يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾) (١)، وبما روي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: (ما من أحد يغل غلولًا إلا كُلِّف أن يأتي به من أسفل درك جهنم) (٢).
٦) الموازنة بين الأدلة:
من قواعد الترجيح في التفسير أنه "إذا ثبت الحديث، وكان في معنى أحد الأقوال، فهو مُرجِّحٌ له على ما خالفه" (٣)، وهذه القاعدة تؤيد القول الأول، فإن الأحاديث جاءت بمعناه، وهي أحاديث كثيرة ذكرها ابن كثيرٍ في تفسيره (٤)، ويكفي منها ما ذكره السمين الحلبي هنا.
ومما يقوي جانب الأحاديث هنا أن الآية خبرٌ عن غيب، و"لا يصح حمل الآية على تفسيراتٍ وتفصيلات لأمور مُغيَّبة لا دليل عليها من القرآن أو السنة" (٥)، فالأحاديث المذكورة أشبه بأن تكون نصًّا في المسألة هنا، و"إذا ثبت الحديث وكان نصًّا في تفسير الآية فلا يُصار إلى غيره" (٦).
لكن القول الرابع قد يزاحم القول الأول في هذا الأمر، لأنه قد روي فيه حديث عن النبي ﷺ ، وجاء في آخره ذكر الآية صراحةً، بخلاف القول الأول، فإن الأحاديث فيه لم تربطه بالآية ربطًا صريحًا، وأيضًا فقد روي في القول الرابع الأثرُ عن عبد الله بن عمرو، وهو خبرٌ عن غيب، فله حُكم الرفع، والجواب عن هذا من جهتين:
الأولى: جهة الرواية، فالأحاديث التي تؤيد القول الأول أصحُّ وأشهر وأكثر، وبعضها في الصحيحين كما ذكر السمين الحلبي، والحديث الذي ذُكرت فيه الآية فيه ضعف (٧).
الثانية: جهة الدراية، وهو أن الحديث المذكور وكذلك الأثر عن عبد الله بن عمرو إن صحَّا فإنهما لا يعارضان القول الأول، بل يمكن أن يكونا تابعين له، فيكون الغال يأتي بعين الشيء
стр. 177
الذي غله يوم القيامة، ثم يُعذِّب بعد ذلك بالعذاب المذكور في الحديث والأثر، فالمقصود بالقول الأول إثباتُ أن الغال يأتي بعين الشيء الذي غله يوم القيامة، والحديث والأثر لا ينفيان هذا الأمر.
ومما يُشكل على القول الأول ما ذكره بعضهم من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، فهذه الآية تدل على أنهم يأتون منفردين لا شيء معهم، وأنهم يتركون ما كانوا متمكنين منه في الدنيا من الأموال، وعليه فلا يحملون الغلول معهم، بل يأتون منفردين عنه، ويكون المراد بالآية أنهم يأتون بإثمه (١).
والظاهر أن المراد بقوله ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ أنهم يأتون للبعث حفاة عراة غُرلا، ولذلك قال بعدها: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وفي هذه الهيئة تبكيت لمن ينكر البعث، كما قال تعالى: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولا ينافي هذا أن الغال يأتي بما غله إلزامًا له كذلك، لأنه قد أخفاه في الدنيا فظهرت فضيحته في الآخرة.
ثم المراد بقوله ﴿وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ هو أن ما كانوا مخوَّلين فيه في الدنيا ينتفي عنهم في الآخرة فلا يتمكنون منه، فلا يكون لهم ملك ولا قوة يستنصرون بها في ذلك اليوم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ٩ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٩ - ١٠]، ولا ينافي هذا أن الغال يأتي بما غله، لأن ما غله ليس مُلكًا له في الأصل، وليس له فيه قوة، بل هو إذلالٌ له وفضيحة.
ويبعد أن يكون المراد بالآية هنا أن الغال يأتي بإثم ما غله، لأن الآية قد دل ظاهرها على أن الغال يأتي بالشيء الذي غله حقيقةً، وفي ابتغاء غير هذا المعنى حملٌ للكلام على غير ظاهره، وعدولٌ عن الحقيقة إلى المجاز، والقاعدة أنه "إذا دار الكلام بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة الأصل"، وقد دل على الحقيقة هنا ألفاظ الحديث من ذكر رغاء البعير وخوار البقرة وثغاء الشاة وحمحمة الفرس، وإنما يُلجأ إلى المعاني الأخرى عند تعذر الحمل على الحقيقة، أما إذا
стр. 178
ثبتت الحقيقة بخبر الصادق المصدوق فلا عدول عنها (١).
ثم إن الآيات التي ذكروا فيها أنها من قبيل تشبيه الأمور المعنوية بالأمور الحسية هي آيات يظهر منها ومن سياقاتها أنها في أمورٍ معنوية، كقوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾، فالأوزار هي الآثام، وهي أمرٌ معنوي، لكن قوله تعالى ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ ليس فيه ذكر أمرٍ معنوي إلا بمخالفة الظاهر، فلا يُحمل على أنه من قبيل تشبيه الأمور المعنوية بالأمور الحسية لأنه ليس ثمة أمور معنوية هنا.
وأما القول الثالث أنه يؤخذ من حسناته عِوَضَه وإلا عُوقب فالذي يظهر أنه ليس تفسيرًا للآية، وإنما غايته إن صحَّ أن يكون من أحكامها؛ أي إن الغال يكون حكمه يوم القيامة كذلك، فهذا القول ليس فيه ذكر الشيء الذي يأتي به الغال حتى يكون تفسيرًا لقوله ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ إلا أن يقال إنه يأتي بعِوَض الشيء الذي غله وهي الحسنات يومئذ، وهذا بعيد يخالف الظاهر.
٧) النتيجة:
الراجح أن المراد بقوله ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أنه يأتي بعين الشيء الذي غله، والأحاديث تدل على هذا المعنى، وليس في الآية ذكر شيء يأتي به الغال غير الشيء الذي غله، فتحمل الآية على هذا المعنى تسليمًا للغيب الذي أخبر به النبي ﷺ ، ثم يُحال في تفاصيل هذا الأمر وكيفيته مما لم يُذكر في الأحاديث إلى علم الله جلَّ وعلا، فهو الذي توعَّد هذا الغال، وهو أعلم بما ينجز به هذا الوعيد.
ثم في الآخرة أحوال وأهوال لا تقاس بحال الدنيا، ولهذا سأل رجلٌ أبا هريرة عن الذي يغل مئتي بعير؛ كيف يأتي بها يوم القيامة؟ فقال ﵁: "أرأيت من كان ضرسه مثل أُحد، وفخذه مثل ورِقان، وساقه مثل بيضاء، ومجلسه ما بين المدينة إلى الربذة؛ ألا يحمل هذا؟! " (٢).
وحمل الآية على أن الغال يأتي بعين الذي غله أبلغ من الحمل على أنه يأتي بإثم الذي
стр. 179
غله، فمعلومٌ أن كل عاصٍ سيأتي بإثم معصيته يوم القيامة إن لم يتداركه الله برحمته، فهذه قضية عامة، فما فائدة تخصيص الغال بالوعيد في قوله: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؟!
والذي يظهر من الآية أنها تخص الغال بأمرٍ يخصه، لأنه تخصيص قبل العموم المذكور في قوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، فلما ذكر الله القضية العامة ذكر عمومها في كل نفس، فدل على أن الذي قبلها هو أمرٌ خاص بالغال وحده، وهو أنه يأتي بعين الشيء الذي غله، والله أعلم.
стр. 180
المبحث الرابع: ترجيحات السمين الحلبي من آية (١٦٤) إلى آية (١٧٥)
وفيه تسع مسائل:
المسألة الأولى: معنى المماثلة في قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾
قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]
• أصل الخلاف في المسألة:
المِثلُ هو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، فيمكن أن يطلق على شيئين متفقين في الكمية والمقدار وإن اختلفا في الجنس، ويمكن أن يطلق على شيئين متفقين في الجنس وإن اختلفا في الكمية (١)، ولأجل عموم دلالة المِثل جاء في قوله تعالى ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ أكثر من قول، فما المراد بالمِثلين هنا، وما وجه المماثلة؟
• نص المسألة:
قال السمين الحلبي ﵀: "واختلف الناس في معنى قوله: ﴿مِّثْلَيْهَا﴾:
فعن ابن عباس وقتادة والربيع والضحاك أنها في العدد، وذلك أنهم يوم بدر قتلوا سبعين وأسروا سبعين، فقد اصابوا يوم بدرٍ مِثلَي ما أُصيبوا به يوم أُحد.
وذهب الزجاج إلى هذه المثليَّة في القتل خاصة من غير اعتبار الأسر، وقال: «إنهم قتلوا يوم بدرٍ سبعين، ويوم أُحدٍ اثنين وعشرين، فهو قتلٌ بقتل، ولا يدخل الأسرى في الآية، لأنهم فُدُوا، فلا مماثلة بين حالهم وبين قتل سبعين من المؤمنين» (٢) انتهى. يعني أن حقيقة المماثلة اتحاد الصفة التي وقعت المماثلة فيها، ولا مِثليَّة بين القتل والأَسر، فلا مدخل للأَسر في ذلك.
