← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1111

فقه الهندسة المالية الإسلامية

مرضي العنزي

Полный текст (444 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث على أن كل شرط اشترطه الإنسان على نفسه، أو لها على غيره فهو باطل، لا يلزم من التزمه أصلا، إلا أن يكون في كتاب الله الأمر به أو النص على إباحته (١). نوقش: بأن"معنى كونه ليس في كتاب الله أي يخالف كتاب الله، فلا يجب كونه مذكورًا فيه، بل يجب كونه غير مخالف لقواعد الشرع" (٢)، وقد فسره البخاري (٣) بذلك؛ فترجم له بباب "المكاتب وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله تعالى"؛ لأن المراد بكتاب الله حكمه، وكل ما لم يكن من ذلك فهو مخالف لما في كتاب الله (٤). الدليل الرابع: أن الشرط المقترن بالعقد يؤدي إلى الربا؛ وذلك أنه التزام منفعة زائدة في البيع، وزيادة منفعة مشروطة في البيع ربا؛ لأنها زيادة عارية عن العوض (٥). نوقش: بعدم التسليم أن الشرط منفعة عارية عن العوض، بل لكل شرط مقابل من الثمن زيادة ونقصًا، وأيضًا هذا القول يؤدي إلى بطلان كل الشروط، حتى تلك الشروط التي اتفق العلماء على جوازها، كاشتراط صفة في المعقود عليه، أو اشتراط توثيق الثمن بكفيل، وأنتم لا تقولون بذلك (٦).

стр. 107

الدليل الخامس: أن الشرط لا ينفك ضرورة من أحد أربعة أمور لا خامس لها: إما أن يكون فيه إباحة لما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، أو التزام إسقاط ما أوجبه الله، أو التزام إيجاب ما لم يوجبه، وكل هذا عظيم لا يحل (١). نوقش: بأن هناك قسمًا خامسًا، وهو ما أباح الله للمكلف من تنويع أحكامه بالأسباب التي ملكه إياها، فيباشر من الأسباب ما يحله له بعد أن كان حرامًا عليه، أو يحرمه عليه بعد أن كان حلالًا له، أو يوجبه بعد أن لم يكن واجبًا، أو يسقط وجوبه بعد وجوبه، وليس في ذلك تغيير لأحكامه، بل كل ذلك من أحكامه، فكما أن نكاح المرأة يحل له ما كان حرامًا عليه قبله، وطلاقها يحرمها عليه ويسقط عنه ما كان واجبًا عليه من حقوقها، كذلك التزامه بالشرط، فإذا ملك تغيير الحكم بالعقد ملكه بالشرط الذي هو تابع له (٢)، فـ"الشرط يرفع موجب الاستصحاب لكن لا يرفع ما أوجبه كلام الشارع" (٣). الترجيح: بعد عرض الأقوال، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي-والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول، القائل بصحة الشروط إلا ما دل الدليل على فساده؛ وذلك لقوة أدلته، وضعف أدلة القولين الآخرين أمام المناقشة التي وردت عليهما، وأن الشروط كالعقود، ولم يصح دليل في التفريق بينها، فإذا كان الأصل في العقود الصحة إلا ما دل الدليل على منعه فالشروط مثلها، والناس يحتاجون إليها في عقودهم، وفي منعهم

стр. 108

عن ذلك تضييق عليهم، وحرج لهم، والشريعة جاءت بمصالح العباد، وبما يرفع عنهم الحرج والضيق. وعلى هذا الأصل في الشروط، فإن الهندسة المالية الإسلامية يجوز لها أن تطور العقود بإضافة بعض الشروط عليها، إلا أن يكون هذا الشرط من الشروط المحرمة.

стр. 109

الفصل الثالث: أدوات الهندسة المالية الإسلامية وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الحيل والمخارج الشرعية. المبحث الثاني: الرخص الشرعية. المبحث الثالث: الاستحسان. المبحث الرابع: سد الذرائع وفتحها المبحث الخامس: التلفيق. المبحث السادس: تركيب العقود.

стр. 110

المبحث الأول: الحيل والمخارج الشرعية. أهم غايات الاقتصاد الإسلامي تحقيق مقاصد الشريعة في المال، والمصارف الإسلامية من أهم وسائل تحقيق الاقتصاد الإسلامي، ولتحقيق ذلك تبحث المصارف الإسلامية في هندستها المالية الإسلامية عن حلول شرعية لابتكار منتجات مالية إسلامية، أو تطوير منتجاتها؛ للتوسع في خدمات التمويل، وتقليل المخاطر إلى أقصى درجة ممكنة؛ وللتوصل لهذه الحلول الشرعية استخدمت المصارف الإسلامية فقه الحيل والمخارج، بل قيل: "إنها نفخت فيه الروح بعد دهر من السبات" (١). ولحداثة تجربة المصارف الإسلامية، ورغبتها في منافسة البنوك الربوية، والخلط بين الحيل الممنوعة والمخارج المشروعة، وعدم وجود الخلفية الشرعية أحيانًا عند بعض المهندسين الماليين (٢)، والحرص على الربح دون أي مخاطر، لجأت بعض المصارف الإسلامية عن قصد أو غير قصد إلى الحيل الممنوعة، فتوصلت عن طريقها إلى المحرمات بحجة أنها مخارج شرعية، هذا مع وجود جهود مشكورة للفقهاء المعاصرين، والمجامع الفقهية، والهيئات الشرعية لتخليص المصارف الإسلامية من هذه الحيل الممنوعة، والبحث لها عن مخارج مشروعة (٣)، إلا أنه لدقة الحيل وغموضها اضطربت فيها أنظار النظار (٤)، وفي هذا المبحث دراسة للحيل بقسميها، الحيل الممنوعة، والمخارج المشروعة حتى يسهل-بإذن الله-"تنزيلها منازلها وإبداء الفروق بينها" (٥).

стр. 111

المطلب الأول: تعريف الحيل والمخارج الشرعية الحيل في اللغة: جمع حيلة وتطلق على"الحذق وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف" (١). والمخارج في اللغة: جمع مخرج، وهو موضع الخروج، ويراد به النفاذ من الشيء والخلوص منه (٢). والحيل والمخارج في الاصطلاح بمعنى واحد؛ قال ابن نجيم: "واختلف مشايخنا رحمهم الله تعالى في التعبير عن ذلك؛ فاختار كثير التعبير بكتاب الحيل، واختار كثير كتاب المخارج" (٣). مما يدل على ترادفهما في المعنى، إلا أن اصطلاح الحيل غُلّب إطلاقه على الجانب الممنوع منها، والمخارج غُلّب إطلاقها على الجانب المشروع منها؛ قال ابن تيمية عن الحيل: "صارت في عرف الفقهاء إذا أطلقت قصد بها الحيل التي يستحل بها المحارم" (٤). والسبب في ذلك نفور الناس من مصطلح الحيل؛ قال ابن القيم: "ونسميه وجوه المخارج من المضائق، ولا نسميه بالحيل التي ينفر الناس من اسمها" (٥). وعلى ذلك نجد أن تعريف الحيلة يختلف عند العلماء بحسب الزاوية التي ينظر منها العالم إلى الحيلة، فاختلفت أنظارهم إلى ثلاث اتجاهات:

