ولا يستقيم أيضًا قياس الآية هنا على الآية التي في سورة المائدة على القول بأن الآية هنا في اليهود والمنافقين، فلا يظهر أن سبب النزول مما يصح القياس فيه، خصوصًا مع اختلاف السياق هنا عن السياق هناك، فالسياق هنا في غزوة أُحد كما تقدم بيانه في المسألة السابقة.
وإذا لم يثبت سببُ نزولٍ لهذه الآية وليس في لفظها ما يُلزم التخصيص فإن الأولى حملها على العموم، وتُحمل الأقوال الأخرى على أنها من باب التمثيل كما ذكر السمين الحلبي.
ومما يدل على أن الأقوال المذكورة هي من قبيل التمثيل أنه قد جاءت الروايات عن المفسرين من التابعين في سياق كلامهم في الآية بالقول بأكثر من قول، مما يدل على أنه مرةً ينبه على هذا الصنف من الكافرين، ومرةً ينبه على الصنف الآخر، وأن ذلك كله من باب التمثيل.
وقد ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني بعض الأوجه التي تشير إلى أن الآية نزلت في قومٌ آمنوا ثم ارتدوا، لكن تلك الأوجه ليست صريحة ويمكن الإجابة عنها، وهي ثلاثة أوجه (١):
الوجه الأول: (أن المستمر على الكفر لا يُوصف بأنه يسارع في الكفر، وإنما يوصف بذلك من يكفر بعد الإيمان).
ويمكن الجواب عنه بأن هذا القول مبنيٌ على أن المراد من قوله ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: يقعون في الكفر، لأن المسارعة تتعدى بـ (إلى) فلما جاءت التعدية بـ (في) ضُمِّن الفعل معنى الدخول في الشيء والوقوع فيه، وهذا المعنى لا يتعين؛ إذ يمكن حمل معنى المسارعة في الآية على أن الكافر واقع في الكفر لكنه يسارع فيه بالازدياد منه والعجلة في مواقعته (٢)، ومما يشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ﴾ الآية [المائدة: ٦٢]، فليس المعنى أنهم لم يكونوا في الإثم، وكذلك قوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠، والمؤمنون: ٦١]، فليس المعنى أنهم ليسوا في أعمال الخير.
الوجه الثاني: (أن إرادته تعالى ألا يجعل لهم حظًّا في الآخرة لا يليق إلا بمن قد آمن، فاستوجب ذلك، ثم أُحبِط).
ويمكن الجواب عنه بأن المراد حرمانهم من الوصول إلى حظهم في الآخرة لا قطعهم عنه بعد
стр. 247
استيجابهم له، وقد جاء مثل هذا المعنى في الحرمان في الحديث الصحيح: (لا يدخل النار أحدٌ إلا أُري مقعده من الجنة لو أحسن، ليكون عليه حسرة) (١)، وهذا الحديث أهل النار كلهم، وليس خاصًّا بالمرتدين.
الوجه الثالث: (أن الحزن إنما يكون على فوات أمرٍ مقصود، فلما قَدَّر النبي ﷺ الانتفاعَ بإيمانهم ثم كفروا حزن ﷺ عند ذلك لفوات التكثير بهم، فآمنه الله من ذلك وعرَّفه أن وجود إيمانهم كعدمه، في أن أحواله لا تتغير).
ويمكن الجواب عنه بما تقدَّم في المسألة السابقة من أن الحزن إما أن يكون من فوات أمرٍ محبوب أو حصول أمرٍ مكروه، والحزن الذي في الآية إنما هو بسبب حصول المكروه، كما تقدَّم.
٥) النتيجة:
الراجح أن الآية عامة ولم تنزل في فئة معينة من الكافرين فيما يظهر والله أعلم، لأنه لم يثبت سبب نزول خاص في الآية، وليس في الروايات ما يثبت أنها نزلت في فئة معينة دون غيرها، فالأولى حملها على العموم، خصوصًا وأن هذا هو المتلائم من لفظ الآية ومقصدها، فإنها في تطيمن النبي ﷺ ، والمناسب في التطمين أن يكون عامًّا، ولفظ الآية يساعد على ذلك؛ إذ ينطبق لفظها على عموم الكافرين.
стр. 248
المسألة الثالثة: المراد بالذين كفروا في قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ﴾
قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]
• أصل الخلاف في المسألة:
الخلاف في هذه المسألة من جنس الخلاف في المسألة السابقة، وبعضه فرعٌ عنها، فكما قيل في الآية السابقة أنها نزلت في قريظة والنضير قيل في هذه الآية كذلك، وقيل بأقوالٍ أخرى غير ما تقدم.
• نص المسألة:
قال السمين الحلبي ﵀: "وقد اختلف المفسرون في ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ هنا؛ هل المراد بهم كل كافرٍ أم طائفة مخصوصة؟
فذهب بعضهم إلى العموم، وهو ظاهر الآية؛ قال ابن عطية: «معنى هذه الآية: الردُّ على الكفار في قولهم: إن كوننا ظاهرين مُمَوَّلين أصِحَّةً دليلٌ على رضى الله بحالنا واستقامةِ طريقتنا عنده، فأخبر الله أن ذلك التأخير والإمهال إنما هو إملاء واستدراج ليكتسبوا الآثام، وقال عبد الله بن مسعود: ما من نفس برَّةٍ ولا فاجرة إلا والموت خيرٌ لها، أما البرة فلِتُسرع إلى رحمة الله، وقرأ: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، وأما الفاجرة فلئلا تزداد إثمًا، وقرأ هذه الآية (١)» (٢) انتهى.
وذهب ابن عباس وآخرون إلى أنها خاصة باليهود والنصارى والمنافقين؛ قال: نزلت في هؤلاء.
стр. 249
وجعلها مقاتل في مشركي مكة.
وقال عطاء: هي في قريظة والنضير.
وقال الزجاج: هؤلاء قوم أَعلَمَ الله نبيه أنهم لا يؤمنون، وليست في كل كافر، وقد يكون الإملاء له مما يُدخله في الإيمان، فيكون أحسن له، وارتضاه مكي وقال: هذا هو الصحيح من المعاني" (١).
• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح:
يرجِّح السمين الحلبي أن الآية عامة في جميع الكفار، وأنه لم يُرَد بها طائفة مخصوصة من الكافرين، ويظهر هذا الترجيح من وجهين:
الأول: لفظ الترجيح، وذلك في قوله: (وهو ظاهر الآية)، والظاهر عنده هو المقدَّمٌ.
الثاني: أنه أطال النقل في بيان هذا الوجه وذِكْرِ الاستشهاد له بقول ابن مسعود، واختصر في بقية الأقوال ولم يستشهد لها.
• دراسة المسألة:
١) مذاهب أهل العلم في المسألة:
لم يتعرَّض كثيرٌ من المفسرين لهذه المسألة، وغالب الذين تعرَّضوا لما قيل فيها لم يرجِّحوا أحد الأقوال، وأكثر المفسرين جعلوا الآية على ظاهرها، وذكروا الموصول في الآية ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، ولم يخصصوه بشيء.
ومن المفسرين من أشار إلى أن هذه الآية في عموم الكافرين (٢)، كما في القول الذي نقله السمين الحلبي عن ابن مسعود (٣)، وروي نحوه عن أبي الدرداء (٤)، وذُكر نحوه أيضًا عن آخرين
стр. 250
من الصحابة ﵃ أجمعين (١)، ولعل في هذا إشارة إلى أن لهذا القول أصلًا عن النبي ﷺ .
وروي أيضًا عن التابعين كالحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما أقوالٌ أخرى تؤيد أن الآية في عموم الكافرين (٢).
وروي عن السدي إشارةٌ إلى أن الآية في مشركي مكة، وصرَّح بذلك مقاتل في تفسيره (٣)، ومال إليه بعض المفسرين (٤).
وأما الأقوال الأخرى فلم أقف على شيءٍ منها مسندًا، فذُكر عن ابن عباس أن الآية نزلت في اليهود والنصارى والمنافقين، وذُكر عن عطاء أنها نزلت في قريظة والنضير (٥).
ورجَّح الرازي أن الآية في شأن المنافقين القاعدين عن القتال (٦).
أما قول الزجاج فلا يظهر مما ذكره في معاني القرآن وإعرابه (٧) أنه يخصُّ الآية بطائفةٍ معينةٍ من الكافرين، فإنه قال: "معنى ﴿نُمْلِي لَهُمْ﴾: نؤخرهم، وهؤلاء قومٌ أعلم الله النبي ﷺ أنهم لا يؤمنون أبدًا، وأن بقاءهم يزيدهم كفرًا وإثمًا"، والذي يظهر من كلامه أنه أراد بيان معنى الإملاء، وأن مَنْ أملى الله له فإنه لا يؤمن، بل يزداد كفرًا وإثمًا، وهذا المعنى يمكن ينطبق على كل كافر من اليهود والمشركين وغيرهم من المخاطبين، وليس خاصًّا بأحدهم.
