← Акыда

Акыда · id 11093

تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (399 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عليها، ويصفون حاله بأنَّه كالورقة في مهب الريح. وهؤلاء يسميهم أهل العلم: القدرية المجبرة. ولو قارنا بين هاتين العقيدتين وبين جواب النبي ﷺ : " اعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له " لأدركنا ما لدى كلِّ طائفة من انحراف في هذا الباب. فلو كان الإنسان كالورقة في مهب الريح، هل يصح أن يقال له: اعمل؟!! من ليس له مشيئة لا يخاطب بمثل هذا الخطاب. ففي قول النبي ﷺ : " اعملوا" رد على القدرية المجبرة، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ١ أي: طريق الخير وطريق الشر، وكيف يؤمر بالطاعة وينهى عن فعل الحرام مَنْ لا مشيئة له ولا إرادة. وإذا نظرت إلى عقيدة القدرية النفاة، وهي مبنية على إنكار القدر، وأنَّ الله لا علاقة لمشيئته وقدرته بأفعال العباد، تجد الرد عليهم في قول النبي ﷺ : " فكلٌّ ميسر لما خلق له " أي أنَّ الأمور كلَّها بتيسير الله وتوفيقه، فأهل السعادة ييسرهم لعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة ييسرهم لعمل أهل الشقاوة. وعليه ففي قول النبي ﷺ : " اعملوا فكل ميسر لما خُلق له " رد على الطائفتين، وفيه تقرير للمعتقد الحق والقول الصواب: قول أهل السنة والجماعة: أن للإنسان مشيئة وإرادة واختياراً، ولكن مشيئته تبع لمشيئة الله جل وعلا. " كنا في جنازة في بقيع الغرقد " سمي بقيع الغرقد لأنَّه كان فيه شجر ذو شوك يسمى شجر الغرقد. " فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة " المخصرة: عود صغير كان بيده ﷺ .

стр. 247

" فنكس " أي: أنزل رأسه إلى جهة الأرض قليلاً. " وجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار " هذا هو الإيمان بالقضاء والقدر: أنَّ الأمور كلَّها بقدر الله، قدَّر كلَّ شيء، وجف القلم بما هو كائن والصحابة لما سمعوا هذا البيان " قالوا: يا رسول أفلا نتكل على كتابنا؟ " أي: أفلا نعطل الأعمال ونتكل على الكتاب المكتوب في اللوح المحفوظ، ولهذا جاء في روايات أخرى: " أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ " ١، وفي رواية: " فلمَ نعمل؟ " ٢. فأجاب النبي ﷺ بهذا الجواب المبارك: " فقال: اعملوا فكلٌّ ميسر لما خُلق له " أي: مع إيمانكم بما قُضي وقُدر وكُتب اعملوا واجتهدوا في العمل، وفي الوقت نفسه الجأوا إلى الله واعتمدوا عليه واسألوه الإعانة والسداد والهداية والرشاد. والناس في هذا قسمان: سعداء وأشقياء، ولهذا قال ﷺ : " أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة " أي: من كتب الله له السعادة فيما قدَّره وقضاه وكتبه في اللوح المحفوظ فإنَّه سبحانه ييسر له العمل بعمل أهل السعادة وسلوك سبيلهم. " وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاء " أي: من كتب الله له الشقاوة فيما قدَّره وقضاه وكتبه في اللوح المحفوظ فإنه ييسر لعمل أهل الشقاء

стр. 248

" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ " لاحظ دلالة هذه الآيات على تقرير هذا الأصل، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ هذا جانب العبد: عمل وبذل وتصديق،: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ وهذا من الرب تعالى جده. " وروى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق ـ:""إنَّ خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. فوالذي لا إله غيره، إنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " " هذا الحديث مشهور بحديث: الصادق المصدوق؛ لأنَّه لما ذكر ابن مسعود ﵁ تحديث النبي ﷺ لهم به ذكر صفته، فقال: " حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق " فهو ﷺ الصادق في قوله وفيما يبلغه عن ربه. والمصدوق: أي المؤيد من الله بما ينزله عليه من وحي السماء. وذكرُ ابن مسعود ﵁ لهذا الوصف في مقام ذكر القدر والكتابة فيه فائدة؛ لأنَّ من يأتي فيما بعد ويكون عنده ارتياب عليه أن ينظر إلى ما جاء في هذا الحديث على أنَّه لم يأت من أيِّ إنسان، وإنَّما جاء عن الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، فإذا كان المحدِّثُ صادقاً مصدوقاً فما بال الإنسان يتردد؟ وما الموجب للشك وعدم القبول؟

стр. 249

ومع هذه اللفتة الكريمة من ابن مسعود ﵁، ومع علم المسلمين قاطبة أنَّ النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، إلا أنَّ القدرية النفاة ردوا هذا الحديث؛ لأنَّه يناقض أصلهم الفاسد في نفي القدر، وبالغوا مبالغة شديدة شنيعة في رده، حتى إنَّه لما ذكر لعمرو بن عبيد ـ رئيس المعتزلة ـ قال:""لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته أو قال: لما أحببته، ولو سمعت ابن مسعود يقوله ما قبلته، ولو سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله يقول لقلت له: ليس على هذا أخذت ميثاقنا " ١. فانظر إلى هذه الوقاحة الشنيعة من رؤوس البدع تجاه أحاديث النبي ﷺ ، وهذا الأمر ليس غريباً على صاحب الهوى عندما يظلم فؤاده بالهوى ويكتنفه الضلال ويحتوشه الباطل. " إنَّ خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك " هذا فيه مراحل تكون الجنين في رحم الأم، وأنَّه أولاً يكون نطفة وهي قطرة المني التي تستقر في رحم الأنثى. ثم تتحول إلى علقة، وهي القطعة الصغيرة من الدم. ثم تتحول إلى مضغة، وهي قطعة صغيرة من اللحم. ثم تبدأ تتفتق منها الأعضاء، وهذا حال جميع الناس، فتبارك الله أحسن الخالقين. " ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات " هذه الكلمات الأربعة يكتبها الملك لكلِّ جنين في هذه المرحلة من تكوينه في رحم أمه. " يكتب رزقه " وهو كلُّ ما سيطعمه ويشربه ويتغذى به في هذه الحياة إلى أن يموت.