وفيما قاله نظر من حيثيَّة أخرى، وهي أن حقيقة مِثلَي الشيء أن يكون ذلك الشيء نصفًا للمجموع، كما يقال: السبعون مِثلَا الخمسةِ والثلاثين، وهو قد قال إنهم قتلوا يوم أُحدٍ
стр. 181
اثنين وعشرين، ويوم بدرٍ سبعين، والسبعون ليست بمِثلَين للاثنين والعشرين، فلو قيل إنهم قتلوا يوم أُحدٍ خمسةً وثلاثين صحَّ قوله الذي ذكرناه. فإن قيل: يجوز أن يراد بقوله ﴿مِّثْلَيْهَا﴾ أي: مِثلَين زائدين على ذلك الشيء، وذلك الشيء اثنان وعشرون، ومِثلاه أربعةٌ وأربعون؛ ينضم إلى اثنين وعشرين فيصير قريبًا من السبعين. قيل: هذا وإن كان قد يُراد إلا أنه ليس على حقيقته، لأن السبعين زائدةٌ على ما ذَكرتَ بأربعة أفراد.
وذهب آخرون إلى أن المثلية بالنسبة للانهزام، وذلك أن المسلمين هزموا المشركين يوم بدرٍ مرة، ويوم أُحدٍ أولَ الحرب مرةً أخرى، فظنوا أن الظَّفَر لهم، فتركوا المركز واشتغلوا بالنهب (١)، فهزمهم المشركون لولا رحمة الله، فقد أصاب المسلمون مِثلَي ما أصاب منهم المشركون من الهزيمة.
والظاهر الأول، وهو الذي عليه المفسرون، وبه تظهر المنَّة وتمام النعمة، حيث أُصيب من المسلمين سبعون، وأصيب من الكفار مئة وأربعون، وفي ذلك تسلية لهم عما أصابهم" (٢).
• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح:
يرجِّح السمين الحلبي أن المماثلة في قوله ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ هي المماثلة في العدد، وهو أنهم اصابوا يوم بدرٍ مِثلَي ما أُصيبوا به يوم أُحد، ويظهر هذا الترجيح من وجهين:
الأول: لفظ الترجيح، وذلك في قوله: (والظاهر الأول)، والظاهر عنده هو المقدَّم.
الثاني: أنه خصَّ هذا القول ببيان مزيَّته، ولم يفعل ذلك مع غيره، وذلك في قوله: (وبه تظهر المنَّة وتمام النعمة)، فدل على أنه يفضله على غيره من الأقوال.
• دراسة المسألة:
١) مذاهب أهل العلم في المسألة:
جُلُّ أهل العلم في هذه المسألة على القول الأول، وهو أن المِثلَين كانا في غزوة بدر، وذلك
стр. 182
بقتل سبعين من المشركين، وأسر سبعين (١)، وهو قول ابن عباس وجابر بن عبد الله ﵄ (٢).
وقال به قتادة (٣) وعكرمة والضحاك والسدي والربيع بن أنس (٤).
وقد اقتصر الطبري في تفسيره على هذا القول وقال بعد ذلك: "ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنفُسِكُمْ﴾ بعد إجماعِ جميعِهم على أن تأويل سائر الآية على ما قلنا في ذلك من التأويل" (٥)، وقال ابن حجر: "اتفق أهل العلم بالتفسير على أن المخاطبين بالآية أهلُ أُحد، وأن المراد بـ ﴿أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ يومَ بدر" (٦).
وذكر ابن هشام في السيرة الاستدلال بهذه الآية في بيان عدد الذين قُتلوا وأُسِروا من المشركين في غزوة بدر (٧).
وأما قول الزجاج المذكور هنا، فإنه منقولٌ عن ابن عطية، ولم يذكر ابن عطية كلام الزجاج نصًّا، بل ذكر معنى كلامه على النحو المذكور هنا (٨).
قال الزجاج في قوله تعالى ﴿أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾: "أصبتم في يوم أُحد مثلها، وأصبتم يوم بدر مثلها، فأصبتم مِثلَي ما أصابكم" (٩). هذا هو نصُّ كلام الزجاج في هذه الآية، ولم يحمل أهل العلم كلامه على المعنى الذي ذكره ابن عطية، بل ذكروا أن معنى كلامه في الآية هو أن المشركين أصابوا المسلمين في يومٍ واحد، وهم أصابوا منهم في يومين، فجعل المِثلَين في اليومين؛
стр. 183
يوم بدرٍ ويوم أُحد (١)، وهذا المعنى أولى بأن يُحمل عليه قول الزجاج، أما المعنى المذكور هنا فإنه يمتنع حمل المِثلَين عليه كما فصَّل ذلك السمين الحلبي.
وعلى هذا المعنى الذي ذكره أهل العلم يكون قول الزجاج مشابهًا للقول الثالث إن لم يكن هو، وهو أن المثلية بالنسبة إلى الانهزام، فيجتمع قول الزجاج والقول الثالث في قولٍ واحد وهو أن المسلمين أُصيبوا في يوم أُحد (بمطلق القتل أو بالهزيمة في نهاية المعركة)، وأنهم أصابوا المشركين في يوم بدرٍ ويوم أُحد (بمطلق القتل أو بالهزيمة في أول المعركة)، وعلى هذا، فالمسألة فيها قولان فقط، كما جرى أهل العلم على ذلك، لكن أبا حيان رجع إلى ما ذكره ابن عطية فجعله قولًا ثالثًا ولم يتعقبه (٢)، ثم تبعه السمين الحلبي في ذلك وذكر التفصيل في الرد على هذا القول.
٢) أدلة القول الأول في المسألة:
أشار السمين الحلبي إلى الدليل على أن المماثلة في قوله ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ هي المماثلة في العدد أن هذا القول هو الذي تظهر به المنَّة وتمام النعمة، وذلك أن نعمة الله على المؤمنين في غزوة بدر أعظم وأظهر، فامتنَّ الله عليهم بتلك النعمة، وعلى هذا فيكون المِثلان في الآية أنهم في غزوة بدر قتلوا من المشركين سبعين وأسروا سبعين (٣).
وقد دل على أن الآية سيقت للامتنان الاستفهام في قوله ﴿أَوَلَمَّا﴾ حيث إنه تضمَّن توبيخهم على التعجُّب من المصيبة التي أصابتهم مع نسيانهم النعمة السابقة من الله لهم، كما دل على الامتنان أيضًا قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا﴾ الآية [آل عمران: ١٦٤].
٣) أدلة القول الثاني والثالث في المسألة:
يُستدل للقول الثاني والثالث أن سياق الآيات لا زال في غزوة أُحد، وأن قوله تعالى ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ فيه تخفيفٌ لهم عمَّا أصابهم، فالأَولى أن يُذكر في هذا التخفيف ما أحرزوه في غزوة أُحد، فإن هذا مما يهوِّن عليهم المصيبة التي أصابتهم فيها.
стр. 184
وكان قد أصاب المشركين في أول غزوة أُحد قتلٌ وهزيمة، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] (١)، فامتن الله عليهم بهذه النعمة التي ذكرها في السياق.
٤) الموازنة بين الأدلة:
من الدرر التي أوصى بها السمين الحلبي عند قوله تعالى ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] أنه "لابد من تدبر المَثَل والمُمَثَّل له ومطابقة ما بينهما" (٢)، وهذا الأمر يجدر العمل به هنا لأن المسألة تتعلق بالمماثلة.
أما القول الأول فإن المُمَثَّل له هو إصابة سبعين من المسلمين في غزوة أُحد، والمِثلان فيه هما إصابة سبعين من المشركين قتيلًا، وسبعين أسيرا، وذلك في غزوة بدر، والمطابقة بينهما من جهتين:
الأولى: من جهة المقدار والعدد، فالسبعون مثلها سبعون، والمِثلان لها مئة وأربعون.
والثانية: من جهة الإصابة وإن اختلف نوعها، فالمشركون أصابوا من المسلمين بالقتل، والمسلمون أصابوا منهم إصابتين؛ بالقتل والأسر.
وأما القول الآخر في المسألة فإن المُمَثَّل له هو مقتل أو هزيمة المسلمين في يومٍ واحد هو يوم أُحد، والمِثلان فيه هما مقتل أو هزيمة المشركين في يومين؛ يوم بدر، وأول اليوم من أُحد، والمطابقة بينهما من جهتين:
الأولى: من جهة الظرف الزماني، فاليوم الذي للمشركين يقابله يومان للمسلمين.
الثانية: من جهة نوعٍ الإصابة نفسها وإن اختلف مقدارها، فالمشركون قتلوا المسلمين مرة، والمسلمون قتلوهم مرتين، والمشركون هزموا المسلمين مرة، والمسلمون هزموهم مرتين.
وفيما يأتي المناقشة والنظر في تفاصيل المماثلة بين القولين:
أولًا: المُمَثَّل له في الآية، وهي المصيبة التي ذكرها الله في قوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ﴾، وهذا يتناسب أكثر مع القول الأول الذي فيه تعيين المصيبة بأنها مقتل سبعين من
стр. 185
المسلمين، وهو المذكور في سبب نزول الآية (١)، وأما القول الثاني فالمصيبة فيه إما أن تكون مطلق القتل من غير تعيين، وهذا لا يناسب، فإنها لا تكون مصيبة إلا بالتعيين، وإما أن تكون الهزيمة، وهذا يتناسب أكثر مع تعجُّبهم وقولهم ﴿أَنَّى هَذَا﴾، لكن مقتل السبعين أبلغ في المصيبة نفسها.