وحكى هذا المعنى أبو بكر الأنباري، فذكر أن جماعة من أهل العلم يقولون أن الله عز جل أنزل هذه الآية في قوم يعاندون الحق؛ سبق في علمه أنهم لا يؤمنون، ورجَّح هذه المعنى مكي
стр. 251
بن أبي طالب كما ذكر السمين الحلبي (١).
والذي يظهر أن الذي ألجأهم إلى التفصيل هو الإشكال المذكور في بقية الآية من قوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْما﴾، فكيف يكون المقصود زيادة إثمهم؟ فذكروا أن إملائه تعالى لهم لأجل أن يزدادوا في الإثم لم يكن إلا لأنهم قومٌ سبق في علمه أنهم لا يؤمنون (٢).
٢) أدلة القول الأول في المسألة:
استدل السمين الحلبي على القول بأن الآية يراد بها العموم في كل كافر أن هذا هو الظاهر من الآية؛ إذ جاء ذكر ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ولم يقيد بصفة معينة يستفاد منها إرادة طائفة مخصوصة، فالآية في الرد على كل كافر يحسب أن الله يمليه لأجل خيرٍ فيه.
٣) أدلة الأقوال الأخرى في المسألة:
يمكن أن يستدل للأقوال الأخرى في المسألة بأمرين:
الأول: ما ذُكر عن ابن عباس ﵄ وغيره من أن الآية نزلت في أقوامٍ معينين (٣).
الثاني: السياق، وذلك من وجهين:
أولهما: ما سبق من الأدلة في المسألة السابقة في القول بأن الآية السابقة نزلت في المنافقين أو اليهود أو المشركين، فيُستدل بالسياق هنا على أن هذه الآية تتمة للآيات السابقة، وأن السياق لا زال في القوم أنفسهم.
ثانيهما: الاستشهاد بالمناسبة مع السياق، كالقول بأن مناسبة الآية في هذا السياق أنها جاءت في الرد على المنافقين المتخلفين عن غزوة أُحد؛ ألا يحسبوا أن قعودهم وبقاءهم سالمين خيرٌ لهم من القتال، أو أنها جاءت في الرد على مشركي مكة بألا يحسبوا أن بقاءهم بعد الذي أصابوه يوم أُحد خيرًا لهم، وإنما ليزدادوا عقوبة (٤).
٤) الموازنة بين الأدلة:
القول بأن الآية مخصوصة في قومٍ أعلم الله نبيه أنهم لا يؤمنون لا يستقيم، فإنه يلزم منه أن
стр. 252
كل من خُوطب بهذه الآية فإنه لن يؤمن، وهذا يخالف ما يكون في الإملاء نفسه، فإن الله يحتج على الكافرين الذين أملاهم بأنه أمهلهم مدة يمكنهم التذكر فيها، فلو كان الذين أملاهم الله لا يؤمنون لم يستقم أن يحتج الله عليهم بذلك الإملاء؛ قال الله في شأن الكافرين كلهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ٣٦ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَّصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٦ - ٣٧]، فصرَّح بأنه قطع عذرهم في الدنيا بالإمهال مدةً يتذكرون فيها، وجعل الإملاء حجةً عليهم كما جعل النذير حجة كذلك (١).
ولا يلزم من أن الله أملاهم ليزدادوا إثما أن تكون عاقبة أمرهم أنهم لا يؤمنون، بل إن الإملاء هو عقوبة لهم، وازديادهم من الإثم عقوبة، فإن رجعوا إلى الله وآمنوا لم يكن للعقوبة محل، ولم يكن لهم إملاء يزدادون به إثما.
وأما الأقوال الأخرى في المسألة التي فيها تعيين أن الآية نزلت في طائفة معينة من الكافرين فليس لها شاهد من ألفاظ النزول، فليس في الروايات شيء مسند يؤيد أحد الأقوال إلا ما رواه السدي مما يؤيد أن الآية في مشركي مكة، لكن ليس فيما رواه السدي ذكر شيء من ألفاظ النزول، فيمكن حمل قوله على التمثيل كما حُملت الأقوال في المسألة السابقة على التمثيل.
وأما الاستشهاد لبعض الأقوال بما ذُكر في مناسبة الآيات مع السياق فليس مما يمنع القول بأن الآية نزلت في عموم الكافرين، فيكون للآية أكثر من مناسبة في الرد على المنافقين والمشركين وغيرهم.
ومما يشير إلى أن الآية في عموم الكافرين أن الآيات قبلها جاء فيها ذكر الكافرين بالعموم كما تقدَّم، فلو كانت هذه الآية أُريد بها طائفة معنية من الكافرين لجاء التصريح بذلك، وإلا فتحمل على ظاهرها في هذا السياق من أنها في عموم الكافرين، فكون هذه الآية في سياق عموم الكافرين يدل على عمومها.
стр. 253
٥) النتيجة:
الظاهر أن الآية عامة في كل كافر، ولا يراد بها طائفة معينة من الكافرين دون غيرهم، وهذا ما دل عليه ظاهر اللفظ وسياق الآيات.
ويؤيد هذا أن إملاء الله وإمهاله لا يخص به طائفة من الكافرين دون أخرى، كما قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الرعد: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٨]، كما أن الحسبان المذكور في الآية لا يختص به طائفة من الكافرين دون أخرى، بل يقع من عموم الكافرين، فجاءت الآية في الرد على كل كافرٍ يقع منه ذلك الحسبان.
стр. 254
المسألة الرابعة: وجه ما قيل في سبب نزول قول الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ الآية
قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]
• أصل الخلاف في المسألة:
"قيل لابن عرفة: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾ مستقبل، وما ذكروه في سبب نزول الآية يقتضي أنه متقدم عليها" (١)؟!
الخلاف في المسألة من هذا الاستشكال، فهو يدور حول ما روي في سبب النزول؛ هل هو إشارة إلى ما مضى قبل نزول الآية، أو أنه لم يقع شيء قبل نزولها؟
• نص المسألة:
قال السمين الحلبي ﵀: "وجه مناسبتها لما تقدَّمها أنه تعالى لمَّا أخبر أن كل نفسٍ ذائقة الموت وأنه [ … ] (٢)؛ عقَّب ذلك بتوطينهم على ما يصيبهم من البلايا والرزايا …
واختلف الناس في المراد بهذه الآية وسبب نزولها:
فعن جماعة: أن سبب نزولها ما تقدَّم من قصة فنحاص مع أبي بكر ﵁ (٣).
وقيل: سببها أن رسول الله ﷺ أقبل عليه جماعةٌ فيهم عبد الله بن أُبي، فقرأ عليهم القرآن كما نزل عليه ﵇، فقال له عبد الله بن أُبي: إن كان هذا حقًّا فلا تَغْشَنا به تؤذينا في مجالسنا، فرد عليه عبد الله بن رواحة: بل اغشنا به يا رسول الله في مجالسنا،
стр. 255
ووقع بين المسلمين واليهود والمشركين سِباب كثير فنزلت (١).
وقيل: إن عدو الله كعب بن الأشرف كان يؤذي رسول الله ﷺ والمؤمنين بهجائهم، ويحرض المشركين على المسلمين (٢).
والظاهر أن هذا لم يقع قبل هذا الإخبار، بل جيء به توطينًا لهم كما قدمناه.
وقيل: بل هذا إشارة إلى ما مضى" (٣).
• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح:
يرجِّح السمين الحلبي أنه لم تقع حادثة معينة قبل نزول الآية، وإنما المراد منها التوطين لما سيحدث بعدها، ويظهر هذا الترجيح من وجهين:
الأول: لفظ الترجيح، وذلك في قوله: (والظاهر أن هذا لم يقع قبل هذا الإخبار)، والظاهر عنده مقدَّم على غيره.
الثاني: ما ذكره أولًا في مناسبة الآية، وأشار إلى اعتباره بقوله: (بل جيء به توطينًا لهم كما قدمناه)، فأضرب عن الأقوال الأخرى ورجع إلى الاعتبار بما قدَّمه في مناسبة الآية من أن الآية جاءت للتوطين لما سيحدث بعد نزولها.
