← Тафсир

Тафсир · id 1109

ترجيحات السمين الحلبي - من آية 138 سورة آل عمران إلى آخر السورة

عبد الله بن سليمان النملة

Полный текст (376 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٢) أدلة القول الأول في المسألة: ذكر السمين الحلبي دليل القول بأن الاضطجاع على الجنب يكون بعد العجز عن القيام والقعود، وهو أمران (١): الأول: ما أشارت إليه الآية، وذلك في قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، حيث ذكر الاضطجاع على الجنب بعد القيام والقعود، ولم يذكر الاستلقاء على الظهر. والثاني: حديث عمران بن حصين، وهو صريحٌ في المسألة، حيث قال ﷺ : (صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبك) (٢). ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: استدل الحنفية للقول بأن الذي لا يستطيع القيام ولا القعود أنه يصلي مستلقيًا على قفاه بما روي عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يصلي المريض قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى قفاه) (٣)، وبما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال في المريض: إن لم يستطع قاعدًا، فعلى القفا (٤). ٤) الموازنة بين الأدلة: الذي يظهر أن الدليل على القول بالاضطجاع على الجنب أقوى، لأن الدليل عليه آيةٌ وحديثٌ صحيح ثابت، بخلاف دليل القول بالاستلقاء على الظهر، فإن الحديثين المذكورين فيه لم تثبت روايتهما في كتب السنة بنفس اللفظ الذي استدلوا به؛ أما حديث علي ﵁ فإنما روي بلفظ آخر: (فإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا صلَّى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلَّى مستلقيًا ورجلاه مما يلي القبلة) (٥)، فإن كان هذا اللفظ هو الثابت من حديث علي ﵁ فإنه لا يكون حجة للقول بأن الاستلقاء

стр. 282

على الظهر يكون بعد العجز عن القعود (١). وأما حديث عبد الله بن عمر ﵄ فإنه روي بلفظ: (المريض يصلي قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فمضطجعًا) (٢)، وهو بهذا اللفظ يُحمل على أنه الاضطجاع على الجنب وليس على القفا، لأن ذلك هو المعهود في اللغة (٣)، ولأنه جاء بيانه في حديث عمران بن حصين ﵁. وبهذا يتبين أن الحديثين يتبعان حديث عمران بن حصين، فهما حجة للقول بأن الاضطجاع على الجنب هو المقدَّم بعد العجز عن القعود (٤). واعترض بعض أهل العلم على حديث عمران بن حصين ﵁ بأنه حالة مخصوصة، فإن عمران بن حصين ذكر في الحديث أنه كانت به بواسير فسأل النبي ﷺ عن الصلاة فأرشده إلى أن يصلي قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب؛ قالوا: فأرشده النبي أن يصلي على جنبه لأنه لا يمكنه أن يستلقي على قفاه بسبب ما به من البواسير (٥)، ويمكن الجواب عنه بأمور: الأول: أن النبي ﷺ أجابه بجواب عام يشمل حالته وحالة غيره من المرضى، فذكر له القيام في أول الأمر، وليست علة البواسير على ما فيها من الأذى بمانعةٍ من القيام (٦). الثاني: أنه قد ذكر أهل العلم أن النسائي روى الحديث عن عمران بن حصين، وزاد: (فإن لم تستطع فمستلقيًا؛ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) (٧)، فأرشده النبي

стр. 283

صلى الله عليه وسلم إلى الاستلقاء على الظهر إن لم يستطع إن يصلي على جنبه، وهذه الزيادة إن ثبتت فهي نصٌّ على أن الاستلقاء على الظهر إنما يكون بعد العجز عن الاضطجاع على الجنب (١). ثم الشأن في الآية التي نحن فيها، فإنها أشارت إلى أفضلية الاضطجاع على الجنب على غيره من حالات الترفق وطلب الراحة، وحتى إن قلنا بأن الآية في الذِّكر، وأن المذكور فيها من القيام والقعود والاضطجاع على الجنب إنما يراد به عموم حالات الإنسان، فإن الآية أشارت إلى أن هذه الحالات الثلاث هي الأصول وغيرها مما يماثلها يكون تابعًا لها، وعليه فيكون الاستلقاء على الظهر تابعًا للاضطجاع على الجنب ولا يكون مقدَّمًا عليه عند إمكانه؛ قال الشهاب الخفاجي: "لمَّا حصر أمر الذاكر في الثلاثة دل على أن غيرها ليس من هيئته، والصلاة مشتملة على الذكر فلا ينبغي أن تكون على غيره، فتأمَّل" (٢). ٥) النتيجة: الراجح أن من عجز عن القيام والقعود في الصلاة فإنه يضطجع على جنبه الأيمن، لأن الآية أشارت إلى أن الاضطجاع على الجنب أفضل من غيره، ولأن الأحاديث ثبتت في بيان ذلك. وهذا أبلغ في استقبال القبلة، فإن المضطجع على جنبه يستقبل القبلة بكل بدنه، بخلاف المستلقي على ظهره، فإنه يستقبل السماء ببدنه (٣)، ثم إنه يُكلَّف بالاستناد إلى وسادة أو نحوها لأجل أن يستطيع أن يستقبل القبلة بوجهه (٤)، فالاضطجاع على الجنب أرفق به.

стр. 284

المسألة الرابعة: المراد من عموم ذكر الله على كل أحوال الإنسان • أصل الخلاف في المسألة: عاد السمين الحلبي إلى القول الذي رجَّحه بأن المراد بالذكر في الآية الذكر باللسان على كل أحوال الإنسان، وذكر مسألة متفرعة عن هذا القول تتعلق بمكانة الذكر، فهل يستفاد من عموم ذكر الله على كل أحوال الإنسان مشروعية الذكر في الخلاء وعند قضاء الحاجة استزادةً من الذكر لأجل فضله وعظيم أجره، أو أنه ينهى عن ذلك تنزيهًا للذكر وتشريفًا لمحلِّه. • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "واختلف الناس في هذه الآية أيضًا بالنسبة إلى العموم في الأحوال والأمكنة، والمشهور أن ذلك مخصوص عند القاضي حاجته، لا سيما في الكنف المُعدَّة لذلك، ومذهب الشافعي أن ذكر الله في ذلك المكان وفي هذه الحالة حرام. وإذا كان يحرم عليه الدخول بشيءٍ فيه ذكر الله تعالى أو ذكر رسوله فالنطق به أولى بالحُرمة، … وممن أخذ بظاهر الآية وعمومها عبد الله بن عمرو وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين؛ يجوز أن يذكر الله حتى في هذه الحالة وهذا المكان. وكره ذلك ابن عباس والشعبي وعطاء. كراهةُ ذلك يجوز أن تكون كراهة تنزيه كما هو الظاهر، وأن تكون كراهة تحريم، وهو الأليق بحالهم" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يظهر أن السمين الحلبي يرجِّح القول بأن العموم في ذكر الله على كل الأحوال الوارد في الآية ليس على إطلاقه في كل موطن، بل هو مخصوص ومقيَّد، فلا يجوز ذكر الله في حالة قضاء الحاجة وفي مكان قضاء الحاجة، ويظهر هذا الترجيح من أربعة وجوه: الأول: أنه قدَّم القول بالتخصيص، ووصفه بأنه المشهور كأنه يقتصر عليه في المسألة. الثاني: أنه استدل له بالقياس، وجعله من باب أولى وأحرى وذلك في قوله: (فالنطق به

стр. 285

أولى بالحُرمة)، ولم يستدل للقول الآخر. الثالث: أنه ذكر أنه مذهب الشافعي، وهو شافعي المذهب. الرابع: أنه تعقَّب القول الآخر ولم يتركه، بل ذكر من كرهه من الصحابة والتابعين، وجعل الأليق بحالهم أنهم يرون تحريمه، فأولى به هو أنه يرى ذلك أيضًا. • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: صرَّح بعض أهل العلم بجواز ذكر الله في مكان الخلاء (١). وروي ذلك عن محمد بن سيرين، ورويت الكراهة عن ابن عباس من الصحابة وأبي وائل الأسدي وأبي ميسرة وعبد الله بن أبي الهذيل من التابعين، وهو الظاهر مما روي عن الحسن البصري، وروي عن إبراهيم النخعي والشعبي كراهية قراءة القرآن في تلك الحال، وروي عن عطاء بن أبي رباح أن الملائكة لا تشهد على الخلاء (٢). وحمل أهل العلم الكراهة المذكورة عن بعض الصحابة والتابعين أنها للتنزيه وليس للتحريم (٣). والقول بالكراهة هو المشهور في المذاهب الأربعة: الحنفية (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧). وكذلك حُملت الكراهة المذكورة في حديث النبي ﷺ أنها كراهة التنزيه (٨).

