ثم بنى ﵀ على ما سبق قوله:
" ونعتقد أنَّ الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة عينُ كلام الله ، لا حكاية ولا عبارة "
قول المصنف ﵀: إنَّ الحروف المكتوبة عين كلام الله كلام واضح، فالقرآن الذي هو كلام الله مكون من سور، والسور مكونة من كلمات، وهذه الكلمات مكونة من أحرف. وعندما يقال: القرآن كلام الله أي بحروفه وكلماته وسوره وآياته، فالحروف المكتوبة في القرآن هي عين كلام الله، وأمَّا الحبر والمداد الذي كتبت به فإنَّه مخلوق، وقد دلت السنة وآثار السلف ﵏ على أنَّ القرآن مكون من أحرف، كما قال النبي ﷺ :"لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف"١.
وهذا الذي لأجله أتى المصنف ﵀ بالحروف المقطعة ـ كما تسمى بذلك عند عامة المفسرين ـ ليبين أنَّ الحروف المكتوبة في المصحف هي عين كلام الله ؛ لأنه هو الذي تكلم بها لا غيره، ولا تخرج بكتابتها بالحبر والمداد عن كونها من كلام الله، فالقرآن أينما توجَّه فهو كلام الله، سواء كُتب في السطور، أو حُفظ في الصدور، أو تُلي بالألسن، وقد مضت الأدلة على ذلك.
أما قوله: " والأصوات المسموعة عين كلام الله " فهذا محل نظر؛ لأنَّه إن أريد بالأصوات صوت القارئ فهو مخلوق باتفاق السلف، ولهذا يقولون: الكلام كلام الباري والصوت صوت القاري
فالمقرؤ المتلو كلام الله غير مخلوق، لكن الصوت وحركة لسان العبد
стр. 212
ومخارج صوته كلها مخلوقة، وأفعال العباد مخلوقة. وهذا يقال أيضاً في الرق والحبر والمداد فهذه كلها مخلوقة، لكن المكتوب فيها وبها غير مخلوق. قال النبي ﷺ :"زينوا القرآن بأصواتكم"١ فنسب ﷺ الصوت للقارئ، أما المسموع"فكلام الله.
فإن قيل الأصوات المسموعة ـ بهذا الاعتبار ـ عين كلام الله يكون في هذا الكلام نظر. لكن لو قال: " والكلمات المسموعة عين كلام الله " لم يبق إشكال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فإنَّ أصوات العباد محدثة بلا شك، وإن كان بعض من نصر السنة ينفي الخلق عن الصوت المسموع من العبد بالقرآن، وهو مقدار ما يكون من القرآن المبلغ. فإنَّ جمهور أهل السنة أنكروا ذلك وعابوه ... وأما التلاوة في نفسها التي هي حروف القرآن وألفاظه فهي غير مخلوقة، والعبد إنَّما يقرأ كلام الله بصوته"٢.
على أنَّ هذه العبارة " والأصوات المسموعة " ليست موجودة في بعض نسخ الكتاب، فلعلها من اجتهاد بعض النساخ، والأمر يحتاج إلى تحقيق والله أعلم.
والذي دفع كاتب هذه الكلمة إلى كتابتها ـ سواء كان المصنف أو الناسخ ـ أنَّ المتكلمين يقولون في عقائدهم: كلام الله ليس بحرف ولا صوت. ويبنون ذلك على لوازم سيأتي نقضها عند المصنف ﵀؛ لأنهم يقولون:
стр. 213
الحروف والأصوات يلزم منها وجود الحنجرة والمخارج واللهاة والأضراس، وإذا أثبتنا الحرف والصوت في كلام الله لزم التشبيه.
فأراد المصنف ـ أو الناسخ ـ الرد على هذا الباطل، فقال: " الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة عين كلام الله " أي: ليس كما يدعيه هؤلاء من أنَّ كلام الله ليس بحرف ولا صوت.
لكن كما سبق فإنَّ الحروف المكتوبة هي عين كلام الله، أما الأصوات المسموعة ففيها تفصيل، فجبريل سمعه من الله بصوت الله ، ومحمد ﷺ سمعه من جبريل بصوت جبريل. فالصوت المسموع الذي سمعه النبي ﷺ هو صوت جبريل، والكلام المتلو المقرؤ هو كلام الله. وأيضاً الصحابة لما سمعوه من النبي ﷺ سمعوه بصوته ﷺ . ونحن عندما نسمعه من القراء نسمعه بأصواتهم ولهذا نقول: صوت فلان جميل بالقرآن. ويعجبني صوت فلان، ولا يعجبني صوت فلان. ولا أحد يقول: لا يعجبني القرآن؛ فهذا كفر باتفاق العلماء. وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ١ أي: إذا قرأه عليك جبريل، فالكلام الذي سمعه النبي ﷺ من جبريل هو كلام الله لكن الصوت صوت جبريل.
فنحن نرد هذا الباطل بأن نقول: الحروف والأصوات التي سمعها جبريل من الله هي كلام الله وصوت الله، وهذا فيه إثبات أنَّ الله تكلم بالقرآن بصوت سمعه منه جبريل.
" لا حكاية ولا عبارة " يردُّ المصنف ﵀ هنا على الكلابية ومن تأثر بهم من الأشاعرة والماتريدية وغيرهم، ممن يجعلون القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله. وكلا القولين باطل وضلال، بل القرآن عين كلامه، وهو الذي تكلم به .
стр. 214
أما الحكاية، فمحاكة الشيء: أن يؤتى له بمثيل، يقال: حاكى فلان فلاناً أي أتى بشيء يماثل فعله. ولا يمكن لأحد أن يحاكي القرآن أو أن يأتي بمثيل له، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ١.
والقول بأنَّه عبارة عن كلام الله أيضاً باطل؛ إذ العبارة هي التعبير عما في نفس الغير، فمثلاً: رجل لا يستطيع أن يفصح عما في نفسه من كلام لخرس أو غيره، يشير إشارات يفهمها بعض من يراه، فيتكلم بكلام يبين به مقصود هذا الأخرس بإشارته، فيسمى هذا الكلام عبارة عن كلام فلان.
فالقرآن على مذهب هؤلاء ليس كلام الله بل هو عبارة عنه، بعضهم يقول عبَّر به جبريل، وبعضهم يقول عبر به النبي ﷺ إلى غير ذلك من أباطيلهم.
ففي كلام المصنف ﵀ هنا: إشارة إلى بدعة الكلابية ومن تأثر بهم من الأشاعرة والماتريدية في تقسيمهم الكلام إلى قسمين: كلام نفسي وكلام لفظي. وقد خالفوا بهذا التقسيم الناس جميعاً؛ فقد تناظر ابن كلاب مع بعض المعتزلة فقالوا له: القرآن ليس كلام الله؛ لأن الكلام مكون من حروف وأصوات، فإذا وصفنا الله بالكلام لزمنا إثبات الحنجرة واللهاة واللسان وغير ذلك، وهذا يلزم منه التشبيه بزعمهم. فأراد ابن كلاب أن يوفق بين الآيات المثبتة للكلام لله وبين الشبهة التي أوردها عليه هؤلاء من إلزامه بالمخارج واللهاة، فأتى ببدعة لم يسبق إليها لا من العقلاء ولا من المجانين: وهي بدعة الكلام النفسي، وهو معنى واحد قائم بنفس الموصوف ليس بحرف ولا صوت، وهو الأمر والنهي والخبر والاستفهام، فجعل ما قام بالنفس ولم يتكلم به صاحبه كلاماً. وقال: إن الله موصوف بالكلام النفسي دون اللفظي ٢.
стр. 215
بالإيمان هذه العمارة جدَّت الجوارح واجتهدت عملاً وطاعة وتقرباً إلى الله سبحانه، كما قال النبي ﷺ :""ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه ألا وهي القلب " ١.
أما المحسن فأعلى من هؤلاء، إذ الإحسان: الإتقان والإجادة، فالمحسن هو الذي أتقن في تحقيق الدين وأجاد في تتميم العبادة والطاعة لرب العالمين حتى بلغ به الحال أنْ يعبد الله كأنَّه يراه. وهذه رتبة عالية رفيعة لا يصل إليها كلُّ أحد كما قال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ٢.
