← Тафсир

Тафсир · id 1109

ترجيحات السمين الحلبي - من آية 138 سورة آل عمران إلى آخر السورة

عبد الله بن سليمان النملة

Полный текст (376 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولعل من ذكر القول الثاني يشير إلى كيفية الاستجابة للأمر الذي في الآية، فإنها كانت بتوحيد الله وإخلاص العمل له، ونُصرة رسوله والنصيحة له، وأما الأمر الذي استجيب له فظاهرٌ أنه الأمر بالخروج لقتال المشركين بعد غزوة أُحد كما دل عليه سبب النزول. ولا يقال هنا إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لأن اللفظ هنا ليس بعام، بل هو خاص في الذين أصابهم القرح، فهي استجابة لأمرٍ مخصوص بيَّنه سبب النزول. ٥) النتيجة: الراجح القول الأول، وهو أن الاستجابة في الآية كانت لأمرٍ واحد هو الأمر بالخروج لقتال المشركين بعد غزوة أُحد، وهذا الأمر كان من الرسول ﷺ . ولا يقال في هذا أن فيه إهمالًا لأمر الله المذكور في الآية، بل إن من أعظم فوائد هذه الآية أن أمر الرسول ﷺ هو من أمر الله (١)، وهي مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فالداعي هنا واحد، وهو الرسول ﷺ ، وكانت الاستجابة له استجابةً لأمر الله جل وعلا.

стр. 212

المسألة السابعة: مسألة زيادة الإيمان ونقصانه قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] • أصل الخلاف في المسألة: هذه المسألة تتعلق بالإيمان في معناه ومفهومه وما يشمله من القول والعمل والاعتقاد، وقد تعددت أقوال الطوائف فيه بناء على هذه الأمور، وينبني على هذه المسألة تأويل الآيات الصريحة في زيادة الإيمان، فمن الطوائف من يؤولها على غير ما أراد الله أو يخصصها بمعنًى من المعاني من غير مخصص يوجب ذلك. • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: " ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانا﴾ أي: ذلك القول زادهم إيمانًا إلى إيمانهم، ولذلك خرجوا سِراعًا صادقين مطيعين. وظاهر الآية ونظائرها أن الإيمان يزيد وينقص، وقد اختلف أهل العلم في ذلك: فذهب جماعةٌ إلى أن الزيادة والنقص فيه باعتبار الطاعات والمعاصي؛ أي إنه يزيد باعتبار الطاعات لأنها من ثمراته، وينقص بالمعصية، ونُسب هذا للشافعي، وهو مذهب مالك رحمهما الله تعالى. وذهبت طائفة إلى أن ذلك باعتبار الأدلة الحاصلة عند الشخص، فإذا قوي الدليل في نفس المؤمن وتظافر وتحقق زاد إيمانه، وإذا ضعُفت الأدلة أو قَلَّت نقص، ولذلك نقول إن إيمان أبي بكر بلا شك ليس كإيمان أحدنا في القوة؛ هو أقوى بطِباق. وذهب آخرون إلى أن ذلك بالنسبة إلى أعمال القلوب كالنيَّة والإخلاص والخوف والنصيحة. وهذا هو قريبٌ من القول الأول؛ إذ هُوَ هُوَ، غايةُ ما فيه أن ذلك القائل جعل الطاعات أعمال البدن، وهذا جعلها أعمال القلب، وكلها يصدق عليها (طاعات). وذهب آخرون إلى أن ذلك من طريق نزول الفرائض والأخبار في زمن الرسول عليه

стр. 213

السلام. وقال الإمام في الإرشاد: «زيادته من حيث ثبوته وتعاوره دائمًا، لأنه عَرَضٌ لا يَثبُت زمانين، فهو للصالحِ متعاقبٌ متوالٍ، وللفاسقِ والغافل غير متوال، فهذا معنى الزيادة والنقص» (١). وذهب آخرون إلى أنه لا يزيد ولا ينقص، وذلك أنه تصديقٌ قلبي، فإن كان صحيحًا فهو إيمان، وإلا فليس بإيمان، وما ذكر هؤلاء كلها أمورٌ عَرَضيَّة ليست داخلة في مسمى الإيمان الذي هو التصديق القائم بالقلب. وذهب إليه الباقلاني، ويُعزى للشافعي أيضًا، وهو قول أبي حنيفة ﵀، ورجح هذا جماعة من المتكلمين، وتأولوا ما ورد به النص على معنى زيادة الأعمال أو نحوها. وذهبت المعتزلة إلى أنه يزيد ولا ينقص (٢)؛ قالوا: لأن النص الوارد إنما جاء بالزيادة دون النقص، ويروى هذا عن عبد الله بن المبارك، فارس العلماء العباد (٣) " (٤). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن الإيمان يزيد وينقص، ويظهر هذا من وجهين: الأول: لفظ الترجيح، وذلك في قوله: (وظاهر الآية ونظائرها أن الإيمان يزيد وينقص)، والظاهرُ عنده مقدَّم على غيره من الأقوال. الثاني: أنه صرَّح بهذا القول في تفسير الآية، بأن القول الذي قالوه زادهم إيمانًا إلى إيمانهم، ثم استظهر أن الإيمان يزيد وينقص، ثم ذكر الخلاف في المسألة، فدل على ترجيحه للقول الذي صرَّح به واستظهره قبل الخلاف، خصوصًا وأن المسألة في الاعتقاد، فما يقدمه قبل ذكر الخلاف فيها هو المعتمد عنده.

стр. 214

• دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود (١) وغيرهما من الصحابة أقوالٌ يدل ظاهرها على القول بزيادة الإيمان، ومنها يُعلَم أنهم يقولون بنقصانه، وجاء عن صحابة آخرين ذكر الأمرين جميعًا كأبي الدرداء وأبي هريرة وعمير بن حبيب الخطمي ﵃ أجمعين (٢). وجاء عن سعيد بن جبير ومجاهد في قوله تعالى لإبراهيم الخليل: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]؛ أي: لأزداد إيمانًا إلى إيماني (٣)، وثبت القول بزيادة الإيمان ونقصانه عن عددٍ من التابعين (٤). وذكر عدد من المفسرين زيادة الإيمان ونقصانه عند الآيات التي تدل على ذلك (٥)، وقد جاء التبويب بهذا الأصل في كتب السنة (٦)، وكتب أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٧)، وعلى هذا مذهب الفقهاء مالك والشافعي وأحمد بن حنبل (٨). وما ذكره السمين الحلبي هنا من أنه يُعزى الشافعي بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص هو خلاف ما عُرف عنه، كيف وقد نُقل عنه أنه حكى الإجماع على أن الإيمان يزيد وينقص (٩)؟!

стр. 215

وقد رويت حكاية إجماع أهل السنة على أن الإيمان يزيد وينقص عن آخرين من أهل العلم، وقد ذكر الإجماع ابن عبد البر، وابن تيمية ﵏ (١). أما الأشاعرة الذين ينتمي إليهم السمين الحلبي فقد تعددت أقوالهم في هذه المسألة وفق المذاهب الثلاثة التي ذكرها السمين الحلبي (٢). وأشهر من قال إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص هو الإمام أبو حنيفة ﵀ (٣). وقد قال بهذا القول طوائف من أهل البدع كالجهمية والمرجئة والخوارج والمعتزلة، وإن كان بعض هؤلاء ينكر نقصان الإيمان أعظم من إنكاره زيادته، لأنه إذا نقص لزم ذهابه كله عندهم، أما الزيادة فقد يثبتونها لأجل الآيات الصريحة فيها ثم يسلكون فيها مسلك التأويل (٤). وبالجملة، فكلُّ من خالف الحق في معنى الإيمان وما يشمله لم يكن قوله تامًّا في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، حتى وإن قال بالزيادة أو النقصان، كما تقدم بيانه في أصل الخلاف في المسألة. وما يروى عن عبد الله بن المبارك أنه يقول بأن الإيمان يزيد ولا ينقص هو خلاف ما ثبت عنه، فقد روي عنه التصريح بزيادة الإيمان ونقصانه (٥)، وهو خلاف ما عرفه أهل العلم عنه، فقد ذكر الإمام أحمد ومن بعده ابن تيمية أنه يقول بالزيادة والنقصان جميعًا، وردوا على من فهم عنه خلاف ذلك (٦). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: الدليل على أن الإيمان يزيد وينقص ظاهر الآية كما ذكر السمين الحلبي، فقد جاء فيها التصريح بأن ما حصل للصحابة زادهم إيمانًا، وأثمر في قوة توكلهم على ربهم إذ قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، وقوة التوكل مبنية على زيادة الإيمان بالله.

