← Тафсир

Тафсир · id 1109

ترجيحات السمين الحلبي - من آية 138 سورة آل عمران إلى آخر السورة

عبد الله بن سليمان النملة

Полный текст (376 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الترجيحية عنده: (إذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه فهو أولى). وهذا واردٌ إذا كان المراد بالعلم النسبة، أما إذا كان المراد بالعلم الأعيان والذوات فيتعين الاكتفاء بمفعول واحد، وأيضًا فإنه إذا كان في الآية مفعول واحد يستقيم به المعنى فالأولى أن يُكتفى به، لأن إثبات المفعول الثاني يحتاج إلى تقدير، وعدمُ التقدير أولى، كما ذكر الآلوسي. فالذي يظهر والله أعلم أن هذا هو ضابط الترجيح في هذه الآية وفي غيرها؛ أن العلم إذا أُريد به الأعيان والذوات فإنه يتعدى إلى مفعول واحد، وإذا أُريد به النسبة تعدَّى إلى مفعولين. ٥) النتيجة: الذي يظهر في قوله تعالى ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أن فعل (يعلم) يتعدى إلى مفعول واحد، لأن المراد معرفة أعيان الذين آمنوا، فهذا العلم الذي يُراد من الابتلاء الذي أشير إليه فيه الآية من قوله ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾، ولا يراد من الابتلاء العلمُ بنسبة شيءٍ إلى الذين آمنوا، بل المراد معرفة أعيانهم وإكرامهم على صبرهم وثباتهم. وأيضًا، فإن المذكور في الآية هو مفعول واحد، فلا حاجة إلى تقدير المفعول الثاني، وبعيدٌ أن يكون في الآية مفعولان وأن يكون التقدير: (وليعلم الذين آمنوا مميزين بالإيمان من غيرهم)، لما فيه من التكلف في تقدير المفعول الثاني من غير مُوجِب، لأن معرفة الشيء بعينه تقتضي تمييزه عما سواه. كما أنه قد جاء التصريح بعد ذلك في أن المراد هو معرفة الأعيان، وذلك في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ١٦٦ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧]، فذكر المؤمنين بأعيانهم، وذكر المنافقين بأعيانهم. فالفعل في الآية يتعدى إلى مفعول واحد، والله أعلم.

стр. 72

المسألة الثانية: إعراب الفعل في قول الله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] • أصل الخلاف في المسألة: الخلاف هنا في الفعل في قوله ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ هل هو منصوب أو مجزوم؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "وقرأ العامة: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ بفتح الميم (١)، وفيها تخريجان: أظهرهما أنه منصوب، ثم في نصبه مذهبان: الأول (وهو مذهب البصريين): أنه منصوب بإضمار (أن) بعد الواو التي بمعنى (مع)، كهي في قولك: لا تأكلِ السمك وتشربَ اللبن؛ أي: لا تجمع بينهما. والثاني (وهو مذهب الكوفيين): أنه منصوب بنفس الواو التي يسمُّونها (واو الصرف)، ويفيد ذلك أن الفعل كان من حقه أن يُعرَب بإعراب ما قبله، فلما جاءت الواو صرفته عن ذلك إلى النصب. والتخريج الثاني أنه مجزوم عطفًا على الفعل قبله، وإنما فُتح لأحد وجهين: إما لإتباع الميم إلى اللام في حركتها، كما قيل ذلك في أحد تخريجي: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾، كما قررناه (٢). وإما لأنها حركة التقاء الساكنين، وذلك أنه لما احتيج إلى تحريكه كان تحريكه بأخف الحركات أولى" (٣).

стр. 73

• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن الفعل منصوب، فقد صرَّح بلفظ الترجيح في قوله: (أظهرهما أنه منصوب) (١). • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: اتفق كثير من أهل العلم أن الفعل في الآية منصوب، وإن كانوا اختلفوا في سبب نصبه على المذهبين اللذين ذكرهما السمين الحلبي، فمنهم من اختار أنه منصوب بـ (أن) مضمرة بعد الواو (٢)، ومن أهل العلم من اختار أنه منصوب على الصرف (٣). ومعلومٌ عن السمين الحلبي أنه يرجح المذهب البصري في هذا، وهو النصب بـ (أن) مضمرة (٤)، لكنه لم يعين أحد المذهبين هنا لأن التقرير في ذلك يكون في كتب النحو كما أشار إلى ذلك في الدر المصون (٥)، وهذه طريقته في بعض المواضع، أنه إذا كان الحكم الإعرابي مُتفقًا عليه وكان الخلاف في توجيهه فإنه يذكر الحكم المتفق عليه، ثم يشير إلى المذاهب في توجيهه ولا يذكر أدلتها ولا يرجح بينها (٦). وأما القول بأن الفعل مجزوم فقد حكاه بعض المفسرين على أنه محتمل من غير ترجيح له (٧).

стр. 74

ولم أقف على من اختار هذا القول إلا ما ذكره جامع العلوم الباقولي (١) في عدة مواضع من كتبه (٢)، فإنه لم يستحسن النصب واستحسن الجزم، واعترض على القول بالنصب بأن الجزم هو اختيار القُرَّاء في مثل هذا، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فثبتت القراءة بجزم ﴿وَنَمْنَعْكُم﴾، ولم تكن بالفتح إلا في قراءة شاذة (٣)، واستشهد لقوله بأن الفعل مجزوم بقراءة الجزم بكسر الميم: (ويعلمِ الصابرين)؛ قال في توجيه قراءة فتح الميم: "والأئمة عدلوا عن الكسر إلى الفتح، لأنها أخف مع انفتاح ما قبله"، وقال: "فهذه فتحةٌ بمنزلة الكسرة"، واستشهد في إتباع الميم بما قبلها في الفتح بما روي من قراءة ابن عامر: (ثم يجعَلَه حطامًا) (٤)؛ قال: "بفتح اللام تبعًا للعين". وقد ضعَّف قوله أبو البركات الأنباري (٥)، واعترض محيي الدين درويش على من قال بهذا القول، وذكر أنه لا يجوز حمل القرآن على الوجوه المرجوحة (٦). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: وهي بالنظر إلى أمرين: الأول من حيث اللفظ، فالظاهر في لفظ (يعلم) أنه مفتوح الآخر، فينصرف أولَ ما ينصرف إلى النصب، ولهذا ذكر السمين الحلبي أن القول بالنصب أظهر. الثاني من حيث المعنى، فإن الخطاب في الآية للمؤمنين الذين جاهدوا مع رسول الله ﷺ ، وجاء العتاب في الآية على أن الطمع في الجنة إنما ينبغي إذا اجتمع مع الجهاد

стр. 75

الصبر، فالمراد التنبيه على الأمرين معًا، وهذا المعنى لا يكون إلا إذا أُريد النصب (١). ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: أنه قد رويت القراءة بكسر الميم (ويعلمِ الصابرين) عطفًا على قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ (٢)، فهذه القراءة تؤيد القول بالجزم هنا (٣). ويشهد للقول بالجزم أيضًا القياس على ما ذكره جامع العلوم الباقولي بأنه ثبت الجزم في موضع آخر مثل هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، فاتفق القراء السبعة على جزم ﴿وَنَمْنَعْكُم﴾، ويقاس عليه هذه الآية في إثبات الجزم فيها (٤). ٤) الموازنة بين الأدلة: أما حمل الفعل في الآية على النصب فهو الظاهر من اللفظ، لأنه مفتوح الآخر، ويبقى الأمر في توجيه النصب بحسب المذهبين المذكورين، لكن يجاب عن الاعتراض الذي ذكره الباقولي من أن النصب ليس هو اختيار القراء في مثل ذلك. فالذي يظهر أن الاختيار ليس له مدخلٌ هنا، فالقراء لا يختارون في القراءات إلا بما ثبت لديهم بالأسانيد، ويجعلون الاختيار حينئذٍ مبنيًا على الأثبت والأضبط لا على موافقة وجه معين من وجوه الإعراب؛ قال أبو عمرو الداني: "وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل" (٥)، فثبت بهذا أن المقدَّم عندهم هو رعاية الإسناد لا القياس على الحكم الإعرابي في آية أخرى. ثم لو كانت القراءات في ﴿ويعلم﴾ بكسر الميم وفتحها كلها ثابتة عندهم وكان اختيار الجزم متفقًا عليه بينهم لمَا عدلوا عن الكسر إلى الفتح كما ذكر الباقولي، لأن الكسر أدلُّ على الجزم من الفتح، فإنه يلزم كل من أراد الجزم وفتح الميم أن يبين التوجيه في فتح الميم لئلا يُظن أن

