تركت عجائز بالمدينة ما تصلي واحدة منهنَّ صلاة إلا سألت ربها أن يوردها حوض محمد ﷺ " ١. فأسال الله لنا جميعاً ذلك، وأن يسقينا منه بمنه وكرمه.
стр. 282
[الإيمان بعذاب القبر]
" والإيمان بعذاب القبر حق واجب وفرض لازم، رواه عن النبي ﷺ علي بن أبي طالب، وأبو أيوب، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو بكرة، وأبو رافع، وعثمان بن أبي العاص، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وعائشة زوج النبي ﷺ ، وأختها أسماء، وغيرهم "
بدأ المصنف ﵀ بذكر الشفاعة والحوض ثم رجع إلى عذاب القبر وفتنته، وهو بهذا لم يراع الترتيب، ولذا عطفه بالواو ـ بخلاف ما سبق ـ فإنه ذكر الإيمان بالشفاعة ثم عطف عليه الإيمان بالحوض بـ " ثم " الدالة على الترتيب.
والإيمان بعذاب القبر من مسائل الإيمان باليوم الآخر؛ لأنَّ ضابطه الجامع هو: الإيمان بكلِّ ما يكون بعد الموت، مما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وعذاب القبر حق، دل عليه الكتاب العزيز وسنة النبي ﷺ ، فنؤمن به ولا ننكره. أمَّا أرباب العقول الفاسدة الذين لا يؤمنون إلا بما شهدت به عقولهم فإنَّهم يجحدونه، ويبنون ذلك على عقول مجردة، حتى قال بعضهم: حُفِرت بعض القبور فما رأينا شيئاً.
стр. 283
وقد اقتصر المصنف ﵀ على ذكر أدلة السنة ـ وهي متواترة كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم ـ ١، لكن في القرآن آيات تدل عليه، منها قول الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٢، فيعرضون على النار صباحاً ومساءً قبل يوم القيامة، وهذا بلا شك في القبر.
وفي الآية دليل على أنَّ عذاب الكفار في القبر مستمر إلى يوم القيامة، وإذا قامت فعذابهم أشد وأبقى.
أمَّا عصاة الموحدين من أهل الكبائر فعذابهم على قدر كبائرهم ولا يكون مستمراً. فقد""مرَّ النبي ﷺ مع أصحابه بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، فغرز في كلِّ قبر واحدة. قالوا: يا رسول الله: لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " ٣.
وقد اقتضت حكمة الله أن لا يكون عذاب القبر ظاهراً، إذ لو كان ظاهراً لما تدافن الناس، قال ﷺ :""إنَّ هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه " ٤.
فإذا عُذِّبَ الميت في قبره صاح صيحة يسمعها كلُّ من يليه إلا الثقلين، قال النبي ﷺ :""ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة
стр. 284
يسمعها من يليه إلا الثقلين " ١.
وإنما كان عذاب القبر خفياً لأنَّه لو كان أمراً ظاهراً لما كان الإيمان به إيمان غيب، والإيمان النافع المنجي إنما هو إيمان الغيب.
ونعيم القبر ـ أيضاً ـ حق، فالناس بين منعم ومعذب، فالمنعمون هم أهل الإيمان والطاعة، والمعذبون أهل الكفر والعصيان. قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ٢.
стр. 285
[فتنة القبر]
" وكذلك الإيمان بمسألة منكر ونكير "
بعد أن فرغ المصنف من ذكر عذاب القبر أشار هنا إلى فتنة القبر، وأنَّ الناس يفتنون في قبورهم، فكلُّ عبد يدخل قبره يسأل، ويكون هذا السؤال فور إدراجه قبره والفراغ من دفنه، ولهذا""كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل " ٣.
وقد بيَّن لنا النبي ﷺ هذه الأسئلة، وهذا من تمام نصحه لأمته. فالامتحان واقع، والأسئلة محددة.
فيأتيه ملكان ويسألانه ثلاثة أسئلة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فأهل الإيمان الذين حققوا هذه الأمور في الدنيا واعتنوا بها يثبتهم الله، وأما الكافر
стр. 286
والظالم فيضله الله، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ١.
وقد وُفِق شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ توفيقاً عظيماً، ونصح للناس نصحاً بالغاً عندما أفرد هذه الأسئلة الثلاثة في رسالة عمَّ نفعها وشاع ذكرها وانتشرت بين الناس، منهم من حفظها، ومنهم من قرأها غير مرة، ومنهم من درسها مرات، وتُرجمت إلى لغات كثيرة.
ومن نصحه ﵀ وشدة عنايته بهذه الأصول الثلاثة أنَّه كتبها بأكثر من أسلوب، كتبها لطلبة العلم، وكتبها للعوام وللصبيان، كلٌّ باللهجة التي تناسبه، ووقفت على نسخة من الأصول الثلاثة كتبها الشيخ بلهجة العوام، حتى إنَّه كتب: " وإذا قيل: وش ربك؟ قل ربي الله ".
وبعض المبتدعة الذين أعمت البدع قلوبهم يحذرون من هذه الرسالة ويقولون: هذه كتب الوهابية. مع أنها ليس فيها إلا أجوبة هذه الأسئلة التي يسأل عنها كلُّ عبد في قبره، ولم نسمع إلى يومنا هذا أحداً وجَّه انتقاداً علمياً على هذه الرسالة.
وقد جاء في بيان عظم هذه الأصول الثلاثة أحاديث كثيرة، مثل قول النبي ﷺ :""ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً " ٢. وقال ﷺ :""من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غفر له ذنبه " ٣. فعند كلِّ أذان يشرع للعبد أن
стр. 287
يستذكر هذه الأصول الثلاثة.
" منكر ونكير " هما ملكان جاء وصفهما في السنة بأنهما سود الوجوه وزرق العيون، يأتيان العبد في قبره فيقعدانه ويسألانه من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فأمَّا المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، فينعم في قبره. وأمَّا الكافر فلا يحار جواباً، فيضرب بمرزبة من حديد يصيح منها صيحة يسمعها كلُّ من يليه إلا الثقلين.
ومن الأحاديث الواردة في هذا: ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال:""إذا قُبِر الميت ـ أو قال أحدكم ـ أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر والآخر: النكير. فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا ... " ١.
стр. 288
[الإيمان بالجنة والنار]
" والإيمان بأنَّ الجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً، خلقتا للبقاء لا للفناء، وقد صح في ذلك أحاديث عدة "
الإيمان بالجنة والنار هو من الإيمان باليوم الآخر، ومن الإيمان بالجنة والنار: الإيمان بكلِّ أوصافهما وكلِّ ما فيهما مما ثبت في القرآن والسنة.
" والإيمان بأنَّ الجنة والنار مخلوقتان " أي: مخلوقتان موجودتان الآن، فالجنة معدة والنار معدة. والدلائل على وجودهما كثيرة جداً، منها: قوله
стр. 289
تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١، وقوله عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٢، ومعنى أعدت أي: هُيئت ووجدت.
ومنها: قول النبي ﷺ :"" فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة " ٣. وهذا دليل على أن الجنة فوق السماوات، وفوقها عرش الرحمن.
