← Тафсир

Тафсир · id 1109

ترجيحات السمين الحلبي - من آية 138 سورة آل عمران إلى آخر السورة

عبد الله بن سليمان النملة

Полный текст (376 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ذكر السمين الحلبي دليلين على القول بأن المخاطبين بالآية هم أهل أُحد: الأول: السياق، فإن الآيات قبلها والآيات بعدها في غزوة أُحد، فأولى أن تكون هذه الآية من ضمن ذلك، وأن يكون المخاطبون فيها ابتداءً هم الصحابة الذين شهدوا الغزوة. الثاني: أن الروايات قد أشارت إلى مقولات الكافرين بعد غزوة أُحد من المشركين والمنافقين واليهود والنصارى، فإذا كان المراد بالكافرين ابتداءً فئةٌ معيَّنة من هؤلاء، فإن الخطاب ابتداءً سيتوجه إلى أهل أُحدٍ بلا شك. ٤) الموازنة بين الأدلة: هذه المسألة تنبني على تحديد المراد بالكافرين في الآية؛ قال الطيبي: "اعلم أن التعريف في قوله ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إذا حُمل على العهد فالمخاطبون أصحاب الرسول ﷺ ، ثم المراد بالذين كفروا إما المنافقون … أو أهل الكتاب … أو المشركون … ، وإذا حُمل على الجنس فالمخاطبون جماعة المسلمين في جميع الأزمنة، كما أن الكفار عام في اليهود والمنافقين والمشركين" (١)، وعليه فإنه إذا ثبت تحديد الذين كفروا في الآية فإنه يبطل الاستدلال بظاهر لفظها أن الخطاب فيها ابتداءً لجميع المؤمنين. كما أن السياق يشير إلى أن الآية في غزوة أحد، بدليل الآيات التي قبلها فإنها نزلت بعدما أُشيع مقتل النبي ﷺ ، ودعا بعضهم إلى الاستسلام للمشركين (٢)، وكذلك الآية التي بعدها كما روى ابن عباس في قوله ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] أنها في أبي سفيان (٣)، فتكون هذه الآية في المؤمنين الذين في غزوة أُحدٍ كذلك. ومقتضى مجموع الروايات في الآية أن المراد بالذين كفروا هم المشركون والمنافقون واليهود والنصارى، وأقربهم فيما يظهر المشركون، لأن الآية في سياق غزوة أُحد فهي تشير إلى الكفار المحاربين، والكفار المحاربون إذ ذاك هم المشركون، والآيات السابقة هي في الكفار المحاربين وأن الربيين لم يستكينوا لهم ولم يطيعوهم بعد مقتل أنبيائهم، وطلبوا من الله أن ينصرهم عليهم،

стр. 107

والآيات اللاحقة أصرح في تحديد المشركين ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانا﴾، فالأنسب أن يكون المراد بالذين كفروا في الآيتين واحد. كما أن قوله تعالى ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠] يشير إلى ذلك؛ أي: فأطيعوا الله مولاكم ولا تطيعوا الذين كفروا فهو خير الناصرين، فسينصركم عليهم في ميادين القتال، ثم أشار إلى ذلك النصر وأنه النصر بالرعب. وهذا لا يدل على إهمال ما ذكره المفسرون من أن الآية في المنافقين بسبب مقولتهم في الدعوة إلى الكفر، فإن المنافقين استغلوا الموقف في غزوة أُحد ودعوا إلى طاعة الكافرين المشركين وموالاتهم، فجاءت هذه الآية في الرد على المنافقين بالنهي عن طاعة الكافرين المشركين وموالاتهم. وأما اليهود والنصارى فليس لهم ذكر في سياق هذه الآيات، وقد سبق التصريح بالنهي عن طاعتهم في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]، ويحمل ما ذكره ابن جريح على أنه تعليقٌ على الآية واستشهاد بعمومها في النهي عن طاعة الكافرين، وهذا هو الظاهر من صنيع ابن أبي حاتم في تفسيره، فإنه اقتصر في قوله تعالى ﴿إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ على رواية السدي في أنهم المشركون، ولم يذكر في ذلك وجهًا آخر، ثم جعل رواية ابن جريج تابعة للروايات في التعليق على قوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (١). ٥) النتيجة: الذين يظهر أن الخطاب في الآية يتوجه ابتداءً إلى المؤمنين في غزوة أُحد، وهو مقتضى أقوال المفسرين في تحديد الذين كفروا في الآية، واختلافهم في تحديد الذين كفروا لا يقضي بردِّ أقوالهم، بل يدل على اتفاقهم في أن الآية في شأن غزوة أُحد وما ورد فيها، ويكون اختلافهم بسبب تعدد الروايات في غزوة أُحد وما قيل فيها، والله أعلم.

стр. 108

المسألة الثانية: العطف في قول الله تعالى ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ١٥٢ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢ - ١٥٣] • أصل الخلاف في المسألة: الخلاف هنا في العطف في قوله تعالى ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾، على ماذا عُطف الفعل؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "وفي ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ (١) وجهان: أحدهما: أنه عطف على ﴿صَرَفَكُمْ﴾، وبهذا قال الزمخشري كما قدمنا تقريره عنه، وناقشه فيه الشيخ فقال: «وفيه بُعد لِطول الفصل بين المتعاطفين» (٢). والثاني: أنه عطف على ﴿تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ﴾، فيكون في موضع خفضٍ بإضافةٍ إليه (٣)، وجعل الشيخ هذا هو الظاهر. فإن قيل: هذا ماض وما عُطف هو عليه مضارع! فالجواب أن المضارع ماضِ المعنى لأنه في خبر (إذ)، و (إذ) للمُضي، فـ ﴿تُصْعِدُونَ﴾

стр. 109

و ﴿تَلْوُنَ﴾ وإن كانا مضارعين فمعناهما ماض؛ إذ التقدير: إذ صعدتم وما لويتم على أحدٍ فأثابكم ضر، فهو مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي: وإذ قلت" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يظهر أن السمين الحلبي يرجح القول الثاني، وذلك من ثلاثة وجوه: الأول: أنه تعقب القول الأول وحكى الرد عليه (٢). الثاني: أنه حكى ترجيح شيخه أبي حيان للقول الثاني بأنه هو الظاهر، والظاهر عنده مقدَّمٌ على غيره. الثالث: أنه دافع عن القول الثاني بطرح الإشكال ثم الرد عليه. • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: في هذه المسألة وافق السمين الحلبي شيخه أبا حيان (٣) خلافًا لكثيرٍ من المفسرين والمعربين، ولم يوافقهما من أهل العلم إلا القليل (٤)، فأكثر أهل العلم على أن قوله ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ معطوف على قوله ﴿صَرَفَكُمْ﴾ (٥)، وإمامهم في هذا الزمخشري، ولعل أبا حيان هو أول من خالفه في هذه المسألة. ٢) أدلة القول الأول في المسألة:

стр. 110

استدل أصحاب هذا القول بما في الفاء في قوله ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ من معنى السببية، وأن الصرف في قوله ﴿صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ سببٌ لهذه الإثابة بالغم (١)، فإن الدولة كانت للمسلمين في أول غزوة أُحد، ثم صرف الله المسلمين عن المشركين وتسلَّط المشركون عليهم، فتفرَّع عن ذلك أن أثابهم الله بالغم، فكان الصرف سببَ إثابتهم بالغم. ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: نقل السمين الحلبي عن شيخه أبي حيان دليل هذا القول وأنه هو الظاهر المتبادر للذهن، فإن الأصل أن يكون العطف على أقرب مذكورٍ في السياق، وأقرب المذكورات التي يصح عليها احتمال العطف هي قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ﴾. ٤) الموازنة بين الأدلة: الأصل أن يكون العطف على أقرب مذكور، ولا ينبغي العطف على مذكورٍ بعيد مع إمكان العطف على القريب، ولعل الذي منع من ذلك هو الإشكال الذي ذكره السمين الحلبي، وقد ذكر جوابه. ويظهر أن الإشكال يرجع إلى اشتراط اتحاد الزمن عند عطف الفعل على الفعل، وهذا الشرط لا يلزم منه اتحاد نوعي الفعل بحيث يكونا إما ماضيين أو مضارعين، بل يصح عطف الماضي على المضارع إذا كان زمانهما واحدًا، كقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]، فالفعلان (يَقدُم) و (أوردهم) مختلفان في نوع الفعل لكنهما متحدان في الزمن، فهما جميعًا في المستقبل (٢)، وفيما ذكره السمين الحلبي في المسألة التي نحن فيها يتضح أنه لا مانع من عطف الفعلين لاتحادهما في زمن المضي. ثم إن الاستدلال للقول الأول بما في الفاء من معنى السببية يمكن أن يكون كذلك للقول الثاني، فإن الإصعاد والهروب من المعركة تفرَّع أيضًا عن الصرف، فتفرَّع عنه الإثابة بالغم، فكان إصعادهم وهروبهم سببًا في مجازاتهم بالغم، ولو أنهم ثبتوا استجابة لرسول الله ﷺ وهو يدعوهم إلى الثبات ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ لما جازاهم الله بالغم.

