← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1111

فقه الهندسة المالية الإسلامية

مرضي العنزي

Полный текст (444 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الخدري ﵁، قال: «نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَلِبْسَتَيْنِ، نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ»، والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار، ولا يقلبه إلا بذلك، والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، وينبذ الآخر إليه ثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظرٍ ولا تراضٍ" متفق عليه (١). قال النووي: " أما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ولهذا قدمه مسلم ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه وما لم يتم ملك البائع عليه … " (٢). والغرر المنهي عنه يعود إلى أمرين: الأمر الأول: الجهل بأحد عوضي البيع (٣)؛ ويدخل فيه الجهل بذات المحل مثل بيع شاة من قطيع (٤)، والجهل بجنس المحل مثل بيع المرء ما في كمه (٥)، والجهل بنوع المحل مثل بيع حيوان لم يتبين هل هو بعير أو شاة (٦)، والجهل بصفة المحل مثل بيع الحَمِل (٧)، والجهل بمقدار المحل مثل بيع اللبن في الضرع (٨).

стр. 212

الأمر الثاني: الشك في حصول أحد عوضي البيع (١)؛ ويدخل فيه الجهل بالأجل مثل بيع حبل الحبلة (٢)، وعدم القدرة على تسليم المحل مثل بيع السمك في الماء (٣)، وبيع المعدوم مثل بيع الثمار قبل بدو صلاحها (٤). والأصل أن بيع الغرر باطل (٥)، إلا أنه لا يمكن إبطال كل غرر؛ لأن ذلك يؤدي إلى إغلاق باب البيع (٦)، فلا يكاد يخلو عقد من الغرر (٧)، والغرر مكمل للبيع، وشرط كل تكملة "أن لا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال" (٨)؛ لذا استثنى العلماء من الغرر الممنوع أمورًا، وهي: الأمر الأول: أن يكون الغرر في غير عقود المعاوضات المالية؛ فالحديث جاء في النهي عن بيع الغرر؛ لما فيه من أكل المال بالباطل، ولما يحدثه من مشاحنات وخصومات (٩)، وألحق العلماء جميع عقود المعاوضات بالبيع (١٠)؛ لتحقق المعنى الذي من أجله منع الغرر

стр. 213

في البيع فيها (١)، وقد ذكر القرافي أن الغرر"ممنوع إجماعًا في عقود المعاوضات" (٢)، أما العقود الأخرى فلا يتحقق المعنى الذي من أجله منع الغرر في البيع فيها؛ لذا فالغرر الذي فيها غير مؤثر؛ لعدم وجود دليل على المنع (٣). الأمر الثاني: أن يكون الغرر تابعًا (٤)؛ فإنه"يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا" (٥)، قال ابن قدامة: "ويجوز في التابع من الغرر ما لا يجوز في المتبوع" (٦). وقال النووي: " أجمع المسلمون على جواز بيع حيوان في ضرعه لبن وإن كان اللبن مجهولًا؛ لأنه تابع" (٧). فالغرر التابع غير المقصود في العقد مستثنى من الغرر الممنوع. الأمر الثالث: أن يكون الغرر يسيرًا؛ وقد أجمع العلماء على أن يسير الغرر لا يؤثر (٨)، وقد وضع بعض علماء المالكية ضابطًا للغرر الكثير المؤثر؛ وهو ما غلب على العقد حتى صار يوصف به (٩)، إلا أن العلماء اختلفوا في مسائل، فبعضهم يرى الغرر الذي فيها

стр. 214

مؤثرًا، وبعضهم يراه غير مؤثر (١)؛ قال الباجي (٢): "وإنما يختلف العلماء في فساد أعيان العقود؛ لاختلافهم فيما فيه من الغرر، وهل هو من حيز الكثير الذي يمنع الصحة، أو من حيز القليل الذي لا يمنعها؟ " (٣). فعلى هذا أصبح الغرر ثلاثة أقسام كما يقول القرافي"كثير ممتنع إجماعًا … وقليل جائز إجماعًا … ومتوسط اختلف فيه هل يلحق بالأول أو الثاني؟ فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير، ولانحطاطه عن الكثير ألحق بالقليل" (٤). فموضع الخلاف و الإشكال هو الغرر المتوسط (٥)، قال الدكتور الصديق الضرير: "إن وضع ضابط محدد للغرر الكثير، والغرر اليسير في وقت واحد أمر غير ميسور؛ لأننا مهما فعلنا فسنجد أنفسنا قد حددنا الطرفين، وتركنا الوسط من غير تحديد مما يؤدي إلى الاختلاف" (٦)؛ ولحل هذا الإشكال رأى الدكتور الصديق الضرير سلوك أحد مسلكين: المسلك الأول: أن تترك معايير الغرر الكثير، والمتوسط، واليسير، مرنة تُفسر حسب الظروف، والأحوال، واختلاف العصور، والأنظار (٧).

стр. 215

المسلك الثاني: أن يوضع ضابط للغرر الكثير وحده؛ فيكون هو المؤثر، وكل ما عداه فلا تأثير له، وخير ضابط على ما يرى الدكتور هو الضابط السابق الذي وضعه بعض المالكية؛ وهو ما غلب على العقد حتى صار يوصف به (١). ويناقش هذا الرأي بأن المسلك الأول سيكون سببًا في زيادة الاختلاف بين الناس، فبينما كان خلاف العلماء السابقين على صور من الغرر، وهو الغرر المتوسط، سيكون خلافهم على الغرر الكثير، والغرر المتوسط، والغرر القليل؛ لعدم وجود ضابط بسبب اختلاف الظروف، والأحوال، والعصور، والأنظار. أما المسلك الثاني فسيؤدي للنتيجة نفسها التي خرجت للعلماء السابقين؛ فالعلماء وضعوا هذا الضابط ليفرقوا بين الغرر المؤثر، والغرر غير المؤثر؛ قال ابن رشد في سياق حديثه عن حكم بعض الزروع التي فيها غرر: "هل هو من الغرر المؤثر في البيوع أم ليس من المؤثر؟ وذلك أنهم اتفقوا أن الغرر ينقسم بهذين القسمين" (٢). ومع ذلك خرجت لهم صور فيها غرر كثير، فبعضهم رأى أنه يغلب على العقد حتى يوصف به فيكون غررًا مؤثرًا، وبعضهم رأى أنه لا يغلب على العقد فيكون غررًا غير مؤثرٍ، فاختلفوا فيه فصار الغرر ثلاثة أقسام، كما يقول القرافي: الغرر الكثير، والغرر القليل، والغرر المتوسط المتردد بينهما، وعلى هذا المسلك الذي رآه الدكتور الضرير سيكون الغرر نفس هذه الأقسام، ويبقى الإشكال قائمًا. واختار الدكتور سامي السويلم ضابطًا للغرر، وهو: أن المعاوضة إذا ترددت نتيجتها بين حالتين: نتيجة صفرية يربح فيها أحد الطرفين على حساب الآخر، ونتيجة إيجابية