ومنها: ما رواه ابن عباس ﵁ قال:""انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى ... قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً في مقامك، ثم رأيناك كعكعت. قال رسول الله ﷺ : إني رأيت الجنة فتناولت عنقوداً، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. وأريت النار، فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع " ٤. هذا عنقود واحد!! ولهذا يقول ابن عباس ﵄:""ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء " ٥ أي أنَّ الحقائق مختلفة والنعيم متباين.
ومنها: قول النبي ﷺ :""الحمَّى من فيح جهنم " ٦.
ومن الحكم الظاهرة في وجود الجنة والنار: أنَّ أهل الإيمان عندما يعلمون أنَّ الجنة موجودة بنعيمها والنار بعذابها يعظم استعدادهم للجنة ويشتد خوفهم من النار.
وقد خالف في هذا المعتزلة، وتعاملوا مع المسألة بعقولهم القاصرة وأفهامهم الحقيرة، فقالوا: لا وجود للجنة والنار الآن، وإنما تخلقان يوم القيامة إذ لا حاجة للعباد بهما إلا في يوم القيامة.
стр. 290
" لا تفنيان أبداً " وهذا من عقيدة أهل السنة: أنَّ الجنة والنار لا تفنيان، بل باقيتان.
" خلقتا للبقاء لا للفناء، وقد صح في ذلك أحاديث عدة " ولهذا فإنَّ الحور العين والغلمان الذين في الجنة لا يشملهم الصعق الذي يكون يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ١.
هذا هو قول أهل السنة والجماعة في الجنة والنار: أنهما لا تفنيان. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ ٢.
وهناك قول نُسِب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ـ رحمهما الله ـ وهو"أنَّ النار تفنى ولا تبقى، لكن من يطالع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أنَّه يقرر بوضوح أنَّ النار لا تفنى، وقد جمع غير واحد من الباحثين نصوصاً كثيرة فيها تصريحه ﵀ بأنها لا تفنى.
وكذلك ابن القيم ﵀ جاءت عنه نصوص مجملة، وأخرى واضحة في أنَّها لا تفنى. ومن أوضح كلامه في هذا قوله:""ولما كان الناسُ على ثلاث طبقات: طيب لا يشينه خبث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب كانت دورهم ثلاثة: دار الطيب المحض، ودار الخبث المحض، وهاتان الداران لا تفنيان. ودار لمن معه خبث وطيب وهي الدار التي تفنى وهي دار العصاة " ٣، وهذا كلام مفصَّل صريح في بقاء نار الكفار وأنَّها لا تفنى، فيجب حمل كلامه المجمل على هذا الكلام المفصل
стр. 291
[الإيمان بالميزان]
" والإيمان بالميزان، قال الله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ "
ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالموازين التي توضع لوزن أعمال الناس يوم القيامة. وقد جاء في ذكره آيات وأحاديث عديدة، وقد اقتصر المصنف ﵀ على ذكر دليل واحد، وهو قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ١.
وقد جاء ما يدل على أنَّ الوزن يوم القيامة بمثاقيل الذر، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ٢. فمهما صغر العمل ودق فإنَّه يؤتى به يوم القيامة ويوزن، قال الله ﵎: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ٣.
كما دلت النصوص أيضاً على أنَّ الأشخاص وأعمالهم وصحائفهم كلَّها توزن يوم القيامة.
وإذا آمن العبد بالميزان وأنَّه ميزان حقيقي له كفتان، توضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، وكلُّ عملٍ عملَه في هذه الحياة يوزن، إذا آمن بذلك إيماناً جازماً فإنه لا ريب سيزداد إقباله على الحسنات، ويشتد بعده عن السيئات.
وقد أنكرت المعتزلة الميزان فلا يؤمنون به، ولا يعبأون بأدلته الواضحة الصريحة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
стр. 292
[مسائل الإيمان]
" والإيمان بأنَّ الإيمان قول وعمل ونية، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ، وقال : ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ، وقال : ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ "
ذكر المصنف ﵀ هنا خلاصة مفيدة وإيجازاً نافعاً يتعلق بقول أهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان وأمور متعلقة به.
والإيمان هو أجل المقاصد وأعظم المطالب وأنبل الغايات، وحاجة الناس إليه وضرورتهم إلى العلم به وتطبيقه أعظم الضرورات، بل ليس للناس حاجة في هذه الحياة مثل حاجتهم إلى الإيمان بالله وبما أمر الله ﵎ عباده بالإيمان به؛ فإنَّ حياة الناس الحقيقية في الدنيا والآخرة إنما تكون بذلك، قال الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ ١ فالحياة الحقيقية لا تكون ولا تتحقق إلا بالإيمان.
ومن حكمة الله سبحانه وعظيم فضله أنَّ الأمر كلَّما كانت حاجة العباد إليه أعظم، وضرورتهم إليه ألزم كانت سبل نيله وطرائق تحصيله أوضح وأبين وأيسر من غيره. وتأمل هذا في حاجات الناس، فحاجتهم إلى الهواء أعظم من حاجتهم إلى الماء، ولهذا فإنَّ تحصيل الهواء أيسر من تحصيل الماء. وحاجة الناس إلى الماء أعظم من حاجتهم إلى الطعام، ولهذا فإنَّ تحصيل الماء أيسر من تحصيل الطعام. وحاجة الناس إلى الإيمان أعظم من ذلك كلِّه، ولهذا فإنَّ براهين الإيمان ودلائله وحججه أوضح ما يكون لمن منَّ الله عليه بالهداية وشرح صدره للخير، والشواهد عليه أكثر من أن تعد أو تحصى.
стр. 293
وعندما يقع للناس اشتباه فيه، فإنَّه ليس عائداً إلى الإيمان نفسه ولا إلى براهينه الصحيحة، وإنما هو عائد إلى ما يحدثه الناس من آراء واصطلاحات أو نحو ذلك؛ ولهذا فإنَّ كثيراً من الخلافات التي تنشب سببها الاصطلاحات الحادثة، والآراء التي تستجد، فيكون الناس فيها بين أخذ وعطاء وقبول ورد، وينشأ بينهم بسببها شقاق وخلاف.
ولهذا فإنَّ حل النزاع ورفع الاشتباه في هذا وغيره إنما يكون بالرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، كما قال جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١، ولهذا فإنَّ من جميل صنيع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما بيَّن الإيمان في كتابه الفريد الفذ " الإيمان "، وتكلم عما نشأ فيه من خلاف وأقاويل بدأه أول ما بدأ بالإشارة إلى أنَّ النزاع الذي حدث ويحدث بين الناس سببه الاصطلاحات الحادثة، فيتخاصم الناس فيها ويختلفون عليها، والطريقة الصحيحة السليمة في جمع القلوب ومعرفة الحق إنما تكون بالعودة إلى الكتاب والسنة، فقال:""ونحن نذكر ما يستفاد من كلام النبي ﷺ مع كلام الله تعالى فيصل المؤمن إلى ذلك من نفس كلام الله ورسوله، فإنَّ هذا هو المقصود، فلا نذكر اختلاف الناس ابتداءً، بل نذكر من ذلك في ضمن بيان ما يستفاد من كلام الله ورسوله ما يبين أنَّ رد موارد النزاع إلى الله وإلى الرسول خير وأحسن تأويلاً، وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة " ٢ ثم أخذ يأتي بالآيات والأحاديث التي فيها تعريف الإيمان، وهذه هي طريقة السلف في الإيمان وغيره، ولو سُلكت واتبعها الناس لما وُجِد خلاف.