стр. 111

وعطفُ إثابةِ الله على إصعادهم أنسب مع معنى الثواب والمجازاة، فإن الإثابة أنسب أن تعطف على فعلهم لا على فعل الله ، فالتقدير بأنهم (هربوا فجازاهم الله غمًّا) أنسب من أن يقال: صرفهم الله عن عدوهم فجازاهم غمًّا. وقد ذكر بعض أصحاب القول الأول أن طول الفصل لا يضر؛ إذ الفاصل ليس بأجنبي (١)، وذكر أبو حيان بين الآيتين كلامًا حسنًا يمكن الرد به على هذا، فذكر أن ما قبل قوله تعالى ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ "جُمُلٌ مستقلة يحسن السكوت عليها، فليس لها تعلق إعرابي بما بعدها، إنما تتعلق به من حيث إن السياق كله في قصة واحدة" (٢). ٥) النتيجة: الذي يظهر أن قوله تعالى ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ معطوف على قوله ﴿تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ﴾، وهذا هو الذي يوافق القاعدة في العطف أن يكون على أقرب مذكور، والله أعلم.

стр. 112

المسألة الثالثة: وجه التعليل في قوله ﴿لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ • أصل الخلاف في المسألة: الخلاف حول لام التعليل في قوله: ﴿لِّكَيْلَا تَحْزَنُواْ﴾؛ هل هي تعليلٌ لإثابة الغم في قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾، أو هي تعليل لعفو الله في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾. ويتفرَّع عن القول الأول تحديد الوجه في (لا) في قوله ﴿لِّكَيْلَا﴾؛ هل هي (لا) النافية، أو أنها مزيدة. • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "وفي ﴿لِّكَيْلَا﴾ وجهان: أحدهما: أنه متعلَّق ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾، وعلى هذا ففي (لا) وجهان: o (أحدهما): أنها على بابها من كونها نافية غير مزيدة، فاستُشكل على هذا أنه لا يثيبهم الغم لينفي عنهم الحزن؛ إذ لا يترتب على غمِّهم انتفاء حزنهم، بل معناه العكس؛ أي: غمَّهم ليحزنوا عقوبةً لهم على ما حدث منهم من مزايلة المركز والاشتغال بالنهب والأخذ في الهزيمة. وأجبتُ عن ذلك بما ذكره الزمخشري من أن المعنى: «ليتمرنوا على تجرُّع الغموم» إلى آخره (١)، فجعل العلَّة ثبوتية، وهي التمرُّن على تجرُّع الغموم والصبر على احتمال الشدائد، ورتَّب على ذلك انتفاء الحزن، وجعل ظرف الحزن هو مستقبَلٌ لا تعلُّق له بقصة أُحد، بل لينتفي الحزن عنكم بعد هذه القصة. وقال ابن عطية: «المعنى: لتعلموا أن ما وقع بكم إنما هو بجنايتكم، فأنتم آذيتم أنفسكم، وعادة البشر أن جاني الذنب يصبر للعقوبة، وأكثرُ قلقِ المُعاقَب

стр. 113

وحزنه إنما هو مع ظنه البراءة بنفسه» (١) انتهى. o (الوجه الثاني من وجهي (لا)): أنها مزيدة، لأنه لا يترتب على الاغتمام انتفاء الحزن، فهي هنا كهي في قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]؛ قاله أبو البقاء، وقد تقدَّم جواب هذا. والثاني من وجهي تعلق اللام: أنها متعلقة بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾؛ أعلمهم الله تعالى بذلك ليسليهم عما فاتهم وعما أصابهم من الغم، وهذا وإن كان جائزًا في المعنى إلا أن فيه بُعدًا لطول الفصل بين العامل والمعمول" (٢). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن لام التعليل متعلقة بالإثابة، لأنه استبعد القول الآخر بطول الفصل (٣)، ثم إنه يرجِّح أن (لا) نافية، وذلك يظهر من ثلاثة وجوه: الأول: أنه قال في أول الأمر عنها (أنها على بابها من كونها نافية غير مزيدة)، وهو بهذا ينوِّه بالقاعدة التي يرجِّح بها، وهي قاعدة: "إذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه فهو أولى". الثاني: أنه طرح الإشكال عليها وجعل الجواب عنه شأنًا من شؤونه بقوله: (وأجبتُ عنه)، فكأن القول قوله وهو يدافع عنه. الثالث: أنه ذكر علة القول الآخر بكون (لا) مزيدة، وذلك في قوله: (لأنه لا يترتب على الاغتمام انتفاء الحزن)، ولم يذكر له علة غير هذه، ثم ذكر أنه قد أجاب عن هذه العلة بقوله: (وقد تقدَّم جواب هذا)، فهو ينفي علة هذا القول، فهو ساقط عنده. • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: اتفق أكثر المفسرين على أن قوله تعالى ﴿لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا

стр. 114

أَصَابَكُمْ﴾ هو تعليل لقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾، فبعضهم يجري في تفسير الآية على أن الحكمة من الإثابة بالغم هي نفي الحزن عنهم (١)، وعلى هذا جرت الروايات عن مجاهد (٢)، وقتادة (٣)، والسدي والربيع بن أنس (٤)، وبعضهم يصرِّح بأن لام التعليل متعلقة بقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ (٥). وقد نقل بعضهم القول بأن (لا) زائدة، ومنهم أبو البقاء العكبري (٦) كما ذكر ذلك السمين الحلبي، لكن لم يرجح هذا القول منهم إلا القليل (٧)، ويظهر أن أول من قال بأنها زائدة هو المفضل بن سلمة (٨)، كما حُكي عنه (٩). أما إرجاع لام التعليل إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾، فقد ذكر الواحدي أنه قد قال به بعض النحويين (١٠)، واستحسنه القرطبي (١١). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: يمكن الاستدلال للقول بأن لام التعليل متعلقة بقوله ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ بدليلين:

стр. 115

الأول: أن هذا هو المتوافق مع الروايات في قصة غزوة أُحد، وهي تحكي الواقع (١)، وقد نقل بعض أهل العلم أن الآية نزلت بعد الغم الذي كانوا فيه (٢). الثاني: أن هذا هو الظاهر المتبادر للذهن أن يتعلق التعليل بالقريب المذكور المجاور للعبارة، وهو قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ (٣). ويُستدل للوجه الذي رجَّحه السمين الحلبي بأن (لا) في قوله ﴿لِّكَيْلَا﴾ نافية بأن قد جاء تأكيد النفي وتكراره مما يدل على أنه مقصود، فإنه سبحانه قال: ﴿لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾، فالنفي في قوله ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ تأكيدٌ للنفي الذي قبله (٤). وأما جعل (لا) مزيدة، فيمكن أن يُستدل له بأنه أظهر من ناحية أنه سالمٌ من التقدير والتأويل؛ إذ القول بأن (لا) نافية يحتاج إلى تقديرٍ أو تأويلٍ للحزن أو الغم ليتبين المعنى المراد (٥). ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: استدل من قال بأن لام التعليل متعلقة بقوله ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ بأن هذا هو المناسب لانتفاء الحزن، فعفو الله يذهب كل حزن (٦). ٤) الموازنة بين الأدلة: تقدَّم في المسألة السابقة الفصلُ بين الآية التي نحن فيها والآية التي قبلها، وأن الآية السابقة قد حوت جُملًا مستقلة يحسن السكوت عليها، فهذا هو المناسب للمعنى، فلا يسوغ أن يُستدل على أن قوله تعالى ﴿لِّكَيْلَا تَحْزَنُواْ﴾ يرجع إلى قوله ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ بأن هذا هو المناسب للمعنى، لأنه وإن صار المعنى مناسبًا في هذه الآية فإنه يُخِل بتناسب المعنى في

стр. 116

الآية السابقة، فلا تكتمل في معانيها ومقاصدها إلا بتعلقها بالآية التي بعدها، وهذا لا يناسب إذا كان يمكن حملها على التمام بمفردها والاستقلال عن غيرها. كما أنه لا يناسب في نظم الكلام وتسلسله أن يكون مُتعلَّق لام التعليل بعيدًا، بحيث يفصل بين المعلول وعلته عدة جُمل، وهذا ما أشار إلى السمين الحلبي بطول الفصل بين العامل والمعمول. وبهذا يتبين ضعف دليل هذا القول، وقوة الدليل في القول الآخر، فهو المتوافق مع الروايات التي تحكي ما جرى في غزوة أُحد، وهو الظاهر المتبادر للذهن بجعل لام التعليل متعلقة بالمذكور المجاور لها، وهو قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾. إذا تبيَّن بأن هذا هو الظاهر فإنه يمكن أن يقال بأن ظهوره سيكون أكمل إذا جعلنا (لا) زائدة، فإننا بذلك لا نحتاج إلى تكلُّفٍ في التأويل، أو تجوُّزٍ في التعبير، ويمكن الإجابة عن هذا من أربعة وجوه: الأول: أن جعل (لا) زائدة لا يناسب من حيث المعنى، فإنه ولو كان المعنى فيه بسيطًا لا تكلُّف فيه إلا أنه لا يليق الحمل عليه، لأنه بذلك يكون الله سبحانه أراد بعباده الحزن، ولو قيل بأنه عقوبة فإن هذا لا يستقيم؛ كيف وقد قال سبحانه في سياق الآيات التي نزلت في هذه السورة: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ١٣٩ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٠]، فهو ﵎ يواسيهم فيما أصابهم في هذه الغزوة، ويسليهم لكيلا يحزنوا، فكيف يقال إنه سبحانه هو الذي أراد الحزن بهم وهو الذي نهاهم عنه (١)؟! والسياق يدل على أن الله أراد بهم خيرًا من بعد ذلك الغم ولم يُرِد بهم عقوبة، كما قال تعالى في الآية بعدها: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فجعل لهم ما يؤَمِّنهم ويطمئنهم من بعد ذلك الغم، ولو أراد بهم عقوبةً لم يكن لهم ذلك. الثاني: أن من قواعد الترجيح أن "إعمال الكلام أولى من إهماله"، وأنه "إذا دار الأمر بين

