← Тафсир

Тафсир · id 1109

ترجيحات السمين الحلبي - من آية 138 سورة آل عمران إلى آخر السورة

عبد الله بن سليمان النملة

Полный текст (376 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وما ذكره السمين الحلبي في الدر المصون من أن القصة تدل على هذا القول يمكن أن يرجع إلى هذا المعنى بأن الآية تحكي حالًا قد وقعت فيُحمل الفعل فيها على ما يدل على وقوعه، والله أعلم. ٤) الموازنة بين الأدلة: قد سبق التنبيه إلى قاعدة الترجيح: "إذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه فهو أولى"، فالأولى أن تبقى صيغة (استفعل) على ما وُضعت له في الأصل وهو معنى الطلب، لكن يُنظر في الاعتراض الذي ذكره أبو حيان على معنى الطلب، فإنه قد يُخرج الصيغة عن أصلها، وأيضًا فإنه وإن كان الأصل في صيغة (استفعل) أنها للطلب إلا أن وجود (استفعل) بمعنى (أفعل) كثيرٌ في القرآن (١)، فلا يَبعُد أن تكون هذه الآية منه. وأما ما ذكره ابن عطية من أن معنى الطلب هو مقتضى وسوسة الشيطان وتخويفه فهذا لا ينافي الحمل على معنى (أزلهم)، لأن الذين قالوا بهذا المعنى لا يقصدون أن ذلك كله من عمل الشيطان، بمعنى أن الشيطان تسلَّط عليهم وأنفذ فعله فيهم، بل ذكروا أن معنى ﴿اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾: أزلَّهم بوسوسته (٢)، فهو كالمكيدة منه، لكن معنى الطلب أدلُّ على وسوسة الشيطان وتخويفه. وأما ما ذكره أبو حيان أنه لا يلزم من طلب الزلل إفادةُ وقوعه، فذلك لأن الآية فيها عتابٌ لهم على أمرٍ وقعوا فيه، كما أن فيها بيان السبب الذي أدى إلى تولِّيهم وهو استزلال الشيطان إياهم، فإذا قلنا إن المراد بالآية أنهم تولَّوا لأن الشيطان وسوس لهم وسعى في تخويفهم كأنه يطلب الزلة منهم لم يكن التعليل تامًّا، لأنهم قد يخالفون الشيطان فلا يقعون في الزلل، وأيضًا فإنه لا يصح عتابهم على مجرد أن الشيطان كان يوسوس لهم ويسعى في تخويفهم، فهذا أمرٌ لا يملكونه، فلا يكتمل التعليل ولا يصح العتاب إلا أن يُقدَّر في الكلام أنهم وقعوا في الزلة التي كان الشيطان يطلبها، وعدمُ التقدير أولى من التقدير. وأيضًا، فإن قوله تعالى ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ يدل على وقوع الزلل منهم ويبيِّن سببه؛ أنه زللٌ واقع بسبب بعض ما كسبوا من الذنوب، وهو أحسن من أن يقال إن الشيطان وسوس لهم

стр. 142

وسعى في طلب زلتهم بسبب بعض ما كسبوا من الذنوب، لأن الشيطان يسعى في طلب إغواء بني آدم في كل حين. ٥) النتيجة: الذي يظهر أن قوله تعالى ﴿اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ معناه: أزلَّهم الشيطان، وهو عين ما فعله الشيطان مع الأبوين، كما في قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾، فلا يبعُد أن يكون فعله هنا مثل ذلك الفعل، بأن يكون وسوس لهؤلاء الذين تولوا كما وسوس للأبوين، وأظهر النصح في ذلك كما فعل مع الأبوين حتى زلوا. وهذا هو المناسب لمعنى الزلَّة فإنها تكون من غير قصد (١)، فلا يُتصوَّر طلبها من أحدٍ إلا أن يكون معنى الطلب مقدَّرًا (٢)، وبهذا يظهر أن معنى الطلب يحتاج إلى تقدير في إثباته، كما أنه يحتاج إلى تقدير في بيان الاستجابة له وإثبات أنهم زلوا ليستقيم التعليل والعتاب في الآية، وهذا مما يضعف معنى الطلب ويرجِّح المعنى الآخر وهو أن ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ بمعنى (أزلَّهم)، وتكون السين والتاء للتأكيد والمبالغة، كما ذكر ابن عاشور (٣)، والله أعلم.

стр. 143

المسألة التاسعة: حُكم التولي المذكور في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ • أصل الخلاف في المسألة: المسألة في إجلال الصحابة رضوان الله عليهم، والخلاف فيها حول الملابسات التي جرت في غزوة أُحد وتنزيل أحكام الجهاد عليها، وذلك في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾؛ هل كان هذا التولي معصية في حق الصحابة رضوان الله عليهم، أم أنه كان مأذونًا فيه بالنظر إلى حالهم وما نزل بهم؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "واختلف الناس في هذا التولي؛ هل يوصف بكونه معصيةً أم لا؟ فالظاهر أنه معصية عفا الله عنها لأصحابها، وهي وإن كانت هيِّنةً لذاتها فقد عظمت بالنسبة إلى مَنْ فرُّوا عنه، وكان عليهم أن يَقُوه بأنفسهم، وهو واجبٌ حتم؛ يجب وقاية الأنبياء بالأنفُس بلا خلاف، ولا سيما سيد الأنبياء، ويدل على ذلك كونه سماه استزلالًا من الشيطان، وبقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، والعفو إنما يكون -أو يوشك أن يكون- عن ذنب، ولذلك قال الشافعي ﵁ في قوله ﵇ (الصلاة في أول الوقت رضوان الله، وفي آخره عفو الله) (١): «يوشك أن يكون العفو عن المقصرين» (٢). ثم ختم التأنيس بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾؛ أي: بسبب تلك الذنوب التي اقترفوها، ولو لم يُعقِّب على ذلك بهذا لتفطَّرت أكبادهم ﵃. وذهب آخرون إلى أنه ليس معصية، وذكروا لسبب ذلك أشياء:

стр. 144

منها: أن الفرار كان مباحًا، لأن الكفار كانوا يزيدون على الضعف؛ إذ كان المؤمنون سبع مئة، والكفار ثلاثة آلاف. ومنها: أنهم لما سمعوا بقتله ﵇ ووقع في ظنهم ذلك تحصنوا بالمدينة ليقطعوا أطماع الكفرة منهم. ومنها: أنهم لم يسمعوا دعاءه ﵊: (إليَّ عباد الله؛ أنا رسول الله) (١)، ولو سمعوا ذلك لم يُشكَّ أنهم كانوا يرجعون إليه لا محالة. ومنها: أنهم لم يظنوا أنه ﵇ انحاز إلى الجبل، وجعل ظهره للمدينة، بل جوزوا أن يكون ذهب إلى المدينة. ولقد عفا الله بكرمه عنهم حيث لم يؤاخذهم، وأعقب ذلك بإنزال الأمنة عليهم. قال ابن عطية: «والفرار من الزحف كبيرة من الكبائر بإجماعٍ كما علمت، عدَّها رسول الله ﷺ من الموبقات، مع قتل النفس والشرك وغيرها» (٢) انتهى. يعني أن هذا العفو إنما كان عن ذنب كما قدمناه، وبه قال ابن جريج" (٣). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن التولي المذكور في الآية معصيةٌ عفا الله عنها، وهذا يظهر من ثلاثة وجوه: الأول: الترجيح بالظاهر في أول المسألة، وذلك في قوله: (فالظاهر أنه معصيةٌ عفا الله عنها لأصحابها). الثاني: أنه استدل لهذا القول وفصَّل فيه، وذكر استدلال أصحاب القول الآخر بصيغة توحي بالتبعيد حيث قال: (وذكروا لسبب ذلك أشياء). الثالث: أنه ختم المسألة بالرجوع إلى القول الذي استظهره أولًا، وأشار إلى جلالته بذكر من قال به من أهل العلم، وأنه مقتضى قول ابن جريج وابن عطية، ولم يفعل ذلك مع القول الآخر، فلم يذكر من قال به من أهل العلم.