فهذه مراتب الدين، وقد جاء نظيرها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٣.
ومن لا يفرق بين الإسلام والإيمان يحتج بقول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٤ فإنَّ المعنيين في الآية أهلُ بيت واحد وقد ذكروا مرة بالإيمان ومرة بالإسلام.
والجواب على هذا أن التنويع في الوصف في الآية قد جاء للفرق بين حالين: حال الإخراج وحال الوجود، فلما ذُكر الموجودون ذكروا بصفة الإسلام على اعتبار العمل الظاهر، ولما ذُكر المخرجون ذكروا بصفة الإيمان؛ لأنَّ الموجودين فيهم من عمله الظاهر عمل أهل الإسلام لكنه ليس منهم، كامرأة لوط، ولهذا لم تكن من المخرجين، مع أنها من الموجودين.
стр. 216
وقال للرسول: أخبرهم أنني لا آتي، ولكن أبلغهم أنَّ كلامهم باطل من وجوه: أولاً ثانياً وأخذ يعدد أوجه الرد عليهم، فقال الرسول: لا أحسن نقل ذلك، ولكن اكتب هذا الكلام، فكتب لهم وهو في السجن تسعين وجهاً وسلمها إليه. يقول شيخ الإسلام: وبلغني أنهم كتبوا إلي ورقة ثم مزقوها وكتبوا بدلها أخرى وأرسلوها إليَّ، ولما أرسلوها إليه نقدها من وجوه كثيرة ١.
ثم شرع المصنف ﵀ في ذكر بعض الأدلة على أنَّ الحروف المكتوبة هي كلام الله ، فقال:
" قال الله : ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً﴾ . وقال: ﴿المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ . وقال: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ وقال: ﴿المر﴾ . وقال ﴿كهيعص﴾ . ﴿حم عسق﴾ "
هذه كلها كلام الله، وهي حروف مقطعة: ألف، لام، ميم، كاف، هاء، ياء، عين، صاد. فهذا صريح الدلالة على"بطلان قول من أنكر أن يكون كلام الله بحرف.
ثم قال ـ بعد ذكره هذه الأدلة ـ:
" فمن لم يقل إنَّ هذه الأحرف عين كلام الله فقد مرق من الدين، وخرج عن جملة المسلمين، ومن أنكر أن يكون حروفاً فقد كابر العيان وأتى بالبهتان "
يشير المصنف ﵀ إلى أن الذين يرد عليهم بين أمرين:
إما أن يقولوا: إن هذه ـ ألف، لام، ميم، كاف، هاء، ياء، عين، صاد ـ ليست حروفاً ويكونوا بذلك قد كابروا العيان وأتوا بالبهتان؛ لأنَّ كلَّ
стр. 217
أحد يدرك أنَّها حروف، فلو سألت صغار الأطفال لقالوا: هذه حروف.
أو يقولوا: إنها ليست كلام الله، ويخرجوا بهذا من الدين؛ لأنهم جحدوا شيئاً من كلام الله وهو هذه الحروف المقطعة.
" وروى الترمذي من طريق عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال:"من قرأ حرفاً من كتاب الله فله عشر حسنات" قال الترمذي: هذا حديث صحيح. ورواه غيره من الأئمة وفيه:"أما إني لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف""
هذا الحديث يروى عن النبي ﷺ بأسانيد فيها ضعف، لكن بعض أهل العلم قواه بمجموع طرقه ١.
وفيه دلالة واضحة على ما سبق من أنَّ القرآن مكون من أحرف، وأنَّ هذه الأحرف من كلام الله.
" وروى يعلى بن مَمْلَك عن أم سلمة "أنها نعتت قراءة رسول الله ﷺ ، فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفاً حرفاً" رواه أبو داود وأبو عبد الرحمن النسائي وأبو عيسى الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب "
" يعلى بن مَمْلَك " على وزن جعفر.
" نعتت " أي: وصفت، وهذا فيه أنَّ النعت يطلق ويقصد به الوصف، خلافاً لمن قال بالتفريق بينهما، وأنَّ النعت ما كان خاصاً بعضو، والصفة للعموم.
" قراءة مفسرة " فأم سلمة ﵂ وصفت قراءة الرسول ﷺ بأنها مفسرة، أي: قراءة مرتلة فيها ترسل وتتبع للمعاني والدلالات. فمن يقرأ ويقف عند أماكن الوقوف المناسبة كأنه فسَّر لك الآية ووضح معناها.
стр. 218
الشاهد من الحديث: أنَّ القرآن مكون من أحرف، وهو كلام الله ، فكلام الله بأحرف، لا كما يقول أهل الضلال: إنَّه بلا حرف ولا صوت.
" وروى سهل بن سعد الساعدي قال: بينا نحن نقترئ إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال:"الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأخيار، وفيكم الأحمر والأسود، اقرءوا القرآن قبل أن يأتي أقوام يقرءونه يقيمون حروفه كما يقام السهم لا يتجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه"رواه أبو بكر الآجري وأئمة غيره "
هذا الحديث إسناده ضعيف، لكن له شاهد عند أبي داود من حديث جابر بن عبد الله ﵁ يتقوى به، ولهذا أورده الشيخ الألباني ﵀ في سلسلته الصحيحة ١.
" نقترئ " أي: يقرئ بعضنا بعضاً القرآن الكريم.
" الحمد لله " يحمد الله على كلامه العظيم سبحانه، ويحمده سبحانه على اجتماع الصحابة رضوان الله عليهم على تلاوة القرآن والعناية بمراجعته واستذكاره وتدبر معانيه ودلالاته.
" كتاب الله واحد " المقصود بكتاب الله: القرآن المنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ . فإذا كان الكتاب واحداً فما هناك موجب للاختلاف؛ لأنَّ الكلَّ يرجعون إلى هذا الكتاب الواحد ويجتمعون عليه. فلا يمكن أن تجتمع أمة الإسلام إلا على القرآن والسنة، وهذا معنى قوله ﵎: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٢.
стр. 219
" وفيكم الأحمر والأسود " هذا يوضحه ما جاء في رواية أخرى للحديث: " فيكم العربي والعجمي "، فالناس أصناف والكتاب واحد، والمطلوب من الجميع أن يرجعوا إلى هذا الكتاب الواحد.
" اقرءوا القرآن " أي: قراءة بتدبر وتفهم وعمل بما يدل عليه. وعلى هذا مضى الصحابة ومن تبعهم بإحسان. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ ١؛ لأن تلاوة القرآن حق التلاوة تتضمن هذه الأمور الثلاثة: القراءة، والفهم، والعمل. ومعنى تلا فلان فلاناً أي: تبعه.
" قبل أن يأتي أقوام يقرءونه يقيمون حروفه " أي: يجودون ألفاظه ويحسنون في ترتيله وتجويده وضبط مخارجه.
" كما يقام السهم " أي: في دقة متناهية وضبط متقن.
" لا يتجاوز تراقيهم " أي: حناجرهم، فحظهم من القرآن تزيين الحنجرة به، وضبط الأحرف والمخارج. أما التعقل والتفهم والعمل فلا يقيمون لها وزناً، كما سيأتي قول الحسن:"إنَّ أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله فما أسقطت منه حرفاً. وقد أسقطه ـ والله ـ كلَّه، لا يرى عليه القرآن لا في خلق ولا عمل". ولهذا قد يوجد في بعض من يوصف بأنَّه من القراء ممن يعتنون بالترتيل والتجويد من لا يقيم للعمل به وزناً، وترى بعضهم متهاوناً في الصلاة. حتى إنَّ أحد هؤلاء افتتح مرة أغنية لإحدى المغنيات بآيات من القرآن الكريم والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وللحسن البصري كلمة أخرى جميلة في هذا المعنى، قال:"أُنزِل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملاً"٢. وليس هذا تهويناً من الترتيل
стр. 220
والتجويد، فهو مطلوب بحدود ما دلت عليه السنة وعمل السلف ﵏، لكن المقصود عدم الانشغال به عن إقامة حدود القرآن وتدبر معانيه والعمل بما يقتضيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيانه لحال صاحب القرآن الذي ينال بالقرآن رفيع الدرجات وعالي المنازل:"فهو دائم التفكر في معانيه، والتدبر لألفاظه واستغنائه بمعاني القرآن وحكمه عن غيره من كلام الناس، وإذا سمع شيئاً من كلام الناس وعلومهم عرضه على القرآن، فإن شهد له بالتزكية قبله وإلا ردَّه، وإن لم يشهد له بقبول ولا ردٍّ وقفه، وهمته عاكفة على مراد ربه من كلامه. ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن، إما بالوسوسة في خروج حروفه، وترقيقها، وتفخيمها، وإمالتها، والنطق بالمد الطويل، والقصير، والمتوسط، وغير ذلك؛ فإنَّ هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه ... ١.
