← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1111

فقه الهندسة المالية الإسلامية

مرضي العنزي

Полный текст (444 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وجه الدلالة من الأثر: بأن هذا التغليظ من عائشة ﵂ على هذا البيع يدل على تحريمه، "والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه، إلا بتوقيف سمعته من رسول الله ﷺ فجرى مجرى روايتها ذلك عنه" (١). نوقش: بأن هذا الأثر لا يحتج به من حيث السند (٢)، "ومنكر اللفظ لا أصل له؛ لأن الأعمال الصالحة لا يحبطها الاجتهاد، وإنما يحبطها الارتداد، ومحال أن تلزم عائشة زيدًا التوبة برأيها ويكفره اجتهادها فهذا ما لا ينبغي أن يظن بها ولا يقبل عليها" (٣). الدليل الثالث: أن العينة حيلة للتوصل للربا (٤)، "لأنها يتوصل بها إلى دفع قليل في كثير، وإن لم يصرح المتعاقدان بذلك" (٥)، قال النووي: "واحتج بهذا الحديث أصحابنا وموافقوهم في أن مسألة العينة ليست بحرام، وهي الحيلة التي يعملها بعض الناس توصلًا إلى مقصود الربا، بأن يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتين فيبيعه ثوبا بمائتين ثم يشتريه منه بمائة" (٦)، فالنووي يصرح أن العينة حيلة للوصول للربا، والمجيزون للعينة لا يرون تحريم الحيل، والعبرة عندهم بظاهر العقود دون مقاصدها (٧)، وقد سبق ذكر الخلاف في الحيل، وبيان رجحان تحريمها (٨).

стр. 282

الدليل الرابع: أن العينة محرمة حتى لو لم يقصد البائع بها التحايل على الربا؛ سدًا للذريعة، قال ابن تيمية: " الذرائع حرمها الشارع، وإن لم يقصد بها المحرم، خشية إفضائها إلى المحرم، فإذا قصد بالشيء نفس المحرم كان أولى بالتحريم من الذرائع، وبهذا التحرير يظهر علّة التحريم في مسائل العينة وأمثالها، وإن لم يقصد البائع الربا؛ لأن هذه المعاملة يغلب فيها قصد الربا، فيصير ذريعة، فيسد هذا الباب لئلا يتخذه الناس ذريعة إلى الربا" (١). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢). وجه الدلالة من الآية: أن الله أحل كل بيع إلا ما دل الدليل على تحريمه، والعينة من البيع الحلال؛ لعدم ثبوت الدليل بحرمتها (٣). نوقش: بأن الدليل دل على تحريم العينة؛ وهذه الآية من ضمن الأدلة التي تحرم العينة؛ لأن الله حرم الربا، والعينة ربًا وليست بيعًا، وإن سماها مستحلها بيعًا؛ فإن الله لم يحرم الربا لمجرد صورته ولفظه، وإنما حرم لحقيقته ومقصوده، وتلك الحقيقة قائمة فى العينة، والمتعاقدان يعلمان ذلك من أنفسهما، ويعلمه من شاهد حالهما، فتواطؤهما على الربا، ثم إظهاره بيعًا، يتوسلان به إلى أن يعطيه مائة حالّة بمائة وعشرين مؤجلة، فهذا ليس من البيع المأذون فيه، بل من الربا المنهي عنه (٤).