стр. 145

• دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: ذكر أكثر أهل العلم ما يفيد أن التولي المذكور في الآية معصيةٌ عفا الله عنها؛ قال ابن جريج: "عفا الله عنهم إذ لم يعاقبهم" (١)، وهذا يدل على أنه يرى أن التولي معصية تستحق العقوبة، ومِن قبله ذكر سعيد بن جبير والحسن البصري أن الله عفا عنهم إذ لم يستأصلهم (٢). وهذا القول هو مقتضى كلام ابن عطية كما بيَّنه السمين الحلبي هنا، وهو مقتضى كلام ابن تيمية كذلك (٣)، وقد صرَّح به عدد من أهل العلم (٤). وأول من ذكر الخلاف في هذه المسألة فيما وقفت عليه هو القرطبي، وهو الذي أشار إلى الأعذار المذكورة على أنه قد قيل بها (٥)، ولم أقف على من قال بها، ولم أقف على من صرَّح أن التولي ليس بمعصية إلا ما ذكره محمود شكري الآلوسي (٦) أن التولي كان قبل النهي عنه (٧). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: يستدل لمن قال بأن التولي المذكور في الآية معصيةٌ عفا الله عنها بدليلين؛ دليلٌ يتجه إلى حكم العمل نفسه وأنه محرَّمٌ في الأصل، ودليلٌ يتجه إلى العامل وأنه قد وقع في ذنب، وذلك على النحو الآتي: الدليل الأول: حكم التولي المذكور في الآية، وذلك من وجهين: الوجه الأول: أن الأصل في التولي يوم الزحف أنه محرَّم، فلا يجوز إلا بعذرٍ يبيح ذلك، وهذا ما يشير إليه النقل عن ابن عطية، وقد أفاد هذا الحكمَ قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 146

إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]. الوجه الثاني: ما ذكره السمين الحلبي من أنه يجب وقاية الأنبياء بالأنفُس بلا خلاف، ويدل على هذا الحكم قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَّفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]. الدليل الثاني: أن السياق قد أفاد أن الذين تولوا قد وقعوا في ذنب، وذلك من ثلاثة وجوه: الأول: أن سياق الآية فيه عتاب لهم على توليهم، ولو لم يكن التولي معصية لما لحقتهم اللائمة (١). الثاني: ما ذكره السمين الحلبي من أن الله سماه استزلالًا من الشيطان، والشيطان إنما يريد أن يُزلَّ الإنسان عن الطاعة ويوقعه في المعصية، كما أفاد ذلك قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [النور: ٢١] (٢)، كما أن لفظ الزلل يشير إلى فعل الخطيئة ومجانبة الصواب (٣). الثالث: قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، فإن ذكره في هذا السياق هنا يشير إلى أنهم وقعوا في ذنب فاحتاجوا إلى العفو (٤). ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: استدل من قال بأن التولي المذكور في الآية لم يكن معصية بأدلةٍ تتجه إلى حكم العمل، وأنه لا ينطبق على المتولين المذكورين في الآية، ومن ثَمَّ فإن العمل يكون مباحًا لا معصية فيه، وجاءت الأقوال في هذا على ضربين: الأول: مَنْ ينفي الحكم عن المذكورين في الآية من حيث الأصل، وأن الفرار عن الزحف يوم أُحد كان قبل النهي عنه (٥).

стр. 147

الثاني: مَنْ يثبت تحريم الفعل، لكن يذكر أن الذين تولوا في ذلك اليوم لهم عذرٌ يبيح لهم الفرار، وهي الاعذار التي ذكرها السمين الحلبي، وهذا تفصيلها: الأول: أن الكفار كانوا يزيدون على الضعف فيباح الفرار حينئذ، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿الْئَانَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ﴾ الآية [الأنفال: ٦٦]، فأباح الله لهم أن يفروا عن الذين يزيدون على الضعف، وهذه الآية تُقيِّد الآية التي تفيد التحريم. الثاني: أنهم تحصنوا بالمدينة ليقطعوا أطماع الكفرة منهم، وهذا يمكن أن يعتبر من (التحيُّز إلى فئة) الذي قد جاء الأذن به بعد الآية التي تدل على التحريم، وذلك في قوله: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦]، وكذلك يُقال في الذين فروا إلى الجبل أنهم متحيِّزون إلى فئةٍ اجتمع في التحيز إليها رسول الله ﷺ ومَن ثبت معه (١). الثالث: أنهم بسبب اختلال الأمر وانكسار الجيش لم يعرفوا ما حلَّ بالنبي ﷺ ، ولم يسمعوا نداءه لهم، فبعضهم ظنَّ أنه قُتل بعدما أشيع مقتله، وبعضهم ظن أنه رجع للمدينة، وهذا العذر يبيح لهم التخلف عنه، لأنهم لا يستطيعون معرفة أمره ﷺ مع اختلال الأمر وإقبال العدو عليهم. ٤) الموازنة بين الأدلة: في البداية ننظر في القول بأن التولي في غزوة أُحد كان قبل النهي عنه، وهذا القول ليس بظاهر، لأن الآية التي تدل على النهي عن الفرار وهي قوله ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ نزلت في غزوة بدر، فثبت أن تحريم الفرار جاء قبل غزوة أُحد (٢). فإذا ثبت التحريم فإنه يُنظر في الأعذار التي تبيح فعل المتولين في الآية، ولأجل مناقشة فعلهم وبيان أمرهم ينبغي تعيينهم، وقد اختلف في تعيين المتولين في الآية (٣)؛ قال ابن حجر في

стр. 148

بيان شأن المسلمين في غزوة أُحد: "الواقع أنهم صاروا ثلاث فرق: فرقةٌ استمروا في الهزيمة إلى قُرْبِ المدينة، فما رجعوا حتى انفضَّ القتال، وهم قليل، وهم الذين نزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، وفرقةٌ صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي ﷺ قُتل فصار غاية الواحد منهم أن يَذُبَّ عن نفسه أو يستمر على بصيرته في القتال إلى أن يقتل، وهم أكثر الصحابة، وفرقة ثبتت مع النبي ﷺ ، ثم تراجع إليه القسم الثاني شيئًا فشيئًا لما عرفوا أنه حي" (١). وبهذا يتبيَّن أن أكثر الصحابة رجعوا وأنه يمكن أن يصدُق عليهم أنهم تحيزوا إلى فئة، لأنهم في نهاية الأمر رجعوا إلى النبي ﷺ ومن كان معه، وأنهم لا يلامون في هذه الحالة في تخلفهم عن رسول الله ﷺ ، لأنه قد أُشيع مقتله، فلما تبين لهم أنه ﷺ حيٌّ رجعوا إليه واجتمعوا معه. وأما الذين لم يرجعوا فيمكن أن يكون لهم عذرٌ يبيح فعلهم، وهو التخفيف المذكور في قوله: ﴿الْئَانَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ الآية، وأن الكفار حينئذٍ كانوا أكثر من الضعف، وهذا أمرٌ واقع معلوم لكن العذر فيه هنا محتمل، لأن هذا التخفيف قيل أنه قد جاء بعد مدة طويلة من النهي وذلك بعد أن كثُر المسلمون (٢)، وقد قيل أنه نزل بعد غزوة بدر على التعيين (٣)، والله أعلم. ويمكن أن يكون لهم أعذارٌ أخرى تُقال من قِبل الظن، ولا يُظن بهم إلا الخير، لكن الشأن في تلك الأعذار؛ هل هي تُبيح فعلهم أو أنها تخفف من حجم الذنب؟ بالرجوع إلى أصل المسألة (هل التولي في الآية معصية؟) يمكن أن يجاب عن ذلك بأن المعصية هي أمرٌ من الأمور المتعلقة بحق الله ، وقد دل كلامه سبحانه في سياق هذه الآية على أنهم أذنبوا، وذلك لأن السياق فيه لومٌ ومعاتبة كما أشار إليه قوله: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾، وأن الزلة تشير إلى الخطأ واستزلال الشيطان يدل على المعصية، وأن ذكر العفو

стр. 149

عنهم بعد هذا كله يدل على أنهم وقعوا في ذنب. ٥) النتيجة: الراجح أن المراد بالذين تولوا في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ أنهم نفرٌ قليل من الصحابة رضوان الله عليهم؛ تولوا عن ميدان المعركة ولم يرجعوا إليه، وأن الفعل الذي فعلوه معصيةٌ عفا الله عنها، وهو ذنبٌ لا ينقص من قدرهم، ولا يخفض من مكانتهم، لأن الله قد عفا عنه، ولهذا لمَّا ذكر أحد الصحابة هذا الذنب لعثمان بن عفان ﵁، وأنه قد فرَّ يوم أُحد، أجاب ﵁ بقوله: "كيف يعيرني بذنبٍ وقد عفا الله عنه" (١). هذا، وقد دلت الآية على جلالة قدر هؤلاء الذين عفا الله عنهم، وذلك من تسعة وجوه: الأول: أن الله ذكر فعلهم بعينه دون أن يحمِّله أوصافًا سيئة خارجةً عنه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، فذكر أنهم تولوا ولم يذكر أنهم فشِلوا أو تخاذلوا، وفي تقرير ذنبهم بهذه الحقيقة إشارةٌ إلى أنهم لم يتلبسوا بهذه الأوصاف السيئة. الثاني: قوله: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾، ففعلهم لا يعدو أن يكون زلة، والزلة إنما تكون عن غير قصد (٢)، فهم لم يقصدوا التولي وخذلان إخوانهم المؤمنين، بل وقع ذلك منهم زللًا مخالفًا لما كانوا عليه من نصرة الدين والجهاد في سبيل الله. الثالث: قوله: ﴿اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾، فالشيطان هو الذي أزلَّهم وأوقعهم في الخطأ، فليست الزلة ناتجة عن كثرة تقصيرٍ أو سوء تقدير، بل هي محصورة في أنها من وسوسة الشيطان وإزلاله، ومَن يسلم من ذلك؟! بل هذا عين ما وقع للأبوين، والمذكور في الآية هنا يشبه ما ذُكر في شأنهما، فقد ذكر الله أن الشيطان أزلَّهما وذكر توبته وعفوه عنهما، وهؤلاء كذلك، ومَن شابه أباه فما ظلم. الرابع: أن الله صرَّح بعفوه عنهم، ولم يجعله خفيًّا، بخلاف غيرهم من المذنبين التائبين ممن بعدهم، فهم على وجل وخوف ألا تقبل توبتهم؛ إذ لا علم لهم بعفو الله عنهم (٣)، ولهذا لمَّا ذُكر عند ابن عمر ﵄ أن عثمان بن عفان فرَّ يوم أُحد قال: "أشهد أن الله عفا