• دراسة المسألة:
١) مذاهب أهل العلم في المسألة:
لم يصرح أهل العلم في بالقول الفصل في هذه المسألة، لكن روايتهم وذكرهم لسبب النزول يقتضي أنهم يرون أن الحادثة قد وقعت قبل نزول الآية، خصوصًا مَنْ ذكر (الفاء) في لفظ النزول: (فنزلت) (٤)، فإن ذلك يقتضي أنه يرى أن الحادثة وقعة قبل نزول الآية
стр. 256
ولم أقف على من نفى أن يكون سبب النزول وقع قبل نزول الآية غير ما ذكره السمين الحلبي هنا، ولا يشكل على هذا من أثبت أن الآية فيها إعلامٌ بالبلاء قبل وقوعه، فإن هذا مقتضى ما جاء فيها، لكن الإشكال في نفي أن يكون سبب النزول وقع قبل نزول الآية.
٢) أدلة القول الأول في المسألة:
استدل السمين الحلبي على أنه لم يقع شيء قبل نزول الآية بأمرين:
الأول: أن هذا هو الظاهر المتبادر إلى الذهن من الألفاظ المذكورة في الآية: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾، ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾، وذلك بشاهد اجتماع (لام القَسَم) مع (نون التوكيد)، فاجتماعهما يدل على أمرٍ مستقبلٍ مؤكد، كما في قول إبراهيم ﵇: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧] (١)، وعليه فهذه الألفاظ خالصة في المستقبل، وليس فيها إشارة لما مضى، فيُستبعد أن يكون قد وقع شيء قبل نزول الآية، وكان سببًا لنزولها.
الثاني: مناسبة الآية لما قبلها، وذلك فيما ذكره من أنه لما أخبر سبحانه من أن كل نفس ذائقة الموت، عقَّب ذلك بتوطينهم على ما يصيبهم من البلايا والرزايا، فكان ذلك الإخبار كالتوطئة للمذكور هنا، لأن من علِم أنه يموت هانت عليه كل مصيبة (٢)، وعليه فتكون مناسبة الآية تؤيد أنها في الإخبار عن مستقبل لتتوطن أنفسهم عليه، لا في الإشارة إلى ما مضى.
٣) أدلة القول الثاني في المسألة:
الدليل بأن الآية نزلت بعد سبب النزول وهو قصة أبي بكر مع فنحاص اليهودي أمران:
الأول: ما ثبت من رواية ابن عباس، وفيها التصريح بأن الآية نزلت بعد القصة (٣).
الثاني: أن سياق الآيات قد أشار إلى ما ذُكر في هذه القصة؛ إذ هي في الذين قالوا إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء، فالسياق كله نزل بعد القصة المذكورة كما ذكره ابن عباس وعكرمة (٤).
٤) الموازنة بين الأدلة:
لعل مما يقوي الاعتضاد بما ذكره السمين الحلبي أن بعض أهل العلم ذكر تضعيف سند
стр. 257
سبب النزول المذكور، فلا يكون حجة في السببية (١)، فلا تُربط الآية به، وعليه فلا يمكن إثبات أنه قد وقع شيء قبل نزول الآية.
لكن الذي يظهر أن الإسناد ثابت صحيح كما ذكره ابن حجر في فتح الباري (٢)، والسياق يؤيد ما ذُكر في سبب النزول، وذلك أن فنحاص اليهودي، لقيه أبو بكر فكلَّمه وقال له: اتق الله وآمن وصدِّق، وأقرض الله قرضًا حسنًا، فقال فنحاص: يا أبا بكر؛ تزعم أن ربنا فقير، يستقرضنا أموالنا، وما يستقرض إلا الفقير من الغني، فغضب أبو بكر ﵁ وضرب وجه فنحاص ضربةً شديدة، ثم تخاصما إلى النبي ﷺ ، فجحد اليهودي ما قاله، فأنزل الله فيما قال اليهودي ردًّا عليه، وتصديقًا لأبي بكر: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية [آل عمران: ١٨١]، وأنزل في قول أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
فإذا ثبت سبب النزول فإن القاعدة الترجيحية تقول: (إذا صحَّ سبب النزول فهو مرجِّح لما وافقه من أوجه التفسير) (٣)، وأما على القول الذي ذكره السمين الحلبي فإن سبب النزول سيكون مهملًا لاعتبار له.
والمعروف في أسباب النزول أن تكون وقعت قبل نزول الآية، لكن يشكل عليه لفظ الآية نفسها، كما تقدَّم: "قيل لابن عرفة: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾ مستقبل وما ذكروه في سبب نزول الآية يقتضي أنه متقدم عليها، فقال: هو واقع فيها معنى، وتزايد في المستقبل"؛ أي إن هذا هو دأب اليهود والمشركين في أذية المسلمين بأقوالهم، فكما أن الآية صرَّحت بأن مستقبلهم كذلك، فلا شك أنه كان لهم سوابق في الماضي، فجاءت الآية مشيرة إلى ما مضى وتنبيها على المستقبل، وذلك بإثبات القضية الدائمة وأن هذا هو دأبهم ولن ينتهي، بل سيتزايد في المستقبل.
ولعله لأجل هذا المعنى ذُكرت القضية بالعموم على سبيل الدوام من أن المؤمنين سيُبتلون في أموالهم وأنفسهم، وسيسمعون من اليهود وغيرهم أذى كثيرا، فتكون الآية تسلية لما وقع وتوطينًا
стр. 258
للأمر العام في المستقبل، وهذا ما اختاره بعض المفسرين في مناسبة الآية أنها ليست في التوطين لما يُستقبل فحسب، بل هي في التسلية لما مضى والتوطين لما يُستقبل (١).
٥) النتيجة:
الذي يظهر أن الآية فيها إشارة إلى ما مضى ووقع مما ثبت في سبب النزول، وبهذا يظهر تناسب الآية مع السياق كله؛ أن فيها الإشارة إلى ما مضى والتنبيه على القضية العامة في المستقبل.
ولذلك تجد الارتباط بين الأذى المسموع المذكور في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، وبين ما سيسمعه المسلمون في المستقبل في قوله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرا﴾، فما ذُكر في الآية الأولى هو أنموذج لما سيكون في الآية الثاني.
стр. 259
المسألة الخامسة: المعنيون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]
• أصل الخلاف في المسألة:
الخلاف يرجع إلى المراد من ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ في الآية؛ هل هي عامة في كل من أوتي علم الكتاب، أو هي خاصة بأهل الكتابين؛ التوراة والإنجيل، أو هي خاصة باليهود؟ وما مُوجب التخصيص في ذلك؟
• نص المسألة:
قال السمين الحلبي ﵀ في بداية تفسير الآية: "وجه مناسبتها لما تقدَّم أن الله لمَّا أخبر أنهم يسمعون من أهل الكتاب أذًى كثيرا؛ عقَّب ذلك بما كان عليه هؤلاء الطائفة من نبذ عهود الله عليهم وراء ظهورهم، لا يلتزمون بها بعد أن أخذها عليهم وأكَّدها، فهذا نوعٌ آخر من مخازيهم يضاف لما كان يصدر منهم من أذى المؤمنين، فهم شرٌّ من الذين أشركوا بزيادة هذه المثلبة الفظيعة، وهي كتمان العلم، لا سيَّما عند شدة الحاجة إليه.
واختلف الناس في المراد بهذه الآية، والظاهر أنهم اليهود الذين كتموا صفة رسول الله ﷺ ، وعليه تنطبق المناسبة المذكورة.
وقيل: هم اليهود والنصارى.
وقيل: كل مَنْ علم علمًا [ … ] (١).
وعلماءُ هذه الأمة داخلون في هذه الآية، وهذا ظاهرٌ ولو فرضنا أنها نزلت في اليهود خاصة، لأن حكم غيرهم حكمهم" (٢).
стр. 260
• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح:
يرجِّح السمين الحلبي أن المراد بالآية هم اليهود الذين كتموا صفة النبي ﷺ ، ويظهر هذا الترجيح من ثلاثة وجوه:
الأول: لفظ الترجيح، وذلك في قوله: (والظاهر أنهم اليهود)، والظاهر عنده مقدَّم على غيره.
الثاني: أنه استدل لهذا القول بأنه المطابق لما ذكره من مناسبة الآية، ولم يستدل للأقوال الأخرى.
الثالث: أنه وجَّه هذا القول في آخر المسألة وبيَّن أنه لا يشكل عليه ما هو معروف عند أهل العلم من دخول علماء هذه الأمة في الآية، فتوجيه القول ورفع الإشكال عنه يدل على تفضيله.
• دراسة المسألة:
١) مذاهب أهل العلم في المسألة:
جمهور المفسرين على أن الآية في اليهود (١)، وهو مقتضى ما روي عن ابن عباس (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، والسدي (٤).
وجاء عن بعض المفسرين إن الآية في اليهود والنصارى من أهل الكتاب (٥)، وروي هذا عن الحسن البصري (٦)، وهو مقتضى ما روي عن مجاهد (٧).
