بالإيمان هذه العمارة جدَّت الجوارح واجتهدت عملاً وطاعة وتقرباً إلى الله سبحانه، كما قال النبي ﷺ :""ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه ألا وهي القلب " ١.
أما المحسن فأعلى من هؤلاء، إذ الإحسان: الإتقان والإجادة، فالمحسن هو الذي أتقن في تحقيق الدين وأجاد في تتميم العبادة والطاعة لرب العالمين حتى بلغ به الحال أنْ يعبد الله كأنَّه يراه. وهذه رتبة عالية رفيعة لا يصل إليها كلُّ أحد كما قال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ٢.
فهذه مراتب الدين، وقد جاء نظيرها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٣.
ومن لا يفرق بين الإسلام والإيمان يحتج بقول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٤ فإنَّ المعنيين في الآية أهلُ بيت واحد وقد ذكروا مرة بالإيمان ومرة بالإسلام.
والجواب على هذا أن التنويع في الوصف في الآية قد جاء للفرق بين حالين: حال الإخراج وحال الوجود، فلما ذُكر الموجودون ذكروا بصفة الإسلام على اعتبار العمل الظاهر، ولما ذُكر المخرجون ذكروا بصفة الإيمان؛ لأنَّ الموجودين فيهم من عمله الظاهر عمل أهل الإسلام لكنه ليس منهم، كامرأة لوط، ولهذا لم تكن من المخرجين، مع أنها من الموجودين.
стр. 317
وعلى هذا فالآية مؤكدة للفرق بين الإسلام والإيمان، وهي حجة على من لم يفرق، وليست حجة له.
وبعد أن ذكر المصنف ﵀ الفرق بين الإسلام والإيمان شرع بذكر بعض الأدلة المبينة للإسلام والإيمان فقال:
" وروى عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:""بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت " ".
هذه يسميها العلماء مباني الإسلام الخمسة، فالإسلام يبنى على هذه الأسس ويقوم عليها، وكما قيل:
والبيت لا يُبتنى إلا بأعمدة ... ولا عماد إذا لم تُرسَ أوتاد
والملاحظ في هذه المباني أنَّها من أعمال الظاهر، ومن جاء بها إن كان عنده في الباطن من الإيمان ما يصحح به إسلامه فهو المسلم. وإن كان مُظهراً لهذه الأعمال في الظاهر فقط وليس عنده إيمان باطن فهو منافق وليس من أهل الإسلام.
فبين هذا الحديث المراد بالإسلام، ولهذا قال المصنف عقبه: " فهذه حقيقة الإسلام ".
" والإيمان فحقيقته ما رواه أبو هريرة فيما قدمناه "
يشير المصنف ﵀ إلى حديث الشعب المذكور قريباً، وعلى هذا فإنَّ الإيمان أعم وأشمل وأوسع من الإسلام، وقد سبق قول المصنف ﵀: " والإيمان هو الإسلام وزيادة ".
стр. 318
ثم ذكر المصنف حديثاً في الفرق بين الإسلام والإيمان فقال:
" وروى سعد بن أبي وقاص ﵁ قال:""أعطى رسول الله ﷺ رهطاً وأنا جالس، وترك رسول الله ﷺ منهم رجلاً هو أعجبهم إلي، فقمت فقلت: مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمناً. فقال رسول الله ﷺ : أو مسلماً. ذكر ذلك سعد ثلاثاً وأجابه بمثل ذلك. ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه " "
هذا الحديث يبين الفرق بين رتبة الإسلام ورتبة الإيمان، فقد أعطى النبي ﷺ رهطاً ـ والرهط: الجماعة ما بين الثلاثة والعشرة ـ نفقة، وترك رجلاً من بينهم. ولما ظنَّ سعد ﵁ أنَّ العطاء بحسب الإيمان وقوته ـ وكان يرى أنَّ هذا الرجل أفضلهم ديناً وطاعة وعبادة ـ قال للنبي ﷺ : " مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمناً " فنبهه النبي ﷺ بقوله: " أو مسلماً " أي احكم عليه برتبة الإسلام التي يحكم بها على كلِّ من صلح ظاهره، ولا تحكم عليه بالإيمان لأنَّه مبني على معرفة ما في باطن العبد؛ إذ هو راجع إلى صلاح الباطن مع صلاح الظاهر، وهذا شيء لا يطلع عليه الناس.
فلا يطلق الحكم بالإيمان على شخص إلا بالاستثناء ـ كما سبق ـ فيقال: هو مؤمن إن شاء الله، كما يمكن إطلاق الحكم بالإيمان في الخطاب العام ويكون المقصود أصله، كما يقول الخطيب يوم الجمعة أيها المؤمنون، أو يا أيها الذين آمنوا.
" ذكر ذلك سعد ثلاثاً وأجابه بمثل ذلك " أدركت سعداً ﵁ الرحمة والمحبة لهذا الرجل لما يرى من صلاحه فكرر كلامه ثلاثاً، ويكرر النبي ﷺ جوابه. ثم بين له النبي ﷺ الحكمة والمقصد من العطاء فقال: " إني
стр. 319
لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه " أي أنَّ هذا العطاء تأليف للقلوب، ولم يعط النبي ﷺ هذا الرجل لما عنده من الإسلام والصلاح الظاهر.
وقد نفع الله بهذا التأليف نفعاً عظيماً، ودخل أقوام كثيرون في دين الله بهذا التأليف، ولهذا جعله الله أحد مصارف الزكاة.
" قال الزهري: فنرى أنَّ الإسلام الكلمة، والإيمان العمل الصالح "
" الزهري ": إمام من أئمة السلف، له نقول كثيرة في السنة والعقيدة لها شأنها عند أهل العلم.
" الإسلام الكلمة، والإيمان العمل الصالح " وهذا الكلام إذا لم يفهم على وجهه الصحيح ربما استشكل، لأنَّه سبق أنَّ الإسلام هو الأعمال الظاهرة، وأنَّ الإيمان رتبة أعلى منه. وقد عدَّ الزهري ـ وهو الإمام المعروف ـ الإيمان العمل الصالح.
ولهذا استشكل الشيخ حافظ الحكمي ﵀ هذا الكلام من الزهري فقال:""هذا عندي فيه نظر؛ فإنَّه غير قيم المبنى ولا واضح المعنى، والزهري إمام عظيم من كبار حملة الشريعة لا يجهل مثل هذا، وليس هذه العبارة محفوظة عنه من وجه يصح بهذه الحروف. فإنْ صح النقل عنه ففي الكلام تصحيف وإسقاط، لعل الصواب فيه هكذا: " الإسلام الكلمة والإيمان والعمل " فسقطت الواو العاطفة للعمل على الإيمان. وهذا متعين لموافقته قول أهل السنة قاطبة أنَّ الإيمان اعتقاد وقول وعمل " ١.
стр. 320
لكن كلام الزهري ﵀ ثابت عنه ١، وليس مراده أنَّ الإسلام الواجب أو المطلوب هو الكلمة، بل مقصوده بـ " الإسلام: الكلمة ": أنَّ أول ما يُدخَل به الإسلام هو الكلمة: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله ﷺ ، ومن أتى بها صار مسلماً متميزاً عن اليهود والنصارى تجرى عليه أحكام المسلمين. وإذا أتى بهذه الكلمة طُولب بما وراءها من أعمال الإسلام. وقوله: " والإيمان: العمل الصالح ": إشارة إلى أنَّه إذا وُجد الإيمان تُوجد الأعمال الكثيرة والطاعات العديدة؛ لأنَّ الإيمان إذا تحقق في القلب وتم واكتمل جاءت الأعمال على أحسن ما يكون ٢.
