نَاظِرَةٌ﴾ فلا يكون إلا الرؤية بالباصرة.كيف وقد انضم إلى ذلك إسناد النظر إلى الوجه الذي فيه البصر فقال: " وجوه يومئذ ناضرة ". فهذا كله محقق للرؤية ومؤكد لمعناها، ومع ذلك فإنَّ أهل الأهواء يأبون إلا رد ذلك.
ثم إن في القرآن الكريم آيات عديدة تدل على أنَّ الله يُرى يوم القيامة ويراه المؤمنون بأبصارهم، منها: قول الله تعالى عن الكفار: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١، فإذا حُجِب الكفار تعذيباً لهم ونكالاً بهم، عُلم من ذلك أنَّ المؤمنين يرونه سبحانه؛ لأنَّه إذا قيل: إنَّ المؤمنين لا يرون ربهم فهذا يعني أنهم والكفار سواء. فيسوون بين من قال الله فيهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ومن قال فيهم: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ . قال الإمام الشافعي ﵀:"فلما حجبهم في السخط كان في هذا دليل على أنهم يرونه في الرضا"٢. فحقيق بمن ينكر رؤية الله يوم القيامة ألا ينالها؛ فإنه لا يعتقدها ولا يؤمن بها، ولا سأل الله يوماً أن ينعم عليه بها. إنما الحقيق بالرؤية من آمن بها وعمل بأسباب نيلها، وسأل ربه أن يعطيه إياها.
" وروى جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا جلوساً ليلة مع رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال:" إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا. ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ "وفي رواية: سترون ربكم عياناً "
هذا حديث من الأحاديث الدالة على أنَّ المؤمنين سيرون ربهم ﵎ يوم القيامة.
стр. 177
"كنا جلوساً " وهذا يفيد أنَّ الحديث ذكره النبي ﷺ لجمع من الصحابة.
وفي هذه الصيغة أدب الصحابة في الإخبار عن الرسول ﷺ ، فلا يقولون كان معنا أو كان عندنا، بل يقولون: كنا معه، أو كنا عنده.
" فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة " أي في منتصف الشهر، وفي هذه الليلة يكون القمر قد تم، ويسمى بدر التمام، وإذا كان الجو صحواً فكلُّ الناس يرونه في هذه الليلة، يرونه حقيقة بأبصارهم رؤية عيانية بدون مزاحمة، أما في أول الشهر فقلة الذين يرونه، وأحياناً يحتاجون إلى التضام ليتمكنوا من رؤيته؛ لأنَّه شيء رفيع ودقيق، فيتقارب الناس حتى يستطيع بعضهم دلالة بعض عليه.
فالنبي ﷺ اختار للبيان ليلة الرابع عشرة، وهي التي يكون فيها القمر في تمام الوضوح وتمام البيان، وهذا من كمال نصحه ﷺ وتمام بيانه لهذا الأمر العظيم.
" إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر " الخطاب هنا لأهل الإيمان، ولا يدخل فيه الكفار
وقد بدأهم النبي ﷺ بالخبر فقال: " إنكم سترون ربكم "، وجاء في حديث آخر في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁:"أنَّّ ناساً قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فإنكم ترونه كذلك"١.
стр. 178
وأهل العلم يقولون: هاتان حادثتان، مرة كان النبي ﷺ جالساً مع الصحابة كما في حديث جرير فبدأهم بالبيان، ومرة سأله بعض الصحابة"فأجابهم ﷺ كما في حديث أبي هريرة.
وقوله ﷺ : " سترون " يفيد أنَّ هذه الرؤية ليست في الدنيا، وإنَّما هي في المستقبل. وقد جاء التصريح في بعض روايات هذا الحديث بأن هذه الرؤية إنما تكون يوم القيامة، فقال ﷺ : " إنكم سترون ربكم يوم القيامة " ١.
يقول العلماء: أكد النبي ﷺ رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة بمؤكدات كثيرة، فأكدها أولاً بـ " إنَّ " وهي حرف توكيد، ثم بالسين التي تدخل على الفعل المضارع، وهي أيضاً يؤتى بها للتأكيد، ثم أكدها بالإشارة في قوله: " كما ترون هذا القمر "، فرؤيتهم للقمر بالأبصار حقيقة، بأعينهم ينظرون إليه ويشاهدونه. فهذه كلها مؤكدات على أنَّ رؤية الله يوم القيامة رؤية حقيقية.
" كما ترون هذا القمر " الكاف للتشبيه: لتشبيه الرؤية بالرؤية، وليست للمرئي بالمرئي. أي: كما أنكم ترون القمر حقيقة بأعينكم عياناً جهاراً بأبصاركم بدون حجاب، فكذلك يوم القيامة سترون ربكم عياناً بياناً بأبصاركم بدون حجاب.
" لا تُضَامون في رؤيته " وفي رواية " لا تَضَامُّون " وفي رواية " لا تُضارُّون في رؤيته " وكلُّ هذه الروايات تدل على معنى وضوح الرؤية، فلا يتضامون؛ لأنَّ التضام إنما يحصل عندما يكون الشيء الذي يراد رؤيته ضعيفاً لا يُرى إلا بمشقة وتضام. ولا يتضارون في رؤيته فلا يحصل لبعضهم ضرر بأن لا يراه، بل الكلُّ يرونه. ولا يُضامون في رؤيته، فلا يحصل لهم ضيم فيها.
ومع كثرة هذه الأحاديث وصحتها، ووضوح دلالتها بكلِّ هذه المؤكدات،
стр. 179
فإنَّ أهل البدع يأبون ذلك، لا لشيء إلا لأنَّ قلوبهم المُمْرَضَةَ استوحشت من ذلك. حتى بلغت الوقاحة بأحد المبتدعة في عصرنا أن قال: أنا مستعد أن أناظر وأباهل على أنَّ الله لا يُرى يوم القيامة. فانظروا إلى هذا البلاء واحمدوا الله على العافية. وإلا فالأحاديث المثبتة للرؤية من أوضح ما يكون، والصحابة لما سمعوا هذه الأحاديث لم ينكروها ولا اعترضوا عليها، بل أخذوا يروونها للناس، ولا يزال أهل الحق يتناقلونها بينهم، ويسألون الله أن يمنَّ عليهم برؤيته.
" فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " في هذاجواب لسؤال يطرح نفسه ـ كما يقولون ـ، فإنَّ الصحابة لما سمعوا هذا الحديث من النبي ﷺ : " إنَّكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته " لاشك أنَّهم دار في نفوسهم شوق عظيم وحب كبير لنيل هذه الرؤية، وأخذوا يرجونها ويتمنونها، نفوس صافية، وقلوب مؤمنة ومقبلة على الله وجاءها هذا الخبر لابد أنهم تساءلوا ما العمل؟ كيف ننال هذه الرؤية؟ ما السبيل إلى تحصيلها؟ وما الأمور المعينة على نيلها؟
ومن تمام نصح النبي ﷺ وكمال بيانه أنَّه يجيب عن مثل هذه التساؤلات دون أن يُسأل ١، فقال: " فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " وفي هذا إشارة منه ﷺ إلى أنَّ رؤية الله يوم القيامة لا تنال بمجرد الأماني: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ٢، بل لابد من عمل وجد واجتهاد وبذل وإقبال على الله
стр. 180
تبارك وتعالى، ولهذا أرشد النبي ﷺ إلى الأسباب التي ينال بها العبد رؤية الله ، فأرشد ﷺ إلى صلاتين عظيمتين ـ وهما صلاة الفجر وصلاة العصر ـ وقد ورد في شأنهما نصوص كثيرة جداً تدل على فضلهما، منها: ما ثبت في الصحيحين ١ أنَّ النبي ﷺ قال:"من صلى البردين دخل الجنة"، وثبت في الصحيحين أيضاً عن النبي ﷺ أنَّه قال:"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ـ وهو أعلم بهم ـ: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون" ٢.