стр. 112

الاتجاه الأول: النظر إلى الحيلة من جانبها الممنوع، ومن ذلك تعريف الحيل: بـ"أن يُظهر عقدًا مباحًا يريد به محرمًا؛ مخادعةً وتوسلًا إلى فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق، ونحو ذلك" (١). الاتجاه الثاني: النظر إلى الحيلة من جانبها المشروع (المخارج الشرعية)، ومن ذلك تعريف الحيل: بـ"جمع حيلة وهي الحذق وجودة النظر والمراد بها هنا ما يكون مخلصًا شرعيًا لمن ابتلي بحادثة دينية ولكون المخلص من ذلك لا يدرك إلا بالحذق وجودة النظر أطلق عليه لفظ الحيلة" (٢). الاتجاه الثالث: النظر إلى الحيلة من جانبيها الممنوع والمشروع، ومن ذلك تعريف الحيل: بـ"جمع حيلة وهي ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي" (٣)، أو تعريفها بقول الشاطبي: "التحيل بوجه سائغ مشروع في الظاهر أو غير سائغ على إسقاط حكم أو قلبه إلى حكم آخر، بحيث لا يسقط أو لا ينقلب إلا مع تلك الواسطة، فتفعل ليتوصل بها إلى ذلك الغرض المقصود، مع العلم بكونها لم تشرع له" (٤). وهذا الاختلاف في تعريف الحيلة أدى إلى الاختلاف في حكمها، وأفضل اتجاه في تعريف الحيلة هو الاتجاه الأخير الذي عرف الحيلة بالنظر إلى جانبيها المشروع والممنوع؛ فالحيلة تشتمل على الحيل المشروعة أو المخارج الشرعية، وتشتمل على الحيل الممنوعة، والتعريف لابد أن يكون جامعًا لهما.

стр. 113

المطلب الثاني: أقسام الحيل تنقسم الحيل ثلاثة أقسام: حيل محرمة، وحيل جائزة، وحيل مختلف فيها، قال الحجوي: "فالحيل ثلاثة أقسام: ملغاة بالاتفاق … وغير ملغاة اتفاقًا … والثالث مالم يتبين بدليل قطعي إلحاقه بالأول ولا بالثاني، وفيه اضطربت أنظار النظار، وهو محل التنازع" (١). وهناك اتجاهان سلكهما العلماء في تقسيمهم للحيل، الاتجاه الأول: تقسيمها بالنظر إلى المقصد الذي تحققه الحيلة، والاتجاه الثاني: تقسيمها بالنظر إلى المقصد وإلى الوسيلة الموصلة إلى هذه المقصد. الاتجاه الأول: أقسام الحيل باعتبار المقصد. وهذا الاتجاه سار عليه الشاطبي، وابن عاشور (٢)، فالحيل تنقسم عندهما ثلاثة أقسام: القسم الأول: الحيل الجائزة: ذكر الشاطبي أن الحيل الجائزة هي التي لا تهدم أصلًا شرعيًا، ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها؛ مثل النطق بكلمة الكفر إكراهًا (٣)، ثم قال: "إن هذا مأذون فيه؛ لكونه مصلحة دنيوية لا مفسدة فيها بإطلاق، لا في الدنيا ولا في الآخرة" (٤). أما ابن عاشور فقد ذكر نوعين من أنواع الحيل التي تدخل في الحيل الجائزة: النوع الأول: الحيلة التي تعطل أمرًا مشروعًا على وجه ينقل إلى مشروع آخر، مثل التجارة بالمال المتجمع خشية أن تنقصه الزكاة، فانتقل من الزكاة المشروعة إلى التجارة

стр. 114

المشروعة (١)، ثم قال: "وهذا النوع على الجملة جائز؛ لأنه ما انتقل من حكم إلا إلى حكم، وما فوت مقصدًا إلا وقد حصل مقصدًا آخر" (٢). النوع الثاني: الحيلة التي تعطل أمرًا مشروعًا على وجه يسلك به أمرًا مشروعًا هو أخف عليه من المنتقل منه؛ كمن أنشأ سفرًا في رمضان قاصدًا الفطر؛ لشدة الصيام عليه في الحر، متنقلًا منه إلى قضائه في وقت أرفق به (٣)، وقد ذكر الدكتور عيسى الخلوفي أن هذا النوع الثاني الذي ذكره ابن عاشور ليس من جنس الحيل الفقهية، بل بابه الرخص الشرعية؛ لأنه سلك سبيلًا مشروعًا ابتداءً (٤)، وهذا الكلام فيه نظر؛ لأن من سلك سبيلًا مشروعًا ليغير حكمًا مشروعًا إلى حكم آخر يعد متحايلًا على المقصد بهذا السبيل الذي سلكه، ولعل السبب الذي جعل الدكتور الخلوفي يعد هذا النوع من قبيل الرخص لا الحيل الفقهية، أن ابن عاشور ذكر من أمثلة هذا النوع المسح على الخفين، فمن مسح انتقل من حكم مشروع إلى حكم مشروع أخف عليه (٥)، وهذا المثال في الحقيقة يدخل في باب الرخص الشرعية، وليس في باب الحيل الفقهية، والفرق بين الرخص الشرعية وبين هذا النوع من الحيل، أن الرخص الشرعية فيها دليل من الشارع على جواز سلوك هذه السبيل للانتقال من حكم شرعي إلى حكم شرعي أخف منه، أما الحيل الفقهية فلا يوجد دليل ينص على جواز سلوك هذا السبيل لتغيير الحكم الذي يريد الانتقال منه.

стр. 115

القسم الثاني: الحيل المحرمة: ذكر الشاطبي أن الحيل الباطلة هي التي تهدم أصلًا شرعيًا وتناقض مصلحةً شرعيةً مثل حيل المنافقين، وحيل المرائين (١)، ثم قال: "فإنه غير مأذون فيه؛ لكونه مفسدة أخروية بإطلاق، والمصالح والمفاسد الأخروية مقدمة في الاعتبار على المصالح والمفاسد الدنيوية باتفاق؛ إذ لا يصح اعتبار مصلحة دنيوية تخل بمصالح الآخرة، فمعلوم أن ما يخل بمصالح الآخرة غير موافق لمقصود الشارع، فكان باطلا" (٢). أما ابن عاشور فذكر نوعين من أنواع الحيل التي تدخل في الحيل المحرمة: النوع الأول: الحيلة التي تفوت مقصدًا شرعيًا ولا تعوضه بمقصد شرعي آخر؛ مثل من وهب ماله قبل مضي الحول بيوم لئلا يعطي زكاته، واسترجعه من الموهوب له من غد (٣)، ثم قال: "وهذا النوع لا ينبغي الشك في ذمه وبطلانه" (٤). النوع الثاني: الحيلة التي لا تنافي مقصد الشارع أو تعين على تحصيل مقصده، لكن فيها إضاعة حق لآخر أو مفسدة أخرى؛ مثل تزوج المرأة المبتوتة قاصدًا أن يحللها لمن بتها (٥)، "فإن فعله جار على الشرع في الظاهر وخادم للمقصد الشرعي من الترغيب في المراجعة، وفي توافر الشرط وهو أن تنكح زوجًا غيره، إلا أنه جرى لعن فاعله على لسان رسول الله ﷺ " (٦).