стр. 76

الفعل منصوب، ولو كان التوجيه الذي ذكره الباقولي في سبب عدول القراء عن الكسر معهودًا بينهم لكان مستفيضًا عندهم ولثبت له عدة شواهد، لكنه لم يذكر له شاهدًا إلا في قراءة شاذة رويت عن ابن عامر، وسيأتي الكلام عنها. ومن هذا يتبين أن القول بالجزم في قوله ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ وإن قلنا بصحة أدلته من الاستشهاد بقراءة الجزم والاستشهاد بطريقة القراء إلا أنه يَرِد عليه إشكالان: الأول: أن التوجيهات المذكورة في فتح الميم (إما لأجل خفة الفتح، أو لأجل الإتباع) ضعيفةٌ في مقابل قوة القول بالنصب وشهرته بين أهل العلم، ففيه المذهبان المشهوران. والثاني: أن التوجيهات المذكورة في فتح الميم لا تناسب المحل هنا، لأن الميم هنا في آخر الكلمة، وآخر الكلمة هنا هو علامة الإعراب، ففتح الميم يدل على النصب، ولو كانت التوجيهات سائغة في محل آخر لم تكن سائغة هنا لأن هذا يتعارض مع الإفصاح عن الكلام وبيان المعنى المراد، فاستعمال خفة الفتح أو الإتباع لا يناسب أن يكون في آخر الكلمة الذي هو محل الإعراب وبيان المعنى المراد. وأيضًا، فإن الإعراب هو تغيير أواخر الكلِم، فلا يسوغ أن يلحقه تغييرٌ آخر بعده، لأنه إذا كان المراد الجزم هنا فإن الأصل في الميم أن تكون ساكنة، ثم إنها تحرَّكت بالكسر لأجل التقاء الساكنين بناء على الأصل في ذلك، ثم تحرَّكت بالفتح لأجل خفته أو لأجل الإتباع، فحصل منه توالي التغيير على محل الإعراب (١). وأما تغيير الحركة بالفتح لأجل التقاء الساكنين فهو خلاف الأصل، ولعله لأجل هذا اعترض محيي الدين درويش على من قال بالجزم وغلَّظ القولَ في ذلك (٢). وأما ما استشهد به الباقولي من القراءة الشاذة التي رويت عن ابن عامر (ثم يجعَلَه حطامًا)، فمع أنها شاذة، فإن أهل العلم قد ضعفوها (٣)، بل إن السمين الحلبي حملها على النصب كما هو ظاهر اللفظ، وذكر أن سبب ضعفها أنه لم يتقدم في الآية ناصب (٤)، وقد ردَّ أبو البركات

стр. 77

الأنباري على الباقولي في توجيهه لها بأن اللام فُتحت تبعًا للعين ثم قال: "وليس في توجيهها قولٌ مرضيٌّ جارٍ على القياس" (١)، وذكر في موضع آخر أن الإتباع إنما جاء في ألفاظ يسيرةٍ لا يُعتد بها ولا يُقاس عليها (٢). وبمثل ما سبق يقال في الرد على من يستشهد بقراءة فتح الميم في نفس الآية من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾، فقد قرئت بفتح الميم: (ولمَّا يعلمَ الله) (٣)، وقد ذُكر فيها توجيهٌ آخر غير ما سبق، وهو أن أصل الكلمة (يعلمَن) على إرادة التأكيد بنون التوكيد الخفيفة، فحُذفت النون وبقيت حركة الفتح كما لو كان الفعل مؤكدًا بها (٤)، وهذا مبني على جواز تأكيد المجزوم بـ (لم) وهو قليل جدًّا (٥). وقد استبعد أهل العلم هذا الوجه وذكروا أنه لم يُذكر في قوله تعالى ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ بسبب بُعده ولإمكان الحمل على الوجه الصحيح الشائع (٦)، فمثل هذه التوجيهات إنما يُلجأ إليها إذا ثبتت القراءة ولم توافق الحكم الإعرابي الظاهر منها، أما إذا وافقت القراءة وجهًا من الأوجه المعتبرة عند أهل العلم، فلا داعي أن تُصرف عنه إلى غيره. ٥) النتيجة: الذي يظهر أن الفعل في قوله تعالى ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ منصوب، لأن هذا هو الظاهر اللفظ، ولأن القول بالجزم يحتاج إلى توجيهات متكلَّفة بخلاف القول بالنصب الذي هو ظاهر شائع لا يحتاج إلى توجيه. وقد استشهد بعض العلم بهذه الآية في سياق الكلام عن النصب في مواطن أخرى فدلَّ

стр. 78

على ثبوتها في النصب عندهم (١).

стр. 79

المسألة الثالثة: تعدي الفعل في قول الله تعالى ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] • أصل الخلاف في المسألة: هي شبيهة بالمسألة الأولى التي سبقت، فإن فعل (رأى) في اللغة له حالان: إما أن يتعدَّى إلى مفعولين فيكون من باب (ظنَّ وأخواتها) فتكون الرؤية علميَّة، كقولك: رأيت الصدقَ سبيلَ النجاة، وإما أن يتعدَّى إلى مفعولٍ واحد، كقولك: رأيت الهلال، فتكون الرؤية بصريَّة. والخلاف هنا في الرؤية في قوله: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾؛ هل تتعدَّى إلى واحد أم اثنين؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "والظاهر أن الرؤية هنا رؤيةُ البصر، ويؤيد ذلك قوله: ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾، وعلى هذا فلا حاجة إلى حذف. وقيل: هي بمعنى العلم، فيتعدى إلى اثنين، فيحتاج إلى تقدير الثاني؛ أي: فقد رأيتموه حاضرًا، ونحو ذلك، ولكن حذف أحد مفعولي (ظنَّ) اختصارًا فيه خلاف، والصحيح جوازه، وأنشدوا لعنترة: ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المُحَب المُكرَم أي: فلا تظني غيره واقعًا" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي هنا أن فعل الرؤية يتعدى إلى مفعول واحد، وهذا الترجيح يظهر من ثلاثة وجوه:

стр. 80

الأول: التعبير بالظاهر، حيث قال: (والظاهر أن الرؤية هنا رؤيةُ البصر). الثاني: أنه ذكر ما يؤيد هذا القول ولم يذكر ما يؤيد القول الآخر. الثالث: استدراكه على القول الآخر بأن فيه خلافًا، وذَكَر جوازه هنا ليبين الصحيح في هذا الخلاف، وهذا لا ينفي استدراكه على القول، لأنه في الدر المصون استدرك بقوله: "إلا أن حذف أحد المفعولين في باب (ظنَّ) ليس بالسهل، حتى إن بعضهم يخصُّه بالضرورة، كقول عنترة … " (١). • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: ذكر كثير من أهل العلم أن الرؤية في الآية هي الرؤية البصرية، وذلك منهم إما بذكر المشاهدة والمعاينة للموت وأسبابه من القتال ونحوه (٢)، أو بالإشارة إلى ذلك عند الإعراب (٣)، وكل ذلك يُحمل على أن الفعل في الآية يتعدى إلى مفعول واحد، لأن الرؤية التي تتعدى إلى مفعولين ليست إلا الرؤية العلمية. وأما القول بأن الرؤية في الآية هي الرؤية العلمية فقد نفى الجاحظ أن يكون المراد في الآية رؤية العين، وصرَّح الطحاوي بأن الرؤية في الآية هي الرؤية العلمية (٤)، وذكر الماوردي القولين جميعًا (٥).

стр. 81

٢) أدلة القول الأول في المسألة: وهي أربعة أدلة: الأول: أن هذا القول هو الظاهر، لأنه لا يحتاج إلى تقدير محذوف، بخلاف القول الآخر فإنه يحتاج إلى تقدير المفعول الثاني، لأنه غير مذكور في الآية. الثاني: السياق كما ذكر السمين الحلبي، فإن آخر الآية يؤكد أن فعل الرؤية بمعنى الإبصار فيتعدى إلى مفعول واحد، وبيان ذلك فيما ذكره الأخفش عند هذه الآية، فإنه قال: "قال تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾، توكيدًا كما تقول: (قد رأيته واللهِ بعيني) و (رأيته عِيانًا) " (١). الثالث: سبب النزول، فقد "نزلت هذه الآية في قومٍ غابوا عن مشهد بدرٍ فقالوا: (لئن أرانا الله قتالًا ليَريَن ما نصنع، ولنقاتلن)، فأراهم الله القتال عِيانا، وهم ينظرون إليه بأعينهم" (٢). الرابع: أن الأصل في الرؤية أن تكون بصرية (٣)، وبقاء الشيء على أصله أولى. ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: استدل من قال بأن الرؤية في الآية هي الرؤية العلمية بأن الضمير في قوله ﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعود للموت، والموت لا يُعاين، فيتعين أن تكون الرؤية علمية (٤). ويمكن أن يستدل لهذا القول بأنه إذا قلنا بأن الرؤية بصرية، فإن قوله تعالى ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ يكون تأكيدًا، والأولى أن يكون للتأسيس (٥).