стр. 117

الزيادة والتأصيل فحمله على التأصيل أولى" (١)، فلا تحمل (لا) في قوله ﴿لِّكَيْلَا﴾ على الزيادة، وأيضًا فإنه يلزم من حملها على الزيادة حمل (لا) في قوله ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ على الزيادة كذلك. الثالث: أن من قواعد الترجيح أيضًا: "إذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه فهو أولى"، وبقاء (لا) على ما وضعت له من كونها نافية أمرٌ ممكن، فهو أولى. الرابع: أنه يمكن حمل الآية على المعنى اللائق من غير تكلُّف، ومن ذلك أن يقال إن هذه الغموم التي أصابتهم من أجل أن ينسي بعضها بعضًا فلا يحزنوا على ما أصابهم ولا ما فاتهم، وليس بغريبٍ أن ينسى المغموم أمرًا كان يحرص عليه، فلا يحزن بعد ذلك على فواته، أو ينشغل بغمه عن أمرٍ أصابه، فلا تحزنه المصيبة، وليس بغريبٍ أيضًا أن يُراد بالمرء ما يسوءُه ليتحقق له أمرٌ ينفعه، فربما كان الدواء بالداء، وربما صحَّت الأجسام بالعلل (٢). ٥) النتيجة: الراجح أن التعليل في قوله تعالى ﴿لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ هو تعليل لإثابة الغم في قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾، وأن (لا) في قوله ﴿لِّكَيْلَا﴾ هي على بابها في أنها نافية، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم كما ذكر أبو حيان (٣). والله أعلم

стр. 118

المسألة الرابعة: مكان نزول الأمنة قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] • أصل الخلاف في المسألة: الخلاف حول الروايات في الآية، فإن الروايات ظهر منها الاختلاف في تحديد المكان الذي نزلت في الأمنة المذكورة في الآية بما يُفهم منه التعارض، فكيف يُجاب عن هذا الأشكال؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "واختلفوا في المكان الذي نزلت فيه الأمنة، فثبت في البخاري أن أبا طلحة قال: «غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أُحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه» (١)، وفي رواية أخرى: «ورفعت رأسي فجعلت ما أرى أحدًا من القوم إلا وهو يميل تحت حجفته» (٢)، فهذا يدل على أنه كان ذلك في حين المحاربة بأُحد. وعن الزبير: «لقد رأيتُني مع رسول الله ﷺ حتى اشتد بنا الخوف، فأرسل الله علينا النوم، وإني لأسمع قول مُعتِّب بن قُشير والنعاس يغشاني: (لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا)» (٣). وقال الجمهور (٤): إن ذلك حين أرتحل أبو سفيان ومن معه من المشركين من موطن

стр. 119

الحرب، وذلك أن رسول الله ﷺ قال لابن عمه علي بن أبي طالب: (اذهب فانظر القوم، فإن جنَّبوا الخيلَ وركبوا الأبل فهم ناهضون إلى مكة، وإن ركبوا الخيل فهم عائدون إلى المدينة، فاتقوا الله واصبروا)، ووطَّنهم ﵇ على القتال وشجعهم على لقاء العدو، فذهب عليٌّ ﵁ فوجد القوم قد امتطوا الابل وجنَّبوا الخيل، فرجع فأخبر رسول الله ﷺ بذلك، فسُرَّ المسلمون وأمِنوا، فأصابهم النعاس وذهب عنهم القلق، وأما المنافقون فلم يُصدِّقوا لِما داخَلهم من الرعب ولما اشتملت عليه قلوبهم من الكفر، فلم يأخذهم نعاس (١). وأيَّد بعضهم قول الجمهور بقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، وهذا إنما بعد أن هُزموا وتفرقوا ورحل المشركون عن موطن الحرب. وإذا ثبت القولان فكيف يُجمع بينهما؟ فأجاب بعضهم أن المصاف الذي أخبر به أبو طلحة كان في الجبل بعد الكسر، وأشرفَ عليهم أبو سفيان من على الجبل في الخيل المتكاثرة، فرماهم الرماة ومَن كان انحاز إلى الجبل بالحجارة، وأغنى عمر بن الخطاب غَناءً مشهورًا، فأنزلوهم عن مكانهم ذلك، ولم يبرحوا مكانهم ذلك حتى جاءهم خبر قريشٍ أنهم قد ارتحلوا فغشيهم من النعاس ما غشيهم، لحصول الأمن لهم، وأما المنافقون فبقوا خائفين على ما كانوا عليه، وهذا شأن الجبان" (٢). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يختار السمين الحلبي أن الأمَنَة نزلت على المؤمنين لما كانوا على الجبل في نهاية المعركة، وأن ذلك لم يكن على ساحة المعركة في الأسفل، لأنه حكى الروايات عن أبي طلحة والزبير ﵄ وبيَّن أن ظاهرها يتعارض قول الجمهور، ثم حكى القول في الإجابة عن هذا الإشكال واقتصر عليه، فدل على أن هذا القول الذي يختاره وينفي به وقوع التعارض. وهذا الاختيار في الحقيقة هو تفصيلٌ لقول الجمهور، فاختار السمين الحلبي القول الثاني الذي عليه الجمهور، ثم وجَّه القول الأول وجعله تابعًا لقول الجمهور.

стр. 120

• دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: هذه المسألة نقلها السمين الحلبي عن شيخه أبي حيان، فإنه هو الذي أشار إلى وجود التعارض وهو الذي أجاب عنه (١)، وقد ذكر أن القول بأن الأمَنَة نزلت في نهاية المعركة بعد افتراق الجيشين هو قول الجمهور، ولم أقف على من نفى هذا القول أو ذكر أن الأمَنَة نزلت قبل انكسار الجيش واختلال صفه. وقد ذكر بعض أهل العلم أن النعاس وقع منهم أثناء الحرب (٢)، لكن العبارة ليست صريحة في نفي قول الجمهور، فإن غالب من يذكر أن النعاس كان في حال الحرب إنما يذكر ذلك ليبين أنه آية من آيات الله في أن النعاس يغشاهم في مثل هذه الحال، وأحسن العبارات في ذلك ما ذكره أبو نعيم في دلائل النبوة من أن النعاس غشيهم مع قُرب العدو منهم (٣). وكما حُمِلت رواية أبي طلحة ﵁ من أن المصاف الذي ذكره كان في نهاية المعركة لما كانوا في الجبل، فإنه يمكن حمل من قال من أهل العلم أن النعاس غشيهم في حال الحرب أن ذلك في نهاية الحرب، وأن العدو قريبٌ منهم لم يرتحل إلى مكة بعد، والله أعلم. ٢) أدلة القول الأول في المسألة: يُستدل للقول الأول بأن الأمَنَة نزلت في ساحة المعركة أثناء الاصطفاف وتقابل الجيشين بما ثبت في رواية أبي طلحة ﵁: «غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أُحد» (٤)، فالظاهر من قول أبي طلحة «ونحن في مصافنا» أن النعاس كان أثناء الاصطفاف في ساحة المعركة قبل أن ينكسر جيش المسلمين ويختلَّ صفهم (٥)، وقد ثبت في آخر الرواية الأخرى لأبي طلحة الاستشهادُ بالآية: «فذلك قوله : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً

стр. 121

نُّعَاسا﴾» (١)، فهذا يدل على أن النعاس المذكور في الآية هو الذي كان في المصاف قبل أن ينكسر الجيش. ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: يمكن الاستدلال للقول الثاني بأن الأمَنَة نزلت في نهاية المعركة بعد افتراق الجيشين بدليلين: الأول: الرواية التي ذكرها السمين الحلبي أنها قول الجمهور، وهي رواية السدي، وقد ابتدأ بها بعض المفسرين وجعلوا الروايات الأخرى بعدها (٢). الثاني: سياق الآية، ففيه ثلاث إشارات: أولها: أن الآية أفادت أن الأمَنَة نزلت عليهم من بعد الغم، والغم إنما أصابهم في أواخر أحداث المعركة، فإن الله ذكر أحداث المعركة ثم ذكر الغم بعد ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ (٣). وثانيها: أن في قوله ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَة﴾ ما يفيد المهلة والتأخير، لما في (ثم) من الدلالة على التراخي، ففيه إشارة إلى أن الأمَنَة نزلت بعد الغم بفترة، وذلك مؤذِنٌ بأنها في نهاية المعركة (٤). وثالثها: أن الله حكى حال الطائفة التي لم تنزل الأمَنَة عليها، وذكر من أحوالهم: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، ففيه إشارة إلى أن قولهم هذا كان بعد نهاية المعركة، وكان قولهم هذا في حال نزول الأمنة على أهل الإيمان، ويشهد لهذا رواية الزبير ﵁: «وإني لأسمع قول مُعتِّب بن قُشير والنعاس يغشاني: (لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا)» (٥).

