الحكومي الممثل في السندات، وكذلك السندات التي تصدرها البلديات، وبقية الهيئات، والمؤسسات الحكومية، وكذلك السندات التي تصدرها الشركات الكبرى القوية … فأصبح المدين هو الأقوى، وأصبح الدائن هو الضعيف، وأصبح هذا الأخير هو الجدير بالحماية، وليس من المعقول بعد ذلك أن نعتبر المدخر حامل السند ذي الفائدة مرابيًا" (١)، وأبرز مستند لمن قال بجواز الربا، إن لم يكن أضعافًا مضاعفة، هو عدم تحقق حكمة النهي عن الربا إلا إذا كان أضعافًا مضاعفة (٢)، ومن ذلك ما اختاره الدكتور سيد طنطاوي من جواز التعامل مع البنوك التي تحدد الأرباح مقدمًا؛ لخلو المعاملة من الظلم والاستغلال (٣)، وكثير من مبررات إباحة الفوائد الربوية تستند على عدم تحقق الحكمة التي لأجلها نهي عن الربا (٤)؛ فالتعليل بالحكمة أحد الأبواب التي يدخل منها المبيحون للربا.
стр. 247
الأمر الثالث: إن الخلاف بين المصارف الإسلامية كثير مع ربط غالب المصارف أحكامها بالعلة المنضبطة، فمعاملة يجيزها مصرف إسلامي، وعينها يحرمها مصرف آخر، وهذا الخلاف أحد أسباب تشكيك الناس في شرعية معاملاتها، وضعف ثقتهم بها، فكيف لو كان التعليل بالحكمة غير المنضبطة؟ سيكون الخلاف أكثر، ولن يكون هناك أي فرق بين البنك الإسلامي والبنك التقليدي إذا أجيز التعامل بالربا الذي هو أعظم المنهيات؛ بسبب التعليل بالحكمة.
الأمر الرابع: إن النبي ﷺ ذكر الالتفاف على العلة كما في حديث تحايل اليهود حين حرمت عليهم الشحوم، وكما في حديث العينة، ومع ذلك لم يأمر بالتعليل بالحكمة لتجنب هذا الالتفاف، ولو كان التعليل بها حلًا لبينه لأمته؛ ولكن لعدم انضباطها هنا لم يعلل بها، ولأن الذي يلتف على العلة لن يراعي الحكمة، ومعالجة الالتفاف على العلة يكون في بيان تحريم هذا الالتفاف والتحايل كما بين النبي ﷺ تحريم ذلك، ورد المعاملات التي فيها التفاف وتحايل.
إن مراعاة العلة مع منافاة الحكمة إبطال للأصل التي اعتبرت العلة من أجله، ومراعاة الحكمة وحدها دون العلة، يترتب عليها فوضى، ومخالفات شرعية؛ لعدم انضباط الحكمة، ولما يترتب عليه من مخالفات شرعية، فالذي ينبغي هو مراعاة العلة دون منافاة للحكمة، قد تتخلف الحكمة في بعض الصور كما سبق بيانه، لكن المهم ألا يكون هناك منافاة لها.
المطلب الثاني: سلامة الهندسة المالية الإسلامية من العيوب الشكلية للعقود
ومن ضوابط الهندسة المالية الإسلامية سلامتها من العيوب الشكلية للعقود، ويندرج تحتها الفروع التالية:
стр. 248
الفرع الأول: عدم الجمع بين العقود المتناقضة
إذا كان العقدان المكونان للعقد المركب متناقضين فلا يجوز اجتماعهما في عقد واحد (١)؛ يقول القرافي: " إن العقود أسباب لاشتمالها على تحصيل حكمتها في مسبباتها بطريق المناسبة، والشيء الواحد بالاعتبار الواحد لا يناسب المتضادين، فكل عقدين بينهما تضاد لا يجمعهما عقد واحد" (٢). وهذا الضابط: وهو ألا يكون العقدان متضادين وضعًا متناقضين حكمًا، حقيق بالمراعاة (٣)؛ "لأن العقود أسباب تفضي إلى تحصيل حكمتها، وغايتها، ومقصودها، في مسبباتها بطريق المناسبة، والشيء الواحد بالاعتبار الواحد لا يناسب المتضادين، والمتناقضين" (٤)، وسواء كان الاجتماع بين عقدين متضادين، أو شرطين متضادين في عقد واحد، فكل ذلك مبطل للعقد (٥)؛ يقول الدكتور سامي السويلم: " إن النهي عن شرطين في بيع، وعن بيعتين في بيعة يدل على النهي عن الشروط والعقود المتنافية المتضادة، وأقل ما ينطبق عليه ذلك هو محل العقد؛ بحيث يتوارد شرطان أو عقدان على محل واحد، ينافي أحدهما مقتضى الآخر ويضاده" (٦).
فالمحظور إذًا إنما هو الجمع بين عقدين مختلفين في الشروط والأحكام، إذا ترتب على ذلك تناقض، أو تضاد، أو تنافر في الموجبات، والآثار (٧)، وهذا يكون في حالة توارد
стр. 249
العقدين على محل واحد في وقت واحد (١)؛ ومن أمثلة ذلك: الجمع بين هبة عين وبيعها للموهوب، أو هبتها وإجارتها (٢)، أو الجمع بين المضاربة وإقراض المضارب رأس مالها (٣)، أو الجمع بين الإجارة والبيع في ما يسمى بالإجارة المنتهية بالتمليك إذا اتفق الطرفان على إجارة سلعة معينة بأجرة معلومة إلى أجل محدد، بحيث تنقلب تلقائيًا بعد أقساطها بيعًا، وتنتقل الملكية للمستأجر مع سداده القسط الأخير، ويكون ضمان السلعة خلال مدة الإجارة على المستأجر (٤).