стр. 216

وكذلك نظائر هذه الآية كما ذكر السمين الحلبي تدل على أن الإيمان يزيد وينقص، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، فالإيمان الذي زِيد هنا هو إيمان أُضيف إلى الإيمان الذي معهم، فالزيادة والإضافة هنا ظاهرة. وهذه الآيات تدل بصريحها على زيادة الإيمان، وأما نقصان الإيمان فهو مستفاد من مفهومها، إذ أن كل شيء يقبل الزيادة فإنه إذا ذهبت عنه تلك الزيادة عاد إلى النقصان، وكما جاز ذهاب أصل الإيمان بالردة أعاذنا الله منها، فجائز ذهاب تلك الزيادة التي أُضيفت إلى الإيمان، فينقص الإيمان. ومن الأحاديث الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلقًا) (١)، فحُسن الخُلق مما يتزايد به الإيمان ويتكامل، ويُفهم منه أن سوء الخُلق مما ينقص به الإيمان، وهذا هو معنى قول أهل السنة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. والأدلة على هذا القول كثيرة من الكتاب والسنة، ويكفي ما جاء التصريح به مما تقدم بيانه في هذا المقام؛ إذ استيعاب الأدلة يحتاج إلى بسط وتفصيل (٢). ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: أشار السمين الحلبي إلى دليل من قال إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وهو دليل عقلي، وذلك أنهم اعتبروا أن الإيمان هو التصديق القلبي، فإذا صحَّ التصديق ثبت الإيمان، وإن اختل التصديق ونقص لم يكن إيمانًا، بل كان شكًّا وكفرًا. والإيمان بهذا الاعتبار شيء واحد لا يقبل التجزؤ، فإن ثبت ثبت بكليِّته، وإن ذهب بعضه ذهب كله، وعلى هذا فإنه لا يقبل الزيادة، لأنه التصديق الذي لا يثبت إلا بكليته، فلا يمكن الزيادة عليه وقد ثبت جميعًا، وهو لا يقبل النقصان، لأنه لو ذهب بعضه ذهب كله، فلم يكن تصديقًا ولا إيمانًا (٣).

стр. 217

٤) أدلة القول الثالث في المسألة: ذكر السمين الحلبي دليل من قال إن الإيمان يزيد ولا ينقص بأنهم اعتبروا أن النص الوارد إنما جاء بالزيادة دون النقص، ولهذا أثبتوا الزيادة دون النقص، وهذا في الحقيقة دليل على إثبات الزيادة، وليس دليلًا على نفي النقص، ويمكن أن يقال إن دليلهم في نفي النقص هو نفس دليل أصحاب القول السابق من أن الإيمان هو التصديق القلبي الذي إذا نقص لم يكن إيمانًا، لكنهم أثبتوا الزيادة وحدها لأجل صراحة النص فيها (١). وقد استدل بعضهم على النقص بما رواه معاذ بن جبل عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الإسلام يزيد ولا ينقص) (٢). ٥) الموازنة بين الأدلة: لا شك بأن الأدلة ظاهرة في إثبات أن الإيمان يزيد وينقص، ولزيادة الإيمان أوجه متعددة ذكر بعضها السمين الحلبي، وليست محصورة في وجه معين، وهي ترجع إلى أصلين (٣): الأصل الأول: أن الإيمان يزيد وينقص من جهة أمر الرب ، وقد ذكر السمين الحلبي بعض أفراد هذا الأصل من أن بعضهم ذهب إلى أن زيادة الإيمان ونقصانه هي (من طريق نزول الفرائض والأخبار في زمن الرسول ﵇، ولا يختص هذا الأصل بما كان في زمن النبي ﵊، بل يكون فيمن بعده، فالذي يجب على العالم والمفتي والقاضي غير الذي يجب على من دونهم، فدين هؤلاء وإيمانهم غير دين أولئك، فالإيمان يتفاضل بين العباد زيادة ونقصًا من هذه الجهة. الأصل الثاني: أن الإيمان يزيد وينقص من جهة فعل العبد، فيؤمر العباد جميعًا بأمرٍ، ثم يتفاضلون في القيام به علمًا وعملًا واعتقادًا، وذكر السمين الحلبي بعض أفراد هذا الأصل من أن بعضهم ذهب إلى أن الإيمان يزيد وينقص (باعتبار الأدلة الحاصلة عند الشخص، فإذا قوي الدليل في نفس المؤمن وتظافر وتحقق زاد إيمانه، وإذا ضعُفت الأدلة أو قَلَّت نقص)، وذكر أيضًا أن بعضهم ذهب إلى (أن الزيادة والنقص في الإيمان باعتبار الطاعات والمعاصي)، وذكر أن أعمال القلوب داخلة في اسم (الطاعة).

стр. 218

ومن أخرج الأعمال عن مسمى الإيمان لم يكن قوله تامًا في المسألة، فإنه بذلك ينفي وجوهًا من أوجه زيادة الإيمان ونقصانه، وكذلك مَنْ حصر زيادة الإيمان ونقصانه في وجه معين، ومنع الأوجه الأخرى، وينتج من ذلك الغلط في تفسير الآيات والأحاديث التي تدل على زيادة الإيمان ونقصانه، فإنه يخصص الزيادة والنقصان بذلك الوجه، وقد لا يكون منطبقًا على الآية والحديث، وقد نبَّه على ذلك ابن عطية في تفسير الآية التي نحن فيها، فذكر أن قوله تعالى ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانا﴾ لا يتصور أن يكون من جهة الأدلة (١)، فلا ينبغي تخصيص الزيادة بهذا الوجه. وأما ما نقله السمين الحلبي عن الجويني في الإرشاد من أن زيادة الإيمان هي ثبوته وتواليه في نفس الرجل الصالح، ونقصانه هو عدم تواليه عند الرجل الفاسق، فهذا تأويل للزيادة والنقصان، وصرفٌ لها عن ظاهرها، وقد علل ذلك بأن الإيمان عَرَضٌ لا يَثبُت زمانين؛ فإذا كان في زمنٍ فإنه لا يبقى إلى الزمن الذي يليه إلا بتعاقبه وتواليه، فالإيمان لا يبقى في نفس المؤمن على مرِّ الزمن إلا بأن يتجدد في نفسه، فهذا التجدد والثبوت على الإيمان هو الزيادة، فإذا لم يتجدد ويتوالى في نفسه فذلك النقصان، والجواب عنه من وجهين: الأول: من جهة الزيادة، فإنه على هذا القول تكون الزيادة غير حقيقة؛ إذ ليس فيها إضافة، وإنما هي باعتبار ثبوت الإيمان وحضوره في الأزمان، وقد تقدم بيان أن الزيادة حقيقة وفيها إضافة، كما قال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُواْ إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾. الثاني: من جهة النقص، فإنه على هذا القول يكون النقص غير ظاهر، فإن الإيمان إذا لم يثبت زمانين، ولم يتجدد، فإنه يزول ولا ينقص، فكيف يعبَّر عنه بالنقصان؟! وأما مَنْ نفى أن الإيمان يزيد وينقص بسبب أنه التصديق القلبي الذي لا يقبل زيادةً ولا نقصًا، فالجواب عنه من وجهين: الأول: "أن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق، فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار والطمأنينة، وذلك لأن التصديق إنما يَعرِض للخبر فقط، فأما الأمر فليس فيه تصديق" (٢)، فحصر الإيمان بأنه مجرد التصديق غلط.

стр. 219

الثاني: "أن التصديق يقبل التفاوت بحسب مراتبه، فما المانع من تفاوته قوةً وضعفًا، كما في التصديق بطلوع الشمس، والتصديق بحدوث العالم، وقِلَّةً وكثرةً، كما في التصديق الإجمالي والتصديق التفصيلي" (١)، فالتصديق يقبل الزيادة والنقصان، وما ذكروه من أن التصديق إن اختل ونقص كان شكًّا وكفرًا فإنه مدفوع بأن مراتب اليقين متفاوتة إلى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، مع أنها لا شك معها (٢). ومما يشهد لتفاضل الناس بالتصديق وأنه يزيد وينقص ما ذكره السمين الحلبي من أن إيمان أبي بكر بلا شك ليس كإيمان أحدنا في القوة، بل هو أقوى بطِباق، وهذا مبني على أن تصديقه ﵁ أعظم من تصديق غيره، وإلا لما حاز لقب (الصِّدِّيق)، ويشهد لذلك أيضًا ما يجده الإنسان في نفسه من أنه يكون أعظم تصديقًا في بعض الأحوال من بعضها بحسب ما ظهر له من البراهين، وأن تصديقه يتزايد بتزايد البراهين وظهورها، وينقص ويضعف إن لم تتبين له تلك البراهين أو كان غافلًا عنها (٣). وليس الإيمان شيئًا واحدًا لا يتجزأ، بل قد أخبر النبي ﷺ أن (الإيمان بضع وسبعون -أو بضع وستون- شُعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) (٤)، فلو كان الإيمان شيئًا واحدًا لتساوى المؤمنون في هذه الشُّعَب (٥)، "ففي هذا الحديث دليل على أن الإيمان فيه أعلى وأدنى، وإذا كان كذلك كان قابلًا للزيادة والنقص" (٦). وهذا الحديث أيضًا يدل على أنه لا يلزم من نقص الإيمان أن يزيد الكفر المخرج من الملة، فإن المؤمن قليل الحياء ناقصٌ إيمانه ولا يخرجه ذلك من الملة، وهذ يدفع الإشكال بأنه إذا نقص الإيمان زاد الكفر، والعكس، وأنه لا يجتمع في القلب إيمانٌ وكفر (٧). ثم إنه قد يجتمع في القلب إيمانٌ وخصلةٌ من النفاق، وإيمانٌ وشُعبةٌ من الكفر، كما قال