стр. 116

القسم الثالث: الحيل المختلف فيها: ذكر الشاطبي أن الحيل المختلف فيها هي التي لا يتبين للشارع فيها مقصد يتفق على أنه مقصود له، ولا ظهر أنها على خلاف المصلحة التي وضعت لها الشريعة، وذكر أنها محل الإشكال، وفيها اضطربت أنظار النظار (١). أما ابن عاشور فذكر نوعًا واحدًا من أنواع الحيل المختلف فيها، وهو التحيل في أعمال ليست مشتملة على معان عظيمة مقصودة للشارع، وفي التحيل فيها تحقيق لمماثل مقصد الشارع من تلك الأعمال، مثل التحيل في الأيمان التي لا يتعلق بها حق للغير كمن حلف ألا يلبس ثوبًا، فإن البر بيمينه هو الحكم الشرعي، والمقصد هو تعظيم اسم الله، فيتحيل على هذا اليمين بوجه يشبه البر فيحصل مقصود الشارع من تهيب اسم الله (٢)، ثم قال: "وللعلماء في هذا النوع مجال من الاجتهاد؛ ولذلك كثر الخلاف بين العلماء في صوره وفروعه" (٣). هذه هي أقسام الحيل بالنظر إلى المقصد الذي تحققه، ذكر الشاطبي لها ثلاثة أقسام، وذكر ابن عاشور خمسة أنواع، كلها تعود إلى هذه الأقسام الثلاثة، فنوعان يدخلان في القسم الأول، ونوعان في القسم الثاني، ونوع في القسم الثالث. الاتجاه الثاني: أقسام الحيل باعتبار المقصد والوسيلة. وهذا الاتجاه سار عليه ابن تيمية وابن القيم (٤)، فالحيل عندهم تنقسم قسمين:

стр. 117

القسم الأول: حيل مقصدها شرعي، ويقسم هذا القسم باعتبار الوسائل المفضية إليه ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن تكون الوسيلة محرمة، والمقصود بها مشروعًا؛ مثل من كان له حق عند آخر، فيجحده، فيقيم شاهدي زور ليتوصل لحقه (١)، وقد رأى ابن القيم أن فاعله يأثم على الوسيلة دون المقصد (٢)، أما ابن تيمية فيرى أن ذلك محرم كله؛ لأنه إنما يتوصل إليه بكذب منه (٣). وهذا النوع محل خلاف بين الفقهاء؛ وذلك بالنظر لمفسدة الوسيلة المحرمة مقابل مصلحة المقصد المشروع، ومنه مسألة الظفر بالحق فقد منعها قوم، وأجازها آخرون، وأجازها ابن القيم إذا كان سبب الحق فيها ظاهرًا (٤). النوع الثاني: أن تكون الوسيلة مشروعة، والمقصود بها مشروعًا، "وهذه هي الأسباب التي نصبها الشارع مفضية إلى مسبباتها، كالبيع والإجارة والمساقاة والمزارعة والوكالة" (٥). وهذا النوع لا يعد من الحيل عند الفقهاء، لأن الحيل فيها مهارة وحذق للتوصل إلى المقصود بالأسباب الخفية (٦). فالبيع والإجارة أسباب ظاهرة للوصول لمقصود الملك المشروع. النوع الثالث: أن تكون الوسيلة مشروعة، لكنها لم توضع لهذا المقصد، فيتخذها المتحيل وسيلة إلى هذا المقصد المشروع، " فهي في الفعال كالتعريض الجائز في المقال" (٧).

стр. 118

وهذا النوع جائز عند الفقهاء، ويعد من المخارج الشرعية؛ فالوسيلة مشروعة، والمقصود مشروعًا (١). القسم الثاني: حيل مقصدها غير شرعي، ويقسم هذا القسم باعتبار الوسائل المفضية إليه ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن تكون الوسيلة محرمة، والمقصود بها محرمًا؛ كالبائع إذا أراد فسخ البيع، فيحتال على ذلك أنه كان محجورًا عليه وقت العقد (٢). وهذا النوع محرم بالاتفاق (٣). النوع الثاني: أن تكون الوسيلة مباحة، والمقصود بها محرمًا، كالسفر لقطع الطريق (٤). وهذا النوع محرم سدًا للذريعة، ولا يعد عند الفقهاء من الحيل الفقهية؛ فالحيلة فيها مهارة وحذق وخفاء لتغيير الأحكام، أما هذه الوسيلة فليس فيها مقصد لتغيير حكم، وهي ظاهرة للتوصل للمقصود المحرم، وليس فيها أي خفاء. النوع الثالث: أن تكون الوسيلة لم توضع للإفضاء إلى المحرم، فيتخذها المتحيل طريقًا إلى الحرام، كمن ينكح امرأة ليحللها لزوجها الأول بعد التطليقة الثالثة (٥). وأكثر كلام الفقهاء عن الحيل إنما يقصدون به هذا النوع منها؛ قال ابن تيمية: "وهذا القسم هو الذي كثر فيه تصرف المحتالين ممن ينتسب إلى الفتوى وهو أكثر ما قصدنا الكلام فيه" (٦).

стр. 119

وقال ابن القيم: "وهذا معترك الكلام في هذا الباب، وهو الذي قصدنا الكلام فيه بالقصد الأول" (١). هذه هي أقسام الحيل بالنظر إلى المقصد والوسيلة، فهي تنقسم قسمين باعتبار مقصدها، ثم يتفرع كل قسم إلى ثلاثة أنواع باعتبار الوسيلة الموصلة إلى ذلك المقصد، ومنها ما لا يدخل في مفهوم الحيل عند الفقهاء كما سبق بيانه. ويمكن أن نستخلص من هذا التقسيم للحيلة، أن الحيل تنقسم ثلاثة أقسام: القسم الأول: حيل جائزة، وهي ما كانت وسيلتها مشروعة والمقصد منها مشروعًا. القسم الثاني: حيل محرمة، وهي ما كانت وسيلتها محرمة، والمقصد منها محرمًا. القسم الثالث: حيل محتلف فيها، وتنقسم إلى نوعين: النوع الأول: حيل وسيلتها ممنوعة، والمقصد منها مشروعًا. النوع الثاني: حيل وسيلتها مشروعة، والمقصد منها تغيير الحكم الشرعي. وهذا النوع هو الذي اختلف فيه الفقهاء كثيرًا. المطلب الثالث: حكم الحيل. اختلف الفقهاء في حكم القسم الثالث من أقسام الحيل الذي سبق ذكره على قولين: القول الأول: تحريم الحيل. وهو قول المالكية (٢)، والحنابلة (٣).