الفرع الثاني: عدم كونها مجرد تغيير في التكييف الفقهي للمعاملات المحرمة
من القواعد المقررة أن"الْعبْرَة فِي الْعُقُود للمقاصد والمعاني، لَا للألفاظ والمباني" (٥)، ومجرد تغيير التكييف الفقهي للمعاملة لا يغيرها إن لم تكن حقيقتها متفقة مع هذا التكييف الجديد، والشرع لَمّا حرم بعض المعاملات حرمها لِما يترتب عليها من مفاسد عاجلة وآجلة، وتغيير التكييف الفقهي لها لا يدفع هذه المفاسد، بل يكون سببًا في زيادتها؛ لزيادة المتعاملين بها عندما يصدر الرأي الفقهي بجوازها؛ يقول ابن القيم: "فالله سبحانه إنما حرم هذه المحرمات وغيرها لما اشتملت عليه من المفاسد المضرة بالدنيا والدين، ولم يحرمها لأجل أسمائها وصورها، ومعلوم أن تلك المفاسد تابعة لحقائقها، لا تزول بتبدل
стр. 250
أسمائها وتغير صورتها … فتغيير صور المحرمات وأسمائها مع بقاء مقاصدها وحقائقها زيادة فى المفسدة التى حرمت لأجلها" (١).
وهناك بعض المعاملات المحرمة كالفائدة على الودائع المصرفية، التي رأى جمهور العلماء المعاصرين، والمجامع الفقهية، والهيئات الشرعية أنها عبارة عن فائدة مقابل القرض فهي ربا محرم (٢)، إلا أنه من فترة لأخرى تخرج بعض الآراء الفقهية المبيحة لهذه الفوائد، عن طريق تغيير تكييفها الفقهي، فمرة تكيف بأنها وديعة (٣)، ومرة مضاربة (٤)، وأخرى جعالة (٥)، أو تكيف على أنها معاملة جديدة والأصل في المعاملات الحل (٦) … إلى غير ذلك (٧).
стр. 251
وكل هذه التكييفات الفقهية -بغض النظر عن مقصد أصحابها- لا تغير حقيقة هذه المعاملة، ولا المفاسد التي تترتب عليها، فالذي يقرأ في أسباب الأزمات الاقتصادية يجد أن من أهم أسبابها الفوائد على الودائع أو القروض (١)؛ فلذا يجب على الفقيه المهتم بهندسة العقود المالية أن ينظر إلى ما تؤول إليه المعاملة (٢)، وأن يعطى الأسماء حقيقتها (٣)، وألا يتكلف في تلبيسها اللباس الشرعي، وهي ليست من الشرع، يقول الشوكاني موصيًا طالب العلم: "ومن جملة ما ينبغي له استحضاره أن لا يغتر بمجرد الاسم دون النظر في معاني المسميات وحقائقها فقد يسمى الشيء باسم شرعي وهو ليس من الشرع" (٤).
الفرع الثالث: عدم كونها مجرد قيود شكلية
من مهام هيئات الفتوى والرقابة الشرعية الفحص عن مدى التزام المصارف الإسلامية بالشريعة الإسلامية في جميع أنشطتها (٥)، فهي تتابع سير أعمال البنك، وتتأكد من سلامة تطبيق الأحكام الشرعية، وتنبه العاملين على المخالفات الشرعية (٦)؛ جاء في قرارات الهيئة الشرعية بمصرف الراجحي أن أبرز مهام إدارة الرقابة الشرعية: "١ - التحقق من أن أي نشاط، أو منتج، أو خدمة، أو عقد جارٍ العمل به في المصرف مجاز من الهيئة الشرعية.
стр. 252
٢ - مراجعة النماذج، والعقود، والاتفاقيات قبل استخدامها، ومراجعة إجراءات تنفيذ العمليات قبل تنفيذها؛ للتأكد من مطابقتها للقرارات الصادرة بشأنها … " (١).
إلا أنه في بعض البنوك الإسلامية بسبب عدم وجود المراقبة أو ضعفها، وضعف الحصيلة الشرعية عند بعض العاملين فيها تقع أخطاء في تطبيق بعض العقود بسبب عدم مراعاة الضوابط الشرعية التي وضعتها هيئة الفتوى لجواز المعاملات، مما يجعل المعاملة لا تختلف عن نظيرتها في البنك الربوي، ويفتح ألسنة بعض الناس بنقد البنوك الإسلامية، وأنها لا تختلف عن البنوك الربوية، ويشككون في مصداقية معاملاتها، وفي نزاهة هيئتها، فهم يتعاملون مع واقع، ولا يقرؤون الفتاوى التي أخرجتها الهيئة الشرعية، إضافة إلى أن البنوك الإسلامية محاربة من قبل البنوك الربوية؛ وقد كتب الدكتور رفيق المصري بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على إنشاء المصارف الإسلامية بحثًا بعنوان: "اختبار الفتاوى المالية، هل المشكلة في الفتوى أم في التطبيق؟ " (٢). مما يدل على وجود خلل في التطبيق، "لا سيما وأن الجمهور يتساءلون عن هذه المؤسسات والمصارف هل تعمل وفق الشريعة أم أنها تحاكي المؤسسات والمصارف التقليدية" (٣)، وقد ضرب الشيخ ابن منيع مثالًا لمعاملة يساء تطبيقها في البنوك الإسلامية؛ بحيث تطبق بشكل صوري لَمّا سُئِل: هل ترى أن هناك
стр. 253
عقودًا صورية في البنوك الإسلامية؟، فأجاب: بـ"لا شك أنه توجد عقود صورية؛ ما يسمى الآن بالتورق المنظم؛ حيث يأتي العميل للبنك، ويقول: أنا في حاجة إلى ١٠٠ ألف ريال فيقول البنك: تفضل، هذي مجموعة أوراق مستندية وقِّعها، وغدًا تجد ما تريد في حسابك، فماذا عمل؟ هل اشترى أو باع؟ " (١).