стр. 286

٢) أدلة القول الأول في المسألة: يمكن أن يستدل على النهي عن ذكر الله في أماكن الخلاء وفي حال قضاء الحاجة بأمرين: الأول: ما ثبت في السنة من الدلالة على كراهية ذكر الله في حال قضاء الحاجة، فقد روى عبد الله بن عمر "أن رجلًا مرَّ ورسول الله ﷺ يبول، فسلَّم، فلم يرد عليه" (١)، وجاء عن المهاجر بن قنفذ ﵁ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسَلَّم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طُهر أو قال: على طهارة) (٢)، فهذا يدل على كراهية ذكر الله في حال قضاء الحاجة، وإن كان ذلك الذكر واجبًا (٣). الثاني: ما ذكره السمين الحلبي من قياس الأَولى، فإذا كان يُنهى عن دخول الخلاء بكتابٍ فيه ذكر الله تعالى، فإن النهي عن الإفصاح عما في الكتاب والنطق به من باب أولى. وأيضًا، فإنه إذا كان النبي ﷺ لم يرد السلام الواجب في حال قضاء الحاجة تنزيهًا، فغيره من الذكر المستحب من باب أولى (٤). ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: يستدل للقول بجواز ذكر الله في مكان الخلاء وفي حال قضاء الحاجة بأن ظاهر الآية العموم في كل الأحوال، فيدخل فيها حال الخلاء، وكذلك جاء العموم في حديث عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه" (٥)، وجاء الأمر بذكر الله مطلقًا من غير استثناء كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرا﴾ [الأحزاب: ٤١]، وقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] (٦).

стр. 287

٤) الموازنة بين الأدلة: أما ما جاء من الإطلاق في ذكر الله في هذه الآية وغيرها فإن السنة هي التي تبين آيات القرآن وتوضحها، والذي ثبت في السنة إنما هو كراهية ذكر الله في الخلاء، وذلك بالامتناع من رد السلام في تلك الحال، لأن السلام يتضمن ذكر الله ودعاءه، ولو كان الذكر في تلك الحال غير مكروه لم يمتنع النبي ﷺ من رد السلام. وقد بيَّن ﵊ الأصلَ في تنزيه الذكر في قوله: (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طُهر أو قال على طهارة)، ففي هذا بيان أن الذكر مكروه في الأحوال التي تخالف الطُهر والطهارة، وأشد تلك الأحوال حال التخلي وقضاء الحاجة. وقد شهِد القياس لهذا المعنى فيما ذكره السمين الحلبي من المنع من دخول الخلاء بشيء في ذكر الله، وكذلك أيضًا ما جاء من المنع من إقامة الصلاة في مواضع النجاسة، والصلاة إنما هي ذكرٌ ودعاء. وأما ما ثبت في السنة من أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه، فقد ذكر ابن القيم ما مضمونه أن هذا الحديث يدل على أنه صلى الله عليه كان يذكر ربه في حال طهارته وجنابته، وأما في حال التخلي فلم يكن أحدٌ يشاهده حتى يحكي سنته في ذلك، ولكنه ﷺ شرع لأمته من الأذكار قبل التخلي وبعده ما يدل على مزيد الاعتناء بالذكر، وأما عند نفس قضاء الحاجة فلا ريب أن لا يُكره بالقلب، لأنه لا بد لقلبه من ذكر، ولا يمكنه صرف قلبه عن ذكر من هو أحب إليه، فلو كُلِّف القلب نسيانه لكان تكليفًا بالمحال، فأما الذكر باللسان على هذه الحالة فليس مما شُرع لنا ولا نَدبنا إليه رسول الله ﷺ ، ويكفي في هذه الحال استشعار الحياء والمراقبة والنعمة عليه في هذه الحالة وهي من أجل الذكر، فذكر كل حالٍ بحسب ما يليق بها، واللائق بهذه الحال التقنُّع بثوب الحياء من الله تعالى وإجلاله (١). ٥) النتيجة: الراجح أن إطلاق الذكر في الآية لا يفيد مشروعية الذكر في حال الخلاء، لأنها حالٌ مستثناة ثبتت كراهيتها في السنة، فيكون حكمها الكراهة لا التحريم، لكن تعظُم الحرمة إذا

стр. 288

قصد بذلك امتهان الذكر وتحقيره، بل قد يؤدي ذلك إلى الكفر والعياذ بالله (١). وقد ثبت في النصوص الدلالة على شرف الذكر ومكانته، فقد جعل الله أشرف الهيئات لأجله، وهي الصلاة، فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، أي: لتذكرني فيها (٢)، وجعل الله أشرف الأماكن لأجله، وهي المساجد، فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، وهذا كله يدل على تنزيه الذكر أن يكون في مكان النجاسة أو في حال قضاء الحاجة.

стр. 289

المسألة الخامسة: وجه النصب في قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا﴾ • أصل الخلاف في المسألة: تعددت أوجه النصب في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا﴾، وكل وجه منها لا يخلو من إشكال، فلأجل ذلك رجَّح كل عالم ما ظهر له أنه أسهل هذه الأقوال واقربها، ولم يتفق أهل العلم على ترجيح أحد هذه الأوجه. • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "وفي انتصاب ﴿بَاطِلا﴾ خمسة أوجه، أظهرها أنه حالٌ من ﴿هَذَا﴾؛ أي: ما خلقته في هذه الحال، بل في حال الحقِّ الثابتِ الظاهرِ الحكمةِ والصواب، وحينئذ يكون من الأحوال اللازمة الذِّكر التي لا يستغنى عنها، لئلا يلزم نفي الفعل من الأصل، وليس ذلك مُرادًا قطعًا، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦]، فـ ﴿لَاعِبِينَ﴾ حالٌ لازمة لئلا يلزم نفي الخلق رأسًا … كونه نعتًا لمصدر محذوف؛ أي: خلْقًا باطلا، وهذا هو الوجه الثاني من انتصاب ﴿بَاطِلا﴾ … الثالث: انتصابه على المفعول من أجله؛ أي: ما خلقته لأجل الباطل، فإن قيل: شرط المفعول له أن يكون مصدرًا وهذا وصف، فالجواب أن المصدر قد جاء على (فاعل) نحو: العاقبة والعافية. الرابع: انتصابه على إسقاط الخافض وهو الباء؛ أي: ما خلقته بباطل، بل بحقٍّ وقُدره، ومثل هذا لا ينقاس. الخامس: أنه مفعولٌ ثانٍ لـ (خلق)، لأنها بمعنى (جعل) المتعدية لاثنين، وهذا غلطٌ من قائله، لأن النحاة نصوا على أن (جعل) متى كانت بمعنى (خلق) تعدَّت لواحد … وكأن قائل هذا يريد التضمين؛ أي إن (خلق) ضُمِّنت معنى (جعل) التي بمعنى (صيَّر) فتعدَّت بتعديها؛

стр. 290

أي: ما صيَّرت هذا باطلًا بالخلق. غير أنه غير مساعد عليه في النقل، إذ لم ينص أحدٌ على ذلك، بل نصوا على ما ذكرته" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن قوله تعالى ﴿بَاطِلا﴾ حالٌ من اسم الإشارة ﴿هَذَا﴾، وهذا الترجيح ظاهرٌ من وجهين (٢): الأول: لفظ الترجيح، وذلك في قوله: (أظهرها أنه حال)، وهذه الصيغة من أصرح الصيغ في الترجيح. الثاني: أنه ذكر توجيه هذا القول وما يزيل الإشكال عنه، وذلك ببيان نوع الحال وأنها حال لازمة لا يستغنى عن ذكرها، وليست فَضلَةً من حيث المعنى. • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: تباينت أقوال أهل العلم بين الوجوه المذكورة في المسألة، وأكثرهم جوَّز في المسألة أكثر من قول (٣)، ومنهم من ذكر أن بعض هذه الأوجه متساوية في الرجحان (٤). وغالب ترجيحات المفسرين مترددةٌ بين القول الأول (٥) والثاني (٦). وأكثر المعربين يرجِّح القول الثالث (٧).