وإنَّما خص"هاتين الصلاتين لما فيهما من الفضل، ولما فيهما من الثقل على كثير من الناس، فمن سمت همته وأعانه الله ووفقه للمحافظة على هاتين الصلاتين فهو لما سواهما من الصلوات أكثر محافظة، بل إن صلاة الفجر خاصة مفتاح اليوم، ومن أكرمه الله بالنهوض لهذه الصلاة والاهتمام بها أعين على الصلوات بقية اليوم، وما يكون من العبد في الفجر ينسحب على بقية اليوم، كما قال بعض السلف:"يومك مثل جملك إذا أمسكت أوله تبعك آخره". ومن ضيع صلاة الفجر أصبح خبيث النفس كسلان كما قال النبي ﷺ :"يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" ٣. ومن استمر في
стр. 181
نومه وتمادى في كسله إلى أن يُفوِّت على نفسه صلاة الصبح فإنَّ الشيطان يبول في أذنه، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ ، ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ قال: ذُكِر رجل عند النبي ﷺ نام حتى أصبح فقال:"ذاك رجل بال الشيطان في أُذُنَيْه أو قال: في أُذنه"، فيصبح والعُقَد كلُّها كهيئتها، وإضافة إلى ذلك يبول الشيطان في أذنه، وحسب من كان كذلك خيبة وخسارة وشراً. وقد جاء عن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال:"حسب الرجل من الخيبة والشر أن ينام حتى يصبح وقد بال الشيطان في أذنه" ١ نسأل الله العافية والسلامة. وعلى كلٍّ فمن حافظ على هاتين الصلاتين حافظ على بقية الصلوات، ومن حافظ على الصلوات حافظ على بقية الطاعات واجتنب المنهيات، كما قال ﵎: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ٢.
وفي الحديث إشارة إلى الصلة بين الصلاة والرؤية، ولهذا كان ﷺ يسأل ربه في الصلاة أن يكرمه بالرؤية كما في حديث عمار بن ياسر السابق ذكره.
" فإن استطعتم " وهذا يفيد أنَّ التكليف بالاستطاعة، كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٣، وقال رسول الله ﷺ :"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" ٤، وقال النبي ﷺ :"وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم"٥. واستطاعة الإنسان يعلمها من نفسه، فالصحابة رضوان الله عليهم لعلو مقام هذه الصلاة بينهم كان الرجل
стр. 182
يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ١، والمتهاون لأدنى تعب أو أقل انشغال يترك الصلاة ويتعلل بعدم الاستطاعة.
" ألا تغلبوا " في هذا إشارة إلى أنَّ في الدنيا أموراً ستغالبكم على المحافظة على هاتين الصلاتين، فإن استطعتم ألا تهزموا أمام هذه الشواغل والصوارف فافعلوا، حتى تنالوا هذا الثواب العظيم وغيره مما أعده الله لعباده المؤمنين.
وما أكثر الصوارف في أيامنا هذه، فبعض الناس يغلبه على الصلاة التي هي زينة الحياة الدنيا شرب الشاي، وبعضهم يغلبه حديث تافه وسمر ماجن ولهو باطل ومشاهدات رديئة، ومن الناس من يغلبه النوم، ولهذا خصت صلاة الفجر بأن يقال في النداء إليها: " الصلاة خير من النوم " أي أنَّ الصلاة خير من هذا النوم الذي يغالبك وتتلذذ به.
ومن عظيم عناية النبي الكريم ﷺ بهذه الصلاة ما جاء في حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال:"كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر فعرس بليل: اضطجع على يمينه، وإذا عرس قبيل الصبح: نصب ذراعه، ووضع رأسه على كفه"٢، يفعل ذلك ﷺ حتى لا يستغرق في النوم ويغلب على الصلاة.
وهناك أمر يقع أحياناً عند بعض طلبة العلم، تجدهم في الليل يسهرون في مسائل علمية ومناصحات وتداول أبحاث وتحقيق مسائل، ويطول بهم البحث إلى وقت متأخر من الليل، حتى تثقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة. فسهرهم
стр. 183
هذا ـ ولو كان على قراءة القرآن وذكر الله ـ فإنَّه محرم؛ لأنَّه على حساب إضاعة صلاة الفجر.
فعلى طالب العلم أن يعتني بهذه الصلاة وأن يحافظ عليها وعلى جميع الصلوات المكتوبة، فقد ذُكِرَت عند النبي ﷺ مرة فقال:"من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له برهان ولا نور ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وهامان وفرعون وأبي ابن خلف"١ أي أنَّه يحشر مع صناديد الكفر وأعمدته.
وفي الحديث فوائد مهمة، منها:
أنَّ الصلاة أفضل العبادات، وأنَّ لها شأناً عظيماً في الدين، والنصوص في ذلك لا تعد ولا تحصى.
ومنها: أنَّ الاعتقاد الصحيح السليم يؤثر على عمل العبد وسلوكه، فكلما ازداد إيمانه وقوي يقينه ازداد استقامة وجِداً وعملاً وبذلاً ومحافظة على طاعة الله.
" ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ "" المراد بالتسبيح: صلاة الفجر وصلاة العصر. والصلاة تسمى صلاة، وتسمى ببعض أجزائها، فيقال لها: ركوع، وسجود، وتسبيح. يقال: سجد سجدتين أي: صلى ركعتين.
" وفي رواية: سترون ربكم عياناً " وفي هذا مؤكد آخر لكون رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة تكون عياناً بالأبصار.
стр. 184
" وروى صهيب عن النبي ﷺ قال:"إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: يا أهل الجنة، إنَّ لكم عند الله موعداً لم تروه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ " رواه مسلم "
" صهيب ": هو ابن سنان الرومي ﵁.
" إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا " أي: عندما يدخل أهل الجنة الجنة ويرون نعيمها، ويحصل لهم الزحزحة عن النار، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ١ ينادون:
" يا أهل الجنة، إنَّ لكم عند الله موعداً لم تروه " هذا الموعد هو رؤية الله، والوعد به جاء في القرآن في قوله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، وفي سنة النبي ﷺ في قوله:"إنكم سترون ربكم".
" فيكشف الحجاب فينظرون إليه " أي: يكشف حجابه وهو النور، فينظرون إلى الله حقيقة بأبصارهم.
" قال: فو الله ما أعطاهم الله شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إليه " وهذه شهادة من النبي ﷺ على أنَّ رؤية المؤمنين ربهم هي أفضل نعيم في الجنة.
ثم إنَّ المصنف ﵀ لما ذكر دليلاً من القرآن ودليلين من السنة ذكر بعض الآثار عن السلف في إثبات الرؤية فقال:
" وقال مالك بن أنس ﵁: الناس ينظرون إلى الله تعالى
стр. 185
بأعينهم يوم القيامة " وهذا فيه أنَّ منهج السلف في الرؤية: إثباتها وإمرارها كما جاءت، والإيمان بها كما وردت، واعتقادهم أنها حق، وأنَّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة حقيقة بأبصارهم.
" وقال أحمد بن حنبل: من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر " هذا حكم المنكر من حيث الإطلاق؛ لأنَّه أنكر أمراً تضافرت عليه الأدلة، وتكاثرت فيه النصوص، وأجمع عليه سلف الأمة. لكن إن أُتِي بمعيَّنٍ ينكر الرؤية ابتداءً لا يُكفَّرُ، بل تزال عنه الشبهة، خاصة وأن رؤوس أهل البدع شبَّهوا على الناس وكتبوا كتباً وأتوا بتلبيسات كثيرة.
стр. 186
[صفة الكلام]
ثم شرع المصنف ﵀ في بيان ما يتعلق بإثبات صفة الكلام لله جل وعلا، وأنَّه يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء.
والكلام في هذه الصفة طويل جداً ومتشعب، وله جوانب كثيرة، وكلام أهل الباطل فيه كثير، وشبههم فيه متعددة، وكثير من كتب الاعتقاد سواء المؤلف منها على عقيدة أهل السنة والجماعة أو على طريقة المتكلمين يبسط فيها القول بسطاً واسعاً فيما يتعلق بهذه الصفة، حتى إنَّه قيل: إنَّ علم الكلام إنما سمي بهذا الاسم لكثرة الكلام في صفة الكلام، لكن هذا القول غير صحيح، بل سمي علم الكلام بهذا الاسم لأنَّ فيه خوضاً في الدين بغير طريقة المرسلين، بل بآراء محضة وعقول صرفة ومنطقيات وفلسفات. ولهذا فإنَّ من التعدي البين أن يسمى علم التوحيد علم الكلام؛ لأنَّ علم التوحيد مبني على الوحي: كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، أما علم الكلام فمبني على آراء الرجال وتخرصاتهم وظنونهم.
