← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1111

فقه الهندسة المالية الإسلامية

مرضي العنزي

Полный текст (444 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بمصطلح التلفيق، فلم يكن التلفيق معروفًا كمصطلح في القرون الأولى، فلا يوجد مصطلح التلفيق في كتب أئمة المذاهب ولا أصحابهم، إنما حدث في القرون المتأخرة (١)، ولا يبعد أن يكون حدوث البحث في التلفيق في القرن الخامس بسبب شدة التعصب والتحزب، ودخلول السياسة في التمذهب (٢). هذا الكلام في العصور المتقدمة، أما في عصرنا فقد استحدث فيه الكثير من المعاملات، وتعقدت فيه كثير من أمور الحياة التي كانت بسيطة وسهلة في العصور الأولى، وخف التعصب للمذاهب، وقلَّ من يسير على مذهب واحد في كل شؤونه، وأصبحت الحاجة ملحة للاستفادة من التراث الفقهي الكبير بشتى مذاهبه، ومن طرق الاستفادة من هذا التراث الفقهي التلفيق بين أقوال الفقهاء وضم بعضها إلى بعض، فالتلفيق له أهمية في شتى الأبواب الفقهية، وتزداد أهميته في أبواب المعاملات المالية؛ لكثرة المستجدات والنوازل فيها، وحاجة كثير من هذه العقود إلى هندسة مالية إسلامية لا تتم إلا عن طريق التلفيق بين أقوال الفقهاء، وفي هذا المبحث تبيين لذلك. المطلب الأول: تعريف التلفيق التلفيق لغة: مصدر لَفَقَ يَلْفِقُ، وتدور مادته على معنى الضم، فلفق الثوب ضم أحد شقيه إلى الآخر بخياطة، ونحوها (٣). واصطلاحًا: عُرف التلفيق بعدة تعريفات، منها: "الإتيان بكيفية لا يقول بها مجتهد" (٤).

стр. 177

ويؤخذ على هذا التعريف أنه بيان لنتيجة التلفيق، دون بيان للطريقة التي يتم بها الوصول لهذه النتيجة (١)، وأيضًا قد يأتي الشخص بكيفية لا يقول بها مجتهد، دون تلفيق بين قولين أو أكثر من أقوال الأئمة (٢). وعُرف التلفيق أيضًا بأنه: "الأخذ في الأحكام الفقهية بقول أكثر من مذهب في أبواب متفرقة، أو باب واحد، أو في أجزاء الحكم الواحد" (٣). ويؤخذ على هذا التعريف أنه أدخل في التلفيق ما ليس منه في قوله في أبواب متفرقة، فالعلماء يعدون الجمع بين أكثر من مذهب في أبواب متفرقة تنقل بين المذاهب، ولا يعدونه من التلفيق؛ لأنهم يشترطون للتنقل بين المذاهب ألا يأتي بكيفية لا يقول بها أحد من المذاهب، وهذا هو التلفيق، فهم إذًا يفرقون بين التنقل بين المذاهب، والتلفيق (٤)، ويؤخذ عليه أيضًا أنه أخرج بعض صور التلفيق؛ لأن من صور التلفيق الأخذ بقول أكثر من إمام داخل المذهب الواحد، وهو اقتصر في تعريفه على الأخذ من المذاهب، وأخرج منه الأخذ من الأئمة داخل المذاهب الواحد. وعُرف التلفيق أيضًا بأنه: "التقليد المركب من مذهبين فأكثر في عبادة أو معاملة واحدة" (٥)

стр. 178

ويؤخذ على هذا التعريف أنه اقتصر على التلفيق الصادر من المقلد، وأخرج منه التلفيق الصادر من المجتهد، فالمجتهد قد يلفق بين قولين أو أكثر من أقوال الأئمة، والفرق بين المجتهد والمقلد في التلفيق أن المقلد يلفق دون نظر في الأدلة أو معرفة لمآخذ الأئمة، والمجتهد يلفق بعد بذل الوسع في دراسة مآخذ الأئمة، ودراسة أدلتهم، ويؤخذ على هذا التعريف أيضًا ما أخذ على التعريف السابق من أنه أخرج التلفيق بين أقوال الأئمة في المذهب الواحد. و على ذلك يمكن أن يعرف التلفيق بأنه: الجمع بين أكثر من قول في قضية فقهية واحدة ذات جزئيات. المطلب الثاني: أقسام التلفيق ينقسم التلفيق أقسامًا؛ وذلك باعتبار الشخص الملفق، أو باعتبار القضية الفقهية الملفقة. أولًا: تقسيم التلفيق باعتبار الشخص الملفق. ينقسم التلفيق باعتبار الشخص الملفق قسمين: تلفيق المجتهد، وتلفيق المقلد (١)، إلا أن أكثر الذين كتبوا في التلفيق لا يعدونه إلا نوعًا واحدًا، وهو تلفيق المقلد، ولا يذكرون التلفيق إلا حيث يذكرون التقليد باعتباره فرعا من فروعه؛ وذلك لسببين: السبب الأول: أن مصطلح التلفيق حدث في العصور المتأخرة-وقد أقفل باب

стр. 179

الاجتهاد من قرون (١) - فلا يوجد فيها أهل الاجتهاد المطلق (٢). السبب الثاني: أن أهل الاجتهاد "أرباب استدلال واستنباط، وليسوا أهل تقليد، واستسلام حتى يضطروا إلى التلفيق الذي استنبطه الخلف" (٣). والصحيح أن أهل الاجتهاد موجودون في كل عصر، "أما دعوى إقفال باب الاجتهاد فهي قضية غير مسلمة، بل هي من مهملات الدعاوى التي لا تسمع، ولا يعتد بها؛ لأن من مقتضيات خاتمة الشرائع التي ختمت بصاحبها النبوات فتح باب الاجتهاد إلى قيام الساعة" (٤)، وأن المجتهد قد يلفق بين أراء العلماء عن طريق النظر، والاستدلال دون اضطرار، أو استسلام للتقليد. ثانيًا: تقسيم التلفيق باعتبار القضية الفقهية الملفقة ينقسم التلفيق باعتبار القضية الفقهية الملفقة ثلاثة أقسام:

