الفرع الرابع: ضوابط المصلحة
المصلحة هي أوسع الطرق، وهذا الاتساع فيها قد يغري أهل الأهواء بالدخول عن طريقها إلى تحقيق رغباتهم مستدلين بتحقيق المصلحة، منادين بها، لذلك لابد للمصلحة من ضوابط تضبطها، وقد ذكر العلماء ضوابط للمصلحة، وهي:
١ - أن تكون المصلحة موافقة لمقصود الشارع، بأن تكون من جنس المصالح التي جاء بها، وليست غريبة عنها (١).
٢ - أن ترجع إلى حفظ أمر ضروري، ورفع حرج لازم في الدين (٢)، قال الغزالي: "أما الواقع من المناسبات في رتبة الضرورات أو الحاجات-كما فصلناها- فالذي نراه فيها: أنه يجوز الاستمساك بها، إن كان ملائمًا لتصرفات الشرع" (٣).
٣ - أن تكون مصلحة حقيقية لا مصلحة وهمية؛ فالوهمية هي التي يُتخيل فيها منفعة وهي عند التأمل مضرة، وذلك لخفاء الضرر فيها (٤).
٤ - عدم تفويتها مصلحة أهم منها، وذلك بالنظر لها من حيث قوتها، وبالنظر لها من حيث شمولها، فلا تقدم المصلحة الحاجية على المصلحة الضرورية، ولا تقدم المصلحة التحسينية على المصلحة الحاجية، ولا تقدم المصلحة الخاصة بأفراد على المصلحة المتعلقة بجماعات، ولا تقدم المصلحة المتعلقة بجماعات على المصلحة العامة لكل الأمة (٥)،
стр. 72
قال ابن القيم: " وقاعدة الشرع والقدر تحصيل أعلى المصلحتين وإن فات أدناهما" (١).
وقد ذكر بعض العلماء من ضوابط المصلحة ألا تعارض الشرع (٢)، وقد سبق بيان أن ما يعارض الشرع لا يدخل في مفهوم المصلحة، فلا داعي لوضعه من الضوابط.
ولابد أن يضاف إلى هذه الضوابط أن يكون المقرر لهذه المصلحة هم العلماء، فالعلماء هم الذين يعرفون موافقة المصلحة لمقاصد الشارع، وهم الذين يميزون المصلحة الحقيقة من المصلحة الوهمية، ويدركون مآلات الأمور، وهم الذين يميزون بين المصالح فلا يقدمون المصلحة على مصلحة أهم منها، وهم أهل الذكر في معرفة المصالح الذين أمر الله بسؤالهم، قال الله تعالى: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
الفرع الخامس: المصلحة في الهندسة المالية الإسلامية
المصلحة في الهندسة المالية الإسلامية من حيث اعتبار الشارع لها، تعد من المصالح المرسلة التي لم يأمر الشرع بها، ولم يلغها، وهي ملائمة لمقصود الشارع، وقد دلت الأدلة على جنسها، ولم تنص عليها بخصوصها، فقد ورد عن النبي ﷺ تطوير بعض العقود، كما في عقد السلم، وقد ورد عن الصحابة ﵃ ابتكار الصكوك، وإن كان من ضمن المصالح التي تقوم بها الهندسة المالية الإسلامية مصالح معتبرة، كما تقوم بتطوير المعاملات التي تشتمل على الزيادة الربوية، بإلغاء هذه الزيادة، وهذه من المصالح التي اعتبرها الشارع، لكن الكلام عن الهندسة المالية الإسلامية من حيث العموم من حيث هي ابتكار وتطوير لمنتجات مالية.
стр. 73
ومصلحة الهندسة المالية الإسلامية من حيث قوتها تعد من المصالح الحاجية التي يقع على الناس حرج وضيق في عدم وجودها، ولكنها لا تصل إلى قوة المصالح الضرورية التي تؤدي إلى هلاكهم واضمحلالهم بعدم وجودها، فالناس تسير أمورهم على العقود القديمة، لكن يقع عليهم مشقة وحرج في ظل هذه التطورات التي يشهدها العالم، ووجود الكثير من العقود المستحدثة من الغرب، والتي لا توافق الشريعة الإسلامية، وهم يريدون المتاجرة بأموالهم، فالهندسة المالية ترفع عنهم الحرج، بما تقوم به من تطوير للعقود القديمة، وما تقوم به من تطوير للعقود المستحدثة من الغرب كي توافق الشريعة الإسلامية، وبذلك تحقق لهم المتاجرة وفق الضوابط الشرعية.
ومصلحة الهندسة المالية الإسلامية من حيث الشمول تعد من المصالح العامة التي يحتاجها عامة الناس، فالمصارف والمؤسسات المالية في كل بلد، والناس يتعاملون معها، وهم بحاجة إلى الأدوات، والآليات الجديدة التي تجمع لهم بين المصداقية الشرعية، والكفاءة الاقتصادية.
ومصلحة الهندسة المالية الإسلامية لا تخالف الضوابط التي وضعها العلماء للمصلحة، فهي متوافقة مع مقصود الشارع بحيث ترفع حرجًا لازمًا في الدين من الجانب الاقتصادي، وهي من المصالح الحقيقية، وليست من المصالح المتوهمة، ولا يوجد فيها تفويت مصالح أهم منها، بل في تطبيقها تحقيق لأهم المصالح في الجانب الاقتصادي، كتقوية اقتصاد الأمة، ومنافسة الاقتصاد الرأسمالي، وإبراز محاسن الدين الإسلامي في الجانب الاقتصادي، وتوفير منتجات خالية من المخالفات الشرعية، وتوفير تمويل حقيقي ومستمر مما يقلل المخاطر التي يقع فيها الناس، وغيرها كثير.
وعلى هذا فلا ينبغي التردد في قبول الهندسة المالية الإسلامية؛ لما تحققه من مصلحة للناس في حياتهم الدنيا، ومعادهم الأخروي، متلائمة مع مقاصد الشريعة، غير منافية لها.