" قلنا: فعلى هذا قد يخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرج من الإسلام إلا إلى الكفر بالله "
وهذا يوضحه بعض أهل العلم بوضع ثلاث دوائر، كلُّ واحدة منها أضيق من الأخرى، فالدائرة الصغرى الإحسان، والأوسع منها الإيمان، ثم الأوسع منها الإسلام، فيحتاج العبد إلى أن يحقق الإسلام والإيمان حتى يصل بعد ذلك إلى درجة الإحسان. فإن خرج من الإحسان لم يخرج إلى الكفر وإنما يخرج منه إلى مرتبة الإيمان، فإن خرج من الإيمان كان في مرتبة دونه وهي مرتبة الإسلام، فإن خرج منها فما ثم إلا الكفر ٣.
فعلى هذا كلُّ محسن مؤمن مسلم، وكلُّ مؤمن مسلم، وليس كلُّ مسلم مؤمناً، وليس كلُّ مؤمن محسناً.
стр. 321
[الإيمان بأشراط"الساعة]
أخذ المصنف ﵀ يتحدث في هذا الموطن عن أشراط الساعة وعلاماتها، والكلام عنها يطول، والمختصرات ـ كهذا الكتاب ـ لا يناسبها التطويل، فاقتصر على ذكر علامتين منها، وهي خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵇، وفي هاتين العلامتين اللتين ذكرهما تنبيه على الإيمان بالأشراط والعلامات الأخرى التي دل عليها كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ؛ إذ إنَّها كلَّها مشتركة في أنَّها أمور تأتي بين يدي الساعة علامة على دنوها وقرب مجيئها، فيلزم الإيمان بها كلِّها.
وللساعة أشراط وعلامات، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ١، وهذه الأشراط قسمها العلماء قسمين:
١ـ علامات صغرى: وهي التي تسبق مجيء الساعة بزمن، وتكون في الغالب من جنس أمور معهود أصلها بين الناس.
٢ـ علامات كبرى: وهي أمور عجيبة وغريبة تظهر آخر الزمان، فيها إيذان بخراب العالم وانتهائه وقرب قيام الساعة وانقضاء الدنيا، مثل طلوع الشمس من مغربها، وخروج يأجوج ومأجوج، والدخان، والدابة.
ومن شأن هذه العلامات الكبرى: أنَّها إذا خرجت واحدةٌ منها تتابعت بقيتها كنظم الخرز إذا انقطع. وأنَّها إذا ظهرت لم ينفع الإيمان؛ لأنَّه يصبح إيمان شهادة، كما قال الله ﵎: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ ٢.
ويقسِّم أهل العلم هذه الأشراط تقسيماً آخر، بحسب ظهورها وعدمه، إلى
стр. 322
ثلاثة أقسام، هي:
١ ـ قسم ظهر وانقضى.
٢ـ قسم ظهر ولا يزال يظهر ويتتابع. وهذان القسمان خاصان بالعلامات الصغرى.
٣ ـ قسم لم يظهر بعد.
стр. 323
[خروج المسيح الدجال]
" ونؤمن بأنَّ الدجال خارج في هذه الأمة لا محالة، كما أخبر رسول الله ﷺ وصح عنه "
أي: إنَّ خروجه حق، ولن تقوم الساعة حتى يخرج.
والدجال مأخوذ من الدجَلِ وهو الكذب والافتراء، فهو أعظم الناس كذباً وأشدهم افتراء وإفكاً على الله، يصرف الناس بكذبه عن دين الله تعالى.
ويسمى: المسيح الدجال لأنَّ عينه اليمنى ممسوحة طافية، قال النبي ﷺ :""الدجال ممسوح العين، مكتوب بين عينيه كافر. ثم تهجاها: ك ف ر. يقرؤه كلُّ مسلم " ١ فهو أعور، وهذه علامة على نقصه، يراها كلُّ أحد. ولهذا قال النبي ﷺ :""ألا إنَّه أعور، وإنَّ ربكم ليس بأعور " ٢، فكيف يصدق أنه رب وفيه مثل هذه العلامة.
وقد أخذ العلماء من هذا الحديث أنَّ الله موصوف بأنَّ له عينين اثنتين؛ لأنَّ العور في اللغة: وجود عينين إحداهما طافية، ونفيه يدل على.
стр. 324
وجود عينين مبصرتين لا عيب فيهما ولا نقص.
وخروج الدجال فتنة عظيمة، بل هي أعظم الفتن، كما قال النبي ﷺ :""ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال " ١.
ولخطورة فتنته وعظمها كان كلُّ نبي يحذر أمته منه، فقال ﷺ :""ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الدجال " ٢، وأمرنا رسولنا الكريم ﷺ بالتعوذ من فتنته في كلِّ صلاة فقال:""إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع. يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال " ٣.
ومن الإيمان بالدجال: الإيمان بكلِّ أمر يتعلق به صحت به السنة. ومن نصحِ النبي ﷺ لأمته أن بيَّن لنا صفته وعلامته، وذكر لنا أخباره وأحواله وأعماله، وقد أكثر ﷺ من ذكره حتى بلغت أحاديثه حد التواتر.
ويدَّعي عند خروجه أنَّه رب العالمين، ويصدِّقه أقوام كثيرون، ويتبعه خلق عديدون، ويخرج معه من يهود أصبهان سبعون ألفاً، ويُمكِّنه الله من بعض مقدوراته ابتلاء وامتحاناً للناس، فيمر بالمدن والقرى يدعو أهلها لاتباعه واعتقاد أنَّه الرب، فإن استجابوا له أمر السماء أن تمطر عليهم فتمطر، وأمر الأرض أن تنبت فتنبت وتخرج كنوزها، وتغدو ماشيتهم على أتم ما يكون من السمن وضرعها أحسن ما يكون من الدر. وإن امتنعوا أجدبت أرضهم وتضرروا ضرراً بالغاً. ومعه جنة ونار، فمن آمن به أدخله جنته،
стр. 325
ومن امتنع أدخله ناره. وقد وجه النبي ﷺ من ابتلي به أن يدخل ناره فقال ﷺ :"" فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه ناراً، فإنه ماء عذب طيب " ١.
ويمكث في الناس أربعين يوماً، وقد أخبر النبي ﷺ عن أيامه هذه فقال:"" أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. فقال الصحابة: فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره " ٢. وفي هذا دليل على حرص الصحابة على الخير، إذ سألوا عن أمر دينهم، ولو كان غيرهم ربما سأل كيف ينام.
وأخبر النبي ﷺ " أنَّ رجلاً ـ هو من خير الناس يومئذ ـ يأتي الدجال فيقول: أيها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ ، فيأمر الدجال به فيشج، فيقول: خذوه وشجوه، فيوسع ظهره وبطنه ضرباً، فيقول: أو ما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح الكذاب. فيؤمر به فيؤشر بالمئشار من مفرقه، حتى يفرق بين رجليه. ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم. فيستوي قائماً. فيقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة. ثم يقول: يا أيها الناس إنَّه لا يفعل بأحد بعدي من الناس. فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاساً، فلا يستطيع إليه سبيلاً. فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسب الناس إنما قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة " ٣.