стр. 180

القسم الأول: قضية فقهية ملفقة من مذاهب فقهية؛ كمن حج فمكث في مزدلفة بمقدار حط رحله كما هو عند المالكية (١)، وقلم أظفاره كما هو عند الظاهرية (٢)، ثم طاف راكبا كما هو عند الشافعية (٣)، ورمى يوم النفر قبل الزوال كما هو عند الحنفية (٤)، فهذا الحج ملفق من مذاهب مختلفة، وكل مذهب لا يقول برأي المذهب الآخر في المسألة التي قلده فيها. القسم الثاني: قضية فقهية ملفقة من مذهبين فقهيين؛ كمن توضأ فلم يدلك كما هو عند الشافعية (٥)، ثم لمس امرأة بلا شهوة كما هو عند المالكية (٦)، فهذا الوضوء ملفق من مذهبين وهو باطل على المذهب المالكي لعدم الدلك، وعلى المذهب الشافعي للمس المرأة (٧). القسم الثالث: قضية فقهية ملفقة من رأيين فقهيين في المذهب الواحد؛ كمن وقف الدراهم كما هو عند زفر (٨)، وكان وقفه على نفسه كما هو عند أبي يوسف، فهذا الوقف ملفق من قولين في مذهب واحد، وهو باطل عند الإمامين، فأبو يوسف لا يرى وقف الدراهم، وزفر لا يرى الوقف على النفس (٩).

стр. 181

والكلام عن حكم التلفيق يشمل كل هذه الصور، حتى التلفيق بين رأيين في مذهب واحد، فقد جاء في العقود الدرية بعد ذكر المثال السابق الملفق بين قولين داخل المذهب الحنفي: "فنقول النفاذ مبني على القول بصحة الحكم الملفق" (١). المطلب الثالث: حكم التلفيق التلفيق إما أن يصدر من شخص مجتهد أو شخص مقلد كما سبق بيانه، ولكل قسم من هذين القسمين حكم يختلف عن الآخر، وفي الفرعيين التاليين بيان لحكم كل منهما. الفرع الأول: تلفيق المجتهد تلفيق المجتهد: هو أن يجتهد المجتهد في مسألة فيؤديه اجتهاده إلى الجمع بين قولين لمجتهدين قبله في نفس المسألة (٢)، و يسمى هذا عند الأصوليين "إحداث قول ثالث" (٣)، وقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن إحداث قول ثالث لا يجوز مطلقًا، وهو قول جمهور الأصوليين (٤).

стр. 182

القول الثاني: أن إحداث قول ثالث جائز مطلقًا، وهو قول بعض الأصوليين (١). القول الثالث: أن إحداث قول ثالث جائز بشرط ألا يرفع ما اتفق عليه القولان السابقان، وهو قول بعض الأصوليين (٢). أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن إجماع العلماء على قولين دليل على بطلان ما عداهما، كما أن الإجماع على قول واحد دليل على بطلان ما عداه (٣). نوقش: بأن اختلافهم على قولين إجماع على جواز القولين، وإقرار أن هذه المسألة اجتهادية، وليست قطعية، ولا يكون القول الثالث باطلًا، إلا إذا اشترطوا عدم إحداثه (٤).

стр. 183

الدليل الثاني: أن ذلك يوجب نسبة الأمة إلى الخطأ، وإلى تضييع الحق، والغفلة عنه؛ فإنه لو كان الحق في القول الثالث، كانت الأمة قد أخطأته، وضيعته وغفلت عنه، وخلا العصر من قائم لله بحجته، ولم يبق منهم عليه أحد وذلك محال (١). نوقش: بأنه إنما يلزم من ذلك نسبة الأمة إلى الخطأ، وتضييع الحق، والغفلة عنه، أن لو كان الحق في المسألة معينًا، وأجمعوا فيه على قول واحد، وأما فيما اختلفوا فيه فلا؛ لأن غاية ذلك تخطئة بعضهم في أمر، وتخطئة البعض الآخر في غير ذلك الأمر (٢). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن الصحابة اجتهدوا في هذين القولين، ولم يصرحوا بتحريم إحداث قول ثالث (٣). نوقش: بأن الصحابة كذلك لو اجتمعوا على قول واحد لم يصرحوا بتحريم إحداث القول الثاني، مع أنه لا يجوز لمخالفته لإجماعهم (٤). الدليل الثاني: أن الاختلاف على قولين دليل تسويغ الاجتهاد، والقول الثالث حادث عن الاجتهاد فكان جائزًا (٥). نوقش: بأن الاختلاف على قولين دليل تسويغ الاجتهاد إذا كان الاجتهاد في طلب الحق من القولين، فأما إحداث القول الثالث من غيرهما فلا؛ لأنهم قد أجمعوا على بطلانه،

стр. 184

وهذا كما لو أجمعوا في حادثة على إبطال حكم فيها فينقطع الاجتهاد في ذلك الحكم، ولا يمنع ذلك من الاجتهاد فيها على غير ما أجمعوا على بطلانه (١). يجاب: بأنه لا يسلم أن الخلاف على قولين إجماع منهم على إبطال إحداث قول ثالث مالم ينصوا على إبطاله، وقياس إحداث قول ثالث على إبطال حكم في حادثة قياس مع الفارق؛ لأنهم نصوا على إبطال الحكم في الحادثة خلافًا لإحداث القول الثالث الذي لم ينصوا على إبطاله. الدليل الثالث: أن الصحابة إذا استدلوا بدليل، وعللوا بعلة، جاز لمن بعدهم الاستدلال بدليل آخر، والتعليل بعلة أخرى، فكذلك إذا كان لهم قول جاز لمن بعدهم إحداث قول آخر (٢). نوقش: بأن الدليل يختلف عن الحكم؛ فالدليل يؤيد الحكم السابق لا يخالفه، بعكس الحكم الجديد، فإذا أجمعوا على أمر واستدلوا بدليل من القرآن، جاز لمن بعدهم أن يستدل بدليل آخر من السنة يؤيد ما أجمعوا عليه، ولا يجوز مخالفة ما أجمعوا عليه بإحداث حكم آخر (٣). الدليل الرابع: أن إحداث قول ثالث وقع في هذه الأمة من غير نكير (٤). نوقش: بأن عدم نقل الإنكار لا يدل على عدم الإنكار (٥).