стр. 122

٤) الموازنة بين الأدلة: ظاهر رواية أبي طلحة ﵁ تدل على أن النعاس غشيهم قبل الحرب، لأن المصافَّة وترتيب الصفوف إنما تكون قبل الحرب إذا كانوا في مقابل العدو (١)، وهذا هو المتبادر للذهن من هذه العبارة، لكن سياق الآية يشير إلى أن النعاس غشيهم بعد انكسار الجيش واختلال صفه، ولا يمكن أن يقال إن ذلك النعاس في الصف إنما هو خاص بأبي طلحة وحده لأنه قد ذكر في الرواية الأخرى أنه رفع رأسه فرأى القوم قد غشيهم النعاس كذلك (٢)، ويبعُد أن يكون النعاس قد غشيهم مرتين؛ مرة في المصاف، والمرة الأخرى في نهاية المعركة، فلو كان شيء مثل هذا لكان له ذكرٌ في الروايات وفي كتب المغازي، وعلى هذا فيلزم ترجيح أحد القولين وتوجيه القول الآخر. أما من حيث الرواية فإن رواية أبي طلحة أصح وأشهر بخلاف رواية السدي الذي لم يشهد المعركة، لكن سياق الآية يمنع أن يكون النعاس في أول المعركة، بل ذلك بعد انكسار الجيش واختلال صفه، وهذا ظاهر في أول الآيات من قوله ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] إلى قوله ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فالعطف بـ (ثم) يمنع أن يكون ذلك في أول المعركة. بعد هذا يتجه الاحتمال إلى أن يكون النعاس قد غشيهم وهم في المعركة قبل نهايتها بدليل ما جاء في رواية أبي طلحة من أن السيف كان يسقط من يده، فهذا يدل على أن النعاس كان في حال القتال، لكن هذا يبعده ما جاء في رواية أبي طلحة نفسها من أن النعاس غشيهم وهم في المصاف، وما جاء في الرواية الثانية عنه من أن النعاس غشي كثيرًا منهم في وقت واحد، وقوله تعالى ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ يدل على تفرقهم. وبالتأمل في الظرف الذي يمكنهم فيه الاجتماع مرةً أخرى وتسوية الصفوف، فإن الأقرب أن يكون ذلك في نهاية المعركة حيث امتنعوا من عدوهم، وهو الظرف المناسب لانجلاء الغم عنهم، ثم من بعد الغم تنزل الأمَنَة عليهم ويغشاهم النعاس. ٥) النتيجة:

стр. 123

الذي يظهر أن الأمَنَة نزلت على أهل الإيمان في نهاية المعركة لما نزحوا إلى الجبل، وقد جاء في السيرة أنهم في آخر المعركة نزحوا إلى الجبل، وأن النبي ﷺ أرسل عليًا لينظر في أمر المشركين، لكن من غير ذكر النعاس بعد ذلك (١)، وقد روي في بعض الآثار في أن النعاس كان يغشاهم والمشركون تحتهم، ذُكر أن أبا اليَسَر (٢) ﵁ قال: «لقد رأيتُني يومئذ في أربعة عشر رجلًا من قومي إلى جنب رسول الله ﷺ ، وقد أصابنا النعاس أمَنَة مِنه؛ ما منهم رجلٌ إلا يغطُّ غطيطًا حتى إن الحجف لتناطح، ولقد رأيت سيف بِشر بن البراء بن معرور سقط من يده وما يشعر به، وأخذه بعد ما تثلَّم، وإن المشركين لتحتنا» (٣). وروي عن الزهري أن الصحابة ﵃ كانوا جلوسًا مع النبي ﷺ يوم أُحد في أصل الجبل، حتى أُرسل عليهم النعاس أمنة منه، وإنهم ليغُطُّون حتى إن حجفَهم لتنتطح في أيديهم والعدو تحتهم (٤). وعلى هذا تُحمل الروايات عن أبي طلحة والزبير ﵂ وغيرهم؛ أن النعاس غشيهم في آخر المعركة، كما فعل الجصاص ﵀ حيث قال في هذه الآية: «قال طلحة وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وقتادة والربيع بن أنس: كان ذلك يوم أُحد بعد هزيمة مَنْ انهزم من المسلمين، وتوَعَّدَهم المشركون بالرجوع (٥)، فكان مَنْ ثبت من المسلمين تحت الحجف متأهبين للقتال، فأنزل الله تعالى الأمنة على المؤمنين» (٦). والله أعلم.

стр. 124

المسألة الخامسة: التوجيه في قراءة ﴿أمنة نعاسًا تغشى طائفة منكم﴾ [آل عمران: ١٥٤] بالتاء • أصل الخلاف في المسألة: الخلاف هو في قراءة ﴿تغشى﴾ بتاء التأنيث (١)، وذلك في قوله تعالى: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمَنَةً نعاسًا تغشى طائفة منكم﴾؛ كيف يكون إعراب الجملة الفعلية ﴿تغشى﴾ في هذه القراءة. • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "وقرأ الأخوان ﴿تغشى﴾ بالتأنيث، والباقون بالياء من تحت، وقد خرَّجوا قراءة التأنيث على أنها صفةٌ لـ ﴿أمَنَة﴾ مراعاةً لها، ولا بد من تفصيل، وهو إن أعربوا ﴿نعاسًا﴾ (بدلًا أو عطف بيانٍ) أشكل قولهم من وجهين: o أحدهما: أن النحاة نصوا على أنه إذا اجتمع الصفة و (البدل أو عطف البيان) قُدِّمت الصفة وأُخِّر غيرها، وهنا قد قدَّموا (البدل أو عطف البيان) عليها. o والثاني: أن المعروف في لغة العرب أنْ تُحدِّث عن البدل لا عن المبدل منه؛ نحو: هندٌ حُسنُها فاتن، ولا تقول (فاتنة) إلا على ضعف، فجعلهم ﴿نعاسًا﴾ بدلًا من ﴿أمَنَة﴾ يضعف بهذا. • فإن قيل: قد جاء ذلك كقوله: وكأنه لَهِقُ السراةِ كأنه ما حاجبية معَيَّنٌ بسواد فقال (معيَّن) مراعاة للهاء، وهي المبدل منه، ولو راعى البدل لقال: معيَّنان؛ أي: الحاجبان، ومثله قول الآخر: إن السيوف غدوها ورواحها تركت هوازن مثل قرن الأعضب فراعى السيوف في قوله: تركت، ولو راعى البدل لقال: تركا؛ أي:

стр. 125

الغُدوُّ والرواح. • فالجواب أنهما نادران، وبتقدير عدم الندور يُخرَّج الأول على أنه أخبر عن الحاجبين بـ (معيَّن)، لأنهما جريا مجرى الشي الواحد؛ نحو قوله: بها العينان تنهلُّ وعن الثاني بأن غُدوُّها ورواحُها ظرفان؛ أي: في غُدوُّها. وإن أعربوا ﴿نعاسًا﴾ مفعولًا لأجله لزم الفصل بين الصفة والموصوف بالمفعول له. وكذا إن أعربوه مفعولًا به و ﴿أمَنَة﴾ حال لزم الفصل أيضًا، وفي جوازه نظر. فالأحسن حينئذ أن تكون هذه الجملة استئنافية جوابًا لسؤال مقدَّر؛ كأن قائلًا قال: ما حكم هذه الأمنة؟ فأُجيب بقوله: تغشى طائفة" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن الجملة في قوله تعالى ﴿تغشى طائفة منكم﴾ هي جملة استئنافية وليست صفةً لما قبلها، ويظهر ذلك من وجهين (٢): الأول: صيغة التفضيل لهذا القول، وذلك في قوله (فالأحسن). الثاني: أنه ذكر الإشكالات على القول الآخر وفصَّل في ذلك حتى استوفى جميع الوجوه، فهو يمنع من القول الآخر مطلقًا بسبب هذه الإشكالات. • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: قليلٌ من أهل العلم من تعرَّض لهذه المسألة بالتفصيل، وإنما ذكر أهل العلم أن التاء في ﴿تغشى﴾ ترجع إلى الأمَنَة (٣)، ولم يذكروا وجهها في الإعراب؛ هل هي تابعةٌ لما قبلها أم لا.