ثانيًا: المِثلان في الآية، فجعلُ المِثلَين كلاهما في غزوة بدرٍ وتفصيلهما كما في القول الأول أبلغُ في تعيين النعمة وتحديد موضع المِنَّة، وهو أبلغ في التخفيف عن المسلمين عمَّا أصابهم في غزوة أُحد، فإنه كلما كانت النعمة أعظم كان التخفيف أكبر، ولا يُشكل عليه أن السياق في غزوة أُحد، لأن الفعل قد جاء بصيغة المضي: ﴿أَصَبْتُم﴾، وأما القول الثاني فإن المِثل الأول فيه في غزوة بدرٍ ليس فيه تفصيل، فهو إما قتلٌ وإما هزيمة، والمِثل الثاني الذي في غزوة أُحد هو أمرٌ كان في أولها ثم لم تكتمل الفرحة به، وهذا مما يضعف المثلين.
ثالثًا: المطابقة بين المثل والمُمَثَّل له، وهي ظاهرةٌ في القول الأول، فمقتل سبعين من المسلمين مثله مقتل سبعين من المشركين، ومثله أيضًا أسرُ سبعين آخرين، ولا يُشكل على هذا ما حكاه ابن عطية من أن الأسرى فُدُوا، فلا مماثلة بين حالهم وبين قَتَلِ سبعين من المؤمنين، لأن المماثلة هنا من جهة الإصابة والنيل من الخصم، والأسر يُعتبَرُ رزيةً من رزايا الحرب، وفيه إذلالٌ وإضعافٌ للخصم، لأن الأسير يكون تحت حكم مَنْ أسره؛ إن شاء حبسه أو قتله أو أخذ مقابله المال الذي يريده، وإن شاء أطلقه من غير مقابل، فيكون له الفضل والمِنَّة عليه بين الناس، فالأسر في كل الأحوال نقصٌ في جانب الخصم، فإن لم يكن نقصًا حقيقيًا بالقتل فهو نقصٌ معنوي (٢)، ولعله لأجل هذا والله أعلم قال الله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾، ففيه التنبيه على نوعين متشابهين؛ قتلٌ وأسر، ولو كان المراد نوعًا واحدًا تكون به المقابلة لما احتيج إلى ذكر المماثلة، فيمكن أن يقال: قد أصبتم ضعفها.
وأما المطابقة في القول الثاني فليست ظاهرة من حيث التثنية في قوله: ﴿مِّثْلَيْهَا﴾، فإن
стр. 186
التثنية ظاهرة وتامة في القول الأول، في أن السبعين يقابلها مئة وأربعون، بخلاف القول الثاني في أن اليوم الذي للمشركين يقابله يومان للمسلمين، لأنه لو كان اليوم يقابله يومان لكانت ثلاثة أيام، والمذكور هنا يومان فقط، فيوم أُحد مشترك بين كونه للمسلمين وكونه للمشركين، فلا تظهر المقابلة به، ولا تكون تامة، لأنه على هذا لم يتم لهؤلاء ولا لهؤلاء.
وقد بيَّن السمين الحلبي أن التمثيل بالقتل على القول الثاني لا تظهر المطابقة به من حيث العدد، لأن القتل الذي أحرزه المسلمون في غزوة أُحد هو قتلٌ قليل لا يبلغ بأن يكون مِثلًا للقتل الذي أصابهم، فلا يحسن جعله أحد المِثلَين، ولا يحسن التمثيل بمجرد القتل الذي فيه من غير اعتبار العدد، فإنه لو اعتُبر مثل هذا القتل اليسير في التمثيل لقال أحدٌ من المشركين مستدركًا على التمثيل به: ونحن قتلنا منكم أيضًا في غزوة بدرٍ قتلًا يسيرًا كذلك (١).
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾، فهو أمرٌ انتهى إلى غاية، كما قال تعالى بعد ذلك: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ إلى آخر الآيات وفيها بيان ما أصاب المسلمين بعد ذلك، وأيضًا فإن الحِسَّ الذي أحرزه المسلمون في غزوة أُحد هو شيءٌ مخصوص، لأن الحِسَّ هو القتل والاستئصال، وهذا واقعٌ على من قُتل من المشركين في تلك الغزوة فقط، وهم أقل ممن قُتل من المسلمين، كما تقدَّم (٢).
٥) النتيجة:
الراجح أن المماثلة في الآية هي من حيث العدد، حيث أُصيب من المسلمين سبعون، وأصيب من الكفار مئة وأربعون ما بين قتيل وأسير، لأن هذا هو المناسب من حيث التمثيل به، وهو أبلغ في الامتنان به على المؤمنين، وقد امتن الله على المؤمنين بمثل ذلك في موضعٍ آخر فقال سبحانه: ﴿فَرِيقا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقا﴾ [الأحزاب: ٢٦].
стр. 187
المسألة الثانية: المخاطبون في قوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾
• أصل الخلاف في المسألة:
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾، ذكر الله هذه المقولة على سبيل الذم لها، فهل يمكن أن تكون من أقوال المؤمنين؟ وأيضًا فإن الله أجاب عنها بقوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنفُسِكُمْ﴾، وهذا الخطاب يظهر منه التوبيخ والتقريع، فهل يناسب أن يُخاطب به المؤمنون؟
• نص المسألة:
قال السمين الحلبي ﵀: "واختلف الناس أيضًا فيمن خُوطب بهذا الكلام، والظاهر أنهم المؤمنون الخُلَّص، وعليه ينطبق ما قدمناه من أقوال المفسرين.
وذهب الماتريدي إلى أن الخطاب للمنافقين، وكان الإمام فخر الدين تبعه في ذلك، ولخَّص العبارة فقال: «لمَّا حكى الله عن المنافقين طعنَهم في الرسول بأن نسبوه إلى الغلول والخيانة؛ حكى عنهم شبهةً أخرى في هذه الآية، وهي قولهم: لو كان رسولًا من عند الله لما انهزم عسكره يوم أُحد، وهو المراد من قولهم: (أنى هذا)، فأجاب عنه بقوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: هذا الانهزام إنما حصل بشؤم عصيانكم» (١) انتهى ما ذَكراه.
وفيه نظر لأن المنافقين يوم أُحد انخزلوا مع كبيرهم رأسِ النفاق عبد الله بن أُبي، ولم يصبهم انهزامٌ ولا قتل، اللهم إلا أن يقال هو مجازٌ؛ أي إن إصابة إخوانهم وعشيرتهم بالقتل مصيبة لهم، أو يكون على حذف مضافٍ؛ أي: ولما أصاب إخوانكم، وبالجملة، فالقول الأول هو الظاهر" (٢).
стр. 188
• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح:
يرجِّح السمين الحلبي القول الأول، أن المخاطبين في الآية هم المؤمنون الخُلَّص، وهذا يظهر من وجهين:
الأول: لفظ الترجيح، وقد ذكره في أول المسألة ثم أكَّده في آخرها، وهو قوله: (والظاهر أنهم المؤمنون الخُلَّص)، وقوله: (وبالجملة، فالقول الأول هو الظاهر).
الثاني: أنه تعقب القول الثاني بأن فيه نظرًا، ولم يخلص إلى احتمال يرجحه.
• دراسة المسألة:
١) مذاهب أهل العلم في المسألة:
هذه المسألة فرعٌ عن المسألة السابقة وتفصيلاتها، فإن المسألة السابقة هي فيما أُصيب به المؤمنون، فيكون مقتضى أقوال المفسرين فيها أن الخطاب في الآية هو للمؤمنين، كما قال السمين الحلبي هنا: (وعليه ينطبق ما قدمناه من أقوال المفسرين)، فجُلُّ المفسرين هم على القول الأول؛ أن الخطاب في الآية للمؤمنين، كما قال ابن حجر: "اتفق أهل العلم بالتفسير على أن المخاطبين بالآية أهلُ أُحد" (١).
وهذا القول هو مقتضى قول جمعٍ من أهل العلم غير الذين تقدَّم ذكرهم في المسألة السابقة (٢)، وهو مقتضى قول الحسن البصري وعبد الرحمن بن زيد (٣).
ولم أقف على من ذكر احتمال أن يكون الخطاب في الآية للمنافقين إلا على قول الماتريدي والرازي (٤)، والمسألة في أصلها منقولة عن أبي حيان، وقد ردَّ على قولهما (٥).
стр. 189
٢) أدلة القول الأول في المسألة:
دليلان:
الأول: أن هذا هو الظاهر السالم من الحذف والتجوُّز كما أشار إليه السمين الحلبي، فإن أول الآية هي في المؤمنين، لأنهم هم الذين أصابتهم المصيبة، فيبقى الخطاب لهم كما هو الظاهر (١).
الثاني: سبب النزول، فإن الآية نازلة في المؤمنين، فيكون الخطاب فيها للمؤمنين، قال ابن عباس ﵄: حدثني عمر بن الخطاب قال: لمَّا كان يوم أُحد من العام المقبل عُوقِبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقُتل منهم سبعون وفرَّ أصحاب رسول الله ﷺ ، وكُسِرت رباعيته، وهُشِمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنفُسِكُمْ﴾ قال: بأخذكم الفداء" (٢).