стр. 220

صلى الله عليه وسلم: (أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) (١)، وقال ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت) (٢)؛ "أي: هاتان الخصلتان هما كفرٌ قائم بالناس، فنفسُ الخصلتين كفرٌ حيث كانتا من أعمال الكفار، وهما قائمتان بالناس، لكن ليس كل من قام به شُعبةٌ من شُعَب الكفر يصير كافرًا الكفرَ المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس كل من قام به شُعبةٌ من شعب الإيمان يصير مؤمنًا حتى يقوم به أصل الإيمان" (٣). وأما من قال بأن الإيمان يزيد ولا ينقص فقد أثبت الحجة على نفسه، فإن الزيادة تستلزم النقص كما تقدم بيانه. والاستدلال بحديث (الإسلام يزيد ولا ينقص) استدلالٌ في غير محله، والرد عليه من وجهين: الأول: من جهة الرواية، فإن فيه ضعفًا في الإسناد بسبب الانقطاع بين معاذ بن جبل ﵁ وأبي الأسود، فإن بينهما رجلًا مجهولًا لم يُسمَّ (٤). الثاني: من جهة الدراية: فإن الخبر إن صحَّ فليس تأويله في نفي أن الإيمان ينقص، فإنه خلاف ما ثبت صحيحًا من الأدلة الأخرى التي تدل على أن الإيمان يزيد وينقص، وإنما معناه أن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه (٥). ٦) النتيجة: الحقُّ الذي لا شك فيه أن الإيمان يزيد وينقص، كما دلت عليه الآية هنا وغيرها من الآيات والأحاديث. وليست هذه المسألة من المسائل التي تقبل الموازنة والترجيح عند أهل السنة، بل المقام فيها مقام إحقاق الحق والرد على الأقوال المخالفة، لكنها عند السمين الحلبي من مسائل الترجيح،

стр. 221

فإنه تابع في الاعتقاد لمذهب الأشاعرة، وأقوالهم مختلفة في هذه المسألة كما تقدم، وأما أهل السنة فقد انعقد الإجماع عندهم على أن الإيمان يزيد وينقص، وهو الذي دل عليه العقل والنقل. قال ابن بطة: "إن الله لم يُفضِّل الناس بعضهم على بعض برشاقة الأجسام، ولا بصباحة الوجه، ولا بحسن الزي وكثرة الأموال، ولو كانوا بذلك متفاضلين لما كانوا به عنده ممدوحين، لأن ذلك ليس هو بهم، ولا من فعلهم، فعلمنا أن العلو في الدرجات والتفاضل في المنازل إنما هو بفضل الإيمان وقوة اليقين، والمسابقة إليه بالأعمال الزاكية والنيات الصادقة من القلوب الطاهرة" (١).

стр. 222

المسألة الثامنة: سبب النزول في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ١٧٣ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤] • أصل الخلاف في المسألة: الخلاف مبني على تعدد الروايات في سبب نزول الآيات في قصتين مستقلتين؛ قصة غزوة حمراء الأسد، وقصة غزوة بدر الموعد (بدر الصغرى)، مع وجود التشابه بين القصتين، ووجود الاشتباه في الروايات (١)، فبعض أهل العلم رجَّح إحدى القصتين وجعل الآيات كلها في قصة غزوة حمراء الأسد، وبعض أهل العلم جعل أول الآيات في قصة غزوة حمراء الأسد، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، وجعل باقي الآيات في قصة غزوة بدر الموعد، وذلك من قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ إلى آخر الآيات، فالخلاف في هذه الآيات؛ هل هي تابعة لقصة غزوة حمراء الأسد، أو هي في قصة غزوة بدر الموعد. • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "تقدم الخلاف في المستجيبين، فقيل: هم الذين دُعوا إلى اتباع أبي سفيان ورهطه، ليروا منهم الجلد والقوة حتى بلغوا حمراء الأسد. وقيل: هم الذين استنفرهم رسول الله ﷺ لموعد أبي سفيان من قابِل، لكن الظاهر أن المراد بـ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ﴾ مَنْ خرج إلى حمراء الأسد، لقوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾. والظاهر في هؤلاء [ … ] (٢) أنهم الذين خرجوا من العام القابِل مع رسول الله صلى عليه

стр. 223

وسلم لموعد أبي سفيان، لقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآية" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: جمع السمين الحلبي بين ما ذكر في سبب نزول الآيات، فجعل قصة حمراء الأسد لقوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، وجعل قصة موعد أبي سفيان لقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾، فهو يجعل لكل آية قصة، ولا يجعل الآيتين في قصة واحدة، فهذا ما رجَّحه في سبب نزول الآيات، ويظهر ذلك من ثلاثة وجوه: الأول: لفظ الترجيح، وذلك في قوله: (لكن الظاهر أن المراد بـ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ﴾ مَنْ خرج إلى حمراء الأسد)، وقوله: (والظاهر في هؤلاء [ … ] (٢) أنهم الذين خرجوا من العام القابِل مع رسول الله صلى عليه وسلم لموعد أبي سفيان)، وهذا الاستظهار منه بعد ذكر الخلاف في المسألة والفراغ منه، فإنه قدَّم الخلاف ولم يظهر منه ترجيح (٣)، ثم عاد إلى ذكره بإيجاز عند قوله تعالى: ﴿فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ الآية، فهذا ختام قوله في المسألة. الثاني: أنه استدل لهذا القول الذي رجَّحه ولم يستدل للقول الآخر. الثالث: أنه حكى قول الزمخشري في قوله تعالى ﴿فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أن معناه: (فرجعوا من بدر)، ثم قال: "وهذا الذي ذكره مبني على ما قدَّمه من أن القصة كانت بعد أُحد بعام"، ثم حكى القصة وقال: "وهذا في غاية المناسبة والملاءمة" (٤)، وهذا يؤيد أنه يرى أن قوله تعالى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ وما بعده أنه في قصة موعد أبي سفيان.

стр. 224

• دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: كثيرٌ أهل العلم ممن تعرضوا للروايات في سبب نزول الآيات يذكرون أن الآيات في سياق واحد، وهو قصة غزوة حمراء الأسد (١)، وهو الذي اعتمدته بعض كتب أسباب النزول (٢)، وجاء الاقتصار عليه في بعض كتب السيرة، حيث ذكروا الآيات في سياق غزوة حمراء الأسد، ولم يذكروها في غزوة بدر الموعد (٣)، وبهذا جاءت الرواية عن ابن عباس وقتادة والسدي وغيرهم (٤)، وهو مقتضى ما روي عن الحسن البصري وغيره (٥). أما الآية الأولى وهي قوله ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ فقد ثبتت الرواية بها عن عائشة ﵂ أنها كانت بعد غزوة أُحد (٦)، وفي هذا إشارة إلى أنها في قصة غزوة حمراء الأسد، واضطربت الأقوال التي على خلاف ذلك (٧). وأما الآية الثانية وهي قوله ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ وما بعدها فقد جاء فيها قولٌ آخر عن بعض أهل العلم أنها في غزوة بدر الموعد (٨)، وجاءت الرواية في هذا عن مجاهد وابن جريج (٩) وعكرمة (١٠)، وستأتي الإشارة إلى ما

стр. 225

ذكره ابن عباس والسدي في معنى الفضل في قوله: ﴿فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾، ووجه دلالة ذلك على هذا القول، وجاء ذكر الآيات في سياق غزوة بد الموعد فيما رواه الزهري من المغازي (١). (٢) ٢) أدلة القول الأول في المسألة: يدل على ترجيح ما ذكره السمين الحلبي من أن الآيات هي في غزوتين دليلان: الأول: الروايات في سبب نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ وما بعده؛ قال مجاهد: "هذا أبو سفيان؛ قال لمحمد ﷺ : موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا فقال محمد ﷺ : «عسى» فانطلق رسول الله ﷺ لموعده حتى نزل بدرًا، فوافقوا السوق فيها وابتاعوا؛ فذلك قوله ﵎: ﴿فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ " (٣). الثاني: السياق، وذلك في المراد بالفضل في قوله: ﴿فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾، وروي عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم أن الفضل في الآية هو الربح في التجارة (٤)، والفضل يطلق في القرآن ويُراد به الرزق والربح، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقوله: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] (٥)، وهذا الفضل أظهر أن يكون في غزوة بدر الموعد، فإنها هي التي ذُكر فيها أنهم وافقوا السوق وابتاعوا (٦). ٣) أدلة القول الثاني في المسألة:

стр. 226

يستدل أيضًا على القول بأن الآيات كلها في غزوة حمراء الأسد بدليلين: الأول: الروايات في سبب النزول لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ وما بعده (١)؛ قال قتادة: "انطلق رسول الله ﷺ وعصابةٌ من أصحابه بعدما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أُحد خلفهم، فجعل الأعراب والناس يأتون عليهم، فيقولون لهم: هذا أبو سفيان مائلٌ عليكم بالناس، فقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ". الثاني: السياق، وذلك في قوله ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ثم قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾، فظاهرٌ أن الذين استجابوا هم أنفسهم الذين قال لهم الناس ما قالوا، وعليه فتكون الآيات نازلة في طائفةٍ واحدةٍ، وهي العصابة التي خرجت مع رسول الله ﷺ إلى غزوة حمراء الأسد، فإنها التي ذُكر فيها القرح (٢). ٤) الموازنة بين الأدلة: أما من حيث الروايات في سبب النزول فقد جاء التصريح بذكر النزول لكلا القولين، لكن الروايات التي تجعل الآيات كلها نازلة في غزوة حمراء الأسد أكثر وأشهر، فهي المقدَّمة على غيرها. ولم يروَ في وقت نزول الآيات شيء صريح، لكن روى الطبري عن ابن عباس ما يُفهم منه أن الآيات نزلت في نفس السنة من غزوة أُحد، حيث ذكر أن (وقعة أُحد كانت في شوال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وأنهم قدموا بعد وقعة أُحد)، ثم أشار إلى ما ذُكر في الآيات كلها وأخبر بالنزول (٣)، وعلى ذلك قال مقاتل

стр. 227

في تفسيره بعد أن ساق الآيات كلها: "نزلت هذه الآيات في ذي القعدة بذي الحليفة حين انصرفوا عن طلب أبي سفيان وأصحابه بعد قتال أُحد" (١). وهذا الذي ذكره مقاتل يؤيد أن الآيات كلها نزلت في شأن غزوة حمراء الأسد، وذلك لأن غزوة أُحد كانت في منتصف شوال (٢)، وخرج رسول الله ﷺ من يوم الغد إلى حمراء الأسد، فأقام فيها ثلاثة أيامٍ ثم عاد منها إلى المدينة (٣)، فيُحتمل أن تكون الآيات نزلت بعد ذلك بأيام في شهر ذي القعدة، وأما غزوة بدر الموعد فإن النبي ﷺ خرج إليها في شعبان على الصحيح من السَّنَة التي تليها (٤)، ومن القواعد في الترجيح أنه (إذا ثبت تاريخ نزول الآية أو السورة فهو مرجِّح لما وافقه من أوجه التفسير) (٥). وأما الفضل في قوله تعالى: ﴿فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾، فالأنسب له أن يكون عامًّا من غير تخصيص، وذلك لأنه نكرة في سياق الامتنان، والنكرات في سياق الامتنان تعُم؛ ذكره السمين الحلبي (٦). وأما ما ذكر من أن الفضل هو الربح في التجارة فقد اختلفت الروايات في تحديد وجه ذلك الربح وليست تتعين أن يكون الربح من غزوة بدر الموعد (٧)، وباعتبار ما ذكره ابن عباس من أن التجار كانوا يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، فإن الأقرب أن كان الربح في سوق بدر أن يكون بعد غزوة حمراء الأسد، فإنها قبله بأيامٍ من شهر شوال، بخلاف غزوة بدر الموعد التي قبله بشهرين أو أكثر. وسياق الآيات من أولها ظاهرٌ أنه في غزوة حمراء الأسد كما ذكر السمين الحلبي، وذلك لأجل ما فيها من الإشارة إلى الإصابة بالجراح في قوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾،

стр. 228

فهذه الآية في الغزوة التي تلي غزوة أُحد التي أصيب فيها المسلمون، وهي غزوة حمراء الأسد. والاسم الموصول في قوله ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وقوله ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ هما لطائفة واحدة هم الذين خرجوا إلى حمراء الأسد، ويبعد أن يكون الأول للذين خرجوا لحمراء الأسد، ويكون الثاني للذين خرجوا لغزوة بدر الموعد؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل على أن الثاني غير الأول، وليس في الواقع ما يدل على أن الخارجين لحمراء الأسد هم أنفسهم الذين خرجوا إلى بدر الموعد، بل الواقع على خلاف ذلك فإن الرسول ﷺ قال في غزوة حمراء الأسد: (لا يخرج معنا أحدٌ إلا من حضر يومنا بالأمس) (١)، ولم يُذكر مثل هذا في غزوة بدر الموعد. ٥) النتيجة: يترجَّح أن الآيات كلها نزلت لغزوة حمراء الأسد، لأن الروايات لهذا القول أكثر وأشهر، ولئن السياق من أوله ثابت في غزوة حمراء الأسد، فأولى أن يلحق به ما بقي مع إمكان صحته عليه، ولا موجب لصرفه إلى قصة أخرى مشابهة مع إهمال القصة التي ثبت لها أول السياق. وليست المسألة هنا مما يمكن أن يُجمع فيها بين الروايات ويُقال فيها بالأمرين، فإن ذلك ما يخل بالسياق، لأن السياق ظاهر في أنه في طائفة واحدة، وليس فيه العطف على طائفة أخرى، والله أعلم.

стр. 229

المسألة التاسعة: إعراب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] • أصل الخلاف في المسألة: في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ يأتي سؤال؛ هل الشيطان يُوقع الخوف في أوليائه؟ وإذا كان لا يوقع الخوف في أوليائه، فما وجه النصب في قوله ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "والتضعيف في ﴿يُخَوِّفُ﴾ للتعدية، لأنه قبل التضعيف مُتعَدٍ لواحدٍ، فلما ضُعِّف تعدَّى لاثنين، وهذا القول من باب (أعطى) في كونه يجوز حذف مفعوليه اقتصارًا واختصارًا، أو حذف أحدهما؛ الأول أو الثاني، والآية محتملة لكل ذلك: فيجوز أن يكون المفعولان محذوفين، وإلى هذا ذهب بعض المُعرِبين، وعلى هذا فيكون ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ على حذف حرف الخفض، والتقدير: يخوفكم الشرَّ بأوليائه، فتكون الباء للاستعانة ومجرورها كالآلة، في نحو: كتبت بالقلم. وهذا بعيد، ويكون الأولياء هم الكفار؛ أبو سفيان ورهطه، وقد يتقوى هذا بقراءة من قرأ (بأوليائه)، كما سيأتي إن شاء الله. الثاني: أن المفعول الأول محذوف، و ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ هو الثاني، وإليه ذهب الزمخشري، ولم يذكر غيره: «والتقدير: يخوفكم أولياءه الذين هم أبو سفيان وأصحابه، ويدل عليه قراءة ابن مسعود وابن عباس: (يخوفكم أولياءه)، وقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾» (١) انتهى. يعني أنه يدل على ذلك هذه القراءة للتصريح فيها بالمُقدَّر، ويدل عليه أيضًا قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾؛ أي:

стр. 230

فلا تخافوا أولياء الشيطان. وهذا وجه حسن. الثالث: أن المحذوف هو المفعول الثاني، تقديره: يخوِّف أولياءه الشر، ويكون المراد بأوليائه: المنافقين ومن في قلبهم مرض ونفاق ممن لم يخرج مع رسول الله ﷺ ؛ أي إنه لا يتعدَّى تخويف المنافقين ولا يصل إليكم تخويفه" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي القول الثاني في مفعولي ﴿يُخَوِّفُ﴾ بأن المفعول الأول محذوف، وأن المفعول الثاني هو قوله: ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾، ويظهر هذا الترجيح من ثلاثة وجوه: الأول: لفظ الترجيح، وذلك في قوله: (وهذا وجه حسن)، فلم يستحسن من الأقوال الثلاثة إلا هذا القول. الثاني: أنه نقل استدلال الزمخشري لهذا القول بقراءة ابن مسعود وابن عباس وبلفظ الآية، ولم يستدل للأقوال الأخرى، بل استبعد القول الأول بعد أن جوَّزه، ثم أثبت أنه قد يتقوى، فغاية ما فيه أنه يعود إلى التجويز بعد استبعاده له، فيكون جائزًا، والقول الثاني حسنٌ قد استدل له، فهو الراجح عنده. الثالث: أنه ارتضى هذا القول ووجهه بعد ذكر المسألة، فإنه ذكر الخلاف في مرجع الضمير في قوله ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾، فذكر قول الزمخشري الذي يتناسب مع القول الثاني في المسألة هنا، ثم ذكر قولًا يتناسب مع القول الثالث في المسألة، ثم قال: (غيرَ أنَّ الذي قاله الزمخشري أظهر، ولا بد من حذف مضاف في هذا الوجه وما شاكله؛ أي: يخوِّفكم شرَّ أوليائه، لأن الذوات من حيث هي لا يُخاف منها) (٢)، فرجَّح القول الذي يتناسب مع القول الثاني ثم ذكر التوجيه لهذا القول والحل فيما قد يشكل عليه.