стр. 185

يجاب: بأنه حتى مع وجود الإنكار؛ فإن الإنكار ليس لأن هذا قول ثالث، بل ينكر العلماء القول الذي يخالف النص، أو الإجماع. أدلة القول الثالث: أصحاب القول الثالث جمعوا بين أدلة القول الأول وأدلة القول الثاني، واستدلوا بأن القول الثالث إذا رفع ما اتفق عليه القولان السابقان خالف ما أجمعوا عليه، وإذا لم يرفع ما اتفق عليه القولان لم يخالفه، بل وافق كل واحد من القولين من وجه وخالفه من وجه، فهو جائز إذ ليس فيه خرق للإجماع (١). يناقش: بأن اختلافهم على قولين إجماع منهم على أن هذه المسألة اجتهادية، وليست من الأمور القطعية، فمجال الاجتهاد فيها سائغ، حتى وإن رفع هذا الاجتهاد ما اتفق عليه القولان السابقان، مالم يخالف هذا الاجتهاد نصًا، أو إجماعًا قطعيًا فيرد. الترجيح: بعد عرض الأقوال، وأدلة كل قول، ومناقشة الأدلة، تبين لي أن الأدلة متكافئة، والأقرب -والله أعلم- أن الراجح أن إحداث قول ثالث جائز، ما لم يخالف هذا القول نصًا أو إجماعًا قطعيًا؛ لأن في اختلاف العلماء إقرارًا منهم بأن هذه المسألة اجتهادية، والاجتهاد سائغ فيها، فلا يرد هذا الاجتهاد لأنه قول جديد، بل يرد إذا خالف نصًا، أو إجماعًا قطعيًا. وبناءً على هذا الترجيح يكون تلفيق المجتهد جائزًا، إلا إذا خالف نصًا، أو إجماعًا قطعيا. الفرع الثاني: تلفيق المقلد قد يلفق المقلد بين قولين لمجتهدين دون اجتهاد أو نظر منه، إما للجهل، أو لظنه جواز التلفيق، أو للضرورة، أو لتتبع رخص المذاهب وغيرها من الأسباب، وقد اتفق

стр. 186

الأصوليون على أن هذا التلفيق لا يكون في مسائل الأصول، وما علم من الدين بالضرورة (١)، أما إن كان في مسائل الفروع الاجتهادية المختلف فيها، فقد اختلفوا في حكمه على قولين: القول الأول: منع تلفيق المقلد مطلقًا، وهو قول جمهور الأصوليين (٢)، بل حكي الإجماع على منع تلفيق المقلد (٣). القول الثاني: جواز تلفيق المقلد بشروط، وهو قول بعض الأصوليين (٤)، ومنهم من اشترط شرطا، ومنهم من اشترط أكثر من شرط، ومن هذه الشروط: • أن تدعو إلى التلفيق الضرورة أو الحاجة (٥).

стр. 187

• أن يكون التلفيق في غير ما عمل به تقليدا (١). • ألا يكون التلفيق لتتبع رخص العلماء (٢). • وألا يؤدي التلفيق إلى نقض حكم الحاكم (٣). • وألا يترتب على التلفيق خرق للإجماع (٤). • وألا يؤدي إلى حالةٍ مركبةٍ لا يقرها أحد من المجتهدين (٥). أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن العلماء أجمعوا على أن التلفيق باطل (٦)، قال الحصكفي: "وأن الحكم الملفق باطل بالإجماع" (٧).

стр. 188

نوقش: بأن هذه المسألة خلافية، ولا إجماع فيها (١). الدليل الثاني: أن التلفيق يؤدي إلى الخبط والخلط، وفتح باب الحرام، وإفساد الشريعة (٢). نوقش: بأن التلفيق الذي يؤدي إلى الخبط والخلط، وفتح باب الحرام، وإفساد الشريعة، ما كان مباحًا مطلقًا دون شروط، ونحن لا نقول بذلك، بل لا بد من شروط للتلفيق تضبطه (٣). يجاب: بأن المقلد لن يتقيد بهذه الشروط؛ وذلك لأنه لا علم عنده بمسائل الإجماع، أو رخص المذاهب، أو غيرها من الشروط، ولا إدراك له بحالات الضرورة والحاجة، فمتى فتح له الباب فلن يتقيد بشرط؛ وذلك إفساد للشريعة. الدليل الثالث: أن هذه المسألة الملفقة لم يقل أحد من المذاهب بجوازها (٤). نوقش: بأن كل مذهب يحكم ببطلانها بالنظر إلى المذهب ذاته، ولكن لو نظر إلى المذهب الآخر فلا يحكم ببطلانها (٥). الدليل الرابع: أن المقلد التزم مذهبًا معينًا، ومن التزم مذهبًا معينًا لا يجوز له الخروج منه في ما يعرض له من المسائل (٦).

стр. 189

نوقش: بأنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دون غيره (١). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن التلفيق هو عين التقليد، فمن قال بالتقليد فلابد له أن يقول بالتلفيق (٢). نوقش: بأن التلفيق يختلف عن التقليد، فالمقلد لمذهب في عبادة لابد أن يلتزم شروط هذه العبادة وأركانها وواجباتها كما هي في المذهب، والملفق لا يلتزم ذلك (٣). الدليل الثاني: أنه لم يرد عن أحد من الصحابة أنه ألزم أحدًا من الناس باتباع صحابي معين دون غيره (٤). نوقش من وجهين: الوجه الأول: أن مذاهب الأئمة لم تكن معلومة، ولا مدونة في عهد الصحابة ﵃، وأئمة المذاهب دونوا المذاهب بعد السبر والنظر، وبوبوا الأبواب، وهذبوا المسائل وبينوها وجمعوها، فأصبحت المذاهب وافية بجميع الأحكام (٥). الوجه الثاني: أن المقلد في عهد الصحابة ﵃ لم يكن يلفق بين آراء المجتهدين من الصحابة ﵃ من عند نفسه دون معرفة لأدلتهم حتى نعرف حكم الصحابة ﵃ فيه، بل كان يسأل أهل العلم من الصحابة في المسألة التي يحتاجها. الدليل الثالث: أن من مقاصد الشريعة اليسر والسماحة، ورفع الحرج، ومنع التلفيق فيه حرج ومشقة، وهذا ينافي مقصدًا من مقاصد الشريعة (٦).