стр. 216

ينتفع فيها كلا طرفي العقد، فإن العبرة في الحكم على العقد تتبع النتيجة الأرجح احتمالًا التي يقصدها الطرفان، فإن كانت النتيجة الإيجابية هي الأرجح، وهي مقصود الطرفين، كانت المعاملة جائزة، واحتمال النتيجة الصفرية من الغرر اليسير، وإن كانت احتمال النتيجة الصفرية هي الأرجح، فهذا غرر فاحش، فيكون العقد ممنوعًا (١). ويناقش هذا الرأي بما نوقش به الرأي السابق، وأنه ستخرج لنا عقود يكون الاحتمال فيها غير مترجح لأحد الطرفين، وستُحدث اختلافًا بين العلماء، ويكون عندنا ثلاثة أقسام: نتيجة إيجابية جائزة، ونتيجة صفرية ممنوعة، ونتيجة مترددة بينهما محل اختلاف بين العلماء. مع أن هناك بيوعًا منهيًا عنها في الشريعة للغرر واحتمال النتيجة الإيجابية أرجح من احتمال النتيجة الصفرية، مثل بيع الثمار قبل بدو صلاحها، فالأرجح أن الثمار تصلح، وينتفع الطرفان من البيع، وهناك معاملات جائزة في الشريعة مع أن احتمال النتيجة الصفرية أرجح من احتمال النتيجة الإيجابية مثل الجعالة، فضبط الغرر بالأرجح من النتيجة الإيجابية، أو النتيجة الصفرية يسبب اختلافًا أكثر من الضابط السابق. واختار الدكتور عبدالله السكاكر ضابطًا آخر للغرر: وهو أن يُضبط الغرر الممنوع أو المؤثر بكثرة الخصومات، يقول الدكتور: "إن كثرة الخصومات في عقد من العقود يمكن أن تكون علامة على أن الغرر الموجود فيه غير متسامح فيه شرعًا، فإن المتأمل في بيع الثمار قبل بدو صلاحها، والمزارعة على نتاج أشياء معينة من الزرع والشجر، يدرك أن الشارع لم ينه عنها حتى كثرت الخصومات بسببها" (٢).

стр. 217

ويناقش هذا الاختيار بأن الخصومات لا تنضبط، فقد تكثر الخصومات في عقد مباح، وتقل في عقد محرم إذا سبقه شرط واتفاق، ثم كم عدد الخصومات التي إذا حدثت يمكن أن يُعلم أن الغرر الموجود في العقد غير متسامح فيه؟، وإذا نزلت نازلة جديدة وفيها غرر هل نقول بجوازها ثم ننتظر حتى تحصل الخصومات؟ وكم المدة التي ينبغي أن ننتظرها حتى نعرف هل الخصومات قليلة أو كثيرة؟. ولو سلمنا أن كثرة الخصومة علامة على أن الغرر الموجود في العقد كثير وغير متسامح فيه، فهل يسلم أن عدم الخصومة أو قلتها دلالة على أن الغرر الموجود في العقد قليل أو متسامح فيه؟! فكثرة الخصومة لا تصلح ضابطًا للتفريق بين الغرر المتسامح فيه، والغرر غير المتسامح فيه. واختار الدكتور رفيق المصري أن ضابط الغرر الممنوع هو ما لا يمكن الاحتراز منه، أو ما لا يمكن اجتنابه (١)، وعلى هذا الرأي يقول الدكتور: "لم نعد بحاجة إلى عبارة غرر كثير أو فاحش، يسير أو قليل؛ لأننا استبدلنا بها عبارة: غرر يمكن اجتنابه، وغرر لا يمكن اجتنابه" (٢). وفي مكان آخر أضاف الدكتور إلى الضابط السابق أن تكون هناك حاجة للغرر، فيقول: "ضابط الغرر المحرم هو الغرر الذي لا يمكن

стр. 218

اجتنابه مع الحاجة إليه، أو لا يمكن اجتنابه إلا بمشقة، أي هو الغرر الذي يتعذر أو يتعسر اجتنابه" (١). وأول من انتقد هذا الاختيار الدكتور رفيق المصري نفسه؛ حيث قال: "لكن قد تنشأ مشكلة جديدة في مقابل المشكلة القديمة؛ إذ ننتقل من مشكلة البحث عن ضابط للكثرة والقلة إلى ضابط للعسر واليسر" (٢). فنعود للنتيجة الأولى، وهو أن الغرر ينقسم ثلاثة أقسام: غرر يمكن اجتنابه، وغرر لا يمكن اجتنابه، وغرر متردد بينهما. والدكتور بهذا الضابط جعل الغرر اليسير بحكم الغرر الكثير، فلا يجوز إلا إذا دعت له الحاجة، ولم يمكن التحرز منه، مع أن العلماء فرقوا بين الغرر الكثير، والغرر اليسير؛ فالغرر الكثير هو الذي تجيزه الحاجة مع عدم إمكان التحرز منه إلا بمشقة، أما الغرر اليسير فيجوز وإن لم تدع له حاجة، أو أمكن التحرز منه؛ قال ابن رشد: "وذلك أنهم اتفقوا أن الغرر ينقسم بهذين القسمين-أي المؤثر، وغير المؤثر-، وأن غير المؤثر هو اليسير، أو الذي تدعو إليه الضرورة، أو ما جمع الأمرين" (٣)، والمقصود بالضرورة هنا الحاجة (٤). قال النووي: "إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، أو كان الغرر حقيرًا، جاز البيع، وإلا فلا" (٥).

стр. 219

قال ابن تيمية: "وما يظن أن هذا نوع غرر فمثله جائز في غيره من البيوع؛ لأنه يسير، والحاجة داعية إليه، وكل واحد من هذين يبيح ذلك، فكيف إذا اجتمعا؟ " (١). فهذه النصوص تبين أن الغرر اليسير معفو عنه، سواء أمكن التحرز منه أو لا، دعت له الحاجة أو لا، وقد سبق نقل إجماع العلماء على أن الغرر اليسير معفو عنه دون أن يضعوا له شروطًا (٢). وبعد، فلن يكون هناك ضابط يحسم الخلاف بين العلماء، فالعبادات مع كثرة النصوص من القرآن والسنة، والقواعد والضوابط الفقهية فيها، إلا أن الخلاف في مسائلها كثير، وخير ضابط يمكن وضعه هو الذي يقلل من الخلاف قدر الإمكان، والضابط الذي يقلل الخلاف هنا هو وضع ضابط للغرر اليسير، فيكون هو الغرر غير المؤثر، وما عداه غرر مؤثر؛ فالأصل في الغرر أنه محرم وممنوع، وأن اليسير منه معفو عنه، فوضع ضابط للغرر اليسير ثم يكون الباقي على الأصل وهو المنع، يقلل من الخلاف؛ لأن الاستثناء قليل، وضبطه أسهل من ضبط الكثير، فعندما سأل رجل النبي ﷺ عن ما يلبس المحرم ذكر له الممنوعات وهي قليلة (٣) وترك الباقي على الأصل، فضبط القليل أسهل.

стр. 220

والعلماء لما تكلموا عن الغرر اليسير ذكروا أنه ما يتسامح فيه الناس (١)، والمتسامح فيه هو ما يقيد به المذهب الحنبلي اللقطة الجائز التقاطها دون تعريف: "بما لا تتبعه همة أوساط الناس" (٢)؛ فالشريعة لما أجازت أخذ اللقطة التي لا تتبعها همة أوساط الناس دون تعريف دل ذلك على أن هذا هو القدر المتسامح فيه، والخلاف في تقدير ما لا تتبعه همة أوساط الناس قليل بين العلماء، فيصلح أن يكون ضابط الغرر اليسير المعفو عنه هو: ما لا تتبعه همة أوساط الناس، وما عداه يبقى على أصل المنع، "فإن شك في كونه يسيرًا فالأقرب المنع" (٣) إبقاءً على الأصل، إلا أن يكون ثمة حاجة للغرر، ولا يمكن التحرز منه. الأمر الرابع: أن تدعو إليه الحاجة، ولا يمكن التحرز منه إلا بمشقة (٤)؛ فإذا كانت هناك حاجة للغرر، ولا يمكن التحرز منه إلا بمشقة، فإنه يجوز في هذه الحالة، فتحريم الغرر أخف من تحريم الربا؛ لذا يجوز الغرر للحاجة، ولا يجوز الربا إلا للضرورة، قال ابن تيمية: "ومفسدة الغرر أقل من الربا، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضررًا من ضرر كونه غررًا" (٥). وقال: "والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر؛ بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك" (٦). وقال ابن رشد في وصف الغرر غير المؤثر: " وأن غير المؤثر هو اليسير، أو الذي تدعو إليه الضرورة، أو ما