стр. 283

الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَفْعَلْ، بِعْ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» متفق عليه (١). وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ لم يفصل بين أن يشتري من المشتري أو من غيره، فقط أرشده إلى الخلاص من الربا بذلك، وان كان المقصود تحصيل الجنيب بالجمع، فدل على جواز العينة (٢). نوقش: بأن الحديث إنما كان لبيان الطريق الذي يتم به الحصول على التمر الجنيب لمن عنده تمر رديء، ولم يتعرض الحديث لشروط البيع أو موانعه، ولا لجواز شراء التمر الجنيب ممن باع منه التمر الأول، ولا عدمه؛ إنما أحيل المخاطب إلى البيع الصحيح المكتمل الشروط المنتفي الموانع الذي يتعارفه الناس، وليس في الحديث الإذن في بيع يكون وسيلة وذريعة ظاهرة إلى ما هو ربا صريح (٣). الدليل الثالث: أن من اشترى السلعة ممن باعها له بعد مدة؛ فالبيع صحيح بالإجماع، فكذلك إذا اشتراها منه بعدما باعها له مباشرة، فلا فرق بين التعجيل والتأجيل (٤). يناقش: بأنه لا يسلم بعدم وجود الفرق بين التعجيل والتأجيل، فإن وجود المدة دلالة على أن المتبايعين يريدان حقيقة البيع، بعكس بيع السلعة على البائع مباشرة فإنه يدل على أن المتبايعين لا يريدان حقيقة البيع، إنما كانت السلعة وسيلة لمبادلة دراهم بدراهم وزيادة.

стр. 284

الترجيح: بعد عرض القولين، وأدلتهما، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي -والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول القائل أن بيع العينة محرم؛ وذلك لأن العينة حيلة للتوصل للربا، ولو فرض أن البائع لا يقصد الربا، فهي ذريعة للربا، وتمنع سدًا للذريعة. الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في بيع العينة على القول الذي يجيز بيع العينة فإن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت بيع العينة مخرجًا شرعيًا عن الربا، يستفيد البائع الربح مع ضمان رجوع سلعته له، أما على القول الراجح الذي يحرم بيع العينة فإن الهندسة المالية فيه لا تعد إسلامية، وهي سبب في تحريمه؛ لأنها حيلة للتوصل للربا.

стр. 285

المبحث الرابع: السُفْتَجة المطلب الأول: تعريف السُفْتَجة السُفْتَجة في اللغة تعريب لكلمة سفته الفارسية، وتعني الشيء المحكم (١)، والسُفْتَجة: أن يعطي مالًا لآخر، وللآخر مال في بلد المعطي فيوفيه إياه ثَمَّ، أي هناك، فيستفيد أمن الطريق (٢). والسُفْتَجة في المذاهب الفقهية مطابقة لهذا التعريف (٣)، وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية بيان لصورة السُفْتَجة، وهي: "أن يقرض شخص غيره - تاجرًا أو غير تاجر- في بلد ويطلب من المستقرض أن يكتب له كتابًا يستوفي بموجبه بدل القرض في بلد آخر من شريك المقترض أو وكيله" (٤). المطلب الثاني: الهندسة المالية الإسلامية في السُفْتَجة الأصل أن وفاء القرض يكون في بلد القرض (٥)، وفي السُفْتَجة تعديل على هذا الأصل

стр. 286

بأن يكون وفاء القرض في غير بلد القرض، بأن يطلب المقرض من المقترض سداد القرض في بلد آخر، فينتفع بأمن خطر الطريق، وينتفع المقترض بالقرض، وبأمن الطريق أيضًا (١). المطلب الثالث: دراسة للهندسة المالية الإسلامية في السُفْتَجة الفرع الأول: حكم السُفْتَجة اتفق الفقهاء على جواز السُفْتَجة إذا لم يكن لحملها مؤونة إن كانت من غير شرط (٢)، وأما إذا كانت بشرط فقد اختلفوا على قولين: القول الأول: أن السُفْتَجة لا تجوز. وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧).

стр. 287

القول الثاني: أن السُفْتَجة جائزة. وهو رواية عند المالكية (١)، ورواية عند الحنابلة (٢) اختارها ابن قدامة (٣)، وابن تيمية (٤)، وابن القيم (٥). أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا» رواه الحارث بن أبي أسامة (٦). وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث النهي عن قرض جر منفعة، وقد أجمع العلماء على معناه (٧)، والسُفْتَجة داخلة في هذا؛ لأنها تجر منفعة للمقرض بسقوط خطر الطريق عنه (٨).