стр. 74
المطلب الثاني: رفع الحرج والتيسير في الهندسة المالية الإسلامية
من الأصول التي بنيت عليها الشريعة رفع الحرج عن المكلفين (١)، فالشارع لم يكلف عباده بالشاق ولم يعنتهم في التكليف (٢) ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ (٣)، وعند التأمل في القواعد الخمس الكبرى التي عليها مدار الفقه الإسلامي نجد أنها كلها تندرج تحت أصل رفع الحرج؛ فلا عمل دون نية، ولو لم يتم اعتبار هذه النية لوقع الناس في حرج، فإعمال قاعدة"الأمور بمقاصدها" يرفع ذلك الحرج، وفي إعمال قاعدة "اليقين لا يزول بالشك" ثبات لحياة الناس بثبات اليقين، ولو زال اليقين بالشك لما استقرت حياتهم، ولوقعوا في حرج؛ لعدم ثبات الشكوك، وكثرتها، وفي إعمال قاعدة: "العادة محكمة" مرجع يتحاكم الناس إليه في معاملاتهم، ولولا إعمالها لطالت خصوماتهم، ولوقعوا في الحرج، وفي إعمال قاعدة"المشقة تجلب التيسير" رفع لحرج المشقة غير المعتادة، وكذلك في إعمال قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" حماية لحياة الناس من الضرر الذي يوقعهم في الحرج، قال ابن العربي (٤): "ولو ذهبت إلى تعديد نعم الله في رفع الحرج لطال المرام" (٥)، فرفع الحرج"من أعظم مقاصد التشريع" (٦).
стр. 75
الفرع الأول: تعريف رفع الحرج
رفع الحرج يتكون من كلمتين (رفع) و (الحرج)، ولابد من تعريف كل كلمة على حدة حتى نتوصل عن طريق تعريفهما إلى تعريف رفع الحرج مركبًا.
فالرفع في اللغة يطلق على خلاف الوضع، فالراء والفاء والعين أصل واحد، يدل على خلاف الوضع (١)، ومن معاني الرفع الإزالة، فرفع الشيء إذا أزيل عن موضعه (٢)، ومعنى الإزالة هو المقصود هنا.
والرفع في الاصطلاح لا يخرج عن المعنى اللغوي فهو بمعنى الإزالة (٣).
أما الحرج في اللغة: فيدل على الضيق (٤)، فالحاء والراء والجيم أصل واحد يدل على تجمع الشيء وضيقه (٥).
وأما في الاصطلاح فلم أجد للحرج تعريفًا عند العلماء المتقدمين مما يدل على أنهم يكتفون بمعناه اللغوي، وقد وجدت للمعاصرين من العلماء عدة تعريفات للحرج في الاصطلاح، منها:
تعريف الدكتور يعقوب الباحسين: "ما أوقع على العبد مشقة زائدة عن المعتاد، على بدنه أو على نفسه، أو عليهما معًا في الدنيا والآخرة، أو فيهما معًا، حالًا أو مآلًا، غير معارض بما هو أشد منه، أو بما يتعلق به حق للغير مساو له أو أكثر منه" (٦).
стр. 76
ومنها تعريف الدكتور صالح بن حميد: " كل ما أدى إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال حالًا أو مآلًا" (١).
ومنها تعريف الدكتور عثمان شبير: "ما فيه مشقة فوق المعتاد" (٢).
ويؤخذ على تعريف الباحسين أنه أطال التعريف بذكر عدد مواقع وجود الحرج، ووقته، مع إمكانه الاختصار، فالحرج عام لكل مشقة زائدة مهما كان موقعها بالنسبة للشخص أو زمان وقوعها إذا كان يلحقه ضيق منها.
وتعريف ابن حميد قريب من تعريف الباحسين، وأضاف المال في مواقع وجود الحرج، والحرج أعم كما سبق بيانه.
وتعريف شبير أقرب تعريف للحرج فالمشقة فوق المعتاد هي الحرج الذي يحتاج إلى رفع، مهما كان موقعها أو زمان وقوعها.
وبعدما تمت معرفة معنى الرفع، ومعنى الحرج منفردين، نبين تعريفهما مركبين.
فرفع الحرج عرفه الدكتور يعقوب الباحسين بأنه: "منع وقوع أو بقاء الحرج على العباد بمنع حصوله ابتداءً، أو بتخفيفه، أو تداركه بعد تحقق أسبابه" (٣).
وهذا التعريف يلزم منه الدور، ولكي يخرج الدكتور الباحسين من هذا الدور أشار في الحاشية إلى الرجوع إلى معنى الحرج الذي قرره سابقًا، وفي إضافة معنى الحرج إلى هذا التعريف يصبح تعريف رفع الحرج: "منع وقوع أو بقاء ما أوقع على العبد مشقة زائدة عن المعتاد، على بدنه أو على نفسه، أو عليهما معًا في الدنيا والآخرة، أو فيهما معًا، حالًا أو مآلًا،
стр. 77
غير معارض بما هو أشد منه، أو بما يتعلق به حق للغير مساو له أو أكثر منه على العباد بمنع حصوله ابتداءً، أو بتخفيفه، أو تداركه بعد تحقق أسبابه".
وهذا التعريف طويل، ومن شروط الحد (التعريف): "أن يوجز الحادُّ في الحدِّ على حسب الاستطاعة" (١)، قال الغزالي حين كلامه عن شروط الحد: "واجتهد في الإيجاز ما قدرت" (٢)، فضلًا عن المآخذ على تعريف الحرج، وأيضًا زيادة "بمنع حصوله ابتداءً، أو بتخفيفه، أو تداركه بعد تحقق أسبابه" لا حاجة لذكرها في التعريف؛ لأن منع وقوع الحرج يشمل منع حصوله ابتداءً أو يخففه قبل الوقوع، ومنع بقاء الحرج يشمل تداركه بعد تحقق أسبابه أو يخففه.
وبعد ذلك يمكن تعريف رفع الحرج بأنه: منع وقوع أو بقاء المشقة الزائدة عن المعتاد.
الفرع الثاني: الأدلة على رفع الحرج.
الأدلة على رفع الحرج في الشريعة الإسلامية كثيرة، ومنها:
الدليل الأول: الآيات القرآنية الدالة على رفع الحرج، والتيسير، والتخفيف، ونفي التكليف بما ليس في الوسع؛ كقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤).
وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ
стр. 78
الْعُسْرَ﴾ (١).
وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (٢).
وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣).
وجه الدلالة من الآيات: أن هذه الآيات تدل على أن الله نفى الحرج عن الدين، ولم يُرد الله ليجعل على عباده من حرج، وأنه يريد اليسر بعباده، ويريد أن يخفف عنهم، ولا يكلفهم إلا ما في وسعهم، وقد تضمنت الآيات أن جميع ما كلفهم به أمرًا أونهيًا فهم مطيقون له قادرون عليه، وأن الله لم يكلفهم ما لا يطيقون، وأنهم في سعة ومنحة من تكاليفه، لا في ضيق وحرج ومشقة؛ فإن الوسع يقتضي أن ما كلفهم به مقدور لهم من غير عسر لهم ولا ضيق ولا حرج (٤)، "وذلك عام مطرد؛ لأن الله لم يشرع حكمًا إلا وأوسع الطريق إليه، ويسره حتى لم يبق من دونه حرج ولا عسر" (٥)، والآيات التي تدل على رفع الحرج أكثر من أن تحصر، قال الشاطبي: "النصوص على رفع الحرج فيه -أي القرآن-كافية" (٦).