فهذه بعض الفتن التي تحصل من هذا الدجال، وعلى العبد المؤمن أن يحذر هذه الفتنة وأن يتقي أسبابها، فقد صح عن النبي ﷺ أنَّه قال:""من
стр. 326
سمع بالدجال فلينأ عنه، فو الله إنَّ الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات " ١.
وعلى الإنسان أن يُروِّض نفسه على البعد عن الفتن وعدم الدخول فيها، فإنَّه إذا فعل ذلك سلم بإذن الله وحفظ من فتنة الدجال؛ لأنَّ فتنته ـ كما يقول العلماء ـ"كما أنَّها فتنة شخص فهي فتنة جنس، فإذا لم يملك العبد نفسه عند دجال صغير فكيف بالدجال الأكبر.
كما أنَّه على المسلم أن يلازم الاستعاذة بالله من شر فتنة المسيح الدجال عند كلِّ صلاة كما أرشدنا النبي ﷺ .
وقد اتفق علماء الأمة على خروج الدجال، ولم يخالف في ذلك إلا طائفة من ضلال المبتدعة قالوا: ليس هناك دجال يخرج حقيقة، وإنما المراد بالدجال رمز لوجود الباطل، كما أنَّ المراد بنزول عيسى رمز لوجود الحق. وممن فاه بذلك وتكلم به رجل يقال له محمد أبو عبية ٢. وقد رد عليه الشيخ حمود التويجري ﵀ رداً وافياً شافياً في كتابه: " إتحاف الجماعة ".
стр. 327
[نزول عيسى ﵇]
" وأنَّ عيسى بن مريم ﵇ ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيأتيه وقد حُصِر المسلمون على عَقَبَة أَفْيَق، فيهرب منه، فيقتله عند باب لُد الشرقي. ولُد من أرض فلسطين بالقرب من الرملة على نحو ميلين منها "
стр. 328
لما فرغ المصنف ﵀ من الكلام عن مسيح الضلالة الدجال انتقل للحديث عن نزول مسيح الهداية عيسى ﵇، وفي ذكر عيسى ﵇ عقب الدجال مراعاة من المصنف للترتيب؛ فإنَّ نزول عيسى ﵇ يكون بعد خروج الدجال، ويكون قتله على يده ﵇.
وإنَّما سمي عيسى ﵇ مسيحاً لأنَّه إذا مسح على المريض يبرأ بإذن الله وقيل: أقوال أخرى.
وهو آخر الرسل قبل رسولنا محمد ﷺ ، وأحد أولي العزم من الرسل الذين ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ١ وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا﴾ ٢.
وقد وُجد من أم بلا أب، وكان هذا سبباً في اختلاف الناس فيه اختلافاً كبيراً، فادعى فيه اليهود أنَّه ابن بغي وأنَّ أمه حملت به من الزنا، وحاولوا قتله. فكذبهم الله تعالى في كتابه، فقال فيما ذكره عن أمه مريم: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ ٣. وادعى النصارى أنَّه ابن الله، وأنَّه جزء منه.
والقول الحق فيه هو قول أهل الإسلام، وهو أنَّه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. فهو عبد من بني آدم، ولد من أم بلا أب.
حاول اليهود قتله، فرفعه الله إليه إلى السماء حقيقة بروحه وجسده حياً، وشُبِّه عليهم برجل بقي مكانه فقتلوه وظنوا أنهم قتلوا عيسى ابن مريم، قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ٤ وقال سبحانه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ٥. فهو
стр. 329
الآن حي في السماء إلى أن يأذن الله بنزوله آخر الزمان.
وهذا يؤمن به أهل الإيمان كما دل عليه القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ ١ قبل موته أي: عندما ينزل من السماء؛ لأنه يموت في آخر الزمان لما ينزل.
فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويحصل على يديه خير عظيم.
ونزوله يكون بعد خروج الدجال " على المنارة البيضاء شرقي دمشق "، واضعاً يديه على جناحي ملك، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جُمَّان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلب الدجال لقتله.
" فيأتيه وقد حُصِر المسلمون على عَقَبَة أَفِيق " وهي بلدة قريبة من دمشق، وقد ورد هذا في حديث عثمان بن أبي العاص في سياق طويل، لكن في إسناده ضعف ٢، وله شواهد كثيرة في الصحيحين وغيرهما، ولذكر عقبة أفيق شاهد من حديث سفينة ﵁ عند الإمام أحمد ٣.
" فيهرب منه، فيقتله عند باب لُد الشرقي. ولُد من أرض فلسطين بالقرب
стр. 330
من الرملة على نحو ميلين منها " وهذا ثابت في صحيح مسلم ١ من حديث النواس بن سمعان، فلما يرى الدجالُ المسيحَ ابن مريم يتصاغر ويذوب كما يذوب الملح في الماء، ولو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكنَّه يتقدم ويضربه بحربته فيموت. فيقضى على مسيح الضلالة بيد مسيح الهداية عيسى ﵇.
فإذا قُتلَ الدجال يفاجأ الناس بخروج يأجوج ومأجوج، وهما قبيلتان عظيمتان من بني آدم، موجودتان على وجه الأرض، سواء رآهم الناس أو لم يروهم. أما ما يقوله بعض الناس من أنَّ الأرض اكتشفت بالوسائل الحديثة"ولم يُر فيها سدٌّ ولا هؤلاء القوم. واتخذوا هذا ذريعة للإنكار، فهذا شأن من ليس لنصوص الشرع عنده مكانة ولا يقيم لها وزناً.
ولا يليق بمسلم أن يشك في الأخبار الصحيحة، أو يتوقف فيها، أو يظن فيها الظنون بناء على أقاويل قوم كفار، أو بناء على النظريات والمكتشفات الحديثة؛ فإنَّ الله قادر على كل شيء، وهو قادر سبحانه على أن يُعجز الناس عن الوقوف على مكانهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ ٢.
وإذا أراد المسلم عبرة في هذا الباب فليقرأ قصة بني إسرائيل عندما قضى الله عليهم أن يتيهوا في الأرض، فتاهوا في أرض سيناء أربعين سنة. قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ٣ وإذا نظرت إلى الخريطة تجدها منطقة صغيرة، فهي الزاوية التي في رأس البحر الأحمر، فلولا أنَّ الله أعمى قلوبهم
стр. 331
وصرفهم عن الاهتداء لما ضاعوا في مثل هذا المكان الصغير هذه المدة الطويلة. فلله الأمر من قبل ومن بعد، وهو على كلِّ شيء قدير.
وأمَّا قول من قال: إنهم بعض أمم الكفر، وحددها بعضهم بالصين ونحوها، وحملوا قوله تعالى ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ١ على أنهم يأتون بالطائرات والسيارات: ففيه تكلف ونظر؛ لأنَّ النصوص تأباه، خاصة تلك التي تبين أنَّهم منحازون خلف السد، وأنَّهم إذا خرجوا حصل منهم ما حصل.
