وجهاً واحداً أيضاً، وإلا فالوجوه في إبطال هذين التأويلين كثيرة جداً.
" وكل ما قال الله في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل " هذا تأكيد لما سبق تقريره في هذه الرسالة غير مرة من أهمية لزوم الكتاب والسنة، والتعويل عليهما، والاعتماد على ما جاء فيهما، وأن أهل السنة ﵏ في إثباتهم لصفات الله جل وعلا لا يتجاوزون الكتاب والسنة.
" بنقل العدل عن العدل " هذا ضابط لابد منه في الاحتجاج بالسنة، وهو أن تكون صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ . فقول المصنف: " بنقل العدل عن العدل " يخرج الضعيف وما لم يثبت، وما كان في إسناده علة، وما لم يتصل، ونحو ذلك من العلل المعروفة عند أئمة هذا الشأن، فلا يحتجون في باب الصفات بأيِّ حديث يجدونه دون دراسة لإسناده، ومعرفة لصحته من سقمه.
وفي هذا دلالة على أنَّ إثبات أهل السنة والجماعة للصفات مبني على ما صح عن النبي ﷺ بنقل العدل عن العدل، وأنهم لا يحتجون بكلِّ حديث يرفع إلى النبي ﷺ . بخلاف ما يدعيه عليهم أهل البدع، الذين يلمزون أهل السنة بأنهم حشوية، لا يميزون بين الغث والسمين، والصحيح والسقيم، وإنما يجمعون كلَّ شيء ويحتجون بكلِّ حديث. وحاشا أهل السنة أن يكونوا كذلك.
فقول المصنف هذا، كما أنَّه يقرر منهج أهل السنة في هذا الباب، فهو يرد على طائفتين من أهل البدع:
الأولى: طائفة تلمز أهل السنة وترميهم بالاحتجاج بكلِّ حديث ينسب إلى النبي ﷺ ، ولهذا وصفوهم بالحشوية.
стр. 142
والثانية: المعتزلة الذين لا يحتجون بخبر الآحاد في العقيدة، ففي قول المصنف: " العدل عن العدل " الاكتفاء برواية واحد عن واحد، وعدم اشتراط التواتر.
стр. 143
[صفة المحبة]
ثم شرع المصنف في ذكر أمثلة من صفات الله ﵎، منها ما دلَّ عليه الكتاب العزيز، ومنها ما دلت عليه السنة الصحيحة بنقل العدل عن العدل.
فقال: " مثل المحبة " وهذه من صفات الله العظيمة الثابتة له في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، فإنَّ الله يُحب عباده المؤمنين، ويُحب المتقين، ويُحب المتطهرين، ويُحب التوابين، ويُحب الأنبياء، ويحُب الصالحين، ويُحب الصلاح ويُحب أهله، ويُحب الخير ويُحب أهله.
وأهل السنة يثبتون هذه الصفة لله على الوجه اللائق بجلاله، ويثبتون آثارها ولوازمها. فمن لوازم محبة الله لعبده: أن يثيبه، وأن يوفقه ويسدده ويعينه، وأن ينعم عليه.
بينما أهل البدع يعطلون الصفة ويكتفون بإثبات لازمها فيجعلونه معناها. فيقولون: محبة الله لعبده أي إنعامه عليه. فيجعلون الإنعام هو المحبة، هذا شأن من كان منهم لا يثبت الإرادة. أما من يثبت الإرادة فيجعل المحبة إرادة الإنعام.
ومثل هذا يقولونه في الرضا والرحمة ونحوها من الصفات.
وهذا باطل؛ لأنَّ فيه تعطيلاً لصفة الرب التي أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله الكريم ﷺ في سنته.
والله يُحِبُّ ويُحَبُّ، كما قال سبحانه في القرآن: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ١ أي: يحب عباده المؤمنين، وعباده المؤمنون يحبونه.
وإذا آمن العبد بمحبة الله للمؤمنين، فينبغي عليه أن يسعى في نيلها، وأن
стр. 144
يبذل وسعه في تحصيلها، فإنه من السهل على كل لسان، ومن اليسير على كلِّ إنسان أن يقول: إني أحب الله. فاليهود قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. لكن ليست العبرة بالدعاوى، بل لابد أن تظهر علامة المحبة على المحب.
ولمحبة الله علامة بيَّنها في كتابه، فقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ١، ولهذا يسمي بعض أهل العلم هذه الآية: آية المحنة أي التي يمتحن الإنسان نفسه على ضوئها ليعلم مدى محبته لله، ولهذا قال بعض الحكماء:"ليس الشأن أن تُحِب، ولكن الشأن تُحَب"٢. يعني أنَّ الشأن أن يحبك الله . ولن ينال عبد محبة الله بمجرد الدعوى، بل لا يمكن أن ينالها إلا بالجد والعمل والسعي.
فعلى من آمن بأن الله يحب أن ينظر في الأعمال التي يحبها الله فيحبها، ويسعى في تطبيقها، وينظر في الأسباب التي تُنال بها محبة الله فيحبها، ويسعى في تحصيلها.
стр. 145
[صفة المشيئة والإرادة]
" والمشيئة والإرادة " وهاتان صفتان ثابتتان لله .
فالمشيئة: صفة لله ﵎، فهو سبحانه يفعل ما يشاء، والأمور كلها بمشيئته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
ومشيئة الله جل وعلا نافذة في كل شيء، لا تتخلف ولا تُرد، ولا معقب لها، ما شاء الله لابد أن ينفذ ويقع وفقاً وطبقاً لما شاءه. لا يمكن أن يكون في الكون ذرة أو حركة أو سكون أو قيام أو قعود أو مرض أو صحة أو ضعف أو قوة أو إيمان أو كفر إلا بمشيئة الرب . كما قال ابن عباس ﵁:"كلُّ شيء بقدر، حتى وضعك يدك على خدك"١.
وقال الإمام الشافعي ﵀:
ما شئتَ كان وإن لم أشأ ... وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن٢
" ما شئتَ ": أي أنت يا الله كان، لا راد له ولا معقب له. " وإن لم أشأ ": أي وإن لم أشأ ذلك الأمر أنا أيها العبد، " وما شئتُ " أي أنا العبد إن لم تشأ لم يكن.
وهذا هو معنى قوله ﵎: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣. فمشيئته نافذة في كلِّ شيء، وقدرته شاملة لكلِّ شيء، فهو على كلِّ شيء قدير.
стр. 146
وحتى ندرك الفرق بين المشيئة النافذة والقدرة الشاملة فعلينا أن نعلم أنهما تجتمعان فيما كان وما سيكون، وتفترقان فيما لم يكن ولا يكون.