стр. 261
وقليل من أهل العلم من أعرض عن القولين السابقين وقال إن الآية عامة في كل من أوتي علمًا من الكتاب، فجعلوا الكتاب عامًّا في كل الكتب المنزلة من الله تعالى (١)، وعزا الطبري هذا القول إلى قتادة (٢).
٢) أدلة القول الأول في المسألة:
استدل السمين الحلبي على القول بأن المراد بالآية اليهود بدليلين:
الأول: الظاهر، ولعل وجه هذا أن الظاهر عنده هو المتبادر إلى الذهن كما تقدَّم بيانه في منهجه، والمتبادرُ إلى الذهن في الكتمان المذكور في الآية هم اليهود، فإنهم هم الذين عُرف عنهم أنهم كتموا ما في كتابهم من صفة النبي ﷺ .
الثاني: مناسبة الآية لما قبلها: وذلك في قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرا﴾ [آل عمران: ١٨٦]، ثم جاءت هذه الآية بتخصيص اليهود بأنهم أبلغ في الشر، وذلك بكتمانهم العلم.
٣) أدلة القول الثاني في المسألة:
يستدل للقول بأن المراد بالآية اليهود والنصارى، أن هذا هو المعهود في ذكر أهل الكتاب في القرآن أنه يشمل اليهود والنصارى، فكذلك قوله ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هنا؛ لا يخص اليهود وحدهم، بل يدخل فيهم النصارى، كما جاء مثل هذا التركيب في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٥].
٤) أدلة القول الثالث في المسألة:
استدل من قال بأن المراد في الآية كل من آتاه الله علم الكتاب أن هذا هو مقتضى إطلاق لفظ الكتاب في الآية، فالكتاب المذكور في الآية يُراد به جنس الكتب المنزلة من الله تعالى (٣).
٥) الموازنة بين الأدلة:
لا يستقيم القول بأن الآية أُريد بها كل من آتاه الله علم الكتاب، فإن هذا يقتضي أن المؤمنين في زمن التنزيل معنيون فيها، والآية جاءت في سياق الذم بأنهم نبذوا الميثاق وراء
стр. 262
ظهورهم ولم يرعوا حقَّ الكتاب، وحاشاهم أن يكونوا كذلك، وإنما الآية فيمن قبلهم من الذين أوتوا الكتاب.
ولا يعني هذا أن علماء هذه الأمة لا يشملهم حكم الآية إذا نبذوا الميثاق، بل يكون حكمهم كحكم من قبلهم إذا كانوا مثلهم، كما بيَّنه السمين الحلبي، فيكون لفظ الآية أُريد به من قبلنا، ثم تكون موعظة الآية لنا، كما كان عمر ﵁ إذا تلا ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠، ٤٧، ١٢٢] قال: "مضى القوم، وإنما يعني به أنتم" (١)، أي إننا نحن المعنيون بالموعظة، وليس مراده أننا نحن المرادون بلفظ (بني إسرائيل).
وأما القول بأن المراد بالذين أوتوا الكتاب عند الإطلاق هم اليهود والنصارى، فإنه لا يمنع من تخصيص اليهود بالآية، والموجب للتخصيص أمران:
الأول: أن هذا هو المعهود من اليهود من كتمان ما في الكتاب وأنهم يشترون بذلك ثمنًا قليلا مع جحدهم للميثاق الذي أُخذ عليهم، ويشهد لهذا الآية التي في سورة الأعراف، وهي في اليهود، فجاء فيها أنهم يشترون بالكتاب ثمنًا قليلا، وذلك في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾، وجاء فيها ذكر الميثاق الذي أُخذ عليهم، وذلك في قوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، فهذا الميثاق الذي أُخذ على اليهود جاء بيانه في الآية التي نحن فيها، والتصريح بأنهم نبذوه وراء ظهورهم (٢)، وجاء في آية أخرى بيان النبذ الذي كان منهم، وذلك في قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١] (٣)، وهذه الآية في اليهود أيضًا، فالآية التي نحن فيها في اليهود، فإن كان المعهود في القرآن أن ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هم اليهود والنصارى، فإن
стр. 263
الخبر المذكور في الآية هنا هو المعهود عن اليهود، وهو ألصق بهم من النصارى.
الأمر الثاني: أن هذا هو المتناسب مع السياق في مناسبة الآية لما قبلها ومناسبة الآية لما بعدها، وذلك فيما ذكره ابن عباس ﵁ (١)، فذكر أن هذه الآية في فنحاص وغيره من أحبار اليهود، وقد تقدَّم بيان قصة فنحاص وشأنه في الآية السابقة، وذكر ﵁ الآية الآتية هي في اليهود: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، فذكر أن فرحهم هو بما كتموه الذي أُشير إليه في الآية هنا (٢).
٦) النتيجة:
الراجح أن المراد بالآية هنا اليهود، وهذا هو المتناسب مع ما ذُكر في سبب النزول في الآية السابقة أنها نزلت في شأن اليهود كما تقدَّم، وهو المتناسب مع ما ذكر في الآية الآتية كما أشار إليه ابن عباس، فيكون سياق الآيات كلها في ذم اليهود، والله أعلم.
стр. 264
المسألة السادسة: أصل (المفازة) ووجه تعلُّق الجار والمجرور بها في قول الله تعالى ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾
قال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨]
• أصل الخلاف في المسألة:
لفظ (المفازة)؛ هل هو مصدر من الفوز، فيكون معنى الآية: فلا تحسبنَّهم بفوزٍ يفوزون به من العذاب، أو هو اسم مكان، فيكون المعنى: فلا تحسبنَّهم بمحلِ فوزٍ من العذاب.
وينبني على هذا بيان وجه تعلُّق قوله ﴿مِّنَ الْعَذَابِ﴾ بقوله ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ وفق القواعد الضابطة في تعلق الجار والمجرور.
• نص المسألة:
قال السمين الحلبي ﵀: "و ﴿مِّنَ الْعَذَابِ﴾ فيه وجهان:
الأول: متعلق بمحذوفٍ على أنه صفة لـ (مفازة)؛ أي: (مفازةٍ كائنةٍ من العذاب)؛ إذا قلنا إن (مفازة) اسم مكان بمعنى مكان الفوز، قال أبو البقاء: «لأن (مفازة) اسم مكان، والمكان لا يعمل» (١)، يعني: فلا يتعلق ﴿مِّنَ الْعَذَابِ﴾ بلفظ (مفازة)، بل بمحذوفٍ على أنه صفة كما قدَّمنا تقريره. غير أن في ذلك إشكالًا، لأنك إذا قدَّرت كونًا مطلقًا على القاعدة المعروفة في مثله فليست بـ (مفازةٍ كائنةٍ من العذاب)، والمفازة ليست من العذاب، وإذا قدَّرت كونًا خاصًا مناسبًا للمعنى؛ أي: بمفازة منجية أو مخلِّصة من العذاب، لزمه تقدير المحذوف في مثله كونًا مقيدًا، وقد منعوه.
والوجه الثاني: أنه متعلق بنفس (مفازة) إذا أُريد المصدر، لأنها بمعنى الفوز، لأن المفازة تتعدى بـ (من)؛ تقول: فزت منه؛ أي: نجوت وخلصت، وهذا الوجه أحسن للتخلص من تكلفة الإشكال في الوجه قبله" (٢).
стр. 265
• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح:
يرجِّح السمين الحلبي أن المفازة المذكورة في الآية مصدر من الفوز، وأن الجار والمجرور متعلق بها مباشرة من غير الحاجة إلى تقدير محذوف، ويظهر هذا الترجيح من ثلاثة وجوه:
الأول: لفظ الترجيح، وقد جاء على صيغة التفضيل، وذلك في قوله: (وهذا الوجه أحسن) (١).
الثاني: أنه استقصى في ذكر الإشكال على القول الأول حتى انتهى ببيان أن أهل اللغة قد منعوا من التقدير المذكور فيه، فهو يمنع القول الأول، ويرجِّح القول الثاني.
الثالث: أنه قد ذكر بعد المسألة إشكالًا على القول الذي رجَّحه، ثم أجاب عنه، واستشهد لجوابه بقول العرب (٢)، فهذا يدل على أنه يعتمد هذا القول ويدافع عنه.
• دراسة المسألة:
١) مذاهب أهل العلم في المسألة:
أما أصل المفازة، فالذي يظهر مما ذكره المفسرون والمعربون أنهم جعلوها مصدرًا من الفوز، حيث ذكروا التقدير الموافق لذلك في الآية: (فلا تحسبنَّهم فائزين من العذاب) (٣).
ثم جاء أبو البقاء العكبري فكان أول من تعرَّض لهذه المسألة، وجعل الأصل فيها أن المفازة اسم مكان، وأن الجار والمجرور متعلق بمحذوفٍ صفةٍ لها، وذكر جواز القول الثاني (٤).