стр. 120

القول الثاني: جواز الحيل. وهو قول الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والظاهرية (٣). وسبب الاختلاف بينهم "اختلافهم هل المعتبر في صيغ العقود ألفاظها أو معانيها؟ " (٤). أدلة القول الأول: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ، … وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابِ بَئِيسِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ، فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٥). وجه الدلالة من الآيات: أن أهل القرية "احتالوا على انتهاك محارم الله بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن تعاطي الحرام" (٦)، فأخذهم الله بالعذاب ومسخهم إلى قردة؛ مما يدل على حرمة التحايل على أحكام الله (٧). الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (٨).

стр. 121

وجه الدلالة من الآية: أن المنافقين"تحيلوا بملابسة الدين وأهله إلى أغراضهم الفاسدة" (١)؛ فذمهم الله على هذه المخادعة، فالحيل مذمومة؛ لأنها مخادعة لله، قال أيوب السختياني (٢): "يخادعون الله كأنما يخادعون آدميًا، لو أتوا الأمر عيانًا كان أهون علي" (٣). يناقش: بالفرق بين حيل المنافقين، وحيل الفقهاء؛ فمقصد المنافقين في حيلهم الفرار من الدين، ومخادعة الله والذين آمنوا، أما الفقهاء كأبي حنيفة ومحمد بن الحسن فمقصدهم البحث عن مخارج شرعية للمضايق التي يبتلى بها الناس، ولا يصح أن يوصفوا بأنهم يخادعون الله كأنما يخادعون آدميًا. الدليل الثالث: قول الله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ (٤). وجه الدلالة من الآية: أن أصحاب الجنة لما أرادوا الاحتيال على حق المساكين، عاقبهم الله بإهلاك مالهم؛ مما يدل على تحريم الحيل المسقطة للحقوق (٥). الدليل الرابع: عن جابر بن عبد الله ﵄، أَنَّهُ: سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ، وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا

стр. 122

النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» متفق عليه (١). وجه الدلالة من الحديث: أن اليهود لما حرم الله عليهم شحوم الميتة، تحايلوا على ذلك بإذابة الشحوم، ثم أكلوا ثمنها، فلعنهم الله على هذه الحيلة (٢)، و"فيه دليل على بطلان كل حيلة تحتال للتوصيل إلى محرم، وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه" (٣). الدليل الخامس: عن أنس ﵁: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» رواه البخاري (٤). وجه الدلالة من الحديث: في الحديث دلالة على النهي عن اتخاذ الحيلة التي تنقص الزكاة أو تسقطها (٥)، قال ابن بطال: " قال المهلب (٦): وإنما قصد البخارى فى هذا الباب أن يعرفك أن كل حيلة يتحيل بها أحد فى إسقاط الزكاة، فإن إثم ذلك عليه؛

стр. 123

لأن النبى ﷺ لما منع من جمع الغنم أو تفريقها خشية الصدقة؛ فهم منه هذا المعنى، وفهم من قوله: (أفلح إن صدق) (١) أنه من رام أن ينقص شيئًا من فرائض الله بحيلة يحتالها أنه لا يفلح" (٢). الدليل السادس: أن الله أوجب الواجبات، وحرم المحرمات؛ لتحقيق حكم، ومصالح، ولدفع مفاسد، وفي التحايل على إسقاط الواجبات، أو فعل المحرمات تزول الحكم، والمصالح، ويقع الفساد في الأرض (٣). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٤) وجه الدلالة من الآية: بين الله تعالى أن من يتق الله يجعل له مخرجًا، ولا ريب أن هذه الحيل مخارج مما ضاق على الناس (٥). نوقش: أن هذه الآية لا علاقة لها بالحيل (٦)؛ فالآية تدل على أن الله يَجْعَل لمن يتقيه مَخْرَجاً مما هو فيه من الغموم والوقوع في المضايق، ويفرج عنه وينفس ويعطيه الخلاص وَيَرْزُقهُ من وجه لا يخطره بباله ولا يحتسبه (٧)، أما الحيل فهي بحث الفقيه عن مخرج لمن

стр. 124

وقع في ضيق، وليس من التقوى التحايل على إسقاط الواجبات، أو فعل المحرمات، بحجة إخراج الناس من الضيق، بل قد يكون التحايل على الأحكام الشرعية سببًا في الوقوع في المضايق. الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (١). وجه الدلالة من الآية: أن أيوب ﵇ أقسم ليضربن زوجته مئة ضربة، فأمره الله أن يأخذ حزمة من حشيش فيضربها ضربة واحدة، وتلك وسيلة شرعها الله لنبيه ليتحلل عن يمينه، وفيها دلالة على جواز الحيل (٢). نوقش: بأن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا، وعلى فرض التسليم بأنه شرع لنا فإن هذا الحكم خاص بأيوب؛ فلو كان عامًا لم يكن في اقتصاصه علينا كبير عبرة؛ ويدل على الاختصاص قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾، وهذه الجملة خرجت مخرج التعليل؛ فعلم أن الله إنما أفتاه بهذا جزاء له على صبره (٣). الدليل الثالث: عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَفْعَلْ، بِعْ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» متفق عليه (٤).

стр. 125

وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ أمر الرجل أن يتوسط إلى ما أراده من أخذ الجيد بالرديء بالطريق المشروع في الأصل، وهو أن يبيع الرديء بالدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمرًا جيدًا، وهذه الواسطة حيلة، فهي لا تتخذ لذاتها، إنما تتخذ لغرض آخر توقف نيله عليها، وقد أمر النبي ﷺ بها مما يدل على جواز الحيل (١). نوقش: بأن في الحديث قصدًا سليمًا، ومبنًى متخلفًا عنه، فأرشد النبي ﷺ إلى إلحاق المبنى بالمقصد السليم (٢)، والحيلة التي أرشد لها النبي ﷺ مشروعة للوصول إلى مقصد مشروع، فهي من الحيل الجائزة بالاتفاق، قال ابن تيمية: " أن تحصيل المقاصد بالطرق المشروعة إليها ليس من جنس الحيل سواء سمي حيلة، أو لم يسم، فليس النزاع في مجرد اللفظ، بل الفرق بينهما ثابت من جهة الوسيلة والمقصود" (٣). الدليل الرابع: عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: كَانَ بَيْنَ أَبْيَاتِنَا رَجُلٌ مُخْدَجٌ ضَعِيفٌ، فَلَمْ يُرَعْ إِلَّا وَهُوَ عَلَى أَمَةٍ مِنْ إِمَاءِ الدَّارِ يَخْبُثُ بِهَا، فَرَفَعَ شَأْنَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «اجْلِدُوهُ ضَرْبَ مِائَةِ سَوْطٍ»، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هُوَ أَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ، لَوْ ضَرَبْنَاهُ مِائَةَ سَوْطٍ مَاتَ، قَالَ: «فَخُذُوا لَهُ عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً» رواه أبو داود وغيره (٤).