٣) أدلة القول الثاني في المسألة:
يستدل للقول الثاني بأن المقولة المذمومة، وهي قولهم: ﴿أَنَّى هَذَا﴾، هي من المقولات التي كانت بعد غزوة أُحد، فتُلحق بما قاله المنافقون بعد الغزوة، كقولهم: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ونحو هذا من المقولات التي فيها التسخط على أقدار الله، ويقصدون بها الطعن في الدين، وعليه فيكون الخطاب في الآية للمنافقين، ويكون في الآية الردُّ عليهم وتوبيخهم (٣).
٤) الموازنة بين الأدلة:
يظهر من الخطاب أنه يتوجَّه للمؤمنين، لأن السياق في أول الآية يتوجَّه إليهم، فهم الذين أصابتهم المصيبة في غزوة أُحد، والمنافقون لم يكونوا معهم، بل انخزلوا من الجيش ولم يرجعوا، كما
стр. 190
دل عليه قوله تعالى في الآيات الآتية: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] (١).
كما أن قوله تعالى ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ فيه تخفيف للمصيبة المذكورة، وامتنان بالنعمة السابقة، وهذا التخفيف والامتنان أولى أن يُخاطَب به المؤمنون.
فإذا تقرر أن الخطاب في أول الآية للمؤمنين، فإن الظاهر أن يكون الخطاب في آخرها لهم، ولم تظهر قرينة لفظية توجب صرف الخطاب عنهم، بل الظاهر في اللفظ أن المُتحدَّث عنهم في الآية هم فئةٌ واحدة، وليسوا فئتين؛ مؤمنين ومنافقين، وهذا ما يظهر من الضمائر المتصلة في قوله: ﴿أَصَابَتْكُم﴾، وقوله: ﴿أَصَبْتُم﴾، وقوله: ﴿قُلْتُمْ﴾، وقوله: ﴿أَنفُسِكُمْ﴾، والقاعدة تقول أن "إعادة الضمير إلى المُحدَّث عنه أولى من إعادته إلى غيره" (٢)، وأيضًا فإن "توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها" (٣)، فجعلُ مرجع الضمائر هنا في المؤمنين خاصة، أولى من تفريقها بين المؤمنين والمنافقين.
ولا يمكن جعل الخطاب في الآية للمنافقين إلا بالتجوُّز بالإصابة، كما ذكر السمين الحلبي، بإن ما أصاب المؤمنين هو مصيبةٌ لهم، أو بتقدير محذوف، بمعنى: ولما أصاب إخوانكم، وكل هذا يخالف الظاهر، وإبقاء الكلام على ظاهره أولى، كما أن هذا لا يناسب من حيث المعنى، فإذا تأملت قوله تعالى في المنافقين ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠] تبيَّن لك أنهم لا يشاركون المؤمنين حزنًا على مصيبتهم، ولا يشاركونهم فرحًا بما أصابوه، فليس لهم شأنٌ يُذكر في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾.
وأما مناسبة قوله تعالى ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ لأن يكون مقولةً من مقولات المنافقين بعد الغزوة، فهذا لا يؤيده ما ثبت في الواقع، فإن الروايات في سبب نزول الآية تدل على أن هذه المقولة من قول المؤمنين، وأن الردَّ في قوله ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنفُسِكُمْ﴾ هو ردٌّ عليهم، ولا
стр. 191
يُشكل على هذا أن فيه توبيخًا لهم ﵃، لأن هذه الآية في بيان سبب المصيبة، وتنزيه الله تعالى أن يكون قدَّر عليهم هذه المصيبة من غير سببٍ منهم، وهي مثل قوله تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، كما ذكر ابن زيد ﵀ (١).
٥) النتيجة:
الراجح أن الخطاب في الآية للمؤمنين، كما دل عليه سبب النزول، وهو الظاهر من اللفظ، وعلى هذا جرى المفسرون في تفسيرهم للآية.
وفي جعل الخطاب للمؤمنين فائدة عظيمة يُتعظ بها؛ قال الشيخ ابن باز ﵀ لما ذكر هذه الآية: "إذا كان الرسول وأصحابه تصيبهم عقوبات الذنوب، ويُبتلون كما يُبتلى غيرهم، فكيف بغيرهم" (٢)؟!
стр. 192
المسألة الثالثة: أصلُ (لمَّا) في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ﴾.
• أصل الخلاف في المسألة:
(لمَّا) التي تختص بالفعل الماضي فيها خلاف بين أهل اللغة؛ هل تكون ظرفًا أو حرفًا (١)؟ وعلى هذا جرى الخلاف في (لمَّا) التي في الآية.
• نص المسألة:
قال السمين الحلبي ﵀: "وفي (لمَّا) وجهان مشهوران:
الأول وهو قول أبي علي: أنها ظرفٌ بمعنى (حين)، وبه جزم الزمخشري هنا فقال: «و (لمَّا) نُصِب بـ ﴿قُلْتُمْ﴾. و ﴿أَصَابَتْكُم﴾ في محل الجر بإضافة (لمَّا) إليه؛ تقديره: أقلتُم حين أصابتكم. و ﴿أَنَّى هَذَا﴾ نُصِب لأنه مَقُول. والهمزة للتقرير» (٢) وتقدَّم الكلام مع الفارسي في ذلك والرد عليه.
والثاني وهو قول سيبويه والجمهور: أنها حرف وجوبٍ لوجوب؛ لا محل لما بعدها من الإعراب، وجوابها عند سيبويه هو ﴿قُلْتُمْ﴾ " (٣).
• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح:
يرجِّح السمين الحلبي القول الثاني، وهو أن (لمَّا) حرف وجوب لوجوب، ويظهر هذا الترجيح من تضعيفه للقول الأول في المسألة، فإنه ذكر أن المسألة فيها قولان، فذكر القول الأول ثم بيَّن أنه قد ردَّ على من قال به فيما تقدَّم، وذلك في قوله (وتقدَّم الكلام مع الفارسي في ذلك والرد عليه)، فدل على ترجيحه للقول الثاني.
ولم أقف على ردِّه المتقدِّم على القول الأول في كتاب القول الوجيز (٤)، لكنه ذكر الرد على
стр. 193
هذا القول في الدر المصون؛ قال ﵀: "و (لمَّا) حرف وجوب لوجوب؛ هذا مذهب سيبويه، وزعم الفارسي وتبعه أبو البقاء أنها ظرف بمعنى (حين)، وأن العامل فيها جوابها، وقد رُدَّ عليه بأنها أجيبت بـ (ما) النافية و (إذا) الفجائية، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، و (ما) النافية و (إذا) الفجائية لا يعمل ما بعدهما فيما قبلهما، فانتفى أن تكون ظرفا" (١).
• دراسة المسألة:
١) مذاهب أهل العلم في المسألة:
كثيرٌ من المفسرين حين تعرَّضوا لـ (لمَّا) التي في الآية جعلوها بمعنى (حين) (٢)، وهم في هذا موافقون لقول بعض أهل اللغة الذين قالوا بأنها ظرف (٣)، لكن الجمهور من أهل اللغة كما ذكر السمين الحلبي يثبتون أن (لمَّا) حرف (٤)، وذلك أثناء تفصيلهم للأوجه في (لمَّا) وما تدخل عليه، فيذكرون أن التي تدخل على الفعل الماضي هي حرف، ويعبِّرون عنها بأنها ما وقع لوقوع غيره، أو حرف وجودٍ لوجود، أو حرف وجوبٍ لوجوب.
٢) أدلة القول الأول في المسألة:
يُستدل على أن (لمَّا) ظرفٌ بمعنى (حين) أن معنى الظرفية والمزامنة فيها ظاهر، فقوله تعالى ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ ظاهرٌ فيه أن مقولتهم
стр. 194
تزامنت مع المصيبة التي أصابتهم، فحين اصابتهم المصيبة قالوا: أنى هذا.
٣) أدلة القول الثاني في المسألة:
استدل من قال بأن (لمَّا) حرف وجوبٍ لوجوبٍ بأن فيها معنى التعليل والتسبيب، فقوله تعالى ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ ظاهرٌ فيه أن مقولتهم كانت بسبب ما أصابهم، فإذا كان فيها معنى التعليل والتسبيب والربط بين الفعلين (أصابتكم، قلتم)، فإنها تكون كغيرها من الحروف التي فيها هذا المعنى، مثل (إنْ) الشرطية في ربطها بين فعل الشرط وجواب الشرط، ومثل (لو) الامتناعية، فإنها تقابل (لمَّا) في وظيفتها، فهي حرف امتناعٍ لامتناع، و (لمَّا) حرف وجوبٍ لوجوب (١).
٤) الموازنة بين الأدلة:
الذي يُشكل في هذه المسألة أن (لمَّا) متجاذبة بين دليل الظرفية وهو المزامنة، ودليل الحرفية وهو التعليل والسببية، وإن كان هذان الأمران قد لا يظهران كل الظهور في بعض المواضع، فمن ذلك ما ذُكر عند قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ [الكهف: ٥٩]، فقد قيل إن الظلم متقدِّم على الإهلاك، وليس مزامنًا له (٢)، ويُجاب عن هذا وأمثاله بأن المراد ثبوت الفعل واستمراره، فحين ثبتوا على الظلم واستمروا عليه أهلكهم الله، وإلا لما أهلكهم (٣)، ومن ذلك أيضًا ما ذُكر عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧]، فقد قيل إن الإنجاء ليس بسببٍ وعلَّة للإعراض (٤)، ويجاب عنه بأنهم لمَّا كانوا في البحر كانوا في شدَّة، فدعَوا الله مخلصين له الدين، ولم يمنعهم من الإشراك إلا وجود الشدة، فلما نجَّاهم إلى البر انتفى عنهم المانع وتهيَّأت لهم دواعي الإعراض، فأعرضوا عن الله وأشركوا به، فصار الإنجاء سببًا لإعراضهم.
