← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1111

فقه الهندسة المالية الإسلامية

مرضي العنزي

Полный текст (444 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بالرخصة الشرعية فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع" (١). الدليل الثالث: الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تدل على بعض الرخص، ومنها: ١ - الرخصة للمكره على النطق بكلمة الكفر؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٢). ٢ - الرخصة للمضطر بالأكل من المحرمات؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). ٣ - الرخصة للمريض والمسافر بالإفطار في رمضان؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤). ٤ - الرخصة للمسافر بقصر الصلاة؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٥). ٥ - الرخصة لمن أكل وهو ناس في رمضان أن يتم صومه؛ عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» متفق عليه (٦). ٦ - الرخصة في العرايا؛ عن زيد بن ثابت ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي

стр. 142

العَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا» متفق عليه (١). ٧ - الرخصة للحائض أن تترك طواف الوداع؛ عن ابن عباس ﵁، قال: «رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ» رواه البخاري (٢). ٨ - الرخصة في لبس الحرير لمن احتاج إليه؛ عن أنس ﵁، قال: «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي لُبْسِ الحَرِيرِ، لِحِكَّةٍ بِهِمَا» متفق عليه (٣). وجه الدلالة من هذه الأدلة: كل هذه الأدلة تدل على مشروعية الرخص، وأن الشريعة تخفف على المسلم وترخص له متى ما وجدت المشقة. الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ» رواه أحمد (٤). وجه الدلالة من الحديث: في الحديث دلالة على مشروعية الرخص، و"أن الله يحب إتيان ما شرعه من الرخص، وفي تشبيه تلك المحبة بكراهته لإتيان المعصية دليل على أن في ترك إتيان الرخصة ترك طاعة، كالترك للطاعة الحاصل بإتيان المعصية" (٥). الدليل الخامس: الإجماع القائم من عصر الصحابة إلى عصرنا على مشروعية الرخص التي جاءت بها الشريعة، دون إنكار من أحد من العلماء.

стр. 143

المطلب الخامس: العلاقة بين الرخص الشرعية وتتبع رخص المذاهب يقصد بتتبع رخص المذاهب أن يأخذ الشخص من كل مذهب ما هو أهون عليه وأيسر فيما يطرأ عليه من المسائل دون نظرٍ في الأدلة (١). والرخص الشرعية تجتمع، مع تتبع رخص المذاهب، في أن كلًا منهما أخذ بالأسهل، إلا أنهما يختلفان في أن الرخص الشرعية يكون الأخذ بالأسهل فيها مبنيًا على دليل، أما تتبع رخص المذاهب فلا يكون الأخذ بالأسهل فيها مبنيًا على دليل، بل يكون الأخذ بالقول الأسهل لمجرد البحث عن التيسير والتخفيف دون نظر في الأدلة؛ لذلك حرمها كثير من العلماء، بل نُقل الإجماع على تحريمها (٢).

стр. 144

المطلب السادس: الرخص الشرعية والهندسة المالية الإسلامية تستخدم المصارف الإسلامية في هندستها للعقود الرخص الشرعية؛ وذلك عندما ترى أن هناك مشقة تواجه المصارف الإسلامية، ولا يمكن تجاوزها إلا بهذه الرخصة؛ ومن ذلك أن هيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي في السودان ترى تحريم التأمين التجاري؛ لكونه من الغرر، ومع ذلك في الفتوى رقم ١٦ و ١٧، أجازت لشركات التأمين التعاوني إعادة التأمين لدى شركات التأمين التجاري؛ لوجود الحاجة المتعينة كما قدر خبراء البنك، واشترطت بعض الشروط لتضبط هذه الرخصة (١)، وهذه الرخصة عامة مؤقتة، وسببها الحاجة، فمتى وجدت شركات إعادة تأمين تعاوني تزول هذه الحاجة، ويعود الحكم للمنع. إلا أن هناك توسعًا في دعوى الحاجة عند بعض العلماء مما جعلهم يرخصون في الربا استنادًا على الحاجة (٢)، دون مراعاة لضوابط الحاجة؛ فالحاجة ليست مجرد التطلع إلى الشيء أو الرغبة فيه أو التشوف له (٣)، بل لابد من ضوابط تضبطها، والذي ينبغي على الفقهاء الذين يراعون مصلحة المصارف الإسلامية، ويبحثون عن أدوات تحل مشاكلها أن يراعوا أمورًا قبل أن يرخصوا في عقد محرم استنادًا على الحاجة، وهذه الأمور هي:

стр. 145

الأمر الأول: النظر إلى مرتبة الأمر المنهي عنه، فما كان في مرتبة عليا؛ كالربا فلا تؤثر فيه الحاجة، ولا تجيز منه لا قليلًا ولا كثيرًا (١)، وما كان في مرتبة وسطى؛ كالغرر فتؤثر فيه الحاجة بشروط (٢)، فالحاجة لا تؤثر فيما ثبت النهي عنه بأدلة قوية، بحيث تعد مرتبة قوية

стр. 146

من مراتب النهي، فلا تؤثر في تحليل الخمر، والميتة، والدم، بل تؤثر في عموم ضعيف كثرت أفراده، وتناوله التخصيص، وتؤثر في مرتبة المنهيات التي لا توصف بأنها في أعلى درجات المنهيات، فمن المعلوم أن محرمات المقاصد ليست كمحرمات الوسائل، فالأولى لا تبيحها إلا الضرورة الخاصة، بينما تتأثر الأخيرة بالحاجة المنزلة منزلة الضرورة، وتؤثر الحاجة في بعض العمومات وبعض المنهيات الأقل قوة، وهذه فروق دقيقة توزن بميزان دقيق، بحيث يلاحظ الفقيه أن الشارع لم يشدد فيها، فليست حرمة الربا كحرمة القمار، والميسر، والغرر، فالربا أشد (١)، قال ابن تيمية: "وتحريم الربا أشد من تحريم الميسر الذي هو القمار" (٢). وقال: "وقد أباح الشارع أنواعًا من الغرر للحاجة … وأما الربا فلم يبح منه" (٣). وقال: "ومفسدة الغرر أقل من الربا، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضررًا من ضرر كونه غررًا" (٤). الأمر الثاني: أن تتوافر الحاجة إلى هذا العقد؛ بحيث تفوت مصلحة شرعية بفواته، ولو لم يباشر الناس هذا العقد لوقعوا في مشقة وحرج (٥). الأمر الثالث: أن تكون الحاجة إلى هذا العقد متعينة؛ بحيث لا يتمكن الخلاص من حاجته بأمر مشروع (٦)، فعلى التسليم بأنه: "إن كانت هناك حاجة إلى العقد لم يؤثر الغرر