стр. 250

" وأجله " أي: متى يموت. " وعمله " أي: الأعمال التي سيقوم بها من إيمان وصلاة وصيام وحج، أو كفر وضلال وزيغ وإعراض وفواحش. " وشقي أو سعيد " أي: هل هو من أهل الشقاء أم من أهل السعادة. وهذا تقدير خاص بكلِّ إنسان، ويسميه أهل العلم: التقدير العمري، أي: التقدير المتعلق بعمر كلِّ إنسان فيما يخصه ويعنيه. وعلى ضوء النصوص، يقول العلماء: أنواع التقدير أربعة: ١ـ تقدير عام: وهو الذي جاء في نصوص كثيرة، منها قول النبي ﷺ :""كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات بخمسين ألف سنة " ١. ٢ـ تقدير عمري: وهو المتعلق بعمر كلِّ إنسان، ويدل عليه حديث ابن مسعود ﵁ هذا. ٣ـ التقدير السنوي: الذي يكون في ليلة القدر، كما قال الله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ٢ أي: يقدَّر في هذه الليلة كلُّ ما هو كائن إلى ليلة القدر التي تليها، ولهذا لما سألت عائشة النبي ﷺ :""أرأيت إن علمت أي ليلةٍ ليلةُ القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنَّك عفو تحب العفو فاعف عني " ٣ فما أجمل ملازمة العبد لهذه الدعوة في تلك الليلة العظيمة التي يكتب فيها ما هو كائن إلى ليلة القدر الأخرى. ٤ـ التقدير اليومي: الذي دل عليه قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ٤.

стр. 251

وهذه التقديرات الثلاثة العمري والسنوي واليومي كلُّها داخلة تحت التقدير العام، وليست خارجة عنه، فهي تقدير بعد تقدير. " فو الذي لا إله غيره " يحلف بالله العظيم. " إنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها " فمن وُفِّق للطاعة وأُعِين على العبادة، يحتاج أن يسأل الله ﵎ أن يثبته عليها إلى الممات. قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ١. فعلى العبد الذي وُفِّق للعمل أن يصلح سريرته ما بينه وبين الله، بأن يكون منكسراً متذللاً خاضعاً لجنابه، طالباً عونه وتوفيقه وتسديده، وليحذر من العجب ورؤية العمل؛ فإنَّ من أسباب سوء الخاتمة ـ والعياذ بالله ـ فساد الباطن وسوء السريرة، ولهذا كان النبي ﷺ يقول في دعائه:""اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها " ٢. وقد جاءت رواية توضح هذا المعنى، وأنَّ خذلان الله للعبد إنما يكون لسوء سريرته، فعن سهل بن سعد أنَّ النبي ﷺ قال:""إنَّ الرجل ليعمل عمل أهل الجنة ـ فيما يبدو للناس ـ وهو من أهل النار، وإنَّ الرجل ليعمل عمل أهل النار ـ فيما يبدو للناس ـ وهو من أهل الجنة " ٣. ولذا قال ابن القيم ﵀:""وأمَّا كون الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فإنَّ هذا عمل أهل الجنة

стр. 252

فيما يظهر للناس، ولو كان عملاً صالحاً مقبولاً للجنة قد أحبه الله ورضيه لم يبطله "١. قال عبد الحق الإشبيلي:""واعلم أنَّ سوء الخاتمة ـ أعاذنا الله تعالى منها ـ لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سُمِع بهذا ولا عُلِم به والحمد لله، وإنما تكون لمن له فساد في العقد أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم " ٢. " وإنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " أي حياته كلُّها على الكفر، ثم يشرح الله صدره للإيمان في آخر حياته فيكون من أهل الجنة. ومن أمثلة هذا ما رواه جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال:""خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا، فقال رسول الله ﷺ : كأنَّ هذا الراكب إياكم يريد. فانتهى الرجل إلينا فسلم فرددنا عليه، فقال له النبي ﷺ : من أين أقبلت؟ قال: من أهلي وولدي وعشيرتي. قال: فأين تريد؟ قال: أريد رسول الله ﷺ . قال: فقد أصبته. قال: يا رسول الله علمني ما الإيمان. قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. قال: قد أقررت. قال: ثم إنَّ بعيره دخلت يده في شبكة جِرذان فهوي بعيره وهوى الرجل، فوقع على هامته فمات، فقال رسول الله ﷺ : عليَّ بالرجل. قال: فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة فأقعداه، فقالا: يا رسول الله قبض الرجل. قال: فأعرض عنهما رسول الله ﷺ ثم قال لهما

стр. 253

رسول الله ﷺ : أما رأيتما إعراضي عن الرجل، فإني رأيت ملكين يدسان في فيه من ثمار الجنة، فعلمت أنَّه مات جائعاً، ثم قال رسول الله ﷺ : هذا من الذين قال الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١، قال: ثم قال: دونكم أخاكم " ٢. وفي رواية:""هذا ممن عمل قليلاً وأجر كثيراً " ٣. " وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ الذي رواه مسلم في الصحيح وأبو داود في السنن وغيرهما من الأئمة:""أنَّ جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنتُ؟ قال: نعم " "" ختم المصنف ﵀ الأحاديث التي أوردها ليستدل بها على الإيمان بالقدر بطرف من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وهو مشهور عند أهل العلم بحديث جبريل؛ لأنَّ جبريل أتى النبي ﷺ على صورة رجل وطرح عليه أسئلة، وفي كلِّ مرة بعد أن يجيب النبي ﷺ يقول: صدقت. فعجب الصحابة من ذلك وقالوا: عجبنا له يسأله ويصدِّقه. وللحديث قصة، يرويها يحيى بن يعمر قال:""كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني. فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر. فوُفِّق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد،

стр. 254

فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أنَّ صاحبي سيكل الكلام إليَّ فقلت: أبا عبد الرحمن! إنَّه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم ـ وذكر من شأنهم ـ وأنهم يزعمون أن لا قدر وأنَّ الأمر أنف. فقال: فإذا لقيتَ أولئك فأخبرهم أني برئ منهم وأنهم براء مني. والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أنَّ لأحدهم ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ثم قال: حدثني أبي: عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقتَ ... " الحديث ١. وساقه ابن عمر ﵁ لأجل هذه الجملة " وأن تؤمن بالقدر خير وشره " فهو دال على أنَّ الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان وأصل من أصول الدين، وأنَّه لا إيمان لأحد إلا بالإيمان بالقدر، وأنَّ من لم يؤمن بالقدر فلن يقبل الله منه صلاة ولا صياماً ولا صدقة ولا فرضاً ولا نفلاً. والكلام حول حديث جبريل والمعاني المستفادة منه يطول جداً، لكن أشير.