وإذا ثبت دليل الظرفية ودليل الحرفية فأيهما يترجَّح؟
يمكن أن يترجَّح دليل الحرفية لوجود ما يعضده من أن كلمة (لمَّا) مبنية، "وكل مبنيٍّ لازمٍ
стр. 195
للبناء فالحُكم عليه بالحرفية إلا إن دلَّت دلائل مقوِّيةٌ له في حيز الأسماء" (١).
ومما يضعف كون (لمَّا) ظرفًا ما ذكره السمين الحلبي من أنها قُطعت عن عاملها بـ (ما) النافية و (إذا) الفجائية، وما بعدهما لا يعمل فيما قبلهما (٢).
ثم إنه لا يناسب جعل (لمَّا) ظرفًا وقد ثبت فيها معنى العلة والسببية، لأن الظرف لا دلالة فيه على السببية (٣)، وأما إذا جعلناها حرفًا فإنه لا يشكل عليها ثبوت معنى الظرفية والمزامنة؛ قال المقالي: " (لمَّا) وإن كانت بمعنى (حين)؛ لا يخرجها هذا المعنى إلى الاسمية، فإن من الحروف ما يتقدَّر بالأسماء وهو لازمٌ للحرفية" (٤).
٥) النتيجة:
الراجح أن (لمَّا) حرف، لأن الشواهد على حرفيته متعددة، ولا يظهر أن هنالك ما يمنع من كونه حرفًا، ولا يناسب أن يكون اسمًا، لأنه ترِد عليه إشكالات، وليس فيه علامة من علامات الاسم المعروفة (٥).
стр. 196
المسألة الرابعة: المراد بقول الله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]
• أصل الخلاف في المسألة:
هذه المسألة من آثار الخوض في الغيبيات التي لا تدرك حقيقتها، وذلك من جهتين:
الأولى: الخوض في ذات الله وصفاته، فإن بعض الطوائف خاضوا في ذلك من غير علمٍ ونفوا أن يكون لله جسم، تنزيهًا له عن مشابهة المخلوقين، ونتج عن ذلك أن نفوا عن الله كثيرًا من الصفات الثابتة له سبحانه، فنفوا أن يكون في جهة من الجهات أو يكون فوق شيء أو يكون بقربه شيء، لأن ذلك يستلزم التجسيم، ومن ذلك أنهم نفوا أن يكون قُرب الشهداء من الله حقيقيًّا، وذلك في قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١).
الثانية: الخوض في حياة البرزخ، وذلك أن بعضهم لم يقنع بأن الشهداء لهم حياة حقيقية في البرزخ، ولم يتصور كيفية هذه الحياة فنفاها بالكلية، وجعل الحياة في الآية مجازية، والقُرب فيها من الله مجاز.
• نص المسألة:
قال السمين الحلبي ﵀: "وقوله ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فيه دلالةٌ على رفع المنزلة وتقريب المكانة، وأما العنديَّة الحقيقية فمستحيلةٌ في حق الباري .
وقال ابن عطية: «فيه حذف مضاف تقديره: عند كرامة ربهم، لأن (عند) تقتضي تمام القرب، ولذلك لم تصغَّر؛ قاله سيبويه» (٢) انتهى.
والتقدير الأول أبلغ من ادعاء حذف المضاف" (٣).
стр. 197
• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح:
يرجِّح السمين الحلبي أن قوله تعالى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مجاز في رفع المنزلة وتقريب المكانة، ولم يحمله على الحقيقة أو يقدِّر فيه المحذوف، ويظهر هذا الترجيح من وجهين:
الأول: أنه قدَّم هذا القول واعتمده في تفسير الآية ثم ذكر القولين الآخرين، وما يقدِّمه ويعتمده أولًا هو الراجح عنده.
الثاني: أنه رد على القول الثاني بأن القرب حقيقي بأن ذلك مستحيل، ولم يستحسن القول الثالث بأن في الآية حذفًا، وذلك في قوله: (والتقدير الأول أبلغ من ادعاء حذف المضاف)، فذكر لفظ الترجيح (أبلغ) في الموازنة بين القول الأول والثالث، ونفى القول الثاني، فدل على ترجيحه للقول الأول (١).
• دراسة المسألة:
١) مذاهب أهل العلم في المسألة:
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن حياة الشهداء حقيقية (٢)، والمخالف لذلك قليل لا يُعتد بقوله (٣).
وإذا كانت الحياة حقيقية عند الجمهور فتُحمل أقوالهم في القُرب أنه حقيقي إلا من نبَّه على خلاف ذلك، ونفى أن يكون القرب حقيقيًّا.
واتفق جمهور العلماء أيضًا على أن أرواح الشهداء في الجنة (٤)، وهذا إشارة إلى قُربهم من الله تعالى، فإن الجنة عنده سبحانه (٥).
وقد نبَّه بعض المفسرين على أن القُرب مجازي (٦)، ومن المفسرين مَنْ ادعى وجود الحذف في
стр. 198
الآية (١)، وأهل السنة على خلاف قولهم، فإن الآية عندهم تُحمل على ظاهرها من أن القرب حقيقي، وقد صرَّح بذلك عددٌ من أهل العلم (٢)، ويكفي في هذا تفسير النبي ﷺ (٣)، فإنه يغني عن التصريح، وقد عدَّ أهل العلم حديثَ ابن مسعود مثالًا على تفسير السنة المبينة للكتاب (٤).
٢) أدلة القول الأول والثالث في المسألة:
ليس للقول الذي ذكره السمين الحلبي والقول الذي ذكره ابن عطية دليل خاص، وإنما هو المنع من أن يكون قوله تعالى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقتضي القُرب الحقيقي، لأن معنى (عند) في اللغة يقتضي تمام القُرب كما نقله ابن عطية عن سيبويه (٥)؛ قالوا: والقرب الحقيقي من الله ممتنع لأنه يستلزم التحيُّز في جهة من الجهات، وذلك من خصائص الأجسام؛ قالوا: والله تعالى منزَّه عن التجسيم.
ولذلك لا يقبلون بظاهر اللفظ، فإما أن يجعلوه مجازًا أو يقدِّروا معه محذوفًا يصرفه عن معناه؛ قال السمين الحلبي في موضعٍ آخر من قوله تعالى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: "العندية مجاز لتعاليه عن الجهة" (٦).
وهذان المذهبان (التجوُّز وتقدير المحذوف) مستويان في المأخذ والدليل، وإنما افترقا في طريقة التأويل، لكن يمكن أن يستدل لقول السمين الحلبي بأن (عند) هو اسمٌ للحضور والقُرب الحسي والمعنوي (٧)، فإذا كان يستخدم للقرب المعنوي نحو قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧] فلا حاجة إلى تقدير محذوف، ولعله لأجل هذا ذكر السمين الحلبي أن القول بالتجوُّز أبلغ من ادعاء الحذف.
стр. 199
ويمكن أن يستدل لقوة القول الذي ذكره ابن عطية بأن السياق أفاد أن الحياة حقيقية، وعليه فلا يتصور أن يكون (عند) يفيد القرب المعنوي، بل يكون في القُرب الحقيقي، فيُضاف إليه محذوف يصرفه عن معناه.
وأما من نفى أن تكون حياة الشهداء حقيقة، فإنه ينفي أن يكون القُرب حقيقيًّا تبعًا لذلك، ويحمل معنى الحياة في الآية على معنى الحياة في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ قالوا: فالمراد بحياة الشهداء حياة الطاعة والهدى (١).
٣) أدلة القول الثاني في المسألة:
يدل على أن قوله ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يفيد القرب الحقيقي من الله سبحانه دليلان:
الأول: أن هذا هو ظاهر اللفظ السالم من الحذف والتجوُّز، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، فلا يُصرف عنه إلا بقرينة.
الثاني: ما ثبت في السنة، فقد جاء في سبب نزول الآية عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : لمَّا أُصيب إخوانكم بأُحد جعل الله أرواحهم في جوف طيرٍ خُضْرٍ تَرِد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهبٍ معلَّقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومَقِيلِهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنَّا أنا أحياء في الجنة نُرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب، فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم، قال: فأنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ إلى آخر الآيات (٢).
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه فسَّر الآية بهذا المعنى، فقد سئل ابن مسعود ﵁ عن هذه الآية فقال: أما إنَّا قد سألنا عن ذلك، فقال (٣): (أرواحهم في جوف طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديل معلَّقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك
стр. 200
القناديل) (١).
وإذا كانت أرواحهم تأوي إلى القناديل المعلقة بالعرش فإن ذلك يدل على قربهم من رب العرش الكريم (٢).
٤) الموازنة بين الأدلة:
أما مَنْ نفى أن تكون الحياة حقيقية فإن السياق يخالف قوله، وذلك من وجهين:
الأول: في قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، فذكر القتل ثم ذكر بعده الموت والحياة، فيكون معناهما على الحقيقة، لا حياة الهدى والطاعة وموت الضلالة والغواية.
ومن قال بأن الحياة ليست حقيقية فقد خالف النهي الوارد في الآية في قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا﴾، وخالف قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتُ﴾ [البقرة: ١٥٤].