стр. 147

فيه مهما كانت صفة الغرر، وصفة العقد" (١)، فإن مراعاة أن تكون الحاجة إلى العقد متعينة تُبين بُعد رأي من رأى أن"عقد التأمين ينطوي على غرر كثير، وأن الأصل فيه التحريم، ولكن أباحته الحاجة الملحة العامة" (٢)؛ فإن الحاجة إلى التأمين التجاري غير متعينة مع وجود التأمين التعاوني، قال الدكتور الصديق الضرير: "وقد رأينا إن التأمين التعاوني لا شبهة في جوازه … ؛ ولذا فإني أرى أن الحاجة إلى التأمين بقسط ثابت في صورته الحاضرة، وإن كانت عامة، إلا أنها غير متعينة، وعلى هذا فإن قواعد الفقه الإسلامي تقضي بمنعه؛ لأنه عقد معاوضه فيه غرر كثير من غير حاجة" (٣). الأمر الرابع: أن يكون تقدير الغرر، والقمار، والخطر في العقد، لأهل الاختصاص من الاقتصاديين، وشأن الفقيه أن يبين الحكم الفقهي فيها، قال ابن القيم: "وقول القائل: إن هذا غرر ومجهول فهذا ليس حظ الفقيه، ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عدوه قمارًا أو غررًا فهم أعلم بذلك، وإنما حظ الفقيه يحل كذا؛ لأن الله أباحه، ويحرم كذا؛ لأن الله حرمه، وقال الله وقال رسوله ﷺ ، وقال الصحابة ﵃، وأما أن يرى هذا خطرًا وقمارًا أو غررًا، فليس من شأنه بل أربابه أخبر بهذا منه، والمرجع إليهم فيه، كما يرجع إليهم في كون هذا الوصف عيبًا أم لا، وكون هذا البيع مربحًا أم لا، وكون هذه السلعة نافقة في وقت كذا وبلد كذا، ونحو ذلك من الأوصاف الحسية، والأمور العرفية، فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلهم بالنسبة إلى ما في الأحكام الشرعية" (٤).

стр. 148

المبحث الثالث: الاستحسان قال الإمام مالك ﵀: "تسعة أعشار العلم الاستحسان" (١). بل بالغ بعضهم في الاستحسان حتى عده عماد العلم، وأن الذي لا يستحسن يكاد أن يفارق السنة (٢)، والعلماء متفقون على أصل الأخذ به في معناه الأساس، وإن كانت طرائقهم مختلفة في الوصول إلى تحقيق هذا المعنى (٣)، ويعد الاستحسان من الأدوات التي تستخدم في الهندسة المالية الإسلامية للعقود، وفي هذا المبحث دراسة له. المطلب الأول: تعريف الاستحسان الاستحسان في اللغة مشتق من الحسن، والحسن ضد القبح، واستحسن الشيء أي عده حسنًا (٤). والاستحسان في الاصطلاح له عدة تعريفات؛ منها: التعريف الأول: الاستحسان هو "دليل ينقدح في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته، فلا يقدر على إظهاره" (٥). ونُسب هذا التعريف إلى بعض الحنفية (٦). وانتقد هذا التعريف انتقادًا شديدًا (٧)؛ "لأن ما لا يقدر على التعبير عنه لا يدري أنه وهم وخيال أو تحقيق ولا بد من ظهوره" (٨).

стр. 149

التعريف الثاني: الاستحسان "ما يستحسنه المجتهد بعقله" (١). ونُسب هذا التعريف إلى أبي حنيفة (٢)، "ولكن أصحابه ينكرون هذا التفسير عنه" (٣). وانتُقد هذا التعريف بأنه يفوض الأحكام إلى آراء الرجال (٤)، و"لو فتح هذا الباب لبطلت الحجج وادعى كل من شاء ما شاء" (٥)، يقول الشنقيطي منتقدًا التعريفين السابقين: "وبطلان هذين التعريفين ظاهر؛ لأن المجتهد ليس له الاستناد إلى مجرد عقله في تحسين شيء، وما لم يعبر عنه لا يمكن الحكم له بالقبول حتى يظهر ويعرض على الشرع" (٦). التعريف الثالث: الاستحسان "هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه بوجه هو أقوى" (٧). وهذا أبين التعريفات لحقيقة الاستحسان؛ لأنه يشمل كل أنواعه (٨)، قال الغزالي عن هذا التعريف: "وهذا مما لا ينكر" (٩).

стр. 150

المطلب الثاني: أنواع الاستحسان للاستحسان عند القائلين به أنواع، وهي: النوع الأول: الاستحسان بالنص؛ كالسلم، فالقاعدة العامة تقضي ببطلان بيع ما لا يملك الإنسان، ولكن استثني السلم استحسانًا للنص الوارد في جوازه عن النبي ﷺ (١). النوع الثاني: الاستحسان بالإجماع؛ كالاستصناع، فالقاعدة العامة تقضي ببطلانه؛ لأنه عقد معدوم، وإنما جاز "للإجماع على التعامل به فيما بين الناس" (٢). النوع الثالث: الاستحسان بالقياس الخفي؛ كالحقوق الارتفاقية للأرض الزراعية، عند الحنفية لا تدخل في عقد البيع دون نص عليها، لكنهم استحسنوا دخولها دون نص؛ وذلك أن وقف الأرض الزراعية يتجاذبه قياسان، الأول قياسه على البيع، والثاني قياسه على الإجارة، والقياس الأول هو الأظهر وهو قياس جلي؛ لاتفاق البيع والوقف في إخراج الملك من مالكه، وعلى ذلك لا تدخل الحقوق الارتفاقية إلا بالنص عليها، والقياس الثاني مبناه أن كلًا من الإجارة والوقف يفيد ملك الانتفاع بالعين دون تملكها وهذا قياس