فنحن نؤمن بوجودهم ونصدق به للأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة الدالة على ذلك. فيخرجون على الناس بعد أن كانوا منحصرين خلف السد الذي بناه ذو القرنين، فيحاولون في كلِّ يوم فتحه، ويجتهدون ويبالغون في فتحه حتى إذا كادوا أن يخرقوه، يقول الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غداً. ولا يقول إن شاء الله. فيعيده الله كأشد ما كان. حتى إذا أذن الله بفتحه، يقول قائلهم: قولوا: إن شاء الله. فيقولون: إن شاء الله فيجدونه كهيئته حين تركوه فيخرقونه ويخرجون على الناس، ويحصل منهم فساد عظيم وبلاء وشر، ينهبون ويقتلون ويسفكون ويعتدون، ويمرون على بحيرة طبرية فيشربها أولهم، فإذا مر آخرهم قال: لقد كان في هذه البحيرة ماء. روى الإمام أحمد ٢ والترمذي ٣عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :""إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً،
стр. 332
فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله، ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء ".
وتكون نهايتهم بإذن الله ، حيث يرغب عيسى نبي الله ﵇ ومن معه إلى الله أن يخلص الناس من شرهم، فيرسل الله عليهم دابة صغيرة تسمى النغف، يسلطها على كلِّ واحد منهم فتكون في قفاه، فيصبحون صرعى كموت نفس واحدة، ثم تتأذى الأرض من نتنهم وجيفهم وعفنهم فيرسل الله طيوراً تحملهم إلى حيث يشاء الله ، ثم يرسل مطراً لا يَكُنُّ منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة أي كالمرآة في الصفاء والنقاء ١.
فهذا شيء من أشراط الساعة، وفي معرفتها فائدة للمسلم ومنفعة له؛ لأنَّها تحرك في قلبه الإيمان والخوف من الله، والحذر من الفتن والإقبال على الله وطاعته.
والإيمان بها من الإيمان باليوم الآخر؛ فهي علامات له ودلالات عليه.
стр. 333
الإيمان بملك الموت وأن موسى ﵇ فقأ عينه
...
[الإيمان بملك الموت وأن موسى فقأ عينه]
" ونؤمن بأنَّ ملك الموت أرسل إلى موسى ﵇ فصكه ففقأ عينه، كما صح عن رسول الله ﷺ ، لا ينكره إلا ضال مبتدع راد على الله ورسوله "
" ونؤمن بأن ملك الموت " أي: الملك الذي وكله الله بقبض أرواح بني آدم، قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ١، ولم يأت دليل صريح على اسمه، والقول بأنَّه عزرائيل ليس عليه دليل، وإنما جاء في بعض الإسرائيليات، فيكتفى بوصفه بأنَّه ملك الموت.
وفي هذا إشارة إلى الإيمان بملك الموت الذي وُكِّل بقبض الأرواح، والإيمان به هو من الإيمان بالملائكة، وهو ركن من أركان الإيمان الستة، وأصل من أصوله العظيمة.
والإيمان بالملائكة في الجملة يتناول أموراً أربعة ثبتت في الكتاب والسنة، هي:
١ـ الإيمان بأسمائهم: فنؤمن بالأسماء المجملة التي تتناول الملائكة عموماً، مثل: الملائكة، ورسل الله، وجند الله.
ونؤمن بالأسماء المفصلة لآحادهم وأفرادهم، مثل: جبريل، ومنكر ونكير، وإسرافيل، ومالك.
٢ـ الإيمان بأعدادهم: فنؤمن إجمالاً بأنَّ عددهم كثير، لا يحصيهم إلا الذي خلقهم، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٢. وكما ورد في حديث الإسراء:""فرُفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور، يصلي فيه كلَّ يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم ... " ٣، وفي الحديث الآخر:""أطت السماء
стр. 334
روحُق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع"إلا وملك واضعاً جبهته ساجداً لله " ١.
ونؤمن بالأعداد التفصيلية للملائكة مما ثبت في الكتاب أو السنة، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ٢، وهؤلاء رؤوس الملائكة الذين هم خزنة جهنم، ويرأس الجميع مالك. وقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ٣، وقول النبي ﷺ : ""يؤتى بجهنم يومئذ ولها سبعون ألف زمام، مع كلِّ زمام سبعون ألف ملك يجرونها " ٤.
٣ـ الإيمان بأوصافهم: فنؤمن إجمالاً أنَّهم مخلوقون من نور، وأنَّ لهم أجنحة، كما قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٥، وأنَّ لهم أعيناً كما في الحديث الذي أورده المصنف. وغير ذلك من الصفات الواردة في الكتاب والسنة.
ونؤمن بالصفات التفصيلية التي وردت، ومن ذلك ما رواه ابن مسعود:""أنَّ رسول الله ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح " ٦، ومنها: قول النبي ﷺ :""أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش: إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة " ٧.
٤ـ الإيمان بوظائفهم: فنؤمن إجمالاً بأنَّهم جند الله ورسله، لا يعصون
стр. 335
الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
ونؤمن بوظائفهم التفصيلية: كقبض الأرواح، والنزول بالوحي، والنفخ في الصور، وغيرها من الوظائف الثابتة في الكتاب والسنة.
" أرسل إلى موسى ﵇ " ملك الموت يرسل إلى كل الناس بما فيهم الأنبياء ﵈.
" فصكه ففقأ عينه " أي: أراد قبض روحه فضربه على وجهه ففقأ إحدى عينيه. وإذا قال قائل: لمَ فقأ عينه؟ نقول: إن كان سائل هذا السؤال سأله منتقداً ومعترضاً فهو سؤال محرم وباطل، وهو دخول من هذا السائل فيما لا يعنيه، وقد قال رسول الله ﷺ :""من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " ١. وإن كان سؤاله من باب التعرف على الحكم أو بيان الأسباب فلا بأس من ذلك، لكن سواء علمنا هذا أو لم نعلم فليس للعبد أن يكذب أو يعترض. ولهذا قال المصنف:
" كما صح عن رسول الله ﷺ " فالحديث ثابت ٢، وشأن المسلم مع الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ أن يتلقاها بالقبول والتصديق، فلا يعترض عليها ولا ينتقدها
" لا ينكره إلا ضال مبتدع راد على الله ورسوله " وهذا شأن الراد المكذب بهذا الخبر مع معرفته بثبوته
стр. 336
[ذبح الموت يوم القيامة]
" ونؤمن بأنَّ الموت يؤتى به يوم القيامة فيذبح "
وهذا حق، نؤمن به على ظاهره، فنعتقد أنه يؤتى بالموت فيذبح حقيقة، ولا نسلك مسلك أهل التأويل، بل نمره كما جاء ونصدق به كما ورد. قال الترمذي:""والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة، مثل: سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا: تروى هذه الأحاديث، ونؤمن بها. ولا يقال: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء كما جاءت، ويؤمَن بها، ولا تفسر، ولا تتوهم، ولا يقال: كيف؟ وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه " ١.
هذه جادة السلف ﵏ وطريقهم، وهو نهج مبارك مضوا عليه في جميع الأخبار المغيبة: يمرون الخبر كما جاء، ولا يتوهمون ولا يكيفون، فلا يحاولون قياس الخبر المغيب من أمور يوم القيامة بمداركهم وعقولهم، بل يؤمنون به كما ورد، ويقولون هو حق كما أخبر به رسول الله ﷺ .