الدليل الثاني: الأحاديث النبوية الكثيرة الدالة على التيسير والسماحة، كقول النبي ﷺ : «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» رواه البخاري (٧).
стр. 79
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» رواه البخاري (١).
وعن عائشة ﵂، أنها قالت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا» متفق عليه (٢).
وجه الدلالة من الأحاديث: في هذه الأحاديث بيان أن دين الله يسر، وأن أحب الدين إلى الله الحنيفة السمحة، وأن النبي ﷺ إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما مالم يكن إثمًا، والحرج يناقض اليسر، ويناقض الحنيفية السمحة، فإذا كان مناقضًا لهما فهو مناقض للدين، ومناقض لما يحبه الله، والله لا يأمر به، والنبي ﷺ لا يختاره، وهو من أبعد الناس عنه، و"كل أوامره يراعي فيها التوسيع على الأمة، وعدم المشقة، لا يحب لهم المشقة أبدًا، ويحب لهم دائمًا التيسير عليهم، ولذلك جاءت شريعته سمحة سهلة" (٣).
الدليل الثالث: الأحاديث التي تدل على بعد النبي ﷺ عن كل ما يشق على أمته، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ». متفق عليه (٤).
стр. 80
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ». متفق عليه (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: أعتم النبي ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي». متفق عليه (٢).
وجه الدلالة من الأحاديث: أن النبي ﷺ ترك الأمر بهذه الأمور مع ما فيها من الفضل لكي لا يشق على أمته، وفي هذا "دليل على أن الحرج والمشقة مرفوعان عن هذه الأمة" (٣).
الدليل الرابع: الأحاديث النبوية التي تدل على نهي النبي ﷺ أصحابة عن التشدد والتعمق، وأمرهم بأن يكلفوا من الأعمال ما يطيقون، كما جاء عن أبي مسعود الأنصاري ﵁، قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان، مما يطيل بنا فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ» "متفق عليه (٤).
стр. 81
وعن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قالها ثلاثا. رواه مسلم (١).
وعن عائشة، ﵂: أن النبي ﷺ كان يحتجر حصيرا بالليل فيصلي عليه، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه، فجعل الناس يثوبون إلى النبي ﷺ فيصلون بصلاته حتى كثروا، فأقبل فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ». متفق عليه (٢).
وجه الدلالة من الأحاديث: هذه الأحاديث وغيرها كثير في نفس معناها تدل على سير النبي ﷺ على طريق اليسر، وتمسكه بالحنيفية السمحة، ونهيه أصحابة عن التنطع والتكلف الذي يسبب لهم الحرج في الدين، والضيق من أحكامه، وألا يوقع بعضهم بعضًا في الحرج والضيق خاصة إذا كان متوليًا أمرًا من أمورهم كإمامة الصلاة.
الدليل الخامس: الرخص الشرعية كلها أدلة على أن الحرج مرفوع عن هذه الأمة، "كرخص القصر، والفطر، والجمع، وتناول المحرمات في الاضطرار، فإن هذا نمط يدل قطعا على مطلق رفع الحرج والمشقة" (٣)
الدليل السادس: أن العقل السليم مفطور على عدم التناقض، فلو كان الشارع قاصدًا للمشقة والحرج لما كان مريدًا لليسر والتخفيف، وذلك باطل عقلًا (٤).
стр. 82
الدليل السابع: إجماع علماء المسلمين منذ عهد الصحابة إلى يوم الناس هذا على أن الحرج مرفوع عن هذه الأمة، ولم يعلم في ذلك مخالف (١).
هذه بعض الأدلة على رفع الحرج، وإلا فالأدلة على رفعه عن هذه الأمة كثيرة، قال الشاطبي: "إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع" (٢).
الفرع الثالث: رفع الحرج في الهندسة المالية الإسلامية.
الهندسة المالية الإسلامية ترفع الحرج عن الأمة في أمور كثيرة، منها:
١ - أن أكثر المعاملات المالية الموجودة فيها مخالفات شرعية، وفي ذلك حرج على المسلمين في التعامل بها، والهندسة المالية الإسلامية ترفع هذا الحرج بتطوير هذا المعاملات المالية بما يتوافق مع الشرع الحنيف.
٢ - أن المجتمعات في تطور كما هي سنة الحياة، والمعاملات القديمة لا تفي بحاجات الناس وفق هذا التطور المتزايد، ويجد الناس حرجًا في عدم تلبية هذه المعاملات لحاجاتهم، وفي الهندسة المالية الإسلامية رفع لهذا الحرج بتطوير هذا المعاملات مع المحافظة على مصداقيتها الشرعية.
٣ - أن النظام السائد في عالم اليوم هو النظام الرأسمالي، وهو نظام لا يتوافق مع الشريعة الإسلامية، وفي تغلب هذا النظام حرج على المصارف الإسلامية في تعاملها معه، وحرج على المسلمين في تأخر نظامهم الاقتصادي وعدم منافسته لهذا النظام الغربي، وفي الهندسة المالية الإسلامية منافسة لهذه النظام الرأسمالي، وفك لقيد التبعية للغرب، وفرض للنظام الاقتصادي الإسلامي بإذن الله.
стр. 83
٤ - في حالة عدم توفر المعاملات المالية الإسلامية يبتعد كثير من المسلمين عن المتاجرة بأموالهم، وفي ذلك حرج عليهم، وفي الهندسة المالية الإسلامية توفير المعاملات الإسلامية التي تمكنهم من المتاجرة بأموالهم دون مخالفة للشرع.
٥ - أن الهندسة المالية الإسلامية توفر مصارف إسلامية تلبي حاجات الناس، وفقًا للشريعة الإسلامية، وفي ذلك رفع للحرج الذي يصيب المسلمين بتعاملهم مع البنوك التقليدية.
٦ - أن الهندسة المالية الإسلامية تفتح للمصارف الإسلامية آفاق المنافسة وتحقيق أهدافها وفق الأطر الشرعية، وتكسبها صفة المصداقية.
٧ - أن الهندسة المالية الإسلامية هي العلاج المناسب للأزمات المالية التي يشهدها العالم، ولا يخفى ما تسببه هذه الأزمات من حرج على مستوى الدول والأفراد.
٨ - أن الهندسة المالية الإسلامية ترفع الحرج عن المستثمرين بتقليل المخاطر التي يواجهونها.