стр. 126

ومن أهل العلم من صرَّح بأن الجملة صفة ولم يتعرَّض للإشكالات المذكورة (١). والذي ذكر هذه المسألة في الأصل وأظهر الإشكالات فيها هو أبو حيان (٢)، ثم تبعه السمين الحلبي في تقريره وأعاد صياغة المسألة وزاد عليه ورجَّح جوابه عن الإشكالات، وتبعهم على ذلك الآلوسي وغيره (٣)، واقتصر أبو السعود على القول بأن الجملة صفة لـ ﴿أمَنَة﴾ وذكر الإشكالات على هذا القول، ولم يذكر قولًا غيره (٤). ومن أهل العلم من جعل التاء في ﴿تغشى﴾ ترجع إلى معنى النعاس، وهو السِنَة (٥)، وهذا خلاف الظاهر. ٢) أدلة القول الأول في المسألة: القول بأن الجملة الفعلية ﴿تغشى﴾ صفة يمكن أن يستدل له بأن هذا هو الظاهر المتبادر للذهن من تسلسل الكلام، لأن تاء التأنيث في ﴿تغشى﴾ راجعة إلى الأمَنَة، وإذا كانت ترجع إليها فالأولى أن تكون مرتبطةً بها في الإعراب، فتكون صفةً تابعة لها. ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: لم يظهر دليل يختص به القول بأن الجملة ﴿تغشى﴾ مستأنفة إلا أنه هو المخرج من الإشكالات على القول الآخر، فالذي جعل السمين الحلبي يختار هذا القول هو عدم جواز القول الآخر عنده. ٤) الموازنة بين الأدلة: هذه المسألة تنبني على النظر في الإشكالات المذكور وإمكانية الإجابة عنها، فإذا استقام إعراب الجملة على أنها صفة مع الإجابة عن الإشكالات فإنه يؤخذ بذلك لأن هذا هو الظاهر، وإلا فإن الأحسن أن تكون الجملة مستأنفة كما ذكر السمين الحلبي. ولنبدأ بأظهر هذه الإشكالات، وهو أننا إذا أعربنا ﴿نعاسًا﴾ مفعولًا لأجله فإنه يلزم من

стр. 127

ذلك الفصل بين الصفة والموصوف، فإن المفعول لأجله فضلَة يمكن الاستغناء عنها، والارتباط بين الصفة والموصوف وثيق، فلا يفصل بينهما بهذه الفضلة كما أشار إلى ذلك أبو حيان (١). ثم ننظر في الإشكال الآخر وهو مما زاده السمين الحلبي على شيخه أبي حيان، وهو أننا إذا أعربنا ﴿نعاسًا﴾ مفعولًا به للفعل ﴿أنزل﴾ فإنه يلزم من ذلك الفصل بين الصفة والموصوف بهذا المفعول، وهذا الإشكال غير ظاهر، فقد ذكر أبو حيان في موضعٍ آخر جواز أن يُفصَل بين الصفة والموصوف بالمفعول به (٢)، وقال السمين الحلبي هنا (وفي جوازه نظر)، لكن لو قلنا بجوازه هنا فإن في إعراب ﴿نعاسًا﴾ بأنه المفعول لا يستقيم، إذ الظاهر أن المفعول هو ﴿أمَنَة﴾، فإذا جعلنا النعاس هو المفعول به فإننا نحتاج إلى تكلف في التقدير لبيان سبب نصب الأمنة، وقد ذُكر في ذلك أوجه فيها تكلف وبعضها لا يمكن وصفه بالجملة الفعلية ﴿تغشى﴾ (٣). بقي الاحتمال الظاهر في المسألة وهو أن تكون ﴿أمَنَة﴾ مفعولًا به، ويكون ﴿نعاسًا﴾ بدلًا منها، وهذا أظهر من أن يكون عطف بيان (٤)، وفي ذلك إشكالان: الإشكال الأول: أن الصفة ينبغي أن تُقدَّم على البدل عند اجتماعهما. وهذا الإشكال في الحقيقة يرجع إلى الإشكال السابق في الفصل بين الصفة والموصوف، فالعلة التي لأجلها قدَّم النحاة الصفة على البدل هي نفس العلة التي لأجلها منعوا الفصل بين الصفة والموصوف، وهي التلازم الشديد بين الصفة والموصوف حتى تكون الصفة كجزء من الموصوف (٥)، لكن الإشكال في البدل أكبر، فإنه يفصل الصفة عن الموصوف فصلًا تامًا، ولعله لأجل هذا خُصص بالذكر في هذا الإشكال؛ قال أبو حيان: "القاعدة أنه إذا اجتمع البدل والوصف قدم الوصف على البدل، وسبب ذلك أنه على نية تكرار العامل على المذهب الصحيح، فصار من جملة أخرى على المذهب" (٦). وبيان ذلك أن العامل في البدل يتكرر من خلال التقدير، فإذا قلت: جاءني أخوك زيدٌ،

стр. 128

فهو على تقدير: جاءني أخوك، جاءني زيدٌ، وبهذا يكون المبدل منه في جملة، ويكون البدل في جملةٍ أخرى، ففي المسألة التي نحن فيها المبدلُ منه هو الموصوف، وهو في جملة مستقلة، ثم يكون بعده البدل مع الصفة في جملة أخرى، وبهذا يظهر الفصل التام بين الصفة والموصوف بحيث لا يستقيم إلحاق الصفة بالموصوف، لأن التقدير يكون كالآتي: (أنزل أمَنَة)، (أنزل نعاسًا) تغشى، وهذا لا يستقيم. هذا على مذهب من يقول إن العامل في البدل يتكرر (١)، وأما المذهب الآخر فليس فيه إلا عاملٌ واحد وليس فيه تقدير جملتين، لكن لا يزال الفصل بين الصفة والموصوف، وبهذا يظهر أنه لا حلَّ لهذا الإشكال. الإشكال الثاني: أن المعروف في لغة العرب أنْ تُحدِّث عن البدل لا عن المبدل منه، وعلة ذلك كما ذكر السمين الحلبي "أن الاعتماد إنما هو على البدل دون المبدل منه، فإنه في حكم المُطَّرح" (٢). هذا إشكال معنوي مبني على مفهوم البدل بأنه هو المراد بالحديث وهو المقصود في جعل الخبر عنه، ولذلك أُبدل مما قبله وصار بديلًا عنه، فصار الذي قبله كالمُطَّرح من حيث المعنى، فلا يدور الحديث عنه (٣). وهذا الإشكال يتجه هنا ابتداءً إلى الأمر الأصلي الذي يراد التحدُّث عنه في الآية وهو الإنزال، فيقال إن المقصود بالإنزال هو النعاس لأنه جاء بديلًا عن الأمَنَة، فصار الحديث عن الإنزال يدور حول النعاس، وصارت الأمَنَة في حكم المُطَّرح فلا يدور الحديث عنها، ثم يبقى الأمر بعد هذا الحديث في الكلام عن الغشيان؛ هل يمكن أن نجعله تابعًا لهذا الحديث ونلحقه به على أن نربطه بالأمَنَة ولا نربطه بالنعاس؟ فالجواب أن ذلك غير ممكن لأن الحديث صار عن النعاس وليس عن الأمَنَة، فإذا أردت التحدُّث عن الأمَنَة فاجعل ذلك في حديث آخر وجملةٍ أخرى مستأنفة غير هذه الجملة التي فيها البدل. وقد ذكر السمين الحلبي حجة من يخالف مفهوم البدل هذا وذكر الجواب عن حجتهم بما

стр. 129

يغني ويكفي (١)، والله الموفق. ٥) النتيجة: الذي يظهر أن تكون الجملة الفعلية ﴿تغشى﴾ جملة مستأنفة، ولا يمكن جعلها صفة لأنه قد حيل بينها وبين الموصوف، ولأن هذا هو الأسهل في فهم الآية من غير مخالفةٍ للقواعد المعتبرة في اللغة أو تكلُّف في التقدير.