وأهل السنة يؤمنون بهذه الصفة إيمانهم بسائر صفاته جل وعلا، ويمرونها كما جاءت، ويثبتونها كما وردت، وما يلزم في كلام المخلوق من لوازم فإنَّه ليس بلازم في كلام الخالق؛ لأنَّ من عقيدة أهل السنة والجماعة في صفة الكلام ما يعتقدونه في جميع الصفات، ألا وهو أنَّ كلامه سبحانه ليس ككلام خلقه، بل كلامه يليق بجلاله وكماله وعظمته سبحانه. والفرق بين كلامه سبحانه وبين كلام خلقه كالفرق بينه تعالى وبين خلقه، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي:"فضل كلام الله على كلام سائر خلقه، كفضل الله عز
стр. 187
وجل على خلقه"١، ويروى مرفوعاً إلى النبي ﷺ ولا يصح ٢.
وقد جاءت في نصوص الكتاب والسنة أوصاف لكلام الله تبين عظمته، فقد ثبت في بعض الأحاديث أنَّ كلامه يسمعه مَنْ بَعُدَ كما يسمعه مَنْ قَرُبَ، وهذا لا يكون إلا في كلامه.
وكلام الله الذي تكلم به سبحانه يضاف إليه، ويقال: إنه كلام الله وإن نقله غيره أداء؛ فإنَّ الكلام ينسب إلى من تكلم به ابتداء لا إلى من نقله أداء. أما قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ في موضعين من القرآن ٣ فإضافة القول هنا إلى الرسول إضافة بلاغ لأنَّه ذكرهما بوصف الرسالة الدال على مهمة البلاغ. ففي موضع قصد بالرسول جبريل، وفي الآخر قصد بالرسول محمد ﷺ . ولو كابر مكابر فقال: بل هو كلام الرسول تكلم به ابتداءً من عند نفسه قيل له: أيُّ الرسولين الذي تكلم به؛ لأن أحدهما جبريل والآخر محمد ﷺ ، أم أنَّ كلَّ واحد منهما تكلم به ابتداءً من قبل نفسه؟!
وإذا نظرنا إلى الكلام من حيث هو فإنَّه صفة قائمة بالذات ملازمة لله جل وعلا في الأزل وفيما لم يزل، فهو صفة ذاتية بهذا الاعتبار.
وإذا نظرنا إلى هذه الصفة العظيمة من حيث إنها متعلقة بالمشيئة، وأنَّ
стр. 188
الرب العظيم يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء، فإنها بهذا الاعتبار صفة فعلية. ولهذا فإن الصفات أقسام:
١ـ صفات ذاتية، مثل العلو والوجه ونحوها.
٢ـ وصفات فعلية، مثل الاستواء.
٣ـ وصفات ذاتية باعتبار وفعلية باعتبار آخر، ومن أمثلة ذلك صفة الكلام.
لقد جاء في إثبات هذه الصفة أدلة كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ومن يتأمل مجموع هذه الأدلة يرى فيها دلالة على أمور عديدة تتعلق بالكلام، منها:
ـ أنَّ الله يتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء.
ـ وأنَّ كلامه بحرف وصوت يسمع.
ـ وأنَّ كلامه سبحانه أينما توجه فهو كلامه، سواء حُفِظ في الصدور، أو كُتِب في السطور، أو سُمِع بالآذان، أو تُلِي بالألسن.
ـ كما يُعلم من خلال الأدلة أنَّ كلام الله نوعان: كلام كوني: كقوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ ١. وكلام شرعي: وهو الكلام الذي في القرآن من أمر ونهي وإخبار، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٢.
ـ وأنَّ كلامه ﵎ يتفاضل، فبعضه أفضل من بعض.
ـ وأنَّه يتعاقب، فمثلاً: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، الرحمن ثم الرحيم وهكذا.
فمن الإيمان بكلام الله: الإيمان بكلِّ ما يتعلق بهذه الصفة مما ثبت في كتاب
стр. 189
الله وصح في سنة رسوله الكريم ﷺ ، وسيأتي معنا ضمن النصوص التي أوردها المصنف ما يدل على جوانب عديدة تتعلق بهذا.
" ومن مذهب أهل الحق أنَّ الله لم يزل متكلماً بكلام مسموع، مفهوم، مكتوب. قال الله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ "
" لم يزل متكلماً " أي: لم يزل موصوفاً بهذه الصفة، وأنَّه يتكلم متى شاء في أيِّ وقت شاء بأيِّ كلام شاء.
" بكلام مسموع " وهذا فيه رد على من يقول إنَّ كلام الله كلام نفسي فقط، وهي البدعة التي أنشأتها الكلابية وأخذها عنهم الأشاعرة ومن شاكلهم.
وسبب هذه البدعة محاولة غير موفقة في الرد على المعتزلة؛ لأنها بنيت على أسس غير صحيحة. فالمعتزلة ينكرون وصف الله بالكلام، ويقولون: إنَّ كلام الله مخلوق، وإضافته إلى الله إضافة خلق وإيجاد، وألزموا الكلابية بأنَّ الكلام يلزم منه كيت وكيت من لوازم المخلوق. ولما أراد الكلابية رد بدعتهم هذه، والتوفيق بين شبهتهم والأدلة التي تثبت وصف الله بالكلام، جاءوا بهذا التفصيل فقالوا: إنَّ الكلام نوعان: كلام نفسي وهو معنى واحد لا يتجزأ ولا يتبعض، وهذا الذي يوصف به الرب عندهم. أما الكلام اللفظي الذي يكتب ويسمع ويتلى ويقرأ فهذا ليس كلام الله، وإنما هو عبارة أو حكاية عن كلام الله. ولهذا فإنَّ أئمة السلف ﵏ في الرد على هذه البدعة يقولون: إنَّ الله يتكلم بكلام مسموع.
فكلام الله عندما يبلغ الخلق قد يبلغهم مباشرة وقد يبلغهم بواسطة، فجبريل سمع كلام الله من الله، وموسى ﵇ سمع كلام
стр. 190
الله من الله، قال الله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ١ ولهذا يسمى كليم الله، ومحمد ﷺ لما عُرج به إلى السماء سمع كلام الله من الله بدون واسطة.
ولما يكلم الرب سبحانه الخلائق يوم القيامة فإن كلامه ينفذ جميع الآذان، ويسمعه القريب والبعيد كما قال النبي ﷺ :"يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان"٢ وهذا شاهد لقول المصنف: " بكلام مسموع ".
وكلامه ﵎ بحرف، فـ: ﴿الم﴾ تتكون من ثلاثة أحرف: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، كما جاء في الحديث:"لا أقول " الم " حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف"٣.
وعندما نقول: إنَّ كلام الله بحرف وصوت يسمع فإنَّه لا يلزم منه تشبيه الله بالمخلوقين، بل هذا كلام يخصه ويليق به سبحانه. ودلائل هذا في الكتاب والسنة كثيرة جداً، بل دل العقل من وجوه كثيرة على وصف الله بالكلام، وأنه يتكلم متى شاء كيف شاء. ومن بين هذه الوجوه: أنَّ عدم الكلام نقص وعيب، والله وهب الخلق هذا الكلام، وواهب
стр. 191
الكمال أولى بالكمال ولله المثل الأعلى. ولهذا نعى ﵎ على أهل الجاهلية وذم المشركين في عبادتهم للأصنام بأنَّهم يعبدون ما لا يرجع إليهم قولاً أي: لا يتكلم، فقال سبحانه: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ ١، فمن لا يتكلم لا يصلح أن يُعبد. والمبتدعة يدَّعون في معبودهم الرب العظيم أنَّه لا يتكلم وأنَّ الكلام لا يليق به، وفي كلامهم إخلال بالرسالة والرسل؛ لأنَّ مهام المرسلين إبلاغ كلام مرسِلهم، فإذا قيل: إنَّ المرسِل لا يتكلم فما شأن المرسلَين وما مهمتهم؟!
" مفهوم " أي أنَّ كلام الله ألفاظ لها معان، وليست ألفاظاً مجهولة، بل له دلالة تفهم، كما دلت عليه الآيات الكثيرة التي فيها الحث على تدبر كلام الله، كقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٢، وقوله سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ ٣، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٤. ولو لم يكن مفهوماً لما أمر الناس بتدبره، إذ الأمر بتدبره ـ على هذا ـ أمر بما لا يطاق.
وفي هذا رد على المفوضة: مفوضة المعاني، الذين يدعون في نصوص الصفات أنَّها غير مفهومة المعنى، فكيف يقال عن أشرف ما في القرآن وهو وصف الرب جل وعلا أنه غير مفهوم المعنى.