وعلى هذا فينبغي قبول الهندسة المالية الإسلامية وتطبيقها، وتطويرها؛ لما تحققه من رفع للحرج عن الناس، والتيسير عليهم بما تقدمهم لهم من نظام اقتصادي إسلامي، لا يتبع النظم الغربية، ويجمع لهم بين المصداقية الشرعية، والكفاءة الاقتصادية.
стр. 84
المبحث الرابع:
المستندات الشرعية للهندسة المالية الإسلامية من القواعد الفقهية.
للقواعد الفقهية أهمية كبرى في ضبط الفقه، وجمع منثور المسائل في سلك واحد، وتُطلع الفقيه على ما غاب عنه من مآخذ الفقه، وتُقرب عليه كل متباعد (١)، فهي"عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، ويشرف ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف" (٢)، يقول ابن نجيم (٣) عن قواعد الفقه: "هي أصول الفقه في الحقيقة، وبها يرتقي الفقيه إلى درجة الاجتهاد" (٤)، ويقول السبكي (٥): " حق على طالب التحقيق ومن يتشوق إلى المقام الأعلى في التصور والتصديق أن يحكم قواعد الأحكام ليرجع إليها عند الغموض، وينهض بعبء الاجتهاد أتم نهوض" (٦).
стр. 85
ومن القواعد الفقهية التي تندرج تحتها الهندسة المالية الإسلامية، قاعدة الأصل في العقود الصحة إلا ما دل الدليل على منعه، وقاعدة الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما دل الدليل على منعه؛ لأن من الأنشطة التي تقوم بها الهندسة المالية الإسلامية ابتكارَ عقود جديدة، أو تعديلاً وتطويرًا لعقود قديمة، أو عقود مستوردة، ومن التطوير إضافة بعض الشروط على هذه العقود، وفي المطلبين التاليين بيان حكم هاتين القاعدتين، ومدى صحة الاستناد عليهما.
المطلب الأول: الأصل في العقود الصحة إلا ما دل الدليل على منعه
اختلف العلماء في الأصل في العقود، هل هو الصحة إلا ما دل الدليل على منعه، أو الفساد إلا ما دل الدليل على صحته؟، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: الأصل في العقود الصحة إلا ما دل الدليل على منعه. وهو قول أكثر الحنفية (١)، ومذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، بل حكي عليه الإجماع (٥).
القول الثاني: الأصل في العقود الفساد إلا ما دل الدليل على صحته. وهو قول الظاهرية (٦).
стр. 86
القول الثالث: لا يحكم على العقد بصحة ولا فساد إلا بدليل من الشرع. وهو قول تقي الدين السبكي (١) من الشافعية (٢).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: الآيات التي فيها الأمر بوفاء العقود والعهود، كقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٥).
وجه الدلالة من الآيات: أن الآيات جاءت بالأمر بالوفاء بالعقود والعهود، وهذا يشمل كل العقود والعهود التي تخلو من المخالفات الشرعية، فدل على أن الأصل في العقود الصحة إلا ما دل الدليل على منعه، قال ابن تيمية: "وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورًا به: علم أن الأصل صحة العقود والشروط؛ إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره، وحصل به مقصوده، ومقصود العقد: هو الوفاء به، فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العهود دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة" (٦).
стр. 87
نوقش: بأن هذه النصوص ليست على عمومها، بل هي مخصوصة في العقود والعهود التي جاء في الكتاب والسنة الإلزام بها (١).
أجيب: بأنه لا وجه لهذا التخصيص؛ لإنه يبطل دلالة العموم دون دليل (٢).
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣).
وجه الدلالة من الآية: أن لفظ البيع لفظ عام يتناول كل بيع، ويقتضي إباحة جميعها، إلا ما خصه الدليل، والنبي ﷺ نهى عن بيوع كانوا يعتادونها، ولم يبين الجائز، فدل على أن الآية الكريمة تناولت إباحة جميع البيوع إلا ما خص منها (٤)، قال ابن رشد (٥): "يندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ كل بيع، إلا ما خص منه بالدليل، وقد خص منه بأدلة الشرع بيوع كثيرة؛ فبقي ما عداها على أصل الإباحة، ولذلك قلنا في البيوع الجائزة: إنها جائزة، ما لم يحظرها الشرع، ولا ورد فيها النهي" (٦).
الدليل الثالث: قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (٧).
стр. 88
وجه الدلالة من الآية: أن الله فصل لنا ما حرم علينا، فكل ما لم يفصل تحريمه فلا يجوز تحريمه، وكما أنه لا يجوز إباحة ما حرمه الله، فكذلك لا يجوز تحريم ما عفا عنه ولم يحرمه (١).
الدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢).
وجه الدلالة من الآية: أن لفظ التجارة في الآية عام يشمل إباحة سائر التجارات (٣)، و"الأصل المقطوع به فيها اتباع تراضي الملاك" (٤)، وإذا كان كذلك فإذا تراضى المتعاقدان بتجارة، ثبت حلها بدلالة القرآن، إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله؛ كالتجارة في الخمر ونحو ذلك (٥).
الدليل الخامس: الآيات التي فيها حصر المحرمات؛ كقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (٦).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ
стр. 89
وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ١٥١﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٣٣﴾ (٢).
وجه الدلالة من الآيات: أن في حصر الآيات للمحرمات دليلاً على أن ما عداها على الإباحة، "فما لا يعلم فيه تحريم يجري على حكم الحل؛ والسبب فيه أنه لا يثبت لله حكم على المكلفين غير مستند إلى دليل" (٣).
الدليل السادس: عن سعد بن أبي وقاص، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَعْظَمَ المُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» متفق عليه (٤).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ بين في الحديث عظم جرم من يسأل عن شيء فيحرم بسبب مسألته، وفي ذلك دلالة على أن الأصل في الأشياء الحل، وأن النبي ﷺ يريد المحافظة على هذا الأصل، فنهى أصحابة عن السؤال، قال ابن حجر: " وفي الحديث بيان أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد الشرع بخلاف ذلك" (٥).
الدليل السابع: إن الاستقراء دل على أن الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني، والشريعة جاءت لمصالح العباد (٦)، ومن مصالحهم أن يتبايعوا كيف شاؤا، مالم تحرمه
стр. 90
الشريعة، قال ابن تيمية: " فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة، فحرمت منها ما فيه فساد، وأوجبت ما لا بد منه، وكرهت ما لا ينبغي، واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها، وإذا كان كذلك: فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف شاءوا، ما لم تحرم الشريعة" (١).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: الآيات التي تدل على اكتمال الدين، وتنهى عن تعدّي حدود الله؛ كقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٤).