стр. 151

خفي، ومقتضى هذا القياس دخول الحقوق الارتفاقية في الوقف تبعًا دون حاجة للنص عليها كما هو الحكم في الإجارة، فرجح القياس الخفي على القياس الجلي استحسانًا؛ لأن المقصود من الوقف الانتفاع لا تملك الرقبة، والانتفاع لا يتأتى دون الحقوق الارتفاقية (١). النوع الرابع: الاستحسان بالعرف؛ كالشروط المقترنة بعقد البيع فالأصل عند الحنفية منعها، إلا أنهم يجيزون الشروط التي جرى العرف بها استحسانًا (٢). النوع الخامس: الاستحسان بالمصلحة؛ كتضمين الأجير المشترك عند المالكية، وإن لم يكن صانعًا، فإن الأصل عندهم عدم تضمينه؛ لأنه مؤتمن، إلا أنهم قالوا بتضمينه استحسانًا للمصلحة (٣). النوع السادس: الاستحسان للضرورة؛ كتطهير الآبار التي تقع فيها النجاسة بنزح قدر معين من الماء منها استحسانًا للضرورة (٤). هذه أنواع الاستحسان عند القائلين به، واكتفيت بمثال واحد لكل نوع، وإلا فالأمثلة التي ذكروها كثيرة، والملاحظ أن بعض الأمثلة تصلح لأكثر من نوع من أنواع الاستحسان؛ كالاستصناع فإنه يصلح أن يكون مثالًا للاستحسان بالإجماع، وللاستحسان بالعرف، وللاستحسان بالمصلحة، وليس في ذلك

стр. 152

تعارض؛ فقد يثبت الشيء عرفًا، وتكون فيه مصلحة راجحة، وقد يتم الإجماع عليه (١). وقد اعتُرض على بعض أنواع الاستحسان؛ كالاستحسان بالنص، والاستحسان بالإجماع، بأن ثبوت هذه الأحكام بالنص والإجماع، لا بالاستحسان، "فإطلاق اسم الاستحسان على هذين النوعين هو حشر للشيء في غير زمرته" (٢). وأجيب عليه: بأنه لا نزاع في أن الأحكام الثابتة بالنص إنما أثبتها النص، وكذلك الأحكام الثابتة بالإجماع، والقائلون بالاستحسان إنما أرادوا تعزيز نظرية شرعية عامة تتعلق بالفروع المستثناة من حكم نظائرها، وبالأدلة التي تصلح سندًا للاستثناء، واصطلحوا على تسميته بالاستحسان، ولا مشاحة في الاصطلاح، وهذا لا يعارض أن الحكم ثابت بالنص، أو الإجماع، والاستحسان لم يثبت به حكم؛ لأن إثبات الأحكام واقع بوجوه الاستحسان، لا بالاستحسان نفسه، سواء كانت تلك الوجوه نصًا أو إجماعًا أو قياسًا أو عرفًا أو غيرها (٣). ومع هذا فالأولى أن يسمي الحكم الثابت استحسانًا بالنص حكمًا ثابتًا بالنص، لا بالاستحسان، ولكن الحنفية اصطلحوا على تسميته استحسانًا، ولا مشاحة في الاصطلاح (٤).

стр. 153

المطلب الثالث: حكم الاستحسان اتفق الحنفية والمالكية والحنابلة على القول بالاستحسان (١)، وخالف في ذلك الشافعية فلم يقولوا به، ونُقل عن الشافعي: "أن من استحسن فقد شرع" (٢). وعند التحقيق نجد أن إنكار الشافعية إنما كان على الاستحسان بمجرد الهوى والتشهي والتلذذ دون دليل؛ قال الشافعي: "إنما الاستحسان تلذُّذ" (٣). ونَقل الشيرازي عن الشافعي تعريف الاستحسان عند أبي حنيفة وهو: "ترك القياس لما استحسنه الإنسان

стр. 154

من غير دليل" (١). فالشافعي"إنما أنكر استحسانًا بلا دليل" (٢)، وقد نقل الزركشي قريبًا من عشرين مسألة فقهية قال بها الشافعي وأصحابه بالاستحسان؛ مما يبين أن ما استنكروه من الاستحسان هو ما كان من غير دليل (٣). والاستحسان دون دليل ينكره القائلون بالاستحسان (٤)، وحتى أصحاب أبي حنيفة ينكرون ما يُنسب له من أن الاستحسان ما استحسنه الإنسان من غير دليل (٥). أما الاستحسان على المعنى المختار، وهو: العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه بوجه هو أقوى، فقد اتفق العلماء على قبوله (٦)، وإنما الخلاف في تسميته استحسانًا (٧)، قال الغزالي بعدما ذكر هذا التعريف للاستحسان: "وهذا مما لا ينكر، وإنما يرجع الاستنكار إلى اللفظ وتخصيص هذا النوع من الدليل بتسميته استحسانًا من بين سائر الأدلة" (٨). فالخلاف إذًا لفظي، قال الزركشي: " نبه ابن السمعاني (٩) على أن الخلاف

стр. 155

بيننا وبينهم لفظي؛ فإن تفسير الاستحسان بما يشنع عليهم لا يقولون به، والذي يقولون به إنه العدول في الحكم من دليل إلى دليل هو أقوى منه، فهذا مما لم ينكره، لكن هذا الاسم لا نعرفه اسمًا لما يقال به بمثل هذا الدليل، وقريب منه قول القفال (١) " (٢). وعند النظر في أنواع الاستحسان يتبين أن الاستحسان لا يعد دليلًا قائمًا بذاته (٣)، فالاستحسان بالنص دليله النص، والاستحسان بالإجماع دليله الإجماع، وكذلك الاستحسان بالقياس، والعرف، والمصلحة، والضرورة، فإن الذي يقول به إنما يقول بهذه الأدلة (٤). فمن أراد أن يستحسن فلا يكتف به، بل لابد أن يذكر الدليل الذي بنى عليه استحسانه. المطلب الرابع: العلاقة بين الاستحسان والرخص الشرعية يتفق الاستحسان مع الرخص الشرعية في أن كلًا منهما استثناء من حكم أصلي، إلا أن الاستحسان أعم من الرخص الشرعية؛ فالرخصة الشرعية خاصة بأن يكون الحكم المستثنى أخف وأيسر من الحكم الأصلي له، أما الاستحسان فلا يشترط له ذلك، فقد يكون الحكم المستثنى أيسر من حكم نظائره وهو الغالب، كجواز الاستصناع، وقد يكون