الثاني: في قوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾، فذكر أمرًا من خصائص الحياة الحقيقية؛ قال السمين الحلبي: "وإنما قال ﴿يُرْزَقُونَ﴾ بعد قوله ﴿أَحْيَاءٌ﴾ تنبيها على أنها حياة حقيقية مقترنة بالرزق؛ لم يكتف بالنهي عن طلب حسبانهم أمواتًا حتى أكَّد ذلك بما هو من شأن الحياة، وهو الرزق" (٣).
ومن هذين الوجهين يتبين أن الحياة والرزق في الآية على الحقيقة، فأولى أن يكون ما بينهما وهو قوله ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ دالًا على القُرب الحقيقي.
وأيضًا، فإن السياق في مدح الشهداء وتشريفهم، فالأولى في المدح والتشريف أن يكون القُرب حقيقيًّا وليس مجازيًا، فإن الله شرَّف المتقين بذلك في قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ٥٤ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
ولا ينبغي أن يُعتقد أن قُرب الشهداء من الله يقتضي نقصًا في ذات الله وصفاته، بل ذلك
стр. 201
متضمنٌ لجوده وكرمه ولطفه بعباده الذين بذلوا الحياة لأجله، فجعل لهم حياة خاصة عنده بالقُرب منه سبحانه.
ومَن نفى هذا القرب وزعم أن ذلك من تنزيه الله عن التجسيم فإنه ينفي تبعًا لذلك عددًا من صفات الكمال له ويغلط فيها، كعُلُوه سبحانه على خلقه، وتجليه لهم، وما ذاك إلا تنقصٌ لله ﷻ ؛ قال ابن تيمية ﵀ رادًا على من نفى صفات الكمال بحجة التجسيم: "لفظ الجسم فيه إجمال:
قد يُراد به المُرَكَّب الذي كانت أجزاؤه مفرقةً فجُمعت، أو ما يقبل التفريق والانفصال، أو المُرَكَّب من مادةٍ وصورة، أو المُرَكَّب من الأجزاء المفردة التي تسمى الجواهر الفردة، والله تعالى مُنَزَّه عن ذلك كله: عن أن يكون كان متفرقًا فاجتمع، أو أن يقبل التفريق والتجزئة التي هي مفارقة بعض الشيء بعضًا وانفصاله عنه، أو غير ذلك من التركيب الممتنع عليه.
وقد يراد بالجسم ما يُشار إليه، أو ما يرى، أو ما تقوم به الصفات، والله تعالى يرى في الآخرة وتقوم به الصفات، ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم.
فإن أراد بقوله (ليس بجسم) هذا المعنى قيل له: هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنًى ثابتٌ بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنت لم تُقِم دليلًا على نفيه.
وأما اللفظ فبدعةٌ نفيًا وإثباتًا، فليس في الكتاب ولا السنة ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها إطلاق لفظ (الجسم) في صفات الله تعالى، لا نفيًا ولا إثباتًا.
وكذلك لفظ (الجوهر) و (المتحيِّز) ونحو ذلك من الألفاظ التي تنازع أهل الكلام المُحدَث فيها نفيًا وإثباتًا" (١).
وبهذا يتبين أن مَنْ نفى قُرب الشهداء من الله سبحانه زاعمًا تنزيهه عن التجسيم فإنه لم ينزهه، وإنما تعلَّق بشُبهة عريضة خالف بها ما ثبت في السنة من قُرب الشهداء من ربهم سبحانه، وخالف تفسير النبي ﷺ لهذه الأمور الغيبية التي يكون بيانه لها هو أكمل البيان.
وعليه فلا يصح العدول عن ظاهر اللفظ من أن الشهداء عن ربهم حقيقةً إلى أن يكون قوله ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مجازًا في التكريم ورفع المنزلة لمخالفة ذلك لسياق الآية وما ثبت في السنة،
стр. 202
وكذلك لا تصح دعوى وجود محذوف في الآية تقديره: عند كرامة ربهم، لأن الأصل في كلام الله أنه تام.
وما ذكروه من معنى التكريم ورفع المنزلة وحصول الكرامة كله ثابت إذا كان القُرب حقيقيًّا، بل إن القُرب الحقيقي يثبت هذا المعنى بأكمل مما ذكروه ويزيد عليه كمالًا من الأُنس بالقُرب من الله والاغتباط بذلك.
٥) النتيجة:
الصحيح أن قوله تعالى ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ يدل على القرب الحقيقي من الله، وأن الذين قتلوا في سبيل الله هم أحياء عنده سبحانه حياة برزخية لا يدرك الناس في الدنيا حقيقتها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (١)، فالحقُّ فيها ما ثبت عن النبي ﷺ .
والقول بأن قُرب الشهداء من الله حقيقي هو القول الذي يحصل به خصوصية الشهداء وتميز حياتهم عن حياة من دونهم من المؤمنين في البرزخ، فإن المؤمن يُنَعَّم في قبره، فله في البرزخ نعيم كما أن للشهيد نعيم، لكن الشهيد له قُربٌ خاص من الله كما دلت عليه هذه الآية، والله أعلم.
стр. 203
المسألة الخامسة: نوع الجملة في قول الله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾.
قال تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ١٧٠ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٠ - ١٧١]
• أصل الخلاف في المسألة:
الخلاف هنا في قوله تعالى ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ بعد قوله ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾؛ هل الاستبشار في الآية الثانية هو تأكيد للاستبشار في الآية التي قبله أو أن بينهما اختلافًا؟
وينبني على هذا تحديد الإعراب في الجملة الثانية؛ هل هي متعلقةٌ بما قبلها أو هي للاستئناف؟
• نص المسألة:
قال السمين الحلبي ﵀: "اختلف الناس في هذه الجملة هل هي تأكيديَّة أم تأسيسيَّة؟
فذهب الزمخشري وابن عطية إلى الأول، ولنورِد كلامهما:
قال الزمخشري: «وكرَّر ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ليعلِّق به ما هو بيانٌ لقوله: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، من ذكر النعمة والفضل، وأن ذلك أجرٌ لهم على إيمانهم؛ يجب في عدل الله وحكمته أن يحصل لهم ولا يضيع» (١) انتهى، وهو كلام حسنٌ لولا قوله «يجب في عدل الله» …
وقال ابن عطية: «أكَّد استبشارهم بقوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾، ثم بيَّن بقوله ﴿وَفَضْلٍ﴾
стр. 204
إدخالهم الجنة الذي هو فضلٌ منه لا بفضل أحد، … » (١) انتهى. يعني أن دخول الجنة محض فضل الله تعالى لا بعملٍ البتة، …
وذهب غيرهما إلى أنها بدلٌ من الجملة الأولى قبلها؛ قال: فلذلك لم يُدخل عليه واو العطف، وهذا القول يحتجُّ إلى أنها تأكيدٌ للأولى أيضًا، لأنها أفادت إفادتها.
وقيل إنها للتأسيس، وإليه ذهب الشيخ وجعله الظاهر فقال: «والظاهر أن قوله ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ليس تأكيدًا للأول، بل هو استئناف متعلق بهم أنفسهم لا بالذين لم يلحقوا بهم، فقد اختلف متعلَّق الفعلين، فلا تأكيد، لأن هذا المُستبشَر به هو لهم، وهو نعمة الله عليهم وفضله» (٢) انتهى.
ويؤيد هذا الوجه: أنه إذا دار الأمر بين التأكيد والتأسيس، فالتأسيس أولى" (٣).
• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح:
يرجِّح السمين الحلبي القول الثاني، أن الجملة من قوله تعالى ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ أنها للتأسيس وليست للتأكيد، ويظهر هذا الترجيح من وجهين:
الأول: أنه نوَّه بالقاعدة الترجيحية (إذا دار الأمر بين التأكيد والتأسيس، فالتأسيس أولى)، وهي من قواعد الترجيح عنده كما تقدم.
الثاني: أنه حكى عن شيخه أنه جعل هذا القول هو الظاهر ولم يتعقبه، وذلك في قوله: (وإليه ذهب الشيخ وجعله الظاهر). والقول الظاهر عنده مقدَّمٌ على غيره.
ولا يشكل على هذا الترجيح أنه حسَّن قول الزمخشري، فإنما أراد به التحسين من حيث العموم، ولم يفضله على القول الآخر، أو أنه أراد أن يتلطف في التعقيب على قول الزمخشري فقال: (وهو كلام حسنٌ لولا قوله «يجب في عدل الله»).
стр. 205
• دراسة المسألة:
١) مذاهب أهل العلم في المسألة:
رجَّح الزمخشري وابن عطية القول الأول كما ذكر السمين الحلبي، ووافقهم على ذلك بعض أهل العلم مقتصرين على هذا القول (١)، وجُلُّ مَنْ ذكر القولين من أهل العلم قدَّم القول الأول اهتمامًا به واعتمادًا عليه، ثم أشار إلى القول الثاني (٢).
ولم يرجِّح القول الثاني من أهل العلم إلا قليل (٣).
٢) أدلة القول الأول في المسألة:
يُستدل للقول بأن الجملة ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ تأكيدٌ للجملة قبلها ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أن لفظ الاستبشار في الجملتين متطابق، وأن الثاني منهما لم تدخل عليه واو العطف، فيشبه أن يكون الثاني تأكيدًا للأول (٤).