وجه الدلالة من الآيات: أن الله بيّن في الآيات اكتمال الدين، وبيّن الوعيد لمن يتعدى حدود الله، "والعقود التي لم تشرع تعدٍّ لحدود الله وزيادة في الدين" (٥).
نوقش: بأن من كمال الدين أن الله بين فيه"شريعة تتناول حياة الإنسان من جميع أطرافها، وفي كل جوانب نشاطها، وتضع لها المبادئ الكلية والقواعد الأساسية فيما يتطور فيها ويتحور بتغير الزمان والمكان" (٦)، ومن الأمور التي تتطور في هذه الحياة العقود التي يتعامل بها الناس، ومن القواعد الأساسية التي بينها الدين، قاعدة الأصل صحة العقود التي يتعامل بها الناس مالم يدل الدليل على منعها (٧)، "وتعدي حدود الله هو تحريم ما
стр. 91
أحله الله، أو إباحة ما حرمه، أو إسقاط ما أوجبه، لا إباحة ما سكت عنه، وعفا عنه، بل تحريمه هو نفس تعدي حدوده" (١).
الدليل الثاني: عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه (٢).
وجه الدلالة من الحديث: في الحديث بيان"بطلان كل عقد عقده الإنسان والتزمه إلا ما صح أن يكون عقدًا جاء النص أو الإجماع بإلزامه باسمه أو بإباحة التزامه بعينه" (٣)؛ وذلك أن ما لم يأت به النص أو الإجماع فليس عليه أمر النبي ﷺ ، وهو مردود على صاحبه.
يناقش: بأن الحديث يدل على رد العقود المخالفة لما جاء به النبي ﷺ ؛ وذلك لمخالفتها أمره، أما العقود التي لم ينه عنها النبي ﷺ فلم يتطرق لها الحديث، فلا يصح الاحتجاج بهذا الحديث على ما أراد، بل إن في الحديث حجة لأصحاب القول الأول؛ وذلك أن النبي ﷺ لم يَرُد من العقود إلا العقود المخالفة لأمره، مما يدل على قبول ما عداها من العقود، وأن أصلها الجواز.
دليل القول الثالث: أن الصحة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، وكذلك الفساد حكم شرعي يحتاج إلى دليل، فلا نقول عنه عقد صحيح أو عقد فاسد، "بل نقول: باق على حكم الأصل" (٤).
стр. 92
يناقش: بأن أصحاب القول الأول يرون أن الأدلة دلت على أن الأصل في العقود الصحة، إلا ما دل الدليل على فساده، وكذلك أصحاب القول الثاني يرون أن الأدلة دلت على أن الأصل في العقود الفساد إلا ما دل الدليل على صحته، وأيضًا ما الأصل الذي بقيت عليه العقود؟ أليس هذا الأصل حكم شرعي يحتاج إلى دليل؟
وقد اختار السبكي تقوية "قول مدعي الصحة إذا تعارضا، وليس مع أحدهما مرجح" (١)، وفي ذلك دلالة على أن مدعي الصحة معه الأصل، وأن الأصل في العقود الصحة.
الترجيح: بعد عرض الأقوال، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي-والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول، القائل بصحة العقود إلا ما دل الدليل على فساده؛ وذلك لقوة أدلته، وضعف أدلة القولين الآخرين أمام المناقشة التي وردت عليها، وأن القول بفساد العقود إلا ما دل الدليل على صحته يجعل الناس"مقيدين بعدد العقود التي تذكرها الكتب، ووردت بها الآثار، ودلت عليها المصادر الشرعية، والأدلة الفقهية، فما لم يقم عليه الدليل فهو ممنوع، والوفاء به غير لازم؛ لأنه لا التزام إلا بما ألزم به الشرع، فما لم يرد دليل على وجوب الوفاء فلا وفاء، فليس للناس إذن على هذا القول أن يعقدوا ما شاءوا من العقود، إلا إذا وجد من الأدلة الفقهية ما يدل عليه، ويوجب الوفاء به" (٢)؛ وفي ذلك حرج لا ترضاه الشريعة التي بنيت على تحقيق مصالح الناس، ورفع الحرج عنهم.
وعلى هذا الأصل فالعقود التي تبتكرها الهندسة المالية الإسلامية جائزة، ولا يمنع منها إلا ما اشتمل على محظور شرعي.
стр. 93
المطلب الثاني: الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما دل الدليل على منعه
في قاعدة "هل الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما دل الدليل على منعه؟ " حصل اضطراب عند بعض الباحثين في نسبة الأقوال إلى المذاهب، فبعضهم نسب القول بأن الأصل في الشروط الصحة إلى المذاهب الأربعة (١)، وبعضهم على العكس نسب القول لهم بالمنع (٢)، وبعضهم نسب القول بالمنع إلى الحنفية والمالكية والشافعية، والحنابلة بالصحة (٣)، وبعضهم أضاف مع الحنابلة المالكية فنسب لهم القول بالصحة (٤)، والسبب في ذلك عدة أمور، وهي:
الأمر الأول: أن المذاهب الفقهية لم يبينوا الأصل في الشروط عندهم، إنما كان ذلك عن طريق تخريج بعض الباحثين حكم أصل الشروط عند المذاهب من فروعهم الفقهية في الشروط (٥)، وإذا كان الأمر كذلك فإن احتمالات الخطأ في تخريج الأصول أمر ممكن، ولا يمكن القطع بنسبة هذا الأصل إلى المذهب، لاسيما إذا كانت مبنية على فروع جزئية محدودة، أو استقراء جزئي، وهذا ما جعل بعض العلماء ينكر مثل هذه التخريجات (٦).
стр. 94
الأمر الثاني: أن أول من تكلم عن الأصل في الشروط هو ابن حزم (١) وتبعه ابن تيمية ثم ابن القيم، وقد اختلفوا أيضًا في نسبة الأقوال إلى المذاهب، فابن حزم وهو يناقش أدلة المخالفين له الذين قالوا بصحة العقود والشروط، قال: "فوجدناهم لا حجة لهم فيه أول ذلك الحنفيين والمالكيين المخالفين لنا" (٢)، وبعدما ناقش أدلة صحة الشروط، قال: " والعجب كله من احتجاج الحنفيين والمالكيين بهذه الأخبار" (٣). وهذا يدل على أن الحنفية والمالكية يقولون بأن الأصل في الشروط الصحة. وابن تيمية يقول: "الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك: الحظر، إلا ما ورد الشرع بإجازته، فهذا قول أهل الظاهر، وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا، وكثير من أصول الشافعي، وأصول طائفة من أصحاب مالك وأحمد" (٤). وهذا الكلام من ابن تيمية يخالف ما قاله ابن حزم في نسبة قول الجواز إلى الحنفيين والمالكيين. وابن القيم وهو يعدد الأخطاء التي وقع فيها الظاهرية قال: "الخطأ الرابع لهم: اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانه، فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملات الناس
стр. 95
وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله بناءً على هذا الأصل، وجمهور الفقهاء على خلافه" (١). وهذا القول من ابن القيم يخالف قول شيخه ابن تيمية؛ حيث نسب القول بالصحة إلى جمهور الفقهاء خلافًا للظاهرية، وابن تيمية نسب القول بالمنع إلى كثير من أصول الأئمة، وهذا الخلاف بين هؤلاء الأئمة سبب اضطرابًا لمن بعدهم في نسبة الأقوال إلى المذاهب، خاصةً فيمن يكتفي بالنقل عن هؤلاء الأئمة في نسبة الأقوال للمذاهب.