стр. 221

جمع الأمرين" (١). والمقصود بالضرورة هنا الحاجة كما سبق بيانه، وقد منع ابن قدامة صحة عقد فيه غرر لعدم الحاجة لهذا الغرر (٢)، ومنع صحة عقد آخر لأن الغرر الذي فيه يمكن التحرز منه (٣)، وقال النووي: " فأما ما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار … ونحو ذلك فهذا يصح بيعه بالإجماع … قال العلماء مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه، وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة أو كان الغرر حقيرًا، جاز البيع، وإلا فلا" (٤). والحاجة هي التي يفتقر إليها من "حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين- على الجملة- الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة" (٥). ويشترط للحاجة أن تكون متعينة، وأن تقدر بقدرها (٦)، فإذا "لم يجدوا إلى طلب الحلال سبيلًا، فلهم أن يأخذوا منه-أي الحرام- قدر الحاجة" (٧). وقد قرر الجويني قاعدة؛ وهي: أن"الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة" (٨)، ثم ذكرها كثير من المؤلفين بعده، ويتم الاستدلال بها كثيرًا في النوازل المعاصرة، خاصة في نوازل المعاملات المالية، وقبل الاستدلال بها نحتاج إلى مراعاة الأمور التالية:

стр. 222

الأمر الأول: أن الجويني قسم الضرورات ثلاثة أقسام: قسم: لا يستباح إلا بالضرورة لفحشه أو بعده عن الحل، فيرعى الشرع فيه تحقق وقوع الضرورة، ولا يكتفي بتصورها في الجنس، بل يعتبر تحققها في كل شخص؛ كأكل الميتة وطعام الغير (١)، وقسم: "يتناهى قبحه في مورد الشرع، فلا تبيحه الضرورة أيضًا، بل يوجب الشرع الانقياد للتهلكة والانكفاف عنه؛ كالقتل والزنا في حق المجبر عليهما" (٢)، والقسم الثالث: ما يرتبط في أصله بالضرورة، ولكن لا ينظر الشرع في الآحاد والأشخاص وهذا كالبيع وما في معناه، فليس البيع قبيحا في نفسه عرفًا أو شرعًا (٣)، فالضرورة عند الجويني على هذا التقسيم هي كل ما أباح المحرم، والحاجة تنزل منزلة الضرورة في إباحة المحرم القريب من الحل، أو غير القبيح على اصطلاحه، أما ما كان بعيدًا عن الحل أو كان فاحشًا، فالحاجة لا تجيزة، وأما القسم الثاني فلا تبيحه الضرورة، والحاجة من باب أولى، فالحاجة تنزل منزلة الضرورة في قسم من أقسامها فقط، ولا تنزل منزلتها مطلقًا. الأمر الثاني: أن هناك اختلافًا وتداخلًا في مصطلح الحاجة والضرورة، وقد تطور مفهوم الحاجة والضرورة من عصر الجويني إلى العصور التي بعده مما أدى إلى تطبيق القاعدة في غير محلها؛ فالحاجة عند الجويني: "لفظة مبهمة لا يضبط فيها قول … وليس من الممكن أن نأتي بعبارة عن الحاجة نضبطها ضبط التخصيص والتمييز حتى تتميز تميز المسميات والمتلقبات بذكر أسمائها وألقابها، ولكن أقصى الإمكان في ذلك من البيان تقريب وحسن ترتيب" (٤). وأقصى الإمكان في بيان الحاجة عند الجويني؛ أنه ليس

стр. 223

مشروطًا فيها الضرورة وخروج الروح، ولا يعني بها تشوف الناس إلى الطعام، وتشوقها إليه، فالحاجة إذًا بين ذلك (١)، وكل ما بين ذلك مما هو قريب من الضرورة وخروج الروح، أو بعيد عنها إلى درجة التشوف والتشوق فهو داخل في مفهوم الحاجة عند الجويني، ولكن ما الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة عنده؟ الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة عند الجويني هي التي يترتب عليها ضرر، والتي إذا صبر الناس كافة عليها وقعوا في الضرورة (٢)، ومن نصوصه التي تبين ذلك: " الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة، في حق الواحد المضطر، فإن الواحد المضطر لو صابر ضرورته، ولم يتعاط الميتة، لهلك، ولو صابر الناس حاجاتهم، وتعدوها إلى الضرورة، لهلك الناس قاطبة، ففي تعدي الكافة الحاجة من خوف الهلاك، ما في تعدي الضرورة في حق الآحاد" (٣). ومنها: "فالمرعي إذًا دفع الضرار، واستمرار الناس على ما يقيم قواهم" (٤). ومنها: "فإنا اعتمدنا الضرار وتوقعه" (٥). ومنها: "فليعتبر فيها درء الضرار بها" (٦). ومنها: "ويتحصل من مجموع ما نفينا وأثبتنا أن الناس يأخذون ما لو تركوه لتضرروا في الحال أو في المآل،

стр. 224

والضرار الذي ذكرناه في أدراج الكلام عنينا به ما يتوقع منه فساد البنية، أو ضعف يصد عن التصرف والتقلب في أمور المعاش" (١)، ثم اشترط الجويني لتنزيل الحاجة منزلة الضرورة في إباحة المحرم أن يكون الحرام أطبق الزمان وأهله، فقال: "إن جميع ما ذكرناه فيه إذا عمت المحرمات، وانحسمت الطرق إلى الحلال" (٢). وقد ذكر في بداية تقريره لهذه القاعدة: "أن الحرام إذا طبق الزمان وأهله، ولم يجدوا إلى طلب الحلال سبيلًا، فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة، ولا تشترط الضرورة التي نرعاها في إحلال الميتة في حقوق آحاد الناس" (٣). فالحاجة التي ذكر الجويني أنها تنزل منزلة الضرورة هي ما يترتب على فقدها ضرر، أو خوف هلاك، أو لا تجري بفقدها مصالح الدنيا على استقامة، والحاجة بهذا المفهوم هي بمعنى الضرورة عند كثير من أهل العلم، فمن تعريفات الضرورة عند الحنفية: "خوف الضرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل" (٤). ومنها عند المالكية: "أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا" (٥). ومنها عند الشافعية: "ومن خاف من عدم الأكل على نفسه موتًا أو مرضًا مخوفًا أو زيادته، أو طول مدته، أو انقطاعه عن رفقته، أو خوف ضعف عن مشي أو ركوب ولم يجد حلالًا يأكله" (٦).