ولم يوافق كثير من المعربين الذين تعرضوا للمسألة من بعده على جعل المفازة اسم مكان، ومال أكثرهم إلى القول الثاني (٥).
وإن كان بعض المفسرين وأهل اللغة فسَّروا (المفازة) بما يقتضي أنها اسم مكان، لكنهم لم
стр. 266
يتعرضوا لتفصيل المسألة وبيان وجه تعلُّق الجار والمجرور بها (١).
٢) أدلة القول الأول في المسألة:
لم أقف على دليل يدل على أن المفازة في الآية اسم مكان، ولعل ذلك من الحمل على المشهور في اللغة، فإنه قد عُرف أن لفظ (المفازة) استُخدِم في اسم المكان، وذلك في جعله علامةً على الصحراء المهلكة، وسموها بذلك تفاؤلًا بالفوز والنجاة منها (٢)، وعلى ذلك، فيُستخدم لفظ (المفازة) في الآية على أنه اسم مكان، ويكون إشارة إلى أن المذكورين في الآية لا أمل لهم في النجاة من العذاب، ولا مهرب يقيهم منه.
٣) أدلة القول الثاني في المسألة:
يمكن أن يستدل على أن المفازة في الآية مصدر من الفوز أنه قد جاء في القرآن ذكر المفازة مصدرًا، كما في قوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر: ٦١]؛ أي: بفوزهم (٣)، فتُحمل المفازة في الآية هنا على أنها مصدر كذلك، موافقةً لما جاء به القرآن في موضعٍ آخر.
٤) الموازنة بين الأدلة:
قد ذكر السمين الحلبي إشكالًا على القول الذي رجَّحه في أن لفظ (المفازة) فيه تاء التأنيث، والمصدر الذي لحقته تاء التأنيث لا يعمل، ولا يمكن أن يُعلَّق به الجار والمجرور، وقد أجاب عن هذا الإشكال بأن الكلمة هنا قد بُنيت على تاء التأنيث، والعرب تجيز إعمال المصدر في هذه الحالة، بخلاف الكلمة التي تكون تاء التأنيث طارئة عليها، فإن الإشكال المذكور يَرِد عليها.
وأما الإشكال الذي ذكره السمين الحلبي في تعلُّق الجار والمجرور باسم المكان فهو متفرِّع عن قولهم بأن اسم المكان لا يعمل، فلا يجوز أن يتعلَّق به الجار والمجرور والظرف مباشرة، ومن أهل اللغة من أجاز ذلك باعتبار أن اسم المكان قد شابه الفعل بشيءٍ يسير، ففيه رائحة الفعل،
стр. 267
وهذا كاف في جواز أن يتعلَّق به الجار والمجرور والظرف (١)، فإن اعتبرنا بهذا الجواز فقد زال الإشكال واستوى القولان في إمكان تعلق الجار والمجرور وإلا فإن القول الذي ذكره السمين الحلبي يكون أحسن في التعلُّق لسلامته من الإشكال الذي ذكره، ولسلامته من تقدير المحذوف، لأن التعلُّق فيه مباشر بلا تقدير.
هذا من حيث تعلُّق الجار والمجرور، أما من حيث أصل لفظ المفازة، فإن الأقرب مراعاة ما جاء في القرآن الكريم، وهذا أولى من مراعاة ما اشتهر في اللسان العربي، لأن القاعدة الترجيحية تقول: (حمل معاني كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله أولى من الخروج به عن ذلك) (٢)، فتُحمل (المفازة) على الاستعمال الذي جاء به القرآن، وهو جعلها مصدرًا.
وهذا الاستعمال هو الذي جاء به قوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ كما سبق، وهو الذي جاء به قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ: ٣١] على الصحيح من أقوال المفسرين وأهل اللغة، فإنهم جعلوها مصدرًا ولم يجعلوها اسم مكان (٣).
٥) النتيجة:
الراجح أن (المفازة) مصدر من الفوز، وأن الجار والمجرور بعدها متعلُّق بها مباشرة، وهو الموافق لما جاء في القرآن الكريم، وهو المناسب في الآية، فإن الآية في سياق الحديث عن اليهود كما تقدم، وهي هنا في ذكر خداعهم وغرورهم بأنهم يفرحون بما يأتونه من الشر، ويحبون أن يُحمدوا على ما لم يفعلوه من الخير، فجاءت الآية تسليةً للنبي ﷺ واستهزاءً بهم بألا يحسب أن هؤلاء في فوزٍ عظيمٍ من العذاب كما يتوهمون رفعتَهم وعلوَ شأنهم، بل إن جزاءهم هو عذاب أليم.
وهذا المعنى في الرد عليهم والتهكم بهم يفيده المصدر بما يدل عليه من تعظيم الفوز وتأكيده، وأما إذا قلنا بأن (المفازة) اسم المكان فإن ذلك يفيد أنهم ليس لهم مكان ينجيهم من
стр. 268
العذاب، ثم لا يكون لقوله تعالى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ موقعٌ بعد ذلك إلا التأكيد، بخلاف ما في المعنى السابق، والله أعلم.
стр. 269
المبحث السادس: ترجيحات السمين الحلبي من آية (١٩٠) إلى آية (١٩٥)
وفيه إحدى عشرة مسألة
المسألة الأولى: أصل لفظ (الخلق) في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]
• أصل الخلاف في المسألة:
المصدر بُني في الأصل ليدل على الحدث، لكن قد يستعمل بناء المصدر في بعض الأحيان ليدل على الأعيان والذوات، وذلك في استعمال المصدر بمعنى اسم المفعول (١)، ومن أشهر الأمثلة في ذلك وأقدمها: استعمال لفظ (الخلق) بمعنى المخلوق (٢)، ويأتي الخلاف في الآية هنا من هذا الباب؛ هل لفظ (الخلق) في الآية مصدرٌ يدل على الحدث وهو خلق الله للكائنات، أو هو اسم مفعول يدل على الذوات وهي المخلوقات.
• نص المسألة:
قال السمين الحلبي ﵀: "و ﴿خَلْقِ﴾ يجوز أن يكون مصدرًا على حاله؛ أي: في اتحادهما وإبداعهما، ويرجِّح هذا عطفُ صريح المصدر عليه، وهو ﴿وَاخْتِلَافِ﴾.
ويجوز أن يراد به المفعول كقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١]؛ أي: إن في مخلوقهما" (٣).
• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح:
يظهر أن السمين الحلبي يرجِّح أن المراد بالخلق في الآية المصدر على القول بأنه المخلوق، ويظهر هذا من وجهين:
стр. 270
الأول: أنه صرَّح بما يرجِّح هذا القول، وذلك في قوله: (ويرجِّح هذا عطفُ صريح المصدر عليه)، ولم يذكر ما يرجِّح القول الآخر، فدل على أنه يرجِّح القول الأول.
الثاني: أن القول الأول هو الموافق لقاعدةٍ من قواعد الترجيح عنده، وهي: (إذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه فهو أولى)، وذلك بإبقاء المصدر في الآية على حاله كما عبَّر بذلك هنا، لا في استعماله بمعنى اسم المفعول.
• دراسة المسألة:
١) مذاهب أهل العلم في المسألة:
لم أقف على من تعرَّض لهذه المسألة في هذه الآية إلا قليل (١)، ومن أهل العلم من تعرَّض لها عند الآية المماثلة لها في مطلعها من سورة البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الآية إلى قوله: ﴿لَأيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، والقول في مطلع الآيتين واحد.
فمن المفسرين والمعربين من رجَّح هنالك بأن لفظ (الخلق) مصدر باقٍ على حاله (٢)، وقليلٌ من رجَّح أنه بمعنى المفعول (٣).
٢) أدلة القول الأول في المسألة:
يستدل للقول بأن الخلق في الآية مصدر بدليلين:
الأول: أن هذا هو ظاهر اللفظ من غير تجوُّز في معناه، فإن الأصل في لفظ (الخلق) والمعهود في مثل وزنه أن يكون مصدرًا يدل على الحدث.
الثاني: السياق، وذلك فيما ذكره السمين الحلبي، من عطف المصدر عليه في قوله: ﴿وَاخْتِلَافِ﴾، فالملائم مع ذكر المصدر الصريح بعده أن يكون ما قبله مصدرًا أيضًا،
стр. 271
فيجتمع المصدران في إفادة كونهما آياتٍ لأولي الألباب (١).
٣) أدلة القول الثاني في المسألة:
يمكن أن يستدل للقول بأن لفظ (الخلق) في الآية أُريد به المخلوق بدليلين أيضًا:
الأول: الاستدلال بالكثرة والشهرة في اللغة، فكثيرًا ما يأتي المصدر في اللغة بمعنى المفعول (٢)، ومن أشهر الأمثلة في ذلك أن يأتي الخلق بمعنى المخلوق كما تقدم.