الأمر الثالث: أن العقود والشروط بنفس المعنى، قال ابن حزم"العقود والعهود والأوعاد شروط واسم الشرط يقع على جميع ذلك" (٢). وهذا أحد الأسباب التي حملت بعض الباحثين في نسبة القول بأن الأصل في الشروط الجواز إلى المذاهب الأربعة (٣)، قال الدكتور محمد اليمني: "إن الأصل في المعاملات، والعقود عند أصحاب المذاهب الأربعة الإباحة، إلا ما دل الدليل على تحريمه، والشروط عقود ومعاملات فما الفرق إذًا؟ " (٤). ولعل هذا أيضًا هو سبب الخلاف بين ابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم في نسبة الأقوال للمذاهب الفقهية؛ لذلك يتكلمون عن حكم العقود والشروط في سياق واحد، فمنهم من غلب جانب الأصل في العقود كابن حزم، وابن القيم، أما ابن تيمية فغلب جانب الشروط عند الأئمة في كلامه عن الأصل في العقود والشروط، فقد قال بعد النقل السابق في الأصل في العقود والشروط: "فإن أحمدَ قد يعلل أحيانًا بطلان العقد بكونه لم يرد فيه أثر ولا قياس، كما قاله في إحدى الروايتين في وقف الإنسان على نفسه" (٥). فالرواية التي
стр. 96
نقلها ابن تيمية عن الإمام أحمد ليست في بطلان أصل العقد إنما في بطلان الشرط، فالإمام لم يبطل الوقف لكونه وقفًا فالأصل عنده جواز الوقف، لكن أبطل هذا العقد لبطلان الشرط عنده وهو أن يكون الوقف على نفسه، ثم قال ابن تيمية بعد هذه الرواية: "كذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنها تخالف مقتضى العقد" (١). مما يدل على أن ابن تيمية يتكلم عن حكم الشرط في الرواية التي نقلها عن الإمام أحمد، وليس عن العقد، وقال ابن تيمية عن أصول الإمام أبي حنيفية في العقود والشروط: " وأما أبو حنيفة فأصوله تقتضي أنه لا يصحح في العقود شروطًا يخالف مقتضاها في المطلق … " (٢). وهذا يدل على أنه يغلب جانب الشروط، ثم نقل ابن تيمية القول الثاني، وهو أن الأصل في العقود والشروط الصحة، ثم قال: "وأصول أحمد المنصوصة عنه: أكثرها يجري على هذا القول. ومالك قريب منه، لكن أحمد أكثر تصحيحًا للشروط. فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحًا للشروط منه، وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط فيها يثبته بدليل خاص من أثر أو قياس، لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعًا من الصحة، ولا يعارض ذلك بكونه شرطًا يخالف مقتضى العقد" (٣). وهذا يدل على أنه يغلب جانب الشروط عند الأئمة في نظره إلى الأصل في العقود والشروط، ثم قال: " وما اعتمده غيره في إبطال الشروط … " (٤). وهذا يدل على أنه يتكلم عن حكم الشروط عند الأئمة غير الإمام أحمد، ثم قال: " وقد يعتمد طائفة من أصحابه عمومات الكتاب والسنة التي سنذكرها في تصحيح الشروط" (٥). كل هذه النصوص من ابن تيمية تبين أنه يغلب جانب الشروط في كلامه عن الأصل في العقود
стр. 97
والشروط عند الأئمة، ولعل مما جعل ابن تيمية يغلب جانب الشروط في نسبة الأقوال إلى الأئمة عند كلامه عن الأصل في العقود أن الشروط الباطلة تؤثر على العقود الصحيحة؛ قال وهو يناقش الأدلة: "العقود توجب مقتضياتها بالشرع. فيعتبر تغييرها تغييرًا لما أوجبه الشرع؛ بمنزلة تغيير العبادات. وهذا نكتة القاعدة؛ وهي أن العقود مشروعة على وجه، فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغيير للمشروع" (١). فالعقد مشروع عند الجمهور وله مقتضى، والشرط الذي يخالف المقتضى يؤثر على مشروعية العقد.
الأمر الرابع: أن الشروط تنقسم إلى شروط يقتضيها العقد، وشروط تلائم العقد ومن مصلحة العقد وإن كان لا يقتضيها العقد، وشروط فيها مصلحة للمتعاقدين أو لأحدهما ولا يقتضيها العقد، وليست من مصلحته، وقد اتفقت المذاهب الفقهية على صحة الشروط في القسمين الأولين، التي يقتضيها العقد (٢)، والتي فيها مصلحة للعقد وإن كان لا يقتضيها (٣)، واختلفوا في القسم الثالث من الشروط وهي التي فيها مصلحة للمتعاقدين أو لأحدهما وليست من مقتضى العقد، ولا من مصلحته، ولم يرد نهي في الشرع عنها. وعدم التفريق بين أقسام الشروط أحد الأسباب التي جعلت بعض الباحثين ينسبون القول بصحة الشروط للمذاهب الفقهية، ويستدلون بأمثلة من كتب هذه
стр. 98
المذاهب لشروط يقتضيها العقد أو هي من مصلحة العقد، دون نظر إلى الدليل الذي استدل به أصحاب هذا المذهب على جواز هذا الشرط، وهل الجواز كان استثناءً لدليل أو أن الأصل عندهم صحة الشروط.