стр. 225

ومنها عند الحنابلة: "الضرورة المبيحة؛ هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل. قال أحمد: إذا كان يخشى على نفسه، سواء كان من جوع، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي، وانقطع عن الرفقة فهلك، أو يعجز عن الركوب فيهلك" (١). ومن تعريفات المعاصرين: " أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر، أو المشقة الشديدة، بحيث يخاف حدوث ضرر، أو أذى بالنفس أو العضو، أو بالعرض، أو بالعقل، أو بالمال، وتوابعها" (٢). فمفهوم الحاجة والضرورة تطور من عصر الجويني إلى العصور التي تليه، فالحاجة صارت تعني مجرد المشقة دون أن يترتب عليها ضرر، والضرورة التي قسمها الجويني ثلاثة أقسام أصبحت قسمًا واحدًا، فالقسم الذي تبيحه الحاجة، والقسم الذي تبيحه الضرورة، أصبح كله داخلًا في الضرورة، وإطلاق قاعدة "الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة"، دون مراعاة للتطور في مفهوم الحاجة، والضرورة، ودون مراعاة لأقسام الضرورة، يوقع في إشكال من حيث إن الحاجة التي كانت بعيدة من الضرورة في عصر الجويني، صارت تتنزل منزلة الضرورة في قسمها الأول فتبيح من الحرام ما لا تبيحه إلا الضرورة، مع أن الجويني ذكر أن الحاجة -التي تنزل منزلة الضرورة، والتي هي داخلة في مفهوم الضرورة عند غيره، لا تبيح ما تبيحه الضرورة مما بعُد عن الحل؛ كأكل الميتة، وأكل مال الغير. الأمر الثالث: أن الجويني ذكر أمثلةً للحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة الخاصة في إباحة المحظور، وهي: تصحيح الإجارة (٣)؛ "فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن

стр. 226

مع القصور عن تملكها وضنة ملاكها بها على سبيل العارية … من حيث إن الكافة لو منعوا عما تظهر الحاجة فيه للجنس لنال آحاد الجنس ضرار لا محالة" (١)، والبيع ذكر أنه ضرورة أو حاجة منزلة منزلة الضرورة (٢)، وجواز النظر إلى المخطوبة، إذا لم يُخف الفتنة؛ لعموم الحاجة في بناء النكاح على تمييزه، ودوام الحياة الزوجية، والخلق لا يستوون في تمييز الجمال من عدمه (٣)، وكذلك جواز النظر إلى وجه المرأة عند تحمّل الشهادة عليها (٤)، وولاية السلطان للمرأة التي لا ولي لها (٥)، والمرأة المعتدة إذا خافت ضياع مالها، وله خطر وقدر يجوز لها الخروج (٦). وهذه الأمثلة التي ذكرها الجويني يترتب على فواتها ضرر أو اختلال في مصالح الدنيا والدين؛ كضياع المال، أو عدم استقرار الأسرة، أو ضياع الحقوق، أو غيرها، وإن كانت تختلف في مقدار الضرر، وبعضها يدخل في مفهوم الضرورة عند غيره، وبعضها لا يدخل، وكل هذه الأمثلة التي ذكرها الجويني للحاجة العامة تنزل بمنزلة الضرورة في إباحة بعض المحرمات؛ كالمحرم القريب من الحل، كما ذكر في خروج المعتدة: "والتربص وإن كان واجباً؛ فإنه من قبيل الأمورِ التابعة، والآدابِ المتأكدة المترقِّية من نهاية الندب إلى أول درجة الوجوب" (٧)، أو المحرم للذريعة كما في كشف وجه المخطوبة، فإن النظر للمرأة ليس محرمًا لذاته، ولم يذكر الجويني أمثلة لإباحة محرمات لا

стр. 227

تبيحها إلا الضرورة اطرادًا مع رأيه في أن الحاجة العامة لا تبيح كل المحرمات، بل تبيح المحرم القريب، أوغير القبيح كما سبق بيانه في الأمر الأول. فالجويني مع تقعيده لهذه القاعدة لم ينزل الحاجة العامة منزلة الضرورة الخاصة مطلقًا في إباحة كل محرم؛ لا من حيث تقعيدها، ولا من حيث الأمثلة، فلا تبيح الحاجة العامة عنده أكل الميتة، وأكل مال الغير، وما فحش من المحرمات، أو بعُد عن الحلال، مع أن الحاجة التي ينزلها منزلة الضرورة تدخل في مفهوم الضرورة عند غيره كما سبق في التعريفات السابقة، فالأصل الذي بنى عليه الجويني قاعدته هو أن: "كل باب بني على معنًى، ثم فرض انخرام ذلك المعنى بشيء يقع معتاداً؛ فذلك المعنى يقتضي أن يطَّرد حتى لا ينخرم" (١)، وجواز المحرمات التي لا تبيحها إلا الضرورة كأكل الميتة، أو أكل مال الغير، للحاجة، خرم للمعنى الذي بني عليه الباب. الأمر الرابع: أن الزركشي ذكر في المنثور قاعدة: "الحاجة الخاصة تبيح المحظور" (٢). وذكر لها أمثلة؛ كتضبيب الإناء، والأكل من طعام الكفار، ولبس الحرير لمن به حكة (٣)؛ وتدل هذه الأمثلة على أن الحاجة الخاصة تبيح بعض المحظورات، كما سبق بيانه في الحاجة العامة، ولا يوجد فيها مثال لحاجة أباحت محرمًا من المحرمات التي لا تبيحها إلا الضرورة، فالقاعدة ليست على إطلاقها، لكن السيوطي أتى بعده وجمع بين قاعدة الجويني، والزركشي، فقال: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (٤)، وذكر نفس الأمثلة التي ذكرها الزركشي، وهذه الصيغة الجديدة للقاعدة سببت إشكالًا من

стр. 228

حيث الإطلاق، ومن حيث المراد بالحاجة الخاصة، أما الإطلاق فقد سبق بيان أن الإطلاق في القاعدة غير مراد، وأما المراد بالحاجة الخاصة، فإن كان المقصود بالخاصة أهل حرفة معينة، أو بلد معين (١)؛ فقد ذكر الجويني أنهم إن تعذر عليهم تحصيل الحلال، ولو اقتصروا على سد الرمق، وانتظروا انقضاء أوقات الضرورات، لانقطعوا عن مطالبهم، فحكمها حكم الحاجة العامة فهي تنزل منزلة الضرورة، فليأخذوا أقدار حاجتهم كما سبق بيانه (٢). أما إن كان المقصود بالخاصة آحاد الناس (٣)، فإن المقرر عند الجويني صاحب القاعدة: "أن المرعي في حق الآحاد حقيقة الضرورة"، وقد افترض الجويني في نهاية المطلب صورة نادرة لحاجة خاصة بآحاد الناس: وهي امرأة معتدة لو لم تخرج لضاع مالها، فتردد الجويني في تركها للتربص، وقارن بين التربص الذي هو من قبيل الأمورِ التابعة، والآدابِ المتأكدة المترقِّية من نهاية الندب إلى أول درجة الوجوب، وبين ضياع المال وهو شديد (٤)، واختار: " أن المال إذا كان يضيع، وله خطرٌ وقدر، فلا بأس لو خرجت، وإن فرض الضياع على وجه الندور" (٥). فهذه الصورة فيها ضرر ضياع المال، والضرر يُنزِل الحاجة العامة منزلة الضرورة عند الجويني، وعند غير الجويني حصول الضرر داخل في مفهوم الضرورة، والمحرم الذي فيها ليس من المحرمات التي تبيحها الضرورة، بل هو من المحرمات القريبة