стр. 231

• دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: جمهور أهل العلم هم بين القول الأول والثاني على أن المراد بالأولياء في الآية هم أبو سفيان ورهطه (١)، ولم يرجِّح القول الثالث إلا القليل من أهل العلم (٢)، وروي عن الحسن والسدي (٣)، والذي يظهر أنهما لم يقصدا بيان المفعول في الآية، وإنما ذكرا المنافقين لبيان أنهم بخلاف المؤمنين الذين أمرهم الله بقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، وهذا ظاهرٌ في قول الحسن البصري، فإنه سُئل عن آخر الآية ولم يُسأل عن أولها. وقد صرَّح كثيرٌ من المتقدمين من أهل اللغة بوجود حرف الجر المقدَّر في الآية، وأن التقدير: يخوِّفكم بأوليائه، أو يخوِّفكم من أوليائه (٤)، وهو الظاهر مما روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة، حيث ذكروا حرف الجر في تفسيرهم للآية (٥). وأما القول الثاني فأكثر ما جاء ترجيحه عن المتأخرين (٦)، وهو ظاهرُ ما روي عن إبراهيم النخعي (٧). والمسألة في أصلها منقولة عن أبي حيان (٨)، فأعاد السمين الحلبي ترتيب المسألة وبناها على أن جميع الأقوال تجعل تعدِّي الفعل إلى المفعول الثاني بسبب التشديد في الفعل (يخوِّف)، وليس الأمر كذلك مع أصحاب القول الأول، فإنهم جعلوا التعدِّي بسبب حرف الجر المقدَّر

стр. 232

كما يظهر من أقوالهم واستدلالهم، وإن كان بعضهم لا يخالف في مسألة تشديد الفعل، لكن اختار حرف الجر المقدَّر لمزيد البيان في التقدير (١). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: يستدل للقول بأن التقدير في الآية (إنما ذلكم الشيطان يخوِّفكم بأوليائه) بثلاثة أدلة: الأول: ما روي من القراءة في ذلك، كما أشار إليه السمين الحلبي، حيث روي عن أُبي بن كعب ﵁ أنه قرأ: (يخوفكم بأوليائه) (٢)، فهذه القراءة توافق التقدير المذكور في هذا القول. الثاني: أن هذا الأسلوب معروفٌ في اللغة بتعدية الفعل إلى المفعول بحرف الجر المقدَّر، كما أن هذا التقدير الموفق لما جاء مُظهَرًا في الآيات الأخرى مع الفعل (يخوِّف) حيث ذُكر حرف الجر (الباء) مع هذا الفعل، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: ١٦]، وقوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦]، فهذا الحرف المُظهَر في الآيتين بمنزلة الحرف المقدَّر في قولهم: يخوِّفكم بأوليائه (٣). الثالث: السياق، وهو دليل مشترك بين القول الأول والثاني، وسيأتي بيانه. ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: استدل السمين الحلبي أن التقدير في الآية (إنما ذلكم الشيطان يخوِّفكم أولياءه) بدليلين: الأول: ما روي من القراءة في ذلك، حيث جاء في قراءة عبد الله بن مسعود وابن عباس: (يخوفكم أولياءه) (٤)، فهذه القراءة توافق التقدير المذكور في هذا القول. الثاني: السياق، وذلك في قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾، فالضمير هنا يرجع إلى الأولياء الذين يخوِّف بهم الشيطان، وهم أبو سفيان ورهطه، وهذا الدليل مشترك بين القول الأول والثاني؛ إذ

стр. 233

المراد بالأولياء في القولين واحد (١). ٤) أدلة القول الثالث في المسألة: يستدل للقول بأن المراد في الآية أن الشيطان يخوِّف أولياءه المنافقين من شر الكافرين بدليلين: الأول: أن هذا هو الظاهر من قوله: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أن يكون المذكور في الآية هو المفعول الأول، ويكون المحذوف هو المفعول الثاني (٢)، فهو المتبادر إلى الذهن عند الحذف مع الفعل (يخوِّف)، لأنك إذا قلت (خوَّفت زيدًا) فالمتبادر إلى الذهن أن (زيد) هو المفعول الأول، وأما المفعول الثاني فهو الذي يستغنى عن ذكره، لأنه معلومٌ أنك خوَّفته شيئا حقه أن يُخاف منه (٣). الثاني: السياق، وذلك أن الله ذكر أن المؤمنين لم يخافوا مما قيل لهم، بل ازدادوا إيمانًا، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ولكن المنافقين هم الذين أوقع الشيطان الخوف في قلوبهم (٤)، وذلك أن له سلطانًا عليهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]، فذكر أن سلطانه على أوليائه الذين يتولونه (٥). ٥) الموازنة بين الأدلة: الذي يظهر في سياق الآيات أنه لم يرِد ذكرٌ للمنافقين حتى يقال بأن الشيطان يخوِّف أولياءه المنافقين، وأيضًا فإنه قد تقدَّم في المسألة السابقة أن سياق الآيات هو في غزوة حمراء الأسد، وأن تخويف الشيطان حصل فيها، ولم يخرج المنافقون إلى غزوة حمراء الأسد، لأن

стр. 234

الرسول ﷺ قال فيها: (لا يخرج معنا أحدٌ إلا من حضر يومنا بالأمس)؛ يعني من حضر غزوة أُحد، والمنافقون لم يحضروها، بل ذُكر أن رأس المنافقين عبد الله بن أُبي طلب من النبي ﷺ أن يخرج معه إلى حمراء الأسد فرفض النبي ﷺ (١) وهذا دليل من حيث الواقع أن المنافقين ليس لهم شأن في هذه الآيات (٢). وإنما يأتي احتمال ذكر المنافقين مع قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، بأن من كان مؤمنًا فإنه يخاف الله وحده، ومن كان منافقًا فإنه يخاف منهم. وإن كان الظاهر من قوله ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أنه يُوقع الخوف في أولياءه، لكن هذا لا يتناسب مع الواقع الذي نزلت فيه الآيات، وكذلك إن قيل أن الأحسن مع فعل التخويف هو أن يُحذف المفعول الثاني لا الأول، فإن هذا غير مناسب أيضًا، لأنه معلومٌ أن الشيطان يخوِّف الناس كلهم ولا يقتصر تخويفه على أولياءه كما يفهم من أداة القصر في الآية، فإنه يخوِّف المؤمنين أيضًا، كما قال الله في خطابه للمؤمنين: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، فإذا كان تخويفه مطلقًا على كل الناس فإن الأنسب أن يذكر المفعول الثاني وهو الأمر الذي يخوِّف الشيطان به، ويحذف المفعول الأول لأنه غير مقصود (٣). وأما الاستدلال بسياق الآيات على أن المؤمنين لم يخافوا وإنما ازدادوا إيمانًا فغير ظاهر لأنه لا يلزم من تخويف الشيطان للمؤمنين أنهم جبنوا وخافوا، وبمثل هذا يجاب عن قوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾، بأن الآية هنا لا تحكي تخويفًا وتسلطًا قد فاز به الشيطان، وإنما تذكر عادة الشيطان أنه يخوف المؤمنين من أوليائه، وأن المؤمنين الذين نزلت فيهم الآية لم يخافوا مما خوَّفهم به. وأيضًا فإن الظاهر في قوله تعالى ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ أنه خطابٌ للمؤمنين وإرشادٌ لهم،