وحقيقةً من يراقب حال الناس يرى عند بعضهم اهتماماً بالغاً باصطلاحات
стр. 294
حادثة ويشتد فيها، وإذا سئل عن بعض الأحاديث المهمة في تعريف الإيمان وبيان حده لا يعرفها.
فهناك أحاديث مهمة في تعريف الإيمان وبيان حده، كحديث جبريل"، وحديث وفد عبد القيس، وحديث الشعب وغيرها، ينبغي أن تحفظ وتضبط وتعرف معانيها؛ ليعيش العباد مع نصوص الشريعة، دون زج بهم في مصطلحات حادثة، لا طائل من ورائها ولا ثمرة تقرب إلى الله من تحصيلها إلا زيادة الشقاق وتوسيع الخلاف.
والمصنف ﵀ عرَّف الإيمان في هذا المختصر على طريقة السلف وذكر شيئاً من دلائله وبراهينه بعيداً عن التكلفات والتعقيدات والمصطلحات المتعبة، وبدأ بذكر تعريفه قبل التفاصيل الأخرى وفقاً للقاعدة المشهورة عند العلماء: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فقال:
" والإيمان بأنَّ الإيمان قول وعمل ونية " أي: ومن أمور الاعتقاد: أنَّ الإيمان قول وعمل ونية، وهذا باتفاق السلف ﵏، ليس بينهم خلاف في ذلك. وإن اختلفت عباراتهم في بعض الأحيان إلا أن المؤدى واحد. فقال بعضهم: الإيمان قول وعمل. وقال بعضهم: قول وعمل واعتقاد. وقال بعضهم: قول وعمل ونية. وقال بعضهم: قول وعمل ونية واتباع.
فمن قال: الإيمان قول وعمل. عنى بالقول قول القلب، وهو الاعتقاد الحق الصحيح المتلقى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وقول اللسان: وهو النطق بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله؛ لأنَّ القول إذا أُطلق في النصوص شمل قول القلب الذي هو الاعتقاد، وقول
стр. 295
اللسان الذي هو النطق. كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ١، أي: قولوا ذلك بقلوبكم وألسنتكم. وكذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ ٢، ونظائرهما. ولا يكون القول خاصاً بقول اللسان إلا إذا قيد كما في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ٣.
وعنى بالعمل: عمل القلب، وذلك بأن يأتي العبد بقلبه بأعمال الإيمان، مثل الحياء والتوكل والرجاء والخوف والإنابة وغير ذلك. وعمل اللسان: مثل التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعمل الجوارح: مثل الصلاة والصيام والحج والجهاد.
ولما كان دخول الاعتقاد في القول لا يظهر لكل أحد، نص بعض السلف عليه عند التعريف فقالوا: الإيمان قول واعتقاد وعمل. وقال بعضهم: الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح.
ومن زاد النية ـ كقول المصنف ـ فإنما زادها لتوقف قبول الأعمال عليها. ومن لم يذكرها فهي داخلة في كلامه؛ لأنَّ مراده بالعمل: العمل القائم على نية صالحة، كما قال ﷺ :""إنما الأعمال بالنيات " ٤.
وكذلك من زاد اتباع السنة فإنما زاده تنبيهاً على اشتراطه لقبول الأعمال، كما قال ﷺ :""من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " ٥.
هذا هو تعريف الإيمان في الشرع، ودخول القول والعمل والنية في الإيمان عليه دلائل كثيرة من الكتاب والسنة، وهي مبسوطة في كتب أهل العلم، وسيشير المصنف ﵀ إلى شيء منها.
стр. 296
أما تعريفه في اللغة فهو مشتق من الأمن وهو بمعنى القرار والإقرار، وكلاهما يعطي معنى الطمأنينة والثقة. ولهذا فإنَّ أحسن ما يعرف به الإيمان لغة هو الإقرار، وهو ما اختاره وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
أما التصديق فليس مرادفاً للإيمان، بل الإيمان: تصديق وقدر زائد عليه، وهو الإذعان وانقياد القلب؛ فإنَّ العبد قد يكون مصدقاً ولا يكون مقراً ولا مؤمناً، كما قال أبو طالب:
ولقد علمت بأنَّ دين محمد ... من خير أديان البرية ديناً
لولا الملامةُ أو حِذارُ مَسَبَّةٍ ... لرأيتني سمحاً بذاك مبيناً
فهو مصدِّق أنَّ الدين حق لكنه لم يوجد عنده الإذعان فلم يكن مؤمناً.
وللإيمان ـ عند السلف ـ شعب وأجزاء، منها ما هو متعلق بالقلب، ومنها ما هو متعلق باللسان، ومنها ما هو متعلق بالجوارح. كما أنَّ للإيمان أصلاً وفرعاً،قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ ١ فشبَّه الإيمان وكلمته بالشجرة التي لها أصل وفرع وثمار، وللإيمان كذلك أصل وفرع وثمار.
فالاعتقاد الراسخ والإيمان الجازم هو أصل الإيمان الذي عليه يبنى ويقوم. وفروعه: الأعمال الصالحة والطاعات الزاكية والقربات العظيمة التي يتقرب بها المؤمنون إلى الله تعالى. وثماره: كلُّ خير وفضل يناله العبد في الدنيا وفي الآخرة.
وأمور الإيمان التي يتركب منها على ثلاثة أقسام:
١ـ قسم يزول الإيمان بزواله، ومن ذلك أصول الإيمان الستة، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ ٢.
стр. 297
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١.
٢ـ وقسم يزول بزواله كمال الإيمان الواجب، ومن ذلك قول النبي ﷺ :""لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن " ٢. فليس المنفي هنا أصل الإيمان كما يقوله الخوارج والمعتزلة، وإنما هو كمال الإيمان الواجب؛ لأنَّه واجب على كلِّ مسلم أن يبتعد عن الزنا. وهكذا القول في بقية الأمور المذكورة في الحديث.
٣ـ وقسم يزول بزواله كمال الإيمان المستحب، كما في قول النبي ﷺ :"" الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من"الإيمان " ٣. فعدَّ النبي ﷺ إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، لكن من ترك إماطة الأذى فقد نقص إيمانه المستحب؛ لأنَّه ليس أمراً واجباً، بل هو أمر مستحب وأجره عند الله عظيم وثوابه جزيل، وهو من موجبات مغفرة الذنوب ودخول الجنة، كما قال رسول الله ﷺ : ""بينما رجل يمشي بطريق، وجد غصن شوك على الطريق، فأخَّره، فشكر الله له، فغفر الله له " ٤. ولهذا إذا قيل عن أمر من أمور الإيمان إنه مستحب لا يعني هذا أن يستهين به العبد، فإنه قد ينجو به من النار.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ في بيان هذا التقسيم ـ:""وهو مركب من
стр. 298
أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصاً يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة " ١.