стр. 229

من الحل، ومع ذلك لم ينزلها الجويني منزلة الضرورة بإباحة ترك التربص إلا بعد تردد، وإعمال النظر الفقهي، فتنزيل الحاجة الخاصة منزلة الضرورة الخاصة مطلقًا هو إلغاء للضرورة، فتكون العبرة في جواز المحرمات هي الحاجة فقط. إن عدم مراعاة هذه الأمور يوقع في إشكالات، وإن الناظر للتطبيقات الفقهية التي تضرب مثالًا للقاعدة، والاستدلال بالقاعدة على بعض القضايا يدرك مدى الإشكال الذي سببه الإطلاق في القاعدة، دون مراعاة لما قصده صاحب القاعدة بها، وما مفهوم الحاجة والضرورة عنده؟، وما التطور الذي حصل لهما مع الزمن؟، وليست المشكلة في التطبيقات والأمثلة التي ورد الشرع بجوازها، والتي ذكرها الجويني والزركشي عند ذكرهم للقاعدة، والتي يذكرها أكثر من كتب عن القاعدة، فهذه لا إشكال فيها، ولم يقرر الجويني القاعدة لبيان جواز هذه الأمثلة أو ليستدل بالقاعدة لبيان جوازها فالسنة كافية، وإنما وقع الإشكال في التطبيقات التي لم يرد جوازها في الشرع، أو في الاستدلال بهذه القاعدة على جواز بعض النوازل، والمستجدات. ومن التطبيقات التي ذكرها بعض المؤلفين مثالًا للحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة، وتبين مشكلة الإطلاق في القاعدة بيع الوفاء (١)، وهو"البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع" (٢). وهو احتيال على الربا (٣)، فقد جوزه مشايخ بلخ بخارى الحنفية لحاجة الناس العامة له بسبب كثرة الديون (٤)، ومعلوم أن الربا من أكل أموال الناس بالباطل، وهو من قسم الضرورة التي ذكر الجويني أن الحاجة لا تبيحها، ولا

стр. 230

تبيحها إلا الضرورة بقسمها الأول كما سبق بيانه، وقد منعه كثير من العلماء منهم بعض الحنفية (١) ولم ينزلوا الحاجة العامة هنا منزلة الضرورة، جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن بيع الوفاء: "إن حقيقة هذا البيع (قرض جر نفعًا) فهو تحايل على الربا، وبعدم صحته قال جمهور العلماء" (٢). فإدراج هذا البيع مثالًا للقاعدة يدل على المشكلة التي سببها الإطلاق في القاعدة، حيث أُدخل تحتها هذا المثال كتطبيق لها، ومنْعُ جمهور العلماء لهذا البيع يدل على أن القاعدة ليست على إطلاقها، فالحاجة موجودة، والربا تجيزه الضرورة، ومع ذلك لا تنزل هذه الحاجة منزلة الضرورة في جوازها. ومن أمثلة الاستدلال بهذه القاعدة على جواز بعض النوازل، والمستجدات ويبين مدى المشكلة التي سببها الإطلاق في القاعدة، ما أفتى به المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث بجواز شراء بيوت السكنى في ديار غير المسلمين بالقرض الربوي، وكان من ضمن الركائز التي اعتمد عليها المجلس قاعدة: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (٣)، مع أن الربا من المحرمات التي لا تجيزها إلا الضرورة، ولا تنزل الحاجة بمنزلة الضرورة في جوازه، فقد جاء عن الجويني صاحب القاعدة: "فأما المساكن، فإني أرى مسكن الرجل من أظهر ما تمس إليه حاجته، والكِنُّ الذي يؤويه وعيلته وذريته، مما لا غناء به عنه" (٤). ومع ذلك لم ينزل هذه الحاجة منزلة الضرورة في إباحة ما تبيحه الضرورة (٥)، وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن التمويل العقاري لبناء

стр. 231

المساكن وشرائها: "إن المسكن من الحاجات الأساسية للإنسان، وينبغي أن يوفر بالطرق المشروعة بمال حلال، وإن الطريقة التي تسلكها البنوك العقارية والإسكانية ونحوها، من الإقراض بفائدة قلت أو كثرت، هي طريقة محرمة شرعًا لما فيها من التعامل بالربا" (١)، والاستدلال بهذه القاعدة على إباحة الربا يدل على الإشكال الذي سببه الإطلاق في القاعدة، ورفض العلماء لهذه الفتوى مع أن المسكن من الحاجات الأساسية، والربا تبيحه الضرورة، يدل على أن القاعدة ليست على إطلاقها، فإطلاق القاعدة مع عدم مراعاة التطور في مفهوم الحاجة والضرورة من عصر الجويني إلى عصرنا سبب في بعض الإشكالات. فالحاجة تنزل منزلة الضرورة في إباحة بعض المحرمات؛ كالمحرم لسد الذريعة "فإن ما حرم سدًا للذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد" (٢)، أو ما كان الحرام فيه قريبًا من الحل (٣)، أو ما كان في مرتبة وسطى فتبيحه الحاجة بشروط (٤)؛ كالغرر؛ فـ"مفسدة الغرر أقل من الربا" (٥)، أما ما كان محرمًا لذاته (٦)، أو كان الحرام بعيدًا عن الحل (٧)، والنهي في مرتبة عليا؛ كالربا فلا تؤثر فيه الحاجة، ولا تجيز منه لا قليلًا ولا كثيرًا (٨)، قال

стр. 232

ابن تيمية: " وقد أباح الشارع أنواعًا من الغرر للحاجة … وأما الربا فلم يبح منه" (١). فإذا كانت هناك حاجة فلا بد للفقيه أن يمعن النظر في قوتها، وقوة الحرام الذي ستبيحه، ويقارن بينهما، ثم ينظر هل تنزل هذه الحاجة منزلة الضرورة في إباحة هذا المحرم، أو لا؟، فإن "كل باب بني على معنًى، ثم فرض انخرام ذلك المعنى بشيء، يقع معتاداً، فذلك المعنى يقتضي أن يطَّرد حتى لا ينخرم" (٢). وبعد، فالغرر من العقود التي ورد النص بالنهي عنها، وهو عقد باطل، إلا ما استثني منه، قال الدكتور الصديق الضرير: "الضابط الذي استطعت استخلاصه من النصوص الواردة في الغرر، ومن أقوال الفقهاء، ومن الفروع الفقهية الكثيرة المتعلقة بأحكام الغرر … أن الغرر المؤثر لابد أن تتوفر فيه الشروط الآتية: ١ - أن يكون في عقود المعاوضات المالية. ٢ - أن يكون كثيرًا. ٣ - أن يكون في المعقود عليه أصالة. ٤ - ألا تدعو للعقد حاجة" (٣). المسألة الثالثة: عدم الوقوع في بيعتين في بيعة ومما ورد النهي عنه ما جاء عند الترمذي وغيره عن أبي هريرة ﵁، قال: «نَهَى رَسُولُ

стр. 233

اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» (١). وقد أجمع العلماء على النهي عن بيعتين في بيعة (٢)، وقد

стр. 234

وردت تفسيرات كثيرة لهذا الحديث (١)، أشهرها: ١ - أن يقول: أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة، وبنسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعتين، فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس (٢). وهو قول عند الحنفية (٣)، والمشهور عند المالكية (٤)، وقول للشافعية (٥)، وقول عند الحنابلة (٦)، وقول لابن حزم (٧)، والعلة على هذا التفسير هي الغرر (٨). ٢ - أن يشترط عقدًا في عقد (٩)؛ كأن يقول: أبيعك داري هذه بكذا على أن تبيعني سيارتك بكذا، فإذا وجبت لي سيارتك وجبت لك داري (١٠). وهو المشهور عند الحنفية (١١)، وقول للشافعية (١٢)، والمشهور عند الحنابلة (١٣)، وقول لابن حزم (١٤). والعلة

стр. 235

على هذا التفسير هي الغرر (١)، أو الاستغلال (٢). واختار بعض العلماء أن كلا التفسيرين السابقين صحيح (٣). ٣ - أن يبيع السلعة بثمن مؤجل، على أن يشتريها ممن باعها عليه بأقل حالًا، وهي مسألة العينة (٤). وهذا أحد تفسيرات الإمام مالك للحديث (٥)، واختاره ابن تيمية (٦)، وابن القيم (٧). والعلة على هذا التفسير هي الربا (٨).

