأدلة من القرآن والسنة على إثباتها، فقال: " قال الله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ " وهذا جزء من آية في سياق الرد على إفك اليهود وافترائهم على الله ، إذ زعموا أن يد الله مغلولة ـ غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ـ ومرادهم بذلك: أنَّ الله بخيل ـ تعالى الله عما يقول هؤلاء الظالمون المعتدون علواً كبيراً ـ، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ فاليهود يثبتون لله يداً، ولكنهم يصفونها بأنها مغلولة ـ مع أنهم أبخل الناس، فلا يعرف بالبخل مثلهم ـ، فجعلوا الوصف الذي لا ينفك عنهم في كلِّ وقت وصفاً للرب العظيم الذي يمينه ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار. وهذا من جملة مخازٍ وقبائح وشنائع كثيرة ذكرها الله عن هذه الأمة الغضبية الملعونة، وبيَّن بها حالهم وشدة قبحهم، وعظم افترائهم عليه. فرد الله عليهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ فموجب اللعن الذي حلَّ عليهم ونزل بهم: قولهم في الله هذا القول العظيم. وفي هذا فائدة، وهي أنَّ الافتراء على الله والقول عليه في أسمائه وصفاته، وانتقاص عظمته سبحانه يوجب اللعن ـ الذي هو الطرد والإبعاد من

стр. 131

رحمة الله ـ، وهكذا من يقول في الله وعلى الله بغير علم، وينتقص الرب وعظمته أو يتهكم بشيء من صفاته. والجهمية الذين لا يثبتون لله يداً ـ إمعاناً منهم في الضلال ـ ادَّعوا أنَّ الرد هنا على اليهود لإثباتهم اليد لله، ويريدون أن يتوصلوا بذلك إلى نفي اليد عن الله ، وأنه جل وعلا لا يوصف بها. وكيف يستقيم استدلالهم، ولم ينكر الله على اليهود إثبات اليد، بل أكد ثبوتها له ، وذكر أن له يدين؟! أيمكن أن يرد على من يصف الله بصفة ليست ثابتة له بتأكيدها؟! ، فقال سبحانه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ فأثبت جل وعلا لنفسه اليدين، ووصفهما بأنهما مبسوطتان خلافاً لما يدعيه هؤلاء. ومن دلالات هذه الآية أن لله يدين كما أخبر، فالمقام هنا مقام إثبات وثناء وتمجيد وتعظيم وتنزيه لله عن افتراء اليهود. وفي الآية وصف اليدين بالبسط، والبسط هو كثرة الإنفاق والعطاء والجود، ولهذا جاء في الحديث الصحيح:"إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها" ١، وقال ﷺ في الحديث الآخر:"إن يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنَّه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض" ٢.

стр. 132

وفي هذه الآية رد واضح على من يتأول اليد بالقدرة أو النعمة، كما يفعله معطلة هذه الصفة؛ لأنَّه سبحانه ذكر اليد بالتثنية وأنهم يدان، فهل يقول من يجعل اليد بمعنى القدرة في هذا المقام: قدرتاه مبسوطتان!! فيجعل لله قدرتين، مع اتفاق المسلمين على أنَّ لله قدرة شاملة على كلِّ شيء، ومشيئة نافذة في كلِّ شيء، ولم يقل أحد منهم إنَّ لله قدرتين. وهل يقولون: نعمتان، وقد قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ١، أي نعم الله لا تعد ولا تحصى. فمع التثنية لليدين في هذا النص ونظائره يَبطلُ قول من تأول اليد بالقدرة أو النعمة. وقد بين أهل العلم بطلان هذا القول من وجوه كثيرة، وقد أنهى ابن القيم ﵀ هذه الوجوه إلى عشرين وجهاً، كلها قوية واضحة في إبطاله ٢. " وقال : ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ " والسياق في هذه الآية الكريمة في الرد على إبليس الذي امتنع عن السجود لأبينا آدم تجبراً وتكبراً عما أمره الله به، فقد أمره الله والملائكةَ أن يسجدوا لآدم فسجدوا كلُّهم إلا إبليس أبى واستكبر، فقال الله جل وعلا مخاطباً إبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أي ما المانع الذي جعلك تمتنع عن السجود لهذا الذي خلقته بيدي. والسياق سياق تشريف لآدم ﵇، وتمييز له، وتعلية لقدره، حيث جعله في هذا المقام العظيم أن أسجد له ملائكته، فسجدوا كلُّهم إلا إبليس امتنع تكبراً وعلواً. ومن تشريف آدم: ما ذكره الله في هذا السياق من أنَّه خلقه بيديه، أي باشر خلقه بيده ﵎، كما قال عبد الله بن عمر رضي الله