وقد خالف أهل السنة في مسمى الإيمان إجمالاً طائفتان:
١ـ طائفة ترى أنَّ الإيمان قول واعتقاد وعمل، إلا أنهم يعتقدون أنَّ الإيمان كلٌّ واحد لا يتجزأ، إذا ذهب بعضه ذهب كلُّه، ويخرج العبد من الإيمان بارتكابه الكبيرة أو فعله المعصية. وهذا هو مذهب الخوارج والمعتزلة. وزاد الخوارج الحكم بدخوله في الكفر، ويوم القيامة يكون مخلداً في النار. وقالت المعتزلة: بل يبقى في منزلة بين المنزلتين، ويوم القيامة يكون مخلداً في النار.
٢ـ وطائفة أخرجوا العمل من مسمى الإيمان، وهم المرجئة، وإنما سُمُّوا بذلك لأنهم أخروا العمل عن مسمى الإيمان، والإرجاء في اللغة التأخير، كما قال الله ﵎: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ ٢ أي: أخِّرْه. وهم على أقسام:
أـ فمنهم من يرى أنَّ الإيمان هو مجرد المعرفة، وهم الجهمية.
ب ـ ومنهم من يرى أنَّ الإيمان هو مجرد التصديق، وهم الأشاعرة.
ج ـ ومنهم من يرى أنَّ الإيمان هو القول فقط، وهم الكرامية.
د ـ ومنهم من يرى أنَّ الإيمان قول واعتقاد، وهم مرجئة الفقهاء.
فهؤلاء جميعاً يشملهم اسم الإرجاء لتأخيرهم العمل عن مسمى الإيمان، إلا أنهم ليسوا على درجة واحدة فيه، بل أحسنهم حالاً القسم الأخير، وقولهم هذا مع كونه أخف حالاً من غيره إلا أنَّه باطل مخالف لأدلة لا تعد ولا تحصى من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ دالةٍ على دخول العمل في مسمى الإيمان.
стр. 299
[زيادة الإيمان ونقصانه]
" يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية " مما امتن الله به على أهل السنة والجماعة وميزهم به، وفارقوا فيه كلَّ الطوائف الضالة قولهم: بأنَّ الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنَّ أهله ليسوا فيه سواء، بل يتفاوتون فيه تفاوتاً عظيماً، فإذا أقبل العبد على طاعة ربه وحافظ عليها زاد إيمانه، وإذا غفل عن ذكره أو اقترف شيئاً من المعاصي نقص إيمانه بحسب ذلك.
وزيادة الإيمان ونقصانه تكون من أوجه كثيرة، أوصلها شيخ الإسلام ابن تيمية في "كتاب الإيمان " ١ إلى تسعة أوجه، هي في الجملة راجعة إلى وجهين: زيادة الإيمان من جهة أمر الرب، وزيادة الإيمان من جهة فعل العبد ٢.
والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه كثيرة، ذكر المصنف ﵀ طرفاً منها، فقال: " قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ، وقال : ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ، وقال : ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ " فهذه الآيات صريحة في أنَّ الإيمان يزيد، وهي أحد أنواع الأدلة الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه.
ومن يتأمل القرآن الكريم يجد أنَّه دلَّ على زيادة الإيمان ونقصانه من خلال أنواع كثيرة، منها هذا النوع الذي أشار إليه المصنف وهو: التصريح بزيادة الإيمان.
ومنها: التصريح بزيادة الهدى، والهدى من الإيمان، قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ٣.
стр. 300
ومنها: التصريح بزيادة الخشوع، والخشوع من الإيمان، كقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ ١.
ومنها: أمر المؤمنين بالإيمان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ ٢، وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ ٣ فهذا أمر للمؤمنين بالإيمان، والأمر بالشيء لمن هو قائم به أمر بالزيادة منه والمحافظة عليه والعناية به.
ومنها: ذكر تفاضل درجات أهل الإيمان في الآخرة، كقوله ﵎: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ ٥ والتفاضل في درجات الجنة وثواب الآخرة إنما هو لتفاضل أهل الإيمان في إيمانهم.
ومنها: إخبار الله ﵎ بأنَّ أهل الإيمان على طبقات، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٦ فذكر تعالى الظالم لنفسه وهو الذي وقع في بعض الذنوب بترك بعض الواجبات أو الوقوع في بعض المعاصي والمحرمات التي هي دون الشرك، ثم المقتصد وهو الذي فعل الواجبات وترك المحرمات، ثم السابق بالخيرات وهو الذي فعل الواجبات وترك المحرمات والمكروهات ونافس في فعل المستحبات. وهؤلاء بلا ريب ليسوا على درجة واحدة في الإيمان، ولا شك أن الظالم لنفسه أنقص إيماناً من المقتصد، والمقتصد أنقص إيماناً من السابق بالخيرات.
стр. 301
فأنواع الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه في الكتاب والسنة كثيرة جداً، وللسلف من الصحابة والتابعين ومن اتبعهم بإحسان أقوال كثيرة أيضاً في تقرير ذلك، منها: قول عمير بن حبيب الخطمي ﵁:""الإيمان يزيد وينقص. فقيل له: فما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا ربنا وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه " ١. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يقول بعضهم لبعض:""اجلس بنا نؤمن ساعة " ٢ أو""قم بنا نزداد إيماناً " ٣.
وإذا تقرر عند العبد أنَّ الإيمان يزيد وينقص فلابد له"أن يعرف أسباب زيادته ليحرص على تطبيقها والعمل بها، وأن يعرف أسباب نقصانه ليحذرها ويجتنبها.
ومن أهم أسباب زيادة الإيمان:
١ـ معرفة الله ومعرفة أسمائه وصفاته.
٢ـ تدبر كتاب الله.
٣ـ معرفة سيرة النبي الكريم ﷺ وسنته.
٤ـ قراءة سير الصحابة الأبرار والسلف الأخيار.
٥ـ التأمل في آيات الله الكونية.
٦ـ البعد عن المعاصي، والجد في فعل الطاعات.
٧ـ مرافقة أهل الخير ومصاحبتهم.
стр. 302
وأما أهم أسباب نقص الإيمان وضعفه، فهي ترجع إلى قسمين:
١ـ أمور ترجع إلى الإنسان نفسه، ومن أهمها:
النفس الأمارة بالسوء، والجهل بالدين، والغفلة والإعراض.
٢ـ مؤثرات خارجية، ولعلها ترجع إلى ثلاثة:
الشيطان: وهو أعظم دعاة إنقاص الإيمان وإضعافه وإذهابه. وقرناء السوء وخلطاء الشر والفساد. والدنيا بفتنها ومغرياتها. ويمكن أن نضيف أمراً آخر استجد في زماننا هذا ألا وهو القنوات الفضائية، فهي وإن كانت داخلة فيما سبق إلا أنها يتعين التنصيص عليها لشدة خطورتها ولفداحة أضرارها وأخطارها.
" وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:""الإيمان بضع وسبعون، ـ وفي رواية بضع وستون ـ شعبة، والحياء شعبة من الإيمان ". ولمسلم وأبي داود:""فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " "
هذا الحديث مشهور عند أهل العلم بحديث الشعب، وللعلماء عناية فائقة به، حتى أفرده بعضهم في مصنف، كما فعل البيهقي ﵀ في كتابه: " شعب الإيمان "، وقبله الحليمي، وابن حبان.
" الإيمان بضع وسبعون، وفي رواية بضع وستون شعبة " من أهل العلم من يرى أنَّ هذا العدد لا مفهوم له وأنَّ المراد التكثير، قالوا: وهذا كثير في لغة العرب لاسيما في العدد سبعة وما تضاعف منها.
ومنهم من يرى أنَّ العدد مقصود، وأنَّ المراد أنَّ عدد شعب الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون. وقد اعتنى عدد منهم بجمع هذه الشعب وذكر
стр. 303
أدلتها، وتفاوتت مناهجهم في جمعها، وأعجب طريقة مرت عليَّ في مناهج من جمعها هي طريقة ابن حبان البستي ﵀، حيث قال:""تتبعت معنى الخبر مدة، وذلك أنَّ مذهبنا أنَّ النبي ﷺ لم يتكلم قط إلا بفائدة، ولا من سننه شيء لا يعلم معناه، فجعلت أعد الطاعات من الإيمان، فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئاً كثيراً، فرجعت إلى السنن فعددت كلَّ طاعة عدها رسول الله ﷺ من الإيمان فإذا هي تنقص من البضع والسبعين، فرجعت إلى ما بين الدفتين من كلام ربنا، وتلوته آية آية بالتدبر، وعددت كلَّ طاعة عدها الله جل وعلا من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت الكتاب إلى السنن، وأسقطت المعاد منها، فإذا كلُّ شيء عدَّه الله جل وعلا من الإيمان في كتابه، وكلُّ طاعة جعلها رسول الله ﷺ من الإيمان في سننه تسع وسبعون شعبة، لا يزيد عليها ولا ينقص منها شيء، فعلمت أنَّ مراد النبي ﷺ كان في الخبر أنَّ الإيمان بضع وسبعون شعبة في الكتاب والسنن، فذكرت هذه المسألة بكمالها بذكر شعبه في كتاب " وصف الإيمان وشعبه " بما أرجو أنَّ فيها الغنية للمتأمل إذا تأملها، فأغنى عن تكرارها في هذا الكتاب " ١.
وللحافظ ابن حجر كلام مختصر جميل في عد هذه الشعب بدون ذكر للأدلة، استخلصه مما أورده أهل العلم من هذه الشعب، فقال:""ولم يتفق من عد الشعب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان، لكن لم نقف على بيانها من كلامه، وقد لخصت مما أوردوه ما أذكره: وهو أن هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب وأعمال اللسان وأعمال البدن. فأعمال القلب فيه المعتقدات والنيات، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة: الإيمان بالله
стр. 304
ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأنَّه ليس كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه ١. والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره. والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه المسألة في القبر، والبعث والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار. ومحبة الله. والحب والبغض فيه. ومحبة النبي ﷺ واعتقاد تعظيمه ويدخل فيه: الصلاة عليه، واتباع سنته. والإخلاص ويدخل فيه: ترك الرياء والنفاق. والتوبة. والخوف. والرجاء. والشكر. والوفاء. والصبر. والرضا بالقضاء. والتوكل. والرحمة. والتواضع، ويدخل فيه: توقير الصغير، وترك الكبر والعجب. وترك الحسد. وترك الحقد. وترك الغضب. وأعمال اللسان وتشتمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد. وتلاوة القرآن. وتعلم العلم. وتعليمه. والدعاء والذكر، ويدخل فيه الاستغفار. واجتناب اللغو. وأعمال البدن وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة، منها ما يختص بالأعيان وهي خمس عشرة خصلة: التطهير حساً وحكماً، ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر العورة. والصلاة فرضاً ونفلاً. والزكاة كذلك. وفك الرقاب. والجود، ويدخل فيه إطعام الطعام وإكرام الضيف. والصيام فرضاً ونفلاً. والحج والعمرة كذلك. والطواف. والاعتكاف. والتماس ليلة القدر. والفرار بالدين، ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك. والوفاء بالنذر. والتحري في الأيمان. وأداء الكفارات. ومنها ما يتعلق بالأتباع، وهي ست خصال: التعفف بالنكاح. والقيام بحقوق العيال. وبر الوالدين، وفيه اجتناب العقوق. وتربية الأولاد. وصلة الرحم. وطاعة السادة. أو الرفق
стр. 305
بالعبيد. ومنها ما يتعلق بالعامة، وهي سبع عشرة خصلة: القيام بالإمرة مع العدل. ومتابعة الجماعة. وطاعة أولي الأمر. والإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة. والمعاونة على البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإقامة الحدود. والجهاد، ومنه المرابطة. وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس، والقرض مع وفائه. وإكرام الجار. وحسن المعاملة، وفيه جمع المال من حله، وإنفاق المال في حقه، ومنه ترك التبذير والإسراف. ورد السلام. وتشميت العاطس. وكف الأذى عن الناس. واجتناب اللهو. وإماطة الأذى عن الطريق. فهذه تسع وستون خصلة ويمكن عدها تسعاً وسبعين خصلة باعتبار إفراد ما ضم بعضه إلى بعض مما ذكر والله أعلم " ١.
وفي الحديث فوائد، منها: أنَّه صريح في أنَّ الإيمان يتناول ما يقوم بالقلب وما يقوم باللسان وما يقوم بالجوارح، أمَّا ما يقوم بالقلب ففي قوله ﷺ : " والحياء شعبة من شعب الإيمان "، وأمَّا ما يقوم باللسان ففي قوله ﷺ : " فأفضلها قول: لا إله إلا الله "، وأمَّا ما يقوم بالجوارح فقوله ﷺ : " وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ".
ومنها: فضل كلمة التوحيد وأنَّها أفضل الكلمات، ولهذا عدها النبي ﷺ أفضل شعب الإيمان وأرفع درجاته ومراتبه.
ومنها: أنَّ شعب الإيمان ليست على مرتبة واحدة، بل هي متفاوتة، فأعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعبٌ كثيرةٌ منها ما هو قريب من الأعلى ومنها ما هو قريب من الأدنى.
ومنها: أنَّ الإيمان يزيد وينقص؛ فإنَّه إذا كان متناولاً لهذه الشعب وهي
стр. 306
شعب متفاوتة لها أعلى وأدنى، والناس متفاوتون في تطبيقها قوة وضعفاً زيادة ونقصاً، فهذا فيه أبين دلالة على أنَّه يزيد وينقص، بل إنَّ الشعبة الواحدة من شعبه يتفاوت الناس في تحقيقها والقيام بها تفاوتاً كبيراً، فليسوا على درجة واحدة في الحياء مثلاً، كما قال النبي ﷺ :""أصدقهم حياء عثمان " ١.