ومراد الترمذي ﵀ بقوله: " ولا تفسر " أي: التفسير الباطل، الذي هو تكلف وتنطع وحمل للنص على غير معناه، وإبعاد له عن دلالاته. أما بيان معناه على ضوء دلالة اللغة فهذا لا إشكال فيه، فإننا مخاطبون بكلام واضح مفهوم المعنى.
وهذه الكلمة ترد عن السلف في الصفات، كما جاء عن أبي عبيد القاسم بن سلام، ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، لما ذكروا أحاديث الصفات
стр. 337
قالوا: " لا نفسرها "، ومرادهم ـ كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أي: لا نفسرها تفسيرات الجهمية المبتدعة ١.
" كما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :""يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة. فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: هذا الموت ـ وكلهم قد رآه ـ، ثم ينادي: يا أهل النار. فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت ـ وكلهم قد رآه ـ، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ " "
" كهيئة كبش أملح " الأملح: الأبيض الذي يخالطه سواد، والله قادر على كلِّ شيء، قادر على أن يقلب الأعراض أجساماً والأجسام أعراضاً، ولا يعجزه ﵎ شيء، فلا يقال: كيف يؤتى به ونحن نعلم أنَّ الموت عرض؟! لا يقول ذلك إلا ضال منحرف شاك في قدرة الله.
" فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون " أي يتطلعون إلى مزيد فضل وإنعام؛ لأنَّهم يعلمون أنَّهم لا ينادون إلا للزيادة في النعيم والإكرام.
" فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: هذا الموت، وكلُّهم قد رآه " فكلُّ واحد منهم مات وعاين الموت ورآه، فلكلِّ واحد منهم معه موقف عصيب.
" ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون " فيظنون أنَّ هناك خروجاً وفكاكاً من هذا العذاب، فيتطلعون لذلك.
" فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت ـ وكلُّهم قد رآه ـ
стр. 338
فيذبح " أي الكبش الذي هو الموت يذبح حقيقة بين الجنة والنار، وأهل الجنة والنار يرونه، في مشهد من الجميع.
" ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت " فيبقى أهل الجنة في الجنة خالدين فيها أبد الآبدين، ويبقى أهل النار ـ نسأل الله السلامة والعافية ـ خالدين فيها أبد الآبدين، كما قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ ١. وهذا إنما يكون بعد إخراج عصاة الموحدين من النار، حين لا يبقى في النار إلا أهلها الخالدون فيها.
" ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ? وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ? " يتقطعون أسفاً وندماً وحسرة، ولكن لا ينفع الندم حينئذ، ونسأل الله السلامة والعافية وأن يجيرنا وإياكم من النار.
стр. 339
" فصل "
من أصول الإيمان: الإيمان بالأنبياء والرسل الكرام الذين أرسلهم الله ، واعتقاد أنَّهم رسله حقاً وأنبياؤه صدقاً، وأنَّ الله بعثهم للناس بالهدى والحق مبشرين ومنذرين. واعتقاد أنهم أدوا الأمانة ونصحوا لأممهم، وبلغوا ما أمرهم الله بتبليغه على الكمال والتمام، وأنَّ من أطاعهم فهو من أهل الجنة، ومن عصاهم فهو من أهل النار. واعتقاد فضلهم ورفعة شأنهم وعلو قدرهم، وأنَّ الله اجتباهم واختارهم وميزهم على الناس، خصهم برسالته وفضلهم على العالمين. واعتقاد التفاضل بينهم، وأنَّ أفضل الأنبياء الرسل، وأفضل الرسل أولو العزم منهم، وأفضل أولي العزم محمد ﷺ ؛ فهو إمام المرسلين وخيرهم ومقدمهم ﷺ .
وكما أنَّ الإيمان بالرسل عموماً أصل من أصول الإيمان، فإنَّ الإيمان بنبوة محمد ﷺ وأنَّه خاتم الأنبياء والمرسلين أصل عظيم من أصول هذا الدين، ولا إيمان لمن لم يؤمن بنبوته؛ بَشَّر به الأنبياء قبله، وذكروه لأممهم.
وقد بُعث ﷺ للناس أجمعين، ورحمة للعالمين، لم يبعث للعرب خاصة وإنَّما بعث للناس عامة.
ومن الإيمان به ﷺ : الإيمان بفضائله وخصائصه ومناقبه، وجميع ما منَّ الله ﵎ عليه به، ولهذا عقد المصنف هذا الفصل العظيم لبيان فضل الرسول الكريم خاتم النبيين وإمام المرسلين وقدوة الخلق أجمعين ﷺ . فقال:
стр. 340
[خصائص المصطفى ﷺ ]
" ونعتقد أنَّ محمداً المصطفى خير الخلائق وأفضلهم، وأكرمهم على الله وأعلاهم درجة، وأقربهم إلى الله وسيلة، بعثه الله رحمة للعالمين، وخصه بالشفاعة في الخلق أجمعين "
" المصطفى " أي: الذي اصطفاه الله واجتباه واختاره وفضله على الناس أجمعين بمن فيهم من الأنبياء والرسل ﵈، فهو أفضل خلق الله عند الله جل وعلا.
الرسل كلُّهم اصطفاهم الله، كما قال : ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ ١، فتخصيصهم بالرسالة وبعثهم بالتوحيد هذا اصطفاء واجتباء، لكنَّ اصطفاء النبي ﷺ له فيه مزيد تفضيل وتكريم وعلو شأن على بقية الأنبياء والمرسلين، وسيأتي عند المصنف ﵀ ذكر جملة من الأدلة على تفضيل النبي ﷺ وتعلية شأنه وبيان فضله على الناس أجمعين وعلى الأنبياء والمرسلين.
" خير الخلائق " أي: أفضلهم وأكملهم وأعلاهم شأناً، وأرفعهم قدراً وأنبلهم ذكراً.
" وأفضلهم، وأكرمهم على الله " الطاعة كريمة على الله، كما قال النبي ﷺ :""ليس شيء أكرم على الله من الدعاء " ٢، وكل من أطاع الله فهو كريم عليه، قال ﷺ :""ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في
стр. 341
الإسلام، يكثر تكبيره وتسبيحه وتهليله وتحميده " ١، فالطاعة ذاتها كريمة على الله، وأهلها كريمون على الله، وأكرم خلق الله على الله رسول الله ﷺ ، فهو أفضلهم طاعة وأكملهم عبادة وأعلاهم شأناً.
" وأعلاهم درجة " الدرجة هي المنزلة والرتبة، فرتبته ومنزلته أعلى المنازل وأرفع الرتب، فليس في الناس أرفع منه رتبة ولا أعلى منه منزلة.
" وأقربهم إلى الله وسيلة " الوسيلة هي السبب الموصل إلى الله جل وعلا، فأقرب الناس وسيلة إلى الله رسول الله ﷺ ، فقد أتم العبودية وأكمل الطاعة، وكان قدوة للناس في كلِّ خير ونبل وفضل وعبادة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٢.