стр. 126

وجه الدلالة من الحديث: أن الضرب بالعثكال ليس هو الحد الواجب في الأصل؛ بدليل قوله ﷺ قبل أن يرشدهم إلى هذا: «اجْلِدُوهُ ضَرْبَ مِائَةِ سَوْطٍ»، وهذه الواسطة حيلة للتوصل إلى إسقاط الحد في حق مثل هذا الرجل، وفيها دلالة على جواز الحيل (١). نوقش: بأن الحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به (٢)، وعلى فرض صحته فالحديث ليس من الحيل، ولم يسقط النبي ﷺ الحد، بل أمر بجلده مئة سوط، فلما أُخبر أنه مريض، أمر بجلده بعثكال فيه مئة شمراخ ضربة واحدة، فالحديث بيان لحد المريض، وليس إسقاطًا للحد؛ قال ابن قدامة: "المريض الذي لا يرجى برؤه، فهذا يقام عليه الحد في الحال ولا يؤخر، بسوط يؤمن معه التلف؛ كالقضيب الصغير، وشمراخ النخل، فإن خيف عليه من ذلك، جمع ضغث فيه مئة شمراخ، فضرب به ضربة واحدة" (٣)، وليس في الحديث دلالة على جواز الحيل. الدليل الخامس: أن الناس ليس لهم إلا الحكم بالظاهر، وأما المقاصد والنيات فحكمها إلى الله، ولو أوقفت الشريعة صحة العقود إلى أن ينقطع كل احتمال مخالف للظاهر، لتعطلت معظم المعاملات، ولعادت على الناس أضعاف المفاسد التي يمكن أن تعود عليهم جراء الاحتمالات المحجوبة عن الظاهر (٤)، قال الشافعي: "ولو كان لأحد من الخلق أن يحكم على خلاف الظاهر ما كان ذلك لأحد إلا لرسول الله ﷺ بما يأتيه به الوحي وبما جعل الله تعالى فيه مما لم يجعل في غيره من التوفيق، فإذا كان رسول الله ﷺ لم

стр. 127

يتول أن يقضي إلا على الظاهر، والباطن يأتيه وهو يعرف من الدلائل بتوفيق الله إياه ما لا يعرف غيره فغيره أولى أن لا يحكم إلا على الظاهر" (١). يناقش: بأن منع الحيل لا يعني إفساد العقود التي ظهرت صحتها، بل لا يفسد منها إلا ما كان ظاهر الفساد، أو كان المقصد الفاسد فيها ظاهرًا قبل التقابض، أما بعد التقابض فلو تبين أن المعاملة ربوية، وأن المتعامل بها ممن يبيح الحيل، فلا تُنقض، قال ابن تيمية: " كل عقد اعتقد المسلم صحته بتأويل من اجتهاد أو تقرير، مثل المعاملات الربوية التي يبيحها مجوزو الحيل، ومثل بيع النبيذ المتنازع فيه عند من يعتقد صحته، ومثل بيوع الغرر المنهي عنها عند من يجوز بعضها، فإن هذه العقود إذا حصل فيها التقابض مع اعتقاد الصحة لم تُنقض بعد ذلك، لا بحكم ولا برجوع عن ذلك الاجتهاد" (٢). ومعاملة الناس على الظاهر لا يعني جواز ما أخفوا في الباطن، فالنبي ﷺ قبل من المنافقين ظواهرهم مع أنهم يرتكبون كفرًا في بواطنهم، ومنع الحيل عن المسلم لكي يتوافق ظاهره مع باطنه، وجوازها يساعد على التناقض بين الظاهر والباطن. الترجيح: بعد عرض القولين وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة تبين لي-والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول، القائل بتحريم الحيل؛ وذلك لقوة أدلته، وضعف أدلة القول الثاني أمام المناقشة التي وردت عليها، ومع أن الأصل في الحيل المنع، إلا أنه إذا كان في الحيلة تحقيق مصلحة أكبر من مفسدة الحيلة فتجوز في هذه الحالة تغليبًا لجانب المصلحة، وهذا الذي يُفهم من كلام الشاطبي وابن عاشور في الحيل، أن الأصل فيها

стр. 128

عندهم البطلان إلا إذا كان فيها تحقيق مصلحة مقصودة للشارع أكبر من مفسدة الحيلة (١)، وهذا ما يُفهم من الأمثلة التطبيقية للحيل الجائزة عند ابن القيم، ففي القراءة في الحيل التي أجازها ابن القيم نجد أنه أجاز حيلًا لنوعي قسم الحيل المختلف فيها، وأذكر مثالًا لكل نوع: النوع الأول: حيل وسيلتها ممنوعة، والمقصد منها مشروع، قال ابن القيم في مسألة الظفر بالحق بعد ذكر القولين فيها، المنع، والجواز: "وتوسط آخرون وقالوا: إن كان سبب الحق ظاهرًا كالزوجية والأبوة والبنوة وملك اليمين الموجب للإنفاق فله أن يأخذ قدر حقه من غير إعلامه … وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وعليه تدل السنة دلالة صريحة، والقائلون به أسعد" (٢). النوع الثاني: حيل وسيلتها مشروعة، والمقصد منها تغيير الحكم الشرعي، قال ابن القيم في حيلة التحليل من الطلاق بعد الثلاث: "إذا وقع الطلاق الثلاث بالمرأة، وكان دينها ودين وليها وزوجها المطلق أعز عليهم من التعرض للعنة الله ومقته بالتحليل الذي لا يحلها، ولا يطيبها بل يزيدها خبثًا فلو أنها أخرجت من مالها ثمن مملوك فوهبته لبعض من تثق به فاشترى به مملوكًا ثم خطبها على مملوكه فزوجها منه فدخل بها المملوك ثم وهبها إياه انفسخ النكاح، ولم يكن هناك تحليل مشروط، ولا منوي ممن تؤثر نيته وشرطه، وهو الزوج" (٣).