الثاني: الاستدلال بالمناسبة، فإن الله ذكر أن في هذا الخلق آيات، والآياتُ التي تُشاهد إنما هي في الأعيان والذوات التي هي المخلوقات، وليست في الحدث الذي هو الخلق (٣).
٤) الموازنة بين الأدلة:
الذي يظهر أن الأولى إبقاء المصدر على حاله خصوصًا أنه لم يأت ما يوجب صرفه عن ذلك، وهذا هو المتوافق مع القاعدة الترجيحية التي ذكرها السمين الحلبي كما تقدم.
وأما القول بأن الآيات المشاهدة هي المخلوقات، فإنه لا يُوجب صرف المصدر عن أصله، لأنه قد جاء العطف بعده بالمصدر الصريح، وهو (الاختلاف)، وهذا المصدر حَدَثٌ لا يُشاهد، وإنما تُشاهد آثاره، وكذلك يقال في المصدر قبله وهو (الخلق).
وأما الاستدلال بكثرة وشهرة استعمال لفظ (الخلق) بمعنى المخلوق فإن هذا لم يُخرِج لفظ (الخلق) عن مصدريته، بل استعماله في اللغة بمعنى المصدر حقيقةٌ لم تُهجر، وإنما جعله بمعنى المفعول هو المجاز (٤)، فإذا كانت الحقيقة باقية فالأولى البقاء عليها حتى يأتي ما يُوجب الصرف عنها.
والسياق يشير إلى أن (الخلق) مصدر كما ذكر السمين الحلبي، وأيضًا، فإن هذا هو المتناسب في إضافة ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى لفظ (الخلق)، فتكون الإضافة هنا أقوى، من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، بخلاف القول بأن الخلق بمعنى المخلوق فإن الإضافة في تلك الحالة لن تكون قوية؛ إذ السماوات والأرض مخلوقة أضيفت إلى مخلوق، ولو كان المراد المخلوقات من السماوات والأرض وحدها لجاء الحديث عنها مباشرة دون الحاجة إلى إضافتها
стр. 272
إلى لفظ (الخلق) كما في قوله: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣].
والقول بأن لفظ (الخلق) مصدر أعم من حيث المعنى، ويشمل القول الآخر، بل إن القول الآخر فرعٌ عنه؛ قال ابن عاشور في الآية التي في سورة البقرة: "و (الخلق) هنا بمعنى المصدر، واختير هنا لأنه جامع لكل ما فيه عبرة من مخلوقات السماوات والأرض، وللعبرة أيضًا في نفس الهيئة الاجتماعية من تكوين السماوات والأرض والنظام الجامع بينها، فكما أن كل مخلوق منها أو فيها هو آية وعبرة فكذلك مجموع خلقها" (١)، فالقول بأن (الخلق) مصدر يشمل المعنى الآخر وزيادة.
٥) النتيجة:
الراجح أن لفظ (الخلق) في الآية مصدر باق على حالة، فإن ذلك أولى من التجوُّز به، وهذا القول أعمُّ في المعنى ويشمل القول الآخر، وذلك أولى من تخصيص المعنى بغير ما يُوجب التخصيص.
كما أن هذا القول أقرب في الدلالة على فعل الله وهو محل العبرة.
هذا، وقد أثار الرازي عند الآية التي في سورة البقرة مسألةً فلسفية، هل (الخلق هو المخلوق) أو هو غيره؟ وهي مسألة متشعبة تقلَّدها أكثر الأشاعرة وغيرهم من أهل الكلام، وفرُّوا بذلك من أن يقال إن الخلق فعلٌ قائم بالله، فقالوا إن الخلق هو المخلوق، وهي إحدى المسالك التي يتفرَّع عنها نفي الصفات، وأهل السنة على خلاف ذلك (٢).
وقد كان من تشعُّب هذه المسألة أن أوردها بعض النحاة في كتبهم وصار النقاش في بعض تفاصيلها يستند إلى مسائل لفظية، وبعض الذين يقولون بأن لفظ (الخلق) في تلك الآية بمعنى المخلوق يستندون إلى هذه الفلسفة (٣)، والله الهادي.
стр. 273
المسألة الثانية: المراد بالذكر في قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]
• أصل الخلاف في المسألة:
الخلاف في الهيئات المذكورة في الآية: ﴿قِيَاما وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾؛ هل جاءت مقصودةً لذاتها أو أنها جاءت على سبيل استغراق جميع الهيئات التي يمر بها الإنسان، وينتج عن هذا تحديد المراد بالذكر ليتناسب مع هذه الهيئات المذكورة.
• نص المسألة:
قال السمين الحلبي ﵀: "والظاهر أن المراد: الذكر باللسان، ويجوز بالقلب، وبمجموع الأمرين.
والظاهر أيضًا أن الذكر بالتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير، كقولك: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ونحو ذلك.
وذهب ابن عباس إلى أن المراد بالذكر الصلوات، وأن ذلك بحسب أحوال المكلفين، فالقادر الصحيح يصلي قائمًا، والعاجز عن القيام يصلي قاعدًا، والعاجز عن القعود يصلي مضطجعًا على جنبه، كما في الحديث: (صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبك) (١) … وقيل: عبَّر بذلك عن صلاة الليل خاصة؛ أي: ما صلاها قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، وقيل: في النفل مطلقًا من ليلٍ أو نهار، والمتنفل يخيَّر بين القيام والقعود؛ إذ إن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم" (٢).
стр. 274
• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح:
يرجِّح السمين الحلبي أن المراد بالذكر في الآية هو الذكر باللسان، ويظهر هذا الترجيح من وجهين:
الأول: لفظ الترجيح، وذلك في قوله: (والظاهر أن المراد: الذكر باللسان)، والقول الظاهر عنده يقدِّمه ويفضِّله على غيره من الأقوال.
الثاني: أنه أعاد لفظ الترجيح في تفصيل هذا القول، وبيَّن وجهه وكيفيته، وذلك في قوله: (والظاهر أيضًا … )، وقوله: (كقولك … )، والبيانُ التام للقول مع ذكر الراجح في كيفيته يدل على أنه يختار هذا القول ويعمل به.
• دراسة المسألة:
١) مذاهب أهل العلم في المسألة:
إطلاق الذِّكر في كلام أهل العلم ينصرف إلى القول بأن المراد من الذِّكر في الآية ذِكْرُ اللسان، سواء كان برفع الصوت أو بدونه، وهذا هو قول الجمهور كما ذكره بعض المفسرين (١)، بل كتب التفسير تكاد تطبق على هذا القول (٢)، وإن كان بعضهم يذكر حديث عمران بن حصين في الصلاة، لكنهم لم يخصصوا معنى الآية به، وذَكَر الآيةَ عددٌ من المحققين أثناء تعرضهم للكلام عن الذكر باللسان (٣).
وهو المروي عن ابن جريج (٤)، وهو الظاهر مما روي عن مجاهد وقتادة (٥).
стр. 275
وقد قال بعض المفسرين إن المراد هو الذكر بالقلب سواء قارنه الذكر باللسان أو لا (١).
ومن المفسرين من حمل الذِّكرَ في الآية على أن المراد به الصلاة (٢)، وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وفيه ضعف (٣)، والأشبه في الرواية أنها في الآية الأخرى المشابهة لهذه الآية، وهي قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، فإن روايته قد ذُكرت هنالك (٤).
وعزا الثعلبي هذا القول إلى علي بن أبي طالب وابن عباس والنخعي وقتادة (٥)، وحكى بعض أهل العلم هذا القول عن الحسن البصري، وعن الضحاك في تفسيره (٦).
٢) أدلة القول الأول في المسألة:
استدل السمين الحلبي على أن المراد بالذكر في الآية هو الذكر باللسان بأن هذا هو الظاهر المتبادر للذهن في مدح الذاكرين أن يكون المراد بالذكر هو الذكر باللسان، كما قال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وكما قال في ذم المنافقين: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢]، فعلى هذا المعنى يدور المدح والذم.
٣) أدلة القول الثاني في المسألة
استدل من قال بأن المراد في الآية ذكر القلب بالسياق، وذلك أن الآيات سيقت لبيان حال أولي الألباب الذين يجدون في خلق السماوات والأرض آيات تدل على توحيد الله وإخلاص الدين له، وهذا الاستدلال وهذا التوحيد أصله في القلب (٧).