وكذلك الحال في إماطة الأذى عن الطريق، فإنَّ الناس مع هذه الشعبة على ثلاثة أقسام: قسم يميط الأذى عن الطريق، وقسم يدع الأذى في الطريق، وقسم يضع الأذى في الطريق. وكلُّهم من أهل الإيمان لكنهم لا يستوون.
وفي الحديث فائدة لطيفة، وهي أنَّ النبي ﷺ عدَّ إماطة الأذى عن الطريق إيماناً، والمراد بالأذى: أي الحسي الذي يؤذي الناس ويعيقهم في سيرهم لتحصيل مصالحهم الدنيوية. وعليه فإنَّه من باب أولى أن يكون إماطة الأذى المعنوي الذي يعيق الناس في طريقهم إلى طاعة ربهم إيماناً، ولهذا كان الرد على أهل البدع وتحذير الناس من باطلهم والرد على شبهاتهم من إماطة الأذى عن الطريق وهو من الإيمان.
стр. 307
[الاستثناء في الإيمان]
" والاستثناء في الإيمان سنة ماضية. فإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ قال: إن شاء الله. رُوي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وعلقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، وأبي وائل شقيق بن سلمة، ومسروق بن الأجدع، ومنصور بن المعتمر، وإبراهيم النخعي، ومغيرة بن مقسم الضبي، وفضيل بن عياض وغيرهم "
شرع المصنف ﵀ في الكلام عن مسألة الاستثناء في الإيمان، ومن عادة أهل العلم في كتبهم أن يبحثوا هذه المسألة عقب زيادة الإيمان ونقصانه، لما بين المسألتين من ارتباط من جهات كثيرة؛ فإنَّ القول بزيادة الإيمان ونقصانه له تأثير في مسألة الاستثناء في الإيمان.
وقول أهل السنة في هذه المسألة واضح، وقد أعطى المصنف في ذلك خلاصة نافعة فقال: " والاستثناء في الإيمان سنة ماضية "، ثم عرَّفه بقوله: " فإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ قال: إن شاء الله " وهذه صيغة من صيغ الاستثناء اقتصر المصنف على ذكرها، وإلا فهناك صيغ أخرى معروفة عند السلف كأن يقول ـ إذا سئل أمؤمن أنت ـ: " إن شاء الله " أو يقول: " مؤمن أرجو " أو: " آمنت بالله " أو: " لا إله إلا الله ". فالمراد بالاستثناء: عدم الجزم والقطع.
وامتحان الناس بهذا السؤال ليس من هدي السلف، وأول من امتحن الناس بذلك المرجئة، ولهذا جاء عن غير واحد من السلف تبديع من امتحن الناس بهذا الأمر ١.
стр. 308
لكن إن طُرِح السؤال وسئل المسلم عن إيمانه، فالسنة التي مضى عليها السلف ﵏ أن يستثنوا. وهم في هذا يلحظون اعتبارات أربعة تعرف بالتتبع لأقوالهم، هي:
١ـ أنَّ الإيمان المطلق شامل للقول والاعتقاد والعمل، شامل للأمور الواجبة والمستحبة، ولا يمكن لأحد أن يجزم لنفسه بأنَّه استكمل هذه الأمور كلها.
٢ـ أنَّ الإيمان النافع هو المتقبل، ولا يمكن لأحد أن يجزم بأن عمله متقبل. قال الله في وصف المؤمنين الكُمَّل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ ١. وثبت في الحديث الصحيح أنَّ عائشة ﵂ سألت النبي ﷺ عن هؤلاء فقالت:""أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا يا بنت أبي بكر ـ أو يا بنت الصديق ـ"ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلي وهو يخاف أن لا يتقبل منه " ٢. وقال الله واصفاً إمام الحنفاء إبراهيم الخليل ﵇ حال بنائه البيت الحرام: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٣ وقد كان وهيب بن الورد يقرأ هذه الآية ويبكي ويقول:""يا خليل الرحمن ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يتقبل منك " ٤.
٣ـ أنَّ الجزم بالإيمان فيه تزكية للنفس، وقد قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٥، فلا يقول: أنا مؤمن خشية الوقوع في تزكية النفس.
стр. 309
ومن لطيف ما يُروى في هذا الباب: أنَّه""قيل لأعرابي أمؤمن أنت؟ فجعل يقول: أزكي نفسي! " ١. فهذا الأعرابي بفطرته خير من مئات المتكلمين الذين تاهوا في خضم بحر الكلام الباطل.
٤ـ أنَّ الاستثناء لا يعني الشك، فقد يستثنى في الأمور المتيقنة، قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ ٢. وقال النبي ﷺ في دعائه لأهل القبور:""وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون " ٣، وقد نعيت له نفسه الشريفة ﷺ ، فقال ﵎: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٤.
فالاستثناء في الإيمان لا يقتضي الشك، ومن لا يستثني في الإيمان ـ كما سيأتي الإشارة إليهم ـ يلمزون السلف بأنَّهم شكاك، وهذا لمز لهم بأمر لا يلزمهم، فقد عرفنا من أدلة القرآن والسنة أنَّ الاستثناء قد يكون بدون شك، والسلف ﵏ لما استثنوا لم يكن ذلك عن شك منهم في أصل الإيمان، وإنما استثناؤهم راجع إلى كمال الإيمان وتمامه.
ومن جميل ما يُروى في هذا الباب أنَّ الحسن البصري ﵀ سئل مرة أمؤمن أنت؟ فقال:""الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والبعث والحساب أنا مؤمن. وإن كنت تسألني عن قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا
стр. 310
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ ١ فوالله ما أدري أنا منهم أو لا"" ٢. وإنما فصَّل الحسن ﵀ لأنَّ الإيمان يطلق في النصوص أحياناً ويراد به أصل الإيمان، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ٣، وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ٤. ويطلق أحياناً، ويراد به تمامه، كما قال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ ونظائرها من الآيات.
وقد جمع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه الملاحظ الأربعة ولخصها في سياق واحد، فقال:""فإذا كان مقصوده أني لا أعلم أني قائم بكلِّ ما أوجب الله عليَّ، وأنَّه يُقبل أعمالي، ليس مقصوده الشك فيما في قلبه، فهذا استثناؤه حسن وقصده أن لا يزكي نفسه، وأن لا يقطع بأنه عمل عملاً كما أمر فقبل منه، والذنوب كثيرة، والنفاق مخوف على عامة الناس " ٥.
ثم أورد المصنف ﵀ أسماء جماعة من السلف ثبت عنهم الاستثناء فقال: " رُوي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وعلقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، وأبي وائل شقيق بن سلمة، ومسروق بن الأجدع، ومنصور بن المعتمر، وإبراهيم النخعي، ومغيرة بن مقسم الضبي، وفضيل بن عياض وغيرهم "
" وهذا استثناء على يقين " أي: ليس عن شك، ثم ذكر على ذلك دليلاً
стр. 311
واحداً فقال: " قال الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ " وقد سبق ذكر بعض الأدلة الأخرى.