فما كان وما سيكون كلُّه بقدرة الله التي شملت كلَّ شيء، وأيضاً نفذت مشيئة الله فيما كان فوقع، وستنفذ مشيئته فيما سيكون فيقع.
وأما الأمور التي ما كانت ولا تكون فهذه تشملها القدرة الشاملة، فمثلاً: أهل النار عندما يدخلون النار يسألون الله أن يعيدهم إلى الحياة الدنيا ليعلموا صالحاً غير الذي عملوا، فقدرة الله شاملة لذلك، فهو سبحانه قادر على أن يعيدهم إلى الحياة الدنيا مرة أخرى، لكن لم يشأ ذلك؛ لأنه لو شاءه لأعادهم. وبهذا يتضح الفرق بين المشيئة النافذة والقدرة الشاملة.
والمشيئة كونية قدرية. ومن الآيات المثبتة للمشيئة: الآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ١ ونظائرها في القرآن كثير.
" والإرادة ": وهي صفة من صفات الله تعالى، ومن يتتبع أدلة الكتاب والسنة يجد أن النصوص دلت على أن الإرادة نوعان:
١ـ إرادة كونية قدرية، وهي كما قال أهل العلم مرادفة للمشيئة، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ ٣، فالإرادة هنا كونية قدرية، وهي ترادف المشيئة.
٢ـ وإرادة شرعية دينية، ومن لوازمها محبته ﵎ لهذا الشيء الذي أراده، فهي تتضمن المحبة بخلاف الإرادة الكونية القدرية فقد يريد الله
стр. 147
عز وجل قدراً وكوناً ما لا يحبه، مثل كفر الكافر وعصيان العاصي وظلم الظالم، فهذه كلها أمور تقع بإرادة الله الكونية القدرية.
فكل ما أراده الله شرعاً وديناً فهو يحبه،: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ١، وكل الأوامر التي في الكتاب العزيز والنواهي أرادها الله من عباده شرعاً، فأراد الله منهم الصلاة والصيام والإيمان وترك المعاصي والفسوق.
يقول العلماء: تجتمع هاتان الإرادتان في إيمان المؤمن؛ لأنَّ الله أراد منه كوناً وقدراً أن يكون مطيعاً، وأراد منه ذلك شرعاً وديناً، فاجتمعت في حقه الإرادتان.
وتنفرد الإرادة الكونية القدرية في كفر الكافر؛ لأنَّ الله أراد منه الكفر كوناً وقدراً، ولم يرده منه شرعاً وديناً، قال تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ ٢.
وتنفرد الإرادة الشرعية الدينية في مثل إيمان الكافر الذي قضى الله أن يموت على الكفر؛ لأنَّ الله أراد منه شرعاً وديناً أن يكون مؤمناً، لكنه لم يرده منه قدراً وكوناً؛ لأنَّه لو أراده منه قدراً وكوناً لكان.
وترتفع الإرادتان في كفر المؤمن الذي قضى الله أن يبقى على الإيمان ويموت عليه، فلم يرد الله منه الكفر لا شرعاً وديناً، ولا كوناً وقدراً.
وفي قول المصنف: " والمشيئة والإرادة " إشارة إلى أنه ثمة فرق بين الأمرين، فالمشيئة دائماً وأبداً كونية، والإرادة منقسمة إلى كونية قدرية، وشرعية دينية.
стр. 148
[صفة الضحك "]
" والضحك " أي: ومن صفات الله سبحانه الثابتة له في سنة رسوله ﷺ الضحك.
وقد جاء في أحاديث كثيرة: وصف الرب العظيم بأنه يضحك، منها: ما في ثبت في الصحيحين ١ أن النبي ﷺ قال:"يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر فيدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيُقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيُستشهد".
والضحك صفة من صفات الله الفعلية، دلت عليها السنة الصحيحة، وثمة قاعدة سبق أن أشرت إليها، ألا وهي أن ما يلزم من الصفة حال إضافتها للمخلوق ليس بلازم للصفة حال إضافتها للخالق ﵎.
فلضحك المخلوق لوازم، فقد يكون عن خفة، وقد يكون عن طيش وسفه، وهذا نقص وعيب، وقد لا يكون عن ذلك، ولهذا لا ينبغي أن يتبادر إلى الأذهان والأوهام عندما يضاف الضحك إلى الله ضحك المخلوق. فالضحك المضاف إلى الله ﵎ هو وصف خاص به يليق بجلاله وكماله وعظمته سبحانه، لا يماثل ضحك المخلوقين.
والضحك يجب أن يفهم على معناه؛ لأننا ندرك في لغة العرب الفرق بين الضحك والرضا والغضب والسخط، فمعنى الضحك في وصف الرب هو معناه الذي نعرفه من خلال اللغة، لكن حقيقة ضحك الرب وكيفيته أمر مختص به ﵎ يليق بكماله وجلاله سبحانه.
وأيضاً نقول ما قلناه فيما سبق: إنَّ من آمن بأنَّ الله يضحك عليه أن يؤمن
стр. 149
بلوازم ذلك وآثاره، ومما يوضح لنا هذا الجانب: ما جاء في حديث أبي رزين ـ وهو حديث ثابت ـ أنه سمع النبي ﷺ يقول:"ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه ١، قال: قلت: يا رسول الله أوَ يضحك الرب؟ قال: نعم. قلت: لن نعدم من رب يضحك خيراً" ٢.
وفي هذا الحديث فائدة مهمة، ألا وهي أنَّ الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفهمون معاني نصوص الصفات، خلافاً لما يدعيه فيهم مفوضة المعاني من أنهم كانوا يقرءون آيات الصفات وأحاديثها قراءة مجردة دون أن يفهموا منها أيَّ معنى؛ فإن أبا رزين ﵁ لما قال: " لن نعدم من رب يضحك خيراً " لا شك أنَّه فهم المعنى.
стр. 150
[صفة الفرح]
" والفرح " أي: ومن الصفات الثابتة لله ﵎ الفرح، ومن أدلة ذلك: قول النبي ﷺ :"لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال ـ من شدة الفرح ـ: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح" ١.
هذا غاية ما يوصف من فرح العباد، فيقول ﷺ : لله أشد فرحاً بتوبة عبده من هذا براحلته.