стр. 255

إلى فائدة جليلة أخذها أهل العلم من هذا، ألا وهي: أنَّ الإسلام والإيمان إذا ذكرا معاً حمل الإسلام على الأعمال الظاهرة، والإيمان على الاعتقادات الباطنة. وإذا ذُكِر كلُّ واحد منهما مفرداً تناول الآخر. ولهذا جاء في حديث وفد عبد القيس أنَّ النبي ﷺ قال:""أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس " ١، ففسر لهم الإيمان بالأعمال الظاهرة، وهو شاهد على دخول الأعمال في مسمى الإيمان. ولما ختم المصنف ﵀ ذكر الأدلة على القدر، قال: " وفيه من الأدلة ما لو استقصيناه لأدى إلى الإملال " " وفيه " أي: القدر. " من الأدلة ما لو استقصيناه لأدى إلى الإملال " يعني أنَّ أحاديثه كثيرة جداً، وأهل العلم الذين كتبوا في القدر أوردوا كثيراً من هذه الأحاديث، مثل الإمامين البخاري ومسلم في كتاب القدر من صحيحيهما، وكذلك أصحاب السنن، وغيرهم من أهل العلم، بل من أهل العلم من أفرده بالتصنيف، كالفريابي في كتاب " القدر "، وابن وهب في كتابه " القدر وما ورد في ذلك من الآثار "، وابن القيم في كتابه العظيم " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ".

стр. 256

[الإسراء والمعراج] " وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار: أنَّ رسول الله ﷺ أُسرِي به إلى فوق سبع سماوات ثم إلى سدرة المنتهى، أُسرِي به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى: مسجد بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماء بجسده وروحه جميعاً، ثم عاد من ليلته إلى مكة قبل الصبح، ومن قال: إنَّ الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة فقد غلط، ومن قال: إنَّه منام وأنَّه لم يُسْرَ بجسده فقد كفر " انتقل المصنف ﵀ إلى الكلام عن الإسراء بالنبي ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، والعروج به إلى السماء، وهو من فضائله ﷺ وخصائصه." ولا يؤمن بالإسراء إلا من يؤمن بالأخبار ويعول عليها، أما التائهون الذين يقدمون عقولهم وآراءهم وأفكارهم ولا يعظِّمون الآثار ولا يعتنون بالأخبار فلا يؤمنون به، بل ربما اعترضوا أو انتقدوا أو حرَّفوا أو أوَّلوا أو سلكوا غير ذلك من المسالك الباطلة في سبيل رده. في ليلة واحدة: إسراء إلى بيت المقدس وعروج إلى السماء، من كانت حدود إيمانياته بالمعقول فقط وليس للأخبار عنده شأن هل يتلقى ذلك بالقبول؟! ولهذا قال المصنف ﵀: " وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار " ففي هذا فضيلةُ من شرح الله صدره لتلقي أحاديث النبي ﷺ بالقبول. وإذا أردت معرفة تمام هذه المرتبة فانظر إلى حال الصديق ﵁ لما ذكرت له قريش هذا الأمر وقالت له: إنَّ صاحبك يزعم أنَّه عُرج به إلى السماء. قال:""والله لئن كان قاله لقد صدق " ١. وعلى سبيلها قول

стр. 257

صاحب السنة: إن صح الحديث فأنا مؤمن به. " أنَّ رسول الله ﷺ أُسرِي به إلى فوق سبع سماوات ثم إلى سدرة المنتهى " في الكلام شيء من الاختصار؛ فإنَّه ﷺ أُسري به إلى بيت المقدس ثم عُرج به إلى السماء كما سيبينه المصنف بعد. " أُسرِي به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى: مسجد بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماء " أُتِي ﷺ ليلةً بالبراق وانطلق به إلى بيت المقدس، فربط البراق عند باب المسجد ودخل وصلى فيه، ثم عُرج به من بيت المقدس إلى السماء، ثم فتح له باب السماء، ثم عرج به إلى السماء التي تليها، إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى فوق السماء السابعة، وفي كلِّ سماء يمر بنبي من الأنبياء أو أكثر، فمر في الأولى بآدم، وفي الثانية بيحيى وعيسى، وفي الثالثة بيوسف، وفي الرابعة بإدريس، وفي الخامسة بهارون، وفي السادسة بموسى، وفي السابعة بإبراهيم. ثم رُفع له البيت المعمور، وسأل عنه جبريل فقال: هذا البيت المعمور، يدخله في كلِّ يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون. ثم فرض الله عليه الصلاة خمسين صلاة، ثم رجع، فمر بموسى فقال له: إنَّ أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فكان يتردد بين الله وموسى حتى خففت إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال له موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فقال ﷺ : سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم. فلما جاوز نادى مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ١. وهذا يبين عظم شأن الصلاة في الدين وجلالة قدرها عند الله، فكلُّ طاعة

стр. 258

أمر الله بها ينزل بها جبريل إلى الأرض ثم يبلغها النبي ﷺ ، إلا هذه الصلاة عُرج به ﷺ إلى السماء وتلقاها منه سبحانه مباشرة. وهو في ذلك المقام سمع كلام الله من الله، فهو كليم الله، شارك موسى ﵇ في الكلام، كما شارك إبراهيم ﵇ في الخلة، قال ﷺ :"" فإنَّ الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً " ١، ولهذا اجتمع فيه ما تفرق في الأنبياء. ويعتبر حديث المعراج أحد أدلة علو الله ، وأنَّه سبحانه مستو على عرشه. حدثني ثقة قال: التقيت برجل يقول: إنَّ الله في كلِّ مكان. فقلت: هل تؤمن بفضل النبي ﷺ ومناقبه؟ قال: نعم. قال: قلت: هل تؤمن بالعروج به إلى السماء؟ قال: نعم. قال: قلت: إن أنكرت علو الله لم تؤمن لا بفضل النبي ﷺ ولا بربك، فلا عظمت النبي ﷺ ولا آمنت بربك وبعلوه. يقول: فقال لي الرجل: آمنت بعلو الله وصدقت. " بجسده وروحه جميعاً " هنا يرد المصنف ﵀ على من يقول: إنَّ الإسراء والمعراج كان بالروح فقط. وهذا باطل وغير صحيح، بل عُرج به ﷺ بروحه وجسده،قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ ٢ وقوله جل وعلا: " بعبده " يتناول الروح والجسد، وهكذا بقية الأحاديث. فمن قال: إنَّ الإسراء والمعراج كان بالروح فقط ليس عنده دليل. ومن قال: إنَّه منام فهو أشد باطلاً وبعداً عن الحق والصواب. " ثم عاد من ليلته إلى مكة قبل الصبح " أي: لم يأت عليه الصبح إلا وهو في فراشه.