стр. 82

٤) الموازنة بين الأدلة: كما ذكر السمين الحلبي فإن الظاهر هو التعدي إلى مفعول واحد، إذ ليس في الآية مفعول ثانٍ فيحتاج إلى تقدير، وعدمُ التقدير أولى، وكما سبق في المسألة الأولى فإن الأدلة تعضد القول بالتعدي إلى مفعولٍ واحد، وأما القول بتعدي الفعل إلى مفعولين فلم يُذكر له دليل ظاهر إلا المنع بأن تكون الرؤية البصرية، فيبقى الجواب عن الإشكال المذكور، وهو أن الموت لا يُعاين، فكيف تكون الرؤية بصرية؟ وقد أجاب أهل العلم عن هذا الإشكال بأن المراد هو رؤية أسباب الموت من القتال وآلته كالسيف ونحوه كما سبق الإشارة إليه؛ قال القرافي: "وإنما رأوا القتال، وهو الذي كانوا يتمنونه، فجعله موتًا لوجود مظنته" (١). وتعقَّب الشيخ العثيمين هذا الجواب، وذكر أن رؤية الموت ممكنة، وذلك بأن يرى الموت فيمن استشهد من إخوانه في المعركة، فيكون المعنى: فقد رأيتم الموت فيما بينكم (٢)، وهذا هو الموافق لما ذكره الزمخشري والبيضاوي من المفسرين (٣)، وقد أشار إليه السمين الحلبي فقال عند قوله تعالى ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾: "والمعنى: وأنتم تنظرون وقوعه في إخوانكم الذين استشهدوا أو شارفهم القتل" (٤). وأما الاستشهاد بقاعدة (التأسيس أولى من التأكيد) في قوله ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ فقد أشار إليها الشيخ العثيمين في سياق الكلام عن نوع الرؤية البصرية، ولم يتطرق إلى كون الرؤية في الآية هي الرؤية العلمية، بل ذكر أن الرؤية البصرية يمكن أن تكون نوعان؛ نظر عامٌ للإبصار ووقوع مجرد الرؤية، ونظر خاص للتحقيق والتدقيق، فقوله ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ هو من النظر العام، وقوله ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ هو من النظر الخاص، وتكون الجملة حينئذ للتأسيس (٥)،

стр. 83

وقد ذكر هذا المعنى من قبله محمد عبده، لكن من غير إشارة إلى القاعدة، وجعله من قبيل التأكيد للرؤية في الأصل (١)، والله أعلم. وعلى كل حال، فإن هذه القاعدة لا توازي أدلة القول بأن الرؤية للعيان، وسيأتي الكلام عن هذه القاعدة في المسألة الآتية. ٥) النتيجة: الظاهر أن الرؤية هي الرؤية البصرية، وهو المناسب لسبب النزول، وهذا أبلغ في السياق من أن يكون قوله ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ معناه: فقد علمتموه، فإن السياق في عتابهم على أمرٍ قد تمنوه ثم إنه ثبت لهم وتحقق، وإثباته بطريق المعاينة أبلغ من إثباته بطريق العلم به ولو كان يقينًا، فليس الخبر كالمعاينة، وعين اليقين أبلغ من علم اليقين.

стр. 84

المسألة الرابعة: إعراب قوله تعالى ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ • أصل الخلاف في المسألة: اختُلف في الجملة من قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾، هل هي حاليَّة أو مستأنفة، فإن كانت حالية فما نوعها؛ هل هي حال مؤكِّدة أو مبيِّنة. • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "والجملة من قوله ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ حال، وهي حالٌ مؤكِّدة رافعة للمجاز في قوله ﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾، أو للاشتراك، لأن الرؤية كما قدمناه إما بصرية أو علمية. والمعنى: وأنتم تنظرون وقوعه في إخوانكم الذين استشهدوا أو شارفهم القتل، فيكون متعلَّق الرؤية ومتعلَّق النظر واحدًا، وهو الظاهر، وبه قال الأخفش، وعنه أيضًا وعن الزجاج أن المعنى: وأنتم بصراء ليس بأعينكم علة مانعة من ذلك. وقيل: المعنى: تنظرون نظر تأمُّلٍ بعد رؤيتكم ذلك. وقيل: تنظرون إلى ما فُعل بمحمد ﷺ ، مِنْ شجِّ وجهه وكسر رباعيته، وإلى ما حلَّ بأصحابه. وقيل: تنظرون في أسباب نجاتكم وفراركم، وفي أمر رسول الله ﷺ ؛ هل قُتل أم لا. وقيل: تنظرون فيما صدر منكم؛ هل حصل به وفاء أم مخالفة. وقيل: تنظرون ما تمنيتم؛ أي: الموت. وعلى هذا فالجملة مستأنفة سيقت للإخبار بذلك، وليست حالية، فكأنه قيل: وأنتم حسباء أنفسكم فتأملوا قبح فعلكم، فصيغتها خبر، ومعناها عتب توبيخ. وقال أبو بكر الأنباري: يقال إن معنى ﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾ قابلتموه ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ بعيونكم، ولهذه العلة ذكر النظر بعد الرؤية حين اختلف معناهما، لأن الأول بمعنى المقابلة والمواجهة، والثاني بمعنى رؤية العين، فعلى ما ذكره تكون الجملة في موضع الحال، لكنها حال

стр. 85

مبيِّنَة لا مؤكِّدة، وهو حسن لو لم نَقُل إن اللغة لا تساعد على كون الرؤية تكون بمعنى المقابلة والمواجهة. وقد تحصل في هذه الجملة ثلاثة أوجه: حال مؤكِّدة، حال مبيِّنَة، مستأنفة" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يظهر أن السمين الحلبي يرجح أن تكون الجملة حالًا مؤكِّدة، ويظهر ذلك من أربعة وجوه: الأول: أن هذا هو الذي بدأ به في تفسير الآية كأنه هو المعتمد عنده، ثم ذكر الأقوال بعده. الثاني: أن هذا هو الذي يتناسب مع ترجيحه السابق بأن الرؤية بصرية، وقد تقدَّم بيان ذلك فيما ذكره الأخفش، وقد أشار السمين الحلبي إلى قوله هنا. الثالث: التعبير بالظاهر في قوله: (وهو الظاهر). الرابع: أنه استبعد قول أبي بكر الأنباري بأنها حال مبيِّنَة، ولم يذكر ما يقوي القول بأنها مستأنفة. • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: أطلق كثير من أهل العلم أن الجملة من قوله ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ هي حال (٢). وأما القول بأنها مستأنفة فقد أشار إلى مضمونه بعض أهل العلم على أنه محتمل من غير ترجيح، فقد ذكر الماتريدي احتمال أن يكون معنى قوله ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ تعلمون أنكم كنتم تمنون الموت (٣)، وقد أشار الراغب الأصفهاني إلى احتمال أن يكون النظر كناية عن التحيُّر (٤)، وذكر ابن عطية احتمال أن يكون المعنى أنهم ينظرون في فعلهم؛ هل حصل به وفاء

стр. 86

أم مخالفة، أو يكون المعنى أنهم ينظرون أسباب نجاتهم وفرارهم، وأشار إلى القول بأنهم ينظرون إلى محمد ﷺ واستبعده (١). وأما في نوع الحال؛ هل هي حال مبيِّنة أو مؤكِّدة، فإن كثيرًا من أهل العلم جعلوا الجملة من قبيل التأكيد (٢)، وأما القول بأن الحال للتبيين فهو فيما ذكره أبو بكر الأنباري، ولم يتيسر لي الوقوف عليه، ولم أرَ من أهل العلم من وافقه في قوله. ٢) أدلة القول الأول في المسألة: استدل السمين الحلبي في قوله بأن الجملة حالٌ مؤكدة بأن هذا هو الظاهر المتبادر إلى الذهن، فيكون معنى النظر هو الإبصار، ويكون متعلقًا بالأمر المحدَّث عنه في السياق وهو الموت لا بشيء آخر. ومما يشهد بحسن هذا القول أنه به يكون متعلَّق الرؤية ومتعلَّق النظر واحدًا، فتتوحد المتعلقات وتتفق دلالتها على شيء واحد، وهذا أحسن من تفريقها. ٣) أدلة القول الثاني والثالث في المسألة: القول بأن الجملة حالٌ مبيِّنة أو أنها مستأنفة يشهد له من حيث الإجمال قاعدة (التأسيس أولى من التأكيد)، فيحمل الكلام في الجملة على التأسيس؛ إما على ما ذكره أبو بكر الأنباري من جعل الرؤية بمعنى الملاقاة، وإما بأن يكون للنظر معنًى آخر غير الإبصار، أو بتخصيص متعلَّق النظر بشيء آخر غير الموت. ولم أقف على ما يشهد لأحد الأقوال المذكورة بالتحديد. ٤) الموازنة بين الأدلة: أما القول بأن الجملة مستأنفة فإنه يحتاج إلى صرف متعلَّق النظر إلى أمرٍ غير الذي ذُكر في السياق وهو الموت أو أسبابه، ولم أقف على دليل يُوجب ذلك، أو أنه يحتاج إلى صرف معنى النظر عما وُضع له في الأصل وهو الإبصار، فيكون النظر بمعنى التأمل أو نحوه، وإبقاء الشيء على موضوعه الأصلي أولى. وأما ما ذكره أبو بكر الأنباري من أن الرؤية تكون بمعنى الملاقاة فلا يظهر في اللغة أن