" مكتوب " أي:كلام يُكتب، وجاء في الحديث الذي سبق:"لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فكتبه على نفسه، فهو موضوع عنده على العرش: إنَّ رحمتي تغلب غضبي"فكلامه ﵎ يكتب، منه ما كتبه هو سبحانه بيده كالتوراة، ومنه ما سمعه منه جبريل وبلغه إلى النبي ﷺ ، وأخذه منه
стр. 192
المؤمنون يكتبونه في الصحف والأوراق، ويحفظونه في الصدور، ويتلونه بألسنتهم. وقرءاتهم له وكتابتهم وتلاوتهم لا تخرجه عن كونه كلام الله؛ لأنَّ الكلام ينسب إلى من قاله ابتداءً.
ثم شرع المصنف ﵀ في ذكر الأدلة على هذا المعتقد، فقال:
" قال الله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ " الآية صريحة في معناها، واضحة في دلالتها على ثبوت وصف الله بالكلام، وأنَّه كلَّم موسى كلاماً سمعه موسى من الله، وأكَّد ذلك بقوله: " تكليماً ". ومع هذا التأكيد يأبى أهل البدع إثبات صفة الكلام لله ﵎، فأتوا إلى هذه الآيات، فبذلوا جهدهم في صرفها وتكلفوا في ردها، وذهبوا إلى وحشي اللغات ومستكره التأويلات، وحاولوا شتى المحاولات حتى يبعدوا كلام الله عن دلالته الظاهرة.
فقال بعضهم: الكلْم في اللغة الجرح ومعنى الآية: أي: كلَمه بأظافير الحكمة!! ولا شك أنَّ الفرق بين كلَّم وكلَم ظاهر، لكنهم يحاولون رد النص بأيِّ طريقة.
وحاول بعضهم تغيير حركة الإعراب في الآية فقرأها: وكلم اللهَ موسى بنصب اسم الجلالة حتى يكون المتكلم هو موسى وليس الله سبحانه، حتى إنَّ أحدهم ذهب إلى أبي عمرو بن العلاء ـ وهو أحد القراء السبعة ـ، وطلب منه قراءة هذه الآية محرفة بنصب اسم الجلالة. فقال أبو عمرو: هب أني قرأت هذه الآية كذا، فكيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ١ فبهت المعتزلي ٢.
стр. 193
" وروى عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ :"ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، ثم ينظر أيمن منه فلا ينظر إلا شيئاً قدمه، ثم ينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يقي وجهه النار ولو بشق تمرة فليفعل""
" ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان " أي: كلاماً من الله، يسمعه المكلَّم مباشرة بدون واسطة. والمراد: الكلام الواقع في عرصات يوم القيامة لتقرير الإنسان ومحاسبته على أعماله في الحياة الدنيا.
" ثم ينظر " أي: الإنسان.
" أيمن منه فلا ينظر إلا شيئاً قدمه، ثم ينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه " أي: لا يجد إلا أعماله التي قدمها في الحياة الدنيا، ولعل الذي على اليمين أعماله الصالحة، والذي على اليسار أعماله غير الصالحة.
وفي الحديث فائدة، وهي أنَّ كلَّ عمل يقوم به الإنسان في هذه الحياة هو شيء يقدمه للآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١، وقد يكون الإنسان نسي بعضها ولكن: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ ٢. وإذا نظرنا في أحوالنا فيما نقدم نجد أننا فرطنا كثيراً وضيعنا كثيراً نسأل الله العافية والتوفيق للخير وحسن الختام.
" ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار " وفي هذا أنَّ النار أمام الناس كلِّهم، ولا سبيل إلى الجنة إلا بالمرور من فوقها، وعلى النار صراط أحدُّ من السيف وأدق من الشعرة، وكلاليب تخطف الناس بأعمالهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ ٣. ثم يتفاوت الناس في مرورهم على الصراط بحسب أعمالهم التي قدموها في هذه الحياة، فمنهم من
стр. 194
يمر كالبرق، ومنهم كأجاويد الخيل، ومنهم كركاب الإبل، ومنهم من يجري جرياً، ومنهم من يمشي مشياً.
وإيمان العبد بأنَّه سيكلمه ربه ليس بينه وبينه واسطة، وأنَّه سينظر عن يمينه وعن شماله فلا يجد إلا ما قدم، هذه عقيدة ينبني عليها جد وعمل، ولهذا قال ﷺ : " فمن استطاع منكم أن يقي وجهه النار ولو بشق تمرة فليفعل " وهذا ربط للعمل بالاعتقاد، وكما أنَّ ذلك في النصوص فإنه ينبغي أن يكون كذلك في العمل، فكلُّ عقيدة تؤمن بها ينبغي أن تورث فيك عملاً وعبادة وطاعة وإقبالاً، فلا تتهاون في العمل الذي تتقرب به إلى الله تعالى ولو كان قليلاً، فيسير العمل ينفع، وموازين الأعمال يوم القيامة موازين الذر، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ١. ولأهل العلم كلمات لطيفة في توضيح الذرة ما هي، فقال بعضهم: إذا ضربت يدك في الأرض تساقطت الأحجار الصلبة من يدك ويبقى فيها رذاذ هذا هو الذر. وقال بعضهم: هي التي تراها مع شعاع الشمس عندما تدخل مع النافذة. ويُذكر عن عائشة ﵂ أنها تصدقت مرة بعنبة واحدة، فقالت لها امرأة: يا أم المؤمنين عنبة؟! قالت: أو تعلمين كم فيها من ذرة. وهذا لا أدري عن ثبوته عنها لكن معناه جميل للغاية، والدليل على جمال معناه قول النبي ﷺ : " اتقوا النار ولو بشق تمرة ". وقوله ﷺ :"بينما رجل يمشي بطريق، وجد غصن شوك على الطريق، فأخرَّه، فشكر الله له فغفر الله له" ٢.
فإماطة الأذى عن الطريق والتصدق بشق تمرة ناشئ عن شيء في القلب
стр. 195
يأجر الله عليه، وهو محبة الخير للناس ورحمتهم والسعي في مساعدتهم، ولو لم يكن في يده شيء يقدم الدعاء.
وبعد أن عرفنا هذه الإيمانيات المكتسبة من هذا الحديث والآثار المباركة التي حصَّلها المؤمنون بإيمانهم بذلك والتي لا نحسن ـ لقصورنا ـ التعبير عنها، لننظر في حال أهل البدع في هذا المقام، فإنَّ صاحب البدعة عندما يأتي إلى هذه النصوص ينشغل ببدعته الباطلة وضلالته السوأى على طريقته في إنكار كلام الله سبحانه عن ثمرة الحديث وآثارِه المباركة. فأي بلاء جروا على أنفسهم بهذا الإنكار، وأي شؤم قادتهم إليه عقيدتهم؟! أعاقتهم عن سديد الأقوال وصالح الأعمال، وعن طاعة ذي الجلال والإكرام. ولهذا من تتبع تراجم رؤوس البدع يجد أنَّ كثيراً منهم من أسوأ الناس عملاً وأضعفهم عبادة.
قال الشيخ محمد بن مانع ﵀:"كنت أقرأ في كتب المقالات واختلاف الناس في المعتقدات، فأقف على غلو المعتزلة في عقائدهم، فأرجع إلى كتب التراجم وأبحث عن تراجم أكابر شيوخهم، فأجد فيها الأمر المنكر العجيب من التلاعب في الدين وانتهاك حرماته، فصح عندي أنَّ ذلك من شؤم عقائدهم وفساد نحلتهم. ومن قرأ ترجمة النظام وأبي الهذيل العلاف والماجن الجاحظ عرف ذلك نسأل الله السلامة"١.
" وروى جابر بن عبد الله قال: لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام قال رسول الله ﷺ :"يا جابر ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ قال: بلى. قال: وما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحاً، قال: يا عبد الله تمن عليَّ أعطيك، قال: يا رب، تحييني فأقتل فيك ثانية، قال: إنَّه سبق مني
стр. 196
أنَّهم إليها لا يرجعون، قال: فأبلغ من ورائي. فأنزل الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ " رواه ابن ماجه "
" لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام قال رسول الله ﷺ :"يا جابر ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ قال: بلى " قُتِل والد جابر ﵁ شهيداً في معركة أحد فلحقه بعض الحزن، فسلاَّه النبي ﷺ وأخبره بهذا الأمر العظيم الذي خُص به والده، وهو أمر غيبي أطلعه الله عليه.