стр. 276
٤) أدلة الأقوال الأخرى في المسألة:
يستدل على أن المراد بالذكر في الآية الصلاة -فرضًا كانت أو نفلًا، في ليلٍ أو نهار- بالمناسبة، وذلك في الهيئات المذكورة من القيام والقعود والاضطجاع، فالتدرج المذكور فيها يوافق التدرج في حال المصلي، كما في حديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (١)، إلا أن التدرُّج في صلاة الفرض إنما يكون في حال الاضطرار، وهو في النفل على سبيل التفضيل بين القيام وبين القعود.
٥) الموازنة بين الأدلة:
الذكر الذي في القلب في كلام أهل العلم ينصرف إلى أحد أمور ثلاثة (٢):
الأول: ذكر الله بالقلب عند أوامره ونواهيه، فينتهى عما نهى عنه، ويمتثل ما أمر به، ويتوقف عما أشكل عليه، فهذا وإن كان يسمى ذكرًا كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، إلا أنه ليس هو المراد بالذكر عند الإطلاق، وإنما المعهود بالذكر ذكرُ اللسان.
الثاني: التفكُّر في عظمة الله وجلاله وجبروته وملكوته وآياته، في أرضه وسماواته، فهذا أشبه بالتأمل والتفكر، فيكون عطف التفكُّر في الآية بعده فيه تكرار، ويكون الذكر والتفكر في الآية مترادفين، وهذا يخالف قاعدة الترجيح التي سبق ذكرها عن السمين الحلبي: (حمل ألفاظ الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف).
الثالث: استحضار الأذكار من التسبيح والتهليل ونحوه من أذكار اللسان إذا لم ينطق بها اللسان، وهذا ناقص، فمن المعلوم أن ذكر اللسان مع حضور القلب هو الأكمل، وليس المراد بذكر اللسان في المسألة هنا أن يكون تمتمةً لا روح لها.
وأما الاستدلال بالسياق على ذكر القلب، وأن الآية أقرب في الإشارة إلى عمل القلب، لأنه هو المناسب مع قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
стр. 277
لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وذلك لأن الاستدلال بخلق السماوات والأرض عمل قلبي، فهذا لا يمنع من القول بأن المراد ذكرُ اللسان، لأن ذلك الاستدلال أُشير إليه بلفظ التفكر في الآية، وبقي وصفهم الظاهر وهو الذكر باللسان، وهذا أبين في وصفهم؛ أن يكون الذكر بأمرٍ ظاهر عليهم، وهو الذكر باللسان، فتكون الآية قد بدأت في وصف أولي الألباب بالأمر العام الظاهر عليهم، وهو ذكرهم الله بألسنتهم في كل أحوالهم.
وأما القول بأن المراد بالذكر في الآية الصلاة فإنه لا يتناسب مع السياق (١)، فإن الآية سيقت في مدح أولي الألباب بذكرهم، والمناسب مع المدح أن يكون ذكرهم كثيرًا في كل الأحوال والهيئات، وأما إن قيل إن المراد بالذكر الصلاة، فإن ذكرهم سيكون في هيئة واحدة؛ إما قيامًا إن استطاعوا، أو قعودًا إن عجزوا عن القيام، أو على جنوبهم إن عجزوا عن القعود، وتلك رخصة من الله يقوم بها كل مسلم في صلاته، وليست حالًا يُمدح بها أهل الذكر، ويظهر البُعد أكثر في صلاة النافلة إذا كان المرء قادرًا على القيام وصلَّى قاعدًا، فإنه لا يمدح بذلك، ولذلك كان أجره على النصف من أجر القائم.
والقول بأن المراد بالذكر في الآية الذكرُ باللسان هو أعم من القول بأن المراد بالذكر الصلاة، فهو أحق بالمدح، ويدخل فيه الذكر في الصلاة، فالقول بالعموم أولى.
والمناسب في تفسير الهيئات المذكورة في الآية هو ما ذكره ابن جرير الطبري، بأنهم يذكرون الله قيامًا في حال الصلاة، وقعودًا في كل الأحوال التي يقعدون فيها؛ في الصلاة وغيرها، وعلى جنوبهم في حال سكونهم وارتياحهم (٢)، وبهذا القول يحصل العموم في كل الأحوال؛ في الصلاة وفي خارج الصلاة، وبيان ذلك أن القيام حال شغل، فالمناسب أن يُربط بالشغل الذي جاء به الشرع، وهو الصلاة، والقعود في الغالب حال فراغ، فالمناسب له العموم في كل قعود، والاضطجاع لا يُحمد إلا في حال الاستجمام والارتياح، فيُربط بهذه الحال، والله أعلم.
٦) النتيجة:
الراجح أن المراد بالذكر في الآية ذكرُ الله باللسان، فإنه هو الظاهر المعهود في المراد بالذكر، وهو المناسب مع المدح في الآية؛ لأنه الوصف الذي يظهر على المرء، بخلاف ذكر القلب،
стр. 278
ولأنه أعم من القول بأن الذكر هو الصلاة والذكر في الصلاة فرعٌ عنه.
قال ابن عباس ﵄: "لا يفرض الله على عباده فريضةً إلا جعل لها حدًّا معلوما، ثم عذر أهلها في حال عذر، غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله؛ قال: اذكروا الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم، بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال" (١).
стр. 279
المسألة الثالثة: الحكم المستنبط من قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾
• أصل الخلاف في المسألة:
هذه مسألة فقهية متفرعة عن القول السابق بأن المراد بالذكر في الآية الصلاة، وهل يُعتدُّ بهذا القول أو لا، فما تكون حال الرجل إذا لم يستطع الصلاة قائمًا ولا قاعدًا؟ وسبب الخلاف تعدد الأحاديث في ذلك، وتعدد الروايات في الحديث الواحد.
• نص المسألة:
قال السمين الحلبي ﵀ بعد الفراغ من المسألة السابقة في المراد بالذكر في الآية: "وإذا قلنا إنها الصلاة ففيها دليلٌ ظاهرٌ للشافعي ﵀، حيث قال في العاجز عن القعود أنه يضطجع على جنبه الأيمن، كالميت في لحده، فيُفضي بوجهه إلى القبلة ويُومئ برأسه.
وعند أبي حنيفة: يستلقي على قفاه، وهو محجوج بالآية.
ويدل للشافعي أيضًا حديثُ عمران بن حصين حيث قال له رسول الله ﷺ : «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبك؛ تُومئ إيماءً» (١) " (٢).
• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح:
سبق أن السمين الحلبي لم يرجِّح أن المراد بالذكر في الآية الصلاة، لكنه لا يبطل هذا القول، ولم يتكلم هنا في ترجيح أصل القول، وإنما تكلَّم في مسألة تتفرع عنه ورجَّح فيها، فهو يرجِّح أن الذي لا يستطيع الصلاة قائمًا ولا قاعدًا أنه يصلي على جنبه، ويظهر هذا الترجيح من ثلاثة وجوه:
الأول: أنه استدل لهذا القول بالآية والحديث ولم يستدل للقول الآخر.
الثاني: أنه تعقَّب القول الآخر بأن الحجة عليه بالآية، فهو يبطل هذا القول ولا يعتدُّ به، ويرجِّح القول الأول في المسألة.
стр. 280
الثالث: أن شافعي المذهب ويرجِّح ما ذهب إليه الشافعي، ويظهر هذا الوجه في اعتماده لمذهب أصحابه الشافعية في هذه المسألة وكلامه في تفصيلها، حيث قال بعد الفراغ منها: "نعم؛ عندنا خلاف فيمن قال له الطبيب: إن صليت مستلقيًا أمكن مداواتك؛ هل يجوز في حقه هذا أم لا؟ " (١)، فهو يوافق مذهبه في الاضطجاع على الجنب، ويبين أن الاستلقاء على الظهر ليس قولًا في مذهبه إلا في حالة مخصوصة على خلافٍ في ذلك.
• دراسة المسألة:
١) مذاهب أهل العلم في المسألة:
ذهب الشافعية وأكثر المفسرين إلى القول بأن العاجز عن القيام والقعود يصلي على جنب، واستشهدوا بالآية في ذلك (٢).
وهو قول الشافعي وأصح الأوجه في مذهب الشافعية (٣)، وهو مذهب الحنابلة أيضًا (٤).
وذهب الحنفية إلى أن مَنْ عجز عن القعود فإنه يصلي مستلقيًا على ظهره (٥).
وهذا هو المروي عن أبي حنيفة (٦).
وروي عن ابن عمر ﵄ ما يؤيد كلا القولين (٧)، وذكر بعض أهل العلم أن مذهبه في ذلك أن مَنْ عجز عن الصلاة على جنبه فإنه يصلي مستلقيًا على ظهره (٨).
وقال مالك بالتخيير بين الأمرين (٩).