стр. 87

تكون الرؤية بهذا المعنى، ولعل الذي حمله على ذلك أن معنى الملاقاة قد ذُكر قبل ذلك في الآية في قوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾، فحمل معنى الرؤية عليه، لكن الذي ذكره المفسرون في الآية هو أنه جاء فيها إيثار معنى الرؤية في قوله ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ على معنى الملاقاة لبيان شدة المعاينة (١)، فمعنى الرؤية مقصودٌ في الآية فلا يُحمل على غيره. بقي الإجابة عن قاعدة (التأسيس أولى من التأكيد)، فإما أن يجاب عنها بما ذكره الشيخ العثيمين في المسألة السابقة، أو يقال بأن السياق يدل على التأكيد لأنه كما تقدَّم في إثبات أمرٍ تمنوه، فأكَّد الله ثبوته وعاتبهم في ذلك، فلعل التأكيد أبلغ في السياق، وهو أقرب للظاهر. ٥) النتيجة: الذي يظهر والله أعلم أن الجملة في قوله تعالى ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ هي للحال، وهي حالٌ مؤكِّدة، لأن التأكيد هو الظاهر من السياق، وهو المتبادر إلى الذهن، والله أعلم.

стр. 88

المسألة الخامسة: تعلُّق القتل في قول الله تعالى: ﴿وكأين من نبي قُتل﴾ قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] في قراءة المبني للمفعول: ﴿قُتل﴾ (١). • أصل الخلاف في المسألة: أصل الخلاف في كون النبي يُقتل في الحرب أو لا، ففي قراءة ﴿وكأين من نبي قُتل معه ربيون كثير﴾ ثبت الخلاف؛ هل الذي قُتل هو النبي، فتقرأ: ﴿وكأين من نبي قُتل﴾ وتقف، ثم تبتدئ: ﴿معه ربيون كثير﴾، أو أن الذي قُتل هم الربيون، فتكون القراءة بالوصل: ﴿وكأين من نبي قُتل معه ربيون كثير﴾ (٢). • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "واختلف المفسرون في معنى هذه الآية؛ هل معناها أن الأنبياء قُتلوا، أم أنهم لم يقتلوا، بل قُتل الربيون الذين كانوا معهم؟ والمعنى الأول أليق بالسياق وبحال المخاطبين. فذهب جماعة منهم الطبري إلى الأول، ورجحوه بأن القصة في أُحد حين تخاذل الناس عند سماعهم بقتل النبي ﷺ ، فضُرب لهم المثل بكثيرٍ من الأنبياء قُتلوا ولم يقدح ذلك في أتباعهم بالنسبة إلى أنهم لم يتغيروا عن دينهم وثبتوا على ما كانوا عليه. وأيضًا فقد قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى ﴿وما كان لنبي أن يُغَل﴾ (٣): النبي يُقتل فكيف لا يُخان (٤).

стр. 89

ورُجِّح أيضًا بقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (١). وذهب إلى المعنى الثاني الحسن البصري وابن جبير وآخرون؛ قال الحسن وابن جبير: لم يُقتل نبيٌّ في حربٍ قط. وإنما قالا (في حرب) لأن كثيرًا من الأنبياء قُتل في غير حرب، حتى إن بعضهم نُشر بالمناشير، صلوات الله عليهم. ويكون معنى الآية حينئذ تسليةً للمؤمنين وتصبيرهم على موت مَنْ قُتل منهم في أُحد؛ أي إن مَنْ قبلكم قُتل كبراؤهم ورؤساؤهم وعلماؤهم فما غيَّرهم ذلك عن دينهم ولم يضعفهم" (٢). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي القول بأن القتل يتعلق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وذلك من وجهين: الأول: عبارة الترجيح: وذلك في قوله: (والمعنى الأول أليق بالسياق وبحال المخاطبين). الثاني: أنه ذكر أدلة هذا القول وما يعضده من الآية الأخرى وقول ابن عباس، وأما القول الآخر فاكتفى فيه بذكر القول وتوجيهه، ولم يبحث في أدلته وما يعضده (٣). • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: ذهب جماعةٌ من المفسرين إلى أن القتل في الآية متعلق بالأنبياء، سواء عند الكلام عند نائب الفاعل لقوله ﴿قُتِل﴾ أو عند الكلام عن المُصاب في الآية عند قوله ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أن الذي أصابهم هو مقتل نبيهم، وسواء كان القتل في الآية

стр. 90

ينصرف إلى الأنبياء وحدهم أو أنه ينصرف إلى الأنبياء والربيين معهم (١)، وهو قول ابن عباس ﵄ وعكرمة وقتادة والربيع بن أنس والسدي والضحاك (٢). وقد نفى الحسن وسعيد بن جبير أن يكون أحدٌ من الأنبياء قُتل في حرب (٣)، ورجَّح عددٌ من المفسرين أن القتل في الآية متعلق بالربيين (٤). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: ذكر السمين الحلبي الدليل على أن القتل في الآية يتعلق بالأنبياء أنه السياق وحال المخاطبين، وبيان ذلك فيما ذكره عن المفسرين من أن القصة وسياق الآيات نزل في أُحد حين تخاذل الناس عند سماعهم بمقتل النبي ﷺ ، كما ورد في سبب نزول الآيات (٥)، فضُرب لهم المثل بكثيرٍ من الأنبياء قُتلوا ولم يقدح ذلك في أتباعهم، فإذا كان سياق الآيات نزل بعدما أُشيع مقتل النبي ﷺ ، وكانت حال المخاطبين إذ ذاك فيها بعض الضعف والتخاذل، فأولى أن يتعلق القتل في هذه الآية بالأنبياء لا بأحدٍ من أتباعهم، وأولى أن يكون صبر الأتباع فيها هو صبرًا على مقتل الأنبياء وليس صبرًا على مقتل من هم دونهم. ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: وهي دليلان: الأول: الواقع المحتفِّ بنزول الآية، فإن في قوله ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ما يناسب أن القتل

стр. 91

وقع على الربيين وليس الأنبياء، لأن النبي ﷺ لم يُقتل في الغزوة التي نزلت فيها هذه الآيات، وإنما قُتل فيها جمعٌ كثير من أصحابه (١). الثاني: ما روي في قراءة التشديد (قُتِّل) (٢)، فهي تؤيد أن القتل وقع على الربيين وليس على النبي لما في تشديد التاء من الدلالة على التكثير، وهو ينافي إسناده إلى الواحد ﴿نَّبِيٍّ﴾، فإن كثرة القتل لا تكون على ذات واحدة (٣). ٤) الموازنة بين الأدلة: الذي يظهر من حيث قوة الأدلة أن أقواها ما يتعلق بسبب النزول وسياق الآيات، فإن سبب النزول وسياق الآيات من الأدلة المقدَّمة في الترجيح عند التعارض (٤)، وهذان الدليلان يعضدان القول الأول في أن القتل في الآية يتعلق بالأنبياء، أما القول بأن القتل في الآية يتعلق بالربيين فقط، وأن هذا أنسب مع نزول الآيات، لأنه قد قُتل من الصحابة في غزوة أحد جمعٌ كثير، ولم يقتل فيها النبي ﷺ = فهذا غير ظاهر، فإن الروايات في سبب النزول ذكرت ما أُشيع من مقتل النبي ﷺ ، ولم تذكر مقتل عدد كثير من الصحابة رضوان الله عليهم (٥). لكن القول بأن من الأنبياء من قُتل في حرب وإثبات ذلك في الآية عليه اعتراضات أربعة: الاعتراض الأول: أن الاستدلال بسبب النزول لو كان يتعيَّن منه ذكر قتلِ نبيٍّ لكانت قراءة الجمهور ﴿وَكَأَيِّن مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ جاريةً على خلاف المتعين؛ إذ ليس فيها إشارة إلى القتل، وإنما هي في المقاتلة (٦). ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله تعالى في آخر الآية ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ

стр. 92

اللَّهِ﴾ فيه إشارة إلى مقتل نبيهم بذكر المصيبة التي نزلت فيهم، وقراءةُ ﴿قُتل﴾ تبيِّن أن المصيبة هي مقتل نبيهم، وليس الاستدلال بسبب النزول على أنه يتعين منه أن يذكر قتل نبيٍّ في هذه الآية بالتحديد، لكن الاستدلال بسبب النزول هو في تعيين المقتول الذي لم يُذكر في قراءة ﴿وكأين من نبي قُتل معه ربيون﴾، ثم إنه قد جاءت الإشارة إلى قتل النبي في آية أخرى في سياق الآيات التي نزلت وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (١). وأما الاستدلال بقراءة (قُتِّل) وما فيها من التكثير الذي يدل على أن الفعل واقعٌ على الربيين، فقد ضعَّف السمين الحلبي الاستدلال بهذه القراءة من وجهين (٢): الأول: أن قوله تعالى قبل ذلك ﴿وَكَأَيِّن﴾ هو بمنزلة (كم) في الدلالة على التكثير، فلفظ ﴿نَّبِيٍّ﴾ وإن كان مفردًا فهو في معنى الجمع (٣). والثاني: أن التشديد للمبالغة، نحو: ذبَّحت الكبش. الاعتراض الثاني: ما ذكره الحسن وابن جبير بأنه لم يُسمع عن نبيٍّ أنه قُتل في حرب، وما ذكره أهل العلم بأن الآية تقتضي التكثير، كما دل عليه قوله: ﴿وَكَأَيِّن﴾، فلو كان قتل الأنبياء كثيرًا لاشتهر وأمكن سماعه، وأيضًا فلو كان معنى الآية أن الأنبياء قتلوا فإن قوله ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ يقتضي أن كل واحد من هؤلاء الأنبياء جاهد معه عدد كبير، وهذا لا يُعرَف (٤). ويمكن الجواب عن هذا كله بأن عدم السماع والشهرة لا يدل على نفي الأمر، بل قد أخبر الله نبيه أن من الأنبياء من لم يصله نبأهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ

стр. 93

مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] (١)، وأما القول بأنه لا يُعلم عن نبيٍّ أنه قاتل معه عدد كبير، فهذا يُردُّ عليه بنص الآية في قراءة (قاتَل)؛ قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾، فإن الآية تدل على أنه قد قاتل مع الأنبياء جموع كثيرة. الاعتراض الثالث: أن سياق الآية في الاحتجاج على الصحابة ومعاتبتهم بها على ما كان منهم يوم أُحد بعدما أُشيع مقتل النبي ﷺ ، والآية لا تكون حجة على الصحابة إذا كان المراد بها أن الأنبياء قُتلوا وبقي من بعدهم ربيون كثيرٌ لم يقتلوا، فيقول الصحابة: إنهم لم يَهِنوا لما أصابهم لأنهم كثير، وكثرتهم تقتضي قوتهم، أما نحن فقليلٌ عددنا (٢). ويمكن الجواب عنه بأن الاحتجاج بالآية في معاتبة الصحابة ﵃ هو من وجه ذكر المَثَل بأن الذين ثبتوا بعد مقتل الأنبياء السابقين كثير وجعل هذا في مقابل القِلَّة التي ثبتت بعدما أُشيع مقتل النبي ﷺ ، وليس المراد بالتكثير مقابلةُ عدد الجنود بين الصحابة ومن قبلهم. الاعتراض الرابع: ما ثبت من غَلَبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الله تعالى قال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، والمقتول ليس بغالب كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء: ٧٤]، فجعلهم قسمين؛ مقتولٌ وغالب، ولا يجتمع القسمان في ذاتٍ واحدة بأن تكون مقتولة وغالبة في نفس الوقت، وعليه فإن النبي لا يُقتل في حرب لأنه لا يُغلب (٣). ويمكن الجواب عنه بأن قوله تعالى ﴿وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيما﴾ لا يقتضي أن يكون معنى القتل ومعنى الغلبة كالضدين بحيث لا يمكن اجتماعهما في ذاتٍ واحدة، بل هو في ذكر المآل للأحوال التي يكون عليها الأجر في القتال، فالذي يقاتل في سبيل الله مأجور سواء الذي قُتل واستشهد والذي انتصر وغَلَب، وهذا التقسيم متعلق بالآيات التي قبله في الرد على المنافقين لمَّا فرَّقوا بين الأمرين ورغبوا أن

стр. 94

يكون قتالهم في حال الغلبة فقط؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ٧٢ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ٧٣ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيما﴾ [النساء: ٧٢ - ٧٤]. ثم إن الأمرين (القتل والغلبة) يمكن اجتماعهما في ذاتٍ واحدة؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]، وقال: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]، فقد وعد الله المؤمنين المجاهدين في سبيله هنا بالغلبة، وهذا لا ينافي أنهم يُقتلون، كما يفيده قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١]، فأنت ترى أن الله قد قضى للمؤمنين بالغلبة وأنه جعل احتمال القتل عليهم واردًا، فالمقتول يمكن أن يكون غالبًا؛ قال السدي عند قوله تعالى ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١]: "قد كانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون، وذلك أن تلك الأمة التي تفعل ذلك بالأنبياء والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث الله قوما فينتصر بهم لأولئك الذين قتلوا منهم" (١). ولو حملنا الوعد بالغلبة في الآية هنا على هزم الأعداء في ذات المعركة، فقد تكون تلك الغلبة بعد مقتل الأنبياء، كما يشير إليه قوله تعالى ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾. ٥) النتيجة: الذي يظهر والله أعلم أن القتل في الآية متعلق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا هو المتوافق مع سبب النزول، والأقرب بالنظر إلى سياق الآية، وهو مقتضى معاتبة الصحابة ﵃ على ما كان في غزوة أُحد. ولا ينقص من قدر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يكون بعضهم قُتل في حرب؛ أما

стр. 95

من حيث القتل فقد ثبت مقتل بعضهم في غير الحرب ولم ينقص ذلك من قدرهم أبدًا (١)، وأما كونهم يُؤمرون بالقتال فيُقتلون، فإن الله أمر المؤمنين بذلك وذكر أن مما يتبع هذا الأمر أن يُقتل منهم مَنْ يُقتل؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾، بل إن الأنبياء بذلك ينالون شرف الشهادة في سبيل الله، فلا يكون الاستشهاد في الغزوات خاصًا بأتباع الأنبياء فقط. ثم إن كان المقتول هم الربيون وحدهم فما فائدة ذكر الأنبياء وتكثيرهم، فيقال: وكم ممن قبلكم قُتل منهم كثير فما وهنوا … ، أو وكثيرٌ من أتباع الأنبياء قتلوا فما وهنوا لما أصابهم … وأيضًا، فمَن الذين رُغِّب بالاقتداء بهم في الآية؟ إن كان المقتدى بهم في الآية هم الأنبياء في صبرهم على مقتل أتباعهم، فهذا أمرٌ حاصل لا مزية فيه؛ فإن القائد يصبر ولا بد على فقد بعض أتباعه، ولكن الشأن في صبر الأتباع على فقد قائدهم وثباتهم حينئذ. وإن كان المشار إليه بالاقتداء هم الأتباع فأولى أن يكون صبرهم على مقتل نبيهم، لا على مقتل بعضهم مع وجود قائدهم. وجعل القتل في الآية متعلقًا بالربيين يحتاج إلى تقدير، فيكون المراد: فما وهن الباقون ممن لم يقتلوا لما أصابهم، وعدمُ التقدير أولى، والله أعلم.

стр. 96

المسألة السادسة: الأصل الاشتقاقي لكلمة الاستكانة قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] • أصل الخلاف في المسألة: المسألة هنا صرفية، وهي في الأصل الذي ترجع إليه كلمة الاستكانة في قوله تعالى: ﴿وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾؛ هل أصلها (استكوَن) من (الكون)، أو (استكيَن) من (الكين) بالياء، أو (استكن) من (السكون). • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "و (استكان) فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه (استفعل) من (الكون)، وأصلها: استكوَن، ففُعل به ما فُعل بـ (استقام) من الإعلال. والثاني: أنه من باب (الرجل بِكِيْنَةِ سوء)؛ أي: بحالة سوء، وأكانه يكينه؛ إذا ضعَّفه؛ قاله الأزهري والفارسي؛ قيل: فعلى قولنا تكون الألف عن ياء. والثالث، وبه قال الفراء: (افتعل) من (السكون). وهو المناسب للمعنى، فأُشبعَت الفتحة كقوله: أعوذ بالله من العقراب *** قالوا: وقد ثبت هذا الحرف الزائد في جميع تصاريف الكلمة؛ قالوا: استكان يستكين فهو مستكين ومستكان استكانة. قيل: والإشباع لا يقع بلا ضرورة، قلت: قد قرأ هشام (أفئيدة)، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله" (١).