стр. 150

عنه وغفر له" (١). الخامس: أن الله قد أكدَّ عفوه عنهم بـ (اللام) و (قد)، وذلك في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، ثم وصف نفسه بالمغفرة في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ ليؤكد أن العفو من شؤونه سبحانه، ووصف نفسه بالحِلم في قوله ﴿حَلِيمٌ﴾ ليبين أنه سبحانه لا يعاجل بالعقوبة، وكل هذا من تطمين الله لهم وإبعاد الخوف عن قلوبهم ﵃ (٢). السادس: أن الله ذكر عفوه عنهم في نفس السياق الذي عاتبهم فيه على ذنبهم، وهذا من ألطف المعاتبة، كما في قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]. السابع: أن الله أنزل هذه الآية في عفوه عنهم مباشرة بعد وقوع الذنب منهم (٣)، ولم يؤخر العفو كما فعل بغيرهم، وذلك في قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦]. الثامن: أن الله ذكر عفوه عنهم من غير أن يذكر توبتهم، وهذا يدل على تفضله سبحانه عليهم وتمام رضاه عنهم، وقد استشهد ابن تيمية بهذه الآية مقتصرًا عليها في بيان العفو المطلق الذي يكون بترك المؤاخذة بالذنب وإن لم يتب صاحبه (٤). التاسع: أن الله جعل هذا العفو قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة، فلم يكن خبرًا يذكره رسول الله ﷺ لهم وينتهي أمره، بل هو قرآنٌ يقرأه المؤمنون من بعدهم فيترَضَّون عنهم ويشهدون بفضلهم ومكانتهم عند ربهم.

стр. 151

المبحث الثالث: ترجيحات السمين الحلبي من آية (١٥٦) إلى آية (١٦٣) وفيه خمس مسائل: المسألة الأولى: إعراب قول الله تعالى ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ قال تعالى: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧] • أصل الخلاف في المسألة: الخلاف في ربط الجملة ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾ بما قبلها، فإن اللام في قوله ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ شروع في ابتداء جملة جديدة، فكيف تُربط هذه الجملة بما قبلها؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "وقوله ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ فيها وجهان؛ أظهرهما أنها مبتدأ، وسوَّغ الابتداء بها الاعتمادُ على لام الابتداء، والعطف عليها، ووصفها بالجار والمجرور بعدها، والوصف المقدَّر؛ إذ التقدير: لمغفرةٌ يسيرة. و ﴿خَيْرٌ﴾ على هذا خبرُ المبتدأ، وهي باقية على بابها من التفضيل، كما قدَّمناه عن ابن عباس (١). والثاني: أنها خبرُ مبتدإٍ مُضمَر، وذلك بأن يُراد بالمغفرة والرحمة القتلُ أو الموت في سبيل الله، لأنهما مقترنان بالموت في سبيل الله، فيكون التقدير: فلَذلك الموتُ أو القتل في سبيل الله مغفرةٌ ورحمةُ خير. وعلى هذا فـ ﴿خَيْرٌ﴾ صفةٌ لما قبله لا خبر، وإلى هذا نحا ابن عطية، فإنه قال: «وتحتمل الآيةُ أن يكون قوله ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ إشارةً إلى الموت أو القتل في سبيل الله، فسمَّى ذلك

стр. 152

مغفرةً ورحمة؛ إذ هما مقترنان به، ويجيء التقدير: لَذلك مغفرةٌ ورحمة، ويرتفع المغفرة على خبر الابتداء المقدَّر، وقوله ﴿خَيْرٌ﴾ صفةٌ لا خبر ابتداء» (١) انتهى. وهذا غير ظاهر فالأول الوجيه، ولا بد في الأول من حذف، وفي الثاني من حذفين؛ إذ التقدير (لمغفرةٌ من الله لكم ورحمةٌ من الله لكم) ليصحَّ المعنى بذلك" (٢). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن قوله ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ، ويظهر هذا من ثلاثة وجوه: الأول: لفظ الترجيح، وذلك في قوله: (أظهرهما أنها مبتدأ)، وقوله: (فالأول الوجيه). الثاني: الاستدلال لهذا القول دون القول الآخر، حيث ذكر أمورًا متعددة تسوِّغ الابتداء بالنكرة، فدل على أن يدافع عن هذا القول، ولم يذكر ما يقوي القول الآخر. الثالث: تَعَقُّب القول الآخر بأنه غير ظاهر، وأنه يلزم منه تقدير محذوفين (٣). • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: يظهر أن أول من تكلَّم في هذه المسألة هو الأخفش، حيث اختار في تقدير الآية معنى القول الثاني، وذكر التعليل الخاص بالقول الثاني، ولم يصرح بالحكم الإعرابي؛ قال ﵀: "إن قيل كيف يكون ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ جواب ذلك الأول؟ فكأنه حين قال: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّم﴾، فذكر لهم مغفرةً ورحمة، اذ كان ذلك في السبيل، فقال: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾؛ يقول: لَتلك المغفرة خيرٌ مما تجمعون" (٤). ثم نقل الطبري قولَه بصيغة توحي بالتضعيف له، حيث قال: "وقد زعم بعض أهل العربية

стр. 153

من أهل البصرة أنه إن قيل: كيف يكون … " فذكر قوله (١). ثم جاء ابن عطية فحرَّر القول الثاني ووضَّحه، وبيَّن حكمه الإعرابي، وقد ابتدأ في الآية بذكر القول الأول، ثم ذكر القول الثاني وبيَّن أنه قولٌ محتمل (٢)، وقد تعقَّبه أبو حيان وذكر أن كلامه في القول الثاني خلاف الظاهر (٣)، وتبعه السمين الحلبي على ذلك وزاد عليه. ولم أقف على من تعرَّض للقول الثاني بعد هذا، بل بقية أهل العلم يقتصرون في الإعراب على القول الأول (٤). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: ذكر السمين الحلبي الدليل على أن المغفرة مبتدأ بأن هذا هو الظاهر، وذلك من وجهين: الأول: من حيث ظهور اللفظ، فإن لفظ المغفرة هو المذكور الظاهر أولًا في الجملة فيكون هو المبتدأ، وهذا أظهر من أن يكون المبتدأ مضمرًا كما في القول الآخر. الثاني: من حيث السلامة من الحذف، فإن الحذف في هذا القول أقل من الحذف في القول الآخر على ما بيَّنه السمين الحلبي، فإذا كان لا بد من حذف، فإنه يُكتفى بما لا بد منه ولا يزاد عليه بحذفٍ آخر. ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: لم أقف على دليل خاصٍّ لهذا القول، لكن يمكن أن يستدل له بمناسبة المعنى من وجهين: الأول: أن جعل المبتدأ هو اسم الإشارة المضمر (ذلك) فيه إشارة إلى مضمون الجملة السابقة؛ أي: ذلك (القتل في سبيل الله أو الموت) مغفرةٌ من الله، وهذا أنسب في تسلسل الكلام، بأن يكون الربط بالجملة السابقة في بداية الجملة اللاحقة (٥). الثاني: ما ذكره ابن عطية من أن هذا القول يتضمن تسمية الموت والقتل في سبيل الله

стр. 154

مغفرةً ورحمة، فيكون التقدير: لَذلك مغفرةٌ ورحمة، وفي جعل المغفرة والرحمة هي الخبر على هذا التقدير تطمين للمؤمنين الميتين والمقتولين في سبيل الله، وتأكيدٌ بحصول المغفرة والرحمة لهم. ٤) الموازنة بين الأدلة: ذكر السمين الحلبي أن القول الأول لا بد فيه من حذف، وأن القول الثاني لا بد فيه من حذفين، وهذا مبني على معرفة الحذفين ولزومهما للقول الثاني، وفيما يأتي بيانهما: أما الحذف الأول في القول الثاني فهو المبتدأ المضمر، وهذا هو الحذف الذي زاد به القول الثاني على القول الأول. وأما الحذف الثاني، وهو الحذف المشترك بين القولين، فهو المتعلق بالمغفرة والرحمة، وهو ما عُبِّر عنه بقوله (لكم) (١)؛ فيكون التقدير: (لمغفرةٌ من الله لكم ورحمةٌ من الله لكم). وبالنظر في سبب هذا الحذف، فالذي يظهر أن وصفٌ للتخصيص المغفرة والرحمة في هذه الجملة الجديدة، لأنهما جاءا بصيغة التنكير، فلا بد من وصف يبين متعلقهما، فيربطهما بالجملة السابقة أولًا لأجل أن ينسجم الكلام، ثم بعد ذلك يُعرَف به محل المفاضلة والخيرية، من أن المغفرة والرحمة لكم أيها الذين (قُتلتم في سبيل الله أو متم) هي خيرٌ مما يجمع أهل الدنيا. والذي يظهر أن وصف التخصيص هذا ليس لازمًا، لأن السياق يغني عنه، فإن قوله تعالى ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّم﴾ اجتمع فيه قَسَم وشرط، فاللام دلت على وجود القسم، والشرطُ دل عليه حرف الشرط (إن)، والقاعدة أنه إذا اجتمع القسم والشرط ذُكر جواب الأول وأغنى عن الثاني، فقوله ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ جواب القسم، وقد أغنى عن جواب (إن)، والتقدير في الأصل: (إن قتلتم في سبيل الله غفر الله لكم)، ثم أغنى عن هذا التقدير جواب القسم (٢)، وبهذا يتبين أن وجود الشرط في الآية يغني عن تخصيص المغفرة والرحمة؛ إذ هما في الأصل مرتبطان بمعنى الشرط، وهما في الظاهر جوابٌ عن القسم، فارتباطهما واختصاصهما بالجملة قبلهما من وجهين، وهذا يغني عن تقدير محذوفٍ يخصصهما. كما أن المبتدأ المضمر في القول الثاني، وهو اسم الإشارة (ذلك)؛ يغني عن التخصيص،