стр. 259

" ومن قال: إنَّ الإسراء في ليلة، والمعراج في ليلة فقد غلط " قال هذا بعض شراح الحديث بناء على أوهام وقعت لبعض الرواة فيه، وبنى عليها بعضهم تعدد وقوع الإسراء والمعراج. قال ابن القيم ﵀:""وكان الإسراء مرة واحدة. وقيل: مرتين: مرة يقظة ومرة مناماً، وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك وقوله: " ثم استيقظت " وبين سائر الروايات. ومنهم من قال: بل كان هذا مرتين، مرة قبل الوحي لقوله في حديث شريك: " وذلك قبل أن يوحى إليه "، ومرة بعد الوحي كما دلت عليه سائر الروايات. ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي، ومرتين بعده. وكلُّ هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل، الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرة أخرى، فكلَّما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع. والصواب الذي عليه أئمة النقل: أنَّ الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة " ١. " ومن قال: إنَّه منام وأنه لم يُسْرَ بجسده فقد كفر " لأنَّه جحد هذا الأمر الواضح الصريح الذي دلت عليه النصوص. بعد أن ذكر المصنف ﵀ هذا التلخيص فيما يتعلق بالإسراء والمعراج أعقبه بذكر الأدلة كما هي طريقته، فقال: " قال الله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ "

стр. 260

فهذا دليل على الإسراء، وفيه أيضاً إشارة إلى المعراج إذ قال جل وعلا: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ١، فقد رأى ﷺ من آيات ربه الكبرى عندما عُرج به إلى السماء. " وروى قصة الإسراء عن النبي ﷺ : أبو ذر، وأنس بن مالك، ومالك بن صعصعة، وجابر بن عبد الله، وشداد بن أوس، وغيرهم " فهو حديث مستفيض، رواه عن النبي ﷺ غير واحد من الصحابة رضوان الله عليهم، وعدَّه غير واحد من أهل العلم من الأحاديث المتواترة ٢. " كلُّها صحاح مقبولة مرضية عند أهل النقل مخرجة في الصحاح " وهذا حكم من المصنف على أحاديث الإسراء بأنها صحيحة مرضية متلقاة بالقبول عند أئمة السلف وعلماء أهل السنة والجماعة.

стр. 261

[رؤية النبي ﷺ ربه] بعد انتهاء المصنف ﵀ من ذكر الإسراء والمعراج دخل في الكلام على رؤية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج، فقال: " وأنه ﷺ رأى ربه ،كما قال : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ . قال الإمام أحمد ـ فيما روينا عنه ـ: وأنَّ النبي ﷺ رأى ربه ، فإنَّه مأثور عن النبي ﷺ صحيح، رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس. ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس. ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس. والحديث على ظاهره كما جاء عن النبي ﷺ ، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحداً " هذه المسألة فيها نزاع معروف بين أهل العلم على قولين: القول الأول: أنَّ النبي ﷺ رأى ربه عندما عُرِج به إلى السماء، ونُقِل ذلك عن بعض الصحابة. القول الثاني: أنَّ النبي ﷺ لم ير ربه. وبعض أهل العلم في كتب الاعتقاد انتصروا للقول بأنَّ النبي ﷺ رأى ربه، ومنهم المصنف هنا، وكذلك ابن خزيمة في كتاب التوحيد ١. لكنَّ التحقيق أنَّ النبي ﷺ لم ير ربه، وليس مع من قال: إنَّ النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج دليل واضح يبنى عليه القول بذلك، بل الأدلة في عدم الرؤية أصرح، سواء الأدلة العامة في هذا الباب، أو الأدلة الخاصة المتعلقة به ﷺ . ومن هذه الأدلة: ما جاء في صحيح مسلم ٢ عن أبي ذر ﵁

стр. 262

قال:""سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه ". فهذا واضح في الدلالة على أنَّه ﷺ لم ير ربه. ولعله ﷺ رأى النور، كما جاء في الحديث:""حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " ١. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:""قد ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاق سلف الأمة أنَّه لا يرى الله أحد في الدنيا بعينه، إلا ما نازع فيه بعضهم من رؤية نبينا محمد ﷺ خاصة " ٢. وقال ـ أيضاً ـ:""وليس في الأدلة ما يقتضي أنَّه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل " ٣. والمصنف ﵀ لما انتصر لقول من قال: إنَّ النبي ﷺ رأى ربه لم يذكر دليلاً واضحاً على ذلك فقال: " كما قال : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ " وهذه الرؤية لجبريل؛ لأنَّ النبي ﷺ رآه على صورته الحقيقية مرتين، كما ثبت عن عائشة ﵂"أنَّها قالت ـ لما قال لها مسروق بن الأجدع: ألم يقل الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ٤،: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ٥"ـ:""أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض " ٦. " قال الإمام أحمد فيما روينا عنه " هذه رواية عبدوس بن مالك العطار عن الإمام أحمد.

стр. 263

" وأنَّ النبي ﷺ رأى ربه ، فإنَّه مأثور عن النبي ﷺ صحيحٌ، رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس. ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس. ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس " لهذا الأثر الموقوف عن ابن عباس ﵄ روايتان، الرواية الأولى مطلقة، قال فيها:""رأى ربه ﵎ " ١. والرواية الأخرى مقيدة، قال فيها:""رآه بفوائده مرتين " ٢، وقال مرة:"" رآه بقلبه " ٣. ولم يأت عنه ﵁ أنه قال: رآه بعينه ٤. فإذا حملت الرواية المطلقة على المقيدة اتفقت أقاويل السلف في هذا الباب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:""ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإنَّ ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه " ٥. والرؤية التي بالفؤاد ثابتة له ﷺ ، كما في قوله:""إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صورة " ٦.

стр. 264

" والحديث على ظاهره كما جاء عن النبي ﷺ " الحديث كما سبق موقوف على ابن عباس وليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، والتحقيق في هذا كما سبق أن يحمل المطلق من كلامه ﵁ على المقيد. " والكلام فيه بدعة " يعني إذا ردَّ المسلم الشيء الصحيح الثابت المتقرر في أحاديث النبي ﷺ فيعترض عليه وينتقده بعقله فهذا بدعة"، لكن الشأن في ثبوت ذلك. " ورُوي عن عكرمة عن ابن عباس قال:""إنَّ الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمداً ﷺ بالرؤية " " أورد المصنف ﵀ هذه الرواية عن ابن عباس ﵁ مستدلاً بها على رؤية النبي ﷺ ربه، وهي محمولة على الرواية المقيدة والله أعلم. " وروى عطاء عن ابن عباس ﵄ قال:""رأى محمد ﷺ ربه مرتين " " وهذه الرواية مقيدة بما جاء في الرواية الأخرى:""بفؤاده مرتين " ١. " ورُوي عن أحمد ﵀ أنَّه قيل له: بم تجيب عن قول عائشة ﵂:""من زعم أنَّ محمداً قد رأى ربه ... " الحديث؟ قال: بقول النبي ﷺ :""رأيت ربي " "