стр. 291

أما القول الرابع فقد اختاره البغوي في تفسيره (١). ولم أقف على من رجَّح الوجه الخامس في المسألة دون غيره. ٢) أدلة القول الأول في المسألة: يمكن أن يستدل بأن وجه النصب في قوله تعالى ﴿بَاطِلا﴾ أنه حالٌ بأمرين: الأول: أن هذا هو الظاهر السالم من الحذف والتقدير، وهو ما أشار إليه السمين الحلبي في قوله (أظهرها أنه حال)، فهو أبعد الأقوال عن الحذف والتقدير. الثاني: أن هذا الوجه هو الموافق للآية في هذا المعنى، وهي الآية التي استشهد بها السمين الحلبي، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ (٢). ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: مما يقوي أن قوله ﴿بَاطِلا﴾ صفة لمصدر محذوف أن هذا هو المتبادر للذهن في الباطل أن يكون وصفًا، ولعله لأجل هذا ذكر بعض المفسرين من أهل اللغة هذا القول ولم يذكر غيره (٣). ٤) أدلة القول الثالث في المسألة: يمكن أن يستدل للقول بأن قوله ﴿بَاطِلا﴾ مفعول من أجله بمناسبة المعنى، فنتيجة التفكُّر في خلق السماوات والأرض أن يعرفوا السبب العظيم الذي من أجله كان هذا الخلق، فناسب أن يكون الحديث عن هذه العلة بأن الله لم يخلق السماوات والأرض من أجل الباطل. ٥) أدلة القول الرابع في المسألة: يمكن أن يستدل على أن قوله ﴿بَاطِلا﴾ منصوب بنزع الخافض بأن الأوجه المذكورة في النصب لا تسلم من الاعتراض، فالمناسب أن يكون أصل الكلمة بالخفض، وتكون منصوبة بنزع الخافض. ٦) أدلة القول الخامس في المسألة: يمكن أن يستدل للقول بأن قوله ﴿بَاطِلا﴾ هو المفعول الثاني للفعل (خلق) بما ذكره بعض

стр. 292

أهل اللغة من أن الفعل (خلق) قد يأتي بمعنى الجعل والتصيير فيكون له مفعولان، وذلك في مثل قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَة﴾ [المؤمنون: ١٤] (١)، فيكون المعنى أن الله لم يجعل خلقه السماوات والأرض باطلا، وهذا أسهل من حيث الإعراب وإن كان فيه التجوز في المعنى. ٧) الموازنة بين الأدلة: ما يميز القول الأول الذي رجَّحه السمين الحلبي أنه هو الظاهر، وأما الأقوال الأخرى فإنها لا تخلو من حذفٍ وتقدير أو تجوُّز. فعند القول بأن قوله ﴿بَاطِلا﴾ صفة يلزم تقدير مصدرٍ محذوف، وكذلك عند القول بأنه منصوبٌ بنزع الخافض يلزم تقدير حرف الجر المحذوف. وعند القول بأنه مفعول ثان أو مفعول من أجله فإن ذلك لا يخلو من تسامح وتجوُّز لا تدعو الحاجة إليه؛ قال المنتجب الهمذاني في الكتاب الفريد: "يضعف أن يكون مفعولًا من أجله كما زعم الجمهور؛ أي: للباطل، لأن من شرط المفعول من أجله أن يكون مصدرًا، وليس هذا مصدرًا، وإنما هو اسم فاعل من (بطل الشيء) فهو باطل، وأما مصدره فـ (بُطْل وبُطلان وبُطُول)، وأما جعلهم اسم الفاعل هنا بمعنى المصدر، فعنه مندوحة بما ذكرت، لأن الشيء إذا أتى على أصله لا يخرج عن أصله لغير اضطرار، خصوصًا في الكتاب العزيز" (٢). وكذلك يقال في التجوُّز في فعل الخلق بأنه بمعنى التصيير، فإن هذا لا يظهر بالتأمل لأنهم قصدوا معنى الخلق ولم يقصدوا معنى التصيير، فإن وجه الاستدلال بالآية هكذا: "ربنا أنت خلقت هذا، ومَن خلق هذا لم يخلقه باطلا، فأنت لم تخلق هذا باطلًا ولا عبثا" (٣). وأما الاعتراض على القول الأول بأن الحال لا يكون إلا بعد تمام الكلام، وأن هذا لا يستقيم مع الآية هنا (٤)، فقد أجاب عنه السمين الحلبي بأن الحال هنا ملازمة، وذكر له شاهدًا من القرآن على ذلك في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾، فهي

стр. 293

من الأحوال التي لا يُستغنى عنها ولا يجوز حذفها، وهذا معروف في اللغة (١). ٨) النتيجة: الراجح أن قوله ﴿بَاطِلا﴾ حال، وهو الموافق لما جاء في القرآن في هذا المعنى، فإن هذا الوجه هو أظهر الوجوه وأسلمها، وأما الوجوه الأخرى فلا تخلو من إشكالات. أما الإشكال المذكور على هذا الوجه فالجواب عنه سهل بحمد الله من غير مخالفة لقواعد اللغة.

стр. 294

المسألة السادسة: قول الله تعالى ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ هل يشمل المؤمن العاصي قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢] • أصل الخلاف في المسألة: هل المؤمن يمكن أن يخزى في الآخرة أو أن الخزي فيها إنما يكون على الكافرين؟ وبناء عليه جاء الخلاف في الآية؛ هل يراد بها الكافرين، أو هي تشمل كل من استحق دخول النار من كافرٍ أو مؤمن؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "واختلف أهل العلم فيمن دخل النار ثم خرج منها؛ هل يقال إنه مخزيٌ أم لا؟ فذهب جماعة منهم جابر بن عبد الله أنه مخزي، وهو ظاهر الآية، لأنه رتَّب وصفه بالخزي على مجرد الدخول، واختاره ابن جرير وأبو سليمان الدمشقي؛ قالوا: وإن في دون ذلك لخزيا. وذهب أنس وسعيد وقتادة ومقاتل وابن جريج إلى أنه لا يقال له مخزي؛ قالوا: الآية إشارةٌ إلى مَنْ يُخلدون في النار، أما مَنْ يخرج منها بشفاعةٍ وإيمانٍ فليس بمخزي" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يظهر أن السمين الحلبي يرجِّح أن من دخل النار من المؤمنين ثم خرج عنها أنه يقال عنه إنه مخزي، ويظهر هذا الترجيح من وجهين: الأول: أنه أثبت أن هذا القول هو ظاهر الآية، والظاهر عنده من الأقوال مقدَّمٌ على غيره.

стр. 295

الثاني: أنه بنى على هذا القول في تفسير الآيات بعد ذلك، فصرَّح به في موضعين آخرين من الكتاب، وذلك في قوله: "وسألوه وقاية العذاب في النار، لأن من دخلها أُخزي" (١)، ثم قال في تكملة الآيات، عند قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٩٤]: "دَعَوا بأن لا يُخزَوا، وكأنهم أرادوا: ولا تدخلنا النار، لأنهم قد قالوا: ﴿مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، فاستغنوا باللازم عن الملزوم" (٢). • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: رجَّح القول الأول عددٌ من أهل العلم أن الآية في كل من دخل النار، فيقال عنه إنه مخزي بدخوله النار وإن خرج منها (٣). وروي ذلك عن جابر بن عبد الله ﵁ وعن والضحاك أن الله قد أخزاه حين أدخله النار (٤). وجاء عن أنس ﵁، وعن الحسن البصري وسعيد بن المسيب وقتادة وابن جريج وغيرهم من التابعين ما يدل على أن الآية في شأن الكافرين (٥)، وعليه فلا يُستدل بها على أمر المؤمنين، وتبعهم في ذلك عدد من المفسرين (٦). وجعل الوعيدية من الخوارج والمعتزلة هذه الآية في كل من دخل النار من مؤمنٍ وكافر، وسلبوا عن المؤمن الذي استحق النار اسم الإيمان، وجعلوه كافرًا بسبب الخزي الذي لحقه،