стр. 155

وبهذا يظهر أن الحذف إنما هو في القول الثاني فقط، وهو حذف واحد، ولا حاجة إلى تقدير محذوفٍ آخر في الآية. وهذا الحذف في القول الثاني (وهو المبتدأ المضمر) هو مما يضعفه، ويجعل القول الأول الخالي من الحذف أولى منه؛ إذ "القول بالاستقلال مُقدَّمٌ على القول بالإضمار" (١)، كما أنه خلاف الظاهر، فإن الظاهر أن يكون المبتدأ هو اللفظ المذكور أولًا بعد اللام التي تدل على الابتداء، وهو إن كان نكرةً إلا أن له عدة مسوغات ذكرها السمين الحلبي هنا. بقي أن يُجاب عن مناسبة المعنى في القول الثاني، ففيه وجهان: الأول: هو ما يفيده المبتدأ المضمر من جعل الكلام متسلسلا مرتبطًا بالجملة السابقة في بداية الجملة اللاحقة، فهذا الربط وإن كان حسنًا من حيث المعنى إلا أنه ربطٌ غير ظاهر، ويمكن أن يغني عنه ما هو ظاهر في الآية، وهي اللام في قوله ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، فإن هذه اللام هي المُتلَقية للقَسَم كما ذكره ابن عطية (٢)، فإذا كانت هذه اللام قد ربطت بين القسم وجوابه، فلا حاجة إلى تقدير محذوف يربط بينهما. الثاني: ما يفيده القول الثاني من تأكيد حصول المغفرة والرحمة للمقتولين والميتين في سبيل الله، لأنهما هما المخبر عنهما، فهذا وإن كان حسنًا من حيث المعنى إلا أن السياق يدل على أن الأمر المراد بالإخبار عنه في الآية غير هذا، فإن الآية في سياق الرد على مقولة المنافقين في الآية السابقة، حيث قال الله فيها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُواْ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، فجاءت الآية بعدها في الرد عليهم، وأولى أن يكون الخبر فيها يُراد به التفضيل لحال المقتولين والميتين في سبيل الله، فيكون الخبر هو الخيرية المذكورة في الآية، بأن المغفرة والرحمة خيرٌ للمؤمنين مما يجمعه أولئك المنافقون القاعدون، فهذا أنسب في الرد. ٥) النتيجة: الراجح في قوله تعالى ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أن المبتدأ فيه هو

стр. 156

المغفرة، وأن الخبر هو قوله ﴿خَيْرٌ﴾، وهذا أحسن من جعل المبتدأ مضمرًا، فلا حاجة إلى إضماره إذا كان يسوغ الابتداء بقوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾. وأما تقدير محذوف لأجل أن يربط الجملة من قوله ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ بالجملة السابقة، وهي قوله ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّم﴾، فالذي يظهر أنه لا حاجة إليه، فإن الجملة اللاحقة هي جواب القَسَم والشرط المذكورين في الجملة السابقة، واحتياج القَسَم والشرط إلى جواب يغني عن تقدير محذوف يربط بين الجملتين، والله أعلم.

стр. 157

المسألة الثانية: الفرق بين الغلظة والفظاظة قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] • أصل الخلاف في المسألة: هذه مسألة بلاغية في الفرق بين الغلظة والفظاظة، ومناسبة تقديم الفظاظة أولًا. • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "وعن الغِلظة تنشأ الفظاظة، فلِمَ قُدِّمت عليها؟ فقيل: قُدِّم ما هو ظاهر للحس على ما هو خافٍ في القلب، لأن الفظاظة كما تقدم: الجفوةُ في المعاشرة قولًا وفعلًا، والغِلظة: قساوة القلب. ومن هذا يخرج جوابٌ عن سؤال، وهو: ما الحكمة في الجمع بين الفظاظة والغِلظة وهما بمعنى؟ فيجاب بما قدمناه من المغايرة، وهو أحسن من قول من قال إنه جُمع بينهما تأكيدًا" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي وجود فرقٍ بين الغلظة والفظاظة، وأن الجمع بينهما ليس من قبيل الجمع بين المترادفين لأجل التأكيد، وهذا يظهر من وجهين: الأول: أنه قدَّم الفرق بينهما وأثبت أن الفظاظة تنشأ عن الغلظة. الثاني: لفظ الترجيح (أحسن) الدال على تفضيل القول الأول على الثاني (٢).

стр. 158

• دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: صرَّح الماوردي في تفسيره أن الجمع بين الفظاظة والغلظة لأجل التأكيد، وأنهما بمعنى واحد (١)، وتبعه على هذا بعض أهل العلم (٢). وقد أشار ابن الجوزي إلى معنى التوكيد الذي ذكره الماوردي، ثم ذكر قول ابن عباس في التفريق بين الفظاظة والغلظة تنويهًا بأنهما ليسا في معنى واحد، وأن الجمع بينهما ليس من قبيل التوكيد؛ قال ﵀: "فأما الغليظ القلب، فقيل: هو القاسي القلب، فيكون ذكر الفظاظة والغِلَظ -وإن كانا بمعنى واحد- توكيدًا. وقال ابن عباس: (الفظ) في القول، و (الغليظ القلب) في الفعل" (٣). وقد ذُكر قول ابن عباس هذا عن الكلبي (٤)، وجرى عليه بعض المفسرين (٥). وقد صرَّح آخرون بوجود فرقٍ بين اللفظين، وذكروا ذلك (٦). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: يُستدل على الفرق بين الفظاظة والغلظة أن الأصل في اللغة هو التباين وليس الترادف، وأن التباين بين الألفاظ أكثر في اللغة وأشهر (٧). ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: يمكن أن يستدل للترادف بين الفظاظة والغلظة، أنه إذا قيل (رجلٌ فظ) عُلِم أنه غليظ القلب، وهو الواقع في الآية، فإن الفظاظة ذُكرت أولًا، فيكون الجمع بينها وبين الغلظة لأجل التأكيد. ويمكن أن يُستدل من الآية أيضًا أن الفظاظة والغلظة ذُكرا في مقابل شيءٍ واحد، وهو

стр. 159

اللين، حيث قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، فهذا يشير إلى أنهما في معنى واحد، لأن المقابل لهما في الآية شيءٌ واحد. ٤) الموازنة بين الأدلة: قد تقدَّم أن من قواعد الترجيح أن "حمل ألفاظ الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف" (١)، وهذه القاعدة نافعة هنا، وبها يظهر مزيد تفصيل في الآية؛ إذ بالتفريق بين الفظاظة والغلظة يتبين لنا سببان لانفضاض الناس عن الداعي إلى الحق: الأول: سبب ظاهر، وهي الفظاظة، وهي تظهر في القول، وتظهر في الفعل أيضًا، وليست الفظاظة أمرًا باطنًا؛ إذ لا يُوصف القلب بأنه فظ، ولكنها من الأمور الظاهرة التي يُستدل عليها بالأعمال الصادرة من المرء. الثاني: سبب باطن، وهي غلظ القلب، ويُستدل عليه بعدم ظهور الأعمال التي تدل على رقة القلب وشفقته ورحمته، وهي وصف للباطن، ولا يناسب وصف الظاهر بالغلظة إلا أن يُراد بذلك حقيقته، بأنه جسم صلب قاس، وهذا غير مرادٍ هنا. وبهذا يتبين الفرق بين الفظاظة والغلظة، وأن الفظاظة تدل على صدور الأقوال والأعمال الجافة، وأن الغلظة تدل على امتناع صدور الأقوال والأعمال الرقيقة الحانية، وهذا المعنى الأخير لا يظهر لو قلنا إن الفظاظة والغلظة بمعنى واحد، ففي قوله تعالى ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ مزيد بيان، وليس مجرد تأكيد لما قبله، فالفظاظة وإن كانت تدل على غلظة القلب لكنها لا تفي بالمعنى الكامل لغِلظ القلب. وقد أشار الرازي إلى هذا الفرق فقال: "الفظُّ الذي يكونُ سيءَ الخلق، وغليظُ القلب هو الذي لا يتأثر قلبه عن شيء، فقد لا يكون الإنسان سيءَ الخلق ولا يؤذي أحدًا، ولكنه لا يَرِق لهم ولا يرحمهم، فظهر الفرق من هذا الوجه" (٢). ٥) النتيجة: الراجح وجود فرقٍ بين الفظاظة والغلظة، وأنهما ليسا بمعنى واحد، وليس الجمع بينهما لمجرد

стр. 160

التأكيد، بل في ذكر الغلظة بعد الفظاظة مزيد بيان يدل على قسوة القلب وأن صاحبه لا يتصف بالرحمة والشفقة. وذكر الفرق بين الفظاظة والغلظة هو المناسب في تنزيه النبي ﷺ ، بأن ينفى عنه أكثر من معنى سيء وليس معنى واحدًا فقط، والله أعلم.