стр. 133

عنهما:"خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش، والقلم، وعدن، وآدم. ثم قال لسائر الخلق: كن فكان"١. قال الدارمي ﵀:"أفلا ترى أيها المريسي كيف ميز ابن عمر وفرق بين آدم وسائر الخلق في خلقه باليد؟ ! أفأنت أعلم من ابن عمر بتأويل القرآن وقد شهد التنزيل وعاين التأويل، وكان بلغات العرب غير جهول"٢. وقال ابن القيم ﵀:"وفي قول عبد الله بن عمر ﵄: " إن الله لم يباشر بيده أو لم يخلق بيده إلا ثلاثاً: خلق آدم، وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده " أفيصح في عقل أو نقل أو فطرة أن يقال: لم يخلق بقدرته أو بنعمته إلا ثلاثاً"٣. وهذا مما يبطل تأويل هذه الصفة، فمن يقول: يد الله قدرته ماذا يصنع بهذا، هل يقول: لم يخلق الله بقدرته إلا ثلاثة؟ إذاً سائر المخلوقات بأي شيء خلقت؟! وفي هذا فائدة جليلة في غاية الأهمية نبه عليها أهل العلم، وهي: أنك إذا أردت أن تعرف بطلان أي تأويل من التأويلات فضعه في موارد هذه الصفة في النصوص. فعندما يقول لك قائل: اليد القدرة. قل: سأقرأ عليك الآيات والأحاديث التي فيها ذكر اليد، وضع لي هذا الذي جعلته معنى لليد

стр. 134

مكانها، وننظر هل يستقيم المعنى أم لا. اقرأ عليه هذا الحديث، ثم اقرأ الحديث الآخر:"إن يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض"١، وانظر ماذا يصنع، إذا قال: " قدرة الله ملأى، لا يغيضها نفقة ... وبقدرته الأخرى القبض " لا يستقيم الكلام. وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهم من أهل العلم ممن توسع في مناقشة أهل البدع يستعملون هذه الطريقة بكثرة جداً في إبطال التأويلات. وهو رد مسكت من خلال الأدلة، وفيه قطع للجدل، بدل أن يخوض السني مع المبتدع في جدل عريض، يريح نفسه من ذلك، ويمضي معه في تلاوة الآيات وقراءة الأحاديث، وتنتهي الجلسة بانقطاعه ولابد. : ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ قال أهل العلم: إن قيل إنَّ اليد هنا بمعنى القدرة لم تكن لآدم أيُّ ميزة أو خصيصة على غيره، بل قالوا: إنَّ هذا التأويل عقوق من هؤلاء لأبيهم آدم، شرفه الله وخصه وميزه بأن خلقه بيده، فنفوا هذه الميزة وسلبوه إياها. ولو تأملت السياق: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أضاف الخلق إلى نفسه، فقال سبحانه: " خلقتُ ". وثنى اليدين فقال: " بيديَّ "، وعدى ذلك بالباء. وكلُّ هذا يؤكد أنَّ اليدين ثابتتان لله سبحانه. عندما تقول: كتبت ذلك بيدي. لا يمكن أن تنصرف أذهان المخاطبين إلى أنك كلفت غيرك بالكتابة؛ لأنك أسندت الكتابة إلى نفسك، ثم عديتها بالباء