стр. 236

وتفسيرات الحديث كثيرة كما سبق بيانه، وقد اختار بعض الباحثين المعاصرين أن الحديث ينهى عن الجمع بين عقدين أو أكثر إذا أدى هذا الجمع إلى الوقوع في المحذور الشرعي، إما لوجود الغرر، أو الربا، أو الاستغلال (١). والأقرب في تفسير الحديث-والله أعلم- هو أن يقال: إن حرف (في) بمعنى (على)، وإن لفظة (بيعة) يراد بها السلعة أو المبيع؛ فيكون المراد هو النهي عن إجراء بيعتين على السلعة في وقت واحد بعقد واحد، وهذا يصدق على بيعها بثمنين في وقت واحد دون تحديد لأحدهما؛ وهو التفسير الأول الذي عليه أكثر أهل العلم؛ فعدم تحديد أحد الثمنين جعل السلعة كأنها بيعت بيعتين في وقت واحد بعقد واحد، وهذا فيه جهالة للثمن يؤدي إلى النزاع. أما التفسيرات الأخرى للحديث فلا تسلم من الاعتراض، فالتفسير الثاني الذي فسر البيعتين في بيعة بأن يشترط عقدًا في عقد، يُعترض عليه: بأن الذي حصل في العقد الأول هو الشرط فقط، والبيع الثاني تم على مبيع آخر في عقد آخر، فلا يصدق تسمية هذا الشرط بيعًا. أما التفسير الثالث الذي فسر البيعتين في بيعة بالعينة، فيعترض عليه: بأن بيع العينة معروف زمن النبي ﷺ ويبعد أن ياتي عن النبي ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم نهى عن العينة بألفاظ تختلف الأمة في تفسيرها اختلافًا كثيرًا، وهو يعلم أن العينة أجمع لفظًا وأبين معنى، وكذا يبعد أن يترك الصحابة ﵃ وهم أهل البيان لفظ العينة البين، ويذهبوا إلى ألفاظ أخرى تحتاج إلى بيان وإيضاح، إضافة إلى أن البيع الثاني

стр. 237

للسلعة في بيع العينة يتم في عقد آخر في وقت آخر، وهي مستقل عن العقد الأول، فلا يصدق عليها أنها بيعتين في بيعة. أما التفسير الذي اختاره بعض الباحثين المعاصرين وهو تفسير البيعتين في بيعة بالجمع بين عقدين أو أكثر أذا أدى هذا الجمع إلى الوقوع في المحذور الشرعي، فيُعترض عليه: بأن هذا إبطال لمعنى الحديث، فالحديث على هذا المعنى لم يأت بحكم جديد، فالجمع بين العقود إذا أدى إلى محذور شرعي فهو محذور ومنهي عنه بالأدلة الأخرى التي تنهى عن الربا، أو الغرر، أو الاستغلال، والأصل في الحديث أن يؤسس حكمًا جديدًا، وعلى افتراض أن هذا الحديث أتى مؤكدًا لحكم موجود، فتأكيد الأحكام يكون بنفس ألفاظ هذه الأحكام، لا بألفاظ بعيدة عنها، تحتاج إلى جهد كبير كي يُتبين أن هذه الألفاظ مؤكدة لتلك الأحكام. الفرع الثاني: عدم كونها حيلة للتوصل إلى الحرام ومن الأمور المخالفة للشرع ارتكاب الحيل للتوصل إلى الحرام، فإن المفاسد الموجودة في المحرم موجودة في التحايل عليه مع زيادة المكر والخديعة (١)؛ قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢). ويلخص ابن تيمية وجه الدلالة من هذه الآية بقوله: "وتلخيص هذا الوجه: أن مخادعة الله حرام، والحيل مخادعة لله" (٣). وإن معاملة العبد مع ربه مبناها على المقاصد والنيات، فمن أظهر قولًا سديدًا، ولم يكن قد قصد به حقيقته، إنما ليتحايل به للوصول للمحرم كان آثمًا عاصيًا لربه، وإن قبل

стр. 238

الناس منه الظاهر (١)، قال أيوب السختياني: "يخادعون الله كأنما يخادعون آدميًا، لو أتوا الأمر عيانًا كان أهون علي" (٢). وإن هدف الهندسة المالية الإسلامية تحقيق رضا الله أولًا في تطبيق أحكام الشريعة، ثم تحقيق رضا الناس ثانيًا، وفي التحايل على المحرمات مخادعة لله، تورث بغض الناس للمتحايل، وهروبهم عنه، قال ابن حجر: " ومن ثم كان سالك المكر والخديعة حتى يفعل المعصية أبغض عند الناس ممن يتظاهر بها وفي قلوبهم أوضع وهم عنه أشد نفرة" (٣). ومن أبرز صور التحايل على الحرام من يقصد الوصول للربا عن طريق بيع العينة، أو غيرها (٤)، قال ابن القيم: "وأما ما تواطآ فيه على الربا المحض، ثم أظهرا بيعًا غير مقصود لهما البتة، يتوسلان به إلى أن يعطيه مائة حالّة بمائة وعشرين مؤجلة، فهذا ليس من التجارة المأذون فيها، بل من الربا المنهي عنه" (٥). وقال: "إن الشارع لم يشرع القرض إلا لمن قصد أن يسترجع مثل قرضه، ولم يشرعه لمن قصد أن يأخذ أكثر منه لا بحيلة ولا بغيرها" (٦). الفرع الثالث: عدم كونها ذريعة للتوصل للحرام التذرع للوصول إلى المحرم مخالف للشرع؛ لأن للوسائل حكم المقاصد، فوسيلة المحرم محرمة، ووسيلة الواجب واجبة؛ قال ابن القيم: "لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها،

стр. 239

ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها؛ فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود" (١). ومما يدل على النهي عن التذرع للوصول إلى المحرم ما جاء عند أبي داود والترمذي عن عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ» (٢). وسر ذلك أن الجمع بينهما ذريعة إلى الربا (٣)؛ قال القرافي: "وبإجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا" (٤). ومن الأدلة على النهي عن التذرع للوصول إلى المحرم قاعدة سد الذرائع التي اتفق الفقهاء على اعتبارها (٥). والقول بجواز الذريعة مع القول بتحريم ما تؤول إليه جمع بين النقيضين، قال ابن القيم: "الطريق متى أفضت إلى الحرام فإن الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلًا؛ لأن إباحتها وتحريم الغاية جمع بين النقيضين، فلا يتصور أن يباح ويحرم ما يفضي إليه، بل لابد من تحريمها أو إباحتها، والثاني باطل قطعًا فتعين الأول" (٦). الفرع الرابع: عدم منافاتها الحكمة التي حرمت لأجلها بعض العقود بنيت الشريعة لحكمة ومقصد، ولتحقق مصالح العباد؛ فهي إما تدرأ مفسدة، أو تجلب مصلحة (٧)، فـ"الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية" (٨)؛

стр. 240

قال ابن القيم: "فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم، ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها" (١). فـ" كل ما أمر الله به أمر به لحكمة، وما نهى عنه نهى لحكمة" (٢)؛ فالحكمة هي الباعثة على شرع الحكم (٣)، ولكن لعدم انضباط الحكمة أقيمت العلة مقامها (٤)، والعلة: هي الوصف الظاهر المنضبط (٥). ولأن العلة مرتبطة بالحكمة وهي مظنة تحقيقها (٦)، وفي ذلك حماية للشريعة من الفوضى (٧)، قال الشاطبي: "فنصب الشارع المظنة في موضع الحكمة؛ ضبطًا للقوانين الشرعية" (٨). ولو كانت الحكمة ظاهرة منضبطة في جميع الأحكام لكانت هي العلة التي يناط بها الحكم (٩). فالهندسة المالية الإسلامية لابد أن تراعي العلة دون منافاة للحكمة، فمراعاة العلة مع منافاة الحكمة إبطال للأصل التي اعتبرت العلة من أجله، ففي المتفق عليه عن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا، فَبَاعُوهَا» (١٠).