وخلال الاستقراء للشروط عند المذاهب الفقهية وجدت:
١ - أنه وإن كانت الشروط كالعقود، إلا أن الحنفية، والشافعية يرون أن الشريعة فرقت بينهما، فالأصل عندهم في الشروط الحديث الذي رواه الطبراني أن النبي ﷺ : «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» (١)، قال السرخسي (٢): "والصحيح ما استدل به أبو حنيفة فإنه حديث مشهور-النهي عن بيع وشرط-، ومطلق النهي يوجب فساد المنهي عنه" (٣)، وقال الشيرازي (٤): "فإن شرط ما سوى ذلك من الشروط … بطل البيع؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» " (٥). أما المالكية فهم مع احتجاجهم بهذا الحديث إلا أنهم
стр. 99
حملوه على شرط يناقض مقتضى العقد، أو يعود بخلل في الثمن؛ قال الحطاب (١) بعد ذكر الحديث: " وحمله أهل المذهب على وجهين، أحدهما الشرط الذي يناقض مقتضى العقد، والثاني الشرط الذي يعود بخلل في الثمن" (٢). فلم يستدلوا بالحديث على فساد كل الشروط، أما الحنابلة فلا يصححون الحديث، قال ابن قدامة (٣):
"ولم يصح أن النبي ﷺ نهى عن بيع، وشرط" (٤).
٢ - أن الحنفية يجيزون الشروط التي جرى تعامل الناس بها (٥)، ويستدلون للجواز بدليل الاستحسان؛ قال ابن عابدين (٦): " يصح البيع ويلزم للشرط استحسانًا للتعامل" (٧). مما يدل على أن الأصل عندهم في الشروط عدم الجواز، وإلا لما استدلوا
стр. 100
بالاستحسان، ولاكتفوا بالأصل إذا كان الأصل عندهم الجواز، أما الشافعية فإذا أرادوا جواز شرط ذكروه على وجه الاستثناء مما يدل على أن الأصل عندهم عدم الجواز (١)؛ قال الغزالي: "فاقتضى مطلقه امتناع كل شرط في البيع … ويستثنى من هذا الأصل حال الإطلاق ستة شروط" (٢)، أما المالكية فيخصون الشروط الفاسدة بالتي تناقض مقتضى العقد، أو تعود بخلل في الثمن (٣)، أو بالتي يكثر فيها الغرر، أو يوجد فيها الربا، فبعدما ذكر ابن رشد (٤) أقسام الشروط عند الإمام مالك بين أن ضابط الفساد في الشروط يرجع "إلى كثرة ما يتضمن الشروط من صنفي الفساد الذي يخل بصحة البيوع وهما الربا والغرر، وإلى قلته، وإلى التوسط بين ذلك" (٥). مما يدل على أن الباقي من الشروط على أصل الصحة، أما الحنابلة فهم "أكثر تصحيحًا للشروط" (٦). مما يدل على أن الأصل عندهم في الشروط الصحة، ولو كان الأصل الفساد، لقلت شروطهم الصحيحة.
٣ - أن الحنفية أجازوا شرط الرهن أوالكفالة وشرط الرهن أو الكفيل يلائم العقد، ومن مصلحة العقد، وإن كان لا يقتضيه العقد، واستدلوا على الجواز بالاستحسان،
стр. 101
والقياس عندهم أنه لا يجوز (١)؛ "لأن الشرط الذي يخالف مقتضى العقد مفسد في الأصل" (٢)، والشافعية أجازوا اشتراطهما أيضًا واستدلوا على الجواز بالحاجة (٣)؛ مما يدل على أن الأصل عند الحنفية والشافعية في الشروط المنع، وإلا لما احتاجوا للاستدلال بالاستحسان أو الحاجة ليصححوا شرطًا إذا كان الأصل عندهم في الشروط الصحة لاسيما أن هذا الشرط يلائم العقد ومن مصلحته.
وبعد هذا الاستقراء تبين لي -والله أعلم- أن الفقهاء اختلفوا في حكم الأصل في الشروط (٤) على قولين:
القول الأول: أن الأصل في الشروط الصحة إلا ما دل الدليل على منعه. وهو مذهب المالكية (٥)، والحنابلة (٦).
стр. 102
القول الثاني: أن الأصل في الشروط الفساد إلا ما دل الدليل على جوازه. وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والظاهرية (٣).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن عقبة بن عامر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ» متفق عليه (٤).
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث دلالة على أن الشروط مستحقة الوفاء، وأن أحقها بالوفاء شروط النكاح؛ لما فيها من استحلال الفروج، ولو لم يكن الأصل في الشروط الصحة لما استحقت الوفاء بها (٥).
نوقش: بأن المراد بالحديث الشروط الجائزة، أو الشروط الموافقة لمقتضى العقد، وليس فيه دلالة على جواز كل الشروط (٦).
أجيب: بأنا نسلم أن المراد في الحديث هي الشروط الجائزة، أما الشروط المحرمة فلا يجوز الوفاء بها، ونرى أن الأصل في الشروط الجواز؛ وذلك أن "مقتضى الحديث: أن لفظة «أَحَقُّ الشُّرُوطِ» تقتضي: أن يكون بعض الشروط يقتضي الوفاء، وبعضها أشد
стр. 103
اقتضاء له، والشروط التي هي مقتضى العقود: مستوية في وجوب الوفاء، ويترجح على ما عدا النكاح: الشروط المتعلقة بالنكاح من جهة حرمة الأبضاع، وتأكيد استحلالها" (١).
الدليل الثاني: عن جابر ﵁: "أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَضَرَبَهُ فَدَعَا لَهُ، فَسَارَ بِسَيْرٍ لَيْسَ يَسِيرُ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةٍ»، قُلْتُ: لَا، ثُمَّ قَالَ: «بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةٍ»، فَبِعْتُهُ، فَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ وَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَأَرْسَلَ عَلَى إِثْرِي، قَالَ: «مَا كُنْتُ لِآخُذَ جَمَلَكَ، فَخُذْ جَمَلَكَ ذَلِكَ، فَهُوَ مَالُكَ». متفق عليه (٢).
وجه الدلالة من الحديث: أن جابرًا ﵁ اشترط مع البيع أن يحمله البعير إلى أهله، وأقره النبي ﷺ على ذلك، ولو كان الأصل في الشروط الفساد، لما أقره النبي ﷺ .
نوقش: بأنه لم يكن بيعًا مقصودًا، وإنما أراد النبي ﷺ البر لجابر ﵁ والإحسان إليه بالثمن على وجه لا يستحي من أخذه (٣).
أجيب: بأن هذه مجرد دعوى تحتاج إلى دليل، وقوله ﷺ : «بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةٍ»، يدل على إرادة البيع حقيقة (٤).
الدليل الثالث: عن عمرو بن عوف المزني ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا، وَالمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا
стр. 104
شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» رواه الترمذي وغيره (١).
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث بيانًا لوجوب الوفاء بالشروط إلا ما حرمها الشرع؛ مما يدل على أن أصلها الجواز، "والمشترط له أن يوجب بالشرط ما لم يكن واجبًا بدونه، فمقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبًا ولا حرامًا" (٢).