٣) أدلة القول الثاني في المسألة:
يُستدل للقول بأن الجملة ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ هي تأسيس وليست تأكيدًا لاستبشارهم بالذين لم يلحقوا بهم أن السياق من قوله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا﴾ [آل عمران: ١٦٩] هو في الامتنان على الشهداء، فالأولى أن تكون النعمة والفضل المذكوران في الآية هنا ترجع لهم، فتكون الجملة للتأسيس في بيان عظمة نعمة الله وفضله عليهم.
стр. 206
٤) الموازنة بين الأدلة:
أشار أبو حيان إلى القول الفصل في هذه المسألة وهو مُتعلَّق فِعلَي الاستبشار، فإن اختلف متعلَّق الاستبشار لم يكن الثاني تأكيدًا للأول، وبيان ذلك فيما يأتي:
الاستبشار الأول في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ومعناه: أن الشهداء يستبشرون أن إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، فالاستبشار هنا متعلِّقٌ بانتفاء الخوف والحزن عن إخوانهم.
والاستبشار الثاني في قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ومعناه: أن الشهداء يستبشرون بثلاثة أمور: بالنعمة والفضل وعدم ضياع أجر المؤمنين.
والخلاف في المسألة في هذا الاستبشار الثاني؛ هل هو استبشار بأمرٍ يخصُّ الشهداء أنفسهم، أو بأمرٍ يخصُّ إخوانهم كالاستبشار الذي قبله؟
الظاهر من الاستبشار في الآية الثانية أنه عامٌ لا يختص به الشهداء وحدهم، لأنه تضمَّن نفي ضياع أجر المؤمنين، وهذه بشارة عامةٌ في المؤمنين كلهم، ومن هذا الوجه يمكن أن يكون الاستبشار الثاني متعلقًا بالاستبشار الذي قبله، لأن الاستبشار الأول متعلِّقٌ بإخوانهم: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وهذا الاستبشار الثاني تعلَّق بإخوانهم أيضًا: أن أجرهم ثابت لا يضيع؛ قال الطيبي: "ومن جُعلت أعماله مشكورةً غير مضيَّعةٍ فلا يخاف العاقبة" (١).
وعلى هذا؛ لم يختلف متعلَّق فِعلَي الاستبشار في الآيتين، فيمكن أن يكون الثاني تأكيدًا للذي قبله، خصوصًا مع اتحاد لفظهما وانتفاء العطف عن ثانيهما.
وإن كان السياق يشير إلى أن النعمة والفضل في الآية أولى أن تكون لهم وأنهم يستبشرون بها لأنفسهم إلا أن آخر الآية قد دل على أنهم يستبشرون لإخوانهم بعدم ضياع أجرهم، فلا يبعُد أن يكون استبشارهم بالنعمة والفضل لإخوانهم أيضًا.
والسياق نفسه قد أشار إلى أنهم حازوا النعمة والفضل؛ أما النعمة ففي قوله ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ
стр. 207
عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، فما أعظمها من نعمةٍ في جوار ربهم يجري عليهم فيها رزقه ويتجدد عليهم، وأما الفضل فقد جاء مصرَّحًا به في قوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وعلى هذا يمكن أن يقال إن القاعدة الترجيحية التي ذكرها السمين الحلبي (إذا دار الأمر بين التأكيد والتأسيس، فالتأسيس أولى) لا مدخل لها هنا في الآية، لأن الآية تتضمن تأكيدًا لما سبق، سواء على القول الأول أو الثاني، فإما أن يكون التأكيد فيها لاستبشار الشهداء لإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، أو يكون التأكيد فيها لثبوت النعمة والفضل للشهداء، فهم يستبشرون بما آتاهم الله من النعمة والفضل.
وقد قيل في الجواب عن هذا إن قوله تعالى ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ تضمَّن فرحهم، والاستبشارُ أعظم من الفرح، وأيضًا فإن فرحهم هو بفضلٍ يحصل لهم في الحال، واستبشارهم هو بفضلٍ يحصل لهم لاحقًا (١)، لكن الظاهر أن هذا لا يُخرِج الآية عن التأكيد لثبوت النعمة والفضل لهم.
٥) النتيجة:
الذي يظهر والله أعلم أن قوله تعالى ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قد تضمَّن التأكيد للاستبشار الذي في الآية قبله، وأن الجملة ليست للاستئناف، وأن الاستبشار الذي في الآية ليس متعلقًا بالشهداء وحدهم، لأنها فيها الاستبشار بأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، وهذا عامٌّ في المؤمنين كلهم.
ولا يظهر أن يكون المراد بالمؤمنين في الآية الشهداءُ وحدهم، بل الظاهر أنها عامةٌ في كل مؤمن، ويؤيد ذلك قراءة الاستئناف: ﴿وإِن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ (٢)؛ قال ابن زيد: "هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سوى الشهداء، وقَلَّما ذكر الله فضلًا ذكر به الأنبياء وثوابًا أعطاهم إلا ذكر ما أعطى الله المؤمنين من بعدهم" (٣).
стр. 208
المسألة السادسة: معنى الاستجابة لله وللرسول في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]
• أصل الخلاف في المسألة:
قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ [النساء: ٦٩] يدلُّ إطلاقه على أن الطاعة المذكورة فيه طاعتان، كما في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦]، لكن يمكن اعتبارهما طاعة واحدة على مقتضى قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، والخلاف في الآية هنا من هذا الجنس، فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ هل هو أمرٌ واحد واستجابةٌ واحدة، أو هما أمران واستجابتان؟
• نص المسألة:
قال السمين الحلبي ﵀: "ولما كانت إجابة الرسول واجبةً وجوبَها بالنسبة إلى الله تعالى قال: ﴿وَالرَّسُولِ﴾، كقوله: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، والمراد: ما امتثلوا في الخروج إثْرَ العدو في تلك الحال الشاقة بعدما عاينوا تلك الأهوال، وذهاب من ذهب من الآباء والأبناء والإخوان والأصدقاء، وهذه كلها حالات يشقُّ معها الخروج، ومع ذلك أبدوا طاعةَ الله وطاعة رسوله، فخرجوا سِراعًا، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾.
وقيل إن الاستجابتين هنا مختلفتان، فبالنسبة إلى الله تعالى بتوحيده وعبادته، وبالنسبة إلى رسوله بتصديقه وقبول ما جاء به، ونَصرِه والنصيحة له.
وما قدمناه هو الظاهر، ويدل عليه ما ذكرنا من سبب النزول" (١).
стр. 209
• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح:
يرجِّح السمين الحلبي القول الأول بأن الاستجابة لله ولرسوله في الآية هي استجابة واحدة، وهي الاستجابة لأمر الرسول ﷺ بالخروج لتتبع العدو بعدما أصابهم القرح في غزوة أُحد، وهذا الترجيح يظهر من ثلاثة وجوه:
الأول: أن هذا القول هو الذي قدَّمه أولًا، ثم تعرَّض للخلاف بعد ذلك، فدل على أنه هو المعتمد عنده في تفسير الآية.
الثاني: لفظ الترجيح، وذلك في قوله: (وما قدمناه هو الظاهر).
الثالث: أنه استدل لهذا القول ولم يستدل للقول الآخر، فذكر أنه هو المتوافق مع ما قدَّمه من سبب النزول (١).
• دراسة المسألة:
١) مذاهب أهل العلم في المسألة:
جميع من وقفت عليه من المفسرين جعلوا الاستجابة في الآية واحدة، وهي الاستجابة لأمر الرسول ﷺ بعد غزوة أُحد (٢)، وهو قول عائشة ﵂ كما سيأتي، وروي عن ابن عباس ﵄، وعن عكرمة والحسن وقتادة والسدي وابن جريج (٣).
وكلهم اتفقوا على أن الآية في قصة غزوة أُحد، وأن الاستجابة في الآية لأمر الرسول ﷺ ، وإن اختلفوا في تحديد الغزوة التي استُجيب لها؛ قال البقاعي: "هذه الآيات من تتمة هذه القصة سواء قلنا إنها إشارة إلى غزوة (حمراء الأسد) أو غزوة (بدر الموعد)، فإن الوعد كان يوم أُحد، والله الهادي" (٤).
ولم أقف على من ذكر القول الثاني إلا ما قد يُفهم من كلام الراغب الأصفهاني في تفسيره،
стр. 210
وقد نقل أبو حيان بعض كلامه ولم ينسبه إليه، وجعله قولًا آخر في المسألة وردَّ عليه (١)، ثم تبعه السمين الحلبي.
٢) أدلة القول الأول في المسألة:
ذكر السمين الحلبي دليل هذا القول أنه سبب النزول، فالآية نازلة في شأن غزوة أُحد استجابةً لأمرٍ واحد هو أمر النبي ﷺ ، كما ثبت عن عائشة ﵂ في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ أنها قالت لعروة بن الزبير: يا ابن أختي، كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصابَ يوم أُحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: (من يذهب في إثرهم) فانتدب منهم سبعون رجلا، قال: كان فيهم أبو بكر والزبير (٢).
٣) أدلة القول الثاني في المسألة:
يمكن أن يستدل للقول الثاني بأن الاستجابة لله تعالى هي المقصودة أولًا، والاستجابة للرسول ﷺ تبعٌ لها، فلا بد من ذكر الاستجابة الأولى (وهي الاستجابة لله) من غير الاقتصار على الاستجابة الثانية (وهي الاستجابة للرسول ﷺ (٣).