стр. 156

أشد كتضمين الراعي المشترك (١)، فالأصل أن الراعي المشترك أمين، والأمين لا يضمن إلا بتعد أو تفريط (٢)، إلا أن المتأخرين من المالكية قالوا بتضمين الراعي المشترك استحسانًا (٣). المطلب الخامس: الاستحسان والهندسة المالية الإسلامية يعد الاستحسان من الأدوات التي تستخدم استخدامًا واسعًا في الهندسة المالية الإسلامية؛ ومن ذلك قول الدكتور عبداللطيف الفرفور عن عقد الإجارة المنتهية بالتمليك في مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة: "فهذا العقد من جهة القواعد العامة للشريعة الإسلامية عقد مرفوض ومردود بجميع صوره وأشكاله إلا أن يصحح على القاعدة العامة التي ذكرتها، ومخالف شكلاً وموضوعاً لأصول التشريع الإسلامي، وللحديث وللمعقول والمنقول، ولا يصح اعتماده، إلا إذا رأى مجمعنا الموقر بفقهائه حاجة أو ضرورة، وما أرى ذلك، فحينئذ يصحح استحسانًا" (٤). مما يدل على أن الاستحسان يستخدم كأداة للهندسة المالية الإسلامية في هندستها للعقود، والذي ذكره الدكتور يعد من الاستحسان بالضرورة، أو الحاجة، وهناك أمثلة لاستخدام الاستحسان بالقياس (٥)، والاستحسان

стр. 157

للمصلحة (١)، وقد صُححت عقود بحجة الاستحسان (٢)، ورُدت استحسانات لعدم إسنادها بدليل (٣). ومع إعطاء الاستحسان هذا الاعتبار والدور الواسع في إعطاء القضايا أحكامها، فإن مما ينبغي أن ندركه أن الاستحسان يحتاج إلى دقة نظر بالغة من المجتهدين (٤)، وأن استخداماته الفعلية ينبغي أن تكون بحذر وتروّ بالغين، فلا بد للناظر فيه من إدراك أمرين هامين: الأمر الأول: معرفة مدى معارضة موضوع الحكم للأدلة الصحيحة، أو القواعد العامة للشريعة (٥). الأمر الثاني: إسناد الاستحسان بدليل من أدلة الشرع، فلا يقبل استحسان دون دليل (٦).

стр. 158

المبحث الرابع: سد الذرائع وفتحها "لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسبابٍ وطرقٍ تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها؛ فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها؛ فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود" (١)، وقد اهتم العلماء قديمًا وحديثًا بوصف الذرائع، وتوسعوا في الأخذ بها سدًا وفتحًا في معظم أبواب الفقه، بل اعتبرها ابن القيم أحد أرباع التكليف (٢). وفي العصر الحديث كثرت المستجدات والنوازل خاصة في المعاملات المالية، ويتطلب هذا الأمر إبراز حكم الشرع في تلك القضايا بعد دراسة مآلاتها والطرق الموصلة إليها؛ لذلك أصبحت الحاجة إلى فقه الذرائع أكثر إلحاحًا (٣). فالذرائع تعد من الأدوات المهمة التي تستخدم للوصول إلى عقود إسلامية تجمع بين المصداقية الشرعية، والكفاءة الاقتصادية، وتحقق هندسة مالية إسلامية للعقود، وفي هذا المبحث دراسة لها، وتبيين رأي العلماء فيها. المطلب الأول: تعريف الذرائع الذرائع في اللغة جمع ذريعة، وتطلق على الوسيلة (٤)، فـ"الذال والراء والعين أصل واحد يدل على امتداد وتحرك إلى قدم، ثم ترجع الفروع إلى هذا الأصل" (٥)، يقال: تذرع

стр. 159

فلان بذريعة، أي توسل بوسيلة (١). وللعلماء في تعريف الذرائع اتجاهان: الاتجاه الأول: النظر إلى الذرائع من جهة سدها فقط، دون النظر إلى جانب فتحها، ومن ذلك تعريفها: بأنها"الأشياء التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل المحظور" (٢). وأكثر العلماء على هذا الاتجاه، يعرفون الذرائع بمعناها الخاص بسدها (٣)، قال ابن تيمية بعدما عرف الذريعة: "لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم" (٤). الاتجاه الثاني: النظر إلى الذرائع بمعناها العام؛ ومن ذلك تعريف القرافي، وابن تيمية، وابن القيم للذريعة: بأنها"ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء" (٥). وهذا الاتجاه في تعريف الذريعة هو المختار؛ لأنه يجمع بين نوعي الذريعة، فكما يجب سد الذرائع المفضية إلى المحرم، يجب فتح الذرائع المفضية إلى الواجب، قال القرافي: "واعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها … فإن الذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة" (٦). وقد اختار هذا الاتجاه في تعريف الذريعة عدد من المعاصرين (٧).

стр. 160

سبق تعريف سد الذرائع في الاتجاه الأول، أما تعريف فتح الذرائع، فهو: "طلب الوسيلة الجائزة إذا كانت طريقًا إلى مصلحة راجحة" (١). المطلب الثاني: أقسام الذرائع تنقسم الذرائع ثلاثة أقسام: القسم الأول: ذرائع معتبرة اتفاقًا؛ وهي ما تفضي إلى المقصود قطعًا (٢)؛ كحفر الآبار في طرق المسلمين، وإلقاء السم في أطعمتهم (٣)، فهذه يجب سدها، وكجلب البضائع إلى السوق (٤)، وإنشاء البنوك الإسلامية لحفظ أموال المسلمين (٥)، فهذه يجب فتحها. القسم الثاني: ذرائع ملغاة اتفاقًا؛ وهي ما تفضي إلى المقصود نادرًا (٦)؛ كالمنع من زراعة العنب خشية الخمر، وأكل الأغذية التي غالب أصولها لا تضر (٧)، فهذه لا يجوز سدها.

стр. 161

القسم الثالث: ذرائع مختلف فيها؛ وهي ما تفضي إلى المقصود كثيرًا (١)؛ كالتورق، فقد اختلف فيه العلماء بين من يسده، ومن يفتحه (٢). وهذا القسم موضع نظر والتباس عند العلماء (٣)، والاختلاف فيه يرجع إلى تحقيق المناط الذي يتحقق به التذرع، وليس إلى أصل العمل بالذرائع (٤)؛ وذلك بالنظر إلى مكان العالم، وعادات الناس في زمانه، فقد يختلف الإفضاء إلى المقصود كثرة وقلة، من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان. ويلاحظ أن أكثر الأمثلة التي يذكرها العلماء للذرائع إنما هي في الذرائع إلى المحرم (٥). المطلب الثالث: مشروعية اعتبار الذرائع نص المالكية والحنابلة على أن اعتبار سد الذرائع أصلٌ من أصولهم (٦)، قال أبو زهرة: "هذا أصل من الأصول التي أكثر من الاعتماد عليها في استنباطه الفقهي الإمام مالك ﵁، وقاربه في ذلك الإمام أحمد بن حنبل ﵁ " (٧).