стр. 265

المروي عن الإمام أحمد ﵀ في هذا الباب مثل ما هو مروي عن ابن عباس ﵁، إمَّا روايات مطلقة، قال فيها: " رأى ربه "، أو روايات مقيدة بفؤاده. وعلى هذا فتحمل الرواية المطلقة على المقيدة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو العارف المستقرئ لكلام الإمام أحمد ـ:""وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده. ولم يقل أحد إنَّه سمع أحمد يقول: رآه بعينه. لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين " ١. " بقول النبي ﷺ :"" رأيت ربي " " إن كان المقصود بهذا حديث ابن عباس الذي استدل به الإمام أحمد في رواية عبدوس فقد سبق الكلام عليه. وإن كان المقصود حديث:""رأيت ربي في أحسن صورة " فهذه رؤية منامية وليست يقظة كما قرر ذلك أهل العلم. يقول ابن القيم ﵀:""وكلام أحمد يصدق بعضه بعضاً، والمسألة رواية واحدة عنه؛ فإنَّه لم يقل بعينه، وإنما قال: " رآه ". واتبع في ذلك قول ابن عباس: " رأى محمد ربه ". ولفظ الحديث:""رأيت ربي " وهو مطلق، وقد جاء بيانه في الحديث الآخر. ولكن في رد الإمام أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي ﷺ إشعار بأنَّه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة، وهي لم تنكر رؤية المنام، ولم تقل: من زعم أنَّ محمداً رأى ربه في المنام فقد أعظم على الله الفرية. وهذا يدل على أحد أمرين: إمَّا أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية؛ إذ هو مخالف للحديث. وإمَّا أن يكون رواية عنه بإثبات الرؤية، وقد صرح بأنَّه رآه

стр. 266

رؤيا حلم بقلبه، وهذا تقييد منه للرؤية، وأطلق عنه بأنَّه رآه، وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية، واستحسن قول من قال: رآه ولا يقول بعينه ولا بقلبه. وهذه النصوص عنه متفقة لا مختلفة، وكيف يقول أحمد: " بعيني رأسه يقظة "، ولم يجد ذلك في حديث قط. فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت، وإنكاره قول من قال: لم يره أصلاً، لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينه، والله أعلم " ١. " وفي حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال:""فرجعت إلى ربي وهو في مكانه " والحديث بطوله مخرج في الصحيحين، والمنكر لهذه اللفظة راد على الله ورسوله " ورد هذا في صحيح البخاري ٢ في سياق تردد النبي ﷺ بين موسى وبين الله ، لكن بلفظ:""فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه يا رب خفف عنا ". والضمير في قوله: " وهو مكانه " يعود إلى النبي الكريم ﷺ ، أي: في مكانه الذي أوحى الله إليه فيه قبل نزوله إلى موسى عليهما الصلاة والسلام ٣. وهذا السياق ـ كما هو واضح ـ ليس فيه ما يدل على أنه ﷺ رآه. " والمنكر لهذه اللفظة راد على الله ورسوله " نعم المنكر لهذه اللفظة ـ حسبما هو ثابت في الصحيح ـ راد على الله ورسوله؛ لأنها ثابتة فلا يجوز ردها، لكن ليس فيها ما يدل على أنَّ النبي ﷺ رأى ربه.

стр. 267

وعلى هذا فليس فيما استدل به المصنف ﵀ شيء صريح في الدلالة على أنَّ النبي ﷺ رأى ربه. والتحقيق أنَّه ﷺ لم يره، وأنَّ رؤية الله في الدنيا وإن كانت غير ممتنعة إلا أنَّه اقتضت حكمته أن تكون يوم القيامة في دار الجزاء، كما قال رسول الله ﷺ :""إنَّكم لن تروا ربكم حتى تموتوا " ١. ونسأل الله جل وعلا أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة بمنه وكرمه.

стр. 268

[إثبات الشفاعة] ثبتت الشفاعة في نصوص كثيرة وأحاديث عديدة عن رسول الله ﷺ . والإيمان بها هو من جملة الإيمان بالأمور المغيبة، كالصراط والحوض والدواوين والميزان وغير ذلك من أحوال يوم القيامة وأموره التي دل عليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والإيمان بذلك كلِّه من الإيمان بالغيب الذي امتدح الله أهله بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ١ أي: الذين يؤمنون بما غاب عنهم مما أخبرتهم به رسل الله. والشفاعة في اللغة مأخوذة من الشفع: وهو ضد الوتر، وسميت بذلك لضم الشافع دعاءه إلى المشفوع له؛ فالمشفوع له دعا لنفسه، ثم دعا له الشافع فكان ذلك شفعاً. وعليه يكون تعريف الشفاعة: طلب الخير للغير. والشفاعة التي تكون يوم القيامة أنواع عديدة، منها ما هو مختص بالنبي الكريم ﷺ ، ومنها ما هو عام له وللأنبياء والصالحين من عباد الله. فأما الشفاعات المختصة بالنبي ﷺ ، فهي: ١ـ الشفاعة العامة أو الشفاعة الكبرى: وهذه الشفاعة لا ينكرها أحد من المنتسبين إلى الإسلام، وهي شفاعة النبي ﷺ لأهل الموقف عندما يقفون قياماً لله رب العالمين ينتظرون الجزاء والحساب، وتدنو الشمس من الخلائق ولا يدري كلُّ واحد منهم ما مآله وما مصيره، فلما يطول مكثهم ويشتد تعبهم يأتون إلى الأنبياء يطلبون منهم أن يشفعوا عند الله بأن يبدأ بالحساب، فيأتون آدم فيعتذر ويحيلهم إلى نوح، فيعتذر ويحيلهم إلى إبراهيم، فيعتذر ويحيلهم إلى موسى، فيعتذر ويحيلهم إلى عيسى، فيعتذر ويحيلهم إلى نبينا محمد ﷺ فيقول: أنا لها. ثم يسجد

стр. 269

لله ﵎ تحت العرش، ويعلمه الله حينئذ من محامده وحسن الثناء عليه ما لا يعلمه حال حياته ﷺ ، فيحمد الله ويثني عليه، فيقول الله له: ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع. وحينئذ يجيء الرب بنفسه تعالى لفصل القضاء، وهذا من تمام عدله كما قال سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ ١. وهي التي يغبطه عليها الأولون والآخرون من الخلائق لما فيها من بيان فضله ﷺ على الناس كلِّهم في ذلك الموقف العظيم، وأنَّه أفضل عباد الله، وسيد ولد آدم، الشافع المشفع. وهي المقام المحمود المذكور في قول الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ ٢. ٢ـ الشفاعة لأهل الجنة بأن يدخلوها: وهي أيضاً خاصة بالنبي ﷺ ، فهو أول من يستفتح باب الجنة فيفتح له. وأول الداخلين من الأمم أمته ﷺ ، كما قال ﷺ : " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة " ٣. وهذا أيضاً فيه بيان فضله وعظيم مكانته ﷺ . ٣ـ شفاعته لعمه أبي طالب بأن يخفف عنه العذاب: وأبو طالب من الكفار من أهل النار، لكنه على كفره نصر النبي ﷺ ، واجتهد النبي ﷺ في هدايته وحرص على إسلامه، فأنزل الله في ذلك قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٤. وهذه الشفاعة خاصة بأبي طالب؛ فإنَّ الكفار لا تنفعهم الشفاعة، كما أخبر