وقد جاء في معنى الوسيلة أنَّها منزلة لا تنبغي إلا لواحد من عباد الله، يقول ﷺ :""إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون هو " ٣، كما قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ ٤، فله ﷺ المقام المحمود وستأتي إشارة المصنف ﵀ إلى هذا.
" بعثه الله رحمة للعالمين " كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٥، وقال ﷺ :""إنما بعثت رحمة " ٦، وقال ﷺ :""يا أيها الناس
стр. 342
إنما أنا رحمة مهداة " ١، فهو رحمة مهداة، رحيم بالناس حريص عليهم، بذل وسعه وجهده في دعوتهم إلى توحيد الله ﵎ واستنقاذهم من النار. وسيرته ﷺ مليئة بالشواهد والدلائل على كمال رحمته، ومن ذلك: أنَّه لما قدم الطفيل وأصحابه إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنَّ دوساً قد كفرت وأبت، فادع الله عليها. فقيل: هلكت دوس. فقال ﷺ :""اللهم اهد دوساً وائت بهم " ٢.
" وخصه بالشفاعة في الخلق أجمعين " المراد بالشفاعة: الشفاعة العظمى الكبرى التي يشفع بها ﷺ في أهل الموقف بعد أن يعتذر عنها الأنبياء جميعاً، ويقول ﷺ : أنا لها. وهذا هو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون، فيظهر الله به فضله ورفعته على الخلق أجمعين.
بعد أن ذكر المصنف ﵀ هذا الكلام المجمل في بيان فضل النبي ﷺ شرع في ذكر بعض الأدلة من السنة على ذلك فقال:
" وروى جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال:""أعطيت خمساً لم يعطهنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر. وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل. وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي. وأعطيت الشفاعة. وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة " "
" أعطيت خمساً لم يعطهنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي " أي: فُضِّلت وخصصت ومُيِّزت على سائر الأنبياء بخمس خصال. وتمييزه بهذه الخصال
стр. 343
وتخصيصه بها من بين سائر الأنبياء دليل على فضله وعلو قدره ﷺ .
" نصرت بالرعب مسيرة شهر " أي أنَّ الله يلقي الرعب الشديد والهلع والخوف في قلوب أعدائه، فما يتوجه ﷺ إلى عدو إلا ملأ الله قلوبهم رعباً وخوفاً من مقدمه عليهم.
" وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل " أي: في أيِّ مكان منها يتطهر، وفي أي مكان يؤدي صلاته، إن كان ثمة ماء توضأ، وإلا تيمم. ويستثنى من هذا الأماكن التي نُهي عن الصلاة فيها كالحمام والمقبرة.
وهذا فيه أنَّ الصلاة لا تؤخر عن وقتها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ١.
" وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي " وهذا من خصائصه ﷺ .
" وأعطيت الشفاعة " والمراد بالشفاعة كما قدمت الشفاعة العظمى؛ فإنَّ الشفاعة لأهل المعاصي من الموحدين ليست خاصة به ﷺ ، بل الأنبياء والصالحون من عباد الله أيضاً يشفعون، وقد تقدم ذكر أنواع الشفاعة، وأنَّ منها ما يختص به ﷺ ومنها ما يشمل غيره أيضاً.
" وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة " بعث رحمة للعالمين ورسولاً للناس أجمعين.
وقد ثبت في السنة أحاديث عديدة، فيها ذكر ما فُضِّل به النبي ﷺ ، مثل: قوله ﷺ :"" فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون " ٢ وغيره، فإذا ضُمَّتْ إلى هذا الحديث
стр. 344
تبين أنَّ الخصال التي تميز بها النبي ﷺ أكثر من هذه الخمس. قال الحافظ ابن حجر ﵀ بعد جمعه لعدة أحاديث في هذا المعنى ـ:""فينتظم بهذا سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع ... وقد ذكر أبو سعد النيسابوري في كتاب " شرف المصطفى " أنَّ عدد الذي اختص به نبينا ﷺ عن الأنبياء ستون خصلة " ١.
" وروى أبو هريرة ﵁ قال:""كنَّا مع رسول الله ﷺ في دعوة، فرُفِع إليه الذراع ـ وكانت تعجبه ـ فنهش منها نهشة، ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة " وذكر حديث الشفاعة بطوله "
" في دعوة " أي: وليمة.
" فرُفِع إليه الذراع، وكانت تعجبه " أي: قدمت إليه ليأكل منها.
" فنهش منها نهشة " أي: قطع منها قطعة بأضراسه، يقال: النهس ـ بالسين المهملة ـ: بالأسنان، والنهش ـ بالشين ـ: بالأضراس.
" أنا سيد الناس يوم القيامة " السيد هو المقدم على غيره لفضله وعلو قدره ورفعة شأنه، وسيد الناس يوم القيامة النبي ﷺ .
" وذكر حديث الشفاعة بطوله " سبق للمصنف أن أشار إليه عندما تكلم عن الشفاعة، فذكر أنَّ حديث الشفاعة رواه جماعة من الصحابة، عدَّ منهم أبا هريرة، والحديث طويل.
" وروى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :""آتي يوم القيامة باب الجنة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك " رواه مسلم "
стр. 345
" فأستفتح " أي: أطلب أن يُفتح الباب.
" بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك " وهذه من خصائصه وفضائله ﷺ ، فهو أول من يفتح له باب الجنة، وهو أول الداخلين، وأمته أول الأمم دخولاً.
" وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :""أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع " رواه مسلم وأبو داود "
" أنا سيد ولد آدم يوم القيامة " سبق قبل قليل أنَّ من فضائل النبي ﷺ أنَّه سيد ولد آدم أي مقدمهم وإمامهم وقائدهم وقدوتهم وأفضلهم.
" ولا فخر " أي: لا أقول ذلك على وجه المفاخرة والمباهاة، وإنَّما أقوله تحدثاً بنعمة الله وشكراً له، واعترافاً بمنه وفضله وعطائه.
" وأول من ينشق عنه القبر " فهو أول من ينشق عنه القبر عند قيام الناس من قبورهم لرب العالمين.
" وأول شافع " أي: أول من يشفع عند الله، وسبق بيان أنَّ من أنواع الشفاعة ما هو خاص بالنبي ﷺ ، ومنها ما هو عام يشاركه فيها غيره، لكنَّ العام منها يكون النبي ﷺ هو الأول فيها والمقدم على غيره؛ فالشفاعة مبنية على الفضل والتقدم والرفعة على الناس من حيث العبادة والطاعة والإقبال على الله جل وعلا، ولهذا من كان في الحياة الدنيا شفيقاً على الناس حريصاً على نصحهم ودلالتهم على الخير حري أن يكون شفيعاً عند الله يوم القيامة. ومن كان لا هم له إلا الإساءة إلى الناس، والطعن فيهم والنيل منهم فليس مؤهلاً لأن يكون شفيعاً عند الله يوم القيامة، كما قال النبي ﷺ :""إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة " ١. قال ابن القيم ﵀:""إنَّ
стр. 346
الشهادة من باب الخبر، والشفاعة من باب الطلب، ومن يكون كثير الطعن على الناس ـ وهو الشهادة عليهم بالسوء ـ وكثير اللعن لهم ـ وهو طلب السوء لهم، لا يكون شهيداً عليهم ولا شفيعاً لهم؛ لأنَّ الشهادة مبناها على الصدق، وذلك لا يكون فيمن يكثر الطعن فيهم، ولا سيما فيمن هو أولى بالله ورسوله منه. والشفاعة مبناها على الرحمة وطلب الخير، وذلك لا يكون ممن يكثر اللعن لهم، ويترك الصلاة عليهم " ١. وأكمل الناس نصحاً لعباد الله وقياماً بطاعة الله هو رسول الله ﷺ ، ولهذا هو أول شافع.