وكذلك أفتى الدكتور الصديق الضرير بجواز الاتفاق بين الدائن والمدين-البنك والعميل- على التعويض عن الضرر الحقيقي الفعلي مسبقًا إذا تأخر المدين في السداد، واشترط أن يكون تقديره على أساس الربح الفعلي الذي حققه الدائن-البنك- في المدة التي تأخر المدين فيها بالوفاء (٢)، ثم أوقف العمل بفتواه؛ لعدم مراعاة البنك لهذا القيد أو الشرط، قال الدكتور: "البنك الذي أصدرت له الفتوى لم يستطع تنفيذها التنفيذ الصحيح الذي قصدته؛ لأنه أراد أن يعتمد على الربح التقريبي، وليس الفعلي في تقدير الضرر، فوجهت بوقف العمل بالفتوى خوفًا من أن يؤدي تنفيذها إلى ما يشبه الفائدة (الربا) " (٣).
فعدم مراعاة القيود والشروط في المعاملات التي يتم هندستها هندسة مالية إسلامية، يجعلها مجرد قيود شكلية، ويكون سببًا في الوقوع في بعض المحرمات التي ما أنشئت الهندسة المالية الإسلامية إلا للفرار منها، وهذا يؤكد على أهمية الدور الذي تقوم به هيئات
стр. 254
المراقبة الشرعية في البنوك الإسلامية، وأنها تعزز من ثقة الناس بهذه المصارف، إذا تم اختيار المراقب بطريقة صحيحة، وتمت المراقبة كذلك بطريقة صحيحة.
стр. 255
الباب الثاني: تطبيقات للهندسة المالية الإسلامية
وفيه فصلان:
الفصل الأول: تطبيقات للهندسة المالية الإسلامية في الفقه الإسلامي
الفصل الثاني: تطبيقات معاصرة للهندسة المالية الإسلامية
стр. 256
تمهيد:
مصطلح الهندسة المالية مصطلح حديث النشأة، وإن كان من حيث الوجود قديمًا قدم المعاملات المالية (١)، وفي الفقه الإسلامي يوجد العديد من التطبيقات للهندسة المالية الإسلامية (٢)، وكذلك في المعاملات المالية المعاصرة يوجد العديد من التطبيقات للهندسة المالية الإسلامية، وفي الفصل الأول دراسة لبعض تطبيقات الهندسة المالية الإسلامية في الفقه الإسلامي؛ وهذه التطبيقات هي: بيع الوفاء، وبيع الاستجرار، وبيع العينة، والسُفْتَجة، والتورق، والإجارة الموصوفة في الذمة، وفي الفصل الثاني دراسة لبعض التطبيقات المعاصرة للهندسة المالية الإسلامية؛ وهذه التطبيقات هي: السلم الموازي، والاستصناع الموازي، والصكوك الإسلامية،
стр. 257
والتورق المصرفي، والمرابحة للآمر بالشراء، والإجارة المنتهية بالتمليك، والمشاركة المنتهية بالتمليك، وبطاقات الائتمان. وبيان ذلك في الفصلين التاليين.
стр. 258
الفصل الأول: تطبيقات للهندسة المالية الإسلامية في الفقه الإسلامي
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: بيع الوفاء.
المبحث الثاني: بيع الاستجرار.
المبحث الثالث: بيع العينة.
المبحث الرابع: السُفْتَجة.
المبحث الخامس: التورق.
المبحث السادس: الإجارة الموصوفة في الذمة.
стр. 259
المبحث الأول:
بيع الوفاء
المطلب الأول: تعريف بيع الوفاء
بيع الوفاء مركب إضافي من كلمتين: البيع، والوفاء، ولابد من تعريف كل كلمة على حده، ثم يتم تعريفه مركبًا منهما.
فالبيع في اللغة ضد الشراء، والبيع: الشراء أيضًا، وهو من الأضداد (١)، قال ابن فارس: "الباء والياء والعين أصل واحد، وهو بيع الشيء، وربما سمي الشرى بيعًا. والمعنى واحد" (٢).
والبيع في الاصطلاح هو: "مبادلة المال بالمال، تمليكًا، وتملّكًا" (٣). وله تعريفات أخرى قريبة من هذا المعنى (٤).
والوفاء في اللغة يدل على إكمال الشيء وإتمامه؛ ومن الوفاء: إتمام العهد وإكمال الشرط. ويقال: أوفيتك الشيء؛ إذا قضيته إياه وافيًا، وتوفيت الشيء واستوفيته، إذا أخذته كله حتى لم تترك منه شيئًا (٥).
стр. 260
والوفاء في الاصطلاح لا يخرج عن المعنى اللغوي.
وبعد تعريف البيع والوفاء، يتم تعريف بيع الوفاء؛ وهو: "البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع" (١).
وبيع الوفاء مصطلح خاص بالمذهب الحنفي، وله عدة مسميات في المذاهب الفقهية فيسمى عند الحنفية أيضًا: "بيع الإطاعة أو الطاعة" (٢)، و"بيع الأمانة" (٣)، و"بيع الجائز" (٤)، و"بيع المعاملة" (٥)، و"الرهن المعاد" (٦)، ويسمى في المذهب المالكي"بيع الثنيا" (٧)، وعند الشافعية يسمى"بيع العهدة" (٨)، والحنابلة يسمونه"بيع الأمانة" (٩).
стр. 261
المطلب الثاني: الهندسة المالية الإسلامية في بيع الوفاء
مقتضى البيع أن يكون الملك للمشتري، ويكون حر التصرف بما يشتريه، إلا أنه في بيع الوفاء أُجري تعديل على عقد البيع باستخدام الحيلة، أو المخرج الشرعي، فأضيف شرط رد المبيع متى ما رد البائع الثمن؛ ليحقق منفعة متبادلة للمتعاقدين؛ فالبائع يحصل على القرض، والمشتري يحصل على الانتفاع بالسلعة، مع ضمان رد القرض (١)، فالمشتري لا يملك حرية التصرف بما اشتراه، وأصبح من حق البائع أن يرد المبيع متى ما رد الثمن للمشتري؛ فالهندسة المالية في العقد هي إجراء تعديل على العقد من كون المشتري حر التصرف في المبيع إلى مقيد التصرف فيه، فمتى ما رد البائع الثمن يرد المشتري المبيع.