وللمسلم أن يسلي أهلَ المصاب بالأمور التي يعلمها عن الميت من خصاله الكريمة وشمائله الحميدة التي يؤمل أن ينال بها خيراً عظيماً ليسلوا بها أهله.
" وما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب " المراد بأحد عموم الناس، وإلا فقد كلم الله بعض أنبيائه، وسمعوا كلامه منه جل وعلا، كما سمعه نبينا محمد وموسى صلى الله عليهما وسلم.
" وكلم أباك كفاحاً " أي: مواجهة، ومعنى ذلك أنَّ عبد الله بن حرام سمع كلام الله من الله، وهذا يفيد أنَّ الله يتكلم حقيقة بصوت يسمع.
" قال: يا عبد الله تمن عليَّ أعطيك " أي ذكر له النبي ﷺ الكلام الذي قاله الله لأبيه: " يا عبد الله تمن عليَّ أعطيك " أي: اطلب شيئاً تتمناه.
" قال: يا رب، تحييني فأقتل فيك ثانية " هذا الطلب من عبد الله ﵁ يدل على عظم مكانة من يقتل في سبيل الله؛ لأنَّه إنما تمنى العودة إلى الحياة الدنيا ليقتل ثانية لما رآه من المكانة الرفيعة لمن يقتل في سبيل الله.
" قال: إنَّه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون " أي: قال الله تعالى له: إنَّ من مات لا يرجع إلى الحياة الدنيا. فلما لم يعطه الله ذلك.
стр. 197
" قال: فأبلغ من ورائي " لما رأى هذه المكانة الرفيعة والدرجة السامية أحبها للناس، فطلب من الله أن يخبرهم بهذا المقام الكريم الذي حصَّله، فلله ما أعظم مكانتهم في النصح أمواتاً وأحياءً رضوان الله عليهم.
" فأنزل الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ " فأنزل الله في ذلك وحياً يتلى إلى يوم القيامة يبين المقام الرفيع الذي خُص به من استشهد في سبيله.
الشاهد من الحديث: ثبوت الكلام لله ، وأنَّه سبحانه يتكلم بما شاء متى شاء، وأنَّه كلَّم عبد الله بن حرام ﵁ كفاحاً كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ .
стр. 198
[القرآن كلام الله]
" والقرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، والمسموع من القاري كلام الله ، قال الله : ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ، وإنما سمعه من التالي. وقال الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ وقال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . وقال : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ . وهو محفوظ في الصدور، كما قال : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ "
ثم بدأ المصنف ﵀ في الكلام على القرآن على وجه الخصوص، وأنَّه كلام الله ووحيه وتنزيله، تكلم به الرب العظيم حقيقة، وسمعه منه جبريل، ونزل به جبريل إلى النبي الكريم ﷺ ، ثم بلغه النبي ﷺ للأمة، ثم سمعه الناس بعضهم من بعض، فاتصل إسنادهم في سماعه إلى الصحابة إلى النبي الكريم إلى جبريل إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١، وقال سبحانه: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢، و" مِنْ " في هذه الآية للابتداء أي: هو سبحانه الذي تكلم به: تكلم بسورة الفاتحة والبقرة وآل عمران وجميع سور القرآن، هو الذي تكلم به، ومنه بدأ
وأما من تأثروا ببدع المتكلمين وأهل الباطل ممن يعطون إجازات في القرآن فيوقفون الإسناد إلى اللوح المحفوظ، حتى يسلموا من إضافة الكلام إلى الله
стр. 199
عز وجل، فالقرآن عندهم إنما هو عبارة عن كلام الله، يقول بعضهم: خلقه الله في اللوح المحفوظ، وأخذه جبريل من اللوح المحفوظ مباشرة.
" والقرآن كلام الله " المضافات إلى الله تعالى على نوعين:
١ـ أوصاف لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بموصوف، مثل سمع الله وبصر الله وعلم الله وكلام الله ومشيئة الله، فإضافتها إلى الله إضافة وصف.
٢ـ أعيان قائمة بنفسها، مثل بيت الله وعبد الله وأمة الله وناقة الله، فإضافتها إلى الله إضافة خلق.
ولأهل البدع تلبيس في هذا الموضع فيقول بعضهم: يصح أن يضاف الكلام إلى الله، لكن إضافته إليه إضافة خلق، فيقولون في نحو قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ ١ القول من الله خلقاً وإيجاداً، فيجعلونه كقول الله ﵎: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ ٢. وهذا تلبيس منهم؛ لأنهم جعلوا الأوصاف المضافة إلى الله كالأعيان المضافة إليه وليس الباب واحداً. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:"كلُّ ما يضاف إلى الله إن كان عيناً قائمة بنفسها فهو ملك له، وإن كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به فهو صفة لله"٣.
فقول المصنف هنا: " القرآن كلام الله " الإضافة إضافة وصف.
" ووحيه وتنزيله " أي: أنزله على النبي ﷺ وحياً، وفي إيماننا بأنَّ القرآن نزل من الله دلالة على علوه سبحانه؛ لأنَّ النزول إنما يكون من علو، ولهذا تذكر هذه الآيات التي فيها نزول القرآن من الله ضمن أدلة العلو.
" والمسموع من القاري كلام الله ، قال الله : ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ " فالمشرك الذي أجير حتى يسمع كلام الله إنما سمعه من
стр. 200
التالي، ومع ذلك لم يخرج عن كونه كلام الله. فالآية شاهد واضح على أنَّ كلام الله أينما توجه يبقى كلامه . قال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان:"أدركنا العلماء في جميع الأمصار: حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً، فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته"١. أي: سواء تلي بالألسن، أو حفظ في الصدور، أو كتب في السطور، أو سمع بالآذان؛ لأنَّ الكلام ينسب لمن قاله ابتداء لا لمن نقله أداء. ولهذا يقول السلف في مثل هذا المقام: الكلام كلام الباري والصوت صوت القاري.
ولهذا قال المصنف مؤكداً على هذا المعنى: " وإنما سمعه من التالي " أي مع سماعه من التالي لا يخرج عن كونه كلام الله.
" وقال الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ " فكلام الله الذي يريدون تبديله كلام مكتوب، فحال كتابته سمي كلام الله.
" وقال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ " ففي الآية دلالة على أنَّه كلام منزل، تكلم الله به فوق عرشه في علوه، وسمعه منه جبريل ونزل به إلى النبي ﷺ .
" وقال : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ " وإنَّه أي: القرآن، والروح الأمين: هو جبريل، وإنما سمي بالروح لأنَّه ينزل بالوحي الذي به حياة القلوب. ولهذا فإنَّ الوحي كذلك يسمى روحاً، كما قال تعالى: ﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره﴾ ٢، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ ٣.
стр. 201
فجبريل الروح الأمين نزل به على محمد ﷺ وسمعه منه، ومحمد ﷺ بلَّغه للأمة.
" وهو محفوظ في الصدور، كما قال : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ " أي: وهو في هذه الحالة ـ حال حفظه في الصدور ـ أيضاً هو كلام الله.
" وروى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"استذكروا القرآن فلهو أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم من عقله""
وفي هذا أيضاً تأكيد للمعنى السابق، وهو أن القرآن أينما توجه فهو كلام الله.
" استذكروا القرآن " أي: تعاهدوه وراجعوه.
" تفصياً " أي: تفلتاً.
" من عقله " العقل جمع عقال، وأهل الإبل يستعملون العقل لوضعها في ركب البعير إذا بُرِّك وأريد أن يبقى في مكانه، فإذا أراد أن يقوم منعه العقال من ذلك. لكن في كلِّ مرة يحاول البعير أن يقوم ينسحب العقال إلى الأمام شيئاً فشيئاً حتى يسقط فيقوم البعير. فعلى صاحب الإبل أن يتعاهد هذه العقل فما أوشك على السقوط منها أدخله مرة أخرى.
فانظر إلى جمال هذا المثال الذي اختاره النبي ﷺ لتعاهد القرآن، ولما خاطب الصحابة خاطبهم بشيء يعقلونه، فهم يعرفون حاجة راعي الإبل إلى مثل هذا التعاهد.