" وأول مشفع " أي: أول من تقبل شفاعته، ويستجاب له في شفاعته.
فهذه بعض الأحاديث، وهذا كتاب مختصر، وإلا فالأحاديث التي في بيان فضل النبي ﷺ ومكانته وما خُصَّ به كثيرة جداً.
стр. 347
[فضائل الصحابة]
بعد أن تكلم المصنف ﵀ عن شيء من فضائل النبي الكريم ﷺ وخصائصه، أتبعه بالكلام عن فضائل أصحابه الكرام.
والصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً ومات على الإسلام.
وهم خيار هذه الأمة، شرفَّهم الله وأكرمهم برؤية نبيه ﷺ وسماع حديثه، وأخذ الدين منه غضاً طرياً. شهد الله لهم بالخيرية وعدلهم ورضي عنهم، وشهد لهم بذلك رسوله الكريم ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ١، وهم أولى الناس دخولاً في قول الله"تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٢. وفي الحديث يقول النبي ﷺ :""خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ٣.
ومناقبهم وفضائلهم وميزاتهم كثيرة مشهورة لا تحصى، قال النبي ﷺ : ""لو أنَّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " ٤.
وهم مع فضلهم ليسوا في الفضل سواء، بل بعضهم أفضل من بعض، والمصنف ﵀ عقد هذا الفصل لبيان فضل الصحابة وبيان المفاضلة بينهم.
وهذا التفاضل عائد إلى الإيمان وطاعة الله وامتثال أوامره، فيكون دليلاً آخر على زيادة الإيمان ونقصانه، وأنَّ أهله ليسوا فيه سواء، ويتفاضلون في خصال الإيمان، فليس أحد منهم في الصديقية مثل أبي بكر،
стр. 348
ولا في الحياء مثل عثمان، يقول النبي ﷺ :""أصدقهم حياء عثمان " ١، وفي الحديث الآخر:""ملئ عمار إيماناً إلى مشاشه " ٢. وفي هذا ردٌّ على المرجئة وبيانٌ لشناعة قولهم وفداحته؛ إذ كيف يقال: إنَّ آحاد الأمة في الفضل كأبي بكر وعمر ﵄.
" ونعتقد أنَّ خير هذه الأمة وأفضلها بعد رسول الله ﷺ صاحبه الأخص، وأخوه في الإسلام، ورفيقه في الهجرة والغار: أبو بكر الصديق، وزيره في حياته، وخليفته بعد وفاته: عبد الله بن عثمان عتيق ابن أبي قحافة "
هذا من جملة اعتقاد أهل السنة: اعتقاد أنَّ أفضل أمة محمد ﷺ أبو بكر الصديق، فهو أفضل الصحابة على الإطلاق.
" ونعتقد أنَّ خير هذه الأمة وأفضلها بعد رسول الله ﷺ صاحبه الأخص " فله في الصحبة خصوصية وسبق وتميز، وله مواقف عظيمة، بل هو الصحابي الوحيد الذي ذُكِر بهذا اللقب الشريف في القرآن: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ ٣. فهو صاحب النبي ﷺ الأخص، وفي هذا إشارة إلى أنَّ الصحابة في الصحبة متفاضلون.
وأبو بكر ﵁ كان سباقاً إلى كلِّ خير، وشهد له الصحابة بذلك.
" وأخوه في الإسلام " الصحابة كلُّهم أخوة للنبي ﷺ في الإسلام، لكن المصنف يشير إلى خصوصية أبي بكر بذلك؛ لأنَّه وقف مع النبي ﷺ من أول الأمر، فهو أول من أسلم من الرجال.
" ورفيقه في الهجرة والغار " لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، ودخل الغار
стр. 349
كان معه أبو بكر الصديق ﵁، وفي ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ١، وهذه معية خاصة للنبي ﷺ وصاحبه أبي بكر ﵁.
" وزيره في حياته " الوزير: المعاون والمساعد والمستشار، ووزارته قديمة، فهو وزيره من أول الأمر، وكان النبي ﷺ يستشيره في كثير من شؤونه، ويأخذ برأيه إلى أن مات ﷺ .
" وخليفته بعد وفاته " فهو أول الخلفاء الراشدين، وهو خليفة النبي الكريم ﷺ بعد مماته.
ثم ذكر الخليفة الثاني ـ وهو في ضمن هذا يشير إلى طرف من مناقب كلِّ صحابي يذكره بحسب ما يحتمله هذا المختصر ـ فقال:
" ثم بعده الفاروق: أبو حفص عمر بن الخطاب الذي أعز الله به وأظهر الدين "
لُقِّبَ بالفاروق لأنَّ الله فرق به بين الحق والباطل، وأيد به الدين، ونصر به الإسلام، كما قال النبي ﷺ :""اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب، فكان أحبهما إلى الله عمر بن الخطاب " ٢، فأسلم عمر بن الخطاب ﵁، وفرح الصحابة بإسلامه، ونصر الله به دينه كما قال ابن مسعود:""مازلنا أعزة منذ أسلم عمر " ٣.
стр. 350
" ثم بعده ذو النورين: أبو عبد الله عثمان بن عفان، الذي جمع القرآن وأظهر العدل والإحسان "
" ذو النورين " ولُقب بهذا اللقب لأنَّه تزوج بابنتي النبي ﷺ : رقية وأم كلثوم، وهذا لم يحصل لأحد مع أي نبي. وقيل أقوال أخرى، أوصلها المحب الطبري إلى خمسة أقوال ١.
" الذي جمع القرآن " بإشارة من بعض الصحابة، جمعهم على رسم واحد للمصحف حتى لا يختلف الناس في كتاب الله .
" وأظهر العدل والإحسان " نص المصنف ﵀ على هذه الفضيلة لعثمان ﵁ رداً على دعاوى بعض المبطلين من أنَّه ﵁ كان يحابي قرابته ولم يكن عدلاً ولا منصفاً وغير ذلك مما ذكر في مبررات قتله. وهذا قول باطل في حق هذا الصحابي الجليل ٢.
" ثم ابن عم رسول الله ﷺ وخَتَنُه: علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم. فهؤلاء الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون "
" وخَتَنُه " الختن: زوج البنت، وعلي ﵁ كانت تحته ابنة النبي ﷺ فاطمة ﵂، ومناقبه وفضائله ﵁ كثيرة.
" رضوان الله عليهم " أي: الأربعة المذكورين.
" فهؤلاء الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون " هذه ألقاب لهم جميعاً، فلقبوا بالخلفاء لأنَّهم خلفوا النبي ﷺ . والراشدون من الرشاد وهو ضد الغواية. والأئمة من الإمامة فهم قدوة في الخير. والمهديون من الهداية وهي ضد الضلال.