стр. 235

ويبعُد أن يكون إرشادًا للمنافقين، وأن الضمير فيه يرجع إلى الأولياء، فإن كان المراد بالأولياء المنافقين، فلا مناسبة تظهر مع الآيات، بأن الشيطان يخوِّف المنافقين من شر الكافرين، فلا تخافوا أيها المؤمنون من المنافقين، وإنما المناسب أن يرجع الضمير إلى المحدَّث عنه في الآيات وهم الكافرون، ويكون راجعًا إلى أقرب مذكور وهم الأولياء، فيكون الأولياء هم الكافرون (١)، وهذا هو الموافق لقاعدتين في الترجيح: أن إعادة الضمير إلى المحدَّث عنه أولى من إعادته لغيره، وأن إعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى من إعادته إلى بعيد (٢). إذا تبيَّن هذا، فإن الاستدلال بقوله تعالى ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ هو الرابط المشترك بين القول الأول والثاني، وذلك لما بينهما من التشابه، فبينهما اتفاق في المعنى في أن الشيطان لا يُوقع الخوف في أوليائه، وإنما يخوِّف المؤمنين بهم، وبينهما اتفاق في أن المراد بالأولياء أبو سفيان ومن معه، وأن قوله ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ هو المفعول الثاني للفعل ﴿يُخَوِّفُ﴾، وإنما افترقوا في سبب تعدي الفعل إلى المفعول الثاني، فأصحاب القول الأول جعلوه يتعدى إليه بسبب نزع الخافض، وأصحاب القول الثاني جعلوا الفعل يتعدى بنفسه إلى المفعول الثاني بسبب التشديد الذي في الفعل، وإن كان الأسهل في التقدير أن يتعدَّى الفعل بنفسه من غير الحاجة إلى حرف الجر، كما قال ابن الأنباري: "فهذا أشبه من ادعاء (باءٍ) ما عليها دليل، ولا تدعو إليها ضرورة" (٣)، وربما يقوِّي هذا ما جاء في القاعدة الترجيحية: (إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته كان الحمل على قلته أولى) (٤). وأما الاستشهاد بقراءة ابن مسعود وابن عباس: (يخوِّفكم أولياءه)، فإنه يوازي الاستشهاد بقراءة أُبي بن كعب: (يخوِّفكم بأوليائه)، وإذا اعتبرنا بتفسير ابن عباس للآية فإنه فسَّرها بقوله: "الشيطان يخوِّف المؤمنين بأوليائه"، بما يوافق القول الأول، وكذلك غيره من السلف ذكروا حرف الجر في تفسيرهم للآية كما تقدَّم، لكن الذي يظهر أنه يُتوسَّع في التفسير ما لا يُتوسَّع في التقدير، لأن التقدير هنا يراد منه بيان الوظيفة، وهي التعدِّي، فيُذكر أقل ما يتضح به التعدِّي، وأما التفسير فيراد منه بيان المعنى، فيُتوسَّع في التفصيل فيه.

стр. 236

وقد يشهد للتقدير المذكور في القول الأول ما جاء مُظهَرًا في القرآن مع الفعل (يخوِّف)، فإنه جاء معه حرف الجر، كما تقدَّم بيانه، والقاعدة الترجيحية تقول: (تقديرُ ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كل تقدير)، وهذه القاعدة من أولى القواعد التي ينبغي مراعاتها في تقدير الآيات (١). ٦) النتيجة: الراجح أن المراد بالأولياء في الآية هم أبو سفيان ورهطه، وعلى هذا المعنى جمهور المفسرين. وأما تقدير الآية، فلعل الأقرب هو التقدير الذي فيه حرف الجر: إنما ذلكم الشيطان يخوِّفكم بأوليائه، لأنه الموافق لما جاء مُظهَرًا في الآيات الأخرى نحو هذه الآية، وبهذه الموافقة فإنه لا يُستشكل عليه بأن التقدير في القول الثاني أقل منه، لأن مستند هذا القول أقوى، فالتقدير الموافق لكلام الله خيرٌ مما سواه، والله أعلم.

стр. 237

المبحث الخامس: ترجيحات السمين الحلبي من آية (١٧٦) إلى آية (١٨٩) وفيه ست مسائل المسألة الأولى: الحكمة من النهي في قول الله تعالى ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦] • أصل الخلاف في المسألة: قال الزمخشري: "إن قلت: فما معنى قوله: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ﴾، ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتد؟ قلت: معناه: لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئا﴾ " (١). وأجاب آخرون بأن النبي ﷺ كان يُفرِط في الحزن على كفر قومه، فنهي عن ذلك، كما في قوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨] (٢). • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀ في بداية الآية: "وجه مناسبتها لما تقدَّمها أن يقال: لما نهى المؤمنين عن خوف الكفار وأمرهم بخوفه خاصة عقَّب ذلك بنهيه لرسوله ﵇ بأن لا يحزنه أمرهم ولا يهتم بشأنهم، فإن ما يكيدون به راجعٌ عليهم لا يتعداهم. ومعناه: لا تتوقع خيرًا ولا ضررًا منهم، ولذلك علل بقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئا﴾ … وقيل: معناه: لا تهتم بعدم إيمان من لم يؤمن من قومك، فإن ذلك ليس إليك، فهي

стр. 238

كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُواْ﴾ [الكهف: ٦]، ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. غير أن هذا التفسير لا يلائمه قوله بعد ذلك ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئا﴾ كل الملاءمة" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي القول الأول بأن المراد من الآية ألا يحزنه أمر الكافرين به وألا يخاف منهم إيقاع الضر بالإسلام وأهله، ويظهر هذا الترجيح من وجهين: الأول: أنه قدَّم هذا القول وأخذ به على أنه تفسير الآية والمنسجم مع مناسبتها لما قبلها، ثم ذكر القول الآخر بعد ذلك. الثاني: أنه تعقب القول الآخر بأنه لا يتلاءم مع بقية الآية، ولم يتعقب القول الأول بشيء. • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: تباينت أقوال المفسرين في المسألة بين القول الأول والثاني، وقليلٌ منهم من تعرَّض للقولين جميعًا ورجَّح أحدهما، وأول من ذكر المسألة الماتريدي في تفسيره، ولم يرجِّح أحد القولين (٢). وجاء عن الزمخشري ما يفيد ترجيحه للقول الأول، وتبعه على ذلك عددٌ من المفسرين (٣). وجاء عن آخرين من المفسرين ما يفيد أنهم يرجحون القول الثاني (٤).

стр. 239

وذكر الآلوسي أن بعضهم حاول الجمع بين القولين، واستبعد ما ذكره (١). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: ذكر السمين الحلبي دليل القول بأن المراد تسكين نفس النبي ﷺ عن القلق بشأن الكافرين وخطرهم أن هذا هو المتلائم مع السياق، وذلك من وجهين: الأول: مناسبة الآية لما قبلها، فإن جو السورة هو في نصرة الإسلام وعزته، وأن الله ناصر أوليائه على أهل الكفر، فأنسب أن تكون الآية من هذا الجانب، وأما المعنى الآخر فإنه مرتبط بالدعوة وما يتعلق بها. الثاني: في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئا﴾، فالجملة فيها تعليل النهي عن الحزن، وذلك بنفي حصول الضرر منهم، فدل على أن الحزن بسبب توقع الضرر، ولأن من يرغب في الكفر سريعًا غرضه مراغمة المؤمنين وإيصال المضرة إليهم (٢). ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: يمكن أن يستدل للقول بأن المراد تسلية النبي ﷺ عن إعراض قومه عن الإيمان مع حرصه ﷺ على دعوتهم أن هذا ما دلت عليه الآيات الأخرى بأن حكمة النهي عن الحزن هي تسلية قلب النبي ﷺ ، وردُّ الأمر إلى الله، وذلك في قوله تعالى في الآية الأخرى مثل هذه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ ثم ذكر أعمالهم، ثم قال: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]؛ أي إن المراد تسلية النبي وأن ذلك ليس إليه، وإنما أمره إلى الله، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣]. وهذه التسلية جاءت كثيرًا في القرآن كما أشار السمين الحلبي إلى بعض الآيات في ذلك، كقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، فأولى أن تُلحق الآية هنا بتلك الآيات. ٤) الموازنة بين الأدلة: أما من حاول الجمع بين القولين، فإنه جعل قوله تعالى ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئا﴾

стр. 240

تعليلًا للقول الأول، وجعل قوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْأخِرَةِ﴾ تعليلًا للقول الثاني، وهذا غير ظاهر، فإن الجملتين متصلتين في التعليل لعلةٍ واحدة، ثم إن الجملة الثانية لا يناسب أن تكون تعليلًا للقول الثاني، فإنه إن كان حزن النبي ﷺ لأجل إعراض قومه، فالمناسب له -كما في الآيات الأخرى- ردُّ أمر الهداية إلى الله، بخلاف الإخبار بحرمانهم من حظ الآخرة، فإن هذا مما يزيد من ذلك الحزن. وأما الاستشهاد بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، وقوله: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ﴾، ونحو هذه الآيات التي ذُكر فيها حزن النبي ﷺ لأجل إعراض قومه، فإنه قد ذُكر في هذه الآيات ما يسلي النبي ﷺ من ردِّ الأمر إلى الله، وأما هذه الآية فقد جاء فيها التعقيب بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئا﴾، وهذا مما يُشكل على القول الثاني؛ إذ لا يظهر أنه يتلاءم مع معنى التسلية كما أشار إليه السمين الحلبي، بل الأقرب أنه من باب تطمين النبي ﷺ مما يحذره، ولذلك جاء بصيغة المضارع إشارة للمستقبل، ولم يكن بصيغة المضي. وأما القول الأول فإنه قد يُشكل عليه أن الحكمة المذكورة فيه هي تطمين النبي ﷺ مما يخاف منه ويحذر، وكذلك التعليل الذي جاء في الآية: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئا﴾؛ إن كان المراد منه التطمين من الخوف، فالأنسب أن يكون النهي في الآية عن الخوف لا عن الحزن، فالقول الأول وما ذُكر فيه هو ألصق بالخوف من الحزن، والنهي في الآية إنما جاء عن الحزن. ويمكن أن يجاب عنه بأن الحزن إما أن يكون من فوات أمرٍ محبوب أو حصول أمرٍ مكروه، والحزن الذي في الآية إنما هو بسبب حصول المكروه (١)، وذلك بتزايد الشر بمسارعة الذين يسارعون في الكفر، فجاء التطمين من الله تعالى بأن هذا المكروه الذي هو سبب الحزن لن يضر الله شيئا، وفي هذا تهوينٌ من خطره.