стр. 135

التي تؤكد مباشرتك للفعل بنفسك. والمعنى في هذه الآية يختلف عما في قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ؛ لأن الأمور الثلاثة منتفية هنا، فأضاف العمل إلى الأيدي " عملت أيدينا "، وذكر الأيدي بالجمع، ولم يذكر الباء. فمن يجعل قول الله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ كقوله جل وعلا: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فقد جعل خلق آدم وخلق الأنعام سواء، وليس هناك تشريف ولا تفضيل لآدم. " وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال:"التقى آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال آدم: أنت موسى، كلمك الله تكليماً، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، فبكم وجدت في كتاب الله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ؟ قال: بأربعين سنة. قال: فتلومني على أمر قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! قال النبي ﷺ : فحج آدم موسى"" ثم ذكر المصنف ﵀ حديث أبي هريرة المخرج في الصحيحين ١، وهو مشهور عند أهل العلم بحديث المحاجة بين آدم وموسى، وفيه فوائد عظيمة، منها: الإيمان بالقدر، وأنَّ الأمور كلَّها بتقدير الله ، وأنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. " التقى آدم وموسى " في بعض الروايات احتج آدم وموسى. " خلقك الله بيده ": قل في هذه مثل قولك في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فقد أسند الخلق إلى الله، وذكر الباء، لكن لم يثن اليد، وإنما عبر بالمفرد عن المثنى، وهو سائغ كما سبق، بل إنَّ في

стр. 136

الجمع بين الآية والحديث دليلاً لما قرره أهل العلم من أنَّه يصح التعبير عن المثنى بالمفرد. " خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته " أي خصك بهذه الأمور وميزك وشرفك بها. " خيبتنا وأخرجتنا من الجنة " هذا فيه لوم من موسى لآدم ﵉: يلومه على الإخراج من الجنة ـ وهو مصيبة ـ لا على الذنب، فقال: " خيبتنا وأخرجتنا " ولم يقل: خيبتنا وأذنبت وعصيت، لأن آدم وقع في الذنب وتاب منه، وأخبرنا الله أنه قبل توبته، قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ ١ ولا يلام أحد على ذنب تاب منه ولو كان شركاً. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ ٢ أي لمن تاب. والشرك داخل في قوله سبحانه: ﴿الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ ، أما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٣ فهذا في حق من مات على ذلك. " أنت موسى، كلمك الله تكليماً، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته " أي ميزك الله بهذه الأمور. " فبكم وجدت في كتاب الله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ " أي: هذا الذي ترتب على هذه المعصية متى كُتِب عليَّ ومتى قُدِّر. " قال: بأربعين سنة " أي أنه كتب عليك قبل خلقك بأربعين سنة. وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في صحيح مسلم ٤ أنَّ

стр. 137

النبي ﷺ قال:"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات بخمسين ألف سنة". قال أهل العلم: هذا تقدير من بعد تقدير، فهناك تقدير عام قبل خلق السماوات دل عليه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وقوله: " بأربعين سنة " في هذا الحديث تقدير خاص داخل في التقدير العام ١. يشبه هذا تماماً ما يتعلق بتقدير كلِّ إنسان عندما يكون في بطن أمه، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ المشهور بحديث الصادق المصدوق ـ:"إنَّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد" ٢ فهذا تقدير وكتابة داخلة في التقدير العام الذي هو قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. " قال: فتلومني على أمر قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! " الأمر الذي لامه عليه هو الإخراج، وهو مصيبة قدرها الله عليه قبل أن يخلق. " قال النبي ﷺ : فحج آدم موسى حجَّه بالقدر، وحجته مقبولة؛ لأنَّه احتج بالقدر على المصيبة لا على الذنب، إذ لا يصح أن يحتج أحد على ذنبه بالقدر: فلا يصلي ولا يصوم ويقول: قضاء وقدر، ويترك الطاعات ويرتكب المحرمات ويقول: قضاء وقدر. فلا يصح الاحتجاج بالقدر على المعائب، وإنما يصح الاحتجاج به على المصائب. قال تعالى ـ مبيناً ضلال من احتج بالقدر على المعائب ـ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا

стр. 138

َرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ ١، فبين سبحانه أنَّ احتجاج هؤلاء المشركين بالمشيئة والقدر باطل، إذ لو كان كذلك لما أذاقهم بأسه. وهكذا كل من يحتج بالقدر على ذنوبه ومعاصيه احتجاجه باطل. وأضرب هنا مثالاً ذكره أهل العلم: لو أن شخصاً قتل آخر خطأً، فلاموه في ذلك فقال: هذا قضاء وقدر. قبل منه. لكن لو أن آخر أمسك بسلاحه واتجه إلى شخص وقتله متعمداً، ولاموه في ذلك فقال: قضاء وقدر لا يقبل منه. وكله قتل، لكن هذا عمد وذاك خطأ. الشاهد من الحديث: قوله: " خلقك الله بيده "، وهذا فيه إثبات اليد لله ، وأن الله باشر خلق آدم بيده تشريفاً وتكريماً، وكذلك قوله: " وخط لك التوراة بيده ". ثم لما ذكر ﵀ منهج أهل السنة في هذه الصفة ـ وهو الإثبات ـ، وذكر شيئاً من أدلتهم عليها حذر من الأباطيل التي وقع فيها أهل الضلال مثل التشبيه والتكييف والتأويل والتعطيل، فقال: " فلا نقول: يد كيد، ولا نكيف، ولا نشبه، ولا نتأول اليدين على القدرتين كما يقول أهل التعطيل والتأويل، بل نؤمن بذلك ونثبت له الصفة، من غير تحديد ولا تشبيه " فهذه هي المحاذير التي يجب على كلِّ من أثبت صفات الله ﵎ إجمالاً وتفصيلاً أن يحترز منها. وقد سبق للمصنف أن أشار إليها، لكن لما كان الوقوع فيها خطيراً، وضررها على من وقع فيها كبيراً ناسب أن يؤكد عليها. " فلا نقول يد كيد " لأنَّ هذا القول تشبيه، والتشبيه كفر، والمشبه كافر،

стр. 139

والله ليس كمثله شيء، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ٢، وقال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ ٣، وقال ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ :٤ فإنَّ الله لا مثيل له، ولا نظير له لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته. " ولا نكيف " أي: لا نبحث في عقولنا وأفهامنا عن كيفية لهذه اليد، ولا نسأل عن كيفيتها؛ لأنَّ السؤال عن كيفية يد الله أو غيرها من صفاته بدعة، كما قال الإمام مالك عندما سئل عن الاستواء. وكيف السبيل إلى إدراك كيفية صفات الله ﵎، والمخلوق عاجز عن إدراك كيفية كثير من صفات المخلوقين، والله أكبر من كلِّ شيء، وكلُّ وصفِ كمالٍ يدور في خاطر الإنسان يظنه كبيراً وعظيماً ولائقاً بالله فالله أعظم من ذلك، فهو سبحانه فوق ما يصفه الواصفون. وأهل العلم يقولون: لا يمكن معرفة كيفية الشيء إلا بإحدى طرق ثلاث: ١ـ إما برؤيته. ٢ـ أو برؤية مثيله. ٣ـ أو بالخبر الصادق المبين لكيفيته. والله ﵎ لم يره المؤمنون، فهذا نفي للطريق الأولى. وليس لله مثيل فانتفت الطريق الثانية. والخبر الصادق فيه إثبات الصفات وليس فيه تعرض للكيفية، فانتفت الطريق الثالثة. ولهذا فإنَّ إثبات أهل السنة والجماعة للصفات إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. " ولا نُشبِّه " أي: لا نشبه صفة الله بصفات المخلوقين، وهو