ففي هذا الحديث وصف الله بالفرح، وأنَّه يفرح بتوبة التائبين وطاعة الطائعين وإقبال المقبلين، يفرح بهم مع غناه عنهم ـ وهذا من كمال فضله وتمام إنعامه فرحاً ليس عن حاجة ولا افتقار؛ فلا تزيد توبة التائبين وإنابة المنيبين في ملكه شيئاً، كما قال سبحانه في الحديث القدسي:"يا عبادي لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً"٢. وهذا بخلاف المخلوق فإنَّ فرحه غالباً يكون بشيء يحتاج إليه.
وإذا علم العبد أنَّ ربه يفرح وآمن بهذه الصفة، فينبغي له أن يحقق آثارها وموجباتها في نفسه، فإذا كان الله يفرح بتوبة التائب فلماذا لا يتوب؟! فما أكثر الذنوب عندنا، وما أكثر التقصير والمخالفات والأخطاء.
стр. 151
فمن تمام إيماننا بهذه الصفة أن نتوب إلى الله، وأن نقبل على طاعته، وأن نعمل بالأمر الذي يفرح به ، فلا يكون إيماننا بالصفات عرياً عن آثارها، بل ينبغي أن يكون إيماناً مثمراً كإيمان السلف.
ولهذا فإنَّ الإيمان بصفات الله تعالى درجات ومراتب، فهناك إيمان راسخ ومؤثر، إيمان بالصفات مع فقه فيها وفي دلالاتها ومعانيها وآثارها. وهناك إيمان يتحقق به أصل الإيمان وشتان بين هذا وذاك.
стр. 152
[صفة العَجَب]
" والعَجَب " أي ومن صفاته : العَجَب، وهي صفة ثابتة لله ، دل عليها القرآن وسنة النبي الكريم ﷺ . قال الله ﵎: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ ١، في قراءة من قرأ بضم التاء أي: عجبَ الرب ﵎ منهم. وقال النبي ﷺ :"عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل" ٢. يعني يقادون إلى الجنة قوداً، ويلزمون إلزاماً بالحديد والسيوف والضرب، فيبقون على الإيمان والطاعة حتى يكونوا يوم القيامة من أهل الجنة.
وعَجَبُ الله ليس كعجب المخلوق، فقد يعجب المخلوق لوقوع شيء لا علم له مسبقاً به، ولا يمكن أن يقع من الله هذا؛ لأن علمه أزلي محيط بكلِّ شيء ولا تخفى عليه ﵎ خافية.
стр. 153
[صفة البغض]
" والبغض " أي: ومن أوصافه الثابتة له سبحانه: البغض، فهو سبحانه يبغض الكفر والكافرين، والعصيان والعصاة.
ومن أدلة ثبوت هذه الصفة قول النبي ﷺ :"إنَّ الله إذا أحب عبداً دعا جبريل، فقال: إني أحب فلاناً فأَحِبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إنَّ الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبداً دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إنَّ الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض"١.
وهذا الحديث العظيم، هو في بيان شأن ومقام الذين يحبهم الله من عباده ـ وأسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم بمنه وكرمه ـ فهو سبحانه ينادي في السماء: يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل لحب الله تعالى له، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: يا أهل السماء إنَّ الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يطرح له القبول في الأرض. وهذا هو معنى قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ ٢.
وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه. فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إنَّ الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم تطرح له البغضاء في الأرض.
فهناك أهل محبة وأهل بغضاء، وإذا آمن العبد بذلك فعليه أن يعرف
стр. 154
الأوصاف والأشخاص الذين يحبهم الله، وقد جاء في الحديث الصحيح قول النبي ﷺ :"أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله"١. فهذا الحديث من تحقيق الإيمان بصفة الحب وصفة البغض لله ؛ لأن العبد مأمور أن يحب ما يحبه الله، وأن يبغض ما يبغضه الله.
إذا علمنا هذا، عرفنا الانقطاع الشاسع الكبير الذي وقع فيه الجهمية ومن تأثر بهم، الذين يقولون: إنَّ الله لا يُحب ولا يبغض ولا يرضى ولا يسخط. فما أضرَّ تعطيل صفات الله ﵎ أو تعطيل شيء منها على عبادة الإنسان وسلوكه، فكم أوجد فيهم هذا المعتقد من الانحرافات التعبدية والسلوكية
فعقيدة الجهمية كما أنها انحراف في المعتقد هي كذلك انحراف في العبادة والسلوك، وبحسب ما يقع فيه العبد من التعطيل لصفات الله تعالى يكون الخلل في عبادته وسلوكه، إذ كلامهم الباطل في صفات الله تعالى قطع عليهم الطريق لتحصيل الآثار التي تقع من العبد إثر إيمانه بهذه الصفات العظيمة. ولهذا يقول ابن القيم ﵀:"تجد أضعف الناس بصيرة أهل الكلام الباطل المذموم الذي ذمه السلف؛ لجهلهم بالنصوص ومعانيها وتمكن الشبه الباطلة من قلوبهم، وإذا تأملت حال العامة الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم رأيتهم أتم بصيرة وأقوى إيماناً وأعظم تسليماً للوحي وانقياداً للحق" ٢ لأنهم على السنة والفطرة.
стр. 155
وهذا يجعلنا نتنبه، فكما أكرمنا الله بالإيمان بهذه الصفة: صفة المحبة وصفة البغض، فعلينا أن ننهض بأنفسنا، وأن نسعى جادين ـ مستعينين بالله ـ في معرفة الأمور التي يحبها الله لنفعلها فننال محبته، ولنعرف الأمور التي يبغضها فنجتنبها لنسلم من بغضه ﵎ لنا.
стр. 156
[صفة السخط]
" والسُّخْطُ " أي: ومن صفاته ﵎ أنه يسخط، قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ١، وهناك أمور تسخطه سبحانه: مثل الكفر والمعاصي والذنوب، ومن اتبع ما أسخط الله سخط الله عليه.
فإذا آمن العبد بأنَّ الله يسخط، فعليه أن يجتنب كلَّ سبيل يسخط الله ، وأسأله سبحانه أن يجنبنا وإياكم ما يسخطه سبحانه.
стр. 157
[صفة الكره]
" والكره " أي: ومن صفاته ﵎: الكره، ومن أدلة هذه الصفة: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ ٢. فهو سبحانه يبغض ويكره، يكره أشخاصاً ويكره أعمالاً، فنحن نؤمن بذلك كما وصف نفسه بذلك في كتابه العزيز.
стр. 158
[صفة الرضا]
" والرضا " أي: ومن صفاته سبحانه: الرضا، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٣، فهو يحب أهل الإيمان ويرضى عنهم.
стр. 159
وإذا آمن العبد بذلك فعليه أن يطلب رضا الله بفعل الأمور التي ترضيه سبحانه.