стр. 97

• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يظهر أن السمين الحلبي يرجح القول الثالث وهو أن الاستكانة ترجع إلى مادة (سكن)، وذلك من وجهين: الأول: أنه ذكر ما يقوي هذا القول بأنه (هو المناسب للمعنى)، ولم يذكر ما يقوي القولَين الآخرين. الثاني: أنه حكى الاعتراض على هذا القول ثم ردَّ على الاعتراض، وهذا يدل على أنه يميل إلى هذا القول ويدافع عنه (١). • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: ذكر المفسرون أصل كلمة (استكان) عند قوله تعالى هنا: ﴿وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾، وعند قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [المؤمنون: ٧٦]، وأما علماء اللغة فتعرضوا لذلك في المعاجم وفي كتب التصريف. وكثيرٌ من المفسرين أرجعوا أصل الكلمة إلى السكون (٢)، ولعل ذلك لأجل رعاية المعنى، وكثير من علماء اللغة منع من ذلك وجعل وزن الكلمة (استفعل) وليس (افتعل)، وذلك مراعاةً لأصول الاشتقاق وقواعد علم الصرف، ثم منهم من رجَّح أن أصل الكلمة (استكون) من (الكون) (٣)، ومنهم من رجَّح أن أصلها (استكين) من (الكين) (٤)، وليس الخلاف بينهم قويًّا في الترجيح بين هذين القولين، وإنما خلافهم مع من قال: إن أصل

стр. 98

الكلمة يرجع إلى السكون، مع أن ابن الحاجب ذكر أنه قول الأكثر من أهل العلم (١). وقد ذكر السمين الحلبي أن إرجاع الكلمة إلى السكون هو قول الفراء ولم أقف عليه في معاني القرآن له، لكن قد حكاه عنه بعض أهل العلم من بعده (٢). وكذلك ما ذكره عن الأزهري وأبي علي الفارسي أنهما يجعلان أصل الكلمة من (الكِينة) ففيه تنبيه: أما الأزهري فقد ذكر عند الكلام عن مادة (سكن) أن أصل الكلمة من السكون، ثم في موضع آخر أشار إلى الخلاف ورجَّح أن أصل الكلمة هو من (استكيَن)، ولعل هذا هو الراجح عنده لأنه أشار فيه إلى الخلاف (٣). وأما الفارسي فقد ذكر في موضعٍ أن أصل الكلمة من (الكون)، وفي موضع آخر جعلها على وزن (استفعل) ولم يفصِّل (٤)، لكن ذكر عنه أهل العلم من بعده أنه جعله من (الكين)، ونسبوا هذا القول إليه وكأنه أول من قال به (٥)، والله أعلم. ٢) أدلة القول الأول والثاني في المسألة: يرجع القول الأول والثاني إلى صيغة واحدة وهي (استفعل)، فإن كانت الاستكانة ترجع إلى الكون فإنها تكون من (استكون)، وإن كانت ترجع إلى الكين فهي من (استكيَن)، وقد استدل أهل العلم للقول بأن الاستكانة ترجع إلى هذه الصيغة بأن هذا هو الظاهر من تصريف اللفظ، وهو الأصح في الاشتقاق، لأنه في هذه الحالة يكون المدُّ في (استكان) جارٍ على القياس، مثل المد في (استقام) وأصله الواو في (قَوَم) (٦).

стр. 99

٣) أدلة القول الثالث في المسألة: استدل من قال بأن (استكان) ترجع إلى مادة (سكن) أن هذا هو الأنسب من حيث المعنى كما ذكر السمين الحلبي، وأنه أقرب في الدلالة على معنى الاستكانة وهي الخضوع، وذلك لأن الخاضع يسكن لعدوه ليفعل به ما يريد، ومن الكلمات التي تُذكر في هذا الباب وترجع إلى نفس المادة كلمة المسكين، فإنها ترجع إلى السكون وتحمل معنى الخضوع، فتكون الاستكانة مثلها في الرجوع إلى مادة (سكن) (١). ٤) الموازنة بين الأدلة: بالنظر إلى تصريف اللفظ واشتقاقه فإن القياس أن يكون وزن الكلمة (استفعل)، لأنه لا يرد على هذه الوزن إشكال، بخلاف الوزن الآخر (افتعل) من (سكن)، فإنه يرد عليه عدة إشكالات: الأول: أن القياس فيه أن تكون الكلمة (استكن) وليس (استكان) بزيادة حرف المد، فإن قيل إن ذلك لأجل الإشباع فإن الإشباع لا يقع على هذا النحو من غير ضرورة (٢). الثاني: أن زيادة الحرف المد وقعت في جميع تصاريف الكلمة: (استكان يستكين فهو مستكين ومستكان استكانة) (٣). الثالث: أن وزن (افتعل) لا يكون مصدره (افتعاله) كما في (استكانة)، وأما وزن (استفعل) فإنه يمكن أن يكون مصدره (استفعاله) مثل (استقامة) (٤). وقد أجاب السمين الحلبي هنا عن الإشكال الأول بأنه قد جاءت القراءة بالإشباع في كلمة (أفئدة) عن هشام: ﴿فاجعل أفئيدة من الناس﴾ (٥)، فالإشباع واقع في القراءات السبع كما ذكر في الدر المصون (٦)، وأجاب هنالك أيضًا عن الإشكال الثاني بأنه قد يثبت

стр. 100

الحرف الزائد في تصاريف الكلمة كما ثبتت الميم الزائدة في تصاريف كلمة (تمندل) و (تمدرع)، والجوابان كلاهما لا يجعلان هذا التصريف هو الأصل إذا أمكن الحمل على غيره، وإن كانت القراءة تدل على أن الإشباع يقع في غير الضرورة، فإنها لا تجعل الإشباع هو الأصل، وكذلك يقال في ثبوت الزيادة في تصاريف (تمندل) و (تمدرع). هذا وقد بقي الإشكال الثالث لم أجد له جوابًا. فإذا استقام تصريف الكلمة على وزن (استفعل) فقد بقي إثبات المناسبة في المعنى في (الكون) أو (الكين)، بحيث يناسب معناهما معنى الاستكانة وهي الذل الخضوع. فأما (الكون) فقد ذكروا في معنى الاستكانة بناء عليه أنها الانتقال من كون إلى كون، كما تقول في استحال أنه انتقل من حال إلى حال (١)، وذكر بعضهم معنى الاستكانة في الآية أنهم ما ضعفوا ولا كانوا قريبًا من ذلك (٢)، وقال بعضهم في معنى استكانوا أنهم طلبوا من أنفسهم أن يكونوا لمن يخضعون له (٣)، وذكروا أن ذلك من قول العرب: كنت لك، إذا خضعت (٤)، ولا تظهر مناسبتها لمعنى الذل والخضوع فالانتقال من كون إلى كون لا يلزم منه ذلك، بل قد يكون الانتقال إلى ما هو أفضل، وقولهم (لم يضعفوا ولا كانوا قريبًا من ذلك) لم يزد على معنى (كان) شيئًا، ولم يدل على معنى الذل والخضوع وإنما دل على ذلك السياق، وكذلك قولهم: (كنت لك)، فإن الكون هنا لم يفد معنى الخضوع، وإنما الذي أفاد ذلك هو تعَدِّيه باللام. واستشهد بعضهم بالحديث أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر يتعوذ من الحَور بعد الكون (بالنون) (٥)، ومعناه أن يرجع عن الاستقامة بعد ما كان عليها، فالكون هو الحالة التي فيها إنابةٌ وذلٌّ وخضوع (٦)، ولا يظهر من الحديث معنى الذل والخضوع، بل هو أن يكون المرء على حالة حسنة فيتعوذ بالله من العدول عنها، وهو راجع إلى معنى