стр. 161

المسألة الثالثة: وجه (ما) في قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ • أصل الخلاف في المسألة: هل يليق بكلام الله أن يكون فيه لفظ زائد؟ هذه المسألة من آثار هذه القضية. • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "واختلف الناس في (ما) من قوله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ على أوجه: أحدها، وهو قول أكثر النحويين والمفسرين: أنها زائدةٌ للتأكيد، كما قدمناه في عبارة الزمخشري وغيره. والثاني: أنها نكرةٌ تامة لا موصوفة ولا موصولة، وعزاه مكي لابن كيسان، وجعل ﴿رَحْمَةٍ﴾ بدلًا منها، ونقله أبو البقاء عن الأخفش، فتكَوَّنَ إبهامٌ ثم تفسيرٌ بالبدل، والأصل: فبشيءٍ رحمةٍ. والثالث: أنها نكرة موصوفة بـ (رحمة)، كقولهم: مررت بما مُعجبٍ لك؛ أي: بشيءٍ معجب. والرابع وهو أغربها: أنها استفهامية، وإليه ذهب الإمام فخر الدين؛ قال: «ذهب المحققون إلى أن دخول اللفظ المهمل في كلام أحكم الحاكمين غير جائز، وهنا يجوز أن تكون (ما) استفهامًا للتعجب، تقديره: فبأي رحمةٍ من الله لنت لهم، وذلك لأن جنايتهم لمَّا كانت عظيمة، ثم إنه ما أظهر البتة تغليظًا في القول ولا خشونةً في الكلام؛ عَلِموا أن هذا لا يتأتَّى إلا بتأييدٍ ربَّاني قبل ذلك» (١). وأنحى عليه الشيخ فقال: «وما قاله المحققون صحيح، لكن زيادة (ما) للتوكيد في أماكِنه لا ينكره من له أدنى تعلق بالعربية، فضلًا عمَّن يتعاطى علم التفسير في كلام الله، وليس (ما) في هذا المكان مما يتوهمه أحدٌ مهملًا، فلا يحتاج ذلك إلى تأويلها بأن تكون استفهامًا

стр. 162

للتعجب. ثم إن تقديره ذلك (فبأي رحمةٍ) دليلٌ على أنه جعل (ما) مضافةً للرحمة، وما ذهب إليه خطأ من وجهين: أحدهما: أنه لا تُضاف (ما) الاستفهامية ولا أسماء الاستفهام غير (أي) بلا خلاف، و (كم) على مذهب أبي إسحاق. والثاني: أنه إذا لم تصح الإضافة كان إعرابه بدلًا، وإذا كان بدلًا من اسم الاستفهام فلا بد من إعادة همزة الاستفهام في البدل. وهذا الرجل لَحَظ المعنى ولم يلتفت إلى ما تقرر في علم النحو من أحكام اللفظ، وكان يغنيه عن هذا الارتباك والتسلق إلى ما لا يحسنه والتسوُّر عليه قولُ الزجاج في (ما) هذه أنها صلةٌ في معنى التوكيد بإجماع النحويين» (١) انتهى، وهو بحث حسن. فإن قيل له أن ينفصل عن الإضافة والبدل بأن يقول: أجعلُ (رحمة) صفةً لـ (ما) الاستفهامية لا مضافًا إليها ولا بدلًا حتى يلزمني ما ذكرت، فالجواب أن أسماء الاستفهام لا تُوصف، فبطَلَ هذا أيضًا" (٢). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي القول الأول بأن (ما) زائدة للتأكيد، ويظهر هذا من وجهين: الأول: أنه قدَّم هذا القول سابقًا قبل ذكر الخلاف، وقد أشار إلى ذلك بقوله (كما قدمناه في عبارة الزمخشري وغيره)، فدل على اختياره لهذا القول الذي قدَّمه (٣). الثاني: أنه ذكر بحث شيخه أبي حيان وفيه الإشادة بهذا القول والانتصار له، ثم قال: (وهو بحث حسن)، فدل على تحسينه له.

стр. 163

• دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: جعل (ما) في هذه الآية مزيدة جرى عليه جُل المفسرين (١)، وإن اختلفوا في تسميتها، "وكثيرٌ من القدماء يسمون الزائد (صِلَة) " (٢). وهذا القول هو المأثور عن قتادة ﵀، حيث قال في تفسير الآية: "فبرحمةٍ من الله لنت لهم" (٣). وكذلك ذَكَر كثيرٌ من أهل اللغة أن (ما) في هذه الآية مزيدة، واستشهدوا بها عند الكلام عن الزيادة (٤)، وذكروا زيادتها عند إعراب الآية (٥)، ولعله لأجل ذلك قال الزجاج: " (ما) بإجماع النحويين هاهنا صِلَة"، وتعقَّب الآلوسي حكاية الإجماع بأن فيه نظرًا، لأن الأخفش وغيره قد قالوا بخلاف هذا القول (٦). والذي يظهر أن الأخفش يرى أن (ما) في الآية زائدة، فقد صرَّح بذلك في كتابه، ونقل عنه أهل العلم ذلك (٧).

стр. 164

وأما القول بأن (ما) نكرة فقد روي عن ابن كيسان (١)، فذُكِر عنه أنه قال: "أنا أختار أن أجعل لـ (ما) موضعًا في كل ما أقدر عليه، نحو قول الله جل وعز: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، وكذا ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِّيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥، والمائدة: ١٣]، وكذا ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ [القصص: ٢٨]؛ (ما) في موضع خفضٍ في هذا كله، وما بعدها تابعٌ لها" (٢)، ولم أقف على من رجَّح هذا القول. وأما القول بأن (ما) استفهامية فقد قال به بعضهم كما نقله الثعلبي (٣)، واختاره بيان الحق النيسابوري (٤)، ومن بعده الرازي (٥)، ولم أقف على من اختاره بعد ذلك. ٢) أدلة القول الأول في المسألة: الدليل على أن (ما) في الآية زائدة شيئان: الأول: أن دخولها في الآية لابد أن يكون لمعنى، ولم يظهر في الآية معنًى سوى التأكيد، فتكون زائدةً للتأكيد، لأن من أغراض الزيادة التأكيد (٦). الثاني: أن زيادة (ما) في الآية هي زيادةٌ حسنة من أساليب البلاغة العربية الأولى، فإن لها هنا تأثيرًا في حُسن النظم، وتمكينًا للكلام في النفس، وبُعدًا به عن الألفاظ المبتذلة (٧). ٣) أدلة الأقوال الأخرى في المسألة: دليلان: الأول: أنه لا يجوز أن يقال بوجود شيء زائدٍ في القرآن، لأن الزيادة تدل على أن اللفظ مهملٌ ضائع كما أشار إليه الرازي في كلامه، وهذا لا ينبغي أن يكون في كلام الله، ولهذا ذكر مكي بن أبي طالب عن ابن كيسان أنه كان يتلطف في ألا يجعل شيئا زائدًا في القرآن، فيبحث

стр. 165

له عن وجهٍ يخرجه من الزيادة (١). الثاني: أن الأقوال الأخرى في جعل (ما) نكرة أو جعلها استفهامية يحصل بها التفخيم للرحمة المذكورة في الآية والتعظيم من شأنها، فإنها إما أن تكون مفسِّرة ومبيِّنة للإبهام الذي في النكرة، فيكون للبيانِ بعد الإبهام موقعٌ في الكلام، وإما أن تكون هي المُستفهَم عنها تعظيمًا لها وتعجيبًا من شأنها على ما ذكره الرازي في كلامه. ٤) الموازنة بين الأدلة: كأن السمين الحلبي استشعر قول المانعين من الزيادة فقال بعد أن فرغ من المسألة: "والقائلون بكونها زائدة لا يعنون أنه يجوز سقوطه، ولا أنه لا فائدة له فيدخل تحت حكم المُهمَل، بل يقولون: زِيدَ للتوكيد، وإذا كان للتأكيد كان له أُسوَةٌ بالألفاظ التي جيء بها للتوكيد، نحو (كُلٍّ، وأجمعين) " (٢). وهذا البيان يُجلِّي الحقيقة لمَن تأمله، فإن الزيادة تسميةٌ اصطلاحية، فيُرجع في بيانها إلى أهل العلم الذين اصطلحوا عليها، فيُنظَر فيما يعنون بها، فإنهم لا يعنون أن الزائد هو كالمُهمَل الضائع حتى يقال بالتحريم، ولا أنه لفظٌ دخيل يجوز سقوطه فيُنزَه القرآن هذا الحكم، بل جعلوا للزيادة فائدة وهي التأكيد، ولا يُشكل على هذه الفائدة أن الكلام يتم بدونها، وأنه يمكن أن يُفهم من غير الحاجة إلى اللفظ الزائد، فإن ألفاظ التأكيد نحو (كُلِّ، وأجمعين) كذلك ولم تكن مهملةً ولا دخيلة في الكلام. فإذا ثبتت صحة الزيادة، فإنه قد تقدَّم أن من قواعد الترجيح أن "إعمال الكلام أولى من إهماله"، وأنه "إذا دار الأمر بين الزيادة والتأصيل فحمله على التأصيل أولى" (٣)، لكن محلُ هذه القاعدة فيما إذا كان اللفظ محتملًا للزيادة وعدمها، أما إذا كان اللفظ لا يحتمل إلا الزيادة فإنه لا ترجيح بهذه القاعدة (٤)، ولا يُتكلَّف في ذكر معنًى آخر لأجل نفي الزيادة، ولأجل هذا ذكر أبو حيان هنا أن الزيادة في أماكنها المعتبرة لا ينكرها أهل العلم. وبالنظر في الأقوال التي تجعل (ما) نكرة أو استفهامية يظهر التكلف في إثبات ذلك، وبُعده