المطلب الثالث: دراسة للهندسة المالية الإسلامية في بيع الوفاء
الفرع الأول: حكم بيع الوفاء
اختلف الفقهاء في حكم بيع الوفاء على قولين:
القول الأول: أن بيع الوفاء محرم.
وهو قول بعض الحنفية (٢)، ومذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
стр. 262
القول الثاني: أن بيع الوفاء جائز.
وهو المذهب عند الحنفية (١).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن جابر بن عبدالله ﵄، قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الثُّنْيَا، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا" رواه مسلم (٢).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن الثنيا، وهي أن يستثني البائع شيئًا مجهولًا من المبيع؛ لما فيه من الغرر (٣)، وفي بيع الوفاء اشترط البائع رد المبيع متى ما رد الثمن على المشتري، والمدة التي يرد فيها الثمن مجهولة؛ فهي من الثنيا الممنوعة بنص الحديث (٤).
الدليل الثاني: ما جاء عند أبي داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ» (٥).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن الجمع بين السلف والبيع، وقد أجمع
стр. 263
الفقهاء على المنع من ذلك (١)، وبيع الوفاء يجمع بين السلف والبيع (٢)؛ "لأنه يكون مترددًا بين البيع والسلف; إن جاء بالثمن كان سلفًا، وإن لم يجئ كان بيعًا" (٣).
نوقش: بأن المراد بالحديث أن السلف يتميز عن ثمن البيع، أما في بيع الوفاء فالثمن إما يكون للبيع أو يكون سلفًا؛ فهو غير متميز، فلا يدخل في معنى الحديث (٤).
الدليل الثالث: عن عمرو بن العاص ﵁، أن النبي ﷺ : «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» رواه الطبراني (٥).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن اقتران الشرط بالبيع، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، وفي بيع الوفاء اقترن البيع بالشرط، فدل على فساده (٦).
يناقش: بأن هذا الحديث ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به (٧).
الدليل الرابع: أن في بيع الوفاء شرط رد السلعة متى ما رد البائع الثمن، وهو شرط ينافي مقتضى العقد، والشرط المنافي لمقتضى العقد باطل (٨).
стр. 264
نوقش: بأن هذا الكلام ليس على إطلاقه، فـ"إذا كان له غرض صحيح فإن الشرط صحيح" (١)، وإن كان يتنافى مع مقتضى العقد، وفي بيع الوفاء هناك مصلحة لأحد أطراف العقد؛ فلا ينبغي إهدارها (٢).
يجاب: بأن الشرط إذا كان ينافي مقتضى العقد ومقصوده، أو يخالف الشرع فهو باطل (٣)، ولا عبره بالمصلحة المتوهمة التي يحققها أحد الأطراف في مخالفة مقصود العقد، أو مخالفة الشرع، وفي بيع الوفاء منافاة لمقصود العقد، ومخالفة للشرع؛ فالمشتري لا يملك السلعة، ولا يتصرف فيها، وللبائع أن يفسخ البيع متى ما رد الثمن، وهذا ينافي مقصود العقد، فالعقد مقصوده الملك وحرية التصرف، ويخالف الشرع في أن المعاملة تؤول إلى الربا في الانتفاع بالسلعة مقابل القرض، وفي الجهل في وقت رد البيع، والجهالة نوع من الغرر، نهى الشارع عنه.
الدليل الخامس: أن حقيقة بيع الوفاء قرض جر نفعًا (٤)، فهو حيلة للتوصل للربا (٥)؛ قال ابن تيمية: "أما بيع الأمانة الذي مضمونه اتفاقهما على أن البائع إذا جاءه بالثمن أعاد عليه ملكه ذلك ينتفع به المشتري بالإجارة والسكن ونحو ذلك: هو بيع باطل باتفاق العلماء إذا كان الشرط مقترنًا بالعقد. وإذا تنازعوا في الشرط المقدم على العقد: فالصحيح
стр. 265
أنه باطل بكل حال، ومقصودهما إنما هو الربا بإعطاء دراهم إلى أجل ومنفعة الدراهم هي الربح" (١).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن عامة الناس بحاجة لبيع الوفاء، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة (٢)، فهو كالاستصناع أبيح لحاجة الناس (٣).
يناقش: بأن النهي عن بيع الوفاء؛ لأنه قرض جر نفعًا؛ فهو ربا، وأما الاستصناع فالنهي عنه لما فيه من الغرر، وفرق بين الربا والغرر؛ فالحاجة لا تنزل منزلة الضرورة في إباحة الربا، وتنزل منزلة الضرورة في إباحة الغرر بشروط، فالربا لا تبيحه إلا الضرورة، وقد سبق بيان ذلك (٤).
الدليل الثاني: أن حقيقة بيع الوفاء عبارة عن رهن مقابل الدين، والرهن يجوز الانتفاع به بإذن مالكه، وقد أذن له في ذلك (٥).
نوقش: بأن الرهن يختلف عن بيع الوفاء؛ فكل منهما عقد مستقل، له أحكامه المستقلة؛ فغاية الرهن توثيقية فقط، أما بيع الوفاء فغايته توثيق الدين وانتفاع الدائن بالعقار (٦)، وهو باطل؛ لأنه شرط رهنًا ينتفع به زيادة على الدين فصار قرضا جر منفعة (٧).
стр. 266
الدليل الثالث: أن الناس تعاملوا ببيع الوفاء، والقواعد تترك بالتعامل (١)، وجرى التعامل به في غالب بلاد المسلمين، وحكمت بمقتضاه الحكام، وأقره من يقول به من العلماء (٢).