وفي هذا الحديث أهمية ضرب الأمثال في التعليم، فكثيراً ما تضرب الأمثال في القرآن والسنة، وفي القرآن كما يقول ابن القيم أكثر من أربعين مثلاً ١،
стр. 202
ولبعض المتقدمين كتب خاصة في أحاديث الأمثال، منها: كتاب الأمثال للرامهرمزي.
فالشاهد من الحديث: أنَّ القرآن حال حفظه في الصدور يبقى كلام الله.
" وهو مكتوب في المصاحف منظور بالأعين "
المؤلف ﵀ يؤكد على المعنى الذي أشرت إليه، ألا وهو أنَّ القرآن أينما توجه فهو كلام الله. فمر معنا: إن تلي بالألسن فهو كلام الله، وإن سمع بالآذان فهو كلام الله، وإن كتب فهو كلام الله، وإن حفظ في الصدور فهو أيضاً كلام الله. وهنا يبين أنه إن رئي بالأعين أو كتب في المصاحف والأوراق فهو كلام الله. كما جاء عن الإمام أحمد ﵀ أنَّه قال:"يتوجه العبد لله تعالى بالقرآن بخمسة أوجه، وهو فيها غير مخلوق: حفظ بقلب، وتلاوة بلسان، وسمع بآذان، ونظر ببصر، وخط بيد. فالقلب مخلوق والمحفوظ غير مخلوق، والتلاوة مخلوقة والمتلو غير مخلوق، والسمع مخلوق والمسموع غير مخلوق، والنظر مخلوق والمنظور إليه غير مخلوق، والكتابة مخلوقة والمكتوب غير مخلوق"١.
ثم أورد المصنف ﵀ بعض الأدلة على أنَّ القرآن وإن كُتب في المصاحف أو نُظر إليه بالأعين فهو كلام الله، فقال:
" قال الله : ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ أي: وهو في هذه الحالة ـ مكتوباً في كتاب ـ أيضاً لا يخرج عن كونه كلام الله .
стр. 203
" وقال : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ "
وأيضاً كونه كتب في الكتاب المكنون لا يخرجه عن كونه كلام الله.
" وروى عبد الله بن عمر أنَّ النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو "
وفي هذا تعظيم كلام الله وإبعاده عن أن يمتهن أو أن يسيء إليه أحد، ولهذا نهي عن أن يسافر به إلى أرض العدو.
" وقال عثمان بن عفان ﵁:"ما أحب أن يأتي علي يوم وليلة حتى أنظر في كلام الله "يعني القراءة في المصحف "
وفي هذا عناية السلف ﵏ بالقرآن، واهتمامهم بقراءته، وحرصهم على ألا يمر عليهم يوم إلا وقد شغلوه بتلاوة كلام الله سبحانه.
وفيه أنَّ النظر إلى المصحف بالأعين لا يخرجه عن كونه كلام الله، نظرنا إليه بالأعين أو تلوناه أو كتبناه أو حفظناه، فأينما توجه فهو كلام الله تعالى.
وفيه أهمية قراءة القرآن من المصحف حتى للحافظ؛ لأنه يقرأ ويتدبر وينظر إلى كلام الله جل وعلا، فيجمع في تلاوته بين القراءة باللسان والنظر إلى كلام الله جل وعلا بالعين.
" وقال عبد الله بن أبي مليكة: كان عكرمة بن أبي جهل ﵁ يأخذ المصحف فيضعه على وجهه، فيقول: كتاب ربي وكلام ربي "
الشاهد في هذا قول عكرمة ﵁ عن هذا المكتوب: كتاب ربي، وكلام ربي. وهذا فيه أنَّ القرآن وإن كتب فهو كلام الله.
فإذا آمن العبد بأنَّ هذا القرآن الموجود في المصاحف المتلو بالألسن هو كلام
стр. 204
الرب العظيم، وأنَّه هو سبحانه الذي تكلم به، لا شك أنَّه سيزداد"رعاية للقرآن واهتماماً به ومعرفة لحرمته ومكانته، والمصنف ﵀ لما أورد حديث النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو قصد هذا المعنى، فلكلام الله الذي تكلم به حرمة خاصة، فلا يُذهب به إلى أرض العدو كي لا يمتهن.
وعلى العكس من ذلك، إذا اعتقد الشخص أنه ليس كلام الله وإنما هو مخلوق من مخلوقات الله شأنه كشأن بقية المخلوقات، فلا ريب أنَّ هذا الاعتقاد سيوجد في قلب صاحبه إضعافاً لمكانة القرآن ولابد، ولهذا يؤثر عن بعض أئمة هذه البدعة كالجعد بن درهم والجهم بن صفوان وأضرابهم الشيء الكثير من الامتهان للمصحف والاستخفاف به ورميه ١.
" وأجمع أئمة السلف والمقتدى بهم من الخلف على أنَّه غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر "
مضت كلمة الصحابة رضوان الله عليهم على الإيمان بأنَّ القرآن كلام الله، وأنَّه سبحانه هو الذي تكلم به. وليس عند أحد منهم إلا هذه العقيدة. فكان يكفي في الاعتقاد أن يقول القائل: القرآن كلام الله.
ثم ظهرت بدعة الجهمية، وجحد الجعد بن درهم أن يكون الله كلَّم موسى تكليماً، أو أن يكون اتخذ إبراهيم خليلاً، ونشر بدعته هذه بين الناس. ثم نشأت المعتزلة فلبَّسوا على الناس وقالوا: يصح أن يضاف الكلام إلى الله، لكن إضافته إضافة خلق، فيقال كلام الله مثل ما يقال ناقة الله أو بيت الله أو عبد الله. فأصبح ـ مع وجود هذه البدع ـ لا يكفي في المعتقد أن يقول القائل: أنا أؤمن بأنَّ القرآن كلام الله. بل لا بد من التنصيص على كلمة: " غير
стр. 205
مخلوق " لتحرير المعتقد الحق وتمييزه عن بدعة المعتزلة ومن ماثلهم. ولهذا أجمع أئمة السلف ـ كما حكاه الحافظ عبد الغني هنا، وحكاه غيره كذلك ـ على أنَّ القرآن كلام الله غير مخلوق،"ومن قال مخلوق فهو كافر.
ومن أكثر من توسع في نقل كلام السلف في هذا الباب اللالكائي في شرح الاعتقاد، حيث ذكر خمسمائة نفس من أئمة السلف يقولون القرآن كلام الله غير مخلوق، ثم قال:"فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفساً أو أكثر من التابعين وأتباع التابعين والأئمة المرضيين سوى الصحابة الخيرين على اختلاف الأمصار ومضي السنين والأعوام، وفيهم نحو من مائة إمام ممن أخذ الناس بقولهم وتدينوا بمذاهبهم، ولو اشتغلت بنقل أقوال المحدثين لبلغت أسماؤهم ألوفاً كثيرة، لكنني اختصرت وحذفت الأسانيد للاختصار ونقلت عن هؤلاء عصراً بعد عصر، لا ينكر عليهم منكر، ومن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه"١.
وإليه يشير ابن القيم في النونية بقوله:
ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان
واللالكائي الإمام حكاه عنهم ... بل حكاه قبله الطبراني
فاللالكائي لم يستقص، ومع ذلك جاء بهذا العدد الكبير، وهذا يفيدنا أن كلمة غير مخلوق باتت جزءً من المعتقد لابد منها لقطع الطريق على شبهة أولئك أو بدعتهم.
" وقال علي بن أبي طالب ﵁ في القرآن: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله منه بدأ وإليه يعود "
стр. 206
هذا الأثر عن علي ﵁، وكذلك عدة آثار عن الصحابة ـ روى جملة منها اللالكائي في شرح الاعتقاد ـ فيها التنصيص على أن القرآن غير مخلوق، لكن لم يثبت منها شيء، ولم يكن في زمانهم حاجة إلى التنصيص على هذه الكلمة، لكن لما ظهرت بدعة الجهمية ونشأت مقالتهم احتاج الناس إلى هذه الكلمة، وباتت جزءً من المعتقد كما أسلفت.
ولهذه الكلمة نظائر في باب المعتقد، فمنها كلمة: " بائن من خلقه " فقد أصبحت جزءً من المعتقد، والسبب في ذلك أنه وُجِد من يقول أنا مؤمن بأنَّ الله مستو على عرشه ولكن الاستواء هو الاستيلاء، فاحتاج السلف ﵏ إلى هذه الكلمة لرد بدعة هؤلاء، فمن لم يؤمن بأن الله بائن من خلقه لم يؤمن بأنَّ الله على عرشه، ومعنى بائن من خلقه: أي ليس في ذاته شيء من مخلوقاته ولا في مخلوقاته شيء من ذاته.