стр. 351
وهذه الأوصاف الأربعة مأخوذة من كلام النبي ﷺ في حديث العرباض ابن سارية ﵁:""فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " ١.
ففي هذا الحديث إشارة إلى صلاح العلم والعمل وأنَّهم قدوة في هذين الأمرين؛ فالراشد: من ليس عنده غواية، بل عنده بصيرة وعلم وفهم ودراية بدين الله جل وعلا. والمهدي من ليس عنده ضلال، بل عنده عبادة وطاعة وتقرب إلى الله ﵎. ومن كان كذلك فهو إمام وقدوة في الخير. وهذا نظير وصف الله ﵎ لنبيه ﷺ بقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ٢، فنفي الضلال فيه إثبات كمال ضده وهو الهداية، ونفي الغواية فيه إثبات كمال ضدها وهو الرشاد.
وهذا الترتيب الذي ذكره المصنف ﵀ للخلفاء هو من عقيدة أهل السنة والجماعة ولم يخالف فيه أحد، وإنما عُرِفَ عن بعض أهل السنة تفضيل علي على عثمان. أما ترتيبهم في الخلافة فلا خلاف في أنَّ أحقهم بها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. ثم استقرت كلمة أهل السنة والجماعة فيما بعد على أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة.
وهذا الترتيب كان معروفاً عند الصحابة، كما جاء في صحيح الإمام البخاري ٣ عن عبد الله بن عمر ﵄ قوله:""كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ ، فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان
стр. 352
رضي الله عنه ". زاد الطبراني ١:""فيسمع رسول الله ﷺ ذلك، فلا ينكر ".
وجاء في هذا المعنى آثار عديدة عن الصحابة والسلف، منهم علي ﵁، فقد سأله ابنه محمد بن الحنفية، فقال:""أيُّ الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: عمر. وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال ما أنا إلا رجل من المسلمين ""٢.
لما أنهى المصنف ﵀ الكلام عن الخلفاء الراشدين انتقل للكلام على بقية الستة المبشرين بالجنة فقال:
" ثم الستة الباقون من العشرة: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح رضوان الله عليهم. فهؤلاء العشرة الكرام البررة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة "
وهؤلاء يعرفون بالعشرة المبشرين بالجنة؛ لأنَّ النبي ﷺ بشَّرهم بالجنة في مجلس واحد، كما ورد ذلك في عدة أحاديث، منها: حديث سعيد بن زيد ٣، وحديث عبد الرحمن بن عوف ٤، قال النبي ﷺ :""أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة،
стр. 353
والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة ".
وقد نظم غير واحد هؤلاء العشرة في أبيات، منها هذان البيتان:
للمصطفى خير صحب نص أنهم ... "في جنة الخلد نصاً زادهم شرفاً
هم طلحة وابن عوف والزبير مع ... أبي عبيدة والسعدان والخلفاء١
وقد أفرد بعض أهل العلم فضائل هؤلاء العشرة بمصنفات خاصة، منهم المحب الطبري ﵀ في كتابه " الرياض النضرة في مناقب العشرة ".
" فنشهد لهم بها كما شهد لهم بها؛ اتباعاً لقوله وامتثالاً لأمره "
وفي هذا إشارة إلى طريقة أهل السنة والجماعة في التعامل مع أحاديث النبي ﷺ في كلِّ شيء، ومن ذلك: الشهادة بالجنة والتفضيل بين الصحابة رضوان الله عليهم.
" وقد شهد رسول الله ﷺ بالجنة لثابت بن قيس، وعبد الله بن سلام، ولبلال بن رباح، ولجماعة من الرجال والنساء من أصحابه "
شهادة النبي ﷺ لثابت بن قيس ﵁ بالجنة ثابتة في الصحيحين ٢ من حديث أنس ﵁:""أنَّه لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ﴾ ٣ جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ . فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو ما شأن ثابت أشتكى؟ قال سعد: إنَّه لجاري، وما علمت له بشكوى. فأتاه سعد فذكر له قول النبي ﷺ . فقال ثابت: أنزلت
стр. 354
هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله ﷺ ، فأنا من أهل النار. فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ فقال: بل هو من أهل الجنة ".
وأما عبد الله بن سلاَم ١ ﵁، فثبت أيضاً في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، أنَّه قال:""ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: إنَّه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام " ٢.
وأما بلال ﵁ فثبت في الصحيحين ٣ من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال:""يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة ".
" وبشَّر خديجة ببيت من قصب لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب "
وهذا الحديث في الصحيحين ٤، وقيل: إنَّ القصب هو اللؤلؤ المجوف، أي: ليس فيه أصوات مزعجة، ولا شدة فيه ولا عنت ولا تعب.
" وأخبر أنَّه رأى الرميصاء بنت ملحان في الجنة "
الرميصاء هي زوجة أبي طلحة، أم أنس بن مالك، وقد بشرها النبي ﷺ بالجنة هي وبلال في حديث واحد، قال النبي ﷺ :""أريت الجنة فرأيت امرأة أبي طلحة، ثم سمعت خشخشة أمامي، فإذا بلال " ٥.
لما أشار المصنف ﵀ إلى بعض من شهد لهم النبي ﷺ بالجنة قال:
стр. 355
" فكلُّ من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة شهدنا له، ولا نشهد لأحد غيرهم " أي: لا نشهد لأحد معين غير من شهد لهم رسول الله ﷺ بذلك.
" بل نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء "
هذه طريقة أهل السنة في الشهادة، لا يشهدون لمعين بجنة أو نار، إذا رأوا أحداً على خير وإحسان وطاعة وعبادة وإقبال على الله قالوا: نرجو أن يكون من أهل الجنة، أو نحسبه من أهل الجنة، أو إن شاء الله من أهل الجنة. ومن أساء خافوا عليه النار، بدون جزم بها.
" ونكل علم الخلق إلى خالقهم "
أي: نفوض العلم بحالهم وخاتمتهم وصدق إيمانهم وما يستحقونه من جنة أو نار وسعادة أو شقاء إلى الله
" فالزم ـ رحمك الله ـ ما ذكرت لك من كتاب ربك العزيز، وكلام نبيك الكريم ولا تحد عنه "
هذا الكلام عائد لكلِّ ما سبق، فالعقيدة التي أوردها المصنف في هذا الكتاب كلُّها مبنية على كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، وقد أشار إلى هذا المعنى في مقدمة الكتاب وفي ثناياه غير مرة، وأعاده هنا في تمامه. فأهل السنة يبنون كلَّ صغير وكبير، وكلَّ أمور المعتقد والدين على كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ . ولهذا يقول المصنف: خذ كلَّ ما ذكرته لك في هذا الكتاب، وهو ليس مني، ولم آت به من عند نفسي، فهذه العقيدة لم أنشئها من قبل نفسي، ولم أبتكرها من بنات عقلي، بل جمعت فيها ما دل عليه كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . ومن أخذ من المنهل الأول وجد بقية الموارد كدرة، لكن هذا أمر لا يدركه أهل الأهواء. فكلُّ من اشتغل بالعقول أو اشتغل بالمنامات أو اشتغل بالأذواق والمواجيد لا يدرك ما يدركه أهل السنة من حلاوة في المعتقد ولذة في الإيمان