هذه نماذج من صفات الله التي ثبتت في القرآن وصحت في سنة النبي الكريم ﷺ . ولما ذكر المصنف ﵀ هذه الأمثلة قال:
" وسائر ما صح عن الله ورسوله "
وهذا تأكيد منه ﵀ على أنَّ ما ذكره مجرد أمثلة، وإلا فصفات الله كثيرة جداً في الكتاب والسنة.
" وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين واستوحشت منها نفوس المعطلين "
هذه فائدة مهمة جداً، وتنبيه من المصنف مفيد للغاية.
معنى نبت: تجافت وابتعدت عنها أي: وجدوا تجاهها شيئاً من الوحشة. وفي مصنف عبد الرزاق ١ أنَّ رجلاً انتفض عندما سمع حديثاً من أحاديث الصفات، فقال ابن عباس ﵁:"ما فرق من هؤلاء ـ وفي رواية ما فرَّق هؤلاء ـ يجدُّون عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه". فبعض الناس عندما يسمع صفة لأول مرة ينبو عنها سمعه ويجد وحشة تجاهها، لكن قيام هذا الأمر في نفسه لا يكون مسوغاً لجحد شيء أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ .
ومن خلال هذه المقولة يدرك المؤمن سبب تعطيل المعطلة لكثير من صفات الله ﵎، فرغم أنَّ الله أثبتها لنفسه في كتابه وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته، عندما نبت عنها أسماعهم واستوحشت منها نفوسهم عطلوها ونفوها
стр. 160
عن الله ، وقالوا: لا يوصف الله بكذا ولا بكذا، وعدَّدوا صفات كثيرة ثابتة في القرآن وسنة النبي الكريم ﷺ .
وأهل السنة ليسوا في شيء من ذلك لا قليل ولا كثير، فإذا نبت أسماعهم أو استوحشت قلوبهم طردوا ذلك من نفوسهم، وآمنوا بما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ في سنته.
قال الإمام أحمد ﵀:"ومثل أحاديث الرؤية كلها وإن نبت عن الأسماع، واستوحش منها المستمع فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها جزءاً واحداً، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات"١.
وقال أفلح بن محمد:"قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن إني أكره الصفة ـ عنى صفة الرب جل وعز ـ فقال له عبد الله بن المبارك: أنا أشد الناس كراهة لذلك، ولكن إذا نطق الكتاب بشيء، وإذا جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه"٢ أي: أكره أن أتكلم في صفة الله ابتداء من قبل نفسي، لكن لما نطقت بذلك النصوص تجاسر وتكلم به. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:"أراد ابن المبارك: أنَّا نكره أن نبتدئ بوصف الله من ذات أنفسنا حتى يجيء به الكتاب والآثار"٣.
فعندما تقول ـ بكلِّ اطمئنان ـ: الله يغضب ويسخط ويرضى ويحب ويبغض، ما الذي جعلك تجسر وتقول هذا الكلام؟ وما الذي جعل أئمة السلف وعلماءهم يجسرون ويؤلفون كتباً يقولون فيها: من صفاته أنَّه يرضى
стр. 161
ويسخط ويحب ويبغض؟ الجواب بلا إشكال: لما نطقت بذلك النصوص جسرنا على ذلك. وإلا فمن الذي يجرؤ أن يتكلم في شأن الرب العظيم بلا مستند من الكتاب أو السنة.
стр. 162
[النَّفْس]
" ومما نطق بها القرآن، وصح بها النقل من الصفات: النفْس، قال الله إخباراً عن نبيه عيسى ﵇ أنه قال ـ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ، وقال : ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ، وقال لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ "
هنا يتكلم المصنف عن النفس في مثل قول الله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ٢ ونظائرها من الآيات.
والمراد بالنفس ـ كما نبه عليه أهل العلم ـ: ذاته سبحانه الموصوفة بالصفات الثابتة له، وليس المراد بالنفس ذاتاً مجردة عن الصفات، ولا أنها صفة مستقلة قائمة بالذات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:" فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء: الله نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته، ليس المراد بها ذاتاً منفكة عن الصفات، ولا المراد بها صفة للذات. وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات وكلا القولين خطأ"٣.
стр. 163
وعليه فمعنى قول الله تعالى: ﴿لا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: لا أعلم ما في ذاتك. وهكذا بقية النصوص التي ورد فيها هذا الإطلاق.
وكلام المصنف ﵀ هنا يحتمل أمرين:
الأول: أنَّه يعد النفس صفة مستقلة، مثل الرضا والغضب والمحبة والسخط. وهذا ـ كما قرر شيخ الإسلام ـ خطأ.
الثاني: ونأخذه من منهجه الذي هو بصدد الكلام عليه، وهو إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ ، فيحتمل أن يكون مراده إطلاق ما أطلقه في كتابه العزيز من أوصاف أو أخبار. وعلى هذا المعنى يكون كلامه مستقيماً.
ووقع لابن خزيمة ﵀ نظير ما وقع للمصنف فقال:"فأول ما نبدأ به من ذكر صفات خالقنا جل وعلا في كتابنا هذا: ذكر نفسه جل ربنا أن تكون نفسه كنفس خلقه، وعز أن يكون عدماً لا نفس له"١.
لكن كما قرر شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم فليست النفس صفة مستقلة، والنصوص لا تدل على ذلك.
" النفْس " بإسكان الفاء، ويأتي في بعض الأحاديث النفَس بتحريكها مضافة إلى الله كما في قوله ﷺ :"إني أجد نفَس الرحمن من هاهنا"٢. والمراد بالنفَس هنا تنفيسه ﵎ على عباده، وما يترتب على ذلك من إعانة وتوفيق وسداد.
стр. 164
" قال الله إخباراً عن نبيه عيسى ﵇ أنَّه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ " أي: لا أعلم ما في ذاتك المقدسة، فأنت تعلم ما في نفسي، فلو أخفيتُ شيئاً في نفسي ولم يطَّلع عليه أحد من الخلق لعلمتَه، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ١، فهو عليم بكلِّ شيء، الغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية، لا تخفى عليه خافية، فهو يعلم ما في نفوس العباد.
وفي هذه الآية أدب رفيع من نبي الله عيسى ﵇، وهذا يتبين بالنظر في سياق الآية، قال الله : ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ ، ومعنى سبحانك: أنزهك يا الله عن ذلك: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أي: ما ليس لي بحق أن أقوله: لا أقوله، ومن الأمور التي ليست حقاً الافتراء على الله وادعاء أنَّ مع الله إلهاً آخر. ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ لم يقل: لم أقل ذلك. وإنما أتى بهذه العبارة التي تدل على كمال الأدب ورفيعه، فقال: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ أي: لو أنَّ شيئاً عندي أخفيته في نفسي فعلمك محيط به. ﴿وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: الشيء الذي لم تُعلِمْني إياه واستأثرت بعلمه فلا علم لي به؛ لأنَّه لا علم لي إلا ما علمتني إياه، فعلم الله محيط بكلِّ شيء، وأما علم العبد مهما بلغ فهو كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ٢.