стр. 190

نوقش: بأن يسر الشريعة المعتبر هو ما كان على وفق دلائل الشريعة وأصولها، وليس التلفيق طريقًا من طرق التيسير المعتد بها، وكما أن من مقاصد الشريعة التيسير، ورفع الحرج، فإن من مقاصدها أيضا حفظ الشريعة من أن ترد إلى الأهواء، وتقحم الجهلاء، فلا تضرب المقاصد بالمقاصد (١). الدليل الرابع: أن منع التلفيق يؤدي إلى إفساد لكثير من عبادات العامة؛ إذ لا تكاد تجد عاميًا يفعل عبادة موافقة لمذهب معين (٢). يناقش: بأننا نفرق بين التلفيق قبل الفعل وبعده، فنحن نمنع العامة من التلفيق ابتداءً، ونلزمهم بأن يسألوا أهل العلم ويتقيدوا بالرأي الذي أخذوه، ومن جاءنا منهم بعد الفعل وقد لفق في عبادته بين آراء العلماء المعتبرة فلا نفسدها؛ تيسيرًا عليه، ورفعًا للحرج (٣).

стр. 191

الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي أن أكثر الأدلة للفريقين لا تسلم من المناقشة، وأن أقرب الأقوال-والله أعلم- هو القول الأول، وأن المقلد لا يجوز له التلفيق بين أراء العلماء، بل فرض المقلد أن يسأل أهل العلم، ويلتزم الرأي الذي أخذه، وله أن يسأل من شاء من أهل العلم ويأخذ برأيه، دون أن يلتزم رأي عالم معين، ولا يجوز له التلفيق بين هذه الآراء؛ لأنه ليس أهلًا للاستنباط، ومعرفة الأدلة التي يبني عليها الأئمة اختياراتهم وترجيحاتهم فيلفق بينها. المطلب الرابع: التلفيق وتتبع رخص المذاهب سبق التعريف بتتبع رخص المذاهب، وهو أن يأخذ الشخص من كل مذهب ما هو أهون عليه وأيسر فيما يطرأ عليه من المسائل دون نظرٍ في الأدلة (١). وقد عرف بعض المؤلفين التلفيق بأنه" تتبع الرخص عن هوى" (٢)؛ ورأى أنهما شيء واحد، ومع أن التلفيق وتتبع الرخص قد يجتمعان فيما لو كان التلفيق عن هوى، إلا أنهما يختلفان فيما لو لم يكن التلفيق عن هوى، ويختلفان أيضًا في أن الشخص قد يتتبع رخص المذاهب في مسائل مختلفة ليس بينها ارتباط، فبين التلفيق وتتبع رخص المذاهب عموم وخصوص من وجه (٣)، ومما يدل على اختلافهما أن كثيرًا من العلماء الذين أجازوا التلفيق

стр. 192

يشترطون فيه ألا يكون عن تتبع رخص المذاهب؛ فقد نقل القرافي عن الزناتي (١) من أصحابهم أن التلفيق جائز بثلاثة شروط، ذكر منها الثالثة: "وأن لا يتتبع رخص المذاهب" (٢). وقال المعلمي: "وقضية التلفيق إنما شددوا فيها إذا كانت لمجرد التشهي وتتبع الرخص، فأما إذا اتفقت لمن يتحرى الحق وإن خالف هواه فأمرها هين" (٣). المطلب الخامس: التلفيق والهندسة المالية الإسلامية التلفيق بين الأقوال الفقهية من الأدوات التي يستخدمها الفقهاء في الهندسة المالية الإسلامية؛ ومن ذلك ما جاء في فتوى الهيئة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي في السودان رقم ٢٢، والمتعلقة بالشراكة التي تحدث بين المصرف الإسلامي والشريك، وخلاصتها أنه يجوز للمصرف أن يطلب من شريكه ضمانًا يضمن ما يضيع من مال الشركة بتعد أو تقصير من الشريك، عملًا بمذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (٤)، كما يجوز له أن يأخذ رهنًا من شريكه، عملًا بمذهب المالكية (٥)، والغرض من الضمان والرهن توثيق الحق والاطمئنان إلى استيفائه (٦).

стр. 193

ففتوى الهيئة عبارة عن هندسة مالية إسلامية استخدم فيها التلفيق كأداة لهذه الهندسة. وكذلك بيع المرابحة للآمر بالشراء مع الوعد الملزم هو عبارة عن هندسة مالية استخدم فيها التلفيق بين قول الشافعي بجواز المرابحة مع الوعد (١)، وقول ابن شبرمة (٢) بالإلزام بالوعد (٣). والذي ينبغي مراعاته في التلفيق بين الأقوال الفقهية لأجل الهندسة الإسلامية للعقود أن يكون المهندس من أهل الاجتهاد، فإن لم يكن فعليه أن يعرض ما قام به من تلفيق لهندسة العقود على أهل الاجتهاد، أو أن يلتزم الشروط التي وضعها أصحاب القول الذين أجازوا تلفيق المقلد؛ كي يبتعد عن التلفيق الممنوع (٤).

стр. 194

المبحث السادس: تركيب العقود تطورت المعاملات المالية في العصر الحاضر، وتزايدت عوامل المخاطرة؛ مما جعل الاحتياطات الاقتصادية معقدة ومتشعبة، خاصة مع التوسع العلمي والمعرفي والتقني في الحاسب، والانترنت (١)، وأدى ذلك إلى انتشار العقود المالية المركبة وشيوعها في الأسواق المحلية، والعالمية، وأقبلت المؤسسات المالية الإسلامية على التعامل بها (٢)؛ حيث وجدت فيها حلولًا لما تواجهه من مخاطر، وصيغًا ذات كفاءة اقتصادية عالية. وفي هذا المبحث دراسة لتركيب العقود المالية. المطلب الأول: تعريف العقود المالية المركبة قبل تعريف العقود المالية المركبة لابد من تعريف كل مصطلح منها منفردًا، ويمكن بعدها التوصل لتعريف العقود المالية المركبة. فالعقود في اللغة جمع عقد، ويدل على الشد، والتوثيق (٣)، قال ابن فارس: "العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شد وشدة وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلها" (٤). وأما العقد في الاصطلاح، فهو: "التزام المتعاقدين وتعهدهما أمرًا وهو عبارة عن ارتباط الإيجاب بالقبول" (٥).