" يتعجلون أجره " أي: يريدون أجره في الدنيا.
" ولا يتأجلونه " أي: لا يتأجلون أجره ثواباً عند الله يوم القيامة، وإنما يريدون أجرهم على التلاوة في الدنيا، ولهذا بعضهم يمتهن نفسه، فيأتي في المآتم ونحوها يرتزق بالقرآن ويتساوم معهم في ذلك. قال أبو داود:"سمعت أحمد سئل عن إمام قال لقوم: أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهماً. قال: أسأل الله العافية، ومن يصلي خلف هذا"٢.
أمَّا أن يصلي الرجل بالناس ويُعطى الجعل الذي خصصه الوالي أو إمام المسلمين فهذا لا حرج فيه.
стр. 221
" رواه أبو بكر الآجري " في كتاب: " أخلاق حملة القرآن "، وهو مطبوع، أنصح بقراءته والعناية به، فهو فريد في بابه.
الشاهد من الحديث: قوله ﷺ : " يقيمون حروفه "، وفي هذا إثبات الأحرف لكلام الله .
" ورُويَ عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما قالا:"إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه""
" وروي " هذه صيغة تمريض، وإسناد هذا الأثر ضعيف، لم يثبت عن أبي بكر وعمر ﵄.
" إعراب القرآن " الإعراب في اللغة هو الإفصاح عن الشيء والإبانة، تقول: أعرب عن الشيء أبان عنه وأفصح، ومعنى إعراب القرآن: فهمه وتدبره، وتعقل معانيه، ومعرفة دلالاته، والعمل بمقتضاه.
" أحب إلينا من حفظ بعض حروفه " لأنَّ حفظ الحروف بدون تعقل لا يحقق مقصد القرآن؛ لأنَّه إنما أنزل ليعمل به، فإذا حفظ الحروف ولم يفهم ولم يعمل به لم يحقق المقصود.
والأكمل: أن تُحفظ الأحرفُ، وتفهم المعاني، ويعمل بالدلالات، وهي تلاوة القرآن حق تلاوته كما أشرنا إليه سابقاً.
" وروى أبو عبيد في فضائل القرآن بإسناده قال:"سئل علي ﵁ عن الجنب يقرأ القرآن؟ فقال: لا، ولا حرفاً""
هنا فائدة لطيفة، وهي تنوع مصادر المصنف ﵀ في هذا الكتاب، فينقل من أخلاق حملة القرآن، ومن فضائل القرآن، ومن السنن، ومن صريح السنة، إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة التي أخذ منها ﵀.
الشاهد هو قوله: " ولا حرفاً " أي: ولا حرفاً من القرآن، وفي هذا دلالة
стр. 222
على أنَّ القرآن مكون من أحرف، خلافاً لمن يقول: إن كلام الله ليس بحرف.
" وقال عبد الله بن مسعود ﵁: من كفر بحرف منه ـ يعني القرآن ـ فقد كفر به أجمع "
القرآن كلُّه كلام الله، والإيمان ببعضه يقتضي الإيمان بباقيه، والكفر ببعضه كفر بباقيه؛ لأنَّه كلَّه كلام الله ، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ ١.
أما إن كان عن اشتباه أو التباس أو نحو ذلك فتزال الشبهة وتبين، لكن من حيث الحكم: من كفر بحرف من كلام الله فهو كافر بالقرآن.
" وقال ـ أيضاً ـ: من حلف بسورة البقرة فعليه بكلِّ حرف يمين "
الشاهد: قوله " بكلِّ حرف " أي أنَّ سورة البقرة التي هي سورة من سور القرآن مكونة من أحرف، فمن حلف بسورة البقرة فعليه بكلِّ حرف يمين.
لكن هذه المسألة تحتاج إلى نظر: من حلف بالقرآن هل عليه بكل حرف كفارة، أم أنها كفارة واحدة.
" وقال طلحة بن مصرف: قرأ رجل على معاذ بن جبل فترك واواً فقال: لقد تركت حرفاً أعظم من جبل أحد "
الشاهد: قوله: " لقد تركت حرفاً " ألا وهو الواو، ففيه أنَّ القرآن مكون من أحرف.
" أعظم من جبل أحد " وفي هذا مكانة أحرف القرآن، وعظم شأنها عند السلف ﵏.
" وقال الحسن البصري في كلام له: قال الله : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ، وما تدبرُ آياته إلا اتباعه، أما والله ما هو بحفظ
стр. 223
حروفه وإضاعة حدوده، حتى إنَّ أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كلَّه فما أسقطت منه حرفاً وقد أسقطه والله كلَّه "
" في كلام له " أي أنَّه لم يذكر كلامه كاملاً، وإنما اجتزأ منه ما ذكر.
": ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ " الآية الكريمة فيها توضيح للغاية من إنزال القرآن، وهي أن تُتَدبَّر آياته وتفهم وتعقل ويعمل بمقتضاها، ويوضح الحسن البصري ﵀ هذا المعنى فيقول:
" وما تدبرُ آياته إلا اتباعه " أي: أن يُفهم المعنى ويُعمل به.
" أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده " أي: ليس تدبر آيات القرآن بحفظ حروفه وإضاعة حدوده. وشاهد هذا حديث سهل بن سعد الذي أورده المصنف سابقاً.
" حتى إنَّ أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كلَّه فما أسقطت منه حرفاً وقد أسقطه والله كلَّه " بقية كلامه:"فلا يرى فيه القرآن لا في خلق ولا عمل". أي: ليست أخلاقه أخلاق القرآن ولا أعماله أعمال القرآن.
هذا قاله الحسن ﵀ وهو يتحدث عن نوع من القراء سمع بهم أو رآهم في عصره: عصر"التابعين، فما عسى أن يقال في أهل زماننا.
والشاهد من هذا الأثر: قوله: " ما هو بحفظ حروفه " ففيه إثبات الحرف لكلام الله تعالى.
" وقال عبد الله بن المبارك: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن، ومن قال: لا أومن بهذه اللام فقد كفر "
" من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن " هذا نظير ما سبق في أثر ابن مسعود ﵁.
" ومن قال: لا أومن بهذه اللام فقد كفر " في بعض المصادر: " بهذا
стр. 224
الكلام " يعني إن جحد حرفاً أو جحد كلاماً من القرآن فإنَّه يكفر بذلك.
والشاهد: قوله: " بحرف من القرآن ".
" وروى عبد الله بن أنيس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:"يحشر الناس يوم القيامة ـ وأشار بيده إلى الشام ـ عراة غرلاً بُهماً. قال: قلت: ما بُهْماً؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى أقُصُّه منه. قالوا: وكيف، وإنما نأتي الله عراة غرلاً بُهماً؟ قال: بالحسنات والسيئات" رواه أحمد وجماعة من الأئمة "
لمَّا فرغ المصنف ﵀ من ذكر جملة من الأدلة الدالة على أنَّ كلام الله بحرف، شرع في إيراد الأدلة على أنَّ كلام الله بصوت، وبدأها بحديث عبد الله بن أنيس ﵁. وهو صريح في أنَّ كلام الله بصوت؛ لأنَّه قال: " فيناديهم بصوت "، وقوله: " يناديهم " وحده دال على ثبوت الصوت في كلام الله ؛ لأنَّ النداء لا يكون إلا بصوت.