يناقش: بأنه لا يسلم بأن القواعد تترك لأجل التعامل، وتعامل الناس لا يبيح المحظور، وقد أنكر جمهور العلماء بيع الوفاء على مر العصور، ولم يبيحوه لجريان العادة به، بل ردوه لمخالفته للشرع؛ فالعادة محكمة ما لم تخالف الشرع (٣)، وبيع الوفاء مخالف للشرع.
الدليل الرابع: أن بيع الوفاء جائز قياسًا على البيع بشرط الخيار المؤبد الذي أجازه الحنابلة (٤).
يناقش من وجهين: الوجه الأول: أن البيع بشرط الخيار المؤبد مختلف فيه، ومن شروط القياس أن يكون الأصل متفقًا عليه (٥).
الوجه الثاني: أن شرط الخيار المؤبد لا يصح على الصحيح من المذهب الحنبلي (٦)، وكذلك لا يصح عند المذاهب الفقهية الأخرى (٧)، بل نقل الإجماع على منعه (٨)؛ لأنها مدة
стр. 267
ملحقة بالعقد، فلا تجوز مع الجهالة؛ كالأجل؛ ولأن اشتراط الخيار أبدًا يقتضي المنع من التصرف على الأبد، وذلك ينافي مقتضى العقد، فلم يصح (١).
الترجيح: بعد عرض القولين، وأدلتهما، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي-والله أعلم- أن القول الراجح هو القول الأول القائل إن بيع الوفاء محرم؛ لقوة أدلته مقابل ضعف أدلة القول الثاني أمام ما ورد عليها من المناقشة؛ ولأن حقيقة بيع الوفاء قرض جر نفعًا، والبيع صوري لا حقيقة له؛ ومما يدل على ذلك أن الباعث لهذه المعاملة ليس البيع، إنما هو حاجة الناس للقرض، ورفض أصحاب الأموال القرض إلا بمنفعة، فتعاملوا ببيع الوفاء ليحتالوا على نفع الدائن من طريق لا يعد ربًا في نظرهم (٢)، "وهيهات لهم ذلك؛ لأن الحرام حرام من أي طريق وصلوا إليه" (٣)، جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن بيع الوفاء: "إن حقيقة هذا البيع (قرض جر نفعًا) فهو تحايل على الربا، وبعدم صحته قال جمهور العلماء" (٤).
الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في بيع الوفاء
على القول الذي يجيز بيع الوفاء فإن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت بيع الوفاء مخرجًا شرعيًا يحقق منفعة متبادلة للمتعاقدين، فالبائع يحصل على القرض، والمشتري يحصل على الانتفاع بالسلعة، مع ضمان رد القرض (٥)، أما على القول الراجح الذي يحرم بيع الوفاء
стр. 268
فإن الهندسة المالية فيه لا تعد إسلامية، وهي سبب لتحريمه؛ لأن الأصل في القرض أن يرد المقترض القرض نفسه دون زيادة، إلا أنه في بيع الوفاء استخدمت الحيلة ليتوصل إلى الزيادة على القرض ببيع سلعة صوريًا ينتفع بها المقرض مدة القرض، فيحصل المقترض على القرض، ويحصل المقرض على القرض وزيادة عليه الانتفاع بالسلعة مدة القرض، فالهندسة المالية عبارة عن قرض جر نفعًا، والبيع حيلة للتوصل للربا.
стр. 269
المبحث الثاني:
بيع الاستجرار
المطلب الأول: تعريف بيع الاستجرار
سبق تعريف البيع لغةً واصطلاحًا (١). أما الاستجرار فهو في اللغة مأخوذ من جر يجر جرًا، وهو مد الشيء وسحبه (٢)، وجررت الحبل وغيره أجره جرًا. وانجر الشيء: انجذب (٣)، وأجررت الدين إذا مددت وقت السداد وتركت الدين باقيًا على المديون (٤). ولا يخرج معنى الاستجرار في الاصطلاح عن معناه اللغوي.
وأما بيع الاستجرار في الاصطلاح، فهو: "ما يستجره الإنسان من البياع إذا حاسبه على أثمانها بعد استهلاكها" (٥)، أو" أخذ الحوائج من البياع شيئًا فشيئًا، ودفع ثمنها بعد ذلك" (٦)، والمعنى قريب. ويسمى هذا البيع بيع الاستجرار في المذهب الحنفي (٧)، والشافعي (٨)، أما المالكية فيسمونه"بيع أهل المدينة" (٩)، وأما الحنابلة فيذكرون له صورًا دون أن ترد له تسمية عندهم (١٠).
стр. 270
المطلب الثاني: الهندسة المالية الإسلامية في بيع الاستجرار
الأصل أن البيع يتم يدًا بيد، وما سمي البيع بيعًا إلا لأن كل واحد من المتبايعين يمد باعه لصاحبه وقت الأخذ والإعطاء (١)، إلا أنه في بيع الاستجرار يتفق المشتري مع البائع أن يأخذ منه الحوائج شيئًا فشيئًا، ويسدده بعد مدة، إما عند رأس الشهر، أو السنة (٢)؛ فالهندسة المالية في بيع الاستجرار تكون بالتعديل على العقد بأن يأخذ المشتري حوائجه شيئًا فشيئًا، ويؤخر دفع ثمنها، فينتفع المشتري بهذه المهلة، وينتفع البائع بكثرة المتعاملين معه.
المطلب الثالث: دراسة للهندسة المالية الإسلامية في بيع الاستجرار
الفرع الأول: حكم بيع الاستجرار
اتفق الفقهاء -في الجملة- على جواز بيع الاستجرار إذا كان الثمن معلومًا (٣)، واختلفوا في حكمه إذا كان الثمن مجهولًا على قولين:
стр. 271
القول الأول: أنه بيع محرم. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥)، ونقل الإجماع على ذلك (٦).