стр. 129

فابن القيم مع تشديده النكير على المجيزين للحيل إلا أنه أجاز الحيلة في المثالين السابقين، ولا يوجد تأويل له إلا أنه رأى في الحيلة تحقيق مصلحة مقصودة للشارع أعظم من مفسدة الحيلة. فعلى هذا فالأصل في الحيل المنع والبطلان، وإبطالها ليس إبطالًا لكل الحيل، فلا "يمكن إقامة دليل في الشريعة على إبطال كل حيلة، كما أنه لا يقوم دليل على تصحيح كل حيلة؛ فإنما يبطل منها ما كان مضادًا لقصد الشارع خاصة" (١)، فمتى كان في الحيلة تحقيق مصلحة أكبر من مفسدة الحيلة فتجوز في هذه الحالة تغليبًا لجانب المصلحة، وتحقيقًا لمقصد الشارع. المطلب الرابع: ضوابط المخارج الشرعية لابد للحيل الجائزة أو المخارج الشرعية من ضوابط تضبطها حتى تؤدي دورها، وحتى لا يقع المسلم في الحيل المحرمة، وهذه الضوابط هي: ١ - أن تكون الحيلة متوافقة مع مقصد الشارع، وفيها تحقيق مصلحة شهد الشرع باعتبارها، وألا تهدم أصلًا شرعيًا، قال الشاطبي: "فإن فرضنا أن الحيلة لا تهدم أصلًا شرعيًا، ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها؛ فغير داخلة في النهي" (٢). ٢ - أن يكون النظر في تقرير مصالح الحيل وموافقتها لمقصود الشارع للعلماء الشرعيين؛ "ليكون الناظر متكيفًا بأخلاق الشريعة، فينبو عقله وطبعه عما يخالفها" (٣)، ولا

стр. 130

يفتح المجال لغيرهم؛ لأن من كان جاهلًا بالأصول يكون بعيد الطبع عن أخلاق الشريعة، فيقع في مخالفتها بقصد أو دون قصد (١). ٣ - ألا تتضمن إسقاط حق، أو تحريم حلال، أو تحليل حرام، قال ابن القيم: "وهكذا الحيلة في جميع هذا الباب، وهي حيلة جائزة؛ فإنها لا تتضمن إسقاط حق، ولا تحريم حلال، ولا تحليل حرام" (٢). وقد ذكر ابن القيم من هذه الحيل الجائزة مئة وستة عشر مثالًا (٣). المطلب الخامس: الحيل والهندسة المالية الإسلامية الحيل هي أكثر الأدوات التي تستخدمها المصارف الإسلامية في هندستها للعقود حتى ليُخيل للناظر أن عمل بعض الجهات الاستشارية للبنوك هو صناعة الحيل الفقهية التي تنمي أعمال البنوك (٤)؛ حتى قال أحدهم: "على من ينشئ مصرفًا إسلاميًا أن يطبع نماذج مخصوصة للقروض، ونماذج أخرى للحيلة الشرعية، حتى يكون عقد القرض خاليًا من ذكر المنفعة، وهو أمر سهل جدًا" (٥). ويُعبر بعضهم عن الحيل الفقهية بالمخارج الشرعية تغريرًا بالناس وتدليسًا عليهم، فاسم المخارج الشرعية أقرب للقلوب من اسم الحيل (٦)؛

стр. 131

مما نتج عن هذه المعاملات التي بنيت على الحيل أن قربت بين البنوك الربوية والمصارف الإسلامية في حقيقة الأمر (١)، والذي ينبغي على المصارف الإسلامية أن تبتعد كل البعد عن الحيل الفقهية المحرمة؛ وذلك لتحافظ على أمانتها وسمعتها؛ فالناس لم يتعاملوا معها إلا للظفر بالمعاملات الشرعية التي ترضي الله عنهم، وأكثرهم يثق بهذه المصارف وبهيئاتها، ولا يسألون عن حكم المعاملة إذا صدرت من المصارف الإسلامية ثقةً بها (٢)، وهم يفضلون المصارف الإسلامية على غيرها من البنوك حتى لو كانت خدماتها أقل جودة؛ لأجل انضباط معاملاتها بضوابط الشريعة (٣)، فإذا فوجئوا أن المعاملة لم تكن شرعية، وأنه لا فرق بين معاملات المصارف الإسلامية والبنوك التقليدية؛ فستخسر المصارف الإسلامية سمعتها وعملاءها، وهذا يخل بالمقاصد التي لأجلها أنشئت المصارف الإسلامية (٤). وإذا أرادت المصارف الإسلامية الحيل الجائزة أو المخارج الشرعية فينبغي عليها أن تراعي الضوابط التي تضبطها، وعليها أن تجعل الحكم في المعاملات التي تمت هندستها للعلماء الشرعيين أو المجامع الفقهية، أو الهيئات الشرعية التي لا تأثير للمصرف عليها، ولا تكتفي برأي المهندسين الماليين أو غيرهم من الاقتصاديين، إذا لم يكونوا من أهل الاجتهاد، وكل ذلك يصب في مصلحة المصارف الإسلامية، ويحافظ على شرعيتها، ويحميها من الوقوع في الأزمات المالية التي وقعت فيها البنوك التقليدية؛ يقول الدكتور

стр. 132

رفيق المصري: "إن بعض الباحثين الذين يوصفون بأنهم باحثون في الاقتصاد الإسلامي كتبوا قبل الأزمة مطالبين بإباحة المشتقات المالية وبيع الديون، ولو بطريق الحيل، ثم ما لبثت الأزمة أن وقعت، وتبين أن المشتقات والديون كانتا من أعظم أسباب وقوعها، فهل يؤتمن هؤلاء الباحثون وأمثالهم على إيجاد اقتصاد إسلامي سليم وفقه مالي صحيح" (١).

стр. 133

المبحث الثاني: الرخص الشرعية من أبرز خصائص التشريع الإسلامي أنه دين السهولة واليسر والسماحة؛ قال النبي ﷺ : «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ»، وقال ﷺ : «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» رواهما البخاري (١)، ومن اليسر والسماحة في الدين الإسلامي أن الله يخفف عن عباده عند مظنة المشقة العارضة على المكلف (٢)، فالأحكام التي ينشأ عن تطبيقها مشقة على المكلف في نفسه أو ماله، فإن الشريعة ترخص له وتخفف عنه بما يقع تحت قدرته دون عسر أو إحراج (٣)، وجميع هذه الرخص الشريعة وتخفيفاتها متفرعة عن قاعدة "المشقة تجلب التيسير" (٤)؛ "قال العلماء: يتخرج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته" (٥). وقاعدة" المشقة تجلب التيسير" من القواعد الكبرى التي ترتكز عليها الشريعة الإسلامية، فلا غرابة بعد ذلك أن تكون الرخص الشرعية إحدى الأدوات التي يستخدمها العلماء الشرعيون وهم يبحثون عن حلول مالية لرفع المشقة التي تواجه المصارف الإسلامية في سيرها لتحقيق مقاصدها، وفي هذا المبحث دراسة لهذه الأداة.

стр. 134

المطلب الأول: تعريف الرخص الشرعية الرخص في اللغة جمع رخصة، وتدل على التخفيف والتيسير واللين وخلاف الشدة، قال ابن فارس (١): "الراء والخاء والصاد أصل يدل على لين وخلاف شدة" (٢)، وقال ابن منظور (٣): "والرخصة: ترخيص الله للعبد في أشياء خففها عنه" (٤). أما الرخصة في الاصطلاح فلها عدة تعريفات؛ فقد عرفها البزدوي الحنفي (٥): بـ"ما يستباح بعذر مع قيام المحرم" (٦)، وانتُقد هذا التعريف بأنه غير جامع؛ لعدم شموله الرخصة الثابتة على خلاف دليل الندب (٧)، وبأنه متناقض؛ لأن الذي أبيح لا يكون حرامًا (٨).