стр. 166

عما يتبادر إلى الذهن من الآية، وهي وإن ظهر حسنها في تفخيم الرحمة والتعظيم من شأنها إلا أن النقص يظهر في الإخلال بوجه (ما) في الآية، فما الداعي لتنكيرها أو الاستفهام بها؟ والآية في مقام الامتنان بالرحمة، والمناسب لهذا المقام هو البيان والتأكيد، مع رعاية أن الجملة في ذلك قصيرة لا تحتمل ما يُحتاج إليه في تنكير (ما) أو الاستفهام بها من البسط والتفصيل. هذا من حيث المعنى، أما من حيث اللفظ فإن الخطأ ظاهرٌ في جعل (ما) استفهامية كما بيَّن ذلك أبو حيان في كلامه الذي سبق، وتبعه السمين الحلبي وزاد في تفصيل الرد على هذا القول، وقد أجاب ابن هشام عن هذا القول بأزيد مما ذكراه هنا، وذكر هو والقرطبي من قبله أن (ما) في الآية لو كانت استفهامية لكان لفظها بغير أَلِف (فبمَ)، لأن (ما) الاستفهامية يجب حذف الألف منها إذا كانت مجرورة، وذلك لأجل التفريق بينها وبين الخبر، ولم تثبت الألف في ذلك إلا شذوذًا لا يُحمل القرآن عليه (١). بقي أن يشار إلى البلاغة في جعل (ما) زائدة في الآية، وما وجه التأكيد في ذلك، لئلا يُتوهم أنها ساقطة لا جدوى منها، وإذا كان يُعاب التكلف في جعلها نكرة أو استفهامية، فينبغي ذكر وجهٍ ظاهر في دلالتها على التأكيد، وحسنها في الكلام، وإلا لم يتعين الحمل عليها. ذكر الزمخشري وغيره وجه البلاغة فيها (٢)، وذلك أن تقديم الجار والمجرور على الفعل في الآية يفيد الحصر، لكن لا يتعين من تقديم الجار والمجرور إفادة الحصر دائمًا، بل قد يكون للاهتمام من غير إرادة الحصر (٣)، فجاءت (ما) زائدةً بين الجار والمجرور لتؤكد الحصر وتنبه على أن لينه ﵊ للصحابة بعد أن كان منهم ما كان في غزوة أُحد، أن ذلك ما كان إلا برحمة من الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فبرحمته سبحانه ألان رسوله لهم، وبرحمته سبحانه عفا عنهم وغفر لهم.

стр. 167

٥) النتيجة: الظاهر أن (ما) في الآية زائدة للتأكيد؛ إذ هو أحسن الوجوه التي تُحمل عليها الآية من غير تكلف، وليست زيادة (ما) في الآية تدل على تنقُّص كلام الله جل وعلا، وقد ذكر ابن تيمية ﵀ أنه ليس في القرآن لفظٌ زائدٌ إلا لمعنًى زائد، وإن كان ذلك من قبيل التأكيد، "وما يجيء من زيادة اللفظ في مثل قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، وقوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠]، وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣، والنمل: ٦٢، والحاقة: ٤٢]، فالمعنى مع هذا أزيد من المعنى بدونه، فزيادة اللفظ لزيادة المعنى، وقوة اللفظ لقوة المعنى" (١). وقد كانت زيادة اللفظ في المواضع التي تليق به سائغةً عند العرب الأوائل، وأسلوبٌ حسن يقوي البيان عندهم؛ قال الخطابي لمَّا أشار إلى زيادة الحروف في كلام العرب: "فهذا وما أشبهه من زيادات حروفٍ في مواضع من الكلام، وحذف حروفٍ في أماكن أُخر منها؛ إنما جاءت على نهج لغتهم الأولى قبل أن يدخلها التغيير، ثم صار المتأخرون إلى ترك استعمالها في كلامهم. فافهم هذا الباب، فإنك إذا أحكمت معرفته استفدت علمًا كثيرًا، وسقطت عنك مؤونة عظيمة، وزال عنك ريب القلب، وتخلَّصت من شَغْب الخصم، ولا قوة إلا بالله" (٢).

стр. 168

المسألة الرابعة: مُتعلَّق النصر والخذلان في قول الله تعالى: ﴿إِن يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠] • أصل الخلاف في المسألة: إذا كان النصر في الآية يشمل النصر على الأعداء في ساحات القتال، فكيف غُلبوا في بعض المعارك؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "واختلف الناس في متعلَّق النصر والخذلان؛ ما هو؟ فأكثر المفسرين على أن ذلك النصر بالحجج القاهرة، وبالعاقبة في الآخرة؛ والمعنى: إن حصلت لكم النُّصرة فلا تَعُدُّوا ما يَعرِض لكم من العوارض الدنيوية في بعض الأحوال غلبة، وإنْ خَذَلَكم في ذلك فلا تَعُدُّوا ما يحصل لكم من القهر في الدنيا نُصرة، فالنُّصرة والخذلان يُعتبران بالمآل. وذهب آخرون إلى أن ذلك فيما يتعلق بلقاء العدو، وعند المكافحة في ملاحم القتال ونزال الأبطال، وهو الظاهر من السياق والسباق" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: رجَّح السمين الحلبي القول الثاني، وهو أن النصر والخذلان في الآية متعلقان بقتال الأعداء، وذلك يظهر في عبارة الترجيح بعد ذكر الخلاف في قوله: (وهو الظاهر من السياق والسباق).

стр. 169

• دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: الذي يظهر أن جُل المفسرين في هذه الآية يحملون متعلَّق النصر والخذلان فيها على القتال في المعارك، ذلك لأن كثيرًا منهم مثَّلوا لقوله ﴿إِن يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ بالنصر الذي كان في غزوة بدر، ولقوله ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ﴾ بما كان في غزوة أُحد (١)، وبعضهم أشار إلى أمور أخرى تتعلق بالقتال كالعَدد والعُدد والامتناع من الأعداء (٢). ولم أقف على من نفى أن يكون النصر والخذلان في هذه الآية متعلقان بالقتال في المعارك، أو تعرَّض للتفصيل المذكور في القول الأول، كالكلام عن الحجج في الدنيا أو ربط النصر في العاقبة في الآخرة. وأصل هذه المسألة منقولة عن الراغب الأصفهاني في تفسيره، فهو الذي ذكر أقوال المفسرين فيها (٣)، ثم تبعه أبو حيان واستظهر القول الثاني (٤)، ثم تبعه السمين الحلبي هنا. ٢) أدلة القول الأول في المسألة: يظهر أن أصحاب هذا القول يستدلون بالواقع، فيقولون: إن ظاهر الآية أنها وعدٌ، لأنها جملة شرطية مبنية على نصر الله لعباده، فإذا نصرهم الله فإنه لا يكون لهم غالب، فلا يمكن أن يُغلبوا بعد نصر الله لهم، وهذا يخالف ما يَعرِض للمؤمنين من العوارض الدنيوية، من غلبة الأعداء عليهم في بعض المعارك، فلزم أن يكون مُتعلَّق النصر في أمرٍ مطَّرد لا يمكن أن يتخلف، وهو ظهور حجج هذا الدين التي لا يمكن أن تُدفع، وظهور العاقبة الحسنة للمؤمنين في الآخرة، وهذا لا يمكن أن يتغير.