" وقال عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود "
وهذه الكلمة تنقل عن السلف ﵏ بكثرة، بل إنها محل إجماع بينهم، ودلائلها في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ كثيرة.
" منه بدأ " أي أنه هو سبحانه الذي تكلم به ابتداءً، ومن سواه ـ كجبريل والرسول ﷺ وحملة القرآن من الأمة ـ إنما هم نقلة له، وسمعه منه جبريل ﵇ وبلغه إلى النبي ﷺ ، وبلغه النبي ﷺ إلى الأمة.
والسلف ﵏ لما قالوا: " منه بدأ " أرادوا إبطال قول المعتزلة وغيرهم ممن ينكرون أنَّ القرآن كلام الله ، ويزعمون أنَّ الله خلق الكلام في اللوح المحفوظ أو خلقه في جسم من الأجسام، وأخذه جبريل منه. وهذا معناه أنَّ القرآن بدأ من اللوح أو من ذلك الجسم، وهو ضلال
стр. 207
وباطل، ردَّه السلف بقولهم: " منه بدأ " أي: من الله.
" وإليه يعود " أي: القرآن يعود إلى الله، وقد ذكر أهل العلم في المراد بهذا معنيين:
أحدهما: ما دلت عليه بعض النصوص من أنَّ القرآن في آخر الزمان يرفع من المصاحف ومن الصدور، عندما يضيعه الناس ولا يهتمون به ولا يعطونه حقه وقدره، فيرفع إلى الله . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀":"وأما " إليه يعود " فإنه يُسْرى به في آخر الزمان من المصاحف والصدور، فلا يبقى منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف"١.
والثاني: أن المراد بـ " إليه يعود " أي: وصفاً، فـ " منه بدأ " يعني هو الذي تكلم به ابتداءً، و" إليه يعود " أي: وصفاً فهو الموصوف به، وهو كلامه.
" ورُوي عن سفيان بن عيينة قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون:"القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود". رواه محمد بن جرير بن يزيد الفقيه وهبة الله بن الحسن ابن منصور الحافظ الطبريان في كتاب السنة لهما. وقد أدرك عمرو بن دينار أبا هريرة وابن عباس وابن عمر "
" أدركت مشايخنا " عمرو بن دينار أدرك بعض الصحابة وكبار التابعين، فلما يقول أدركت مشايخنا، فهذا بمثابة حكاية إجماع ذلك العصر، أي: إن من أدركهم ورآهم يقولون هذه المقالة، ولهذا علق إسحاق بن راهويه عقب هذا الأثر بقوله:"قد أدرك عمرو بن دينار أجلة أصحاب رسول الله ﷺ من البدريين والمهاجرين والأنصار، مثل: جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير، وأجلة التابعين
стр. 208
وعلى هذا مضى صدر هذه الأمة"١.
ويكفينا في هذا أنَّ هذه الكلمة مشهورة ومتداولة تداولاً واسعاً بين السلف، يتناقلونها ويقررونها في مجالسهم وكتبهم، شائعة ذائعة عنهم.
" منذ سبعين سنة " هذا يفيد الامتداد الزمني للسماع، ففي هذه المدة الطويلة الكل ماضون على هذه الكلمة، وهذا يؤكد أنها كلمة مضى عليها السلف.
" رواه محمد بن جرير بن يزيد الفقيه " هذا الطبري إمام المفسرين صاحب جامع البيان في تأويل القرآن.
" وهبة الله بن الحسن بن منصور الحافظ " المشهور في زماننا باللالكائي، صاحب كتاب " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ".
" في كتاب السنة لهما " السنة لابن جرير مطبوع باسم " صريح السنة " وفيه هذا الأثر، ويقال عنه: السنة.
والسنة لللالكائي مطبوع واسمه " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم " وعادة أهل العلم في الكتب التي تكون عناوينها طويلة أنهم يختصرونها بما يدل على مضمونها.
" وقد أدرك عمرو بن دينار أبا هريرة وابن عباس وابن عمر " أي أن عمرو بن دينار تابعي جليل أدرك جمعاً من الصحابة، وهذا فيه تنويه بقوله: " أدركت مشايخنا " وأنَّ فيهم جمعاً من الصحابة.
" واحتج أحمد على ذلك بأنَّ الله كلَّم موسى، فكان الكلام من الله والاستماع من موسى. وبقوله : ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ "
стр. 209
" واحتج أحمد " أي: إمام أهل السنة الإمام أحمد ﵀، وله في هذه المسألة بلاء حسن، وجهد مبارك في تقرير الحق وإبطال الباطل، وامتحن في ذلك وابتلي ابتلاء عظيماً، والله أيد به الحق ونصره.
" على ذلك " أي: على ما قرره أهل العلم من أنَّ كلام الله غير مخلوق، وأنه منه بدأ. احتج على هذا بأدلة، منها:
" بأنَّ الله كلم موسى، فكان الكلام من الله والاستماع من موسى " يشير ﵀ إلى قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ، وقد تقدم الكلام على هذه الآية، وأنها تدل على أنَّ الله موصوف بالكلام، وأنَّ موسى سمع كلام الله من الله.
والجهمية الضُّلاَّل يقولون: إنَّ موسى سمع الكلام من الشجرة، وأنَّ الله خلق الكلام في الشجرة. إذاً ما معنى موسى كليم الله، بل أصبح ـ بزعمهم ـ كليم الشجرة!! ، وأي منقبة خُصَّ بها إذا كان إنما سمع الكلام من الشجرة؟! وهل يمكن أن تقول الشجرة لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ١، هل يمكن أن يصدر هذا الكلام من غير الله؟! ولهذا قال السلف: من قال: إن قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ قالته الشجرة أو جبريل فهو كافر.
" وبقوله : ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ " مني أي: منه بدأ، تكلم به هو .
والقول وصف لا يقوم بنفسه، بل لا يقوم إلا بموصوف. وما يقال فيه: " من الله " هو على نوعين:
١ـ أعيان قائمة بنفسها، مثل قوله تعالى: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ ٢، فما في السماوات وما في الأرض أعيان
стр. 210
قائمة بنفسها، فهي من الله خلقاً.
٢ـ أوصاف لا تقوم بنفسها، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ ، القول ليس عيناً قائمة بنفسها، وإنما هو وصف لا يقوم إلا بموصوف، فهو منه ﵎ وصفاً.
وبهذا يظهر وجه استشهاد السلف بهذه الآية على أنَّ القول من الله وصف له، وأنه منه بدأ.
وقد ضل في هذا الباب طائفتان:
١ ـ طائفة تجعل الجميع من الله وصفاً، وهم ضلال المتصوفة وغلاتهم، فكل ما في الكون من الله أي: جزء منه سبحانه، فالكون كلُّه هو الله، وما ثم إلا هو. وهذا قول من يقول بوحدة الوجود.
٢ـ وطائفة أخرى تجعل الجميع من الله خلقاً، وهم المعنزلة ومن لف لفهم.
" وروى الترمذي من رواية خباب بن الأرت أنَّ النبي ﷺ قال:"إنكم لن تتقربوا إلى الله بأفضل مما خرج منه"يعني القرآن "
هذا الحديث ليس موجوداً عند الترمذي، بل هو موجود عند البخاري في خلق أفعال العباد ١ والآجري في الشريعة ٢ وغيرهما عن خباب بن الأرت موقوفاً عليه، وجاء في سنن الترمذي ٣ من رواية أبي أمامة وجبير ابن مطعم مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
" مما خرج منه " هذا شاهد لمقالة السلف ﵏: " منه بدأ "، فهو سبحانه الذي تكلم به ابتداءً وليس غيره جل وعلا.
стр. 211
ثم بنى ﵀ على ما سبق قوله:
" ونعتقد أنَّ الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة عينُ كلام الله ، لا حكاية ولا عبارة "
قول المصنف ﵀: إنَّ الحروف المكتوبة عين كلام الله كلام واضح، فالقرآن الذي هو كلام الله مكون من سور، والسور مكونة من كلمات، وهذه الكلمات مكونة من أحرف. وعندما يقال: القرآن كلام الله أي بحروفه وكلماته وسوره وآياته، فالحروف المكتوبة في القرآن هي عين كلام الله، وأمَّا الحبر والمداد الذي كتبت به فإنَّه مخلوق، وقد دلت السنة وآثار السلف ﵏ على أنَّ القرآن مكون من أحرف، كما قال النبي ﷺ :"لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف"١.