стр. 296

بحجة أن المؤمن لا يخزى في الآخرة (١). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: يمكن أن يستدل للقول بأن من دخل النار من المؤمنين فإنه مخزي بدليلين: الأول: ما ذكره السمين الحلبي من أن هذا هو الظاهر المتبادر إلى الذهن، وذلك من الإطلاق المذكور في الآية: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، فالظاهر منه أنه يعم كل من دخلها من مؤمنٍ وكافر (٢). الثاني: السياق، وذلك أنهم ذكروا هذا القول في سياق دعائهم بنجاة أنفسهم من النار وخزيها، فقالوا في دعائهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ١٩١ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩١ - ١٩٢]، فهذا إشارة إلى أن الخزي قد يلحقهم إنْ هم دخلوا في النار وإن كانوا سيخرجون منها بإيمانهم، ثم صرَّحوا بالدعاء وطلب السلامة من الخزي في قولهم: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فدل على أن الخزي قد ينال المؤمن في الآخرة (٣). ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: يمكن أن يستدل للقول بأن الآية في شأن الكافرين، فيكون الخزي المذكور فيها لا يُراد به أهل الإيمان بدليلين: الأول: أنه قد ثبت أن الخزي الذي في الآخرة لا يكون إلا على الكافرين، كما جاء حصر ذلك في قول أهل العلم في هذه الآية: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] (٤)، وقد جاء في آية أخرى أن الخزي لا ينال المؤمنين في الآخرة: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨].

стр. 297

الثاني: أن في سياق الآية ما يشير إلى أنها في شأن الكافرين، لأنه جاء في آخرها: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾، والمراد بالظالمين: الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] (١). ٤) الموازنة بين الأدلة: الظاهر من الإطلاق المذكور في قوله ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ أنه الخزي الذي يعم كل من دخلها من مؤمنٍ وكافر، لأن حكم الخزي معلَّق بالدخول، فيصح على كل من دخلها. ويؤيد هذا المعنى ما ثبت في السياق من أوله إلى آخره، فإنه لا يُتصور منه أنهم يعنون مجرد الدخول الذي يخص الكافرين، وأنهم لم يستعيذوا من الخزي الذي قد يلحق المؤمن إن دخل في النار. والآية وإن كان في سياقها ذكرُ الكافرين الظالمين إلا أن تعوُّذهم بالله من النار قبل ذلك يشيرون به إلى ما يصيب المؤمنين، فيدخل المؤمنون في الخزي المذكور بعد ذلك، فتعوذوا بالله من الخزي كله، سواء الذي يلحق المؤمن أو الكافر، ثم أشاروا إلى حال الكافرين وأن لهم فوق الخزي ما هو أشد منه، وهو أنه لا نصير لهم. ويمكن أن يقال إن الظالمين هنا هم الكافرون وعصاة المؤمنين الذين استحقوا النار، وأنه لا ناصر لهم من دون الله، فيبقى الكافرون في عذاب الله، وأما أهل الإيمان فإن الله ينصرهم وإن كانوا عصاة، فيخرجهم من النار برحمته، ويرفع عنهم الخزي. وأما ما جاء من الإخبار بأن الخزي في الآخرة هو على الكافرين، فإن هذا لا ينفي أن بعض عصاة المؤمنين يلحقهم خزيٌ بسبب ذنوبهم، كما لحق الكافرين خزيٌ بسبب كفرهم. وأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، فهذا على وجه العموم، ولا يُشكل عليه أن بعض المؤمنين قد يلحقهم خزي، فإنه "لا يَصدُق إذا أُخزي مؤمنٌ واحدٌ أو بعض المؤمنين أن الله قد أخزى المؤمنين" (٢).

стр. 298

وقد أخبر الله أن الخزي قد يلحق المؤمن العاصي في الدنيا، كما في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [المائدة: ٣٣]، فما المانع أن يلحقه شيء من الخزي في عقوبة الآخرة، كما لحقه في عقوبة الدنيا، ثم تكون عاقبة أمره إلى الجنة. وقد دعا إبراهيم ﵇ وقاية الخزي في الآخرة، فقال: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]، وكذلك أصحاب هذه الآية: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فدل على أن الخزي قد ينال المؤمن في الآخرة، لكن لا يخزي الله المؤمنين جميعًا في الآخرة. ويمكن أن يقال أيضًا إن المراد بالخزي المذكور في قوله: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أن ذلك الخزي العظيم والكبير، وهو خزي الكافرين الخالدين في النار، كما جاء بيانه في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣]، أما المؤمن الذي استحق النار فإنه وإن لحقه الخزي في دخولها إلا أنه لن يكون من أهل الخزي العظيم. والخزي في دخول النار يكون في حال العقوبة فقط، لأن الخزي هو الفضيحة، وذلك إنما يكون في حال العقوبة بالنار، ثم إذا خرج المؤمن العاصي منها فإنه لا يكون في خزي، بل يكون في رحمة الله ودار كرامته، وكما لا يُعيَّر المؤمن بعد العقوبة الشرعية في الدنيا، فإنه لا يُعيَّر بعد العقاب في الآخرة (١). ٥) النتيجة: الذي يظهر والله أعلم أن الخزي المذكور في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ يشمل كل من استحق دخول النار من كافرٍ أو مؤمن، فهذا الإطلاق هو

стр. 299

ظاهر اللفظ، وهذا التعميم هو المناسب لسياق الدعاء والتضرع بين يدي الله تعالى. والخزي الذي يناله بعض المؤمنين العصاة الذين استحقوا دخول النار إنما هو عقوبة لهم بسبب ذنوبهم، ولا يعني هذا أن الله قد أخزى جميع المؤمنين أو أنه سبحانه أوقع الخزي العظيم على أولئك العصاة الذين استحقوا دخول النار؛ قال ابن عطية: "أما إنه خزيٌ دون خزي، وليس خزيُ مَنْ يخرج منها بفضيحةٍ هادمةٍ لقَدْرِه، وإنما الخزي التام للكفار" (١). اللهم أجرنا من النار، وأدخلنا الجنة برحمتك يا رحيم يا غفار.

стр. 300

المسألة السابعة: المراد بالمنادي في قول الله تعالى: ﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] • أصل الخلاف في المسألة: الخلاف يرجع إلى النظر في كيفية النداء المذكور في الآية، فإن قيل إن المنادي هو الرسول ﷺ أشكل عليه الذي لم يرَ الرسول ﷺ ولم يسمع نداءه، وإن قيل إنه دعوة الرسول صلى عليه وسلم الخالدة والمتمثلة في القرآن أشكل عليه أن القرآن لا يكون منه النداء والمناداة إلا بالتجوُّز. • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "واختلف الناس في هذا المنادي، والظاهر أنه يعم جميع الرسل؛ إذ المراد الجنس، بل يعم أتباعهم الآمرين بأمرهم. وقال ابن جريج وابن زيد: هو الرسول ﷺ ، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ٤٥ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]، ويقول تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]. وقال محمد بن كعب القرظي هو القرآن، محتجًا بأن الناس كلهم لم يدركوا الرسول، والقرآن بعده بين أيديهم، وعلى هذا القول يستند النداء إلى هذا المنادي مجازًا، وعلى القول الأول حقيقةً" (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن المنادي الذي ينادي للإيمان في الآية يَعُمُّ جميع الرسل، ويعم أتباعهم كذلك، ويظهر هذا الترجيح من وجهين:

стр. 301

الأول: لفظ الترجيح، وذلك في قوله: (والظاهر أنه يعم جميع الرسل)، والظاهر عنده مقدَّمٌ على غيره. الثاني: أنه أشار إلى اعتبار هذا القول عنده قبل ذكر المسألة، فذكر أنهم لما نظروا وعرفوا أحقيَّة ما جاءت به الرسل بادروا لتصديقهم، فإيمانهم جاء عقب نداء الرسل (١). • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: أكثر المفسرين يميلون إلى أن المنادي المذكور في الآية هو النبي ﷺ (٢)، وروي هذا عن ابن جريج وابن زيد (٣)، وعزاه بعض المفسرين إلى ابن مسعود وابن عباس ﵃ (٤). وقد عمَّم السمين الحلبي القول في هذه المسألة، فلم يجعل المنادي هو الرسول ﷺ ومن تبعه فقط، بل جعل المنادي هو جميع الرسل وأتباعهم. أما القول بأن المنادي هو القرآن فهو مروي عن محمد بن كعب القرظي، واختاره الطبري وحمل عليه قولَ قتادة في الآية (٥). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: القول بأن المنادي يعمُّ جميع الرسل يمكن أن يستدل له بدليلين: الأول: أن هذا هو الظاهر السالم من التجوُّز كما أشار إليه السمين الحلبي، فيكون النداء

стр. 302

على حقيقته، ويكون المنادي من البشر الذين أُرسلوا في الدعوة إلى الإيمان بالله، وهم أنبياء الله (١). الثاني: أن سياق الآية يشير إلى أنه نداء الرسل، فإنهم قالوا بعد ذلك: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، فدل على أن الذي ناداهم للإيمان وذكر لهم وعدَ الله في ذلك أنهم الرسل (٢). ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: القول بأن المنادي في الآية مخصوصٌ بنبينا محمد ﷺ يمكن أن يستدل له كذلك بدليلين: الأول: أن هذا هو ظاهر اللفظ، لأن اللفظ جاء بالإفراد، فيكون المنادي هو النبي محمد ﷺ الذي جاء بهذا القرآن، ودعانا إلى الإيمان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ٤٥ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾. الثاني: أن سياق الآية يشير إلى ذلك، لأن سياق الآية في الصحابة ﵃، كما يفيده ذكر الهجرة في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وجاء في سبب نزول هذه الآية أنها في المهاجرين من الرجال والنساء كما في حديث أم سلمة رضي عنها أنها قالت: "يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة"، فأنزل الله الآية (٣). ٤) أدلة القول الثالث في المسألة: يمكن أن يستدل للقول بأن المنادي في الآية هو القرآن بأن قول أولي الألباب هنا مثل قول

стр. 303

مؤمني الجن في قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ١ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١ - ٢]، فالآية هنا مثل الآية هناك، وكما أضاف الله الهداية إلى القرآن هناك، أضاف الله النداء إلى القرآن هنا (١). ٥) الموازنة بين الأدلة: الأدلة بأن المنادي هو الرسول ﷺ أقوى وأظهر، ولعل هذا أظهر من تعميم المنادي في جميع الأنبياء، فإن الآية في الصحابة أنفسهم كما دل عليه سبب النزول، فيكون المنادي هو النبي ﷺ ، ثم إن من آمن به صلى عليه وسلم فقد آمن بجميع الرسل وصدَّق ما وعدت به جميع الرسل من النعيم في الآخرة، وعلى هذا يتوجه قوله تعالى في سياق الآية: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. لكن يشكل على القول بأن المنادي هو النبي ﷺ ما ذكره محمد بن كعب القرظي من أن بعض الناس لم يسمعوا النبي ﷺ ، فكيف يكون هو المنادي، وكيف يكونوا قد سمعوا نداءه؟ فالقرآن هو الدعوة الخالدة الباقية، فيصدق عليه أنه هو الوحيد المنادي للإيمان على اختلاف الأزمان، بخلاف البشر فإنهم لا يبقون في هذه الحياة الدنيا. والجواب عنه أن الآية في الصحابة كما تقدَّم، وهم قد سمعوا النبي ﷺ ، فقولهم وتضرعهم في الآية مطابق للواقع، ثم مِنْ بعدِهم يكون التأسي بهم في تضرعهم بالاقتداء بهم في إيمانهم واستجابتهم للمنادي إليه، فليست الآية فيما يظهر عامة في كل المؤمنين، وإنما عمومها في التأسِّي والاقتداء. ثم إن من سمع القرآن فكأنه رأى النبي ﷺ ، فيؤول القول إلى سماع ما نادى به النبي ﷺ ، فإن أساس دعوته هو القرآن، والقرآن إنما أتى عن طريقه (٢). والقول أن المنادي هو القرآن فيه تجوُّز، والظاهر من لفظ الآية أن النداء على الحقيقة، وقد أشار إلى ذلك التكرار في قوله: ﴿مُنَادِيا يُنَادِي﴾ (٣).

стр. 304

وأما الاستدلال بقول مؤمني الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ١ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾، ففيه فرق عن المسألة هنا، فإن الهداية قد تحصل بالعلامات ونحوها من غير العاقل، كما في قوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، وآيات القرآن تهدي إلى الرشد كالعلامات تهدي إلى الطريق، بخلاف النداء فإنه لا يكون إلا من العاقل. ٦) النتيجة: الراجح أن المنادي في الآية هو النبي ﷺ ، لأن سياق الآيات نزل في الصحابة ﵃، وهذا هو الظاهر الموافق للحقيقة. وأما في امتثال الآية والعمل بها فإن المنادي يعمُّ كل من دعا إلى الإيمان، فمن استجاب لنداء الإيمان وبادر في ذلك، فتلك فضيلةٌ له من أعظم الفضائل التي يتوسل بها في دعائه وتضرعه بين يدي ربه .

стр. 305

المسألة الثامنة: البلاغة في قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ • أصل الخلاف في المسألة: هذه مسألة بلاغية مبنية على معنى المغفرة والتكفير، ومعنى الذنوب والسيئات، فمن فرَّق بين هذه المعاني ذكر الفرق بين الجملتين في الآية، ومن جعل هذه المعاني متقاربة جعل الجملتين من باب التأكيد. • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "واختلف المفسرون في قوله ﴿ذُنُوبَنَا﴾ و ﴿سَيِّئَاتِنَا﴾، فعن ابن عباس وجماعة أن الذنوب هي الكبائر، والسيئات هي الصغائر، وبه جزم الزمخشري، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. وقيل: الذنوب: ترك الطاعات المأمور بها، والسيئات: ارتكاب المعاصي المنهي عنها. وقيل: الذنوب: الكبائر التي قبل الإسلام، والسيئات: الصغائر التي بعد الإسلام، وهذا كالذي قدمناه أولًا إلا أن هذا مقيَّدٌ بالزمان. وقيل: سألوا غفران الذنوب، وهو محوها وعدم المؤاخذة بها، ثم سألوا ما يوقهم من الافتضاح بين خلقه. التكفير: التغطية، ومنه قيل للزارع: كافر، والليل: كافر، واللابس لسلاحٍ: تكفَّر؛ أي: ستر به، وذلك أنه لا يلزم من عدم العقاب على الذنب ألا يفتضح به، فسألوا ذلك ليأمنوا الافتضاح، وفيه نظر، لأن الغفران تغطيته أيضًا، ومنه المغفر، لأنه يستر الرأس، ولذلك ذهب جماعة إلى أنه من باب التأكيد والإلحاح في الدعاء، لا سيما إذا اختلف اللفظ من الجانبين؛ ألا ترى أن الغفران والتكفير متقاربان أو مترادفان، وكذلك الذنوب والسيئات" (١).

стр. 306

• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يظهر أن السمين الحلبي يرجِّح أن قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ أنه من باب التأكيد والإلحاح في الدعاء، على القول بأن بين الدعوتين فرقًا، ويظهر هذا الترجيح من وجهين: الأول: أنه قدَّم الأقوال في التفريق بين الذنوب والسيئات وبين المغفرة والتكفير ثم تعقبها بإثبات التقارب أو الترادف بين هذه المعاني، وإنما الذي اختلف هو اللفظ في الجملتين. الثاني: أنه أشار إلى معنى التأكيد والإلحاح في الدعاء في مناسبة الآية فقال: "ثم زادوا في التضرع والخضوع بعد إجابتهم داعي ربهم، فأتوا بنداءٍ رابع سألوا فيه مغفرة الذنوب وتكفير السيئات والتوفي مع الأبرار، وما أحسن ما تلطفوا في هذه السؤالات، وقد ورد: «إن الله يحب الملحين في الدعاء» " (١). • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: جمهور المفسرين على التفريق الجملتين؛ إما بالنظر إلى الفرق بين الغفران والتكفير (٢)، أو بالنظر إلى الفرق بين الذنوب والسيئات، وهو قول أكثرهم (٣). ولم أقف على قولٍ لابن عباس أو السلف أن الذنوب هي الكبائر والسيئات هي الصغائر. وقد نُقل عن الضحاك أن الذنوب هي ما عملوه قبل الإسلام، وأن السيئات هي ما عملوه بعد الإسلام (٤). ومن المفسرين من أثبت التقارب بين الجملتين، وأنهما للتأكيد (٥).