стр. 135

وعرفها الغزالي: بـ"بما وسع للمكلف في فعله لعذر وعجز عنه مع قيام السبب المحرم" (١). وانتُقد هذا التعريف بأنه غير جامع؛ لأنه اقتصر على الفعل، والرخصة كما قد تكون بالفعل فقد تكون بالترك (٢)، ولعدم شموله الرخصة الثابتة على خلاف دليل الندب (٣). وكل تعريفات الرخصة قريبة من هذين التعريفين، وإن اختلفت قليلًا في الألفاظ، وعليها من الانتقادات ما على هذين التعريفين (٤). وأجود تعريف للرخصة تعريف السبكي، وهو: "ما تغير من الحكم الشرعي لعذر إلى سهولة ويسر مع قيام السبب للحكم الأصلي" (٥). وقد جوّده الشنقيطي، فقال: "ومن أجود تعاريف الرخصة، ما عرفها به بعض أهل الأصول من أنها هي الحكم الشرعي الذي غير من صعوبة إلى سهولة لعذر اقتضى ذلك، مع قيام سبب الحكم الأصلي" (٦). المطلب الثاني: أقسام الرخص الشرعية لقد قسم العلماء الرخصة عدة تقسيمات، من أهمها: أولا: تقسيم الرخصة باعتبار الفعل والترك: تنقسم الرخصة باعتبار الفعل والترك قسمين:

стр. 136

القسم الأول: رخصة فعل؛ كإجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب إلى الإيمان عند الإكراه، وكالمضطر إلى أكل الميتة (١). القسم الثاني: رخصة ترك؛ كالفطر والقصر للمسافر، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حالة الخوف (٢). ثانيًا: تقسيم الرخص باعتبار الحكم: تنقسم الرخص باعتبار الحكم ثلاثة أقسام: القسم الأول: رخصة واجبة؛ كإساغة اللقمة بالخمر لمن غص باللقمة، وكتناول الميتة للمضطر (٣). القسم الثاني: رخصة مندوبة؛ كقصر الصلاة للمسافر، والإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر (٤). القسم الثالث: رخصة مباحة؛ كالجمع بين الصلاتين في غير عرفة ومزدلفة، وبيع العرايا (٥). وقد زاد بعض الأصوليين أقسامًا للرخصة، وهي: رخصة محرمة، ورخصة مكروهة، ورخصة خلاف أولى (٦)، إلا أن أكثر الأصوليين يكتفون بالأقسام الثلاثة الأولى (٧)، بل

стр. 137

نَسب الزركشي هذا التقسيم إلى جميع الأصوليين، فقال: "اعلم أن جميع الأصوليين يقسمون الرخصة إلى الأقسام الثلاثة المذكورة" (١). فالرخصة "لا تكون محرمة، ولا مكروهة" (٢)، ولا خلاف أولى؛ لأن الرخصة مشروعة، وهذه الأوصاف غير مشروعة، ولا اجتماع بينها، ولا توجد أمثلة صحيحة عند من ذكر هذه الأقسام. والأصل في الرخصة ألا يوصف بها إلا الإباحة، ولكن قد يعرض للحكم الموصوف بأنه رخصة ما يجعله واجبًا، أو مندوبًا (٣)، قال السبكي: "واعلم أن الإيجاب والندب واستواء الطرفين أو رجحان أحدهما أمر زائد على معنى الرخصة؛ لأن معناها التيسير؛ وذلك بحصول الجواز للفعل أو الترك، يرخص في الحرام بالإذن في فعله، وفي الواجب بالإذن في تركه، وأدلة الوجوب والندب وغيرها تؤخذ من أدلة أخرى" (٤). ثالثًا: تقسيم الرخصة باعتبار العموم والخصوص: تنقسم الرخصة باعتبار العموم والخصوص إلى رخصة عامة، ورخصة خاصة (٥)، إلا أن ابن عاشور قسمها باعتبار عمومها وخصوصها مع اطرادها وتوقيتها ثلاثة أقسام: القسم الأول: رخصة عامة مطردة؛ كانت سبب تشريع عام، مستثناة من أصل كان شأنه المنع؛ كالسلم (٦). القسم الثاني: رخصة خاصة مؤقتة؛ وهذه أكثر الرخص التي يكتفي الأصوليون بضرب الأمثلة لها؛ كمن اضطر لأكل الميتة (٧).

стр. 138

القسم الثالث: رخصة عامة مؤقتة؛ "وذلك أن يعرض الاضطرار للأمة أو طائفة عظيمة منها، يستدعي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي؛ مثل سلامة الأمة، وإبقاء قوتها، أو نحو ذلك" (١)، ومثل الكراء المؤبد الذي جرت به فتوى بعض علماء الأندلس في أرض الوقف عندما زهد الناس في كرائها لقصر المدة التي تكتري أرض الوقف لمثلها، وكثرة التكلفة التي تحتاجها الأرض للعمل فيها، فأفتى بعض العلماء بالكراء المؤبد، ورأوا أن التأبيد لا غرر فيه؛ لأنها باقية غير زائلة (٢). المطلب الثالث: أسباب الرخص الشرعية أكثر الكتب الأصولية تذكر أمثلة للرخص دون حصر لأسباب الرخص الشرعية، فتُمثل بالمرض، والسفر، والإكراه على كلمة الكفر، والاضطرار لأكل الميتة (٣)، وقد حاول بعض الأصوليين حصر أسباب الرخص، فذكر السيوطي وابن نجيم أن أسباب التخفيف في العبادات وغيرها سبعة: السفر، والمرض، والإكراه، والنسيان، والجهل، وعموم البلوى، والنقص (٤)، وزاد بعضهم عليها ثلاثة أسباب، وهي: الضرورة، والمشقة، والخطأ (٥)، وزاد بعضهم عليها سببًا رابعًا وهو: الحاجة (٦)، وذكر السيوطي أن الأسباب التي ترخص في ترك الجماعة نحو أربعين سببًا (٧)، وكل هذه الأسباب التي ذكرها العلماء وغيرها تعود إلى