стр. 270

الله جل وعلا: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ١، ويستثنى من هذا شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب بأن يخفف عنه العذاب مع بقائه في النار. وأما الشفاعات العامة وهي التي تكون من النبي ﷺ وغيره من الملائكة والصالحين من عباد الله، فهي: ١ـ الشفاعة لمن دخل الجنة: بأن تُرفع درجته فيها وتعلو فوق ما كان يقتضيه ثواب عمله. ٢ـ الشفاعة لمن استحق النار: بأن لا يدخلها. ٣ـ الشفاعة لمن دخل النار: بأن يخرج منها. وهذان القسمان الأخيران خاصان بعصاة الموحدين. وهذه الشفاعات لا تكون إلا بشرطين، دل عليهما كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وهما: الأول: إذن الله للشافع، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٢، فلا يمكن أن تكون شفاعة يوم القيامة إلا بإذن الله، ولا يمكن أن يشفع أحد بين يدي الله إلا إذا أذن الله له. الثاني: رضا الله ﵎ عن المشفوع له. ولا يرضى سبحانه إلا عن أهل التوحيد،قال جل وعلا: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٣، وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٤. وقد جُمع هذان الشرطان في غير آية، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٥ فذكر الشرطين: الإذن والرضا. وقد اقتصر المصنف ﵀ على نوعين من الشفاعة: الشفاعة

стр. 271

الكبرى وهي من القسم المختص بالنبي ﷺ . والشفاعة لعصاة الموحدين وهي من القسم العام، فقال: " ويعتقد أهل السنة ويؤمنون أنَّ النبي ﷺ يشفع يوم القيامة لأهل الجمع كلهم شفاعة عامة، ويشفع في المذنبين من أمته فيخرجهم من النار بعدما احترقوا " ثم شرع ﵀"يسوق الأدلة عليها، فقال: " كما روى أبو هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال:""لكلِّ نبي دعوة يدعو بها، فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة " " في هذا الحديث دلالة على أنَّ لكلِّ نبي دعوة مستجابة، وأنَّ الأنبياء تعجلوا دعواتهم في الدنيا، وأنَّه ﷺ اختبأ هذه الدعوة لأمته يوم القيامة. وقد ذكر بعض أهل العلم أنَّ هذه هي الشفاعة العظمى التي يغبطه عليها الأولون والآخرون. وقيل: غير ذلك. وفعله هذا من تمام نصحه وشفقته وحرصه على أمته ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١. ثم أورد المصنف ﵀ حديث أبي هريرة المبين للأسباب التي تنال بها الشفاعة فقال: " وروى أبو هريرة ﵁ أنَّه قال:""قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لِمَا رأيت من حرصك على الحديث. إنَّ أسعد الناس بشفاعتي

стр. 272

يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قبل نفسه " رواه البخاري " " من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ " أي: من أحظاهم وأولاهم بها، ومن هو الأكثر استحقاقاً لها؟ وفي هذا السؤال من أبي هريرة ﵁ دلالة على اهتمام الصحابة بهذا الأمر وعنايتهم به، فهم يعرفون قدر شفاعة النبي ﷺ ومكانتها، وكلُّهم يرغب في نيلها، حريصون على معرفة الأسباب التي تنال بها؛ لأنهم يدركون أنَّ أسبابها شرعية، لا يمكن أن تعرف إلا من طريق النبي ﷺ . ولهذا سألوه مثل هذا السؤال. وينبغي لكلِّ عبد عرف قدر الشفاعة أن يعتني بهذا السؤال؛ لأنَّه إذا عرف الجواب وسلك مسلكه: سلم من الأباطيل التي ضل فيها أقوام ـ من هذه الأمة ومن الأمم السابقة ـ عندما انحرفوا في مفهوم الشفاعة، كما قال ﵎: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١. ولهذا ترى أناساً يطلبون الشفاعة من النبي ﷺ فيقولون: اشفع لي يا رسول الله. وبعضهم يدعوه مباشرة من دون الله ويسمي عمله هذا شفاعة، كقول بعضهم: مدد يا رسول الله. ومتى كان نيل الشفاعة بالشرك؟! فدعاء غير الله ـ أياً كان ـ يبعد عن رحمة الله ويمنع ثوابه ﵎. قال ﵎: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٢، فهي حق لله لا تطلب إلا منه سبحانه. ومن أراد أن يشفع له أحد عند الله فلا يطلب ذلك إلا من الله. ولهذا فلا ضير على العبد أن يقول: اللهم شفع فيَّ نبيك. أو: اللهم اجعلني ممن يشفع فيهم نبيك. وعليه أن لا يكتف بهذا الدعاء، بل عليه أن يفعل الأسباب التي ينال بموجبها الشفاعة كما هو واضح في هذا السؤال وجوابه

стр. 273

" قال: لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لِمَا رأيت من حرصك على الحديث " في هذا فضيلة لأبي هريرة ﵁، وبيان شدة حرصه على العلم وسؤال النبي ﷺ . كما يؤخذ منه أسلوب نافع في التربية، وهو إعطاء الحريص حقه من التشجيع والترغيب؛ فإنه يزيده حرصاً واهتماماً. والنبي ﷺ إمام في كلِّ شيء: في العلم والتربية والمعاملة وغيرها، وهو الأسوة في كلِّ جانب، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ١. ومع ذلك ترى بعض المهتمين بالتربية يشرِّقون ويغرِّبون في طلب الأساليب التربوية المؤثرة الناجحة، ويتركون هدي النبي ﷺ . وهذا من النقص ووهاء العلم وضعفه، وإلا فالتربية بأروع صورها وأتم أساليبها وأكمل أبوابها عند نبينا ﷺ ، فلا أتم من تربيته، ولا أكمل من هديه، ولا أحسن من أسلوبه. " إنَّ أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة: من قال: لا إله إلا الله خالصاً " هذا هو الجواب، فأهل لا إله إلا الله: محققو التوحيد: المخلصون لله هم أسعد الناس بشفاعة النبيين والصالحين. أمَّا من أخل بالإخلاص وضيَّعه وفرط فيه فلا يستحق الشفاعة، ولا يسعد بها. فمن أراد نيل الشفاعة، فعليه بالإخلاص والعمل بطاعة الله، كما قال النبي ﷺ لربيعة بن كعب الأسلمي لما قال له: أسألك مرافقتك في الجنة قال:""فأعني على نفسك بكثرة السجود " ٢. " من قبل نفسه " أي من قلبه يبتغي بها وجه الرب العظيم سبحانه. ومعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، ففيها نفي العبودية عن كلِّ