" وقال : ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ " الكتابة في الآية كتابة كونية قدرية؛ لأنَّ الكتابة المضافة إلى الله نوعان:كتابة كونية قدرية.
стр. 165
وكتابة شرعية دينية. والقول في الكتابة كالقول في الإرادة، ومثله يقال ـ أيضاً ـ في الإذن والقضاء والتحريم.
والمراد بالنفس في الآية ذاته المقدسة الموصوفة بالصفات.
" وقال لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ " الاصطناع في الآية يتضمن معاني كثيرة، منها: الرعاية والعناية والتربية والتوفيق والاصطفاء للنبوة والرسالة، ففي الآية تشريف لنبي الله موسى ﵇ وتمييز له.
والشاهد من الآية: قوله تعالى: نفسي. والمراد: هو بذاته الموصوفة بالصفات.
" وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال:"يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبراً اقتربت إليه ذراعاً، وإن اقترب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة""
" أنا عند ظن عبدي بي " هذا فيه إحسان الظن بالله ﵎، وأن يكون العبد حسن الظن بربه، وحسن الظن لا يكون إلا مع إحسان العمل وإلا كان غروراً. يقول ابن القيم ـ"مبيناً تلازم حسن الظن مع صلاح العمل تمام الملازمة ـ:"حسن الظن إنما يكون مع الإحسان، فإنَّ المحسن حسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه ولا يخلف وعده ويقبل توبته. وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات فإنَّ وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه"١.
стр. 166
وهذا المعنى الذي نبه عليه ابن القيم ﵀ مستفاد من قول الله في هذا الحديث: " أنا عند ظن عبدي بي " فالإضافة إلى الله: عبدي. تقتضي عبودية من العبد وصلاحاً فيه، كما في قوله ﵎: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً﴾ ١. فقوله: " عبدي " دال على صلاح في العمل، فمع هذا الصلاح يستقيم حسن الظن بالله ﵎.
" أنا عند ظن عبدي بي " أي: إن ظن بي خيراً حصَّل خيراً، وإن ظن بي شراً حصَّل شراً. ولهذا على العبد المؤمن أن يقبل على طاعة الله وأن لا يظن بربه إلا خيراً، ويتأكد هذا الأمر عند الموت، كما قال النبي ﷺ :"لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن" ٢. فيظن بربه أنَّه سيرحمه ويغفر له، ويدخله الجنة وينجيه من النار.
" وأنا معه " المعية نوعان:
١ـ معية عامة: وهي علم الله بالعباد واطلاعه عليهم ورؤيته لهم، وأنَّه لا تخفى عليه منهم خافية.
٢ـ ومعية خاصة: كما في هذا الحديث، وهي تقتضي الرعاية والتأييد والحفظ والتسديد والتثبيت والتوفيق. فمعنى: " أنا معه " أي: أسدده وأعينه وأوفقه وأحفظه.
" حين يذكرني " في هذا فضل ذكر الله ، فالعبد إذا حافظ على ذكر الله نال بذلك معية الله الخاصة له.
" فإن ذكرني في نفسه " أي: ذكرَ الله سراً بينه وبين نفسه.
стр. 167
" ذكرته في نفسي " أي: ذكرَه الله مقابل ذلك في نفسه، وهذا موضع الشاهد من الحديث، والمراد بنفسه ذاته المقدسة الموصوفة بالصفات.
" وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم " أي: الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وفي هذا الحديث شاهد للقاعدة المشهورة: الجزاء من جنس العمل، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الأِحْسَانِ إِلا الأِحْسَانُ﴾ ١،هذا في الإحسان.
وفي الإساءة يقول الله ﵎: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ ٢.
" في ملأ خير منهم " هذا من أقوى ما استدل به من قال بتفضيل الملائكة على البشر، والأقوال في هذه المسألة ثلاثة:
القول الأول: أنَّ الملائكة أفضل مطلقاً.
والقول الثاني: أنَّ البشر أفضل مطلقاً.
والقول الثالث: وهو الحق والصواب، وهو أنَّ الأنبياء وصالحي البشر أفضلُ من الملائكة ٣.
" وإن اقترب إلي شبراً اقتربت إليه ذراعاً، وإن اقترب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً " وهذا فيه إثبات صفة القرب لله ، وأنَّه يقرب متى شاء وكيف شاء على الوجه الذي يشاء.
ونحن نؤمن بأنه سبحانه يقرب من عباده كما دل عليه كتابه العزيز وسنة نبيه الكريم ﷺ .
стр. 168
" وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " فيه إثبات هذه الصفة لله تعالى ١، والقاعدة: أنَّ كلَّ ما يضاف إلى الله من الصفات فهو على الوجه الذي يليق بكماله وجلاله وعظمته .
" وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فكتبه على نفسه، فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي""
هذا فيه تفسير للآية السابقة، وهي قوله جل وعلا: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٢، ولهذا يورده المفسرون بالمأثور عند هذه الآية.
ولكتابته ﵎ لهذا الكتاب حِكَمٌ، قد يظهر لنا منها شيء وقد لا يظهر، ومما ذكره أهل العلم من الحكم في ذلك: تعظيم هذا الأمر ومزيد العناية به؛ ففي إعلام العباد بهذا الكتاب من الآثار المباركة الشيء الكثير، فإذا علم العبد أنَّ الرب العظيم كتب ـ عندما قدر إيجاد الخلائق ـ كتاباً، كتب فيه: إنَّ رحمتي غلبت غضبي ووضعه عنده فوق العرش، فلا شك أنَّه سيعظم رجاؤه في الله، ويعظم أمله في نيل رحمة الله، ويقبل في طلبها.
ونحن نؤمن بهذا الكتاب كما أخبر النبي ﷺ سواء علمنا الحكمة من هذه الكتابة أو لم نعلمها.
وفي الحديث فوائد أخرى، منها: إثبات علو الله على عرشه.
وفيه: إثبات العرش.
وفيه: إثبات هذا الكتاب، وأنه موضوع عنده تعالى فوق العرش.