стр. 162

أما الحنفية، فلم ينصوا على اعتبارها من أصولهم، إلا أن من المقرر عندهم أن"الوسيلة إلى الشيء حكمها حكم ذلك الشيء" (١)، فهذا إعمال للذرائع في مذهب الحنفية، وقد أعملوها في فروعهم الفقهية (٢)، فقد منعوا الشابة من الخروج للجماعات؛ "لأن خروجهن إلى الجماعة سبب الفتنة، والفتنة حرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام" (٣)، ومنعوا المظاهر من لمس زوجته، وتقبيلها حتى يُكفّر؛ "لأنه لما حرم الوطء إلى أن يكفّر حرم الدواعي للإفضاء إليه؛ ولأن الأصل أن سبب الحرام حرام" (٤)، وذكر الشاطبي أنه لا يلزم من خلاف أبي حنيفة في بعض التفاصيل"تركه لأصل سد الذرائع" (٥). أما الشافعية فقد نصوا على عدم اعتبارها أصلًا (٦)، إلا أنهم أعملوها في فروعهم الفقهية (٧)؛ فقد منعوا مباشرة الحائض ما بين السرة والركبة؛ قال السيوطي: "قال الأئمة: وإنما كان التحريم أحب؛ لأن فيه ترك مباح لاجتناب محرم" (٨). ومنعوا من قرض الجارية؛ لأن"تجويز ذلك يفضي إلى أن يصير ذريعة أن يطأها وهو يملك ردها … وفيه منع الذرائع" (٩)، وجاء عن الشافعي: "وفي منع الماء ليمنع به الكلأ الذي هو من رحمة الله عام يحتمل معنيين:

стр. 163

أحدهما: أن ما كان ذريعة إلى منع ما أحل الله لم يحل، وكذلك ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله تعالى، فإن كان هذا هكذا ففي هذا ما يثبت أن الذرائع إلى الحلال والحرام تشبه معاني الحلال والحرام … والمعنى الأول أشبه" (١). وهذا النص من الشافعي يدل على اعتباره للذرائع، وقد حمل السبكي كلام الشافعي على"تحريم الوسائل، لا سد الذرائع، وأن الوسائل تستلزم المتوسل إليه" (٢)، و لا يسلم له؛ لأنه بالرجوع إلى مصطلح الذريعة والذرائع عند الشافعي في كتابه الأم نجد أنه استخدمها ست عشرة مرة تقريبًا (٣)، وكلها بالمعنى المعروف لها والذي يستخدمه غيره من المذاهب؛ مما يدل على أن المراد بها هنا الذريعة بمعناها المعروف. وعلى فرض التسليم فقد ذكر السبكي بعد كلامه السابق أن"الذريعة ثلاثة أقسام: أحدها: ما يقطع بتوصله إلى الحرام؛ فهو حرام عندنا وعند المالكية" (٤)، فهذا دليل منه أن الوسيلة التي يقصدها قسم من أقسام الذريعة، وأن الشافعية يعتدون بأصل الذرائع، وإن اختلفوا مع غيرهم في الأقسام الأخرى للذريعة، وجاء عن السبكي في موضع آخر أن"الذرائع هي الوسائل" (٥) وأنها "قد تكون واجبة، وقد تكون حرامًا، وقد تكون مكروهة، ومندوبة، ومباحة" (٦)، فالوسائل التي ذكر السبكي عن الشافعي تحريمها هي الذرائع، أو قسم من أقسام الذرائع، وفيه دلالة على إعمالها في المذهب الشافعي.

стр. 164

وقد نقل الشافعي في الأم محاورة رجل له عن فروع أعمل الشافعي فيها الذريعة، وذكر الشافعي أن دليله القياس، ثم لما سأله الرجل: أفتقول بالذريعة؟ قال: لا. "ولا معنى في الذريعة، إنما المعنى في الاستدلال بالخبر اللازم، أو القياس عليه، أو المعقول" (١)، فالشافعي يُعمل الذرائع لكنه لا يجعلها دليلًا بل يستدل بأدلة أخرى؛ كالخبر، والقياس، والمعقول، والفقهاء الذين يستدلون بالذريعة لا تخرج أدلتهم عن هذه الأدلة التي ذكرها الشافعي، إلا أنهم، بدلًا من أن يقولوا في كل وسيلة تؤول لمحرم بأن الخبر، أو القياس، أو العقل، دلّ على أن للوسيلة حكم ما تؤول إليه، يقتصرون على النهي "سدًا للذريعة". فالنتيجة واحدة وهي إعمال الذرائع عند الشافعية وعند غيرهم، والتطبيقات الفقهية عند المذاهب الفقهية تدل على اعتبارهم للذرائع، وإن اختلفوا في المصطلح فلا مشاحة في الاصطلاح. لقد تبين"أن قاعدة الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة" (٢)، والخلاف بين العلماء إنما هو اختلاف في المناط الذي يتحقق فيه التذرع (٣)؛ قال القرافي: "فليس سد الذرائع خاصًا بمالك، بل قال بها هو أكثر من غيره، وأصل سدها مجمع عليه" (٤). والأدلة على اعتبار الذرائع كثيرة، وقد ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين تسعة وتسعين دليلًا على المنع من فعل ما يؤدي إلى الحرام، ولو كان جائزًا في نفسه (٥)،

стр. 165

ومن هذه الأدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١). وجه الدلالة من الآية: أن الله منع المؤمنين من سب آلهة المشركين، مع أنه حمية لله وإهانة لآلهتهم؛ لأن سب آلهتهم ذريعة إلى سبهم الله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة السب لآلهتهم، وفي هذا منع من المباح؛ لئلا يكون سببًا في فعل ما لا يجوز (٢)، قال ابن عاشور: "وقد احتج علماؤنا بهذه الآية على إثبات أصل من أصول الفقه عند المالكية؛ وهو الملقب بمسألة سد الذرائع" (٣). الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ (٤). وجه الدلالة من الآية: أن الله نهى المؤمنين من قول هذه الكلمة، مع قصدهم بها الخير؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي ﷺ تشبهًا بالمسلمين، ويقصدون بها سب النبي ﷺ ، وهذا غير ما يقصده المسلمون (٥)؛ فهذا النهي"سدًا للذرائع، حتى لا يتخذ اللفظ المحتمل ذريعة لشيء قبيح" (٦).