стр. 195

وقد سبق تعريف المال لغة واصطلاحًا (١). وأما تعريف المركبة في اللغة فهي مؤنث مركب، والمركب اسم مفعول من ركب يركب تركيبًا، والتركيب في اللغة وضع الشيء بعضه على بعضه، وضمه إليه (٢)، فـ"الراء والكاف والباء أصل واحد مطرد منقاس، وهو علو شيء شيئا" (٣). وأما المركب في الاصطلاح، فهو: "مجموع الأشياء المتعددة بحيث يطلق عليها اسم الواحد" (٤). وبعد تعريف هذه المصطلحات يمكن تعريف العقود المالية المركبة؛ وقد عرف الدكتور نزيه حماد العقود المركبة بشكل عام، وهي: "أن يتفق الطرفان على إبرام معاملة (صفقة) تشتمل على عقدين فأكثر … (٥) بحيث تعد موجبات تلك العقود المجتمعة، وجميع الحقوق والالتزامات المترتبة عليها جملة واحدة، لا تقبل التفريق والتجزئة والانفصال، بمثابة آثار العقد الواحد" (٦). وهذا التعريف يعمّ جميع العقود المركبة، سواء كانت عقودًا مالية، أو غير مالية، ومن أمثلته التي ذكرها الدكتور: البيع، والهبة، والزواج (٧)، والزواج عقد غير مالي.

стр. 196

وأما الدكتور العمراني فقد عرف العقود المالية المركبة بشكل خاص، بأنها: "مجموع العقود المالية المتعدد التي يشتمل عليها العقد -على سبيل الجمع والتقابل- بحيث تعتبر جميع الحقوق والالتزامات المترتبة عليها بمثابة آثار العقد الواحد" (١). وهذا التعريف هو المختار؛ لأنه خاص بالعقود المالية المركبة، ولا يدخل فيه العقود المركبة غير المالية. المطلب الثاني: أنواع العقود المالية المركبة للعقود المركبة نوعان، وهما: النوع الأول: العقود المجتمعة؛ وهي العقود المركبة المجتمعة في عقد واحد، وذلك بأن يجتمع عقدان أو أكثر في عقد واحد (٢)، مثل أن يقول: بعتك هذه الدار وأجرتك الأخرى بألف (٣). النوع الثاني: العقود المتقابلة؛ وهي العقود المركبة التي يكون فيها العقد الثاني في مقابلة العقد الأول (٤)، وهي ما يعبر عنها الفقهاء بمسألة: "اشتراط عقد في عقد" (٥)، مثل أن يقول: بعتك داري بكذا على أن تؤجرني دارك بكذا (٦).

стр. 197

وقد ذكر العمراني أنواعًا أخرى للعقود المركبة؛ كالعقود المختلفة، وهي: أن يجتمع عقدان بينهما اختلاف في الأحكام (١)، والعقود المتجانسة، وهي: أن يجتمع عقدان دون اختلاف في الأحكام (٢)، وكلها ترجع للنوعين السابقين، فالعقود المجتمعة أو المتقابلة إما أن تكون بين عقدين فيهما اختلاف في الأحكام، أو بين عقدين لا تختلف أحكامهما، قال العمراني: "يمكن حصر العقود المركبة في النوعين المتقدمين، وهي العقود المركبة المتقابلة، والعقود المركبة المجتمعة" (٣)، وجاء في تعريف نزيه حماد: "بحيث تعتبر سائر موجبات تلك العقود المجتمعة أو المتقابلة" (٤)، وجاء في تعريف العمراني: " التي يشتمل عليها العقد على سبيل الجمع أو التقابل" (٥)، فاقتصرا في تعريفهما للعقود المركبة على النوعين السابقين دلالة على أن كل الأنواع الأخرى تدخل فيها. المطلب الثالث: حكم تركيب العقود المالية اتفق الفقهاء المعاصرون على جواز تركيب العقود المالية (٦)؛ ومما يؤيد ذلك:

стр. 198

١ - اتفاق الفقهاء المتقدمين على جواز اجتماع أكثر من عقد في معاملة (١)، مالم يكن دليل شرعي حاظر (٢)، ولم أجد خلافًا في ذلك؛ وذلك لأن المعاملة مشتملة على عقدين كل واحد منهما جائز حال الانفراد، فكذلك حالة الاجتماع (٣). ٢ - أن "الأصل بمقتضى دلائل نصوص الشريعة هو حرية التعاقد، ووجوب الوفاء بكل ما يتراضى المتعاقدان عليه ويلتزمانه، ما لم يكن نص أو قياس صحيح يمنع من ذلك، فعندئذ يمنع بخصوصه على خلاف القاعدة المطردة" (٤)؛ فالأصل في العقود والشروط الصحة والجواز، إلا ما دل الدليل على منعه، وقد سبق بيان ذلك (٥). المطلب الرابع: ضوابط تركيب العقود المالية إذا كان الأصل في تركيب العقود المالية الصحة والجواز، إلا ما دل الشرع على تحريمه فلابد من ضوابط لها؛ كي تبقى على أصل الصحة والجواز، وتبتعد عن الوقوع في المحظور الشرعي، وهذه الضوابط:

стр. 199

١ - ألا يكون الجمع بين العقود المالية محل نهي شرعي (١)؛ كاشتراط الجمع بين القرض والبيع (٢)، فقد جاء عند أبي داود وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ» (٣). وقد أجمع الفقهاء على المنع من ذلك (٤)، جاء في موسوعة الإجماع: "لم يوقف على خلاف أحد من العلماء على هذا الإجماع السالف، وهو المنع من اشتراط القرض مع البيع" (٥).

стр. 200

٢ - ألا يكون الجمع بين العقود وسيلة للمحرم (١)، بحيث" تقوى التهمة، ويكثر القصد في التطرق، والتوسل بها إلى الأمر المحظور" (٢)؛ كالاتفاق على العينة، أو التوصل إلى الربا (٣). ٣ - ألا يكون الجمع بين عقدين مختلفين في الأحكام إذا ترتب على ذلك تضاد في الموجبات والآثار، وذلك في حالة توارد عقدين على محل واحد في وقت واحد (٤)؛ كما في الجمع بين هبة عين وبيعها، أو الجمع بين المضاربة وإقراض رأس المال للمضارب (٥). المطلب الخامس: تركيب العقود المالية والهندسة المالية يلجأ المهندس المالي إلى تركيب العقود المالية كأداة يستخدمها في صناعة الهندسة المالية، والعقود المالية المركبة هي نتيجة لهذا التركيب، وهي هندسة مالية، وكل عقد مالي مركب هو هندسة مالية، وليست كل هندسة مالية هي عقد مالي مركب، فالهندسة المالية أعم من العقود المالية المركبة؛ فبيع المرابحة للآمر بالشراء، هو عبارة عن معاملة مركبة من وعد بالشراء من العميل، ووعد من المصرف بالبيع بطريق المرابحة، مع الالتزام بالوعد (٦)،