стр. 241

وجاء تأكيد هذا التطمين في الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئا﴾ [آل عمران: ١٧٧]، فهذه الآية تأكيدٌ للآية التي قبلها، وذلك أن الذي اشترى الكفر راغبًا به مِثلُه مثل الذي يسارع في الكفر رغبةً به، وجاء التعقيب في الآيتين بأن من يفعل ذلك فلن يضر الله شيئا (١). وجاء أيضًا في آية أخرى نحو هذا الأسلوب من النهي عن الحزن ثم ذكر ما يطمِّن النبي ﷺ ، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥]. ٥) النتيجة: الراجح أن الحكمة من النهي عن الحزن في الآية هي تطمين قلب النبي ﷺ بتهوين خطر الذين يسارعون في الكفر، فهذا هو المتلائم مع قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئا﴾، وهو المتلائم مع سياق الآيات وسردها لأحداث غزوة أُحد وما فيها من الحديث عن نصر الله لأوليائه وتطمينهم بأنه لن يلحقهم ضرر وإن حصل من أهل الكفر ما حصل (٢). وأما القول الآخر بأن النبي ﷺ كان يحزن بشدة على كفر قومه، فجاءت هذه الآيات تسلية له، فلا يظهر أنه المراد هنا، وهذا المعنى أنسب أن يكون مع الآيات المكية التي حصل فيها ذلك للنبي ﷺ ، بخلاف هذه الآيات التي في سياق غزوة أُحد، والله أعلم.

стр. 242

المسألة الثانية: الذين نزل فيهم قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ • أصل الخلاف في المسألة: هل ثبت أن الآية نزلت في أُناس معينين؟ وهل يمكن قياس هذه الآية بالآية المشابهة لها من سورة المائدة وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١]، فيقال إن الذين نزلت فيهم هذه الآية من سورة المائدة هم أنفسهم الذين نزلت فيهم هذه الآية هنا؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "واختلفوا في سبب النزول: فقيل: هم المنافقون الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام فيؤذون المؤمنين بإفشاء أسرارهم إلى أعدائهم والطعن عليهم. وقيل: هم كفار قريش الذين واعدوه أنها معركة من قابل؛ أعلمه الله أن كيدهم مضمحل، وتدبيرهم فاسد. وقيل: هم رؤساء اليهود. والأولى حملُ ذلك على التمثيل، لأن المقصود العموم، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ … وقيل: نزلت في قومٍ ارتدوا عن الإسلام" (١).

стр. 243

• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن الآية عامة في كل من يشملهم الوصف المذكور فيها من المسارعة في الكفر من المنافقين أو المشركين أو اليهود أو المرتدين، وأن الأقوال المذكورة في الآية إنها في أُناسٍ معينين إنما هي من باب التمثيل، ويظهر هذا الترجيح من وجهين: الأول: لفظ الترجيح، وذلك في قوله: (والأولى حملُ ذلك على التمثيل). الثاني: أنه استشهد لهذا القول بالآية الأخرى ولم يستشهد لغيره من الأقوال. • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: أختار القفال أن المراد بالآية العموم في جميع أصناف الكفار (١)، ولم أقف على من حدد أن المراد بالآية فئة معينة من الكفار دون غيرهم، لكن ذكر بعضهم في ذلك أقوالًا، وأشار بعضهم إشارات في ذكر بعض أصناف الكافرين، ويمكن حملها على التمثيل كما ذكر السمين الحلبي. فذكر بعض المفسرين أن المراد بالآية المنافقين (٢). وروي هذا عن مجاهد والحسن البصري (٣). وروي عنهما أيضًا وعن الضحاك أن المراد بالآية الكفار (٤)، وإلى هذا أشار بعض المفسرين (٥). وحكي عن ابن عباس أنهم قريظة والنضير (٦)، وذكر الكلبي أنهم المنافقون ورؤساء اليهود (٧). واختار القاضي أبو بكر الباقلاني أنهم قومٌ آمنوا ثم ارتدوا (٨).

стр. 244

وأما ما ذُكر في سبب النزول من الأقوال على اختلافها في تعيين مَنْ نزلت فيهم الآية، فلم أقف على رواية مسندة في سبب نزول هذه الآية سوى ما ذُكر من رواية الشعبي تفيد أن الآية نزلت في اليهود، والذي يظهر أن هذه الرواية، وبعض الأقوال الأخرى المذكورة هنا هي في الآية التي في سورة المائدة، وليست في هذه الآية، حيث ذُكرت رواية الشعبي هنالك (١)، وذُكر في الروايات أيضًا أن تلك الآية في اليهود من قريظة والنضير وأنها في المنافقين (٢). ومن المفسرين مَنْ يحمل الآية هنا على الآية التي في سورة المائدة كما سيأتي بيانه، فيشبه أن يكون بعض المفسرين نقل الأقوال التي هنالك هنا، أو أنه لأجل تشابه مطلع الآيتين حصل اللبس، والله أعلم. ٢) أدلة القول الذي رجَّحه السمين الحلبي: استدل السمين الحلبي على عموم الآية بأمرين: الأول: المقصود من الآية، فذكر أن المقصود العموم، ووجه ذلك أن اللفظ عام وليس فيه ما يدل على التخصيص، والآية جاءت لتطمين النبي ﷺ ، فالمناسب فيها العموم في كل الكافرين الذين يسارعون في الكفر، من المنافقين أو المشركين أو اليهود أو المرتدين، فجميع هؤلاء لن يضروا الله شيئا، وجميعهم لا حظ لهم في الآخرة، نسأل الله العافية. لثاني: قياس الآية هنا على الآية التي في سورة المائدة، ووجه ذلك أن الآية التي في سورة المائدة جاء فيها ذكر أكثر من صنف من أصناف الكافرين، وذلك في قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾، وهذا إشارة على العموم، فكما أن حزنه ﷺ كان حاصلًا من كل هؤلاء الكفار المذكورين، فكذلك حزنه في الآية هو على العموم (٣). ٣) أدلة الأقوال الأخرى في المسألة: يُستدل على الأقوال الأخرى في المسألة بدليلين:

стр. 245

الأول: حمل الآية هنا على الآية التي في سورة المائدة أيضًا، وذلك في قول من يقول إن الآية هنا في المنافقين وفي اليهود، فيستشهدون بقوله تعالى في سورة المائدة ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ على إرادة المنافقين، ويستشهدون بقوله تعالى ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾ على إرادة اليهود، فيقولون إن الآية هنا في المنافقين واليهود (١). الثاني: ما ذُكر في سبب نزول هذه الآية، وذلك في الأقوال الآتية (٢): - ذكر ابن أبي حاتم في هذه الآية روايةً عن الشعبي تقتضي أن الآية نزلت في اليهود؛ قال الشعبي: كان رجل من اليهود قتل رجلًا من أهل بيته، فقالوا لحلفائه من المسلمين: سلوا محمدًا، فإن كان يقضي بالدية اختصمنا إليه، وإن كان يأمر بالقتل لم نأته. - وقال الكلبي: يعني به المنافقين ورؤساء اليهود؛ كتموا صفة محمد ﷺ في الكتاب فنزل: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾. - ويقال: إن أهل الكتاب لمَّا لم يؤمنوا شقَّ ذلك على رسول الله ﷺ ، لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون إنهم أهل الكتاب، فلو كان قوله حقًّا لا تبعوه، فنزلت هذه الآية. - ويقال: نزلت في مشركي قريش، لأنهم كانوا أقرباءه، والناس يقولون: لو كان قوله حقًّا لا تبعه أقرباؤه، فشق ذلك عليه فنزلت الآية. - ويقال: إن هؤلاء قومٌ أسلموا ثم ارتدوا خوفًا من المشركين، فاغتمَّ النبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾. ٤) الموازنة بين الأدلة: الذي يظهر أنه لا يستقيم قياس الآية هنا على الآية التي في سورة المائدة على القول بعموم الآية هنا، فإنه ثبت في تلك الآية سببٌ للنزول فليست مما يُستشهد به للعموم، ثم إن في لفظها ما يدل على التخصيص في اليهود والمنافقين كما تقدم.