القول الثاني: أنه بيع جائز. وهو وجه عند الشافعية (٧)، ورواية عند الحنابلة (٨)، اختارها ابن تيمية (٩)، وابن القيم (١٠).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» رواه مسلم (١١).
стр. 272
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر؛ والبيع مع جهل الثمن غرر يؤدي إلى الخصومة والنزاع (١).
نوقش من وجهين: الوجه الأول: بأن النبي ﷺ نهى عن بيع المبيع الذي هو غرر، فالمبيع نفسه هو الغرر؛ كالثمرة قبل بدو صلاحها، أما البيع في حال الجهل بالثمن فلا يسمى غررًا (٢).
يجاب: بأنه لا يسلم بأن الجهل بالثمن لا يسمى غررًا؛ فالجهل بالثمن غرر كالجهل بالمبيع؛ "لأنه أحد العوضين" (٣)، والجهل به يؤدي إلى الخصومة والنزاع كالجهل بالمبيع، وقد ذكر ابن تيمية في موضع آخر أن الجهل بالثمن غرر (٤).
الوجه الثاني: بأنه جهل يؤول إلى علم وسيتمكن من معرفة الثمن (٥)، ثم إن تراضيا به، وإلا ترادّا السلعة، فإن فاتت فثمن المثل، فلا وكس ولا شطط (٦).
يجاب: بأن الشارع إنما نهى عن الغرر لكي لا يحدث الاختلاف والخصومة، ثم رد السلعة، أو الوصول للقضاء وإجبار البائع أن يبيع بثمن المثل وهو غير راض، خاصة في السلع التي تتفاوت أسعارها كثيرًا، ولو جاز البيع بجهالة الثمن على هذه الكيفية، لجاز بجهالة المبيع، ثم إن تراضيا وإلا ترادّا الثمن، أو يعوض مثل المبيع، وهذا باطل للغرر، والأول مثله.
стр. 273
الدليل الثاني: إجماع العلماء أن البيع لا يجوز مع الجهل بالثمن (١).
نوقش: بعدم صحة الإجماع في هذه المسألة؛ لثبوت الخلاف فيها (٢).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣).
وجه الدلالة من الآية: أن الله اشترط في البيع حصول التراضي، وإذا تم التراضي بين البائع والمشتري فالبيع صحيح، ولا يضر الجهل بالثمن؛ لأن التراضي يحصل من غالب الخلق بالسعر العام، وبما يبيع به عموم الناس، فإن غبنه فله الخيار (٤).
يناقش: بأن التراضي لابد أن يكون مع مراعاة الضوابط الشرعية؛ قال ابن تيمية: " قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٥). لكن لا بد من مراعاة الشروط الشرعية" (٦)، ومن الشروط الشرعية ألا يكون هناك غرر، والبيع مع جهالة الثمن من الغرر.
الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄، قال: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرَ، فَكَانَ يَغْلِبُنِي، فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ القَوْمِ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ، فَيَزْجُرُهُ
стр. 274
عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: «بِعْنِيهِ»، قَالَ: هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «بِعْنِيهِ» فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ» " رواه البخاري (١).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ "اشترى من عمر بعيره، ووهبه لعبدالله بن عمر، ولم يقدر ثمنه" (٢).
يناقش: بأن الحديث ليس فيه دلالة على أنه لم يقدر ثمنه، بل إن لفظ"فباعه"، وفي رواية: "فاشتراه" (٣) يدل على البيع، والشراء المعروف المعلوم الثمن والمثمن.
الدليل الثالث: "أن هذا عمل المسلمين دائمًا، لا يزالون يأخذون من الخباز الخبز، ومن اللحام اللحم، ومن الفامي (٤) الطعم، ومن الفاكهي الفاكهة، ولا يقدرون الثمن، بل يتراضيان بالسعر المعروف، ويرضى المشتري بما يبيع البائع لغيره من الناس" (٥).
يناقش من وجهين: الوجه الأول: أن عمل الناس لا يعد دليلًا خاصة إذا خالف الشرع؛ فالعادة محكمة ما لم تخالف الشرع (٦)؛ وقد قال النووي منكرًا هذا العمل: "فأما إذا أخذ منه شيئًا، ولم يعطه شيئًا، ولم يتلفظا ببيع، بل نويا أخذه بثمنه المعتاد كما يفعله كثير من
стр. 275
الناس، فهذا باطل بلا خلاف؛ لأنه ليس ببيع لفظي، ولا معاطاة، ولا يعد بيعًا؛ فهو باطل ولنعلم هذا ولنحترز منه، ولا نغتر بكثرة من يفعله، فإن كثيرًا من الناس يأخذ الحوائج من البياع مرة بعد مرة من غير مبايعة، ولا معاطاة ثم بعد مدة يحاسبه ويعطيه العوض وهذا باطل بلا خلاف" (١).
الوجه الثاني: أن الأشياء التي يأخذها الناس من البائع، والتي ذكرها ابن تيمية؛ كالخبز، واللحم، والفاكهة، لا تدل على جواز البيع مع الجهل بالثمن مطلقًا، إنما تدل على أن هذه الأشياء مما يُتسامح فيها؛ لأن أسعارها لا تتفاوت، فليس الغرر فيها مؤثرًا، قال ابن الهمام: "ومما لا يجوز البيع به: البيع بقيمته، أو بما حل به، أو بما تريد … وكذا لا يجوز بمثل ما يبيع الناس إلا أن يكون شيئا لا يتفاوت؛ كالخبز واللحم" (٢).
الدليل الرابع: القياس على النكاح، فكما أن النكاح يجوز دون ذكر المهر، فكذلك البيع من باب أولى؛ لأن الله اشترط العوض في النكاح، ولم يشترطه في إعطاء الأموال (٣).