стр. 307

٢) أدلة القول الأول في المسألة: يستدل للتفريق بين الجملتين بأمرين: أولًا: التفريق بين الذنوب والسيئات: استدل من قال بأن الذنوب هي الكبائر والسيئات هي الصغائر بقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، فجعل الله السيئات هي الشيء الباقي بعد اجتناب الكبائر، فتكون السيئات هي الصغائر (١). واستدل بالسياق من قال بأن الذنوب هي الكبائر قبل الإسلام والسيئات هي الصغائر بعد الإسلام، لأنهم توسلوا إلى الله بإيمانهم، ثم فرَّعوا عليه طلب المغفرة فقالوا: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، فتكون الذنوب المرادة هي ما قبل الإيمان، والإيمان يجُبُّ ما قبله من الذنوب وإن كانت كبائر، ويكون تكفير السيئات متعلقًا بالصغائر التي بعد الإيمان، فإذا هداهم الله للإيمان وقاموا بالطاعات واجتنبوا الكبائر كفَّر الله عنهم السيئات الصغائر (٢). ثانيًا: التفريق بين المغفرة والتكفير: استدل من فرَّق بين المغفرة والتكفير أن التكفير في الغالب يكون بسبب الطاعات، كما في قوله ﷺ : (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفراتٌ ما بينهن إذا اجتنب الكبائر) (٣)، وهو مختصٌ بالصغائر دون الكبائر كما في هذا الحديث، وكما في الكفَّارة، فإنها ناشئة عن طاعة، وهي تختص بالصغائر في أصح القولين، وأما المغفرة فهي بفضل الله ورحمته، ولهذا كانت مع الذنوب الكبائر التي تحتاج إلى توبةٍ يقبلها الله بفضله ورحمته (٤). ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: استدل جميع من قال إن الجملتين متقاربتين وأن الثانية تؤكد الأولى بما ذكره السمين الحلبي: أن المغفرة والتكفير في اللغة متقاربين، بل من المفسرين من اعتبر أن معناهما في اللغة شيءٌ

стр. 308

واحد (١)، وكذلك أيضًا الذنوب والسيئات، بينهما تقارب، وهذا التقارب أو الترادف بين هذه الألفاظ في اللغة يقوِّي جانب التأكيد. ويمكن أن يستدل بأن الجملتين بمعنى واحد أنهما دعاء، وقد أجاب الله دعاءهم بقوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، فذكر تكفير السيئات فقط، ولم يذكر غفران الذنوب، فدل على أن تكفيره تعالى للسيئات استجابة قامت مقام الأمرين جميعا، وأنهما بمعنى واحد. ٤) الموازنة بين الأدلة: التقارب ظاهرٌ بين الألفاظ في المغفرة والتكفير وفي الذنوب والسيئات، ولهذا فإنه يدخل أحدها في الآخر، أو يقوم أحدها مقام الآخر، كما في استجابة الله للأمرين بقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾، ويدخل التكفير في جنس المغفرة، لأن المغفرة أعم، فهي بفضل الله ورحمته كما تقدَّم، وتدخل الذنوب في السيئات، لأن السيئة أعم، فإنها وُضعت في مقابل الحسنة (٢). لكن هذا التقارب لا يعني أن هذه المعاني شيءٌ واحد، وأنه لا يُفرَّق بينها عند اقتران بعضها ببعض، بل المناسب التفريق بينها لأمرين: الأول: أن هذا هو الموافق للقاعدة الترجيحية أن (التأسيس أولى من التأكيد) (٣)، فيكون قوله تعالى ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ في التوبة من كبائر الذنوب، ويكون قوله تعالى ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ في طلب التجاوز عن الصغائر وقبول الأعمال الصالحة التي تكفرها. الثاني: أن هذا هو المناسب للسياق، لأن السياق في دعاء الله ورجاء رحمته، فالمناسب هو التفريق وتكثير المعاني لأجل تتميم الرجاء بالعفو، واستيعاب جميع أنواع الخطايا (٤)، وهذا المعنى

стр. 309

واردٌ في كثير من الأدعية النبوية التي تكون الجُمل فيها متقاربة في المعنى، لكن تختص كل جملةٍ منها بشيءٍ مبالغةً في التضرع والانطراح بين يدي الله، وهو أحسن من القول بأن هذا من باب التأكيد والإلحاح في الدعاء، فإنه لو أُريد مجرد التأكيد لأمكن أن يكون بتكرار اللفظ نفسه، كما في تكرار لفظ الاستغفار. وهذا التفريق قد دل عليه استعمال الشرع لألفاظ المغفرة والتكفير والذنوب والسيئات: أما الذنوب والسيئات فقد ثبت اختصاص لفظ السيئات بالصغائر، كما تقدَّم في قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وإن كانت السيئات قد تستعمل فيما هو أعم من ذلك، لكن هذا التخصيص له اعتبار، وكذلك ثبت اعتبار وجود الكبائر في الذنوب، كما أشارت إليه الآيات في مؤاخذة الكافرين بذنوبهم، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنعام: ٦، والأنفال: ٥٤]، وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١، الأنفال: ٥٢، غافر: ٢١]، وذلك لا يكون بمجرد الصغائر. وأما المغفرة والتكفير فقد جاء التكفير مختصًا بالصغائر، كما تقدَّم في الحديث، وكما في الكفَّارة، وجاءت المغفرة مع الكبائر التي تحتاج إلى توبة، ولأجل هذا اقترنت المغفرة بالتوبة في كثيرٍ من آيات القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]، وكقوله تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٩]، ونحوه من الآيات التي يُذكر فيها اسم الله (الغفور) بعد ذكر التوبة، وكقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]، وقد أشار قوله تعالى ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] إلى أن المغفرة يمكن أن تحصل بفضل الله ورحمته لا بسبب الطاعة كما في التكفير والكفَّارة. وهذا الاستعمال يدل على التفريق بين هذه الألفاظ في الشرع، وإن كان بينها تقارب في اللغة. وفوق ذلك فقد اختص لفظ الذنوب بالغفران من دون التكفير، كما في قوله ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ

стр. 310

الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقوله: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧١]، وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]، واختص لفظ السيئات بالتكفير من دون الغفران، كما في قوله: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُواْ﴾ [الزمر: ٣٥]، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٥]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩]، فهذا الاختصاص يدل على التفريق، فلو كان الجملتين بمعنى واحد لم يكن للاختصاص مزية، ولأمكن العكس. ٥) النتيجة: الراجح هو التفريق في المعنى بين قوله ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ وقوله ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾، لأن هذا هو الذي دل عليه الاستعمال في الشرع، ولأن الألفاظ هنا قد اقترنت في سياق الدعاء والرجاء، فالتفريق بينهما أتم في الرجاء، وأكثر في الدعاء، بخلاف ما إذا انفردت هذه الألفاظ فقد يقوم أحدها مقام الآخر. والمعنى المناسب للتفريق بينها هنا أن تكون الذنوب هي الكبائر، والسيئات هي الصغائر، وهذا أنسب من تخصيص الذنوب بما كان قبل الإسلام، وتخصيص السيئات بما كان بعده، لأن المناسب في الدعاء هو العموم وتكثير المعاني، فحصل تكثير المعاني بذكر الكبائر والصغائر، وحصل العموم بترك تخصيص ذلك بما قبل الإسلام وما بعده، والله أعلم.