стр. 139

المشقة، قال الشاطبي: "إن سبب الرخصة المشقة" (١)، فالمشقة هي سبب الرخصة، وهي إما أن تصل إلى درجة الضرورة، أو لا تصل إليها فتكون حاجية، قال الطوفي: "قد يكون سبب الرخصة اختياريًا؛ كالسفر، واضطراريًا؛ كالاغتصاص باللقمة المبيح لشرب الخمر" (٢). وعلى ذلك يمكن تقسيم أسباب الرخصة إلى قسمين رئيسين: القسم الأول: الضرورة؛ ويدخل فيه النطق بكلمة الكفر لمن أكره على ذلك، والمريض إذا كان المرض يؤدي به إلى الهلاك إن لم يترخص، وشرب الخمر لمن غص باللقمة ولم يكن عنده إلا الخمر (٣)، وكل مشقة تؤدي إلى الهلاك إن لم يترخص تدخل تحت هذا القسم. القسم الثاني: الحاجة؛ ويدخل فيه السفر، والنسيان، والجهل، والخطأ، والنقص، وعموم البلوى، ومن كان مرضه لا يؤدي به إلى الهلاك إذا لم يترخص، فكل هذه الأسباب يقع على الناس مشقة لو لم يرخص لهم بها، وهذه المشقة لا تصل بهم إلى درجة الهلاك والضرورة، وكل ما يؤدي إلى مشقة وحرج ولا يصل إلى درجة الضرورة يدخل تحت هذا القسم. المطلب الرابع: أدلة الرخص الشرعية للرخص الشرعية أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، منها: الدليل الأول: الآيات الكثيرة التي تدل على التيسير، والتخفيف، ورفع الحرج عن الأمة؛ كقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤). وقوله: ﴿يُرِيدُ

стр. 140

اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (١). وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). وجه الدلالة من الآيات: أن الآيات تدل على أن الله يريد أن ييسر ويسهل على عباده الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير؛ ليسهل سلوكها، ولهذا فإن جميع الأوامر لا تشق على المكلفين، وإذا حصل بعض المشاق والعجز خفف الشارع من الواجبات بحسب ما يناسب ذلك، فيدخل في هذا جميع التخفيفات، والرخص الشرعية (٣). الدليل الثاني: الأحاديث النبوية الكثيرة الدالة على التيسير والتخفيف؛ كقول النبي ﷺ : «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» رواه البخاري (٤). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» رواه البخاري (٥). وعن عائشة ﵂، أنها قالت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا» متفق عليه (٦). وجه الدلالة من الأحاديث: في هذه الأحاديث يبين النبي ﷺ سماحة هذا الدين ويسره، وتبين عائشة ﵂ أن هدي النبي ﷺ اختيار الأيسر ما لم يكن إثمًا، والرخص الشرعية من السماحة والتيسير على عباد الله (٧)، بل في الأحاديث "الإشارة إلى الأخذ

стр. 141

بالرخصة الشرعية فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع" (١). الدليل الثالث: الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تدل على بعض الرخص، ومنها: ١ - الرخصة للمكره على النطق بكلمة الكفر؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٢). ٢ - الرخصة للمضطر بالأكل من المحرمات؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). ٣ - الرخصة للمريض والمسافر بالإفطار في رمضان؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤). ٤ - الرخصة للمسافر بقصر الصلاة؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٥). ٥ - الرخصة لمن أكل وهو ناس في رمضان أن يتم صومه؛ عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» متفق عليه (٦). ٦ - الرخصة في العرايا؛ عن زيد بن ثابت ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي

стр. 142

العَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا» متفق عليه (١). ٧ - الرخصة للحائض أن تترك طواف الوداع؛ عن ابن عباس ﵁، قال: «رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ» رواه البخاري (٢). ٨ - الرخصة في لبس الحرير لمن احتاج إليه؛ عن أنس ﵁، قال: «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي لُبْسِ الحَرِيرِ، لِحِكَّةٍ بِهِمَا» متفق عليه (٣). وجه الدلالة من هذه الأدلة: كل هذه الأدلة تدل على مشروعية الرخص، وأن الشريعة تخفف على المسلم وترخص له متى ما وجدت المشقة. الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ» رواه أحمد (٤). وجه الدلالة من الحديث: في الحديث دلالة على مشروعية الرخص، و"أن الله يحب إتيان ما شرعه من الرخص، وفي تشبيه تلك المحبة بكراهته لإتيان المعصية دليل على أن في ترك إتيان الرخصة ترك طاعة، كالترك للطاعة الحاصل بإتيان المعصية" (٥). الدليل الخامس: الإجماع القائم من عصر الصحابة إلى عصرنا على مشروعية الرخص التي جاءت بها الشريعة، دون إنكار من أحد من العلماء.

стр. 143

المطلب الخامس: العلاقة بين الرخص الشرعية وتتبع رخص المذاهب يقصد بتتبع رخص المذاهب أن يأخذ الشخص من كل مذهب ما هو أهون عليه وأيسر فيما يطرأ عليه من المسائل دون نظرٍ في الأدلة (١). والرخص الشرعية تجتمع، مع تتبع رخص المذاهب، في أن كلًا منهما أخذ بالأسهل، إلا أنهما يختلفان في أن الرخص الشرعية يكون الأخذ بالأسهل فيها مبنيًا على دليل، أما تتبع رخص المذاهب فلا يكون الأخذ بالأسهل فيها مبنيًا على دليل، بل يكون الأخذ بالقول الأسهل لمجرد البحث عن التيسير والتخفيف دون نظر في الأدلة؛ لذلك حرمها كثير من العلماء، بل نُقل الإجماع على تحريمها (٢).

стр. 144

المطلب السادس: الرخص الشرعية والهندسة المالية الإسلامية تستخدم المصارف الإسلامية في هندستها للعقود الرخص الشرعية؛ وذلك عندما ترى أن هناك مشقة تواجه المصارف الإسلامية، ولا يمكن تجاوزها إلا بهذه الرخصة؛ ومن ذلك أن هيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي في السودان ترى تحريم التأمين التجاري؛ لكونه من الغرر، ومع ذلك في الفتوى رقم ١٦ و ١٧، أجازت لشركات التأمين التعاوني إعادة التأمين لدى شركات التأمين التجاري؛ لوجود الحاجة المتعينة كما قدر خبراء البنك، واشترطت بعض الشروط لتضبط هذه الرخصة (١)، وهذه الرخصة عامة مؤقتة، وسببها الحاجة، فمتى وجدت شركات إعادة تأمين تعاوني تزول هذه الحاجة، ويعود الحكم للمنع. إلا أن هناك توسعًا في دعوى الحاجة عند بعض العلماء مما جعلهم يرخصون في الربا استنادًا على الحاجة (٢)، دون مراعاة لضوابط الحاجة؛ فالحاجة ليست مجرد التطلع إلى الشيء أو الرغبة فيه أو التشوف له (٣)، بل لابد من ضوابط تضبطها، والذي ينبغي على الفقهاء الذين يراعون مصلحة المصارف الإسلامية، ويبحثون عن أدوات تحل مشاكلها أن يراعوا أمورًا قبل أن يرخصوا في عقد محرم استنادًا على الحاجة، وهذه الأمور هي:

стр. 145

الأمر الأول: النظر إلى مرتبة الأمر المنهي عنه، فما كان في مرتبة عليا؛ كالربا فلا تؤثر فيه الحاجة، ولا تجيز منه لا قليلًا ولا كثيرًا (١)، وما كان في مرتبة وسطى؛ كالغرر فتؤثر فيه الحاجة بشروط (٢)، فالحاجة لا تؤثر فيما ثبت النهي عنه بأدلة قوية، بحيث تعد مرتبة قوية
следующие страницы →