يناقش: بأن العوض في النكاح ليس مقصودًا، أو هو ليس المقصود الأعظم فيه، يقول ابن تيمية: "إن العوض عما ليس بمال؛ كالصداق، والكتابة، والفدية في الخلع، والصلح عن القصاص، والجزية والصلح مع أهل الحرب، ليس يجب أن يعلم كما يعلم الثمن والأجرة، ولا يقاس على بيع الغرر كل عقد على غرر؛ لأن الأموال إما أن لا تجب في هذه العقود، أو ليست هي المقصود الأعظم فيها، وما ليس هو المقصود إذا وقع فيه غرر لم يفض إلى المفسدة المذكورة في البيع" (٤).
стр. 276
الترجيح: بعد عرض القولين، وأدلتهما، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة منها، تبين لي-والله أعلم- أن الراجح في بيع الاستجرار أنه لا يجوز إذا كان ثمن السلعة في السوق غير ثابت ويتفاوت تفاوتًا كبيرًا؛ للغرر المؤدي إلى النزاع والخصومة، أما إذا كان ثمن السلعة في السوق يتفاوت تفاوتًا يسيرًا؛ كالفاكهة، وسلع البقال، واللحم فإنه جائز؛ لأن هذا الغرر مما يتسامح فيه، والجهالة التي فيه لا تفضي إلى النزاع، كذلك إذا كان ثمن السلعة موحدًا في السوق، ومنضبطًا بمعيار معلوم يعرفه كل أحد، فلا يحتاج لذكر الثمن وقت البيع؛ لعلم الجميع به (١).
الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في بيع الاستجرار
على القول الذي يجيز بيع الاستجرار مطلقًا، أو على القول الراجح الذي يجيز بيع الاستجرار إذا كان ثمن السلعة في السوق يتفاوت تفاوتًا يسيرًا، أو كان الثمن موحدًا في السوق، فإن الهندسة المالية الإسلامية انتجت بيع الاستجرار لينتفع المشتري في تأخير السداد، وينتفع البائع في كثرة العملاء، أما على القول الذي يحرم بيع الاستجرار مطلقًا، أو على القول الراجح الذي يحرم بيع الاستجرار إذا كان ثمن السلعة في السوق يتفاوت تفاوتًا كبيرًا، فإن الهندسة المالية في بيع الاستجرار لا تعد إسلامية، وهي سبب لتحريمه؛ لوجود الغرر المفضي إلى النزاع والخصومة.
стр. 277
المبحث الثالث:
بيع العينة
المطلب الأول: تعريف بيع العينة
سبق تعريف البيع لغة واصطلاحًا (١). أما تعريف العينة في اللغة فهي مأخوذة من العين، وهو النقد الحاضر، وسميت عينة لحصول النقد لطالب العينة (٢).
وأما العينة في الاصطلاح: فـ"هي أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به" (٣)، وللعينة صور كثيرة في المذاهب الفقهية، وهذه أشهرها (٤).
المطلب الثاني: الهندسة المالية الإسلامية في بيع العينة
إقراض المال وأخذ الزيادة عليه ربا، وليسلم بعض الناس من الربا يقومون باستخدام الحيلة أو المخرج الفقهي ببيع سلعة على المشتري -المحتاج للمال-بثمن مؤجل ثم شرائها
стр. 278
منه نقدًا بثمن أقل (١)؛ فالهندسة المالية تكون بتعديل المعاملة باستخدام الحيلة أو المخرج ليحصل على المال بالبيع بدلًا من التعامل بالربا.
المطلب الثالث: دراسة للهندسة المالية الإسلامية في بيع العينة
الفرع الأول: حكم بيع العينة
اختلف الفقهاء في حكم بيع العينة على قولين:
القول الأول: أن بيع العينة محرم. وهو قول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤).
القول الثاني: أن بيع العينة جائز. وهو قول الشافعية (٥)، والظاهرية (٦).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن ابن عمر ﷺ ، قال: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا
стр. 279
يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» رواه أبو داود وغيره (١).
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث وعيدًا وزجرًا على من ارتكب هذه الخصال التي وردت في الحديث، ومنها: التبايع بالعينة، ولو لم تكن محرمة لما جاء فيها هذا الوعيد الشديد (٢).
نوقش: بأن هذا الحديث ضعيف لا ينهض دليلًا على التحريم (٣)، و"تفرد الضعفاء بهذا الحديث على أهميته علّة فيه توجب رده، إذ لو كان الحديث صحيحًا لم يتفرد به هؤلاء
стр. 280
الضعفاء" (١)، وليس في الحديث دلالة على تحريم كل خصلة من هذه الخصال بانفرادها، بل التحريم لجميع هذه الخصال إذا أشغلت عن الجهاد في سبيل الله، فالذل لا يكون إلا بترك الجهاد (٢).
الدليل الثاني: عن أبي إسحاق (٣)، عن امرأته، أنها دخلت على عائشة ﵂ في نسوة فسألتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين، كانت لي جارية، فبعتها من زيد بن أرقم بثمان مائة إلى أجل، ثم اشتريتها منه بست مائة، فنقدته الستمائة، وكتبت عليه ثمان مائة، فقالت عائشة ﵂: "بئس والله ما اشتريت، وبئس والله ما اشترى، أخبري زيد بن أرقم: أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب"؛ فقالت المرأة لعائشة ﵂: أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل؟ قالت: " ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾ (٤) الآية، أو قالت: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٥) الآية" مصنف عبدالرزاق (٦).
стр. 281
وجه الدلالة من الأثر: بأن هذا التغليظ من عائشة ﵂ على هذا البيع يدل على تحريمه، "والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه، إلا بتوقيف سمعته من رسول الله ﷺ فجرى مجرى روايتها ذلك عنه" (١).
نوقش: بأن هذا الأثر لا يحتج به من حيث السند (٢)، "ومنكر اللفظ لا أصل له؛ لأن الأعمال الصالحة لا يحبطها الاجتهاد، وإنما يحبطها الارتداد، ومحال أن تلزم عائشة زيدًا التوبة برأيها ويكفره اجتهادها فهذا ما لا ينبغي أن يظن بها ولا يقبل عليها" (٣).