стр. 201

فهذه معاملة مركبة باعتبار الالتزام الموجود في هذه المعاملة (١)، وهي هندسة مالية، أما إذا كانت على "صيغة الوعد غير الملزم، فهي معاملة ذات علاقات متعددة، إلا أنها لا تدخل في أحكام العقود المالية المركبة" (٢)، ومع ذلك فهي هندسة مالية، فالهندسة المالية أعم من العقود المالية المركبة. ومن العقود التي تمت هندستها عن طريق تركيب العقود المالية الإجارة المنتهية بالتمليك؛ فهي عبارة عن هندسة مالية اجتمع فيها عقد إجارة، وعقد بيع معلق بسداد الثمن، إلا أن هذا الاجتماع أدى إلى تضاد في الموجبات والآثار، مما دعا إلى هندسة مالية أخرى بفصل العقدين (٣)؛ " ليستقل كل واحد منهما عن الآخر، زمانًا بحيث يكون إبرام عقد البيع بعد عقد الإجارة، أو وجود وعد بالتمليك في نهاية مدة الإجارة" (٤)؛ لذلك ينبغي على المهندس المالي أن يراعي ضوابط تركيب العقود؛ لأن لاجتماع العقود المالية تأثيرًا لا يكون حالة الانفراد، قال الشاطبي: "إن الاستقراء من الشرع عَرّف أن للاجتماع تأثيرًا في أحكام لا تكون حالة الانفراد … فقد نهى ﵊: عن بيع وسلف (٥)، وكل منهما لو انفرد لجاز" (٦).

стр. 202

الفصل الرابع: ضوابط الهندسة المالية الإسلامية وفيه مبحثان: المبحث الأول: الضوابط الخاصة بالمهندس المالي. المبحث الثاني: الضوابط الخاصة بالهندسة المالية الإسلامية.

стр. 203

تُحقق الهندسة المالية الإسلامية غايةً شرعيةً نبيلةً، ونجاحها يشد من أزر المصارف الإسلامية ويساعدها على مواصلة مسيرتها، وهي من الوسائل المعينة على التعريف بالإسلام، وجذب غير المسلمين إليه، إلا أنه مما يخشى منه استجابتها لضغط الواقع المخالف للشرع، ورغبتها في الحصول على الربح من أيسر الطرق، مع قوة المنافسة من البنوك التقليدية؛ فتنزلق بالهندسة المالية إلى منحدر المخالفات الشرعية التي يفقدها مصداقيتها، ويسلبها السند الأقوى الذي يكسبها رضا الله أولًا، ثم رضا المتعاملين معها (١)، والذي يحمي المصارف الإسلامية من ذلك هو الالتزام بالضوابط الشرعية للهندسة المالية الإسلامية. وللهندسة المالية الإسلامية ضوابط تخص المهندس المالي، وضوابط تخص الهندسة المالية الإسلامية، وفي المبحثين التاليين بيان ذلك.

стр. 204

المبحث الأول: الضوابط الخاصة بالمهندس المالي. طالبَ أحد الباحثين في الهندسة المالية الإسلامية أن يكون المهندس المالي ملمًا بالعلوم المالية، إضافة إلى العلوم الشرعية (١)، ولاشك أن هذا يعد من أهم الضوابط للهندسة المالية الإسلامية، وهو وجود المؤهلات العلمية عند المهندس المالي خاصة العلوم الشرعية، والتي ذكرها علماؤنا بالتفصيل عند تناولهم لشروط المجتهد من علم بالكتاب والسنة، وأصول الفقه، واللغة العربية، والمجمع عليه والمختلف فيه، وغيرها (٢)، أو كما قال الشيخ عبدالله بن بيه: "إن مهندس هذه العملية الذي يقرر النتيجة يجب أن يكون مرتاضًا في الشريعة، بصيرًا بالمصالح المعتبرة فيها، متمرسًا بتوازنات منظوماتها. وقد آثرنا مصطلح الارتياض على مصطلح الاجتهاد؛ لئلا نصطدم بشروط الاجتهاد الصعبة التحصيل" (٣)، إلا أن الواقع يشهد أن معظم الكوادر البشرية العاملة في المصارف الإسلامية وافدة إليها من البنوك التقليدية فهم لا يملكون المؤهلات العلمية، ويجهلون طبيعة العمل في المصارف الإسلامية (٤)؛ لذا لابد أن تتوفر في المهندس المالي-على الأقل- صفتان؛ وهما: الخبرة بالعمل المصرفي والشؤون المصرفية، والعلم بالسوق وحاجاته، وبيانهما في المطلبين التاليين.

стр. 205

المطلب الأول: الخبرة بالعمل المصرفي، والشؤون المصرفية من أهم الصفات التي ينبغي للمهندس المالي أن يمتلكها الخبرة بالعمل المصرفي، والشؤون المصرفية؛ فهناك فرق بين المعرفة النظرية، والممارسة التطبيقية للشيء، فـ"الممارسة للشيء يفيد قوة عليه لا محالة" (١)، وقد بين الله تعالى أهمية المعلومة التي تأتي من الخبير بالشيء؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٣). وقد رد النبي ﷺ العلم بتأبير النخل إلى أهل الخبرة، فقال ﷺ : «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» رواه مسلم (٤). وقال نبينا يوسف ﵇ للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٥). فأشار إلى مؤهلاته الخاصة التي ترشحه لهذه الولاية؛ ومنها العلم؛ والمراد به هنا: الخبرة في ذلك، والكفاية فيه (٦)؛ فالأمر الذي يريد أن يتولاه"في حاجة إلى الخبرة وحسن التصرف والعلم بكافة فروعه الضرورية" (٧)، وفي مسائل كثيرة يُرجع العلماء الحُكم فيها إلى أهل الخبرة (٨)، ومن ذلك قول ابن القيم: "وقول القائل: إن هذا غرر ومجهول، فهذا ليس حظ الفقيه، ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة

стр. 206

بذلك" (١). فقول الخبير أولى بالقبول؛ لأنه أعلم ببواطن الأمور (٢). فالهندسة المالية الإسلامية لا يمكن نجاحها إلا بالمهندس المالي الأمين الخبير "العارف بأحوال الاقتصاد، ودقائقه، وصوره، ومآلاته، ودوافعه، وسائر متعلقاته" (٣)، والعارف بالأزمات الاقتصادية، وأسبابها، وحلولها، وبالتجارب الناجحة، أو الفاشلة، والنظريات المتنوعة، فكل ذلك يعود بفائدة كبرى على المهندس المالي، وعلى الحلول التي يقدمها (٤)، والمهندس المالي في المصارف الإسلامية لكي يحصل على هذه الخبرة يحتاج من المصرف القيام على عمل دورات تدريبية تنمي مهاراته، وتطور خبراته؛ كي يؤدي عمله على أفضل مستوى (٥). المطلب الثاني: العلم بالسوق وحاجاته من الأهداف التي تحققها الهندسة المالية الإسلامية تلبية الاحتياجات المختلفة للمستفيدين، وعلى هذا يلزم "أن تكون الحاجات التي يتطلبها السوق معروفة لمن يقوم بالابتكار والتطوير للأدوات والأوراق المالية" (٦)، بالإضافة إلى معرفة كل ما يؤثر على عمله؛ كالمعلومات عن تقلبات أسعار الأسهم، والعملات، وأحوال الاقتصاد، وتوجهات السوق، والتشريعات والقوانين الجديدة (٧).

стр. 207

والمهندس المالي بعدما يمتلك هاتين الصفتين له أن يقوم بالهندسة المالية، وهذا لا يكفي لاعتماد هذه الهندسة المالية، بل لابد من التأكد من المصداقية الشرعية لما تمت هندسته، وهذا لا يتم إلا بعرض ما قام به على أهل الاجتهاد، إن لم يكن من المجتهدين؛ كالمجامع الفقهية، والهيئات الشرعية التي لا تأثير للمصارف على أحكامها الفقهية، فالحكم يحتاج إلى نوعين من الفهم، كما يقول ابن القيم: فهم الواقع، وفهم الواجب في الواقع (١). والذي يقوم به المهندس المالي هو النوع الأول، والنوع الثاني يقوم به الفقيه المجتهد، فـ"كل واحد منهما فيما يقيم من العمل يكون معينًا لغيره فيما هو قربة وطاعة" (٢)، وباجتماعهما يجتمع فهم الواقع، مع فهم الواجب في الواقع، ويُتوصل بإذن الله إلى الحكم الصحيح.

стр. 208

المبحث الثاني: الضوابط الخاصة بالهندسة المالية الإسلامية أما الضوابط التي تخص الهندسة المالية الإسلامية، فهي عدم مخالفة الهندسة المالية للشرع، وسلامتها من العيوب الشكلية للعقود، وفي المطلبين التاليين بيان ذلك. المطلب الأول: عدم مخالفة الهندسة المالية الإسلامية للشرع من أهم الضوابط للهندسة المالية الإسلامية ألا تخالف الهندسة المالية الإسلامية الشرع، فمخالفتها له يخرجها من كونها هندسة مالية إسلامية إلى هندسة مالية تقليدية؛ فأبرز الفروق بين الهندسة المالية الإسلامية والهندسة المالية التقليدية مخالفة التقليدية للشرع الحنيف؛ ولكي تبقى الهندسة المالية الإسلامية موافقة للشرع يلزم مراعاة الفروع التالية. الفرع الأول: عدم المخالفة للنص الشرعي إذا ورد في الشرع نصوص تنهى عن معاملة معينة، فيجب على المهندس المالي ألا يقترب منها؛ ومما ورد النهي عنه مما له تعلق بالهندسة المالية: النهي عن الربا، وعن الغرر، وعن بيعتين في بيعة، وبيانها في المسائل التالية. المسألة الأولى: عدم الوقوع في الربا الربا في اللغة: الزيادة، والنمو، والعلو (١)؛ قال ابن فارس: "الراء، والباء، والحرف المعتل، وكذلك المهموز منه يدل على أصل واحد؛ وهو: الزيادة، والنماء، والعلو" (٢). والربا في الاصطلاح: "التفاضل في مبادلة كل ربوي بجنسه، وتأخير القبض مما يجب فيه القبض" (٣).

стр. 209

وقد جاءت نصوص كثيرة في الشريعة تنهى عن الربا، وتحذر من التعامل به؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ» رواه مسلم (٣). وعن أبِي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا» رواه مسلم (٤). والربا الذي جاءت النصوص بالنهي عنه نوعان: ربا النساء، وربا الفضل (٥)، فلفظ الربا "يتناول كل ما نهي عنه من ربا النساء، وربا الفضل، والقرض الذي يجر منفعة، وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله" (٦)؛ ومن أمثلة التعامل بالربا في البنوك، الفوائد على القرض سواء في بداية العقد، أو عند حلول الأجل، وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي، بشأن حكم التعامل المصرفي بالفوائد، وحكم التعامل بالمصارف الإسلامية: "أن كل زيادة أو فائدة على الدين الذي حل أجله وعجز عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة (أو الفائدة) على القرض منذ بداية العقد: هاتان الصورتان ربا محرم شرعًا" (٧)، وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي، بشأن بيع

стр. 210

التقسيط: "إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين، بشرط سابق، أو بدون شرط؛ لأن ذلك ربا محرم" (١). المسألة الثانية: عدم الوقوع في الغرر الغرر في اللغة: الخطر (٢)، وهو الذي لا يُدري أيكون أم لا (٣)، وغرر بنفسه وماله تغريرًا وتغرة: عرضهما للهلكة (٤). والغرر في الاصطلاح: "ما يكون مستور العاقبة" (٥)، أو"هو المجهول العاقبة" (٦)، وكلاهما بنفس المعنى، وإن اختلفت ألفاظهما قليلًا (٧). وقد وردت نصوص من السنة تنهى عن الغرر؛ إما نهيًا عامًا؛ كما جاء عن أبي هريرة ﵁، قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» رواه مسلم (٨). أو نهيًا عن معاملات خاصة لما فيها من الغرر؛ كما جاء عن عبدالله بن عمر ﵄: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، «نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ». وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها" متفق عليه (٩)، وجاء عن أبي سعيد

стр. 211

الخدري ﵁، قال: «نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَلِبْسَتَيْنِ، نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ»، والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار، ولا يقلبه إلا بذلك، والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، وينبذ الآخر إليه ثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظرٍ ولا تراضٍ" متفق عليه (١). قال النووي: " أما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ولهذا قدمه مسلم ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه وما لم يتم ملك البائع عليه … " (٢). والغرر المنهي عنه يعود إلى أمرين: الأمر الأول: الجهل بأحد عوضي البيع (٣)؛ ويدخل فيه الجهل بذات المحل مثل بيع شاة من قطيع (٤)، والجهل بجنس المحل مثل بيع المرء ما في كمه (٥)، والجهل بنوع المحل مثل بيع حيوان لم يتبين هل هو بعير أو شاة (٦)، والجهل بصفة المحل مثل بيع الحَمِل (٧)، والجهل بمقدار المحل مثل بيع اللبن في الضرع (٨).