وهذا الذي لأجله أتى المصنف ﵀ بالحروف المقطعة ـ كما تسمى بذلك عند عامة المفسرين ـ ليبين أنَّ الحروف المكتوبة في المصحف هي عين كلام الله ؛ لأنه هو الذي تكلم بها لا غيره، ولا تخرج بكتابتها بالحبر والمداد عن كونها من كلام الله، فالقرآن أينما توجَّه فهو كلام الله، سواء كُتب في السطور، أو حُفظ في الصدور، أو تُلي بالألسن، وقد مضت الأدلة على ذلك.
أما قوله: " والأصوات المسموعة عين كلام الله " فهذا محل نظر؛ لأنَّه إن أريد بالأصوات صوت القارئ فهو مخلوق باتفاق السلف، ولهذا يقولون: الكلام كلام الباري والصوت صوت القاري
فالمقرؤ المتلو كلام الله غير مخلوق، لكن الصوت وحركة لسان العبد
стр. 212
ومخارج صوته كلها مخلوقة، وأفعال العباد مخلوقة. وهذا يقال أيضاً في الرق والحبر والمداد فهذه كلها مخلوقة، لكن المكتوب فيها وبها غير مخلوق. قال النبي ﷺ :"زينوا القرآن بأصواتكم"١ فنسب ﷺ الصوت للقارئ، أما المسموع"فكلام الله.
فإن قيل الأصوات المسموعة ـ بهذا الاعتبار ـ عين كلام الله يكون في هذا الكلام نظر. لكن لو قال: " والكلمات المسموعة عين كلام الله " لم يبق إشكال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فإنَّ أصوات العباد محدثة بلا شك، وإن كان بعض من نصر السنة ينفي الخلق عن الصوت المسموع من العبد بالقرآن، وهو مقدار ما يكون من القرآن المبلغ. فإنَّ جمهور أهل السنة أنكروا ذلك وعابوه ... وأما التلاوة في نفسها التي هي حروف القرآن وألفاظه فهي غير مخلوقة، والعبد إنَّما يقرأ كلام الله بصوته"٢.
على أنَّ هذه العبارة " والأصوات المسموعة " ليست موجودة في بعض نسخ الكتاب، فلعلها من اجتهاد بعض النساخ، والأمر يحتاج إلى تحقيق والله أعلم.
والذي دفع كاتب هذه الكلمة إلى كتابتها ـ سواء كان المصنف أو الناسخ ـ أنَّ المتكلمين يقولون في عقائدهم: كلام الله ليس بحرف ولا صوت. ويبنون ذلك على لوازم سيأتي نقضها عند المصنف ﵀؛ لأنهم يقولون:
стр. 213
الحروف والأصوات يلزم منها وجود الحنجرة والمخارج واللهاة والأضراس، وإذا أثبتنا الحرف والصوت في كلام الله لزم التشبيه.
فأراد المصنف ـ أو الناسخ ـ الرد على هذا الباطل، فقال: " الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة عين كلام الله " أي: ليس كما يدعيه هؤلاء من أنَّ كلام الله ليس بحرف ولا صوت.
لكن كما سبق فإنَّ الحروف المكتوبة هي عين كلام الله، أما الأصوات المسموعة ففيها تفصيل، فجبريل سمعه من الله بصوت الله ، ومحمد ﷺ سمعه من جبريل بصوت جبريل. فالصوت المسموع الذي سمعه النبي ﷺ هو صوت جبريل، والكلام المتلو المقرؤ هو كلام الله. وأيضاً الصحابة لما سمعوه من النبي ﷺ سمعوه بصوته ﷺ . ونحن عندما نسمعه من القراء نسمعه بأصواتهم ولهذا نقول: صوت فلان جميل بالقرآن. ويعجبني صوت فلان، ولا يعجبني صوت فلان. ولا أحد يقول: لا يعجبني القرآن؛ فهذا كفر باتفاق العلماء. وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ١ أي: إذا قرأه عليك جبريل، فالكلام الذي سمعه النبي ﷺ من جبريل هو كلام الله لكن الصوت صوت جبريل.
فنحن نرد هذا الباطل بأن نقول: الحروف والأصوات التي سمعها جبريل من الله هي كلام الله وصوت الله، وهذا فيه إثبات أنَّ الله تكلم بالقرآن بصوت سمعه منه جبريل.
" لا حكاية ولا عبارة " يردُّ المصنف ﵀ هنا على الكلابية ومن تأثر بهم من الأشاعرة والماتريدية وغيرهم، ممن يجعلون القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله. وكلا القولين باطل وضلال، بل القرآن عين كلامه، وهو الذي تكلم به .
стр. 214
أما الحكاية، فمحاكة الشيء: أن يؤتى له بمثيل، يقال: حاكى فلان فلاناً أي أتى بشيء يماثل فعله. ولا يمكن لأحد أن يحاكي القرآن أو أن يأتي بمثيل له، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ١.
والقول بأنَّه عبارة عن كلام الله أيضاً باطل؛ إذ العبارة هي التعبير عما في نفس الغير، فمثلاً: رجل لا يستطيع أن يفصح عما في نفسه من كلام لخرس أو غيره، يشير إشارات يفهمها بعض من يراه، فيتكلم بكلام يبين به مقصود هذا الأخرس بإشارته، فيسمى هذا الكلام عبارة عن كلام فلان.
فالقرآن على مذهب هؤلاء ليس كلام الله بل هو عبارة عنه، بعضهم يقول عبَّر به جبريل، وبعضهم يقول عبر به النبي ﷺ إلى غير ذلك من أباطيلهم.
ففي كلام المصنف ﵀ هنا: إشارة إلى بدعة الكلابية ومن تأثر بهم من الأشاعرة والماتريدية في تقسيمهم الكلام إلى قسمين: كلام نفسي وكلام لفظي. وقد خالفوا بهذا التقسيم الناس جميعاً؛ فقد تناظر ابن كلاب مع بعض المعتزلة فقالوا له: القرآن ليس كلام الله؛ لأن الكلام مكون من حروف وأصوات، فإذا وصفنا الله بالكلام لزمنا إثبات الحنجرة واللهاة واللسان وغير ذلك، وهذا يلزم منه التشبيه بزعمهم. فأراد ابن كلاب أن يوفق بين الآيات المثبتة للكلام لله وبين الشبهة التي أوردها عليه هؤلاء من إلزامه بالمخارج واللهاة، فأتى ببدعة لم يسبق إليها لا من العقلاء ولا من المجانين: وهي بدعة الكلام النفسي، وهو معنى واحد قائم بنفس الموصوف ليس بحرف ولا صوت، وهو الأمر والنهي والخبر والاستفهام، فجعل ما قام بالنفس ولم يتكلم به صاحبه كلاماً. وقال: إن الله موصوف بالكلام النفسي دون اللفظي ٢.
стр. 215
بالإيمان هذه العمارة جدَّت الجوارح واجتهدت عملاً وطاعة وتقرباً إلى الله سبحانه، كما قال النبي ﷺ :""ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه ألا وهي القلب " ١.
أما المحسن فأعلى من هؤلاء، إذ الإحسان: الإتقان والإجادة، فالمحسن هو الذي أتقن في تحقيق الدين وأجاد في تتميم العبادة والطاعة لرب العالمين حتى بلغ به الحال أنْ يعبد الله كأنَّه يراه. وهذه رتبة عالية رفيعة لا يصل إليها كلُّ أحد كما قال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ٢.
فهذه مراتب الدين، وقد جاء نظيرها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٣.
ومن لا يفرق بين الإسلام والإيمان يحتج بقول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٤ فإنَّ المعنيين في الآية أهلُ بيت واحد وقد ذكروا مرة بالإيمان ومرة بالإسلام.
والجواب على هذا أن التنويع في الوصف في الآية قد جاء للفرق بين حالين: حال الإخراج وحال الوجود، فلما ذُكر الموجودون ذكروا بصفة الإسلام على اعتبار العمل الظاهر، ولما ذُكر المخرجون ذكروا بصفة الإيمان؛ لأنَّ الموجودين فيهم من عمله الظاهر عمل أهل الإسلام لكنه ليس منهم، كامرأة لوط، ولهذا لم تكن من المخرجين، مع أنها من الموجودين.