стр. 130

المسألة السادسة: وجه الاستفهام في قوله ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ • أصل الخلاف في المسألة: الأصل في (هل) أنها حرف استفهام فتأتي لأجل الاستخبار عن الشيء، وقد يكون الاستفهام فيها لأجل النفي فيكون معناها مثل معنى (ما) النافية (١)، كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥]، هو مثل معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤، والعنكبوت: ١٨]، والخلاف هنا في الاستفهام بـ (هل) في الآية؛ هل يُراد به الاستخبار، أو يُراد به النفي؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "ثم أخبر عنهم أنهم يقولون لرسوله؛ أي: يسألونه: هل لنا معاشر المسلمين من الأمر -أي: من أمر الله- نصيبٌ قط؟ يعنون النصر والظهور على العدو … والاستفهام على هذا على بابه من الاستخبار. وقيل إنه بمعنى النفي، ويدل له ما ذكر في سبب النزول عن ابن جريج وقتادة أنه قيل لعبد الله بن أُبي ابن سلول: قُتل بنو الخزرج، فقال: وهل لنا من الأمر شيء (٢)؛ أي: ليس لنا أمرٌ يُطاع؛ لو سمع مِنْ رأينا لم يخرج من المدينة ولم نقاتل فلم يُقتل منَّا أحد. وقيل: معناه: لسنا على الأمر الحق، ولو كنا عليه لما غلبنا عدونا، قاله ابن فورك والمهدوي، واستُبعد هذا للرد عليهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، فإنه ظاهر في معنى ما تقدم من أن المعني به سوء الرأي في الخروج، وأنه لو قعد كما أشاروا عليه لم يُقتل من قُتل. ويُشكل على كون الاستفهام نفيًا أن من نفى عن نفسه شيئًا لا يُرد عليه بإثباته لغيره،

стр. 131

لأنه مقرٌّ بذلك، ونظير ذلك أن تقول: ليس لي أمرٌ ولا نهي، فيقال لك: إن الأمر والنهي للسلطان؛ لا يَحسُن هذا، إنما كان يَحسُن أنْ لو قلت: إن لي الأمر والنهي. فإن قدَّرت جملةً أخرى إثباتية مع هذه الجملة المنفية صحَّ ذلك؛ أي التقدير: ليس لنا من الأمر شيء، بل لمَن أَكرَهنا على الخروج وحملنا عليه، فحينئذٍ يَحسُن جوابه بذلك، وبهذا التقدير أيضًا يُخرَّج الجواب عن ابن فورك والمهدوي" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن الاستفهام لأجل الاستخبار وأنه لا يُراد به النفي، وهذا الترجيح يظهر من ثلاثة وجوه: الأول: أنه اعتمد على هذا القول في تفسير الآية قبل ذكر الخلاف في المسألة، وذلك في قوله: (يسألونه)، فأفاد أن الاستفهام للاستخبار. الثاني: أنه أشار بقوله (والاستفهام على هذا على بابه من الاستخبار) الى قاعدة الترجيح عنده، وهي أنه "إذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه فهو أولى" (٢). الثالث: أنه تعقَّب القول الآخر وذكر الإشكال عليه، ولم يتعقَّب القول الأول فدل على ترجيحه له. • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: أول من صرَّح بأن الاستفهام في الآية للاستخبار هو الزمخشري، فذكر هذا المعنى وبنى عليه، وأشار إلى القول الآخر ولم يفصِّل فيه (٣)، ثم رجَّح أبو حيان أن الاستفهام للاستخبار وذكر الأشكال على القول الآخر (٤)، وتبعه في ذلك السمين الحلبي، ولم أقف على من وافقهم

стр. 132

على ذلك (١)، بل أكثر أهل العلم ذكروا بأن المراد النفي، وأن (هل) بمعنى (ما) النافية (٢). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: يستدل للقول الأول بأن الأصل في الاستفهام أن يكون للاستخبار والاسترشاد، فيبقى الاستفهام على أصله ولا يخرج عنه إلا بدليل ظاهر. ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: وهي دليلان: الأول: أشار إليه السمين الحلبي بالرواية التي ذكرها من قول عبد الله بن أُبي ابن سلول أنه قال على وجه التسخط: "وهل لنا من الأمر شيء" (٣)، وبيَّن السمين الحلبي أن معنى كلامه: (ليس لنا أمرٌ يُطاع)، وسياق القصة يقتضي هذا المعنى، وقد جاء بيان هذا المعنى في رواية أخرى أنه قال: "إنَّا واللهِ ما نُؤامر" (٤)، وهذا ظاهرٌ في أنه ينفي أن يكون لهم من الأمر من شيء. الثاني: سياق الآية، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، فهم في هذا ينفون أن يكون لهم من الأمر شيء، فدل على أن الاستفهام للنفي، وأيضًا قوله تعالى في الآيات اللاحقة ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ﴾ [آل عمران: ١٦٨] يشهد بأن المراد (ليس لنا أمرٌ يُطاع) (٥). ٤) الموازنة بين الأدلة: النقاش في هذه المسألة مبني على تحديد المراد بـ (الأمر) في الآية، وذلك في قوله: ﴿هَل لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، وقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ

стр. 133

لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، وظاهرٌ أن (الأمر) في هذه المواضع الثلاثة هو في معنى واحد، ولا يستقيم أن يكون معنى الأمر فيها مختلف من موضع إلى آخر، لأن هذه المواضع يتبع بعضها بعضًا، وهي في سياق واحد (١). وقد ذكر الزمخشري أنه إذا كان المراد بالاستفهام الاستخبار فإن معنى الأمر النصرُ والغلبة، وإذا كان الاستفهام للنفي فإن معنى الأمر التدبير (٢)، فيكون المعنى على الأول: (هل لنا من الغلبة شيء)، (قل إن الغلبة كلها لله ولأوليائه أو إن الغلبة والنصرة بيد الله ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦])، (يقولون لو كان لنا من الغلبة شيء كما تزعمون لما قُتلنا هاهنا)، ويشهد لهذا الأخير قول الربيع بن أنس: "لو كُنَّا على شيءٍ من الأمر ما قتلنا هاهنا" (٣)، ويكون قصدهم بذلك الطعن في الدين، لكن لو كان هذا مقصدهم لكان مرادهم بالاستفهام النفي وليس الاستخبار، وهذا المعنى قريبٌ من المعنى الذي ذكره ابن فورك والمهدوي، وقد جعلا المراد بالاستفهام النفي، وذلك في قولهم: (لسنا على الأمر الحق، ولو كُنَّا عليه لما غلبنا عدونا) (٤)، فلو كان المراد بالأمر الغلبة أو النصر أو الدين الحق لكان الأقرب أن الاستفهام للنفي. وأما إذا كان المراد بالأمر التدبير فيكون المعنى على النحو الآتي: (ليس لنا من التدبير شيء)، (قل إن التدبير كله لله وبيده القضاء والتقدير)، (يقولون لو كان لنا من التدبير شيء ما قتلنا هاهنا)، ويكون قولهم هذا على وجه الاعتراض على القدر، وهذا يتناسب أكثر مع الجواب عليهم بعد ذلك: ﴿قُل لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾، فإن فيه البيان بأن قدر الله نافذٌ في كل الأحوال، ويشهد لهذا المعنى ما روي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، قال: "يعني القدر خيره وشره من الله تعالى" (٥).

стр. 134

ونصر هذا المعنى ابن القيم وبالغ في إثباته (١). وقد ذكر بعض أهل العلم قرينةً على أن المراد بالاستفهام النفي وذلك في صيغة القول: ﴿هَل لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾، فزيادة (مِنْ) قبل النكرة (شيء) هي من خصائص النفي (٢)، وهذا ليس بلازم فقد تُزاد (مِنْ) قبل النكرة وبعد الاستفهام بـ (هل) ولا يكون المراد النفي، وذلك نحو قوله: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [التوبة: ١٢٧]، وقوله: ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] (٣). وقد ذكر السمين الحلبي الإشكال على كون الاستفهام للنفي، وذكر الجواب عنه بتقدير جملة أخرى ثبوتية، ويمكن أن يجاب عنه أيضًا بأن قولهم هذا كان بعد المعركة على وجه التسخط والجزع على أقدار الله، وقد كان ينفع مناقشتهم في الجواب لو كان قولهم قبل المعركة، لكن بعد المعركة لا يكون قولهم إلا على وجه التسخط والجزع فلا يجدي النقاش معهم، بل يُذكرون بأن التقدير والتدبير إنما هو بيد الله في الأصل، وهذا كمن ينازع السلطان بعد أن استقر له الحكم إذا قضى عليه قضاءً، فيقول: ليس لي أمرٌ ولا نهي، فيقال له: إن الأمر والنهي قد آل إلى السلطان. ويمكن أن يقال إن السياق يشكل على أن يكون الاستفهام على حقيقته من الاستخبار والاسترشاد، لأن السياق يقتضي ذمَّ مقولتهم، والذي يسأل للاستخبار والاسترشاد لا يذم قوله على الإطلاق. ٥) النتيجة: الظاهر أن المراد بالاستفهام النفي، فيكون مصروفًا عن حقيقته في كونه للاستخبار، لأن السياق يقتضي ذلك، وذلك ظاهر جدًا إذا قلنا إن المراد بالأمر في الآية التدبير، وهو الأقرب. كما أن الروايات في قصة أُحد تشهد لمعنى النفي بخلاف القول الآخر فليس له شاهد في الواقع، والله أعلم.

стр. 135

المسألة السابعة: معنى ﴿مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ • أصل الخلاف في المسألة: قوله تعالى ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ يفيد ظاهره أن القتل وقع عليهم، فإذا كانوا قد قتلوا فكيف بقيت لهم حياة حتى يقولوا مثل هذا القول؟! فلا بد من تأويل يناسب قولهم. ومثل هذه المسألة ما جاء في قراءة: ﴿فإن قتلوكم فاقتلوهم﴾ (١)، فما المراد بالقتل في الآيتين؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "ومعنى ﴿مَّا قُتِلْنَا﴾: ما قُتل بعضنا أو إخواننا، لأن المقتول لا يتأتَّى منه ذلك. ويجوز أن يكون معناه: ما شارفنا القتل، كقوله: (من قَتَل قتيلًا فله سَلَبه). وقال الشيخ: «وهذا من إطلاق اسم الكُل على البعض مجازًا» (٢) انتهى. والأول أظهر" (٣). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن المراد (ما قُتل بعضنا)، لأن هذا هو القول الأول وقد صرَّح بصيغة التفضيل له في قوله: (والأول أظهر).