وفي القرآن الكريم أدلة كثيرة على أنَّ كلام الله بصوت، وذلك من خلال الآيات التي فيها إثبات النداء، وهي كما قال أهل العلم تزيد على عشر آيات، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١، ونظائرها من الآيات. فذكر الصوت في هذا الحديث إنما هو للتأكيد، وإلا فقوله ﷺ : " فيناديهم " دالٌّ على ثبوت الصوت في كلام الله تعالى.
" يحشر الناس يوم القيامة " الحشر هو الجمع والإخراج، فيجمعون في مكان واحد على الصفة: المذكورة في هذا الحديث: عراة غرلاً بهماً. واستدل
стр. 225
بعض أهل العلم على هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ ١ فأول ما يخرج الإنسان يخرج وليس عليه لباس، وليس مختتناً، وليس عليه نعال، فتكون حالة الناس في أرض المحشر كما هي حالتهم عند خروجهم للحياة أول مرة.
" قال: قلت: ما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء " أي من أموال الدنيا وما يمتلكونه فيها، فلا يبقى مع الإنسان إلا عمله الذي قدمه في هذه الحياة، كما قال ﷺ :"يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله"٢.
" يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب " وهذا خاص بكلام الله ، وفيه دلالة على أنَّ كلام الله لا يشبه كلام المخلوقين؛ فإنَّ كلام المخلوق يسمعه القريب، ثم يضعف الصوت حتى ينقطع عن البعيدين عنه، بحسب قوة أصوات الناس وضعفها.
وفي الحديث دليل على أنَّ الناس يتفاوتون في قربهم من الله في أرض المحشر، وأنهم ليسوا في القرب منه سواء، بل منهم القريب ومنهم البعيد، ومع ذلك فإنهم جميعاً يسمعون صوته سبحانه الذي يناديهم به.
" أنا الملك " الذي له ملكوت كلِّ شيء، فله ملك السماوات والأرض والإنس والجن وجميع المخلوقات.
" أنا الديان " الذي يجازي العباد ويحاسبهم على أعمالهم التي قدموها. ومنه قوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾ أي: يوم الجزاء والحساب.
" لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه
стр. 226
بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى أقُصُّه منه " قائل هذا هو الرب العظيم.
فيقتص لأهل الجنة من أهل النار، ولأهل النار من أهل الجنة، يقتص سبحانه للمظلوم من ظالمه.
" قالوا: وكيف، وإنما نأتي الله عراة غرلاً بُهماً؟ قال: بالحسنات والسيئات " قد جاء بيان هذا القصاص في قول النبي ﷺ :"أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إنَّ المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه، ثم طرح في النار"١، فالمظالم التي تكون من العبد في الدنيا لا تذهب ولا تضيع ـ وإن نسيها ـ، فإذا قدم على الله وجدها كلَّها محضرة، فيقتص للمظلوم من الظالم، فيؤخذ من حسنات الظالم، حتى إذا فنيت حسناته بسبب كثرة مظالمه، يؤخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه. فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"الظلم ثلاثة: فظلم لا يتركه الله، وظلم يُغفر، وظلم لا يُغفر، فأما الظلم الذي لا يغفر: فالشرك، لا يغفره الله. وأما الظلم الذي يُغفر فظلم العبد فيما بينه وبين ربه. وأما الذي لا يُترك فقَصُّ الله بعضَهم من بعض"٢."
بل من كمال عدل الرب أنَّه يقتص للبهائم بعضها من بعض،
стр. 227
فعلى العاقل أن يتقي الله ويحاسب نفسه ويحذر من الظلم كثيره وقليله، وألا يتيح لنفسه استمراء الظلم وإن قل؛ فإنَّ النفس إذا عُوِّدت على الشيء تنامى فيها وازداد. كما ينبغي للعبد أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، لأنَّ الشيطان يأتي إلى الإنسان ويُلبِّس عليه فيجعله يظلم ويعتدي ويوهمه أن فعله هذا نوع من العدل والحق.
فأسأل الله أن يعيذني وإياكم من الظلم، وأن يسلمنا منه، وأن يوفقنا للتوبة النصوح إنَّه سميع مجيب.
" رواه أحمد وجماعة من الأئمة " هذا الحديث له قصة، وفيه ذكر رحلة جابر بن عبد الله ﵁ إلى عبد الله بن أنيس ﵁ لسماع هذا الحديث منه، وقد أورده الإمام البخاري معلقاً في صحيحه في موضعين، فجزم به في موضع بقوله: " ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد " ١، وذكره في موضع آخر بصيغة التمريض، فقال:"" ويذكر عن جابر عن عبد الله بن أنيس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان " ٢، وهذه الصيغة يستعملها أهل العلم ـ في الغالب ـ إشارة إلى التضعيف، لكن الإمام البخاري قد يستعمل هذه الصيغة في بعض الأحاديث الصحيحة عندما يختصرها. قال الحافظ ابن حجر:"صيغة التمريض لا تستفاد منها الصحة إلى من علق عنه، لكن فيه ما هو صحيح، وفيه ما ليس بصحيح على ما سنبينه، فأمَّا ما هو صحيح فلم نجد فيه ما هو على
стр. 228
شرطه إلا مواضع يسيرة جداً، ووجدناه لا يستعمل ذلك إلا حيث يورد ذلك الحديث المعلق بالمعنى"١.
ثم رجع الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث فقال:"نظر البخاري أدق من أن يعترض عليه بمثل هذا، فإنه حيث ذكر الارتحال فقط جزم به لأنَّ الإسناد حسن وقد اعتضد. وحيث ذكر طرفاً من المتن لم يجزم به؛ لأنَّ لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب ويحتاج إلى تأويل، فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طريق مختلف فيها ولو اعتضدت"٢.
فأبى ابن حجر الاحتجاج بهذه اللفظة مع تصريحه بحسن إسنادها ووجود ما يعضدها، وهذا ـ بلا شك ـ ليس مبنياً على طريقة المحدثين في النقد، وإنما هو مبني على مناهج المتكلمين الذين لا يثبتون الصوت لكلام الله سبحانه لحاجته بزعمهم إلى التأويل.
وهذه اللفظة " بصوت " لم ينفرد بها هذا الحديث، بل في صحيح البخاري وغيره أحاديث كثيرة فيها إثبات الصوت، بل في القرآن آيات كثيرة فيها إثبات النداء لله، والنداء لا يكون إلا بصوت كما سبق بيانه. والحديث ثابت، إسناده حسن كما قال ابن حجر، وله ما يعضده، وقد حسنه أهل العلم ٣، بل منهم من صححه بمجموع طرقه ٤.
стр. 229
" وروى عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال:"إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء كجر السلسلة على الصفوان، فيخرون سجداً "وذكر الحديث "
الشاهد من الحديث: قوله: " سمع صوته " وفيه إثبات الصوت في كلام الرب العظيم .
" كجر السلسلة على الصفوان " الصفوان: الحجر، فأهل السماء وهم الملائكة يسمعون هذا الصوت كجر السلسلة على الصفوان، والتشبيه هنا للسماع بالسماع لا للمسموع بالمسموع. وهذا نظير قول النبي ﷺ :"إنكم سترون ربكم كما ترون القمر"فالتشبيه هناك للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي كما سبق.
" وذكر الحديث " أي إنَّه اختصره، وفي الحديث ذكر قوله ﵎: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١.
وقد أبطلت هذه الآية الشرك بترتيب بديع عجيب، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٢، يقول أهل العلم ـ على ضوء دلالة هذه الآية ـ: من يصلح أن يُعبد لابد أن تكون فيه إحدى صفات أربع:
١ـ فإما أن يكون مالكاً، فإذا كان ثمة مخلوق عنده ملك استقلالي بدون تمليك الله له فإنَّه يستحق أن يعبد، فنفت الآية ذلك بقوله : ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ .
стр. 230
٢ـ فإن لم يكن مالكاً، فهناك احتمال دونه، إن وجد فإنَّه يستحق أن يعبد، وهو أن يكون شريكاً للمالك في ملكه، وقد نفت الآية هذا الاحتمال أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ .
٣ـ فإن لم يكن مالكاً ولا شريكاً للمالك، فثمة احتمال ثالث، إن وجد فإنه يستحق أن يعبد، وهو أن يكون ظهيراً للمالك ومعيناً، فنفت الآية ذلك أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ .
٤ـ ويبقى احتمال رابع، وهو أن يملك الشفاعة الابتدائية عند المالك بدون إذنه، فنفته الآية بقوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . ثم ذكر مثالاً لحال الملائكة الذين هم أشد المخلوقات وأقواها، فبين حالهم مع الله، فإنَّهم مع عظم قوتهم وشدتهم وجسامتهم وقدرتهم ـ يقول النبي ﷺ :"أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش: إنَّ ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة" ١ ـ"فهذه المخلوقات العظيمة إذا تكلم الله بالوحي خرت صعقة، فهي لا تملك شيئاً لنفسها ولا لغيرها، فكيف تدعى من دون الله. ولهذا قال الله في ختام الآية: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ أي: الذي يستحق أن يعبد هو العلي الكبير.
بعد أن فرغ المصنف ﵀ من ذكر النصوص والأدلة التي فيها إثبات الحرف والصوت في كلام الله، ختم هذه الصفة بإيراد شبهة أهل الكلام التي لأجلها أنكروا الحرف والصوت في كلام الله، فقال:
" وقول القائل: بأنَّ الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج: باطل ومحال "
стр. 231
" وقول القائل ": أي من المعتزلة ومن تأثر بهم من الكلابية والأشاعرة والماتريدية.
" بأنَّ الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج " شبهتهم في إنكار الحرف والصوت في كلام الله هي أنَّ الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج، نظروا إلى ما يشاهدونه من المخلوقات، ثم وضعوا قاعدة ردوا بموجبها جميع الآيات والأحاديث المثبتة للحرف والصوت في كلام الله، فلم يعارضوها إلا لما قام في أنفسهم من التشبيه، حيث قاسوا الخالق على المخلوق، ثم نزهوا الخالق عن هذا التشبيه فعطلوا صفته سبحانه.
وقد أَوْدتْ هذه القاعدة بالمعتزلة إلى جحد كلام الله بالكلية، وأفضت بالكلابية إلى نفي الحرف والصوت. وامتن الله على أهل السنة فأثبتوا الكلام لله بحرف وصوت كما دلت عليه النصوص، بدون تشبيه لكلام الباري بكلام خلقه سبحانه.
" باطل ومحال " أي: إنَّ القاعدة التي أقاموا عليها باطلهم باطلة في أصلها، أحالتها النصوص؛ لأنَّ اللازم الذي ذكروه لا يلزم في حق كثير من المخلوقات فضلاً عن الخالق العظيم، فقد دلت النصوص الكثيرة على أن مخلوقات تكلمت وستتكلم وليس لها مخارج.
ثم شرع المصنف ﵀ بذكر هذه الأدلة فقال:
" قال الله : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ . وكذلك قال إخباراً عن السماء والأرض أنهما ـ: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ . فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات. وروي عن النبي ﷺ أنَّه كلمه الذراع المسمومة. وصح أنَّه سلم عليه الحجر. وسلمت عليه الشجرة "
стр. 232
" قال الله : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ " في هذه الآية بيان سعة جهنم وأنها تستوعب كلَّ ما يلقى فيها، وهذا أبلغ ما يكون في وصف سعة النار، يذكر أنَّ رجلاً جمع مجموعة من الأدباء وطلب منهم المبالغة في وصف سعة جهنم، فبذل كل منهم ما استطاع من المبالغة في بيان سعتها، كلٌّ بما تجود به قريحته، فلما انتهوا قال: ما رأيكم في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ١. فذهلوا وأذعنوا لهذا الوصف الباهر، فمهما يلقى فيها تستوعبه وتطلب الزيادة، وقد وعدها الله بملئها فقال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٢، ومِنْ شأنها أنها يلقى فيها حتى يكتمل أهل النار الذين هم أهلها وهي تطلب المزيد، ولا تكتفي حتى يضع الجبار عليها قدمه، كما قال النبي ﷺ :"لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد. حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، بعزتك وكرمك. ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقاً، فيسكنهم فضل الجنة" ٣.
بهذا يتحقق وعد الله لها بالامتلاء، أما الجنة فقد اقتضت حكمته سبحانه أن ينشئ لها خلقاًَ يدخلونها فتمتلئ؛ فهي دار فضله، والله يتفضل بها على من يشاء.
والشاهد من الآية: قول النار: " هل من مزيد " فهي تنطق به، فأين اللازم الذي ذكروه من لزوم المخارج، فالنار تتكلم وليس لها شيء من ذلك.
" وكذلك قال إخباراً عن السماء والأرض أنهما: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ " فالقول هنا بلسان المقال، تقوله السماء والأرض حقيقة.
стр. 233
" فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات " فإنَّ السماوات والأرض والنار معروفة، ليس لها ما يدعيه هؤلاء من المخارج.
" وروي عن النبي ﷺ أنَّه كلمه الذراع المسمومة " ذراع الشاة التي كان فيها السم كلمته، وليس لها تلك المخارج.
" وصح أنَّه سلم عليه الحجر " يقول ﷺ :"إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن"١. والحجر معروف ليس فيه مخارج ولا لهاة ولا لسان فأين اللازم؟!
" وسلمت عليه الشجرة " وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة. وإذا بطل اللازم بطل الملزوم
стр. 234
[الإيمان بالقضاء والقدر]
" وأجمع أئمة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، قليله وكثيره بقضاء الله وقدره، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يجري خير وشر إلا بمشيئته، خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلاً، وخلق من أراد للشقاء واستعمله به عدلاً، فهو سر استأثر به، وعِلمٌ حجبه عن خلقه، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ، قال الله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وقال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ "
شرع المصنف ﵀ هنا في الكلام على القدر.
والإيمان ينبني على أصول ستة، لا قيام له إلا عليها، وهي الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقد
ر خيره وشره، وهذه الأصول الستة جاء ذكر أدلتها إجمالاً وتفصيلاً في مواضع كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وسبق ذكر شيء منها.
فلا إيمان لمن لم يؤمن بالقدر، ومن كذب بالقدر فلا إيمان له ولا توحيد، كما جاء عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال:""الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن آمن وكذب بالقدر فهو نقض للتوحيد " ١.
ومما يوضح هذا قول الإمام أحمد:""القدر قدرة الله " ٢، فأي توحيد عند من ينكر قدرة الله.
стр. 235
رومن لم يؤمن بالقدر لا تقبل أعماله، فلا ينتفع لا بصلاة ولا بصيام ولا بصدقة ولا غير ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١.
فإيمان العبد ودينه لا يمكن أن ينتظم إلا إذا آمن بأقدار الله جل وعلا، وأنَّ كلَّ شيء بقدر، وأن يؤمن بالقدر كلِّه حلوه ومره، وأنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وسيأتي عند المصنف ﵀ ذكر شيء من الأدلة على هذا.
ثم إنَّ الإيمان بالقدر لا يصح إلا بالإيمان بمراتبه التي دل عليها كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وهي أربعة:
الأولى: الإيمان بعلم الله الأزلي المحيط الشامل لما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.
الثانية: الإيمان بالكتابة، وأنَّ الله كتب مقادير الخلائق، وكلَّ ما هو كائن، وهذه الكتابة تمت قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ثبت في الحديث:""كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات بخمسين ألف سنة " ٢.
الثالثة: الإيمان بالمشيئة، وأنَّ الأمور كلَّها بمشيئة الله، وأنَّه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فالملك ملكُ الله، ولا يمكن أن يكون فيه شيء إلا بمشيئته، لا ذرة ولا حركة ولا سكون إلا بمشيئته سبحانه.