стр. 274

ما سوى الله، وإثباتها لله وحده. فلا يكون الإنسان موحداً إلا بتحقيق هذا النفي والإثبات، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا) ١ إذ بالنفي وحده يكون الإنسان ملحداً، وبالإثبات وحده يكون الإنسان مشركاً. وفي هذا الحديث بيان فضيلة كلمة التوحيد وعظم مكانتها، فهي أعظم الكلمات وأفضلها على الإطلاق، وهي أصل الدين وأساس السعادة، وسبيل الفوز في الدنيا والآخرة، كما جاء في مسند الإمام أحمد ٢ عن أبي ذر ﵁ قال: " يا رسول الله أفمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: نعم هي أحسن الحسنات ". وفي حديث الشعب، قال النبي ﷺ :""الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان " ٣. وفي حديث مباني الإسلام: قال رسول الله ﷺ :""إنَّ الإسلام بني على خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت " ٤. وفيه أنَّ كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، لا تنفع صاحبها بمجرد القول، بل لابد من الإتيان بشروطها وضوابطها التي دل عليها كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . قيل لوهب بن منبه ﵀:""أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتِح لك، وإلا لم يُفتَح لك " ٥.

стр. 275

وقيل للحسن البصري ﵀:""إنَّ ناساً يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة. فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة " ١. يشير إلى شروط لا إله إلا الله. ولهذا لم يَكتف النبي ﷺ هنا بقول لا إله إلا الله، بل اشترط الإخلاص ـ وهو الصفاء والنقاء ـ، فلا إله إلا الله لا تقبل من قائلها إلا إذا كان عمله نقياً صافياً، لم يرد به إلا وجه الله ﵎، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٣، وكما في الحديث القدسي:""أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " ٤. وإذا أردت أن تعرف معنى الإخلاص في اللغة فتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ ٥، فاللبن الأبيض النقي الصافي يخرج حين يخرج من بهيمة الأنعام من بين فرث ودم، حتى إنه قيل: إنَّ خروجه من بين الفرث والدم يكون عند الحلب مباشرة، ومع ذلك وصفه الله بأنَّه خالص لا ترى فيه قطرة من دم ولا قطعة من فرث. وقد ذكر العلماء ـ بالاستقراء لنصوص الكتاب والسنة ـ أنَّ لا إله إلا الله لها شروطاً سبعة لا تقبل إلا بها، وهي: ١ـ العلم بمعناها المنافي للجهل.

стр. 276

٢ـ اليقين المنافي للريب. ٣ـ الإخلاص المنافي للشرك والرياء. ٤ـ الصدق المنافي للكذب. ٥ـ المحبة المنافية للبغض والكره. ٦ـ الانقياد المنافي للترك. ٧ـ والقبول المنافي للرد. وهي مجموعة في قول الناظم: علم يقين وإخلاص وصدقك مع ... محبة وانقياد والقبول لها ولكلِّ واحد من هذه الشروط العشرات من الأدلة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . قال الشيخ حافظ الحكمي: وبشروط سبعة قد قيدت ... وفي نصوص الوحي حقاً وردت فإنَّه لا ينتفع قائلها ... بالنطق إلا حيث يستكملها العلم واليقين والقبول ... والانقياد فادر ما أقول والصدق والإخلاص والمحبه ... وفقك الله لما أحبه وقد شرحها ﵀ في كتابه " معارج القبول " شرحاً نافعاً، وذكر دلائل كلِّ شرط من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ١. " وروى حديث الشفاعة بطوله: أبو بكر الصديق، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وأبو موسى عبد الله بن قيس، وأبو هريرة، وغيرهم " وقد نص غير واحد من أهل العلم على أنَّه حديث متواتر عن النبي ﷺ ٢.

стр. 277

[الإيمان بالحوض] " ثم الإيمان بأنَّ لرسول الله ﷺ حوضاً ترده أمته كما صح عنه، وأنَّه كما بين عدن إلى عمان البلقاء، وروي من مكة إلى بيت المقدس، وبألفاظ أخر. ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء " الإيمان بالحوض المورود من جملة الإيمان بالغيب؛ إذ ليس عندنا فيه خبر إلا من خلال النصوص والأدلة، وإنما نؤمن به لورود الخبر الصادق بشأنه، وهذه ميزة أهل الإيمان الذين يؤمنون بالأخبار ويتلقون ما جاءت به الأنبياء بالقبول. أمَّا من سواهم فلا يقبلون ذلك ولا يؤمنون به. " ثم الإيمان بأنَّ لرسول الله ﷺ حوضاً ترده أمته " أي: من عقيدة أهل السنة: الإيمان بالحوض المورود، وبكلِّ صفة له ثبتت في سنة النبي ﷺ ". " كما صح عنه " الحديث في الحوض صح عن النبي ﷺ ، بل هو حديث متواتر كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم ١، بل إنَّ عدد الصحابة الذين رووا أحاديث الحوض يزيدون عن خمسين صحابياً، بل عدهم بعضهم زيادة على الستين ٢. وقد دلت السنة على أنَّه مربع الشكل، طوله وعرضه: شهر، وطعم مائه: أحلى من العسل، ولونه: أبيض من اللبن، ورائحته: أطيب من ريح المسك، وعليه كيزان كنجوم السماء في الجمال والكثرة، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً. قال النبي ﷺ :""حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من

стр. 278

الورق، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبداً " ١. وقال ﷺ :""ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل " ٢. وقد أشار المصنف ﵀ إلى بعض صفاته، فقال: " وأنَّه كما بين عدن إلى عمان البلقاء " أي: المسافة بين طرفيه كما بين اليمن وعمان الأردن. " وروي من مكة إلى بيت المقدس، وبألفاظ أخر " والمسافة بين عدن وعمان أكبر من المسافة بين مكة وبيت المقدس، ولذا استشكله بعض أهل العلم، لكن الجمع بينهما متيسر؛ لأنَّ المسافة الأقل داخلة في المسافة الأكثر. وحمله بعضهم على اختلاف السير من حيث قوته وضعفه ٣. " ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء " سبقت الإشارة إلى هذه الصفات. ثم ذكر المصنف ﵀ عدداً ممن روى حديث الحوض عن النبي ﷺ فقال: " رواه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبي بن كعب، وأبو ذر، وثوبان مولى رسول الله ﷺ ، وأبو أمامة الباهلي، وبريدة الأسلمي " فذكر بعضهم، وإلا فإنَّ رواة حديث الحوض يتجاوزون الخمسين وقيل الستين صحابياً كما سبق. وإذا آمن العبد بهذا الحوض العظيم وبصفاته فلاشك أنَّ قلبه يحصل فيه