وقد خالف السلف في الاستثناء في الإيمان طائفتان:
١ـ طائفة ـ وهم مرجئة الفقهاء والماتريدية ـ قالت بعدم جواز الاستثناء في الإيمان، وعللوا ذلك بأنَّ الاستثناء لا يكون إلا عن شك، والشك في الإيمان كفر، حتى غلا بعضهم فنص على عدم جواز تزويج من يستثني في الإيمان.
٢ـ طائفة ـ وهم الكلابية والأشاعرة ـ قالت بوجوب الاستثناء في الإيمان باعتبار الموافاة، فيقولون: إيمان الحال نقطع به ولا نستثني فيه، لكن إيمان المآل وهو الذي يوافي به العبد ربه نستثني فيه. وهذا على اعتبار أنهم لا يدرون بم يختم لهم، وهل سيبقون على هذا الإيمان أم لا. فاستثناؤهم باعتبار المآل لا باعتبار الحال.
وبسبب هذا القول الفاسد نشأت بدعة المرازقة المنتسبين لأبي عمرو عثمان بن مرزوق ـ وكان في الاستثناء على طريقة السلف ـ إلا أنَّهم انحرفوا عن منهجه، فأخذوا يستثنون في كلِّ شيء، فيسأل أحدهم ـ وفي يده حبل ـ فيقول: هذا حبل إن شاء الله. فإن قيل: هذا لا شك فيه. قال: إن شاء الله أن يغيره غيره ١.
وهناك حديث موضوع ربما استشهد به هؤلاء، وهو""إنَّ من تمام إيمان العبد أن يستثني في كلِّ حديثه " قال الذهبي ـ معلقاً على هذا الحديث ـ:""هذا الحديث باطل، قد يحتج به المرازقة الذين لو قيل لأحدهم: أنت مسيلمة الكذاب لقال: إن شاء الله " ٢.
стр. 312
ومسألة الاستثناء في الإيمان من المسائل القليلة التي اختلف فيها مذهب الماتريدية ومذهب الأشاعرة، وقد عدَّها بعض الباحثين اثنتي عشرة مسألة، وإلا فبقية المسائل هم فيها على وفاق؛ وذلك لأنَّ أصل مذهبهم واحد وهو ابن كُلاَّب.
стр. 313
[الفرق بين الإسلام والإيمان]
لما بين المصنف ﵀ الإيمان وشيئاً مما يتعلق به كزيادته ونقصانه والاستثناء فيه، أخذ يبين العلاقة بين الإيمان والإسلام، فقال:
" والإيمان هو الإسلام وزيادة، قال الله : ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ "
" والإيمان هو الإسلام وزيادة " وهذا التقرير للفرق بين الإسلام والإيمان ـ على وجازته واختصاره ـ دقيق جداً؛ فإنَّ الإيمان إذا أطلق وذكر مفرداً شمل الدين كلَّه، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ ١. وكذلك الإسلام إذا أطلق وذكر مفرداً تناول الدين كلَّه بأصوله وفروعه، وباعتقاداته الظاهرة وأعماله الباطنة، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ ٤.
فإذا قُرنا في نص واحد كان الإيمان مختصاً بالاعتقادات الباطنة، واختص الإسلام بالأعمال الظاهرة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ
стр. 314
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ١، وكما في الآية التي أوردها المصنف ﵀: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٢.
وهذا كلُّه مبني ـ كما سبق ـ على قاعدة عند أهل العلم بيَّنها الحافظ ابن رجب ﵀ بقوله:""إنَّ من الأسماء ما يكون شاملاً لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالاً على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دال على باقيها " ٣. ويعبر عنها غيره بقوله: " إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا ".
ففي الآية دلالة واضحة على وجود فرق بين الإسلام والإيمان عند الاجتماع في الذكر، فقد ادعى هؤلاء الأعراب لأنفسهم مرتبة الإيمان ولمَّا يصلوا إليها بعدُ، فنفاها الله عنهم بقوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ ، ولم يكونوا بنفي الإيمان عنهم داخلين في الكفر، إذا إن هناك رتبة دون الإيمان وهي الإسلام. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: إنكم مازلتم بعد في رتبة الإسلام.
وهذا يفيد أنَّ الدين مراتب: مرتبة الإسلام، ثم أعلى منها مرتبة الإيمان، ثم أعلى منهما مرتبة الإحسان.
وإذا كان الأمر كذلك فما هو الإحسان؟ وما هو الإيمان؟ وما هو الإسلام؟
وقد جاءت الإجابة عن هذا السؤال في حديث جبريل المشهور وهو حديث طويل مخرج في صحيح مسلم ٤ من حديث ابن عمر عن أبيه، وفي
стр. 315
الصحيحين ١ من حديث أبي هريرة، وفيه أن جبريل سأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان فاجتمعت الثلاثة في الذكر، فقال النبي ﷺ :""الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً "، وقال عن الإيمان:""أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره "، وقال عن الإحسان:""أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " وفي آخر الحديث قال:""هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ".
فدل الحديث على أنَّ الإسلام هو الأعمال الظاهرة، وأن المسلم هو من شهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله وأقام الصلاة وأتى بالعمل الظاهر، كما قال ﷺ :""من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته " ٢. لكنَّ هذه الأعمال الظاهرة لا تكون نافعة لمن قام بها عند الله ﵎ إلا إذا كان عنده من الإيمان القلبي ما يصحح إسلامه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، فإن لم يكن له هذا القدر من الإيمان القلبي كان منافقاً.
أما المؤمن: فهو الذي تحقق الإيمان في قلبه، فآمن بما أمر الله تعالى عباده بالإيمان به. ومن كان شأنه كذلك في باطنه صلح ظاهره تبعاً لذلك؛ لأنَّ الجوارح لا تتخلف عن مرادات القلوب. فإذا صلح القلب هذا الصلاح وعمر
стр. 316
بالإيمان هذه العمارة جدَّت الجوارح واجتهدت عملاً وطاعة وتقرباً إلى الله سبحانه، كما قال النبي ﷺ :""ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه ألا وهي القلب " ١.
أما المحسن فأعلى من هؤلاء، إذ الإحسان: الإتقان والإجادة، فالمحسن هو الذي أتقن في تحقيق الدين وأجاد في تتميم العبادة والطاعة لرب العالمين حتى بلغ به الحال أنْ يعبد الله كأنَّه يراه. وهذه رتبة عالية رفيعة لا يصل إليها كلُّ أحد كما قال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ٢.
فهذه مراتب الدين، وقد جاء نظيرها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٣.
ومن لا يفرق بين الإسلام والإيمان يحتج بقول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٤ فإنَّ المعنيين في الآية أهلُ بيت واحد وقد ذكروا مرة بالإيمان ومرة بالإسلام.
والجواب على هذا أن التنويع في الوصف في الآية قد جاء للفرق بين حالين: حال الإخراج وحال الوجود، فلما ذُكر الموجودون ذكروا بصفة الإسلام على اعتبار العمل الظاهر، ولما ذُكر المخرجون ذكروا بصفة الإيمان؛ لأنَّ الموجودين فيهم من عمله الظاهر عمل أهل الإسلام لكنه ليس منهم، كامرأة لوط، ولهذا لم تكن من المخرجين، مع أنها من الموجودين.