стр. 170

٣) أدلة القول الثاني في المسألة: ذكر السمين الحلبي دليل القول الثاني بأنه السياق والسباق، فإن سياق الآيات هنا في شأن غزوة أُحد، وكذلك السباق، فالآية السابقة في لينة ﵊ للصحابة بعد أن كان منهم ما كان في غزوة أُحد، واللِحاقُ أيضًا متعلقٌ بشأن الغلول من غنائم المعارك، وذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] (١)، فالأولى أن يكون مُتعلَّق النصر في الآية هو في القتال في المعارك. ٤) الموازنة بين الأدلة: الذي يظهر أن الخلاف المذكور في هذه المسألة لا يَرِد على هذه الآية، فليست الآية سيقت على سبيل الوعد للمؤمنين، وهذا يظهر من عدة وجوه: الأول: أن سياق الآية لا يدل على الوعد، بل الأنسب أن تكون تسلية على ما أصاب المسلمين في غزوة أُحد، فإذا علموا أن النصر والخذلان بيد الله وحده رضوا وسلَّموا أمرهم إلى ربهم (٢)، ولأجل هذا سيقت الآية في أواخر الآيات التي تحدَّثت عن غزوة أُحد. الثاني: أن فعل الشرط المذكور في الآية هو فعل الله : ﴿إِن يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾، ولو كانت الآية وعدًا للعباد لناسب أن يذكر فعلهم، كما في قوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، فالآية في إثبات أفعال الله وتقريرها وأنه لا ينازعه منازعٌ إن نصر المؤمنين أو خذلهم. الثالث: أن الآية لو كانت وعدًا بالنصر لما ذُكر الخذلان في قوله: ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. وبهذا يتبين في معنى الآية أن المنصور مَنْ نصره الله، وأن المخذول من خذله الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإذا تبيَّن هذا فإن الخلاف المذكور لا يَرِد في هذه الآية، وإنما يَرِد في آياتٍ أخرى حمل فيها المفسرون معنى النصرة على أنها النصرة بالحجج القاهرة وبالعاقبة في الآخرة، ومَن لجأ إلى هذين

стр. 171

المعنين هنا لأجل أنهما ثابتان لا يتغيران، وجعلهما هما متعلَّق النُّصرة في الآية، فماذا سيقول في متعلَّق الخذلان؟ ٥) النتيجة: الظاهر أن النصر والخذلان في هذه الآية متعلقان بالقتال في المعارك، وهذا المعنى وإن كان أخصُّ من المعنى الآخر إلا أن السياق هو الذي اقتضى هذا التخصيص، وليس في هذه الآية ما يُوجب صرفها عن هذا المعنى الذي اقتضاه السياق، ولذلك تتابع المفسرون على هذا المعنى ولم يتطرقوا إلى غيره. فالآية يمكن حملها على وجه صحيح لا إشكال فيه، وهو أن الله وحده هو الكافي في نُصرة عباده المؤمنين، لأجل أن يتوكلوا عليه وحده في رجاء النصر، كما قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرا﴾ [الفرقان: ٣١] (١)، وأن ما يحصل لهم من الهزيمة في بعض المعارك، أن ذلك إنما هو بتقدير الله، فليرضوا وليسلموا لأمره، فالنصر والخذلان إنما هو بيد الله وحده؛ قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "وهذا كما تقدَّم من قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] " (٢).

стр. 172

المسألة الخامسة: معنى قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] • أصل الخلاف في المسألة: جاء رجلٌ إلى أبي هريرة فقال: أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ هذا يغل ألف درهم وألفي درهم يأتي بها؛ أرأيت من يغل مئة بعير، مئتي بعير؛ كيف يصنع (١)؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: " ﴿وَمَن يَغْلُلْ﴾ أي: ومَن يَخُن في شيءٍ من المَغْنَم ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾، وظاهر القرآن أنه يجيء به بعينه، ويدل له ما في الحديث: (جاء يوم القيامة يحمله على عنقه) (٢)، وروي: (ألا لا أعرفن أحدكم يوم القيامة يأتي ببعير له رغاء، وببقرة لها خوار، وبشاة لها ثغاء، فينادي: يا محمد، يا محمد؛ لا أملك لك من الله شيئا، قد بلَّغتُك) (٣)، وروى البخاري ومسلم: (لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعيرٌ له رغاء، فيقول: يا رسول الله؛ أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك) (٤)، وفي بعض الأحاديث: (وبفرسٍ له حَمْحَمَة) (٥)، وقد غلَّ غلامٌ اسمه مِدعَم يوم خيبر شَملَةً من المغنم، فقال ﵇: (والذي نفسي بيده؛ إنها لتشتعل عليه نارًا) (٦). وإنما يأتي به حاملًا له ليُفتضَح به على رؤوس الأشهاد.

стр. 173

وقيل: معناهُ أن يأتي بإثمه، وحُذف المضاف للعلم به. وقيل: يؤخذ من حسناته عِوَضَه وإلا عُوقب. وعن الكلبي: أنه يُمثَّل له ذلك الذي غله، فيُلقى في قعر جهنم ويقال لمن غله: انزل فأت به، فينزل فيأتي به، ثم يتدحرج ذلك الشيء إلى قعر جهنم، فيُكلَّف الإتيان به ثانيًا، وهكذا أبدًا. و ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ معمولٌ لـ ﴿يَأْتِ﴾، و (ما) موصولة اسمية؛ أي: الذي غلَّه، ويضعف جعلها نكرة موصوفة أو مصدرية، لأن القصد الإتيان بذلك الشيء لا نفس الغلول" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يُرجِّح السمين الحلبي أن معنى قوله ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أنه يأتي بنفس الشيء الذي غله، وهذا يظهر من ثلاثة وجوه: الأول: أن ذكر أن هذا هو ظاهر القرآن، والظاهر مُقدَّمٌ عنده. الثاني: أنه استدل لهذا القول بأكثر من حديث، وذكر علَّته في قوله: (وإنما يأتي به حاملًا له ليُفتضَح به على رؤوس الأشهاد)، ولم يستدل للأقوال الأخرى، ولم يذكر علتها. الثالث: أنه صرح في آخر الكلام أنه يأتي بالشيء الذي غله في قوله: (لأن القصد أن الإتيان بذلك الشيء لا نفس الغلول). • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: جرى أكثر المفسرين على أن المراد في الآية أن الغال يأتي يوم القيامة بعين الشيء الذي غله (٢)، وعلى هذا جرى شُراح الحديث فذكروا أن الأحاديث في هذا الباب (والتي ذكر السمين

стр. 174

الحلبي طرفًا منها) هي مفسِّرةٌ للآية وموضحةٌ لمعناها (١). وهذا القول هو مقتضى قول عبد الله بن مسعود (٢) وأبي هريرة (٣) وعوف بن مالك (٤) ﵃ في تفسيرهم للآية، وهو مقتضى أقوال الصحابة الذين رووا أحاديث الباب عن رسول الله ﷺ (٥)، وبه قال سعيد بن جبير من التابعين في تفسيره للآية (٦). أما القول بأن المراد بالآية هو أن الغال يأتي بإثم الذي غله فهو مضمون أقوال الذين خالفوا القول الأول، فقد ذكروا أن الإتيان في الآية ليس على حقيقته، وإنما هو من باب التشبيه والتصوير لحالة الغال، فيحفظ الله عليه ذلك الذنب الذي أخفاه، ثم يعزره يوم القيامة ويفضحه، فتشتد عليه الفضيحة، ويثقل عليه ذلك الذنب حتى يكون بمنزلة الذي أتى بذلك الذنب حقيقة (٧). وأما القول الثالث بأنه يُؤخذ من الحسنات الغال فلم أقف على من قال به، وقد ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ورجَّح القول الأول (٨). وأما القول الرابع عن الكلبي (٩) أنه يُمثَّل له الشيء الذي غله فلم أقف على من وافقه على هذا في تفسير الآية. ٢) أدلة القول الأول في المسألة: ذكر السمين الحلبي الأدلة على أن الذي غل يأتي بنفس الشيء الذي غله يوم القيامة،

стр. 175

وهذه الأدلة ترجع إلى أصلين: الأول: أن هذا هو ظاهر الجملة، بحيث لا يحتاج فيها إلى تقدير محذوف، ففي هذا القول إبقاء للكلام على ظاهره. الثاني: أن الأحاديث الصحيحة قد دلَّت على هذا القول، وهي خير ما يفسَّر به معنى الإتيان في الآية. ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: استدل من قال بأن المعنى أنه يأتي بإثم الغلول بما جاء في القرآن من تشبيه الأمور المعنوية بالأمور الحسية، ومثَّلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]، وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨]، وقوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، قالوا: فتُحمَل الآية هنا على ذلك، ويكون المذكور فيها على سبيل التمثيل والتشبيه كهذه الآيات (١). ٤) أدلة القول الثالث في المسألة: لم أقف على دليل القول بأنه يؤخذ من حسناته عِوَضَه وإلا عُوقب، لكن يمكن أن يكون آخر الآية يشير إلى هذا المعنى، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، بأنه يكون الاقتصاص منه أولًا بأخذ حسناته عوضًا عن المال الذي غلَّه، ثم يوفَّى جزاءه كاملًا على ما بقي من حسناته وسيئاته. ٥) أدلة القول الرابع في المسألة: يُستدل لهذا القول بما روي عن بُريدة الأسلمي عن النبي ﷺ : (إن الحجر ليزن سبع خلفات، فيُلقى في جهنم فيهوي فيها سبعين خريفًا، ويؤتى بالغلول فيُلقى معه، ثم يُكلَّف صاحبه أن يأتي به، وهو قول الله : ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ

стр. 176

يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾) (١)، وبما روي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: (ما من أحد يغل غلولًا إلا كُلِّف أن يأتي به من أسفل درك جهنم) (٢). ٦) الموازنة بين الأدلة: من قواعد الترجيح في التفسير أنه "إذا ثبت الحديث، وكان في معنى أحد الأقوال، فهو مُرجِّحٌ له على ما خالفه" (٣)، وهذه القاعدة تؤيد القول الأول، فإن الأحاديث جاءت بمعناه، وهي أحاديث كثيرة ذكرها ابن كثيرٍ في تفسيره (٤)، ويكفي منها ما ذكره السمين الحلبي هنا. ومما يقوي جانب الأحاديث هنا أن الآية خبرٌ عن غيب، و"لا يصح حمل الآية على تفسيراتٍ وتفصيلات لأمور مُغيَّبة لا دليل عليها من القرآن أو السنة" (٥)، فالأحاديث المذكورة أشبه بأن تكون نصًّا في المسألة هنا، و"إذا ثبت الحديث وكان نصًّا في تفسير الآية فلا يُصار إلى غيره" (٦). لكن القول الرابع قد يزاحم القول الأول في هذا الأمر، لأنه قد روي فيه حديث عن النبي ﷺ ، وجاء في آخره ذكر الآية صراحةً، بخلاف القول الأول، فإن الأحاديث فيه لم تربطه بالآية ربطًا صريحًا، وأيضًا فقد روي في القول الرابع الأثرُ عن عبد الله بن عمرو، وهو خبرٌ عن غيب، فله حُكم الرفع، والجواب عن هذا من جهتين: الأولى: جهة الرواية، فالأحاديث التي تؤيد القول الأول أصحُّ وأشهر وأكثر، وبعضها في الصحيحين كما ذكر السمين الحلبي، والحديث الذي ذُكرت فيه الآية فيه ضعف (٧). الثانية: جهة الدراية، وهو أن الحديث المذكور وكذلك الأثر عن عبد الله بن عمرو إن صحَّا فإنهما لا يعارضان القول الأول، بل يمكن أن يكونا تابعين له، فيكون الغال يأتي بعين الشيء

стр. 177

الذي غله يوم القيامة، ثم يُعذِّب بعد ذلك بالعذاب المذكور في الحديث والأثر، فالمقصود بالقول الأول إثباتُ أن الغال يأتي بعين الشيء الذي غله يوم القيامة، والحديث والأثر لا ينفيان هذا الأمر. ومما يُشكل على القول الأول ما ذكره بعضهم من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، فهذه الآية تدل على أنهم يأتون منفردين لا شيء معهم، وأنهم يتركون ما كانوا متمكنين منه في الدنيا من الأموال، وعليه فلا يحملون الغلول معهم، بل يأتون منفردين عنه، ويكون المراد بالآية أنهم يأتون بإثمه (١). والظاهر أن المراد بقوله ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ أنهم يأتون للبعث حفاة عراة غُرلا، ولذلك قال بعدها: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وفي هذه الهيئة تبكيت لمن ينكر البعث، كما قال تعالى: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولا ينافي هذا أن الغال يأتي بما غله إلزامًا له كذلك، لأنه قد أخفاه في الدنيا فظهرت فضيحته في الآخرة. ثم المراد بقوله ﴿وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ هو أن ما كانوا مخوَّلين فيه في الدنيا ينتفي عنهم في الآخرة فلا يتمكنون منه، فلا يكون لهم ملك ولا قوة يستنصرون بها في ذلك اليوم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ٩ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٩ - ١٠]، ولا ينافي هذا أن الغال يأتي بما غله، لأن ما غله ليس مُلكًا له في الأصل، وليس له فيه قوة، بل هو إذلالٌ له وفضيحة. ويبعد أن يكون المراد بالآية هنا أن الغال يأتي بإثم ما غله، لأن الآية قد دل ظاهرها على أن الغال يأتي بالشيء الذي غله حقيقةً، وفي ابتغاء غير هذا المعنى حملٌ للكلام على غير ظاهره، وعدولٌ عن الحقيقة إلى المجاز، والقاعدة أنه "إذا دار الكلام بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة الأصل"، وقد دل على الحقيقة هنا ألفاظ الحديث من ذكر رغاء البعير وخوار البقرة وثغاء الشاة وحمحمة الفرس، وإنما يُلجأ إلى المعاني الأخرى عند تعذر الحمل على الحقيقة، أما إذا

стр. 178

ثبتت الحقيقة بخبر الصادق المصدوق فلا عدول عنها (١). ثم إن الآيات التي ذكروا فيها أنها من قبيل تشبيه الأمور المعنوية بالأمور الحسية هي آيات يظهر منها ومن سياقاتها أنها في أمورٍ معنوية، كقوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾، فالأوزار هي الآثام، وهي أمرٌ معنوي، لكن قوله تعالى ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ ليس فيه ذكر أمرٍ معنوي إلا بمخالفة الظاهر، فلا يُحمل على أنه من قبيل تشبيه الأمور المعنوية بالأمور الحسية لأنه ليس ثمة أمور معنوية هنا. وأما القول الثالث أنه يؤخذ من حسناته عِوَضَه وإلا عُوقب فالذي يظهر أنه ليس تفسيرًا للآية، وإنما غايته إن صحَّ أن يكون من أحكامها؛ أي إن الغال يكون حكمه يوم القيامة كذلك، فهذا القول ليس فيه ذكر الشيء الذي يأتي به الغال حتى يكون تفسيرًا لقوله ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ إلا أن يقال إنه يأتي بعِوَض الشيء الذي غله وهي الحسنات يومئذ، وهذا بعيد يخالف الظاهر. ٧) النتيجة: الراجح أن المراد بقوله ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أنه يأتي بعين الشيء الذي غله، والأحاديث تدل على هذا المعنى، وليس في الآية ذكر شيء يأتي به الغال غير الشيء الذي غله، فتحمل الآية على هذا المعنى تسليمًا للغيب الذي أخبر به النبي ﷺ ، ثم يُحال في تفاصيل هذا الأمر وكيفيته مما لم يُذكر في الأحاديث إلى علم الله جلَّ وعلا، فهو الذي توعَّد هذا الغال، وهو أعلم بما ينجز به هذا الوعيد. ثم في الآخرة أحوال وأهوال لا تقاس بحال الدنيا، ولهذا سأل رجلٌ أبا هريرة عن الذي يغل مئتي بعير؛ كيف يأتي بها يوم القيامة؟ فقال ﵁: "أرأيت من كان ضرسه مثل أُحد، وفخذه مثل ورِقان، وساقه مثل بيضاء، ومجلسه ما بين المدينة إلى الربذة؛ ألا يحمل هذا؟! " (٢). وحمل الآية على أن الغال يأتي بعين الذي غله أبلغ من الحمل على أنه يأتي بإثم الذي

стр. 179

غله، فمعلومٌ أن كل عاصٍ سيأتي بإثم معصيته يوم القيامة إن لم يتداركه الله برحمته، فهذه قضية عامة، فما فائدة تخصيص الغال بالوعيد في قوله: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؟! والذي يظهر من الآية أنها تخص الغال بأمرٍ يخصه، لأنه تخصيص قبل العموم المذكور في قوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، فلما ذكر الله القضية العامة ذكر عمومها في كل نفس، فدل على أن الذي قبلها هو أمرٌ خاص بالغال وحده، وهو أنه يأتي بعين الشيء الذي غله، والله أعلم.

стр. 180

المبحث الرابع: ترجيحات السمين الحلبي من آية (١٦٤) إلى آية (١٧٥) وفيه تسع مسائل: المسألة الأولى: معنى المماثلة في قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] • أصل الخلاف في المسألة: المِثلُ هو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، فيمكن أن يطلق على شيئين متفقين في الكمية والمقدار وإن اختلفا في الجنس، ويمكن أن يطلق على شيئين متفقين في الجنس وإن اختلفا في الكمية (١)، ولأجل عموم دلالة المِثل جاء في قوله تعالى ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ أكثر من قول، فما المراد بالمِثلين هنا، وما وجه المماثلة؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "واختلف الناس في معنى قوله: ﴿مِّثْلَيْهَا﴾: فعن ابن عباس وقتادة والربيع والضحاك أنها في العدد، وذلك أنهم يوم بدر قتلوا سبعين وأسروا سبعين، فقد اصابوا يوم بدرٍ مِثلَي ما أُصيبوا به يوم أُحد. وذهب الزجاج إلى هذه المثليَّة في القتل خاصة من غير اعتبار الأسر، وقال: «إنهم قتلوا يوم بدرٍ سبعين، ويوم أُحدٍ اثنين وعشرين، فهو قتلٌ بقتل، ولا يدخل الأسرى في الآية، لأنهم فُدُوا، فلا مماثلة بين حالهم وبين قتل سبعين من المؤمنين» (٢) انتهى. يعني أن حقيقة المماثلة اتحاد الصفة التي وقعت المماثلة فيها، ولا مِثليَّة بين القتل والأَسر، فلا مدخل للأَسر في ذلك. وفيما قاله نظر من حيثيَّة أخرى، وهي أن حقيقة مِثلَي الشيء أن يكون ذلك الشيء نصفًا للمجموع، كما يقال: السبعون مِثلَا الخمسةِ والثلاثين، وهو قد قال إنهم قتلوا يوم أُحدٍ
следующие страницы →