стр. 136

• دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: أكثر أهل العلم على أن المراد بقوله ﴿مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾: ما قُتل بعضنا (١)، وإلى هذا مال أبو حيان ووجَّه ذلك بالعبارة التي نقلها السمين الحلبي عنه بأن هذا من إطلاق اسم الكُل على البعض مجازًا (٢). ومن المفسرين من أشار إلى احتمال أن يكون المراد بقوله ﴿مَّا قُتِلْنَا﴾: ما غُلبنا (٣)، ولم أقف على من قال بأن المراد في الآية: ما شارفنا القتل، ويظهر أن هذه طريقة السمين الحلبي في هذه الآية وأمثالها أنه يُورد الاحتمالين المذكورين، ولم أره رجَّح بينهما إلا في هذا الموضع (٤). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: يمكن أن يستدل للقول الأول بأن المقتول بعضهم هو أن القتل يمتنع أن يقع عليهم جميعًا، فيُسند القتل إلى من وقع عليه منهم، وهو بعضهم، وبهذا يبقى القتل على حقيقته، ويكون التجوُّز في المفعول لا في الفعل (٥). ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: يمكن أن يستدل للقول الثاني بأنهم شارفوا القتل وكادوا يُقتلون هو أن القتل يمتنع أن يقع عليهم جميعًا، والقائلون لهذه العبارة ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ إنما يشكون حالهم لا حال غيرهم، ويتكلمون عن مصيبتهم لا عن مصيبة غيرهم، فيُتجوَّز في الفعل بأنهم كادوا يُقتلون ويكون الفعل مسندًا إليهم لا إلى غيرهم، لأنهم لم يرضوا أن يكونوا في المعركة أصلًا، فلا يرضون أن يشاركوا الذين خرجوا في مصيبتهم (٦).

стр. 137

٤) الموازنة بين الأدلة: الذي يظهر أن التجوُّز في المفعول أسهل من التجوُّز في الفعل، لأننا إذا تجوَّزنا في المفعول فإننا نبقي الفعل على حقيقته، وهم إنما ذكروا القتل يريدون به حقيقته لكن أسندوه إلى أنفسهم وإلى غيرهم لأجل تهويل الأمر، وهذا أبلغ في التَّشَكي من أن يكون المراد شارفنا القتل، لأن الذي شارف القتل وكاد يموت ثم نجا بعد ذلك لا يعُد هذه نقمة، بل يعتبرها نعمة، ويكونون حينئذٍ ضمُّوا أنفسهم إلى المقتولين وشاركوهم في مصيبتهم، كما يضم الضعيف نفسه إلى غيره ليقوي موقفه. ثم إن مصيبة القتل والموت هي المصيبة الأكبر، لأنها لا تنجبر، وأما غيرها فقد ينجبر. ٥) النتيجة: الراجح أن المراد بالآية: ما قتل بعضنا، لأنه حينئذٍ سيبقى لفظ القتل على حقيقته ويكون المجاز عقليًّا، وأما إذا تجوَّزنا في لفظ القتل فإن المجاز سيكون مجازًا لغويًّا، والمجاز العقلي أولى من المجاز اللغوي (١).

стр. 138

المسألة الثامنة: معنى ﴿اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥] • أصل الخلاف في المسألة: (الألف والسين والتاء تدلُّ على الطلب)؛ هذا هو المشهور المعتاد، لكنه ليس بلازمٍ في كل الأحوال، والمسألة هنا تبحث في قوله تعالى: ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾؛ هل فيه معنى الطلب أم لا؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "و ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ طلب منهم الزلَّة؛ قال الزمخشري: «طلب منهم الزلل ودعاهم إليه، ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ من ذنوبهم، ومعناه: أن الذين انهزموا يوم أُحد كان السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوبًا، فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا» (١)، ولما حكى الشيخ هذا المعنى قال: «هكذا قالوه، ولا يلزم من طلب الشيء واستدعائه حصوله، فالأولى أن يكون (استفعل) هنا بمعنى (أفعل)، فيكون المعنى: أزلَّهم الشيطان، فيدل على حصول الزلل، ويكون (استزل) و (أزل) بمعنى واحد، كـ (استبان) و (أبان)، و (استبلَّ) و (أبلَّ)، كقوله تعالى ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] على أحد تأويلاته، واستزلالُ الشيطان إياهم سابق على وقت التولي؛ أي: كانوا أطاعوا الشيطان واجترحوا ذنوبًا قبلُ منعتهم النصرَ ففروا» (٢). وهذا الذي قاله الشيخ وإن كان رجح اللفظ نقيضه إلا أن السياق والقرائن يدل على المعنى الذي ذكره المفسرون" (٣).

стр. 139

• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن قوله تعالى ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ يدل على الطلب، وهذا ظاهر من ثلاثة وجوه: الأول: أنه فسَّر اللفظ ابتداءً بهذا المعنى، ثم ذكر الخلاف بين الزمخشري وأبي حيان في ذلك، فدل على أن هذا القول هو المعتمد عنده. الثاني: أنه تعقَّب قول شيخه أبي حيان ولم يتركه، بل ذكر أن السياق والقرائن تدل على القول الآخر. الثالث: أنه أشاد بهذا القول الآخر وبيَّن مكانته بأنه هو الذي ذكره المفسرون، وجعل قول شيخه أبي حيان منفردًا في مقابل أقوال المفسرين. وقد اختلف قول السمين الحلبي في هذه المسألة، فتراه هنا يرجِّح معنى الطلب، وكذلك في عمدة الحفاظ، فإنه فسَّر قوله ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أنه بمعنى: "استجرهم وطلب زللهم" (١)، واقتصر على هذا التفسير، فدل على أنه الراجح عنده، لكنه لم يجرِ على ذلك في الدر المصون فقد قال: "والسين في ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ للطلب، والظاهر أن (استفعل) هنا بمعنى (أفعل)، لأن القصة تدل عليه، فالمعنى حملهم على الزلة، ويكون كـ (استبلَّ) و (أبلَّ) " (٢)، ففي أول كلامه يقرر معنى الطلب، ثم خالف ذلك مباشرة بأن الظاهر هو القول الآخر وأن القصة تدل عليه، وهذا لا يتوافق مع ترجيحه هنا ولا يتلاءم مع ما ذكره هنا من أن السياق والقرائن تدل على المعنى الذي ذكره المفسرون، وهو معنى الطلب. فإما أن يكون قوله (والظاهر) في الدر المصون لا يقتضي الترجيح، فإنه قد يذكر الظاهر ولا يرجِّحه كما سبق بيانه، لكن هذا لا يتناسب مع بقية كلامه، وإما أن يكون قد غيَّر رأيه في المسألة.

стр. 140

• دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: رجَّح كثيرٌ من أهل العلم أن الفعل في الآية يدل على الطلب (١)، ومن أهل العلم من رجَّح أن ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ بمعنى (أزلَّهم)، وهم قليل (٢)، فجمهور المفسرين على القول الأول كما أشارت إليه عبارة السمين الحلبي هنا. ٢) أدلة القول الأول في المسألة: يُستدل للقول بأن ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ تدل على الطلب أن هذا هو الظاهر المتبادر للذهن، لأن الأصل في صيغة (استفعل) أن تكون دالة على الطلب، وما خرج عن هذا فهو خلاف الأصل (٣). وقد ذكر السمين الحلبي هنا أن السياق والقرائن تدل على هذا القول، ولم يتبين لي وجه ذلك، لكن قد ذكر ابن عطية أن معنى الطلب في ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ هو مقتضى وسوسة الشيطان وتخويفه (٤)؛ أي إن فعل الشيطان لا يعدو أن يكون طلبًا واستدعاء، ثم استجابوا لطلبه ودعوته فزلوا. ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: دليل القول بأن ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ بمعنى (أزلَّهم) هو أن المقصود من الآية العتاب واللوم على أمرٍ وقعوا فيه، فلا بد أن يُحمل الفعل في قوله ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ على ما يدل على وقوعه، فيكون بمعنى (أزلَّهم) (٥).