الدليل الثالث: أن العينة حيلة للتوصل للربا (٤)، "لأنها يتوصل بها إلى دفع قليل في كثير، وإن لم يصرح المتعاقدان بذلك" (٥)، قال النووي: "واحتج بهذا الحديث أصحابنا وموافقوهم في أن مسألة العينة ليست بحرام، وهي الحيلة التي يعملها بعض الناس توصلًا إلى مقصود الربا، بأن يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتين فيبيعه ثوبا بمائتين ثم يشتريه منه بمائة" (٦)، فالنووي يصرح أن العينة حيلة للوصول للربا، والمجيزون للعينة لا يرون تحريم الحيل، والعبرة عندهم بظاهر العقود دون مقاصدها (٧)، وقد سبق ذكر الخلاف في الحيل، وبيان رجحان تحريمها (٨).
стр. 282
الدليل الرابع: أن العينة محرمة حتى لو لم يقصد البائع بها التحايل على الربا؛ سدًا للذريعة، قال ابن تيمية: " الذرائع حرمها الشارع، وإن لم يقصد بها المحرم، خشية إفضائها إلى المحرم، فإذا قصد بالشيء نفس المحرم كان أولى بالتحريم من الذرائع، وبهذا التحرير يظهر علّة التحريم في مسائل العينة وأمثالها، وإن لم يقصد البائع الربا؛ لأن هذه المعاملة يغلب فيها قصد الربا، فيصير ذريعة، فيسد هذا الباب لئلا يتخذه الناس ذريعة إلى الربا" (١).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢).
وجه الدلالة من الآية: أن الله أحل كل بيع إلا ما دل الدليل على تحريمه، والعينة من البيع الحلال؛ لعدم ثبوت الدليل بحرمتها (٣).
نوقش: بأن الدليل دل على تحريم العينة؛ وهذه الآية من ضمن الأدلة التي تحرم العينة؛ لأن الله حرم الربا، والعينة ربًا وليست بيعًا، وإن سماها مستحلها بيعًا؛ فإن الله لم يحرم الربا لمجرد صورته ولفظه، وإنما حرم لحقيقته ومقصوده، وتلك الحقيقة قائمة فى العينة، والمتعاقدان يعلمان ذلك من أنفسهما، ويعلمه من شاهد حالهما، فتواطؤهما على الربا، ثم إظهاره بيعًا، يتوسلان به إلى أن يعطيه مائة حالّة بمائة وعشرين مؤجلة، فهذا ليس من البيع المأذون فيه، بل من الربا المنهي عنه (٤).
стр. 283
الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَفْعَلْ، بِعْ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» متفق عليه (١).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ لم يفصل بين أن يشتري من المشتري أو من غيره، فقط أرشده إلى الخلاص من الربا بذلك، وان كان المقصود تحصيل الجنيب بالجمع، فدل على جواز العينة (٢).
نوقش: بأن الحديث إنما كان لبيان الطريق الذي يتم به الحصول على التمر الجنيب لمن عنده تمر رديء، ولم يتعرض الحديث لشروط البيع أو موانعه، ولا لجواز شراء التمر الجنيب ممن باع منه التمر الأول، ولا عدمه؛ إنما أحيل المخاطب إلى البيع الصحيح المكتمل الشروط المنتفي الموانع الذي يتعارفه الناس، وليس في الحديث الإذن في بيع يكون وسيلة وذريعة ظاهرة إلى ما هو ربا صريح (٣).
الدليل الثالث: أن من اشترى السلعة ممن باعها له بعد مدة؛ فالبيع صحيح بالإجماع، فكذلك إذا اشتراها منه بعدما باعها له مباشرة، فلا فرق بين التعجيل والتأجيل (٤).
يناقش: بأنه لا يسلم بعدم وجود الفرق بين التعجيل والتأجيل، فإن وجود المدة دلالة على أن المتبايعين يريدان حقيقة البيع، بعكس بيع السلعة على البائع مباشرة فإنه يدل على أن المتبايعين لا يريدان حقيقة البيع، إنما كانت السلعة وسيلة لمبادلة دراهم بدراهم وزيادة.
стр. 284
الترجيح: بعد عرض القولين، وأدلتهما، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي -والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول القائل أن بيع العينة محرم؛ وذلك لأن العينة حيلة للتوصل للربا، ولو فرض أن البائع لا يقصد الربا، فهي ذريعة للربا، وتمنع سدًا للذريعة.
الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في بيع العينة
على القول الذي يجيز بيع العينة فإن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت بيع العينة مخرجًا شرعيًا عن الربا، يستفيد البائع الربح مع ضمان رجوع سلعته له، أما على القول الراجح الذي يحرم بيع العينة فإن الهندسة المالية فيه لا تعد إسلامية، وهي سبب في تحريمه؛ لأنها حيلة للتوصل للربا.
стр. 285
المبحث الرابع:
السُفْتَجة
المطلب الأول: تعريف السُفْتَجة
السُفْتَجة في اللغة تعريب لكلمة سفته الفارسية، وتعني الشيء المحكم (١)، والسُفْتَجة: أن يعطي مالًا لآخر، وللآخر مال في بلد المعطي فيوفيه إياه ثَمَّ، أي هناك، فيستفيد أمن الطريق (٢).
والسُفْتَجة في المذاهب الفقهية مطابقة لهذا التعريف (٣)، وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية بيان لصورة السُفْتَجة، وهي: "أن يقرض شخص غيره - تاجرًا أو غير تاجر- في بلد ويطلب من المستقرض أن يكتب له كتابًا يستوفي بموجبه بدل القرض في بلد آخر من شريك المقترض أو وكيله" (٤).
المطلب الثاني: الهندسة المالية الإسلامية في السُفْتَجة
الأصل أن وفاء القرض يكون في بلد القرض (٥)، وفي السُفْتَجة تعديل على هذا الأصل