стр. 311

المسألة التاسعة: المراد بالدعاء في قول الله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] • أصل الخلاف في المسألة: الخلاف في المعية في قوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾؛ إذ أنه لا يمكن أن تحصل هذه المعية على حقيقتها، لا في الزمان ولا في المكان، بأن يتوفوا مع الأبرار في زمن واحد أو في مكان واحد، فلا بد من التجوُّز، بأن تكون الوفاة بمعنى الحشر، أو تكون (مع) بمعنى (في) أو (على). • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "والظاهر أنهم أرادوا أن يكونوا مصاحبين لهم في المكان، وفي التفسير: معهم في الجنة. وقيل: عبارةٌ عن الصُّحبة لهم في الحال والوصف؛ أي: اجعلنا أبرارًا؛ أي: توفَّنا معدودين في جملة الأبرار، وفيمن اتصف بذلك، كقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] " (١). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن المراد بالدعاء ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ طلبُ مصاحبتهم في المكان، ويظهر هذا الترجيح في قوله: (والظاهر أنهم أرادوا أن يكونوا مصاحبين لهم في المكان)، والظاهر عنده مقدَّمٌ على غيره من الأقوال. • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: جمهور المفسرين على أن المراد بالآية الصحبة في الحال والوصف، فذكروا أن المراد من قوله

стр. 312

﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾؛ أي: في جملة الأبرار (١)، والقليل القليل من المفسرين من وافق السمين الحلبي في أن الصحبة في المكان، فذكروا أن المراد من الآية: واحشرنا مع الأبرار (٢). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: ذكر السمين الحلبي دليل القول بأن المراد بالصحبة في الآية صحبةُ المكان بأن هذا هو الظاهر، ولعله يشير بهذا إلى سلامة هذا المعنى من الحذف والتقدير، بخلاف القول الآخر، فإنه يلزم منه التقدير. ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: أشار السمين الحلبي إلى دليل القول الآخر بأن الصحبة في الآية صحبةُ الحال والوصف، وهو موافقة المعنى لما في الآية الأخرى من قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، فهذا الدعاء بطلب التوفي على الإسلام واللحاق بالصالحين موافق للدعاء الذي في الآية بطلب التوفي مع الأبرار (٣). ٤) الموازنة بين الأدلة: لا يمكن حمل الجملة على ظاهرها بطلب التوفي مع الأبرار "وذلك أن التوفي مع الأبرار محال، لأن بعضًا منهم تقدَّم وبعضًا لم يوجد" (٤)، فلا بد من التجوز إما بفعل التوفي فيكون بمعنى الحشر ونحوه؛ أي: واحشرنا مع الأبرار، وهذا على القول بأن الصحبة في المكان، وإما أن يكون التجوز في الحرف (مع) فيكون بمعنى (في)؛ أي: توفَّنا في جملة الأبرار، أو يكون بمعنى (على)؛ أي: توفنا على أعمال الأبرار (٥)، وهذا على القول بأن الصحبة في الحال والوصف.

стр. 313

وبهذا يتميز القول الأول بأنه أظهر من حيث سلامته من الحذف والتقدير، وإن كانت الأقوال كلها لم تسلم من التجوُّز. ومما يرجِّح القول الأول ما ذكره السمين الحلبي من القاعدة الترجيحية بأن (التجوز في الأفعال أولى من التجوز في الحروف) وذلك لقوة الأفعال وضعف الحروف (١). وإن كان القول الآخر قد تميز عن القول الأول بوجوه ثلاث: الأول: موافقة الآية الأخرى كما سبق، وبهذا يحصل رد معاني القرآن بعضها إلى بعض. الثاني: أنه أعم ويتضمَّن القول الأول، فإن مَنْ صاحبهم في الحال والوصف سيصاحبهم في المكان حيث التكريم. الثالث: أن الصحبة في المكان لا تقتضي من الكمال مثل ما تقتضيه الصحبة في الحال والوصف (٢). ثم إن الاستدلال بالظاهر ليس قويًّا في هذه المسألة؛ إذ كل الأقوال لا تخلو من المجاز كما سبق، وإن كان المجاز في القول الأول أحسن لأنه مجازٌ بالفعل، لكن المعنى الذي ذكروه في مجاز الفعل يصعب الحمل عليه، فإنه يصعب حمل معنى التوفي على معنى الحشر للبُعد بين المعنيين. ٥) النتيجة: الراجح أن معنى الصحبة في قوله ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ أنها صحبة الحال والوصف، لأنه أكمل في المعنى، وأحسن في الدعاء، ولأنه الموافق للآية الأخرى نحوه. ثم هو أعم ويتضمن القول الآخر فهو أحقُّ بالترجيح والاعتبار به، والله أعلم.

стр. 314

المسألة العاشرة: وجه الموصول في قول الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُواْ﴾ قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] • أصل الخلاف في المسألة: الخلاف يرجع إلى المذكورين في الآية؛ هل هم طائفة واحدة أو أنهم عدة طوائف، لأن لفظ الآية يحتمل الأمرين. • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "والظاهر من الآية أن هذا الموصول عبارةٌ عن قومٍ جمعوا بين هذه الصفات الخمس المفهومِ من الصِلات المتعاطفة؛ أي: فالذين جمعوا بين المهاجرة، وكونهم مُخرجين من ديارهم، ومُؤذَين في سبيل الله، وقاتلين، ومقتولين: لأكفرن عنهم. ويجوز أن تكون الصلات موزعة على أصناف؛ لكل صنفٍ صفة، والتقدير: فالذين هاجروا، والذين أُخرجوا، والذين أُوذوا، والذين قاتلوا، والذين قتلوا= لأكفرن، فيكون أخبر عن الطوائف بقوله: لأكفرن. وعلى الأول يكون قد أخبر عن طائفة واحدة جمعت تلك الصفات، وهو المتبادر إلى الفهم كما قدمناه" (١).

стр. 315

• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن المذكورين في قوله ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُواْ﴾ أنهم طائفةٌ واحدةٌ جمعت الصفات المذكورة في الآية، ويظهر هذا الترجيح من وجهين: الأول: أنه قدَّم في بداية المسألة أن هذا هو القول الظاهر، والظاهر عنده هو المقدَّم (١). الثاني: أنه ختم المسألة بتأكيد ظهور القول الأول، وذلك في قوله: (وهو المتبادر إلى الفهم كما قدمناه). • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: كلام جمهور المفسرين والمعربين يفيد أن الآيات تتحدث عن طائفةٍ اتصفت بالصفات المذكورة في الآية كلها (٢). ومن المفسرين من فرَّق بين بعض الأوصاف المذكورة أو أصحابها بما يقتضي اختصاص كل فريق بأحد هذه الأوصاف (٣). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: يمكن أن يستدل للقول بأن الآيات في طائفةٍ واحدةٍ بدليلين: الأول: ما ذكره السمين الحلبي من أن هذا هو الظاهر المتبادر إلى الذهن بأن يكون الحديث في الآيات عن طائفةٍ واحدةٍ اتصفت بالصفات المذكورة في الآية، لأن الموصول ذُكر مرة واحدة، فالأقرب أنه لطائفة واحدة، ولأن الصفات المذكورة يظهر اتصال بعضها ببعض في

стр. 316

موصوف واحد، فالهجرة متصلة بالإخراج من الديار والإيذاءِ في سبيل الله ومتسببة عن ذلك، ثم بعد الهجرة كان الجهاد والقتال في سبيل الله. الثاني: ما جاء في سبب النزول وموافقة الواقع في حال المهاجرين، حيث إن الآيات نزلت في شأنهم كما تقدم من حديث أم سلمة (١)، والصفات المذكورة في الآية توافق ما حصل لهم ﵃، فإنهم هاجروا إلى المدينة وأُخرجوا من ديارهم بالقهر والاستبعاد من مشركي مكة، وأُذوا في سبيل الله كثيرًا، وجاهدوا في سبيل الله وقاتلوا في مثل غزوة بدر، وجاهدوا في سبيل الله وقُتلوا في مثل غزوة أُحد. ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: يمكن أن يستدل للقول بأن الآيات في أكثر من طائفة أن هذا هو مقتضى امتنان الله على عباده، بأن يستحق كل من اتصف ولو بواحدةٍ من الصفات المذكورة مغفرةَ الله ورحمته والفوز بجنته. ٤) الموازنة بين الأدلة: أما من حيث المعنى فإن القول بأن الآية في أكثر من طائفة فيه تعميمٌ لفضل الله وثوابه ومغفرته ورحمته، وهذا هو المناسب في سياق الامتنان، لكن يمكن أن يشكل عليه الصفة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي﴾، فإن هذا الوصف لا يختص بمجرده بالأجر والثواب إلا إذا قارنه الصبر والاحتساب، ولا يقتضي المدح والكمال بمجرده، لأنه قد يُؤذى المرء في سبيل الله ولا يصبر، فيكون ذلك موضع ذم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]. وأما من حيث سياق الآية فإن الأنسب أن يكون الحديث في الآيات عن طائفة المهاجرين، لأن السياق يشير إلى أن الآيات نزلت فيهم، وتطابقُ الأحوال التي مرَّت عليهم. وأيضًا فإن السياق يتناسب مع هذا القول من حيث إنه سياق مدح وثناء، ولم يذكر الموصول إلا مرة واحدة، ولو كان المراد أكثر من طائفة لناسب إعادة ذكر الموصول.