стр. 279

شوق عظيم ورغبة شديدة في أن يكون من هؤلاء الذين يسعدون ويهنؤن بالشرب من هذا الماء. وإذا حصل في نفسه مثل هذا الشعور فعليه أن يعرف أنَّ أناساً يذادون عنه ويحرمون منه، كما قال النبي ﷺ :""ليردن عليَّ ناس من أصيحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: أصحابي. فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك " ١. فعلى المؤمن أن يقف متأملاً عند هذه الكلمة: " لا تدري ما أحدثوا بعدك " ليعلم خطورة الإحداث في الدين، ومخالفة طريقة سيد الأنبياء والمرسلين ﷺ ، وأنها مستوجبة الحرمان من هذه المكرمة العظيمة. والذين يذادون عن الحوض هم المرتدون، كما جاء في بعض الروايات:""إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى " ٢. وقيل: إن الذين يذادون هم المنافقون الذين كانوا يتظاهرون بالإيمان ويبطنون الكفر. وقد وُجد أقوام انتكست أفهامهم رأساً على عقب ـ وهم الروافض قاتلهم الله أنى يؤفكون ـ فادعوا ظلماً وزوراً أنَّ المعنيين بالذود عن الحوض هم أصحاب النبي ﷺ الذين منَّ الله عليهم بصحبته ورؤيته وسماع حديثه منه، ونصرة دينه والمدافعة عنه، وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم، حتى إنَّ هؤلاء الحمقى في بعض كتبهم يستغربون من رواية أهل السنة لهذا الحديث في كتبهم. وهذا منهم ضلال على ضلال، وعدوان على عدوان، وجهل متراكم، وإلا فقد دل الحديث على أنَّ الصحابة هم أولى الناس وأحقهم بالشرب من الحوض؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: " لا تدري ما

стр. 280

أحدثوا بعدك " وهم ـ بحمد الله ـ ليسوا كذلك، وحاشاهم من ذلك، قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ ١ هذا هو شأنهم، والتبديل إنما وُجد فيمن بعدهم. فهم أعظم الناس مراعاة للسنة وتقيداً بها وبعداً عن البدع، بل لم يتعلم الناس السنة ولم يعرفوها إلا من طريقهم. فإذا حُكِم على هؤلاء الأخيار بأنهم مُحْدِثون فمن أين للناس أخذ الدين وتلقيه؟! ولهذا فإنَّ الطعن في الصحابة طعن في الدين ذاته، كما قال أهل العلم: الطعن في الناقل طعن في المنقول. يقول أبو زرعة الرازي:""إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة " ٢. ولهذا فإنَّ أهل السنة إذا صح الإسناد عندهم وجُهِل الصحابي لم يؤثر ذلك في صحة الحديث؛ لأنَّ الصحابة كلَّهم عدول بشهادة الله لهم، وبشهادة رسوله ﷺ ، وبإجماع الأمة على خيريتهم وفضلهم، فهم أولى الناس دخولاً في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٣. وقال النبي ﷺ :""خير الناس قرني " ٤.

стр. 281

تركت عجائز بالمدينة ما تصلي واحدة منهنَّ صلاة إلا سألت ربها أن يوردها حوض محمد ﷺ " ١. فأسال الله لنا جميعاً ذلك، وأن يسقينا منه بمنه وكرمه.

стр. 282

[الإيمان بعذاب القبر] " والإيمان بعذاب القبر حق واجب وفرض لازم، رواه عن النبي ﷺ علي بن أبي طالب، وأبو أيوب، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو بكرة، وأبو رافع، وعثمان بن أبي العاص، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وعائشة زوج النبي ﷺ ، وأختها أسماء، وغيرهم " بدأ المصنف ﵀ بذكر الشفاعة والحوض ثم رجع إلى عذاب القبر وفتنته، وهو بهذا لم يراع الترتيب، ولذا عطفه بالواو ـ بخلاف ما سبق ـ فإنه ذكر الإيمان بالشفاعة ثم عطف عليه الإيمان بالحوض بـ " ثم " الدالة على الترتيب. والإيمان بعذاب القبر من مسائل الإيمان باليوم الآخر؛ لأنَّ ضابطه الجامع هو: الإيمان بكلِّ ما يكون بعد الموت، مما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وعذاب القبر حق، دل عليه الكتاب العزيز وسنة النبي ﷺ ، فنؤمن به ولا ننكره. أمَّا أرباب العقول الفاسدة الذين لا يؤمنون إلا بما شهدت به عقولهم فإنَّهم يجحدونه، ويبنون ذلك على عقول مجردة، حتى قال بعضهم: حُفِرت بعض القبور فما رأينا شيئاً.

стр. 283

وقد اقتصر المصنف ﵀ على ذكر أدلة السنة ـ وهي متواترة كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم ـ ١، لكن في القرآن آيات تدل عليه، منها قول الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٢، فيعرضون على النار صباحاً ومساءً قبل يوم القيامة، وهذا بلا شك في القبر. وفي الآية دليل على أنَّ عذاب الكفار في القبر مستمر إلى يوم القيامة، وإذا قامت فعذابهم أشد وأبقى. أمَّا عصاة الموحدين من أهل الكبائر فعذابهم على قدر كبائرهم ولا يكون مستمراً. فقد""مرَّ النبي ﷺ مع أصحابه بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، فغرز في كلِّ قبر واحدة. قالوا: يا رسول الله: لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " ٣. وقد اقتضت حكمة الله أن لا يكون عذاب القبر ظاهراً، إذ لو كان ظاهراً لما تدافن الناس، قال ﷺ :""إنَّ هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه " ٤. فإذا عُذِّبَ الميت في قبره صاح صيحة يسمعها كلُّ من يليه إلا الثقلين، قال النبي ﷺ :""ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة

стр. 284

يسمعها من يليه إلا الثقلين " ١. وإنما كان عذاب القبر خفياً لأنَّه لو كان أمراً ظاهراً لما كان الإيمان به إيمان غيب، والإيمان النافع المنجي إنما هو إيمان الغيب. ونعيم القبر ـ أيضاً ـ حق، فالناس بين منعم ومعذب، فالمنعمون هم أهل الإيمان والطاعة، والمعذبون أهل الكفر والعصيان. قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ٢.

стр. 285

[فتنة القبر] " وكذلك الإيمان بمسألة منكر ونكير " بعد أن فرغ المصنف من ذكر عذاب القبر أشار هنا إلى فتنة القبر، وأنَّ الناس يفتنون في قبورهم، فكلُّ عبد يدخل قبره يسأل، ويكون هذا السؤال فور إدراجه قبره والفراغ من دفنه، ولهذا""كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل " ٣. وقد بيَّن لنا النبي ﷺ هذه الأسئلة، وهذا من تمام نصحه لأمته. فالامتحان واقع، والأسئلة محددة. فيأتيه ملكان ويسألانه ثلاثة أسئلة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فأهل الإيمان الذين حققوا هذه الأمور في الدنيا واعتنوا بها يثبتهم الله، وأما الكافر
следующие страницы →