стр. 212

الأمر الثاني: الشك في حصول أحد عوضي البيع (١)؛ ويدخل فيه الجهل بالأجل مثل بيع حبل الحبلة (٢)، وعدم القدرة على تسليم المحل مثل بيع السمك في الماء (٣)، وبيع المعدوم مثل بيع الثمار قبل بدو صلاحها (٤). والأصل أن بيع الغرر باطل (٥)، إلا أنه لا يمكن إبطال كل غرر؛ لأن ذلك يؤدي إلى إغلاق باب البيع (٦)، فلا يكاد يخلو عقد من الغرر (٧)، والغرر مكمل للبيع، وشرط كل تكملة "أن لا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال" (٨)؛ لذا استثنى العلماء من الغرر الممنوع أمورًا، وهي: الأمر الأول: أن يكون الغرر في غير عقود المعاوضات المالية؛ فالحديث جاء في النهي عن بيع الغرر؛ لما فيه من أكل المال بالباطل، ولما يحدثه من مشاحنات وخصومات (٩)، وألحق العلماء جميع عقود المعاوضات بالبيع (١٠)؛ لتحقق المعنى الذي من أجله منع الغرر

стр. 213

في البيع فيها (١)، وقد ذكر القرافي أن الغرر"ممنوع إجماعًا في عقود المعاوضات" (٢)، أما العقود الأخرى فلا يتحقق المعنى الذي من أجله منع الغرر في البيع فيها؛ لذا فالغرر الذي فيها غير مؤثر؛ لعدم وجود دليل على المنع (٣). الأمر الثاني: أن يكون الغرر تابعًا (٤)؛ فإنه"يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا" (٥)، قال ابن قدامة: "ويجوز في التابع من الغرر ما لا يجوز في المتبوع" (٦). وقال النووي: " أجمع المسلمون على جواز بيع حيوان في ضرعه لبن وإن كان اللبن مجهولًا؛ لأنه تابع" (٧). فالغرر التابع غير المقصود في العقد مستثنى من الغرر الممنوع. الأمر الثالث: أن يكون الغرر يسيرًا؛ وقد أجمع العلماء على أن يسير الغرر لا يؤثر (٨)، وقد وضع بعض علماء المالكية ضابطًا للغرر الكثير المؤثر؛ وهو ما غلب على العقد حتى صار يوصف به (٩)، إلا أن العلماء اختلفوا في مسائل، فبعضهم يرى الغرر الذي فيها

стр. 214

مؤثرًا، وبعضهم يراه غير مؤثر (١)؛ قال الباجي (٢): "وإنما يختلف العلماء في فساد أعيان العقود؛ لاختلافهم فيما فيه من الغرر، وهل هو من حيز الكثير الذي يمنع الصحة، أو من حيز القليل الذي لا يمنعها؟ " (٣). فعلى هذا أصبح الغرر ثلاثة أقسام كما يقول القرافي"كثير ممتنع إجماعًا … وقليل جائز إجماعًا … ومتوسط اختلف فيه هل يلحق بالأول أو الثاني؟ فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير، ولانحطاطه عن الكثير ألحق بالقليل" (٤). فموضع الخلاف و الإشكال هو الغرر المتوسط (٥)، قال الدكتور الصديق الضرير: "إن وضع ضابط محدد للغرر الكثير، والغرر اليسير في وقت واحد أمر غير ميسور؛ لأننا مهما فعلنا فسنجد أنفسنا قد حددنا الطرفين، وتركنا الوسط من غير تحديد مما يؤدي إلى الاختلاف" (٦)؛ ولحل هذا الإشكال رأى الدكتور الصديق الضرير سلوك أحد مسلكين: المسلك الأول: أن تترك معايير الغرر الكثير، والمتوسط، واليسير، مرنة تُفسر حسب الظروف، والأحوال، واختلاف العصور، والأنظار (٧).

стр. 215

المسلك الثاني: أن يوضع ضابط للغرر الكثير وحده؛ فيكون هو المؤثر، وكل ما عداه فلا تأثير له، وخير ضابط على ما يرى الدكتور هو الضابط السابق الذي وضعه بعض المالكية؛ وهو ما غلب على العقد حتى صار يوصف به (١). ويناقش هذا الرأي بأن المسلك الأول سيكون سببًا في زيادة الاختلاف بين الناس، فبينما كان خلاف العلماء السابقين على صور من الغرر، وهو الغرر المتوسط، سيكون خلافهم على الغرر الكثير، والغرر المتوسط، والغرر القليل؛ لعدم وجود ضابط بسبب اختلاف الظروف، والأحوال، والعصور، والأنظار. أما المسلك الثاني فسيؤدي للنتيجة نفسها التي خرجت للعلماء السابقين؛ فالعلماء وضعوا هذا الضابط ليفرقوا بين الغرر المؤثر، والغرر غير المؤثر؛ قال ابن رشد في سياق حديثه عن حكم بعض الزروع التي فيها غرر: "هل هو من الغرر المؤثر في البيوع أم ليس من المؤثر؟ وذلك أنهم اتفقوا أن الغرر ينقسم بهذين القسمين" (٢). ومع ذلك خرجت لهم صور فيها غرر كثير، فبعضهم رأى أنه يغلب على العقد حتى يوصف به فيكون غررًا مؤثرًا، وبعضهم رأى أنه لا يغلب على العقد فيكون غررًا غير مؤثرٍ، فاختلفوا فيه فصار الغرر ثلاثة أقسام، كما يقول القرافي: الغرر الكثير، والغرر القليل، والغرر المتوسط المتردد بينهما، وعلى هذا المسلك الذي رآه الدكتور الضرير سيكون الغرر نفس هذه الأقسام، ويبقى الإشكال قائمًا. واختار الدكتور سامي السويلم ضابطًا للغرر، وهو: أن المعاوضة إذا ترددت نتيجتها بين حالتين: نتيجة صفرية يربح فيها أحد الطرفين على حساب الآخر، ونتيجة إيجابية
следующие страницы →