стр. 166

الدليل الثالث: قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (١) وجه الدلالة من الآية: أن الله نهى في هذه الآية عن القرب من مال اليتيم الذي يعم وجوه التصرف، وفيه سد للذريعة؛ لكيلا يتوصل إلى أكل مال اليتيم (٢). الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵄، قال: "لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَبْتَاعُونَ جِزَافًا -يَعْنِي الطَّعَامَ-، يُضْرَبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ، حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ". رواه البخاري (٣). وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث نهيًا للمشتري عن بيع الطعام حتى يؤيه إلى رحله؛ لئلا يكون البيع ذريعة إلى جحد البائع البيع، وعدم إتمامه له إذا رأى المشتري قد ربح فيه، فيغره الطمع، وتشح نفسه بالتسليم (٤). الدليل الخامس: عن زينب، امرأة عبد الله بن مسعود، ﵄، قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا» رواه مسلم (٥). وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث نهيًا للمرأة أن تتطيب إذا أرادت الخروج إلى المسجد؛ لأن ذلك ذريعة إلى ميل الرجال وتشوفهم إليها، فنهاها عن التطيب سدًا للذريعة، وحماية عن المفسدة (٦).

стр. 167

الدليل السادس: أنه إذا"حرم الرب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها؛ تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراءً للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء" (١). هذه بعض الأدلة على اعتبار الذرائع، وكلها في جانب سد الذرائع، والشريعة كما سدت ذرائع فتحت ذرائع أخرى، فقد عمدت إلى ذرائع المصالح ففتحتها بأن جعلت لها حكم الوجوب، وإن كانت ممنوعة، أو مباحة في الأصل، وهذا ما يلقب عند الأصوليين بما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٢)؛ قال القرافي: "اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره وتندب وتباح، فإن الذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج" (٣). بل "قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة كالتوسل إلى فداء الأسارى بدفع المال للكفار" (٤)، والنظر إلى المخطوبة، وكلمة الحق عند سلطان جائر، ونحو ذلك (٥)، قال ابن القيم: "فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم، أو استحبابه، أو إيجابه، بحسب درجاته في المصلحة" (٦).

стр. 168

المطلب الرابع: العلاقة بين الذرائع والحيل تتفق الذرائع مع الحيل في أن كلًا منهما وسائل إلى تحصيل مقصود (١)، لكن الذرائع تفارق الحيل في قصد الفاعل (٢)؛ فالذرائع تشمل الوسيلة التي قصد صاحبها تغيير الحكم الشرعي، والوسيلة التي لم يقصد صاحبها تغيير الحكم الشرعي (٣)، أما الحيل فهي خاصة بما قصد صاحبها تغيير الحكم الشرعي بمهارة وحذق وخفاء (٤)، قال ابن تيمية: "إن الحيلة تكون مع قصد صاحبها ما هو محرم في الشرع … وأما سد الذرائع، فيكون مع صحة القصد" (٥). "فالفرق بين الذرائع والحيل يتلخص في أن الذرائع أعم من الحيل، وأن وجه أهميتها هو أنها تشتمل المقصود وغير المقصود مما تفضي إليه، أما الحيل فتختص بالمقصود ابتداءً" (٦). وقد ذكر بعض الباحثين من الفروق بين الحيل والذرائع، أن الحيل تجري في العقود خاصة، والذرائع تعم العقود وغيرها (٧)، ولا يُسلم له ذلك؛ فقد ذَكَرَ من أمثلة الحيل:

стр. 169

"احتيال المسلم على هزيمة الكفار، كما فعل نعيم بن مسعود ﵁ يوم الخندق (١) " (٢). وهذه الحيلة ليست في العقود، وكذلك الحيلة بالسفر في رمضان للفطر (٣)، وقد ذكر ابن القيم حيلًا فقهية في المسح على الخفين (٤)، والحج (٥)، وهي ليست من العقود. المطلب الخامس: ضوابط العمل بالذرائع بعدما تبين مشروعية اعتبار الذرائع وأهميتها، خاصة في الاجتهاد المعاصر؛ لما يشهده من كثرة في المستجدات والنوازل، فلا بد من ضوابط تضبط العمل بالذرائع حتى لا يحصل من جراء إعمالها تضييق على الناس، أو تجاوز لحدود المشروع، وهذه الضوابط: ١ - أن تفضي الوسيلة إلى المقصود غالبًا، وألا يُبالغ في إعمال الذرائع؛ فإن "المبالغة في سد الذرائع، قد تحرم الناس من خيرات كثيرة، ومصالح كبيرة، كما أن المبالغة في فتحها قد تؤدي إلى شر مستطير، وفساد كبير" (٦).

стр. 170

٢ - ألا يعارض العمل بالذرائع النص (١)؛ كالنهي عن صيام ست من شوال سدًا لذريعة ظن بعض الناس إلحاقها برمضان (٢)، فإن ذلك معارض لنص الحديث الذي رواه مسلم عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، أنه حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (٣). وكفتح ذرائع الربا بحجة أنه: "لا دولة بلا اقتصاد، ولا اقتصاد بغير بنوك، ولا بنوك بغير ربا" (٤)، وبحجة إمداد بعض المنشآت الحكومية بزيادة رأس مالها بفائدة؛ ليتسع نطاق معاملاتها، وتكثر أرباحها، فينتفع العمال والموظفون، وتنتفع الحكومة بفاضل الأرباح (٥)؛ فإن ذلك معارض لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٦)، ولغيرها من الآيات والأحاديث التي تنهى عن الربا. ٣ - ألا يعارض العمل بالذرائع المقاصد الشرعية (٧)؛ فمن المقاصد الشرعية رفع الحرج، فلا ينبغي أن تسد ذريعة يلحق الناس حرج في سدها، ولا تفتح ذريعة يلحق

стр. 171

الناس حرج في فتحها، فمراعاة المقاصد مقدم على مراعاة الوسائل، قال العز بن عبدالسلام: "الوسائل تسقط بسقوط المقاصد" (١). ٤ - ألا تُنقل الفتوى التي أُعملت فيها الذرائع من زمان إلى زمان آخر، أو من مكان إلى مكان آخر؛ لاختلاف عادات الناس وتغير أحوالهم، فما يكون إفضاؤه إلى المقصود كثيرًا أو غالبًا في زمان أو مكان قد يكون إفضاؤه في زمان أو مكان آخر قليلًا أو نادرًا؛ قال القرافي: "فمهما تجدد في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأَجْرِه عليه، وأفته به دون عرف بلدك، والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين" (٢)، وقد عقد ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين فصلًا: "في تغيير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد" (٣)، وقال في مقدمته: "هذا فصل عظيم النفع جدًا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به" (٤). هذه ضوابط العمل بالذرائع التي ينبغي من العالم والمجتهد مراعاتها قبل إعمال الذرائع سدًا وفتحًا.