стр. 317
وعلى هذا فالآية مؤكدة للفرق بين الإسلام والإيمان، وهي حجة على من لم يفرق، وليست حجة له.
وبعد أن ذكر المصنف ﵀ الفرق بين الإسلام والإيمان شرع بذكر بعض الأدلة المبينة للإسلام والإيمان فقال:
" وروى عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:""بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت " ".
هذه يسميها العلماء مباني الإسلام الخمسة، فالإسلام يبنى على هذه الأسس ويقوم عليها، وكما قيل:
والبيت لا يُبتنى إلا بأعمدة ... ولا عماد إذا لم تُرسَ أوتاد
والملاحظ في هذه المباني أنَّها من أعمال الظاهر، ومن جاء بها إن كان عنده في الباطن من الإيمان ما يصحح به إسلامه فهو المسلم. وإن كان مُظهراً لهذه الأعمال في الظاهر فقط وليس عنده إيمان باطن فهو منافق وليس من أهل الإسلام.
فبين هذا الحديث المراد بالإسلام، ولهذا قال المصنف عقبه: " فهذه حقيقة الإسلام ".
" والإيمان فحقيقته ما رواه أبو هريرة فيما قدمناه "
يشير المصنف ﵀ إلى حديث الشعب المذكور قريباً، وعلى هذا فإنَّ الإيمان أعم وأشمل وأوسع من الإسلام، وقد سبق قول المصنف ﵀: " والإيمان هو الإسلام وزيادة ".
стр. 318
ثم ذكر المصنف حديثاً في الفرق بين الإسلام والإيمان فقال:
" وروى سعد بن أبي وقاص ﵁ قال:""أعطى رسول الله ﷺ رهطاً وأنا جالس، وترك رسول الله ﷺ منهم رجلاً هو أعجبهم إلي، فقمت فقلت: مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمناً. فقال رسول الله ﷺ : أو مسلماً. ذكر ذلك سعد ثلاثاً وأجابه بمثل ذلك. ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه " "
هذا الحديث يبين الفرق بين رتبة الإسلام ورتبة الإيمان، فقد أعطى النبي ﷺ رهطاً ـ والرهط: الجماعة ما بين الثلاثة والعشرة ـ نفقة، وترك رجلاً من بينهم. ولما ظنَّ سعد ﵁ أنَّ العطاء بحسب الإيمان وقوته ـ وكان يرى أنَّ هذا الرجل أفضلهم ديناً وطاعة وعبادة ـ قال للنبي ﷺ : " مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمناً " فنبهه النبي ﷺ بقوله: " أو مسلماً " أي احكم عليه برتبة الإسلام التي يحكم بها على كلِّ من صلح ظاهره، ولا تحكم عليه بالإيمان لأنَّه مبني على معرفة ما في باطن العبد؛ إذ هو راجع إلى صلاح الباطن مع صلاح الظاهر، وهذا شيء لا يطلع عليه الناس.
فلا يطلق الحكم بالإيمان على شخص إلا بالاستثناء ـ كما سبق ـ فيقال: هو مؤمن إن شاء الله، كما يمكن إطلاق الحكم بالإيمان في الخطاب العام ويكون المقصود أصله، كما يقول الخطيب يوم الجمعة أيها المؤمنون، أو يا أيها الذين آمنوا.
" ذكر ذلك سعد ثلاثاً وأجابه بمثل ذلك " أدركت سعداً ﵁ الرحمة والمحبة لهذا الرجل لما يرى من صلاحه فكرر كلامه ثلاثاً، ويكرر النبي ﷺ جوابه. ثم بين له النبي ﷺ الحكمة والمقصد من العطاء فقال: " إني
стр. 319
لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه " أي أنَّ هذا العطاء تأليف للقلوب، ولم يعط النبي ﷺ هذا الرجل لما عنده من الإسلام والصلاح الظاهر.
وقد نفع الله بهذا التأليف نفعاً عظيماً، ودخل أقوام كثيرون في دين الله بهذا التأليف، ولهذا جعله الله أحد مصارف الزكاة.
" قال الزهري: فنرى أنَّ الإسلام الكلمة، والإيمان العمل الصالح "
" الزهري ": إمام من أئمة السلف، له نقول كثيرة في السنة والعقيدة لها شأنها عند أهل العلم.
" الإسلام الكلمة، والإيمان العمل الصالح " وهذا الكلام إذا لم يفهم على وجهه الصحيح ربما استشكل، لأنَّه سبق أنَّ الإسلام هو الأعمال الظاهرة، وأنَّ الإيمان رتبة أعلى منه. وقد عدَّ الزهري ـ وهو الإمام المعروف ـ الإيمان العمل الصالح.
ولهذا استشكل الشيخ حافظ الحكمي ﵀ هذا الكلام من الزهري فقال:""هذا عندي فيه نظر؛ فإنَّه غير قيم المبنى ولا واضح المعنى، والزهري إمام عظيم من كبار حملة الشريعة لا يجهل مثل هذا، وليس هذه العبارة محفوظة عنه من وجه يصح بهذه الحروف. فإنْ صح النقل عنه ففي الكلام تصحيف وإسقاط، لعل الصواب فيه هكذا: " الإسلام الكلمة والإيمان والعمل " فسقطت الواو العاطفة للعمل على الإيمان. وهذا متعين لموافقته قول أهل السنة قاطبة أنَّ الإيمان اعتقاد وقول وعمل " ١.
стр. 320
لكن كلام الزهري ﵀ ثابت عنه ١، وليس مراده أنَّ الإسلام الواجب أو المطلوب هو الكلمة، بل مقصوده بـ " الإسلام: الكلمة ": أنَّ أول ما يُدخَل به الإسلام هو الكلمة: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله ﷺ ، ومن أتى بها صار مسلماً متميزاً عن اليهود والنصارى تجرى عليه أحكام المسلمين. وإذا أتى بهذه الكلمة طُولب بما وراءها من أعمال الإسلام. وقوله: " والإيمان: العمل الصالح ": إشارة إلى أنَّه إذا وُجد الإيمان تُوجد الأعمال الكثيرة والطاعات العديدة؛ لأنَّ الإيمان إذا تحقق في القلب وتم واكتمل جاءت الأعمال على أحسن ما يكون ٢.
" قلنا: فعلى هذا قد يخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرج من الإسلام إلا إلى الكفر بالله "
وهذا يوضحه بعض أهل العلم بوضع ثلاث دوائر، كلُّ واحدة منها أضيق من الأخرى، فالدائرة الصغرى الإحسان، والأوسع منها الإيمان، ثم الأوسع منها الإسلام، فيحتاج العبد إلى أن يحقق الإسلام والإيمان حتى يصل بعد ذلك إلى درجة الإحسان. فإن خرج من الإحسان لم يخرج إلى الكفر وإنما يخرج منه إلى مرتبة الإيمان، فإن خرج من الإيمان كان في مرتبة دونه وهي مرتبة الإسلام، فإن خرج منها فما ثم إلا الكفر ٣.
فعلى هذا كلُّ محسن مؤمن مسلم، وكلُّ مؤمن مسلم، وليس كلُّ مسلم مؤمناً، وليس كلُّ مؤمن محسناً.