نوقش: بأن هذا الحديث ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به (٣).
стр. 105
الدليل الرابع: أن الشروط من باب الأفعال العادية، والأصل فيها عدم التحريم، فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل دليل على التحريم، وإذا لم تكن حرامًا لم تكن فاسدة؛ لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم، وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة (١).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: عن عمرو بن العاص ﵁، أن النبي ﷺ : «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» رواه الطبراني (٢).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن اقتران الشرط بالبيع، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، فدل على فساد الشروط المقترنة بالعقد إلا ما دل الدليل على جوازه (٣).
نوقش: بأن هذا الحديث ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به (٤).
الدليل الثاني: عن عائشة ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: «أَمَّا بَعْدُ، مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» متفق عليه (٥).
стр. 106
وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث على أن كل شرط اشترطه الإنسان على نفسه، أو لها على غيره فهو باطل، لا يلزم من التزمه أصلا، إلا أن يكون في كتاب الله الأمر به أو النص على إباحته (١).
نوقش: بأن"معنى كونه ليس في كتاب الله أي يخالف كتاب الله، فلا يجب كونه مذكورًا فيه، بل يجب كونه غير مخالف لقواعد الشرع" (٢)، وقد فسره البخاري (٣) بذلك؛ فترجم له بباب "المكاتب وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله تعالى"؛ لأن المراد بكتاب الله حكمه، وكل ما لم يكن من ذلك فهو مخالف لما في كتاب الله (٤).
الدليل الرابع: أن الشرط المقترن بالعقد يؤدي إلى الربا؛ وذلك أنه التزام منفعة زائدة في البيع، وزيادة منفعة مشروطة في البيع ربا؛ لأنها زيادة عارية عن العوض (٥).
نوقش: بعدم التسليم أن الشرط منفعة عارية عن العوض، بل لكل شرط مقابل من الثمن زيادة ونقصًا، وأيضًا هذا القول يؤدي إلى بطلان كل الشروط، حتى تلك الشروط التي اتفق العلماء على جوازها، كاشتراط صفة في المعقود عليه، أو اشتراط توثيق الثمن بكفيل، وأنتم لا تقولون بذلك (٦).
стр. 107
الدليل الخامس: أن الشرط لا ينفك ضرورة من أحد أربعة أمور لا خامس لها: إما أن يكون فيه إباحة لما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، أو التزام إسقاط ما أوجبه الله، أو التزام إيجاب ما لم يوجبه، وكل هذا عظيم لا يحل (١).
نوقش: بأن هناك قسمًا خامسًا، وهو ما أباح الله للمكلف من تنويع أحكامه بالأسباب التي ملكه إياها، فيباشر من الأسباب ما يحله له بعد أن كان حرامًا عليه، أو يحرمه عليه بعد أن كان حلالًا له، أو يوجبه بعد أن لم يكن واجبًا، أو يسقط وجوبه بعد وجوبه، وليس في ذلك تغيير لأحكامه، بل كل ذلك من أحكامه، فكما أن نكاح المرأة يحل له ما كان حرامًا عليه قبله، وطلاقها يحرمها عليه ويسقط عنه ما كان واجبًا عليه من حقوقها، كذلك التزامه بالشرط، فإذا ملك تغيير الحكم بالعقد ملكه بالشرط الذي هو تابع له (٢)، فـ"الشرط يرفع موجب الاستصحاب لكن لا يرفع ما أوجبه كلام الشارع" (٣).
الترجيح: بعد عرض الأقوال، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي-والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول، القائل بصحة الشروط إلا ما دل الدليل على فساده؛ وذلك لقوة أدلته، وضعف أدلة القولين الآخرين أمام المناقشة التي وردت عليهما، وأن الشروط كالعقود، ولم يصح دليل في التفريق بينها، فإذا كان الأصل في العقود الصحة إلا ما دل الدليل على منعه فالشروط مثلها، والناس يحتاجون إليها في عقودهم، وفي منعهم
стр. 108
عن ذلك تضييق عليهم، وحرج لهم، والشريعة جاءت بمصالح العباد، وبما يرفع عنهم الحرج والضيق.
وعلى هذا الأصل في الشروط، فإن الهندسة المالية الإسلامية يجوز لها أن تطور العقود بإضافة بعض الشروط عليها، إلا أن يكون هذا الشرط من الشروط المحرمة.
стр. 109
الفصل الثالث: أدوات الهندسة المالية الإسلامية
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الحيل والمخارج الشرعية.
المبحث الثاني: الرخص الشرعية.
المبحث الثالث: الاستحسان.
المبحث الرابع: سد الذرائع وفتحها
المبحث الخامس: التلفيق.
المبحث السادس: تركيب العقود.
стр. 110
المبحث الأول:
الحيل والمخارج الشرعية.
أهم غايات الاقتصاد الإسلامي تحقيق مقاصد الشريعة في المال، والمصارف الإسلامية من أهم وسائل تحقيق الاقتصاد الإسلامي، ولتحقيق ذلك تبحث المصارف الإسلامية في هندستها المالية الإسلامية عن حلول شرعية لابتكار منتجات مالية إسلامية، أو تطوير منتجاتها؛ للتوسع في خدمات التمويل، وتقليل المخاطر إلى أقصى درجة ممكنة؛ وللتوصل لهذه الحلول الشرعية استخدمت المصارف الإسلامية فقه الحيل والمخارج، بل قيل: "إنها نفخت فيه الروح بعد دهر من السبات" (١). ولحداثة تجربة المصارف الإسلامية، ورغبتها في منافسة البنوك الربوية، والخلط بين الحيل الممنوعة والمخارج المشروعة، وعدم وجود الخلفية الشرعية أحيانًا عند بعض المهندسين الماليين (٢)، والحرص على الربح دون أي مخاطر، لجأت بعض المصارف الإسلامية عن قصد أو غير قصد إلى الحيل الممنوعة، فتوصلت عن طريقها إلى المحرمات بحجة أنها مخارج شرعية، هذا مع وجود جهود مشكورة للفقهاء المعاصرين، والمجامع الفقهية، والهيئات الشرعية لتخليص المصارف الإسلامية من هذه الحيل الممنوعة، والبحث لها عن مخارج مشروعة (٣)، إلا أنه لدقة الحيل وغموضها اضطربت فيها أنظار النظار (٤)، وفي هذا المبحث دراسة للحيل بقسميها، الحيل الممنوعة، والمخارج المشروعة حتى يسهل-بإذن الله-"تنزيلها منازلها وإبداء الفروق بينها" (٥).