الرابعة: الإيمان بالخلق والإيجاد، وأنَّ الله خلق كلَّ شيء، بما في ذلك أفعال العباد، قال ﵎: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٣، وقال
стр. 236
سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقد جمع بعض أهل العلم هذه المراتب الأربعة في بيت من الشعر فقال:
علمٌ كتابةُ مولانا مشيئتُه ... وخلقُه وهو إيجادٌ وتكوينٌ
فمن لم يؤمن بمراتب القدر الأربعة فليس بمؤمن بالقدر. فلو قال قائل: أنا أؤمن بالعلم والكتابة والإيجاد، ولكن لا أؤمن بالمشيئة. عُدَّ كافراً بالقدر. ولهذا يحسن بمن أراد تعريف الإيمان بالقضاء والقدر أن يذكر هذه المراتب الأربعة.
وللإمام الشافعي أبيات جميلة ذكر فيها القدر وما يتعلق به، وصفها ابن عبد البر ﵀ بقوله:""ومن شعره الذي لا يختلف فيه، وهو أصح شيء عنه " ٢، وهي قوله:
ما شئتَ كان وإن لم أشأْ ... وما شئتُ إن لم تشأْ لم يكن
خلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننت وهذا خذلت ... وهذا أعنت وذا لم تعن
فمنهم شقي ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح ومنهم حسن ٣.
فقوله: " ما شئتَ " أي: أنت يا الله كان، فلا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. " وإن لم أشأ " أي: وإن لم أشأ أنا أيها العبد ذلك الأمر، " وما شئتُ " أي: أنا أيها العبد إن لم تشأ أنت يا الله لم يكن
стр. 237
وهذا فيه أن للعبد مشيئة لكنها تبع لمشيئة الله ، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
" خلقت العباد على ما علمت " أي: خلقُك يا الله للعباد وإيجادك لهم هو على وفق العلم السابق الأزلي المحيط بكلِّ شيء. " ففي العلم يجري الفتى والمسن " فجري الناس في هذه الحياة وأعمالهم وحركاتهم وسكونهم كله إنما هو على ضوء العلم الأزلي السابق. " على ذا مننت " أي: بالإيمان والطاعة والهداية والاستقامة. " وهذا خذلت " فبقي على ضلاله وغيه وإعراضه وصدوده وكفره ونفاقه. " وهذا أعنت " أي على طاعتك، ووفقته لهداك. " وذا لم تعن " أي: لم تعنه على الطاعة والخير. ولهذا فإنَّ العبد في حاجة إلى عون الله تعالى في كلِّ حركة وسكون، وكلِّ قيام وقعود. " فمنهم شقي ومنهم سعيد " أي: إنَّ الناس على ضوء ذلك قسمان، شقي: وهم الذين كتبت عليهم الشقاوة وعملوا بعمل أهل الشقاوة. وسعيد: وهم الذين كتبت لهم السعادة وعملوا بعمل أهل السعادة. " ومنهم قبيح ومنهم حسن " أيضاً هيئاتهم متباينة ومختلفة، وكلُّ ذلك بقدر.
قال المصنف ﵀: " وأجمع أئمة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، قليله وكثيره بقضاء الله وقدره " أي: كله بقضاء الله وقدره.
وقد اجتمع في كلامه ﵀ ذكر القضاء والقدر، وهي من الألفاظ التي يقول عنها أهل العلم: إذا افترقت اجتمعت وإذا اجتمعت افترقت، مثل
стр. 238
الإسلام والإيمان، والبر والتقوى، والفقير والمسكين، وغيرها من الألفاظ الشرعية. فإنَّها إذا اجتمعت في الذكر افترقت في المعنى، وإذا افترقت في الذكر اجتمعت في المعنى فينتظم كلُّ منها معنى الآخر. يقول ابن رجب ﵀:""إنَّ من الأسماء ما يكون شاملاً لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قُرن ذلك الاسم بغيره صار دالاً على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دال على باقيها " ١.
فالقدر إذا ذكر مفرداً انتظم معنى القضاء، وإذا ذكر القضاء مفرداً انتظم معنى القدر، لكن إذا ذكرا معاً كما عند المصنف هنا: فمن أهل العلم من يجعل القدر هو التقدير السابق، والقضاء: هو الإبرام والإيجاد، فيكون القدر أسبق. ومنهم من يرى العكس، فيجعل القضاء هو السابق، والتقدير هو اللاحق ٢.
" لا يكون شيء إلا بإرادته " السياق هنا واضح بأنَّ المراد بالإرادة: الإرادة الكونية القدرية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣.
" ولا يجري خير وشر إلا بمشيئته " أي: إنَّ كلَّ الأمور خيرها وشرها بمشيئة الله، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
" خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلاً " أي: استعمله بالسير في طريق أهل السعادة وسلوك مسالكهم فضلاً منه ونعمة، كما قال سبحانه ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ
стр. 239
وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ َضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ ١.
" وخلق من أراد للشقاء " أي: للكفر والنفاق والضلال.
" واستعمله به عدلاً " لأنَّه لا يظلم أحداً.
" فهو سر استأثر به، وعلم حجبه عن خلقه " القدر سِرُّ لله ﵎ استأثر به، ولهذا يجب أن يتنبه المسلم لهذه الكلمة: " القدر سر الله في خلقه "، وهذا مروي عن عدد من السلف ٢. ولهذا نهينا عن التعمق فيه والبحث عن سره بالأسئلة الاعتراضية، والخوض في أفعال الله: بـ " لِمَ ": لِمَ فعل كذا؟ ولِمَ لَمْ يفعل كذا؟ ، يقول تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٣، وأمرنا النبي ﷺ بالإمساك عنه فقال:""إذا ذكر القدر فأمسكوا " ٤. فعلى المسلم أن يسأل عما ينفعه في دينه، فلا تقل: لمَ فعل الله؟ ولكن قل بم أمر الله؟
أما بحث القدر من خلال الأحاديث والآيات والأدلة، والعناية بهذا الجانب فهو مطلوبٌ مرغَّبٌ فيه، وهو من جملة دين الله الذي أمرنا بفهمه والعناية به: " ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ."
منع سبحانه خلقه وحذرهم من أن يسألوا بـ " لم " في أفعاله، فلا يقال في أفعال الله: " لم "، كما لا يقال في صفاته: "كيف "، والسلف يسمون من يخوض في هذا الباطل: بالمكيفة واللمية كما تقدَّم
стр. 240
وفي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ تنبيه للمسلم لما ينبغي أن يبحث عنه في هذا الباب؛ فإنَّ كلَّ إنسان سيُسْأَل عما خُلق لأجله ووُجد لتحقيقه، فلن يُسأل عن أفعال الله: لمَ فعل كذا ولمَ لمْ يفعل، بل سيسأل عما قدم في هذه الحياة، فمن الخير له أن ينظر فيما يسأل عنه يوم القيامة فيقيمه، ويأتي به على التمام والكمال.
" قال الله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ﴾ " هذا فيه دليل على أنَّ الأمور كلَّها بتقدير الله؛ لأنَّه سبحانه ذرأ لجهنم كثيراً من الجن والإنس، أي خلقهم وأوجدهم ليكونوا حطباً لجهنم وقدَّر ذلك عليهم.
" وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ " أي: لو شاء الله لجعل الناس كلَّهم مؤمنين، ولو شاء لجعلهم على مرتبة واحدة في الإيمان، ولكن اقتضت حكمته أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، فخلق خلقاً هم للنار، وخلق خلقاً هم للجنة.
وهذا من أوضح ما يبيِّن أنَّ الأمور كلَّها بقدر.
" وقال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ " يدخل تحت لفظة: " كلَّ " جميع الأشياء: القيام والقعود، والحي والميت، والأخضر واليابس، فكلُّ شيء خلقه الله بقدر.