٤) الموازنة بين الأدلة:
قد دل سبب النزول على أن الاستجابة في الآية كانت لأمرٍ واحد هو أمر النبي ﷺ ، ولم ينزل وحيٌ من الله يأمرهم بالخروج إلى المشركين، وإنما أمرهم بذلك النبي ﷺ (٤).
ومعلومٌ أن أمر النبي ﷺ جاء في الآية بعد أمر الله، وأن الاستجابة لله مقصودةٌ في الآية، لكن الثابت في سبب نزول الآية والأمر الذي وقعت الاستجابة له هو أمر النبي ﷺ ، فكانت الاستجابة لأمر النبي هي استجابةٌ لأمر الله.
стр. 211
ولعل من ذكر القول الثاني يشير إلى كيفية الاستجابة للأمر الذي في الآية، فإنها كانت بتوحيد الله وإخلاص العمل له، ونُصرة رسوله والنصيحة له، وأما الأمر الذي استجيب له فظاهرٌ أنه الأمر بالخروج لقتال المشركين بعد غزوة أُحد كما دل عليه سبب النزول.
ولا يقال هنا إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لأن اللفظ هنا ليس بعام، بل هو خاص في الذين أصابهم القرح، فهي استجابة لأمرٍ مخصوص بيَّنه سبب النزول.
٥) النتيجة:
الراجح القول الأول، وهو أن الاستجابة في الآية كانت لأمرٍ واحد هو الأمر بالخروج لقتال المشركين بعد غزوة أُحد، وهذا الأمر كان من الرسول ﷺ .
ولا يقال في هذا أن فيه إهمالًا لأمر الله المذكور في الآية، بل إن من أعظم فوائد هذه الآية أن أمر الرسول ﷺ هو من أمر الله (١)، وهي مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فالداعي هنا واحد، وهو الرسول ﷺ ، وكانت الاستجابة له استجابةً لأمر الله جل وعلا.
стр. 212
المسألة السابعة: مسألة زيادة الإيمان ونقصانه
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]
• أصل الخلاف في المسألة:
هذه المسألة تتعلق بالإيمان في معناه ومفهومه وما يشمله من القول والعمل والاعتقاد، وقد تعددت أقوال الطوائف فيه بناء على هذه الأمور، وينبني على هذه المسألة تأويل الآيات الصريحة في زيادة الإيمان، فمن الطوائف من يؤولها على غير ما أراد الله أو يخصصها بمعنًى من المعاني من غير مخصص يوجب ذلك.
• نص المسألة:
قال السمين الحلبي ﵀: " ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانا﴾ أي: ذلك القول زادهم إيمانًا إلى إيمانهم، ولذلك خرجوا سِراعًا صادقين مطيعين.
وظاهر الآية ونظائرها أن الإيمان يزيد وينقص، وقد اختلف أهل العلم في ذلك:
فذهب جماعةٌ إلى أن الزيادة والنقص فيه باعتبار الطاعات والمعاصي؛ أي إنه يزيد باعتبار الطاعات لأنها من ثمراته، وينقص بالمعصية، ونُسب هذا للشافعي، وهو مذهب مالك رحمهما الله تعالى.
وذهبت طائفة إلى أن ذلك باعتبار الأدلة الحاصلة عند الشخص، فإذا قوي الدليل في نفس المؤمن وتظافر وتحقق زاد إيمانه، وإذا ضعُفت الأدلة أو قَلَّت نقص، ولذلك نقول إن إيمان أبي بكر بلا شك ليس كإيمان أحدنا في القوة؛ هو أقوى بطِباق.
وذهب آخرون إلى أن ذلك بالنسبة إلى أعمال القلوب كالنيَّة والإخلاص والخوف والنصيحة. وهذا هو قريبٌ من القول الأول؛ إذ هُوَ هُوَ، غايةُ ما فيه أن ذلك القائل جعل الطاعات أعمال البدن، وهذا جعلها أعمال القلب، وكلها يصدق عليها (طاعات).
وذهب آخرون إلى أن ذلك من طريق نزول الفرائض والأخبار في زمن الرسول عليه
стр. 213
السلام.
وقال الإمام في الإرشاد: «زيادته من حيث ثبوته وتعاوره دائمًا، لأنه عَرَضٌ لا يَثبُت زمانين، فهو للصالحِ متعاقبٌ متوالٍ، وللفاسقِ والغافل غير متوال، فهذا معنى الزيادة والنقص» (١).
وذهب آخرون إلى أنه لا يزيد ولا ينقص، وذلك أنه تصديقٌ قلبي، فإن كان صحيحًا فهو إيمان، وإلا فليس بإيمان، وما ذكر هؤلاء كلها أمورٌ عَرَضيَّة ليست داخلة في مسمى الإيمان الذي هو التصديق القائم بالقلب. وذهب إليه الباقلاني، ويُعزى للشافعي أيضًا، وهو قول أبي حنيفة ﵀، ورجح هذا جماعة من المتكلمين، وتأولوا ما ورد به النص على معنى زيادة الأعمال أو نحوها.
وذهبت المعتزلة إلى أنه يزيد ولا ينقص (٢)؛ قالوا: لأن النص الوارد إنما جاء بالزيادة دون النقص، ويروى هذا عن عبد الله بن المبارك، فارس العلماء العباد (٣) " (٤).
• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح:
يرجِّح السمين الحلبي أن الإيمان يزيد وينقص، ويظهر هذا من وجهين:
الأول: لفظ الترجيح، وذلك في قوله: (وظاهر الآية ونظائرها أن الإيمان يزيد وينقص)، والظاهرُ عنده مقدَّم على غيره من الأقوال.
الثاني: أنه صرَّح بهذا القول في تفسير الآية، بأن القول الذي قالوه زادهم إيمانًا إلى إيمانهم، ثم استظهر أن الإيمان يزيد وينقص، ثم ذكر الخلاف في المسألة، فدل على ترجيحه للقول الذي صرَّح به واستظهره قبل الخلاف، خصوصًا وأن المسألة في الاعتقاد، فما يقدمه قبل ذكر الخلاف فيها هو المعتمد عنده.
стр. 214
• دراسة المسألة:
١) مذاهب أهل العلم في المسألة:
ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود (١) وغيرهما من الصحابة أقوالٌ يدل ظاهرها على القول بزيادة الإيمان، ومنها يُعلَم أنهم يقولون بنقصانه، وجاء عن صحابة آخرين ذكر الأمرين جميعًا كأبي الدرداء وأبي هريرة وعمير بن حبيب الخطمي ﵃ أجمعين (٢).
وجاء عن سعيد بن جبير ومجاهد في قوله تعالى لإبراهيم الخليل: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]؛ أي: لأزداد إيمانًا إلى إيماني (٣)، وثبت القول بزيادة الإيمان ونقصانه عن عددٍ من التابعين (٤).
وذكر عدد من المفسرين زيادة الإيمان ونقصانه عند الآيات التي تدل على ذلك (٥)، وقد جاء التبويب بهذا الأصل في كتب السنة (٦)، وكتب أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٧)، وعلى هذا مذهب الفقهاء مالك والشافعي وأحمد بن حنبل (٨).
وما ذكره السمين الحلبي هنا من أنه يُعزى الشافعي بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص هو خلاف ما عُرف عنه، كيف وقد نُقل عنه أنه حكى الإجماع على أن الإيمان يزيد وينقص (٩)؟!
стр. 215
وقد رويت حكاية إجماع أهل السنة على أن الإيمان يزيد وينقص عن آخرين من أهل العلم، وقد ذكر الإجماع ابن عبد البر، وابن تيمية ﵏ (١).
أما الأشاعرة الذين ينتمي إليهم السمين الحلبي فقد تعددت أقوالهم في هذه المسألة وفق المذاهب الثلاثة التي ذكرها السمين الحلبي (٢).
وأشهر من قال إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص هو الإمام أبو حنيفة ﵀ (٣).
وقد قال بهذا القول طوائف من أهل البدع كالجهمية والمرجئة والخوارج والمعتزلة، وإن كان بعض هؤلاء ينكر نقصان الإيمان أعظم من إنكاره زيادته، لأنه إذا نقص لزم ذهابه كله عندهم، أما الزيادة فقد يثبتونها لأجل الآيات الصريحة فيها ثم يسلكون فيها مسلك التأويل (٤).
وبالجملة، فكلُّ من خالف الحق في معنى الإيمان وما يشمله لم يكن قوله تامًّا في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، حتى وإن قال بالزيادة أو النقصان، كما تقدم بيانه في أصل الخلاف في المسألة.
وما يروى عن عبد الله بن المبارك أنه يقول بأن الإيمان يزيد ولا ينقص هو خلاف ما ثبت عنه، فقد روي عنه التصريح بزيادة الإيمان ونقصانه (٥)، وهو خلاف ما عرفه أهل العلم عنه، فقد ذكر الإمام أحمد ومن بعده ابن تيمية أنه يقول بالزيادة والنقصان جميعًا، وردوا على من فهم عنه خلاف ذلك (٦).
٢) أدلة القول الأول في المسألة:
الدليل على أن الإيمان يزيد وينقص ظاهر الآية كما ذكر السمين الحلبي، فقد جاء فيها التصريح بأن ما حصل للصحابة زادهم إيمانًا، وأثمر في قوة توكلهم على ربهم إذ قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، وقوة التوكل مبنية على زيادة الإيمان بالله.