стр. 317

لكن يمكن أن يشكل على هذا القول ثلاث إشكالات: الأول: أنه قد ذُكر الإخراج من الديار بعد ذكر الهجرة، فلو كان الحديث في الآيات عن طائفة واحدة للزم التكرار بأنهم خرجوا للهجرة وأُخرجوا من ديارهم، والجواب عنه كما ذكر ابن تيمية أنهم "اختاروا مفارقة الكفار ليقيموا دينهم، ولكن الكفار بعداوتهم أكرهوهم على هذه المهاجرة" (١)، وإنما ذكر الإخراج تشنيعًا على المشركين أنهم أساؤوا إليهم (٢). ويحتمل أن يكون عملهم الأصلي هو الهجرة، ثم الأعمال المذكورة بعده هي تفصيل لهذا العمل بعد الإجمال (٣). الإشكال الثاني: أنه قد جاء في أول الآية قوله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم﴾، ثم ذكر هذه الأعمال، وليس المراد هذه الأعمال بمجموعها، بل بتفصيل كل واحدٍ منها أن الله لا يضيعه، وإلا لو كان المراد هو مجموع الأعمال لكان من اتصف بواحد منها يمكن أن يضيع عمله لأنه لم يتصف بالبقية (٤). والجواب: أن قوله تعالى ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم﴾ هو قاعدة عامة في كل أعمال المهاجرين المقصودين بالآية، وليست مخصوصة بالأعمال المذكورة في الآية فقط، فلا يلزم من ذكر تلك الأعمال بعد هذه القاعدة العامة أن تكون تلك الأعمال مخصصة لهذه القاعدة. ويحتمل أن يكون ذكر هذه الأعمال على وجه الاتصاف بها جميعًا من باب ذكر أشرف الأمثلة بعد ذكر القاعدة، فهؤلاء الذين عملوا هذه الأعمال جميعًا هم أحق الناس بأن لا يضيع الله أجورهم. الإشكال الثالث: قوله تعالى في القراءة الأخرى ﴿وقُتلوا وقاتلوا﴾ (٥)، فيمكن أن يشكل على هذا أنهم إذا اتصفوا بهذه الأعمال جميعًا فكيف لهم أن يقاتلوا بعدما قتلوا. والجواب: أن الآية هنا هي من الشواهد على أن الواو لا تقتضي الترتيب، فالآية هي في

стр. 318

المقتولين بعد أن قاتلوا، ولا يشكل على هذا تقديم ذكر قتلهم أو تأخيره (١). ٥) النتيجة: الراجح والله أعلم أن المذكورين في الآية هم طائفة واحدة اتصفت بالصفات المذكورة في الآية، لأن هذا هو الظاهر من إطلاق اللفظ، ولو أُريد أنهم عدة طوائف لناسب التفصيل دون الإطلاق، ولأن هذا هو المتوافق مع المخاطبين الذين نزلت الآية فيهم، وأشبه بالصفات التي اجتمعت فيهم، من المهاجرة في سبيل الله مع ما أصابهم من الإخراج من ديارهم والإيذاء في سبيل الله، ثم ما كان منهم من الجهاد والموت في سبيل الله، فوعدهم الله بأنه لن يضيع أعمالهم وأنه سيكفر عنهم سيئاتهم ويدخلهم الجنة بفضله ورحمته، فهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ٤ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ٥ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٦].

стр. 319

المسألة الحادية عشرة: وجه النصب في قوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] • أصل الخلاف في المسألة: الثواب يكون بمعنى الإثابة، ويكون بمعنى الشيء المُثاب به، فإن كان قوله ﴿ثَوَابا﴾ بمعنى الإثابة كان تأكيدًا للسياق بأن ما حصل لهم من الجزاء إنما هو إثابة من عند الله، وإن كان بمعنى الشيء المثاب به ففيه عدة أوجه تختلف في متعلقاتها (١). • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "وفي انتصاب ﴿ثَوَابا﴾ ثمانية أوجه، أوجهها أنه منصوب على المصدر المؤكد من غير الصدر، لأن معنى الجملة التي قبله تفيده وتُفهِمُه، إذ معنى ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾ معنى لأثيبنَّهم بذلك إثابةً أو تثويبًا، لأن هذين المصدرين لـ (أثاب) ولـ (ثوَّب)، فالثواب اسم مصدر، وإن كان في الأصل اسمًا لما يُثاب به، وهذا كما قالوا في العطاء أنه اسمٌ للشيء المُعطى، ثم يقع بمعنى الإعطاء، فـ ﴿ثَوَابا﴾ و ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] و ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ في الانتصاب على التأكيد بالمصدر. الثاني: أنه منصوب على الحال من ﴿جَنَّاتٍ﴾، وجاز ذلك -وإن كانت نكرة- إما لأنه لا يُشترط فيها شرط، وهو قول سيبويه، وإما لكونها تخصصت بالجملة بعدها. الثالث: أنه حالٌ أيضًا، لكن من مفعول (لأدخلنهم)؛ أي: لأدخلنهم ذوي ثواب؛ أي: مثابين. الرابع: أنه حالٌ أيضًا لكن من الضمير في ﴿تَحْتِهَا﴾ العائد على ﴿جَنَّاتٍ﴾، وخَصَّص أبو البقاء كونه حالًا منها بكونه بمعنى الشيء المُثاب به، فقال: «وقد يقع الثواب بمعنى الشيء المُثاب به، كقولك: هذا الدرهم ثوابك، فعلى هذا يجوز أن يكون حالًا من ضمير الجنات؛ أي: مُثابًا بها … » (١). الخامس: أنه بدلٌ من قوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾، قالوا: لكنه على تضمين (لأدخلنهم):

стр. 320

لأعطينهم، قلت: وكأنهم إنما احتاجوا إلى ذلك لأن البدل يَحِلُّ محل المبدل منه، فيصير التقدير: ولأدخلنهم ثوابًا، لكن الثواب لا يصح تسلط الإدخال عليه، إذ ليس هو مما يُدخل فيه، ولقائلٍ أن يقول: يجوز أنه يُتجوَّز في الثواب مبالغة، فيجعل بمنزلة الظرف الحاوي لهم المشتمل عليهم، كأنه قال: ولأدخلنهم في ثواب من عند الله … السادس: نصبه بفعلٍ مُقدَّر؛ أي: نعطيهم ثوابًا، أو نثيبهم ثوابًا؛ أي: إثابة. السابع: انتصابه على التمييز، وهو قول الفراء، فإن كان عنى التمييز صناعةً فأين المميز؟ وإن كان عنى غير ذلك فليُبيِّنه. الثامن: انتصابه على القطع، وهو قول الكسائي، قلت: لمَّا نقل مكيٌّ هذا عن الكسائي فسَّر القطع بالحال. قال الشيخ: «ولا يتوجه لي معنى هذين القولين هنا» (١)؛ يعني قولي الفراء والكسائي، وقد قدَّمتُ أن مكيًّا فسَّر مذهب الكسائي" (٢). • ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن وجه النصب في قوله تعالى ﴿ثَوَابا﴾ أنه منصوب على التأكيد بالمصدر، ويظهر هذا من لفظ الترجيح الصريح بصيغة التفضيل (أوجهها)، وذلك في قوله في أول المسألة: (وفي انتصاب ﴿ثَوَابا﴾ ثمانية أوجه، أوجهها أنه منصوب على المصدر المؤكد). • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: ترجيحات المفسرين والمعربين كلها تدور حول القول الأول (٣).
следующие страницы →