стр. 246

ولا يستقيم أيضًا قياس الآية هنا على الآية التي في سورة المائدة على القول بأن الآية هنا في اليهود والمنافقين، فلا يظهر أن سبب النزول مما يصح القياس فيه، خصوصًا مع اختلاف السياق هنا عن السياق هناك، فالسياق هنا في غزوة أُحد كما تقدم بيانه في المسألة السابقة. وإذا لم يثبت سببُ نزولٍ لهذه الآية وليس في لفظها ما يُلزم التخصيص فإن الأولى حملها على العموم، وتُحمل الأقوال الأخرى على أنها من باب التمثيل كما ذكر السمين الحلبي. ومما يدل على أن الأقوال المذكورة هي من قبيل التمثيل أنه قد جاءت الروايات عن المفسرين من التابعين في سياق كلامهم في الآية بالقول بأكثر من قول، مما يدل على أنه مرةً ينبه على هذا الصنف من الكافرين، ومرةً ينبه على الصنف الآخر، وأن ذلك كله من باب التمثيل. وقد ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني بعض الأوجه التي تشير إلى أن الآية نزلت في قومٌ آمنوا ثم ارتدوا، لكن تلك الأوجه ليست صريحة ويمكن الإجابة عنها، وهي ثلاثة أوجه (١): الوجه الأول: (أن المستمر على الكفر لا يُوصف بأنه يسارع في الكفر، وإنما يوصف بذلك من يكفر بعد الإيمان). ويمكن الجواب عنه بأن هذا القول مبنيٌ على أن المراد من قوله ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: يقعون في الكفر، لأن المسارعة تتعدى بـ (إلى) فلما جاءت التعدية بـ (في) ضُمِّن الفعل معنى الدخول في الشيء والوقوع فيه، وهذا المعنى لا يتعين؛ إذ يمكن حمل معنى المسارعة في الآية على أن الكافر واقع في الكفر لكنه يسارع فيه بالازدياد منه والعجلة في مواقعته (٢)، ومما يشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ﴾ الآية [المائدة: ٦٢]، فليس المعنى أنهم لم يكونوا في الإثم، وكذلك قوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠، والمؤمنون: ٦١]، فليس المعنى أنهم ليسوا في أعمال الخير. الوجه الثاني: (أن إرادته تعالى ألا يجعل لهم حظًّا في الآخرة لا يليق إلا بمن قد آمن، فاستوجب ذلك، ثم أُحبِط). ويمكن الجواب عنه بأن المراد حرمانهم من الوصول إلى حظهم في الآخرة لا قطعهم عنه بعد

стр. 247

استيجابهم له، وقد جاء مثل هذا المعنى في الحرمان في الحديث الصحيح: (لا يدخل النار أحدٌ إلا أُري مقعده من الجنة لو أحسن، ليكون عليه حسرة) (١)، وهذا الحديث أهل النار كلهم، وليس خاصًّا بالمرتدين. الوجه الثالث: (أن الحزن إنما يكون على فوات أمرٍ مقصود، فلما قَدَّر النبي ﷺ الانتفاعَ بإيمانهم ثم كفروا حزن ﷺ عند ذلك لفوات التكثير بهم، فآمنه الله من ذلك وعرَّفه أن وجود إيمانهم كعدمه، في أن أحواله لا تتغير). ويمكن الجواب عنه بما تقدَّم في المسألة السابقة من أن الحزن إما أن يكون من فوات أمرٍ محبوب أو حصول أمرٍ مكروه، والحزن الذي في الآية إنما هو بسبب حصول المكروه، كما تقدَّم. ٥) النتيجة: الراجح أن الآية عامة ولم تنزل في فئة معينة من الكافرين فيما يظهر والله أعلم، لأنه لم يثبت سبب نزول خاص في الآية، وليس في الروايات ما يثبت أنها نزلت في فئة معينة دون غيرها، فالأولى حملها على العموم، خصوصًا وأن هذا هو المتلائم من لفظ الآية ومقصدها، فإنها في تطيمن النبي ﷺ ، والمناسب في التطمين أن يكون عامًّا، ولفظ الآية يساعد على ذلك؛ إذ ينطبق لفظها على عموم الكافرين.

стр. 248

المسألة الثالثة: المراد بالذين كفروا في قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ﴾ قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] • أصل الخلاف في المسألة: الخلاف في هذه المسألة من جنس الخلاف في المسألة السابقة، وبعضه فرعٌ عنها، فكما قيل في الآية السابقة أنها نزلت في قريظة والنضير قيل في هذه الآية كذلك، وقيل بأقوالٍ أخرى غير ما تقدم. • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "وقد اختلف المفسرون في ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ هنا؛ هل المراد بهم كل كافرٍ أم طائفة مخصوصة؟ فذهب بعضهم إلى العموم، وهو ظاهر الآية؛ قال ابن عطية: «معنى هذه الآية: الردُّ على الكفار في قولهم: إن كوننا ظاهرين مُمَوَّلين أصِحَّةً دليلٌ على رضى الله بحالنا واستقامةِ طريقتنا عنده، فأخبر الله أن ذلك التأخير والإمهال إنما هو إملاء واستدراج ليكتسبوا الآثام، وقال عبد الله بن مسعود: ما من نفس برَّةٍ ولا فاجرة إلا والموت خيرٌ لها، أما البرة فلِتُسرع إلى رحمة الله، وقرأ: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، وأما الفاجرة فلئلا تزداد إثمًا، وقرأ هذه الآية (١)» (٢) انتهى. وذهب ابن عباس وآخرون إلى أنها خاصة باليهود والنصارى والمنافقين؛ قال: نزلت في هؤلاء.

стр. 249

وجعلها مقاتل في مشركي مكة. وقال عطاء: هي في قريظة والنضير. وقال الزجاج: هؤلاء قوم أَعلَمَ الله نبيه أنهم لا يؤمنون، وليست في كل كافر، وقد يكون الإملاء له مما يُدخله في الإيمان، فيكون أحسن له، وارتضاه مكي وقال: هذا هو الصحيح من المعاني" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن الآية عامة في جميع الكفار، وأنه لم يُرَد بها طائفة مخصوصة من الكافرين، ويظهر هذا الترجيح من وجهين: الأول: لفظ الترجيح، وذلك في قوله: (وهو ظاهر الآية)، والظاهر عنده هو المقدَّمٌ. الثاني: أنه أطال النقل في بيان هذا الوجه وذِكْرِ الاستشهاد له بقول ابن مسعود، واختصر في بقية الأقوال ولم يستشهد لها. • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: لم يتعرَّض كثيرٌ من المفسرين لهذه المسألة، وغالب الذين تعرَّضوا لما قيل فيها لم يرجِّحوا أحد الأقوال، وأكثر المفسرين جعلوا الآية على ظاهرها، وذكروا الموصول في الآية ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، ولم يخصصوه بشيء. ومن المفسرين من أشار إلى أن هذه الآية في عموم الكافرين (٢)، كما في القول الذي نقله السمين الحلبي عن ابن مسعود (٣)، وروي نحوه عن أبي الدرداء (٤)، وذُكر نحوه أيضًا عن آخرين

стр. 250

من الصحابة ﵃ أجمعين (١)، ولعل في هذا إشارة إلى أن لهذا القول أصلًا عن النبي ﷺ . وروي أيضًا عن التابعين كالحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما أقوالٌ أخرى تؤيد أن الآية في عموم الكافرين (٢). وروي عن السدي إشارةٌ إلى أن الآية في مشركي مكة، وصرَّح بذلك مقاتل في تفسيره (٣)، ومال إليه بعض المفسرين (٤). وأما الأقوال الأخرى فلم أقف على شيءٍ منها مسندًا، فذُكر عن ابن عباس أن الآية نزلت في اليهود والنصارى والمنافقين، وذُكر عن عطاء أنها نزلت في قريظة والنضير (٥). ورجَّح الرازي أن الآية في شأن المنافقين القاعدين عن القتال (٦). أما قول الزجاج فلا يظهر مما ذكره في معاني القرآن وإعرابه (٧) أنه يخصُّ الآية بطائفةٍ معينةٍ من الكافرين، فإنه قال: "معنى ﴿نُمْلِي لَهُمْ﴾: نؤخرهم، وهؤلاء قومٌ أعلم الله النبي ﷺ أنهم لا يؤمنون أبدًا، وأن بقاءهم يزيدهم كفرًا وإثمًا"، والذي يظهر من كلامه أنه أراد بيان معنى الإملاء، وأن مَنْ أملى الله له فإنه لا يؤمن، بل يزداد كفرًا وإثمًا، وهذا المعنى يمكن ينطبق على كل كافر من اليهود والمشركين وغيرهم من المخاطبين، وليس خاصًّا بأحدهم. وحكى هذا المعنى أبو بكر الأنباري، فذكر أن جماعة من أهل العلم يقولون أن الله عز جل أنزل هذه الآية في قوم يعاندون الحق؛ سبق في علمه أنهم لا يؤمنون، ورجَّح هذه المعنى مكي
следующие страницы →