" إنَّ رحمتي تغلب غضبي " أي أنَّ الرحمة أشمل وأوسع من الغضب،
стр. 169
وفي دعاء الملائكة وحملة العرش: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ ١. فرحمة الله وسعت كلَّ شيء، وآثار رحمته في عباده لا تعد ولا تحصى. وغضبه خص به من عصاه وخالف أمره.
كما أنَّ في هذا الحديث دليلاً على التفاضل بين صفات الله ﵎، ومن الأدلة على هذا أيضاً: أنَّ كلام الله من صفاته، وكلامه متفاضل، فآية الكرسي أفضل آية في القرآن، وسورة الفاتحة أفضل سورة في القرآن، وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وكلُّه كلام الله .
ومن الأدلة ـ أيضاً ـ قول النبي ﷺ :"اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"٢.
стр. 170
[رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة]
" وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق أنَّ الله تعالى يُرى في الآخرة، كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله ﷺ "
شرع المصنف في الحديث عن رؤية الله جل وعلا يوم القيامة، وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم عياناً.
والرؤية عند أهل السنة حق، وجرت عادة كثير من أهل العلم أن يذكروا الكلام على رؤية الله جل وعلا في مباحث الصفات؛ باعتبار أنَّ الله يُرى: يراه المؤمنون بأبصارهم حقيقة من فوقهم، ويتجلى لهم سبحانه ويمكنهم من رؤيته.
ومن أهل العلم من يذكر ما يتعلق بالرؤية في مباحث الإيمان باليوم الآخر، عند ذكرهم نعيم أهل الجنة؛ لأنَّ هذا يتحقق لأهل الإيمان في الجنة، بل هو أعلى وأعظم وألذ نعيم يناله أهل الجنة في الجنة.
ورؤية الله جل وعلا مطمع من مطامع أهل الإيمان، وهدف يسعون لتحصيله، ويسألون الله أن يمنَّ عليهم به، ويدعون الله جل وعلا أن يكرمهم برؤيته يوم القيامة. وأيُّ نعيم أعظم من أن يرى المخلوق ربَّ العالمين وخالق الخلق أجمعين ذا الجلال والكمال والعظمة والكبرياء، فهي أكمل وألذ وأعظم نعيم يناله أهل الجنة في الجنة. وقد جاء في دعاء النبي ﷺ الثابت في سنن النسائي وغيره ١ من حديث عمار بن ياسر ":"وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة".
стр. 171
يقول أهل العلم: من يتمنى الموت قد يتمناه لشدة وبلاء نزل به فيتمنى الموت ليسلم منه، وقد يتمناه لفتنة مضلة تنزل بالناس يخشى على نفسه منها. وليس الغرض من تمني النبي ﷺ لقاء الله في هذا الحديث السلامة من مصيبة حلت، ولا الوقاية من فتنة نزلت، وإنما غرضه ﷺ الشوق إلى الله والطمع في رؤيته .
وإيمان المؤمنين بالرؤية يزيد الطاعة فيهم؛ لأنهم يعلمون أنَّ الطاعة والعبادة سبب للرؤية، وسبق أن أشرت إلى أن للإيمان بصفات الله أثراً بالغاً على العبد في عبادته وطاعته وإقباله على الله تعالى.
وأدلة الرؤية في الكتاب والسنة متضافرة، جاء في القرآن في مواضع عديدة نصوص واضحة الدلالة على أنَّ الله يُرى يوم القيامة، وجاء في سنة النبي ﷺ أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر ١ تدل على أنَّ الله يرى يوم القيامة، وللإمام الدارقطني كتاب " الرؤية " جمع فيه الأحاديث الواردة في الرؤية، وممن جمع أحاديث الرؤية جمعاً جيداً ابن القيم ﵀ في كتابه " حادي الأرواح "، والشيخ حافظ الحكمي ﵀ في كتابه"" معارج القبول " ٢.
وأنبه على فائدة في هذا الباب، وهي أنَّه لا يشترط في الاستدلال بالحديث في أبواب الاعتقاد أن يكون متواتراً، بل لو كان خبر أحاد يرويه العدل عن مثله متصلاً إلى النبي ﷺ بلا شذوذ ولا علة فهو حجة في العقيدة والأحكام، وأول
стр. 172
من قال: إنَّ العقيدة لا يحتج فيها بخبر الآحاد المعتزلة، وإنما أتوا بهذا التقرير الفاسد ليجعلوه متكأً لهم في رد ما لا يوافق عقولهم وأهواءهم من أحاديث النبي ﷺ ، ولا يعرف هذا القول عن أحد من أهل السنة؛ فإنَّ النبي ﷺ قد بعث معاذاً وحده إلى اليمن ١ ليعلم الناس العقيدة والعبادة وكلَّ شيء، وهو رجل واحد. وهذا دليل من جملة أدلة كثيرة استدل بها أهل العلم على صحة الاحتجاج بخبر الواحد في الاعتقاد، وقد سبق أن نبه المصنف ﵀ على هذا الأمر بقوله: " وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل ".
وأحاديث الرؤية متواترة عن النبي ﷺ ، ولما سمعها الصحابة رضوان الله عليهم أمروها كما جاءت، وآمنوا بها كما وردت، ولا يعرف عن صحابي واحد أنَّه انتقد أو اعترض أو حرَّف أو أوَّل شيئاً منها ـ وحاشاهم من ذلك ـ، وإنما وُجِدت هذه المناهج في أهل الأهواء والبدع فيما بعد.
" وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق " وهذا محل إجماع، ولم يخالف فيه إلا أهل البدع من المعتزلة ومن تأثر بهم، ولا عبرة بمخالفتهم.
" أنَّ الله تعالى يُرى في الآخرة " وهذا فيه أنَّ الرؤية إنما تكون في الآخرة، وأمَّا الدنيا فمهما بلغ العبد من الإيمان فلن يرى الله، لما صح عن النبي ﷺ أنَّه قال:"إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا"٢. وهذا محل إجماع عند أهل السنة، وليس في هذه المسألة خلاف، إلا فيما يتعلق بالنبي ﷺ خاصة هل رأى ربه أو لم يره.
стр. 173
والصحيح كما قرره المحققون من أهل العلم: أنَّ النبي ﷺ لم ير ربه، وأن رؤية الله للجميع إنما تكون في الآخرة، فهي من نعيم الآخرة فتكون في الآخرة.
ففي قول المصنف ﵀: " يُرى " رد على المعتزلة ومن تأثر بهم ممن ينكر الرؤية.
وقوله: " في الآخرة " رد على أرباب التصوف ومن على شاكلتهم ممن يدعي أنه يرى الله في الدنيا.
" كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله ﷺ " يشير المصنف إلى أنَّ الرؤية دلَّ عليها أدلة من القرآن والسنة، ثم بدأ يذكر بعض هذه الأدلة فقال:
" قال الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ "
هذا دليل من القرآن، ناضرة من النضرة، يقال: وجه نضر أو ذو نضرة أي: ذو حسن وبهاء ونور وضياء. ويقال: نضَّر الله وجهك أي: جعله ذا نضرة وحسن وبهاء وجمال.
وفي الحديث عن النبي ﷺ قال:"نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره" ١. وهذه دعوة من النبي ﷺ لمن اعتنى بالسنة حفظاً وتبليغاً أن ينضر الله وجهه أي يجعل وجهه ذا نضرة.
وفي هذا الحديث دليل على أنَّ المحافظة على السنة تعطي نضرة للوجه في الدنيا والآخرة، وإضاعة السنة والانغماس في البدعة يكسب صاحبه سواداً في الوجه وظلمة فيه، فالسنة ضياء والبدعة ظلام، ولهذا يقول عبد الله بن
стр. 174
المبارك ﵀:"صاحب البدعة على وجهه الظلمة وإن ادهن كلَّ يوم ثلاثين مرة"١. والمعصية أيضاً تكسب صاحبها شيئاً من الظلمة والذل، كما قال الحسن البصري ﵀:"إنهم ـ يعني أهل المعاصي والذنوب ـ وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال، إنَّ ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه"٢.
" يومئذ " أي: يوم القيامة، فمحل هذا الثواب يوم القيامة.
" ناضرة " أي: حسنة بهية. وعندما تطالع أقاويل السلف في معنى ناضرة تجد عباراتهم متنوعة، فمنهم من يقول: مشرقة. ومنهم من يقول: بهية. ومنهم من يقول: حسنة. ومنهم من يقول: جميلة. ومنهم من يقول: مضيئة. ومنهم من يقول: منيرة. أقاويل كثيرة وكلُّها حق يشملها معنى النضرة المذكورة في الآية. أسأل الله أن يمن عليَّ وعليكم بذلك.
" ناظرة " بالظاء أخت الطاء، وهي من النظر، أي ناظرة إلى الله بالأبصار، وهذا فيه دلالة على ثبوت الرؤية، وأنَّ أهل الإيمان أهل النضرة يرون ربهم .
وهنا لفتة للإمام الحسن البصري ﵀ عند هذه الآية، يقول:"تنظر إلى الخالق، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق"٣. يعني كيف لا تزدان وجوههم وتحسن وهم ينظرون إلى الله .
إنَّ صاحب الإيمان والسنة لما يقرأ هذه الآية ونظائرها يتحرك قلبه شوقاً إلى الله، وطمعاً في أن يكون من هؤلاء الذين تنضر وجوههم بالنظر إليه تبارك
стр. 175
وتعالى بأبصارهم، أما أهل البدع ففي حرمان ـ نسأل الله السلامة والعافية ـ لما يقرءون مثل هذه الآيات ينشغلون بصرفها عن ظاهرها لأوهام فاسدة قامت في نفوسهم.
وقد حاول بعض أهل الأهواء صرف هذه الآية عن معناها، فقالوا: ليس المراد أنها تنظر إليه، فرؤية الله غير ممكنة ـ عندهم ـ، بل النظر في الآية من الانتظار أي: منتظرة لثواب الله ونعيمه، فأفسدوا معنى الآية، وجعلوها مثل قوله ﵎: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ٢،مع أن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ دال على أنهم قد نالوا اللذة والنعيم، إلا أنَّ هؤلاء المبتدعة جعلوهم في انتظار للنعيم لا أنهم قد نالوه، فزادوا على ذلك إضعاف قدر النعيم الذي يناله أهل النعيم في الجنة.
وأهل العلم يقولون: إنَّ للنظر أحوالاً من حيث التعدي واللزوم، ويختلف معناه بحسب ذلك:
ـ فإذا تعدى بنفسه بدون حرف فهو بمعنى الانتظار، كقول الله ﵎: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ أي: انتظرونا، وقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: منتظرة بأيِّ شيء يرجع المرسلون
ـ وإذا تعدى بحرف " في " فهو بمعنى التفكر والاعتبار، كقول الله ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣ أي: يتفكروا ويعتبروا في هذه المخلوقات العظيمة العجيبة.
ـ وإذا تعدى بحرف " إلى " كما في الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا
стр. 176
نَاظِرَةٌ﴾ فلا يكون إلا الرؤية بالباصرة.كيف وقد انضم إلى ذلك إسناد النظر إلى الوجه الذي فيه البصر فقال: " وجوه يومئذ ناضرة ". فهذا كله محقق للرؤية ومؤكد لمعناها، ومع ذلك فإنَّ أهل الأهواء يأبون إلا رد ذلك.
ثم إن في القرآن الكريم آيات عديدة تدل على أنَّ الله يُرى يوم القيامة ويراه المؤمنون بأبصارهم، منها: قول الله تعالى عن الكفار: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١، فإذا حُجِب الكفار تعذيباً لهم ونكالاً بهم، عُلم من ذلك أنَّ المؤمنين يرونه سبحانه؛ لأنَّه إذا قيل: إنَّ المؤمنين لا يرون ربهم فهذا يعني أنهم والكفار سواء. فيسوون بين من قال الله فيهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ومن قال فيهم: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ . قال الإمام الشافعي ﵀:"فلما حجبهم في السخط كان في هذا دليل على أنهم يرونه في الرضا"٢. فحقيق بمن ينكر رؤية الله يوم القيامة ألا ينالها؛ فإنه لا يعتقدها ولا يؤمن بها، ولا سأل الله يوماً أن ينعم عليه بها. إنما الحقيق بالرؤية من آمن بها وعمل بأسباب نيلها، وسأل ربه أن يعطيه إياها.
" وروى جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا جلوساً ليلة مع رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال:" إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا. ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ "وفي رواية: سترون ربكم عياناً "
هذا حديث من الأحاديث الدالة على أنَّ المؤمنين سيرون ربهم ﵎ يوم القيامة.
стр. 177
"كنا جلوساً " وهذا يفيد أنَّ الحديث ذكره النبي ﷺ لجمع من الصحابة.
وفي هذه الصيغة أدب الصحابة في الإخبار عن الرسول ﷺ ، فلا يقولون كان معنا أو كان عندنا، بل يقولون: كنا معه، أو كنا عنده.
" فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة " أي في منتصف الشهر، وفي هذه الليلة يكون القمر قد تم، ويسمى بدر التمام، وإذا كان الجو صحواً فكلُّ الناس يرونه في هذه الليلة، يرونه حقيقة بأبصارهم رؤية عيانية بدون مزاحمة، أما في أول الشهر فقلة الذين يرونه، وأحياناً يحتاجون إلى التضام ليتمكنوا من رؤيته؛ لأنَّه شيء رفيع ودقيق، فيتقارب الناس حتى يستطيع بعضهم دلالة بعض عليه.
فالنبي ﷺ اختار للبيان ليلة الرابع عشرة، وهي التي يكون فيها القمر في تمام الوضوح وتمام البيان، وهذا من كمال نصحه ﷺ وتمام بيانه لهذا الأمر العظيم.
" إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر " الخطاب هنا لأهل الإيمان، ولا يدخل فيه الكفار
وقد بدأهم النبي ﷺ بالخبر فقال: " إنكم سترون ربكم "، وجاء في حديث آخر في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁:"أنَّّ ناساً قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فإنكم ترونه كذلك"١.
стр. 178
وأهل العلم يقولون: هاتان حادثتان، مرة كان النبي ﷺ جالساً مع الصحابة كما في حديث جرير فبدأهم بالبيان، ومرة سأله بعض الصحابة"فأجابهم ﷺ كما في حديث أبي هريرة.
وقوله ﷺ : " سترون " يفيد أنَّ هذه الرؤية ليست في الدنيا، وإنَّما هي في المستقبل. وقد جاء التصريح في بعض روايات هذا الحديث بأن هذه الرؤية إنما تكون يوم القيامة، فقال ﷺ : " إنكم سترون ربكم يوم القيامة " ١.
يقول العلماء: أكد النبي ﷺ رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة بمؤكدات كثيرة، فأكدها أولاً بـ " إنَّ " وهي حرف توكيد، ثم بالسين التي تدخل على الفعل المضارع، وهي أيضاً يؤتى بها للتأكيد، ثم أكدها بالإشارة في قوله: " كما ترون هذا القمر "، فرؤيتهم للقمر بالأبصار حقيقة، بأعينهم ينظرون إليه ويشاهدونه. فهذه كلها مؤكدات على أنَّ رؤية الله يوم القيامة رؤية حقيقية.
" كما ترون هذا القمر " الكاف للتشبيه: لتشبيه الرؤية بالرؤية، وليست للمرئي بالمرئي. أي: كما أنكم ترون القمر حقيقة بأعينكم عياناً جهاراً بأبصاركم بدون حجاب، فكذلك يوم القيامة سترون ربكم عياناً بياناً بأبصاركم بدون حجاب.
" لا تُضَامون في رؤيته " وفي رواية " لا تَضَامُّون " وفي رواية " لا تُضارُّون في رؤيته " وكلُّ هذه الروايات تدل على معنى وضوح الرؤية، فلا يتضامون؛ لأنَّ التضام إنما يحصل عندما يكون الشيء الذي يراد رؤيته ضعيفاً لا يُرى إلا بمشقة وتضام. ولا يتضارون في رؤيته فلا يحصل لبعضهم ضرر بأن لا يراه، بل الكلُّ يرونه. ولا يُضامون في رؤيته، فلا يحصل لهم ضيم فيها.
ومع كثرة هذه الأحاديث وصحتها، ووضوح دلالتها بكلِّ هذه المؤكدات،
стр. 179
فإنَّ أهل البدع يأبون ذلك، لا لشيء إلا لأنَّ قلوبهم المُمْرَضَةَ استوحشت من ذلك. حتى بلغت الوقاحة بأحد المبتدعة في عصرنا أن قال: أنا مستعد أن أناظر وأباهل على أنَّ الله لا يُرى يوم القيامة. فانظروا إلى هذا البلاء واحمدوا الله على العافية. وإلا فالأحاديث المثبتة للرؤية من أوضح ما يكون، والصحابة لما سمعوا هذه الأحاديث لم ينكروها ولا اعترضوا عليها، بل أخذوا يروونها للناس، ولا يزال أهل الحق يتناقلونها بينهم، ويسألون الله أن يمنَّ عليهم برؤيته.
" فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " في هذاجواب لسؤال يطرح نفسه ـ كما يقولون ـ، فإنَّ الصحابة لما سمعوا هذا الحديث من النبي ﷺ : " إنَّكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته " لاشك أنَّهم دار في نفوسهم شوق عظيم وحب كبير لنيل هذه الرؤية، وأخذوا يرجونها ويتمنونها، نفوس صافية، وقلوب مؤمنة ومقبلة على الله وجاءها هذا الخبر لابد أنهم تساءلوا ما العمل؟ كيف ننال هذه الرؤية؟ ما السبيل إلى تحصيلها؟ وما الأمور المعينة على نيلها؟
ومن تمام نصح النبي ﷺ وكمال بيانه أنَّه يجيب عن مثل هذه التساؤلات دون أن يُسأل ١، فقال: " فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " وفي هذا إشارة منه ﷺ إلى أنَّ رؤية الله يوم القيامة لا تنال بمجرد الأماني: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ٢، بل لابد من عمل وجد واجتهاد وبذل وإقبال على الله
стр. 180
تبارك وتعالى، ولهذا أرشد النبي ﷺ إلى الأسباب التي ينال بها العبد رؤية الله ، فأرشد ﷺ إلى صلاتين عظيمتين ـ وهما صلاة الفجر وصلاة العصر ـ وقد ورد في شأنهما نصوص كثيرة جداً تدل على فضلهما، منها: ما ثبت في الصحيحين ١ أنَّ النبي ﷺ قال:"من صلى البردين دخل الجنة"، وثبت في الصحيحين أيضاً عن النبي ﷺ أنَّه قال:"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ـ وهو أعلم بهم ـ: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون" ٢.
وإنَّما خص"هاتين الصلاتين لما فيهما من الفضل، ولما فيهما من الثقل على كثير من الناس، فمن سمت همته وأعانه الله ووفقه للمحافظة على هاتين الصلاتين فهو لما سواهما من الصلوات أكثر محافظة، بل إن صلاة الفجر خاصة مفتاح اليوم، ومن أكرمه الله بالنهوض لهذه الصلاة والاهتمام بها أعين على الصلوات بقية اليوم، وما يكون من العبد في الفجر ينسحب على بقية اليوم، كما قال بعض السلف:"يومك مثل جملك إذا أمسكت أوله تبعك آخره". ومن ضيع صلاة الفجر أصبح خبيث النفس كسلان كما قال النبي ﷺ :"يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" ٣. ومن استمر في