стр. 141

وما ذكره السمين الحلبي في الدر المصون من أن القصة تدل على هذا القول يمكن أن يرجع إلى هذا المعنى بأن الآية تحكي حالًا قد وقعت فيُحمل الفعل فيها على ما يدل على وقوعه، والله أعلم. ٤) الموازنة بين الأدلة: قد سبق التنبيه إلى قاعدة الترجيح: "إذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه فهو أولى"، فالأولى أن تبقى صيغة (استفعل) على ما وُضعت له في الأصل وهو معنى الطلب، لكن يُنظر في الاعتراض الذي ذكره أبو حيان على معنى الطلب، فإنه قد يُخرج الصيغة عن أصلها، وأيضًا فإنه وإن كان الأصل في صيغة (استفعل) أنها للطلب إلا أن وجود (استفعل) بمعنى (أفعل) كثيرٌ في القرآن (١)، فلا يَبعُد أن تكون هذه الآية منه. وأما ما ذكره ابن عطية من أن معنى الطلب هو مقتضى وسوسة الشيطان وتخويفه فهذا لا ينافي الحمل على معنى (أزلهم)، لأن الذين قالوا بهذا المعنى لا يقصدون أن ذلك كله من عمل الشيطان، بمعنى أن الشيطان تسلَّط عليهم وأنفذ فعله فيهم، بل ذكروا أن معنى ﴿اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾: أزلَّهم بوسوسته (٢)، فهو كالمكيدة منه، لكن معنى الطلب أدلُّ على وسوسة الشيطان وتخويفه. وأما ما ذكره أبو حيان أنه لا يلزم من طلب الزلل إفادةُ وقوعه، فذلك لأن الآية فيها عتابٌ لهم على أمرٍ وقعوا فيه، كما أن فيها بيان السبب الذي أدى إلى تولِّيهم وهو استزلال الشيطان إياهم، فإذا قلنا إن المراد بالآية أنهم تولَّوا لأن الشيطان وسوس لهم وسعى في تخويفهم كأنه يطلب الزلة منهم لم يكن التعليل تامًّا، لأنهم قد يخالفون الشيطان فلا يقعون في الزلل، وأيضًا فإنه لا يصح عتابهم على مجرد أن الشيطان كان يوسوس لهم ويسعى في تخويفهم، فهذا أمرٌ لا يملكونه، فلا يكتمل التعليل ولا يصح العتاب إلا أن يُقدَّر في الكلام أنهم وقعوا في الزلة التي كان الشيطان يطلبها، وعدمُ التقدير أولى من التقدير. وأيضًا، فإن قوله تعالى ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ يدل على وقوع الزلل منهم ويبيِّن سببه؛ أنه زللٌ واقع بسبب بعض ما كسبوا من الذنوب، وهو أحسن من أن يقال إن الشيطان وسوس لهم

стр. 142

وسعى في طلب زلتهم بسبب بعض ما كسبوا من الذنوب، لأن الشيطان يسعى في طلب إغواء بني آدم في كل حين. ٥) النتيجة: الذي يظهر أن قوله تعالى ﴿اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ معناه: أزلَّهم الشيطان، وهو عين ما فعله الشيطان مع الأبوين، كما في قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾، فلا يبعُد أن يكون فعله هنا مثل ذلك الفعل، بأن يكون وسوس لهؤلاء الذين تولوا كما وسوس للأبوين، وأظهر النصح في ذلك كما فعل مع الأبوين حتى زلوا. وهذا هو المناسب لمعنى الزلَّة فإنها تكون من غير قصد (١)، فلا يُتصوَّر طلبها من أحدٍ إلا أن يكون معنى الطلب مقدَّرًا (٢)، وبهذا يظهر أن معنى الطلب يحتاج إلى تقدير في إثباته، كما أنه يحتاج إلى تقدير في بيان الاستجابة له وإثبات أنهم زلوا ليستقيم التعليل والعتاب في الآية، وهذا مما يضعف معنى الطلب ويرجِّح المعنى الآخر وهو أن ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ بمعنى (أزلَّهم)، وتكون السين والتاء للتأكيد والمبالغة، كما ذكر ابن عاشور (٣)، والله أعلم.

стр. 143

المسألة التاسعة: حُكم التولي المذكور في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ • أصل الخلاف في المسألة: المسألة في إجلال الصحابة رضوان الله عليهم، والخلاف فيها حول الملابسات التي جرت في غزوة أُحد وتنزيل أحكام الجهاد عليها، وذلك في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾؛ هل كان هذا التولي معصية في حق الصحابة رضوان الله عليهم، أم أنه كان مأذونًا فيه بالنظر إلى حالهم وما نزل بهم؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "واختلف الناس في هذا التولي؛ هل يوصف بكونه معصيةً أم لا؟ فالظاهر أنه معصية عفا الله عنها لأصحابها، وهي وإن كانت هيِّنةً لذاتها فقد عظمت بالنسبة إلى مَنْ فرُّوا عنه، وكان عليهم أن يَقُوه بأنفسهم، وهو واجبٌ حتم؛ يجب وقاية الأنبياء بالأنفُس بلا خلاف، ولا سيما سيد الأنبياء، ويدل على ذلك كونه سماه استزلالًا من الشيطان، وبقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، والعفو إنما يكون -أو يوشك أن يكون- عن ذنب، ولذلك قال الشافعي ﵁ في قوله ﵇ (الصلاة في أول الوقت رضوان الله، وفي آخره عفو الله) (١): «يوشك أن يكون العفو عن المقصرين» (٢). ثم ختم التأنيس بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾؛ أي: بسبب تلك الذنوب التي اقترفوها، ولو لم يُعقِّب على ذلك بهذا لتفطَّرت أكبادهم ﵃. وذهب آخرون إلى أنه ليس معصية، وذكروا لسبب ذلك أشياء:

стр. 144

منها: أن الفرار كان مباحًا، لأن الكفار كانوا يزيدون على الضعف؛ إذ كان المؤمنون سبع مئة، والكفار ثلاثة آلاف. ومنها: أنهم لما سمعوا بقتله ﵇ ووقع في ظنهم ذلك تحصنوا بالمدينة ليقطعوا أطماع الكفرة منهم. ومنها: أنهم لم يسمعوا دعاءه ﵊: (إليَّ عباد الله؛ أنا رسول الله) (١)، ولو سمعوا ذلك لم يُشكَّ أنهم كانوا يرجعون إليه لا محالة. ومنها: أنهم لم يظنوا أنه ﵇ انحاز إلى الجبل، وجعل ظهره للمدينة، بل جوزوا أن يكون ذهب إلى المدينة. ولقد عفا الله بكرمه عنهم حيث لم يؤاخذهم، وأعقب ذلك بإنزال الأمنة عليهم. قال ابن عطية: «والفرار من الزحف كبيرة من الكبائر بإجماعٍ كما علمت، عدَّها رسول الله ﷺ من الموبقات، مع قتل النفس والشرك وغيرها» (٢) انتهى. يعني أن هذا العفو إنما كان عن ذنب كما قدمناه، وبه قال ابن جريج" (٣). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن التولي المذكور في الآية معصيةٌ عفا الله عنها، وهذا يظهر من ثلاثة وجوه: الأول: الترجيح بالظاهر في أول المسألة، وذلك في قوله: (فالظاهر أنه معصيةٌ عفا الله عنها لأصحابها). الثاني: أنه استدل لهذا القول وفصَّل فيه، وذكر استدلال أصحاب القول الآخر بصيغة توحي بالتبعيد حيث قال: (وذكروا لسبب ذلك أشياء). الثالث: أنه ختم المسألة بالرجوع إلى القول الذي استظهره أولًا، وأشار إلى جلالته بذكر من قال به من أهل العلم، وأنه مقتضى قول ابن جريج وابن عطية، ولم يفعل ذلك مع القول الآخر، فلم يذكر من قال به من أهل العلم.

стр. 145

• دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: ذكر أكثر أهل العلم ما يفيد أن التولي المذكور في الآية معصيةٌ عفا الله عنها؛ قال ابن جريج: "عفا الله عنهم إذ لم يعاقبهم" (١)، وهذا يدل على أنه يرى أن التولي معصية تستحق العقوبة، ومِن قبله ذكر سعيد بن جبير والحسن البصري أن الله عفا عنهم إذ لم يستأصلهم (٢). وهذا القول هو مقتضى كلام ابن عطية كما بيَّنه السمين الحلبي هنا، وهو مقتضى كلام ابن تيمية كذلك (٣)، وقد صرَّح به عدد من أهل العلم (٤). وأول من ذكر الخلاف في هذه المسألة فيما وقفت عليه هو القرطبي، وهو الذي أشار إلى الأعذار المذكورة على أنه قد قيل بها (٥)، ولم أقف على من قال بها، ولم أقف على من صرَّح أن التولي ليس بمعصية إلا ما ذكره محمود شكري الآلوسي (٦) أن التولي كان قبل النهي عنه (٧). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: يستدل لمن قال بأن التولي المذكور في الآية معصيةٌ عفا الله عنها بدليلين؛ دليلٌ يتجه إلى حكم العمل نفسه وأنه محرَّمٌ في الأصل، ودليلٌ يتجه إلى العامل وأنه قد وقع في ذنب، وذلك على النحو الآتي: الدليل الأول: حكم التولي المذكور في الآية، وذلك من وجهين: الوجه الأول: أن الأصل في التولي يوم الزحف أنه محرَّم، فلا يجوز إلا بعذرٍ يبيح ذلك، وهذا ما يشير إليه النقل عن ابن عطية، وقد أفاد هذا الحكمَ قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
следующие страницы →