" وروى علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس وجعل ينكت بمخصرته، ثم قال:""ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار. فقالوا: يا رسول أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال:
стр. 241
اعملوا فكلٌّ ميسر لما خُلق له، أمَّا من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأمَّا من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ الآية " "
إيراد المصنف ﵀ لحديث علي ﵁ هذا عقب تقريره لمسألة القدر دال على دقة علمه وجودة ترتيبه؛ لأنَّه إذا آمن العبد بالقدر بمراتبه الأربعة، واعتقد أنَّ الله علم جميع الأمور في الأزل، وأنَّه كتبها في اللوح المحفوظ، وأنَّها لا يمكن أن تقع إلا بمشيئته، وأنَّها مخلوقة لله ﵎ بما في ذلك أفعال العباد، فإنَّ ثمة سؤالاً عظيماً يرد على بال كلِّ مؤمن في هذا المقام، ألا وهو: فيم العمل؟ ولماذا يعمل العبد وينشط ويجتهد مادام أنَّ القلم جف بما هو كائن، والمقادير كتبت قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؟
هذا سؤال عظيم ومثمر، وطرحه مفيد، ومازال الناس يطرحونه عند سماعهم تقرير مسائل القدر التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، ومن يتأمل في أجوبة الناس عنه يجد تبايناً في الأفهام، وانحرافات في الأفكار والتصورات والتقريرات، حتى إنَّ بعضهم يصل به الحال في هذا المقام إلى أن ينكر أموراً من القدر، بحثاً عن جواب لهذا السؤال.
والمصنف ﵀ أتى بهذا الحديث ليجيب به عن هذا السؤال.
فالصحابة رضوان الله عليهم ورد في أذهانهم هذا السؤال، وسألوا عنه غير مرة، سأله غير واحد من الصحابة، وفي كلِّ مرة يجيبهم ﷺ بكلمة موجزة، لكنها كبيرة الفائدة عظيمة النفع، يجيبهم بقوله: " اعملوا، فكل ميسر لما خلق له ".
وعندما يتأمل المسلم هذا الجواب العظيم يجده شافياً كافياً وافياً لمن منَّ الله
стр. 242
عز وجل عليه بفهمه والعمل على ضوئه، بل مهما بحث العبد عن جواب لهذا السؤال فلن يجد أشفى ولا أوفى ولا أسد من جواب الرسول الكريم ﷺ .
وهذا الجواب يقرر أصلين عظيمين وأساسين متينين يقوم عليهما صلاح العبد واستقامة شأنه في هذا الباب.
الأصل الأول: وهو داخل تحت قوله: " اعملوا "، فهذه الكلمة لا توجه إلا لمن له مشيئة، ولمن هو مخير، يستطيع أن يذهب إلى مكان الخير ويستطيع أن يذهب إلى مكان الشر، ويستطيع أن يفعل الخير ويستطيع أن يفعل الشر. فمن ليست عنده مشيئة ـ كالجمادات ـ لا يمكن أن يُخاطب بمثل هذا الخطاب.
فهذه الكلمة دالةٌ على أصل عظيم، وهو أنَّ الإنسان عنده مشيئة، وأنَّه يمكنه أن يختار طريق الخير وطريق الشر، وأنَّه مطلوب منه أن يجدَّ ويسعى في الأعمال الصالحة، وأن يجاهد نفسه على القيام بطاعة الله ﵎.
والأصل الثاني: وهو داخل تحت قوله ﷺ : " فكلُّ ميسر لما خلق له "، فهو دالٌّ على أنَّ الأمور كلَّها بتيسير الله، وأنَّه لا يمكن أن يكون في الكون شيء لم يشأه الله، وأنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنَّ الناس منهم من خلق للسعادة فييسر لعمل أهل السعادة، ومنهم من خلق للشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة.
وإذا كان الأمر كذلك فإنَّ المطلوب من كلِّ إنسان يريد لنفسه السعادة في الدنيا والآخرة أن يعمل ويجاهد نفسه، ويلزمها بالتمسك بطريق الحق إلزاماً، وفي الوقت نفسه يمد يد الضراعة إلى الله ملحاً عليه أن يعينه ويسدده ويثبته وأن يجعله من السعداء، وأن يعيذه من طريق أهل الشقاء؛ فإنَّ الأمور كلَّها بتيسير الله جل وعلا.
стр. 243
وعندما ننظر في سنة النبي ﷺ العملية نرى هذا الأمر فيها واضحاً جلياً في كلِّ عمل؛ لأنَّ هدي النبي ﷺ يقوم على الجد والاجتهاد مع الاستعانة بالله خالق السماوات والأرض. هذه حياته ﷺ . على حد قول الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، وقوله سبحانه: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ١، وقول النبي ﷺ :""احرص على ما ينفعك واستعن بالله " ٢، وقوله ﷺ :""اعقلها وتوكل " ٣.
أصلان متلازمان: بذل من العبد ومجاهدة ومصابرة ومرابطة وسعي بالأعمال الصالحة، وفي الوقت نفسه لجوء إلى الله تعالى واستعانة به وطلب منه واعتماد عليه، ولهذا كان النبي ﷺ يقول في دعائه:""يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " ٤، ويقول:""اللهم اهدني فيمن هديت " ٥، ويقول:""اللهم إني أسألك الهدى والسداد " ٦، ويقول لمعاذ:""يا معاذ والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كلِّ صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " ٧.
стр. 244
الأمور كلُّها بقدر وقد كتبت على العبد، فأنت مفتقر إلى الله أن يعيذك من طريق الضلال، وأن يأخذ بناصيتك إلى طريق الهداية وأن يثبتك على الحق، وأن يمن عليك بالتوفيق والهداية والسداد، وأن يجعلك من أهل السعادة أهل الجنة.
أنت مفتقر إلى الله في كلِّ حركة وسكون، مفتقر إلى عفو الله ، فليس أمامك إلا أن تلجأ إلى الله ﵎ في كلِّ وقت وحين أن يثبتك ويعينك ويسددك وأن يعيذك من طريق الضلال، كان النبي ﷺ يقول في دعائه:""اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس"يموتون " ١.
وفي الوقت نفسه لابد أن تبذل الأسباب وتصبر على فعلها وتجاهد نفسك مجاهدة تامة على لزوم طريق الخير، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣.
فهذا أصل شريف وعظيم، لابد من فهمه، ولا نجاة ـ والله ـ للإنسان في هذه الحياة إلا بفهم هذا الأصل المبارك الذي دل النبي ﷺ الصحابة الكرام ﵃ عليه، وأرشدهم إليه وهو الناصح الأمين.
والصحابة ﵃ لما سمعوا هذا الجواب وجدوا فيه الكفاية والشفاء والغنية، ولم يحتاجوا بعده إلى جواب أحد، بل أخذوه مأخذ
стр. 245
التسليم، وتلقوه بالقبول، واتجهوا إلى تطبيق مدلوله وتحقيق مقصوده، بالبذل والعمل والجد والاجتهاد مع طلب العون من الله ﵎.
اقرأ سيرهم وأخبارهم، وانظر نصحهم لأنفسهم في العبادة والطاعة والجد والاجتهاد والإقبال على الله تعالى وأطرهم لأنفسهم وإلزامهم لها"لتسلك طريق الحق وتسير في جادته، وفي الوقت نفسه يلجأون إلى الله في كلِّ وقت وحين، يسألونه الثبات والهداية والرشاد، هكذا كانت حياتهم وحياة من اتبعهم بإحسان.
ولما وُجد من ضل في هذا الباب، ووُجِد من صار عنده جرأة على الاعتراض على أقدار الرب العظيم، والانتقاد لأفعاله، وطرح الأسئلة الاعتراضية على قدره ﵎، تغيرت الحال عما كان عليه السلف، فجمع هؤلاء بين الانحراف في العقيدة والانحراف في العمل والعبادة.
وقد ضلت في هذا الباب طائفتان:
١ـ طائفة أنكرت القدر وجحدته، وقالوا: لا قدر، والأمر أنف. وهؤلاء يسمون عند أهل العلم: بالقدرية النفاة؛ لأنهم ينفون القدر، ويقولون: لم يقدِّر الله ﵎ أفعال العباد ولم يخلقها، وإنما الذي قدرها وخلقها الإنسان نفسه.
ويصفهم أهل العلم بمجوس هذه الأمة؛ لأنَّ اعتقادهم هذا يتضمن تقرير وجود خالقين: الله الخالق للإنسان، والإنسان الخالق لفعل نفسه.