стр. 172

المطلب السادس: الذرائع والهندسة المالية الإسلامية إعمال الذرائع من أهم الأدوات المستخدمة في الهندسة المالية الإسلامية للعقود؛ فلا تكاد تجد عقدًا من العقود المستحدثة تمت هندسته، واختلف فيه العلماء، إلا كان من ضمن أدلة المانعين سد الذرائع، ومن ضمن أدلة المجيزين فتح الذرائع، وعلى سبيل المثال عقود الإذعان (١)، فقد كان من ضمن أدلة المانعين لها سد الذريعة (٢)؛ لأنها ذريعة من ذرائع الجور والظلم وعدم المساواة؛ لما فيها من عدم تعادل المراكز الاقتصادية، وسيطرة الطرف القوي على العقد، وإذعان الطرف الآخر له، من دون حق في المساومة الحرة، وفيها اختلال الرضا الذي يعد من أهم شروط التعاقد (٣)، بسبب اضطرار المذعِن إلى شروط الطرف القوي، فعقود الإذعان على ذلك ينبغي أن تسد لما فيها من المفاسد (٤). وفي الطرف الآخر الذين أجازوها (٥) نظروا إلى أنها ذريعة لتحقيق مصالح اقتصادية، ففيها سرعة إنجاز العقود وإتمامها، وهذا ما تتطلبه الحركة الاقتصادية الدائبة في التطور،

стр. 173

وبذلك لا يضيع الوقت والنفقة في المساومات، ويمكن عن طريقها تسويق المنتجات بسرعة وسهولة وبأدنى النفقات، فعقود الإذعان ذريعة من ذرائع تحقيق مقاصد الرواج والتكسب والاستثمار، ومن ثم يجب فتحها وتشجيعها (١). وقد قسم مجمع الفقه الإسلامي عقود الإذعان قسمين: الأول: ما كان الثمن فيه عادلًا، ولم تتضمن شروطه ظلمًا بالطرف المذعن، فهو صحيح شرعًا (٢). الثاني: ما انطوى على ظلم بالطرف المذعن؛ لأن الثمن فيه غير عادل، أو تضمن شروطًا تعسفية، فهذا يجب تدخل الدولة، بالتسعير، أو بتعديل وإلغاء الشروط التعسفية (٣). وهذا القرار يجمع بين فتح ذرائع المصالح التي تشتمل عليها عقود الإذعان، وسد ذرائع المفاسد التي تشتمل عليها. والذي يلاحظ على كثير من معاملات المصارف الإسلامية وجود مبالغة في فتح الذرائع بحجة "تشجيع المصارف الإسلامية القائمة ودعم إنشاء المزيد من هذه المصارف لتعم منافعها على جميع المستويات" (٤)؛ فمن ضمن أدلة من أجاز التورق المصرفي المنظم فتح الذرائع؛ لأنه يحقق الغرض المنشود من التورق الفردي غير المنظم بتكلفة أقل، ودون مشقة وعناء، والشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها (٥).

стр. 174

ومن ضمن أدلة من أجاز بيع المرابحة للآمر بالشراء بوعده الملزم للطرفين فتح الذرائع؛ لأن "جمهور الناس في عصرنا أحوج ما يكونون إلى التيسير والرفق؛ رعايةً لظروفهم، وما غلب على أكثرهم من رقة الدين، وضعف اليقين، وما ابتلوا به من كثرة المغريات بالإثم، والمعوقات عن الخير … وهذا يجعل الفقيه يستحضر الرخص، فإن الله يحب أن تؤتى رخصه، ويقدر الأعذار والضرورات، ويبحث عن التيسير ورفع الحرج، والتخفيف عن العامة" (١). وهذه المبالغة في فتح الذرائع للمعاملات المصرفية قربت المسافة بين المصارف الإسلامية، والبنوك الربوية، وهذا ليس من صالح المصارف الإسلامية، بل إنه أحد أسباب حصول البلبلة والحيرة بين المسلمين، وضعف الثقة في رجال الفقه المختصين بالفتوى، والتشكيك في قدراتهم ونزاهتهم، فضلًا عن الوقوع في مخالفات شرعية (٢)، والذي ينبغي على العلماء المهتمين في دعم المصارف الإسلامية أن يراعوا أن المبالغة في فتح الذرائع لا يدعم المصارف الإسلامية، بل يكون سببًا في تأخرها، وضعف الثقة بها.

стр. 175

المبحث الخامس: التلفيق بعد تدوين المذاهب الفقهية خرجت آراء تلزم الناس بمذهب واحد، وتحرم عليهم الخروج منه، وسبب هذا الأمر تضييقًا على الناس؛ لأنه من العسير على المرء أن يلتزم مذهبًا معينًا، أو يلتزم بقول إمام واحد لا يخرج عنه، حتى بعض أئمة المذاهب من يحتاج إلى الأخذ بقول غيره من الأئمة؛ فقد"روي عن أبي يوسف (١) أنه صلى الجمعة مغتسلًا من الحمام ثم أخبر بفأرة ميتة في بئر الحمام فقال نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة" (٢). مما دعا ذلك بعض العلماء أن يرفعوا عن الناس هذا الضيق، ويسمحوا للناس أن يأخذوا بقول أي عالم يثقون بدينه وعلمه، ولهم ألا يلتزموا بمذهب معين (٣)، فخرج ما يسمى

стр. 176

بمصطلح التلفيق، فلم يكن التلفيق معروفًا كمصطلح في القرون الأولى، فلا يوجد مصطلح التلفيق في كتب أئمة المذاهب ولا أصحابهم، إنما حدث في القرون المتأخرة (١)، ولا يبعد أن يكون حدوث البحث في التلفيق في القرن الخامس بسبب شدة التعصب والتحزب، ودخلول السياسة في التمذهب (٢). هذا الكلام في العصور المتقدمة، أما في عصرنا فقد استحدث فيه الكثير من المعاملات، وتعقدت فيه كثير من أمور الحياة التي كانت بسيطة وسهلة في العصور الأولى، وخف التعصب للمذاهب، وقلَّ من يسير على مذهب واحد في كل شؤونه، وأصبحت الحاجة ملحة للاستفادة من التراث الفقهي الكبير بشتى مذاهبه، ومن طرق الاستفادة من هذا التراث الفقهي التلفيق بين أقوال الفقهاء وضم بعضها إلى بعض، فالتلفيق له أهمية في شتى الأبواب الفقهية، وتزداد أهميته في أبواب المعاملات المالية؛ لكثرة المستجدات والنوازل فيها، وحاجة كثير من هذه العقود إلى هندسة مالية إسلامية لا تتم إلا عن طريق التلفيق بين أقوال الفقهاء، وفي هذا المبحث تبيين لذلك. المطلب الأول: تعريف التلفيق التلفيق لغة: مصدر لَفَقَ يَلْفِقُ، وتدور مادته على معنى الضم، فلفق الثوب ضم أحد شقيه إلى الآخر بخياطة، ونحوها (٣). واصطلاحًا: عُرف التلفيق بعدة تعريفات، منها: "الإتيان بكيفية لا يقول بها مجتهد" (٤).