стр. 101

(كان) مأخوذ من قولهم: كان الرجل كذا وكذا ثم يتحول عن ذلك (١). وذكر بعضهم في هذه المسألة أن الكون هو الذل، ولم يبين وجهه، ولا يظهر هذا المعنى فيما يذكره أهل اللغة في مادة (كون) (٢). وأما (الكَين) فإنه في الأصل يدل على باطن الشيء، فيطلق على باطن العين (٣)، ويطلق على باطن فرج المرأة (٤)، وهو المعهود من هذا اللفظ، ونقل بعضهم قولًا بأنه يمكن حمل الاستكانة عليه بالنظر إلى ذُلِّ ذلك الموضع ومهانته (٥)، وهذا بعيد، ولو قيل بأن الكين قد يحتمل الذل على هذا الوجه فإنه ذُلٌّ دنيءٌ في أصله ومذموم، لا يليق أن يحمل عليه الذل المحمود في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾. وما ذكره السمين الحلبي من باب (الرجل بِكِيْنَةِ سوء) بكسر الكاف؛ أي: بحالة سوء، فإن هذا في الأصل يرجع إلى مادة (كون)، لكن قُلبت الواو ياءً لأجل كسرة الكاف (٦)، وهو الموافق لمعنى (الكون) فإن الكِينة هي الحالة، وقد يُعبَّر عن الكون بأنه الحالة الماضية، وكذلك قولهم: أكانه يكينه؛ إذا ضعَّفه، فالذي يظهر أنه يرجع إلى ذلك، والتعبير عن معناه بالضعف والخضوع لغة غير مشهورة، "ولو كانت هذه اللغة مشهورة لكانت أحسن الوجوه" (٧). وبالنظر في معنى السكون يظهر أن مادته أقرب المواد إلى معنى الاستكانة، فإن الخاضع الذليل يغلب عليه السكون وترك الحركة، وقد روي عن ابن عباس في الآية: ﴿وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾ أنه قال: "تخشَّعوا" (٨)، والسكون ملازمٌ للخشوع، بل قد يُعبَّر عن الخشوع بأنه

стр. 102

السكون، كما ذكر ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ﴾ [طه: ١٠٨]، قال: "سكنت" (١)، وقال الواحدي: "أصل الخشوع في اللغة: السكون" (٢). وفي قصة الثلاثة الذين خُلفوا، قال فيها كعب بن مالك: "فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا، فكنت أشب القوم وأجلدهم" (٣)، فجعل الاستكانة مع القعود، وجعل في مقابلها الصبوَة والجلَد، وفي رواية أخرى: "فأما صاحباي فاستكنا" من غير حرف المد (٤)، فإن كانت ترجع إلى الاستكانة ففيها دليل على أن أصلها من السكون وأن المد فيها لأجل الإشباع. ٥) النتيجة: إن كان حمل الاستكانة على أن أصلها من السكون يخالف القياس، فإن حملها على (الكون) أو (الكين) فيه تكلُّف ظاهر في ربط المعنى، وقد تتابع أهل العلم في هذه المسألة على أن قوة المعنى ترجِّح القول بأن أصل الكلمة السكون، ولكن الخروج عن القياس يضعفه، وأن القياس يرجِّح القولين الآخرين، ولكن التكلُّف في المعنى يضعفهما، والذي يظهر أن رعاية المعنى أولى وإن خالف القياس اللفظي، وقد قال السمين الحلبي: "إذا دار الأمر بين مرجحٍ لفظي ومرجح معنوي، فاعتبار المعنوي أولى" (٥)، فلهذا يترجح أن أصل الاستكانة من السكون، وهو الموافق لقول جمهور المفسرين، والله أعلم.

стр. 103

المبحث الثاني: ترجيحات السمين الحلبي من آية (١٤٩) إلى آية (١٥٥) وفيه تسع مسائل: المسألة الأولى: المخاطبون في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩] • أصل الخلاف في المسألة: المسألة تتعلق بالمؤمنين المخاطبين في الآية؛ وهل هي تكملة في مخاطبة المؤمنين في غزوة أُحد، أو عامةٌ معترضة في أثناء الكلام عن غزوة أحد لتحذير المؤمنين جميعًا، ويتفرع عن هذه المسألة تحديد الكفار المذكورين في الآية. • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "والظاهر أن الخطاب عام لكل مؤمن، وأن ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ عامٌّ في كل كافر، ولم يزل الكفرة حراصًا على فتنة المؤمنين وردِّهم إلى دين الشرك، وادِّين ذلك، حتى كانوا يعذبونهم بأنواع العذاب، والقرآن مشحون بذلك، قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ﴾ الآية [النساء: ٨٩]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩] إلى غير ذلك من الآي الكريمة. وقيل: الخطاب لأهل أُحدٍ خاصة، فالمراد بالكافرين قومٌ بأعيانهم، وهذا أوفق للسياق بالنسبة إلى قصة أُحدٍ وما اتفق فيها، فعن علي وابن عباس ﵄: هم المنافقون؛ قالوا للمؤمنين لما رجعوا من أُحد: لو كان محمد نبيًّا لما أصابه ما أصابه مما رأيتم، فارجعوا إلى دينكم الأول ومصافاة إخوانكم. وعن ابن جريج والحسن: هم اليهود والنصارى؛ قال الحسن: إن تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا منهم، لأنهم كانوا يغوونهم ويُوقعون لهم الشُّبه ويقولون لهم: لو كان نبيًّا حقًّا لما غُلب، ولما أصابه وأصحابه ما رأيتم، وإنما هو رجلٌ حاله كحال غيره من الناس؛ يومٌ له ويومٌ عليه، فارجعوا إلى دينكم وإخوانكم واتركوا الرجل وما هو عليه. وعنه أيضًا: هو كعب بن

стр. 104

الأشرف وأصحابه. وعن السدي: هو أبو سفيان ورهطه من عبَدة الأوثان؛ إن تستأمنوهم وتستكينوا إليهم يردوكم إلى دينهم قال الزمخشري: «وقيل: هو عام في جميع الكفار، وأنَّ على المؤمنين أن يجانبوهم ولا يطيعوهم في شيء، ولا ينزلوا على حكمهم ولا على مشورتهم حتى لا يستجروهم إلى موافقتهم» (١) انتهى" (٢). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن الخطاب في الآية عامٌّ لكل مؤمن، ويظهر هذا الترجيح من ثلاثة وجوه: الأول: التعبير بالظاهر، وذلك في قوله: (والظاهر أن الخطاب عام لكل مؤمن، وأن ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ عامٌّ في كل كافر)، والقولُ الظاهر عنده مقدَّمٌ على غيره. الثاني: أنه ذكر تعليل هذا العموم بأن الكافرين كلهم حريصون على ردِّ المؤمنين عن دينهم، وذكر أن القرآن مشحونٌ بهذا المعنى. الثالث: أنه أعاد التنويه بالقول الأول في آخر المسألة بالنقل عن الزمخشري في ذلك، مع أنه حكى القول الأول من قبل، وكأنه لم يتقبل ما في القول الثاني من التخصيص. • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: الجاري في عبارات المفسرين في هذه الآية أنهم يشيرون إلى الروايات في قصة غزوة أُحد ثم يتكلمون بعد ذلك عن دلالة عموم الآية (٣)، وإن كان بعضهم يرجِّح في مناسبة الآية أنها

стр. 105

من تمام الآيات قبلها (١). وأما ما اختاره المفسرون في المراد بالذين كفروا في الآية فقد ذُكر قول عليٍّ ﵁ أنهم المنافقون، وذُكر عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "نزلت في قول ابن أُبي للمسلمين لما رجعوا من أُحد: لو كان نبيًا ما أصابه الذي أصابه" (٢). واختار هذا أكثر المفسرين (٣). وقد ذُكر عن ابن عباس أيضًا أنهم اليهود وعن الحسن كذلك (٤)، وروي عن ابن جريج أنه قال بعد أن ذكر الآية: "فلا تنتصحوا اليهود والنصارى على دينكم، ولا تصدقوهم بشيء في دينكم" (٥)، وعلى ذلك اختار الطبري أنهم اليهود والنصارى (٦). ورُوي عن السدي أنه جعلها في أبي سفيان (٧)، وإلى هذا مال ابن عاشور أن المراد بالذين كفروا هم المشركون (٨). وما اختاره المفسرون من هذه الأقوال يدل على أنهم يجعلون الخطاب في الآية ابتداءً للمؤمنين في غزوة أُحد. ٢) أدلة القول الأول في المسألة: يُستدل للقول الأول بأن هذا هو ظاهر اللفظ كما ذكر السمين الحلبي، فالظاهر أن المخاطب بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ هم جميع المؤمنين، وليس في لفظ الآية ما يدل على أن المخاطبين ابتداءً هم أهل أُحد رضوان الله عليهم. ٣) أدلة القول الثاني في المسألة:

стр. 106

ذكر السمين الحلبي دليلين على القول بأن المخاطبين بالآية هم أهل أُحد: الأول: السياق، فإن الآيات قبلها والآيات بعدها في غزوة أُحد، فأولى أن تكون هذه الآية من ضمن ذلك، وأن يكون المخاطبون فيها ابتداءً هم الصحابة الذين شهدوا الغزوة. الثاني: أن الروايات قد أشارت إلى مقولات الكافرين بعد غزوة أُحد من المشركين والمنافقين واليهود والنصارى، فإذا كان المراد بالكافرين ابتداءً فئةٌ معيَّنة من هؤلاء، فإن الخطاب ابتداءً سيتوجه إلى أهل أُحدٍ بلا شك. ٤) الموازنة بين الأدلة: هذه المسألة تنبني على تحديد المراد بالكافرين في الآية؛ قال الطيبي: "اعلم أن التعريف في قوله ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إذا حُمل على العهد فالمخاطبون أصحاب الرسول ﷺ ، ثم المراد بالذين كفروا إما المنافقون … أو أهل الكتاب … أو المشركون … ، وإذا حُمل على الجنس فالمخاطبون جماعة المسلمين في جميع الأزمنة، كما أن الكفار عام في اليهود والمنافقين والمشركين" (١)، وعليه فإنه إذا ثبت تحديد الذين كفروا في الآية فإنه يبطل الاستدلال بظاهر لفظها أن الخطاب فيها ابتداءً لجميع المؤمنين. كما أن السياق يشير إلى أن الآية في غزوة أحد، بدليل الآيات التي قبلها فإنها نزلت بعدما أُشيع مقتل النبي ﷺ ، ودعا بعضهم إلى الاستسلام للمشركين (٢)، وكذلك الآية التي بعدها كما روى ابن عباس في قوله ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] أنها في أبي سفيان (٣)، فتكون هذه الآية في المؤمنين الذين في غزوة أُحدٍ كذلك. ومقتضى مجموع الروايات في الآية أن المراد بالذين كفروا هم المشركون والمنافقون واليهود والنصارى، وأقربهم فيما يظهر المشركون، لأن الآية في سياق غزوة أُحد فهي تشير إلى الكفار المحاربين، والكفار المحاربون إذ ذاك هم المشركون، والآيات السابقة هي في الكفار المحاربين وأن الربيين لم يستكينوا لهم ولم يطيعوهم بعد مقتل أنبيائهم، وطلبوا من الله أن ينصرهم عليهم،

стр. 107

والآيات اللاحقة أصرح في تحديد المشركين ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانا﴾، فالأنسب أن يكون المراد بالذين كفروا في الآيتين واحد. كما أن قوله تعالى ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠] يشير إلى ذلك؛ أي: فأطيعوا الله مولاكم ولا تطيعوا الذين كفروا فهو خير الناصرين، فسينصركم عليهم في ميادين القتال، ثم أشار إلى ذلك النصر وأنه النصر بالرعب. وهذا لا يدل على إهمال ما ذكره المفسرون من أن الآية في المنافقين بسبب مقولتهم في الدعوة إلى الكفر، فإن المنافقين استغلوا الموقف في غزوة أُحد ودعوا إلى طاعة الكافرين المشركين وموالاتهم، فجاءت هذه الآية في الرد على المنافقين بالنهي عن طاعة الكافرين المشركين وموالاتهم. وأما اليهود والنصارى فليس لهم ذكر في سياق هذه الآيات، وقد سبق التصريح بالنهي عن طاعتهم في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]، ويحمل ما ذكره ابن جريح على أنه تعليقٌ على الآية واستشهاد بعمومها في النهي عن طاعة الكافرين، وهذا هو الظاهر من صنيع ابن أبي حاتم في تفسيره، فإنه اقتصر في قوله تعالى ﴿إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ على رواية السدي في أنهم المشركون، ولم يذكر في ذلك وجهًا آخر، ثم جعل رواية ابن جريج تابعة للروايات في التعليق على قوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (١). ٥) النتيجة: الذين يظهر أن الخطاب في الآية يتوجه ابتداءً إلى المؤمنين في غزوة أُحد، وهو مقتضى أقوال المفسرين في تحديد الذين كفروا في الآية، واختلافهم في تحديد الذين كفروا لا يقضي بردِّ أقوالهم، بل يدل على اتفاقهم في أن الآية في شأن غزوة أُحد وما ورد فيها، ويكون اختلافهم بسبب تعدد الروايات في غزوة أُحد وما قيل فيها، والله أعلم.

стр. 108

المسألة الثانية: العطف في قول الله تعالى ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ١٥٢ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢ - ١٥٣] • أصل الخلاف في المسألة: الخلاف هنا في العطف في قوله تعالى ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾، على ماذا عُطف الفعل؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "وفي ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ (١) وجهان: أحدهما: أنه عطف على ﴿صَرَفَكُمْ﴾، وبهذا قال الزمخشري كما قدمنا تقريره عنه، وناقشه فيه الشيخ فقال: «وفيه بُعد لِطول الفصل بين المتعاطفين» (٢). والثاني: أنه عطف على ﴿تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ﴾، فيكون في موضع خفضٍ بإضافةٍ إليه (٣)، وجعل الشيخ هذا هو الظاهر. فإن قيل: هذا ماض وما عُطف هو عليه مضارع! فالجواب أن المضارع ماضِ المعنى لأنه في خبر (إذ)، و (إذ) للمُضي، فـ ﴿تُصْعِدُونَ﴾

стр. 109

و ﴿تَلْوُنَ﴾ وإن كانا مضارعين فمعناهما ماض؛ إذ التقدير: إذ صعدتم وما لويتم على أحدٍ فأثابكم ضر، فهو مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي: وإذ قلت" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يظهر أن السمين الحلبي يرجح القول الثاني، وذلك من ثلاثة وجوه: الأول: أنه تعقب القول الأول وحكى الرد عليه (٢). الثاني: أنه حكى ترجيح شيخه أبي حيان للقول الثاني بأنه هو الظاهر، والظاهر عنده مقدَّمٌ على غيره. الثالث: أنه دافع عن القول الثاني بطرح الإشكال ثم الرد عليه. • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: في هذه المسألة وافق السمين الحلبي شيخه أبا حيان (٣) خلافًا لكثيرٍ من المفسرين والمعربين، ولم يوافقهما من أهل العلم إلا القليل (٤)، فأكثر أهل العلم على أن قوله ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ معطوف على قوله ﴿صَرَفَكُمْ﴾ (٥)، وإمامهم في هذا الزمخشري، ولعل أبا حيان هو أول من خالفه في هذه المسألة. ٢) أدلة القول الأول في المسألة:

стр. 110

استدل أصحاب هذا القول بما في الفاء في قوله ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ من معنى السببية، وأن الصرف في قوله ﴿صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ سببٌ لهذه الإثابة بالغم (١)، فإن الدولة كانت للمسلمين في أول غزوة أُحد، ثم صرف الله المسلمين عن المشركين وتسلَّط المشركون عليهم، فتفرَّع عن ذلك أن أثابهم الله بالغم، فكان الصرف سببَ إثابتهم بالغم. ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: نقل السمين الحلبي عن شيخه أبي حيان دليل هذا القول وأنه هو الظاهر المتبادر للذهن، فإن الأصل أن يكون العطف على أقرب مذكورٍ في السياق، وأقرب المذكورات التي يصح عليها احتمال العطف هي قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ﴾. ٤) الموازنة بين الأدلة: الأصل أن يكون العطف على أقرب مذكور، ولا ينبغي العطف على مذكورٍ بعيد مع إمكان العطف على القريب، ولعل الذي منع من ذلك هو الإشكال الذي ذكره السمين الحلبي، وقد ذكر جوابه. ويظهر أن الإشكال يرجع إلى اشتراط اتحاد الزمن عند عطف الفعل على الفعل، وهذا الشرط لا يلزم منه اتحاد نوعي الفعل بحيث يكونا إما ماضيين أو مضارعين، بل يصح عطف الماضي على المضارع إذا كان زمانهما واحدًا، كقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]، فالفعلان (يَقدُم) و (أوردهم) مختلفان في نوع الفعل لكنهما متحدان في الزمن، فهما جميعًا في المستقبل (٢)، وفيما ذكره السمين الحلبي في المسألة التي نحن فيها يتضح أنه لا مانع من عطف الفعلين لاتحادهما في زمن المضي. ثم إن الاستدلال للقول الأول بما في الفاء من معنى السببية يمكن أن يكون كذلك للقول الثاني، فإن الإصعاد والهروب من المعركة تفرَّع أيضًا عن الصرف، فتفرَّع عنه الإثابة بالغم، فكان إصعادهم وهروبهم سببًا في مجازاتهم بالغم، ولو أنهم ثبتوا استجابة لرسول الله ﷺ وهو يدعوهم إلى الثبات ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ لما جازاهم الله بالغم.
следующие страницы →