стр. 281
٢) أدلة القول الأول في المسألة:
ذكر السمين الحلبي دليل القول بأن الاضطجاع على الجنب يكون بعد العجز عن القيام والقعود، وهو أمران (١):
الأول: ما أشارت إليه الآية، وذلك في قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، حيث ذكر الاضطجاع على الجنب بعد القيام والقعود، ولم يذكر الاستلقاء على الظهر.
والثاني: حديث عمران بن حصين، وهو صريحٌ في المسألة، حيث قال ﷺ : (صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبك) (٢).
٣) أدلة القول الثاني في المسألة:
استدل الحنفية للقول بأن الذي لا يستطيع القيام ولا القعود أنه يصلي مستلقيًا على قفاه بما روي عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يصلي المريض قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى قفاه) (٣)، وبما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال في المريض: إن لم يستطع قاعدًا، فعلى القفا (٤).
٤) الموازنة بين الأدلة:
الذي يظهر أن الدليل على القول بالاضطجاع على الجنب أقوى، لأن الدليل عليه آيةٌ وحديثٌ صحيح ثابت، بخلاف دليل القول بالاستلقاء على الظهر، فإن الحديثين المذكورين فيه لم تثبت روايتهما في كتب السنة بنفس اللفظ الذي استدلوا به؛ أما حديث علي ﵁ فإنما روي بلفظ آخر: (فإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا صلَّى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلَّى مستلقيًا ورجلاه مما يلي القبلة) (٥)، فإن كان هذا اللفظ هو الثابت من حديث علي ﵁ فإنه لا يكون حجة للقول بأن الاستلقاء
стр. 282
على الظهر يكون بعد العجز عن القعود (١).
وأما حديث عبد الله بن عمر ﵄ فإنه روي بلفظ: (المريض يصلي قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فمضطجعًا) (٢)، وهو بهذا اللفظ يُحمل على أنه الاضطجاع على الجنب وليس على القفا، لأن ذلك هو المعهود في اللغة (٣)، ولأنه جاء بيانه في حديث عمران بن حصين ﵁.
وبهذا يتبين أن الحديثين يتبعان حديث عمران بن حصين، فهما حجة للقول بأن الاضطجاع على الجنب هو المقدَّم بعد العجز عن القعود (٤).
واعترض بعض أهل العلم على حديث عمران بن حصين ﵁ بأنه حالة مخصوصة، فإن عمران بن حصين ذكر في الحديث أنه كانت به بواسير فسأل النبي ﷺ عن الصلاة فأرشده إلى أن يصلي قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب؛ قالوا: فأرشده النبي أن يصلي على جنبه لأنه لا يمكنه أن يستلقي على قفاه بسبب ما به من البواسير (٥)، ويمكن الجواب عنه بأمور:
الأول: أن النبي ﷺ أجابه بجواب عام يشمل حالته وحالة غيره من المرضى، فذكر له القيام في أول الأمر، وليست علة البواسير على ما فيها من الأذى بمانعةٍ من القيام (٦).
الثاني: أنه قد ذكر أهل العلم أن النسائي روى الحديث عن عمران بن حصين، وزاد: (فإن لم تستطع فمستلقيًا؛ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) (٧)، فأرشده النبي
стр. 283
صلى الله عليه وسلم إلى الاستلقاء على الظهر إن لم يستطع إن يصلي على جنبه، وهذه الزيادة إن ثبتت فهي نصٌّ على أن الاستلقاء على الظهر إنما يكون بعد العجز عن الاضطجاع على الجنب (١).
ثم الشأن في الآية التي نحن فيها، فإنها أشارت إلى أفضلية الاضطجاع على الجنب على غيره من حالات الترفق وطلب الراحة، وحتى إن قلنا بأن الآية في الذِّكر، وأن المذكور فيها من القيام والقعود والاضطجاع على الجنب إنما يراد به عموم حالات الإنسان، فإن الآية أشارت إلى أن هذه الحالات الثلاث هي الأصول وغيرها مما يماثلها يكون تابعًا لها، وعليه فيكون الاستلقاء على الظهر تابعًا للاضطجاع على الجنب ولا يكون مقدَّمًا عليه عند إمكانه؛ قال الشهاب الخفاجي: "لمَّا حصر أمر الذاكر في الثلاثة دل على أن غيرها ليس من هيئته، والصلاة مشتملة على الذكر فلا ينبغي أن تكون على غيره، فتأمَّل" (٢).
٥) النتيجة:
الراجح أن من عجز عن القيام والقعود في الصلاة فإنه يضطجع على جنبه الأيمن، لأن الآية أشارت إلى أن الاضطجاع على الجنب أفضل من غيره، ولأن الأحاديث ثبتت في بيان ذلك.
وهذا أبلغ في استقبال القبلة، فإن المضطجع على جنبه يستقبل القبلة بكل بدنه، بخلاف المستلقي على ظهره، فإنه يستقبل السماء ببدنه (٣)، ثم إنه يُكلَّف بالاستناد إلى وسادة أو نحوها لأجل أن يستطيع أن يستقبل القبلة بوجهه (٤)، فالاضطجاع على الجنب أرفق به.
стр. 284
المسألة الرابعة: المراد من عموم ذكر الله على كل أحوال الإنسان
• أصل الخلاف في المسألة:
عاد السمين الحلبي إلى القول الذي رجَّحه بأن المراد بالذكر في الآية الذكر باللسان على كل أحوال الإنسان، وذكر مسألة متفرعة عن هذا القول تتعلق بمكانة الذكر، فهل يستفاد من عموم ذكر الله على كل أحوال الإنسان مشروعية الذكر في الخلاء وعند قضاء الحاجة استزادةً من الذكر لأجل فضله وعظيم أجره، أو أنه ينهى عن ذلك تنزيهًا للذكر وتشريفًا لمحلِّه.
• نص المسألة:
قال السمين الحلبي ﵀: "واختلف الناس في هذه الآية أيضًا بالنسبة إلى العموم في الأحوال والأمكنة، والمشهور أن ذلك مخصوص عند القاضي حاجته، لا سيما في الكنف المُعدَّة لذلك، ومذهب الشافعي أن ذكر الله في ذلك المكان وفي هذه الحالة حرام.
وإذا كان يحرم عليه الدخول بشيءٍ فيه ذكر الله تعالى أو ذكر رسوله فالنطق به أولى بالحُرمة، …
وممن أخذ بظاهر الآية وعمومها عبد الله بن عمرو وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين؛ يجوز أن يذكر الله حتى في هذه الحالة وهذا المكان.
وكره ذلك ابن عباس والشعبي وعطاء. كراهةُ ذلك يجوز أن تكون كراهة تنزيه كما هو الظاهر، وأن تكون كراهة تحريم، وهو الأليق بحالهم" (١).
• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح:
يظهر أن السمين الحلبي يرجِّح القول بأن العموم في ذكر الله على كل الأحوال الوارد في الآية ليس على إطلاقه في كل موطن، بل هو مخصوص ومقيَّد، فلا يجوز ذكر الله في حالة قضاء الحاجة وفي مكان قضاء الحاجة، ويظهر هذا الترجيح من أربعة وجوه:
الأول: أنه قدَّم القول بالتخصيص، ووصفه بأنه المشهور كأنه يقتصر عليه في المسألة.
الثاني: أنه استدل له بالقياس، وجعله من باب أولى وأحرى وذلك في قوله: (فالنطق به
стр. 285
أولى بالحُرمة)، ولم يستدل للقول الآخر.
الثالث: أنه ذكر أنه مذهب الشافعي، وهو شافعي المذهب.
الرابع: أنه تعقَّب القول الآخر ولم يتركه، بل ذكر من كرهه من الصحابة والتابعين، وجعل الأليق بحالهم أنهم يرون تحريمه، فأولى به هو أنه يرى ذلك أيضًا.
• دراسة المسألة:
١) مذاهب أهل العلم في المسألة:
صرَّح بعض أهل العلم بجواز ذكر الله في مكان الخلاء (١).
وروي ذلك عن محمد بن سيرين، ورويت الكراهة عن ابن عباس من الصحابة وأبي وائل الأسدي وأبي ميسرة وعبد الله بن أبي الهذيل من التابعين، وهو الظاهر مما روي عن الحسن البصري، وروي عن إبراهيم النخعي والشعبي كراهية قراءة القرآن في تلك الحال، وروي عن عطاء بن أبي رباح أن الملائكة لا تشهد على الخلاء (٢).
وحمل أهل العلم الكراهة المذكورة عن بعض الصحابة والتابعين أنها للتنزيه وليس للتحريم (٣).
والقول بالكراهة هو المشهور في المذاهب الأربعة: الحنفية (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧).
وكذلك حُملت الكراهة المذكورة في حديث النبي ﷺ أنها كراهة التنزيه (٨).