стр. 177

ويؤخذ على هذا التعريف أنه بيان لنتيجة التلفيق، دون بيان للطريقة التي يتم بها الوصول لهذه النتيجة (١)، وأيضًا قد يأتي الشخص بكيفية لا يقول بها مجتهد، دون تلفيق بين قولين أو أكثر من أقوال الأئمة (٢). وعُرف التلفيق أيضًا بأنه: "الأخذ في الأحكام الفقهية بقول أكثر من مذهب في أبواب متفرقة، أو باب واحد، أو في أجزاء الحكم الواحد" (٣). ويؤخذ على هذا التعريف أنه أدخل في التلفيق ما ليس منه في قوله في أبواب متفرقة، فالعلماء يعدون الجمع بين أكثر من مذهب في أبواب متفرقة تنقل بين المذاهب، ولا يعدونه من التلفيق؛ لأنهم يشترطون للتنقل بين المذاهب ألا يأتي بكيفية لا يقول بها أحد من المذاهب، وهذا هو التلفيق، فهم إذًا يفرقون بين التنقل بين المذاهب، والتلفيق (٤)، ويؤخذ عليه أيضًا أنه أخرج بعض صور التلفيق؛ لأن من صور التلفيق الأخذ بقول أكثر من إمام داخل المذهب الواحد، وهو اقتصر في تعريفه على الأخذ من المذاهب، وأخرج منه الأخذ من الأئمة داخل المذاهب الواحد. وعُرف التلفيق أيضًا بأنه: "التقليد المركب من مذهبين فأكثر في عبادة أو معاملة واحدة" (٥)

стр. 178

ويؤخذ على هذا التعريف أنه اقتصر على التلفيق الصادر من المقلد، وأخرج منه التلفيق الصادر من المجتهد، فالمجتهد قد يلفق بين قولين أو أكثر من أقوال الأئمة، والفرق بين المجتهد والمقلد في التلفيق أن المقلد يلفق دون نظر في الأدلة أو معرفة لمآخذ الأئمة، والمجتهد يلفق بعد بذل الوسع في دراسة مآخذ الأئمة، ودراسة أدلتهم، ويؤخذ على هذا التعريف أيضًا ما أخذ على التعريف السابق من أنه أخرج التلفيق بين أقوال الأئمة في المذهب الواحد. و على ذلك يمكن أن يعرف التلفيق بأنه: الجمع بين أكثر من قول في قضية فقهية واحدة ذات جزئيات. المطلب الثاني: أقسام التلفيق ينقسم التلفيق أقسامًا؛ وذلك باعتبار الشخص الملفق، أو باعتبار القضية الفقهية الملفقة. أولًا: تقسيم التلفيق باعتبار الشخص الملفق. ينقسم التلفيق باعتبار الشخص الملفق قسمين: تلفيق المجتهد، وتلفيق المقلد (١)، إلا أن أكثر الذين كتبوا في التلفيق لا يعدونه إلا نوعًا واحدًا، وهو تلفيق المقلد، ولا يذكرون التلفيق إلا حيث يذكرون التقليد باعتباره فرعا من فروعه؛ وذلك لسببين: السبب الأول: أن مصطلح التلفيق حدث في العصور المتأخرة-وقد أقفل باب

стр. 179

الاجتهاد من قرون (١) - فلا يوجد فيها أهل الاجتهاد المطلق (٢). السبب الثاني: أن أهل الاجتهاد "أرباب استدلال واستنباط، وليسوا أهل تقليد، واستسلام حتى يضطروا إلى التلفيق الذي استنبطه الخلف" (٣). والصحيح أن أهل الاجتهاد موجودون في كل عصر، "أما دعوى إقفال باب الاجتهاد فهي قضية غير مسلمة، بل هي من مهملات الدعاوى التي لا تسمع، ولا يعتد بها؛ لأن من مقتضيات خاتمة الشرائع التي ختمت بصاحبها النبوات فتح باب الاجتهاد إلى قيام الساعة" (٤)، وأن المجتهد قد يلفق بين أراء العلماء عن طريق النظر، والاستدلال دون اضطرار، أو استسلام للتقليد. ثانيًا: تقسيم التلفيق باعتبار القضية الفقهية الملفقة ينقسم التلفيق باعتبار القضية الفقهية الملفقة ثلاثة أقسام:

стр. 180

القسم الأول: قضية فقهية ملفقة من مذاهب فقهية؛ كمن حج فمكث في مزدلفة بمقدار حط رحله كما هو عند المالكية (١)، وقلم أظفاره كما هو عند الظاهرية (٢)، ثم طاف راكبا كما هو عند الشافعية (٣)، ورمى يوم النفر قبل الزوال كما هو عند الحنفية (٤)، فهذا الحج ملفق من مذاهب مختلفة، وكل مذهب لا يقول برأي المذهب الآخر في المسألة التي قلده فيها. القسم الثاني: قضية فقهية ملفقة من مذهبين فقهيين؛ كمن توضأ فلم يدلك كما هو عند الشافعية (٥)، ثم لمس امرأة بلا شهوة كما هو عند المالكية (٦)، فهذا الوضوء ملفق من مذهبين وهو باطل على المذهب المالكي لعدم الدلك، وعلى المذهب الشافعي للمس المرأة (٧). القسم الثالث: قضية فقهية ملفقة من رأيين فقهيين في المذهب الواحد؛ كمن وقف الدراهم كما هو عند زفر (٨)، وكان وقفه على نفسه كما هو عند أبي يوسف، فهذا الوقف ملفق من قولين في مذهب واحد، وهو باطل عند الإمامين، فأبو يوسف لا يرى وقف الدراهم، وزفر لا يرى الوقف على النفس (٩).
следующие страницы →