стр. 140

بمعنى قوله: " لا نقول يد كيد ". " ولا نتأول اليدين على القدرتين كما يقول أهل التعطيل والتأويل " وسبق الكلام على إبطال هذا التأويل. والتعطيل: هو النفي، نفي صفات الله. والتأويل: صرفها عن ظاهرها. والمصنف ﵀ لما قال هنا أهل التعطيل والتأويل أراد أن يؤكد على شيء، وهو أنَّ كلَّ مؤول معطل؛ لأنَّ السياق في مناقشة أهل التأويل الذين يقولون إنَّ اليد القدرة. فلا انفكاك للمؤول من التعطيل؛ لأنَّ تأويله انبنى على تعطيله للصفة الثابتة لله ، فمن قال: اليد القدرة، فقد عطل اليد الحقيقية الثابتة لله ، وزاد على تعطيله تأويل اليد بصرفها عن ظاهرها. " بل نؤمن بذلك ونثبت له الصفة " أي نثبت له هذه الصفة على الوجه اللائق بجلاله وكماله. " من غير تحديد " أي بشيء نحده للصفة بأفهامنا وأوهامنا، فلا نحد الصفة بحد، وعليه فمعنى قوله: " من غير تحديد " أي من غير تكييف. " ولا تشبيه " أي نثبتها لله إثباتاً حقيقياً يليق بجلاله وكماله من غير تشبيه. " ولا يصح حمل اليدين على القدرتين؛ فإنَّ قدرة الله واحدة، ولا على النعمتين؛ فإنَّ نعم الله لا تحصى، كما قال : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ " ذكر في إبطال تأويل اليد بالقدرة وجهاً واحداً، وفي إبطال تأويلها بالنعمة

стр. 141

وجهاً واحداً أيضاً، وإلا فالوجوه في إبطال هذين التأويلين كثيرة جداً. " وكل ما قال الله في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل " هذا تأكيد لما سبق تقريره في هذه الرسالة غير مرة من أهمية لزوم الكتاب والسنة، والتعويل عليهما، والاعتماد على ما جاء فيهما، وأن أهل السنة ﵏ في إثباتهم لصفات الله جل وعلا لا يتجاوزون الكتاب والسنة. " بنقل العدل عن العدل " هذا ضابط لابد منه في الاحتجاج بالسنة، وهو أن تكون صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ . فقول المصنف: " بنقل العدل عن العدل " يخرج الضعيف وما لم يثبت، وما كان في إسناده علة، وما لم يتصل، ونحو ذلك من العلل المعروفة عند أئمة هذا الشأن، فلا يحتجون في باب الصفات بأيِّ حديث يجدونه دون دراسة لإسناده، ومعرفة لصحته من سقمه. وفي هذا دلالة على أنَّ إثبات أهل السنة والجماعة للصفات مبني على ما صح عن النبي ﷺ بنقل العدل عن العدل، وأنهم لا يحتجون بكلِّ حديث يرفع إلى النبي ﷺ . بخلاف ما يدعيه عليهم أهل البدع، الذين يلمزون أهل السنة بأنهم حشوية، لا يميزون بين الغث والسمين، والصحيح والسقيم، وإنما يجمعون كلَّ شيء ويحتجون بكلِّ حديث. وحاشا أهل السنة أن يكونوا كذلك. فقول المصنف هذا، كما أنَّه يقرر منهج أهل السنة في هذا الباب، فهو يرد على طائفتين من أهل البدع: الأولى: طائفة تلمز أهل السنة وترميهم بالاحتجاج بكلِّ حديث ينسب إلى النبي ﷺ ، ولهذا وصفوهم بالحشوية.

стр. 142

والثانية: المعتزلة الذين لا يحتجون بخبر الآحاد في العقيدة، ففي قول المصنف: " العدل عن العدل " الاكتفاء برواية واحد عن واحد، وعدم اشتراط التواتر.