٢ـ ويقابل هؤلاء طائفة أخرى، يقولون: ليس للإنسان قدرة ولا مشيئة، فهو ـ عندهم ـ مسلوب الإرادة والمشيئة، والله خالق لفعله وهو الفاعل الحقيقي؛ لأنَّ الإنسان ليس له مشيئة في أفعال نفسه، بل هو مجبور
стр. 246
عليها، ويصفون حاله بأنَّه كالورقة في مهب الريح. وهؤلاء يسميهم أهل العلم: القدرية المجبرة.
ولو قارنا بين هاتين العقيدتين وبين جواب النبي ﷺ : " اعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له " لأدركنا ما لدى كلِّ طائفة من انحراف في هذا الباب. فلو كان الإنسان كالورقة في مهب الريح، هل يصح أن يقال له: اعمل؟!! من ليس له مشيئة لا يخاطب بمثل هذا الخطاب. ففي قول النبي ﷺ : " اعملوا" رد على القدرية المجبرة، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ١ أي: طريق الخير وطريق الشر، وكيف يؤمر بالطاعة وينهى عن فعل الحرام مَنْ لا مشيئة له ولا إرادة.
وإذا نظرت إلى عقيدة القدرية النفاة، وهي مبنية على إنكار القدر، وأنَّ الله لا علاقة لمشيئته وقدرته بأفعال العباد، تجد الرد عليهم في قول النبي ﷺ : " فكلٌّ ميسر لما خلق له " أي أنَّ الأمور كلَّها بتيسير الله وتوفيقه، فأهل السعادة ييسرهم لعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة ييسرهم لعمل أهل الشقاوة.
وعليه ففي قول النبي ﷺ : " اعملوا فكل ميسر لما خُلق له " رد على الطائفتين، وفيه تقرير للمعتقد الحق والقول الصواب: قول أهل السنة والجماعة: أن للإنسان مشيئة وإرادة واختياراً، ولكن مشيئته تبع لمشيئة الله جل وعلا.
" كنا في جنازة في بقيع الغرقد " سمي بقيع الغرقد لأنَّه كان فيه شجر ذو شوك يسمى شجر الغرقد.
" فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة " المخصرة: عود صغير كان بيده ﷺ .
стр. 247
" فنكس " أي: أنزل رأسه إلى جهة الأرض قليلاً.
" وجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار " هذا هو الإيمان بالقضاء والقدر: أنَّ الأمور كلَّها بقدر الله، قدَّر كلَّ شيء، وجف القلم بما هو كائن
والصحابة لما سمعوا هذا البيان " قالوا: يا رسول أفلا نتكل على كتابنا؟ " أي: أفلا نعطل الأعمال ونتكل على الكتاب المكتوب في اللوح المحفوظ، ولهذا جاء في روايات أخرى: " أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ " ١، وفي رواية: " فلمَ نعمل؟ " ٢.
فأجاب النبي ﷺ بهذا الجواب المبارك: " فقال: اعملوا فكلٌّ ميسر لما خُلق له " أي: مع إيمانكم بما قُضي وقُدر وكُتب اعملوا واجتهدوا في العمل، وفي الوقت نفسه الجأوا إلى الله واعتمدوا عليه واسألوه الإعانة والسداد والهداية والرشاد.
والناس في هذا قسمان: سعداء وأشقياء، ولهذا قال ﷺ : " أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة " أي: من كتب الله له السعادة فيما قدَّره وقضاه وكتبه في اللوح المحفوظ فإنَّه سبحانه ييسر له العمل بعمل أهل السعادة وسلوك سبيلهم.
" وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاء " أي: من كتب الله له الشقاوة فيما قدَّره وقضاه وكتبه في اللوح المحفوظ فإنه ييسر لعمل أهل الشقاء
стр. 248
" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ " لاحظ دلالة هذه الآيات على تقرير هذا الأصل، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ هذا جانب العبد: عمل وبذل وتصديق،: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ وهذا من الرب تعالى جده.
" وروى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق ـ:""إنَّ خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. فوالذي لا إله غيره، إنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " "
هذا الحديث مشهور بحديث: الصادق المصدوق؛ لأنَّه لما ذكر ابن مسعود ﵁ تحديث النبي ﷺ لهم به ذكر صفته، فقال: " حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق " فهو ﷺ الصادق في قوله وفيما يبلغه عن ربه. والمصدوق: أي المؤيد من الله بما ينزله عليه من وحي السماء.
وذكرُ ابن مسعود ﵁ لهذا الوصف في مقام ذكر القدر والكتابة فيه فائدة؛ لأنَّ من يأتي فيما بعد ويكون عنده ارتياب عليه أن ينظر إلى ما جاء في هذا الحديث على أنَّه لم يأت من أيِّ إنسان، وإنَّما جاء عن الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، فإذا كان المحدِّثُ صادقاً مصدوقاً فما بال الإنسان يتردد؟ وما الموجب للشك وعدم القبول؟
стр. 249
ومع هذه اللفتة الكريمة من ابن مسعود ﵁، ومع علم المسلمين قاطبة أنَّ النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، إلا أنَّ القدرية النفاة ردوا هذا الحديث؛ لأنَّه يناقض أصلهم الفاسد في نفي القدر، وبالغوا مبالغة شديدة شنيعة في رده، حتى إنَّه لما ذكر لعمرو بن عبيد ـ رئيس المعتزلة ـ قال:""لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته أو قال: لما أحببته، ولو سمعت ابن مسعود يقوله ما قبلته، ولو سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله يقول لقلت له: ليس على هذا أخذت ميثاقنا " ١. فانظر إلى هذه الوقاحة الشنيعة من رؤوس البدع تجاه أحاديث النبي ﷺ ، وهذا الأمر ليس غريباً على صاحب الهوى عندما يظلم فؤاده بالهوى ويكتنفه الضلال ويحتوشه الباطل.
" إنَّ خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك " هذا فيه مراحل تكون الجنين في رحم الأم، وأنَّه أولاً يكون نطفة وهي قطرة المني التي تستقر في رحم الأنثى. ثم تتحول إلى علقة، وهي القطعة الصغيرة من الدم. ثم تتحول إلى مضغة، وهي قطعة صغيرة من اللحم. ثم تبدأ تتفتق منها الأعضاء، وهذا حال جميع الناس، فتبارك الله أحسن الخالقين.
" ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات " هذه الكلمات الأربعة يكتبها الملك لكلِّ جنين في هذه المرحلة من تكوينه في رحم أمه.
" يكتب رزقه " وهو كلُّ ما سيطعمه ويشربه ويتغذى به في هذه الحياة إلى أن يموت.
стр. 250
" وأجله " أي: متى يموت.
" وعمله " أي: الأعمال التي سيقوم بها من إيمان وصلاة وصيام وحج، أو كفر وضلال وزيغ وإعراض وفواحش.
" وشقي أو سعيد " أي: هل هو من أهل الشقاء أم من أهل السعادة.
وهذا تقدير خاص بكلِّ إنسان، ويسميه أهل العلم: التقدير العمري، أي: التقدير المتعلق بعمر كلِّ إنسان فيما يخصه ويعنيه.
وعلى ضوء النصوص، يقول العلماء: أنواع التقدير أربعة:
١ـ تقدير عام: وهو الذي جاء في نصوص كثيرة، منها قول النبي ﷺ :""كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات بخمسين ألف سنة " ١.
٢ـ تقدير عمري: وهو المتعلق بعمر كلِّ إنسان، ويدل عليه حديث ابن مسعود ﵁ هذا.
٣ـ التقدير السنوي: الذي يكون في ليلة القدر، كما قال الله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ٢ أي: يقدَّر في هذه الليلة كلُّ ما هو كائن إلى ليلة القدر التي تليها، ولهذا لما سألت عائشة النبي ﷺ :""أرأيت إن علمت أي ليلةٍ ليلةُ القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنَّك عفو تحب العفو فاعف عني " ٣ فما أجمل ملازمة العبد لهذه الدعوة في تلك الليلة العظيمة التي يكتب فيها ما هو كائن إلى ليلة القدر الأخرى.
٤ـ التقدير اليومي: الذي دل عليه قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ٤.