стр. 241

فالله لعن اليهود مع أنهم لم يأكلوا الشحوم؛ نظرًا إلى مخالفتهم للحكمة التي من أجلها شُرع الحكم (١)؛ قال ابن تيمية: " لعنهم الله على لسان رسول الله ﷺ على هذا الاستحلال؛ نظرًا إلى المقصود، فإن ما حكمه التحريم لا يختلف سواء كان جامدًا، أو مائعًا" (٢). وقال ابن القيم: "فإن الربا لم يكن حرامًا لصورته ولفظه، وإنما كان حرامًا لحقيقته التي امتاز بها عن حقيقة البيع؛ فتلك الحقيقة حيث وجدت وجد التحريم في أي صورة ركبت وبأي لفظ عبر عنها؛ فليس الشأن في الأسماء وصور العقود، وإنما الشأن في حقائقها ومقاصدها وما عقدت له" (٣). وعلى هذا فإن من يراعي العلة مع منافاة الحكمة له حظ من فعل اليهود الذين لعنهم الله على مخالفتهم للحكمة من التحريم، وإن لم يخالفوا علة التحريم (٤). وكذلك لا ينبغي مراعاة الحكمة وحدها دون مراعاة العلة؛ لعدم انضباط الحكمة التي نهي عن بعض المعاملات لأجلها، ولما يترتب عليها من فوضى، ومخالفات شرعية. وقد رأى الدكتور عبدالله السكاكر أن تضبط الهندسة المالية الإسلامية باعتبار الحكمة وحدها دون العلة، فقال: "إن اعتبار الحكمة التي حُرّمت بعض المعاملات لأجلها يمكن أن يكون ضابطًا جليًا لما يسمى بالهندسة المالية الإسلامية أو المخارج الشرعية في المعاملات المالية، فإن العلة يمكن الالتفاف عليها كما في بيع العينة، وكما فعل اليهود حين حُرمت عليهم الشحوم، أما الحكمة فيعسر الالتفاف عليها" (٥).

стр. 242

ولا يسلم للدكتور السكاكر هذا الرأي للأمور التالية: الأمر الأول: إن أكثر العلماء منعوا التعليل بالحكمة؛ لعدم انضباطها (١)، وأما العلماء الذين أجازوا التعليل بالحكمة فقد اشترطوا فيها أن تكون منضبطة (٢)، والمنضبط: هو المطرد الذي لا تتناقض فروعه (٣). والِحكم التي حرمت لأجلها بعض المعاملات غير منضبطة؛ فالتعليل بحِكمها ممنوع على الرأيين، وبيانه: أن أصول المنهيات الشرعية في المعاملات الربا والغرر، وحكمة النهي عنهما، تدور حول: الظلم، وأكل المال بالباطل، والبغضاء والتشاحن والخصومات (٤)؛ قال الله تعالى منبهًا على حكمة النهي عن الربا: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٥)، وفي أحاديث النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها إشارة إلى بعض الحكم التي نهي لأجلها عن الغرر، فنهى النبي ﷺ عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها؛ كي لا تُمنع الثمرة فيأكل المسلم مال أخيه بغير حق؛ ففي المتفق عليه عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ التَّمْرِ حَتَّى يَزْهُوَ»، فَقُلْنَا لِأَنَسٍ: مَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: «تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ، أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ» (٦). وهذا بدوره يؤدي إلى التباغض والخصومات،

стр. 243

وهي إحدى الحكم التي لأجلها نهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها؛ فعن زيد بن ثابت ﵁ قال: "كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ، قَالَ المُبْتَاعُ: إِنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ الدُّمَانُ، أَصَابَهُ مُرَاضٌ، أَصَابَهُ قُشَامٌ، عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ: «فَإِمَّا لَا، فَلَا تَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرِ» كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ" رواه البخاري (١). وقال ابن تيمية: "والأصل في العقود جميعها هو العدل … والشارع نهى عن الربا لما فيه من الظلم، وعن الميسر لما فيه من الظلم، والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا، وكلاهما أكل المال بالباطل، وما نهى عنه النبي ﷺ من المعاملات: كبيع الغرر … هي داخلة إما في الربا وإما في الميسر" (٢). وقال: "والأصل في ذلك: أن الله حرم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل … وأكل المال بالباطل في المعاوضة نوعان ذكرهما الله في كتابه هما: الربا، والميسر … والغرر: هو المجهول العاقبة، فإن بيعه من الميسر الذي هو القمار … فيفضي إلى مفسدة الميسر: التي هي إيقاع العداوة والبغضاء، مع ما فيه من أكل المال بالباطل الذي هو نوع من الظلم، ففي بيع الغرر ظلم وعداوة وبغضاء" (٣). وهذه الحكم التي مُنع لأجلها الربا والغرر، لا تنضبط؛ فهناك صور من الربا تتخلف فيها الحكمة مع وجود العلة؛ كبعض صور ربا الفضل، كبيع صاع من البر الجيد بصاعين

стр. 244

من البر الرديء، فلا يوجد فيها ظلم أو أكل للمال بالباطل، ومع ذلك حكم التحريم موجود مع تخلف الحكمة (١). وهناك مسائل مجمع على تحريمها، ويرى البعض أنه لا ظلم فيها، كما لو أعطى المصرف العميل المودع فائدة قليلة، مقابل الخدمة التي يقدمها العميل للمصرف من المتاجرة بماله، فهو من باب التشجيع والتعاون (٢)، مع أن هذا من الربا المحرم بالإجماع (٣)، وكما لو تم تحديد جزء معين من الربح للمشتركين فلا ظلم فيه، ولا استغلال (٤)، وهو أيضًا محرم بالإجماع (٥). وهناك الكثير من المعاملات التي فيها خلاف بين العلماء، ومن ضمن أدلة المانعين وجود الظلم، ومن ضمن أدلة المجيزين عدم وجوده، كالعربون (٦)، والربح فوق الثلث (٧)، وسداد الدين بقيمته لا بمثله (٨)، فالتعليل بالحكمة هنا لا ينضبط؛ لاختلاف مقادير الظلم في رتبه، ومن أسباب عدم الانضباط اختلاف المقادير (٩).

стр. 245

وكذلك البغضاء شيء نفسي خفي لا يمكن ضبطه (١)؛ فالخفاء من أسباب عدم انضباط الحكمة (٢) فهو كالرضا في العقود، لم يعلق الشرع الحكم عليه لعدم انضباطه (٣)، فقد يغضب الإنسان ويخاصم غيره والمعاملة مباحة، وقد يتفق مع غيره على معاملة ممنوعة، وهو راض غير غضبان، ومع ذلك رضاه وغضبه لا يغير الأحكام؛ فالتعليل بالحكمة في المعاملات غير منضبط وغير مطرد، والتعليل لابد أن يطرد، ومن القواعد المقررة"الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا" (٤). الأمر الثاني: إن التعليل بالحكمة أحد أسباب فتح أبواب الربا (٥)، فقد اختار الدكتور عبدالمنعم النمر جواز التعليل بالحكمة، وأن الحكمة من تحريم الربا ظلم المدين واستغلاله (٦)، وبناءً على هذا الاختيار يقول: "فأنا ومن أيدني لا يرون ربح الشهادات مما ينطبق عليه مفهوم الربا؛ إذ ليس فيه استغلال الدائن لحاجة محتاج أو مضطر" (٧)، وقال غيره: "إن حكمة تحريم الربا هي حماية الضعيف من القوي، غير أنه يوجد اليوم من القروض ما يكون المقترض هو القوي، والمقرض هو الضعيف، من ذلك القرض