стр. 143

[صفة المحبة] ثم شرع المصنف في ذكر أمثلة من صفات الله ﵎، منها ما دلَّ عليه الكتاب العزيز، ومنها ما دلت عليه السنة الصحيحة بنقل العدل عن العدل. فقال: " مثل المحبة " وهذه من صفات الله العظيمة الثابتة له في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، فإنَّ الله يُحب عباده المؤمنين، ويُحب المتقين، ويُحب المتطهرين، ويُحب التوابين، ويُحب الأنبياء، ويحُب الصالحين، ويُحب الصلاح ويُحب أهله، ويُحب الخير ويُحب أهله. وأهل السنة يثبتون هذه الصفة لله على الوجه اللائق بجلاله، ويثبتون آثارها ولوازمها. فمن لوازم محبة الله لعبده: أن يثيبه، وأن يوفقه ويسدده ويعينه، وأن ينعم عليه. بينما أهل البدع يعطلون الصفة ويكتفون بإثبات لازمها فيجعلونه معناها. فيقولون: محبة الله لعبده أي إنعامه عليه. فيجعلون الإنعام هو المحبة، هذا شأن من كان منهم لا يثبت الإرادة. أما من يثبت الإرادة فيجعل المحبة إرادة الإنعام. ومثل هذا يقولونه في الرضا والرحمة ونحوها من الصفات. وهذا باطل؛ لأنَّ فيه تعطيلاً لصفة الرب التي أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله الكريم ﷺ في سنته. والله يُحِبُّ ويُحَبُّ، كما قال سبحانه في القرآن: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ١ أي: يحب عباده المؤمنين، وعباده المؤمنون يحبونه. وإذا آمن العبد بمحبة الله للمؤمنين، فينبغي عليه أن يسعى في نيلها، وأن

стр. 144

يبذل وسعه في تحصيلها، فإنه من السهل على كل لسان، ومن اليسير على كلِّ إنسان أن يقول: إني أحب الله. فاليهود قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. لكن ليست العبرة بالدعاوى، بل لابد أن تظهر علامة المحبة على المحب. ولمحبة الله علامة بيَّنها في كتابه، فقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ١، ولهذا يسمي بعض أهل العلم هذه الآية: آية المحنة أي التي يمتحن الإنسان نفسه على ضوئها ليعلم مدى محبته لله، ولهذا قال بعض الحكماء:"ليس الشأن أن تُحِب، ولكن الشأن تُحَب"٢. يعني أنَّ الشأن أن يحبك الله . ولن ينال عبد محبة الله بمجرد الدعوى، بل لا يمكن أن ينالها إلا بالجد والعمل والسعي. فعلى من آمن بأن الله يحب أن ينظر في الأعمال التي يحبها الله فيحبها، ويسعى في تطبيقها، وينظر في الأسباب التي تُنال بها محبة الله فيحبها، ويسعى في تحصيلها.

стр. 145

[صفة المشيئة والإرادة] " والمشيئة والإرادة " وهاتان صفتان ثابتتان لله . فالمشيئة: صفة لله ﵎، فهو سبحانه يفعل ما يشاء، والأمور كلها بمشيئته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ومشيئة الله جل وعلا نافذة في كل شيء، لا تتخلف ولا تُرد، ولا معقب لها، ما شاء الله لابد أن ينفذ ويقع وفقاً وطبقاً لما شاءه. لا يمكن أن يكون في الكون ذرة أو حركة أو سكون أو قيام أو قعود أو مرض أو صحة أو ضعف أو قوة أو إيمان أو كفر إلا بمشيئة الرب . كما قال ابن عباس ﵁:"كلُّ شيء بقدر، حتى وضعك يدك على خدك"١. وقال الإمام الشافعي ﵀: ما شئتَ كان وإن لم أشأ ... وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن٢ " ما شئتَ ": أي أنت يا الله كان، لا راد له ولا معقب له. " وإن لم أشأ ": أي وإن لم أشأ ذلك الأمر أنا أيها العبد، " وما شئتُ " أي أنا العبد إن لم تشأ لم يكن. وهذا هو معنى قوله ﵎: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣. فمشيئته نافذة في كلِّ شيء، وقدرته شاملة لكلِّ شيء، فهو على كلِّ شيء قدير.
следующие страницы →