стр. 246

الحكومي الممثل في السندات، وكذلك السندات التي تصدرها البلديات، وبقية الهيئات، والمؤسسات الحكومية، وكذلك السندات التي تصدرها الشركات الكبرى القوية … فأصبح المدين هو الأقوى، وأصبح الدائن هو الضعيف، وأصبح هذا الأخير هو الجدير بالحماية، وليس من المعقول بعد ذلك أن نعتبر المدخر حامل السند ذي الفائدة مرابيًا" (١)، وأبرز مستند لمن قال بجواز الربا، إن لم يكن أضعافًا مضاعفة، هو عدم تحقق حكمة النهي عن الربا إلا إذا كان أضعافًا مضاعفة (٢)، ومن ذلك ما اختاره الدكتور سيد طنطاوي من جواز التعامل مع البنوك التي تحدد الأرباح مقدمًا؛ لخلو المعاملة من الظلم والاستغلال (٣)، وكثير من مبررات إباحة الفوائد الربوية تستند على عدم تحقق الحكمة التي لأجلها نهي عن الربا (٤)؛ فالتعليل بالحكمة أحد الأبواب التي يدخل منها المبيحون للربا.

стр. 247

الأمر الثالث: إن الخلاف بين المصارف الإسلامية كثير مع ربط غالب المصارف أحكامها بالعلة المنضبطة، فمعاملة يجيزها مصرف إسلامي، وعينها يحرمها مصرف آخر، وهذا الخلاف أحد أسباب تشكيك الناس في شرعية معاملاتها، وضعف ثقتهم بها، فكيف لو كان التعليل بالحكمة غير المنضبطة؟ سيكون الخلاف أكثر، ولن يكون هناك أي فرق بين البنك الإسلامي والبنك التقليدي إذا أجيز التعامل بالربا الذي هو أعظم المنهيات؛ بسبب التعليل بالحكمة. الأمر الرابع: إن النبي ﷺ ذكر الالتفاف على العلة كما في حديث تحايل اليهود حين حرمت عليهم الشحوم، وكما في حديث العينة، ومع ذلك لم يأمر بالتعليل بالحكمة لتجنب هذا الالتفاف، ولو كان التعليل بها حلًا لبينه لأمته؛ ولكن لعدم انضباطها هنا لم يعلل بها، ولأن الذي يلتف على العلة لن يراعي الحكمة، ومعالجة الالتفاف على العلة يكون في بيان تحريم هذا الالتفاف والتحايل كما بين النبي ﷺ تحريم ذلك، ورد المعاملات التي فيها التفاف وتحايل. إن مراعاة العلة مع منافاة الحكمة إبطال للأصل التي اعتبرت العلة من أجله، ومراعاة الحكمة وحدها دون العلة، يترتب عليها فوضى، ومخالفات شرعية؛ لعدم انضباط الحكمة، ولما يترتب عليه من مخالفات شرعية، فالذي ينبغي هو مراعاة العلة دون منافاة للحكمة، قد تتخلف الحكمة في بعض الصور كما سبق بيانه، لكن المهم ألا يكون هناك منافاة لها. المطلب الثاني: سلامة الهندسة المالية الإسلامية من العيوب الشكلية للعقود ومن ضوابط الهندسة المالية الإسلامية سلامتها من العيوب الشكلية للعقود، ويندرج تحتها الفروع التالية:

стр. 248

الفرع الأول: عدم الجمع بين العقود المتناقضة إذا كان العقدان المكونان للعقد المركب متناقضين فلا يجوز اجتماعهما في عقد واحد (١)؛ يقول القرافي: " إن العقود أسباب لاشتمالها على تحصيل حكمتها في مسبباتها بطريق المناسبة، والشيء الواحد بالاعتبار الواحد لا يناسب المتضادين، فكل عقدين بينهما تضاد لا يجمعهما عقد واحد" (٢). وهذا الضابط: وهو ألا يكون العقدان متضادين وضعًا متناقضين حكمًا، حقيق بالمراعاة (٣)؛ "لأن العقود أسباب تفضي إلى تحصيل حكمتها، وغايتها، ومقصودها، في مسبباتها بطريق المناسبة، والشيء الواحد بالاعتبار الواحد لا يناسب المتضادين، والمتناقضين" (٤)، وسواء كان الاجتماع بين عقدين متضادين، أو شرطين متضادين في عقد واحد، فكل ذلك مبطل للعقد (٥)؛ يقول الدكتور سامي السويلم: " إن النهي عن شرطين في بيع، وعن بيعتين في بيعة يدل على النهي عن الشروط والعقود المتنافية المتضادة، وأقل ما ينطبق عليه ذلك هو محل العقد؛ بحيث يتوارد شرطان أو عقدان على محل واحد، ينافي أحدهما مقتضى الآخر ويضاده" (٦). فالمحظور إذًا إنما هو الجمع بين عقدين مختلفين في الشروط والأحكام، إذا ترتب على ذلك تناقض، أو تضاد، أو تنافر في الموجبات، والآثار (٧)، وهذا يكون في حالة توارد

стр. 249

العقدين على محل واحد في وقت واحد (١)؛ ومن أمثلة ذلك: الجمع بين هبة عين وبيعها للموهوب، أو هبتها وإجارتها (٢)، أو الجمع بين المضاربة وإقراض المضارب رأس مالها (٣)، أو الجمع بين الإجارة والبيع في ما يسمى بالإجارة المنتهية بالتمليك إذا اتفق الطرفان على إجارة سلعة معينة بأجرة معلومة إلى أجل محدد، بحيث تنقلب تلقائيًا بعد أقساطها بيعًا، وتنتقل الملكية للمستأجر مع سداده القسط الأخير، ويكون ضمان السلعة خلال مدة الإجارة على المستأجر (٤). الفرع الثاني: عدم كونها مجرد تغيير في التكييف الفقهي للمعاملات المحرمة من القواعد المقررة أن"الْعبْرَة فِي الْعُقُود للمقاصد والمعاني، لَا للألفاظ والمباني" (٥)، ومجرد تغيير التكييف الفقهي للمعاملة لا يغيرها إن لم تكن حقيقتها متفقة مع هذا التكييف الجديد، والشرع لَمّا حرم بعض المعاملات حرمها لِما يترتب عليها من مفاسد عاجلة وآجلة، وتغيير التكييف الفقهي لها لا يدفع هذه المفاسد، بل يكون سببًا في زيادتها؛ لزيادة المتعاملين بها عندما يصدر الرأي الفقهي بجوازها؛ يقول ابن القيم: "فالله سبحانه إنما حرم هذه المحرمات وغيرها لما اشتملت عليه من المفاسد المضرة بالدنيا والدين، ولم يحرمها لأجل أسمائها وصورها، ومعلوم أن تلك المفاسد تابعة لحقائقها، لا تزول بتبدل

стр. 250

أسمائها وتغير صورتها … فتغيير صور المحرمات وأسمائها مع بقاء مقاصدها وحقائقها زيادة فى المفسدة التى حرمت لأجلها" (١). وهناك بعض المعاملات المحرمة كالفائدة على الودائع المصرفية، التي رأى جمهور العلماء المعاصرين، والمجامع الفقهية، والهيئات الشرعية أنها عبارة عن فائدة مقابل القرض فهي ربا محرم (٢)، إلا أنه من فترة لأخرى تخرج بعض الآراء الفقهية المبيحة لهذه الفوائد، عن طريق تغيير تكييفها الفقهي، فمرة تكيف بأنها وديعة (٣)، ومرة مضاربة (٤)، وأخرى جعالة (٥)، أو تكيف على أنها معاملة جديدة والأصل في المعاملات الحل (٦) … إلى غير ذلك (٧).
следующие страницы →