стр. 288

نوقش: بأن الحديث لا يثبت عن النبي ﷺ (١)، وأنه ليس كل منفعة في القرض محرمة، لأنه لا يخلو قرض من منفعة (٢)؛ فالمحرم هو "المنفعة الزائدة المتمحضة المشروطة للمقرض، ولا يقابلها أي منفعة للمقترض سوى القرض" (٣)، قال ابن القيم: "والمنفعة التي تجر إلى الربا في القرض هي التي تخص المقرض" (٤)، وهذا لا ينطبق على المنفعة في السُفْتَجة؛ لأن المنفعة فيها للمقرض والمقترض معًا (٥)، وهي"مشتركة بينهما، وهما متعاونان عليها، فهي من جنس التعاون والمشاركة" (٦)، قال ابن تيمية: "المقرض رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد، وقد انتفع المقترض أيضا بالوفاء في ذلك البلد وأمن خطر الطريق، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عما ينفعهم ويصلحهم، وإنما ينهى عما يضرهم" (٧). الدليل الثاني: عن جابر بن سمرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «السُّفْتَجَاتُ حَرَامٌ» رواه ابن عدي (٨).

стр. 289

وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث نهيًا صريحًا عن السفتجات (١). نوقش: بأن الحديث لا يثبت عن النبي ﷺ (٢). الدليل الثالث: عن زينب امرأة عبدالله بن مسعود ﵄، قالت: أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ خَمْسِينَ وَسْقًا تَمْرًا بِخَيْبَرَ وَعِشْرِينَ شَعِيرًا، قَالَتْ: فَجَاءَنِي عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، فَقَالَ لِي: هَلْ لَكِ أَنْ أُوتِيَكِ مَالَكِ بِخَيْبَرَ هَا هُنَا بِالْمَدِينَةِ فَأَقْبَضَهُ مِنْكِ بِكَيْلِهِ بِخَيْبَرَ؟ فَقَالَتْ: لَا، حَتَّى أَسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ، قَالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: "لَا تَفْعَلِي فَكَيْفَ لَكِ بِالضَّمَانِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ"رواه البيهقي (٣). وجه الدلالة من الأثر: بأن هذه المعاملة التي سُئل عنها عمر ﵁ سفتجة، وقد نهى عنها؛ مما يدل على تحريمها (٤). نوقش: بأن الأثر ضعيف لا يصح الاحتجاج به (٥)، وقد روي عن بعض الصحابة جواز هذه المعاملة (٦)، وليس قول بعضهم حجة على بعض إلا بدليل.

стр. 290

الدليل الرابع: أن اشتراط الوفاء في غير بلد القرض يخرج عقد القرض عن موضوعه وهو الإرفاق، والقربة (١). نوقش: بأن هذا مسلم لو كانت المنفعة متمحضة للمقرض، لكنها هنا مشتركة بين المقرض والمقترض، فلا تخرجه عن موضوعه (٢). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: الآثار الواردة عن الصحابة الدالة على جواز السُفْتَجة (٣)، فقد روي عن علي ﵁: "لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الْمَالَ بِالْمَدِينَةِ وَيَأْخُذَ بِإِفْرِيقِيَّةَ" رواه ابن أبي شيبة (٤)، وروي عن ابن عباس وابن الزبير ﵄ أنهما كانا "لَا يَرَيَانِ بَأْسًا أَنْ يُؤْخَذَ الْمَالُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، وَيُعْطَى بِأَرْضِ الْعِرَاقِ أَوْ يُؤْخَذَ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ، وَيُعْطَى بِأَرْضِ الْحِجَازِ" رواه ابن أبي شيبة (٥)، وعند عبدالرزاق: "أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَسْتَلِفُ مِنَ التُّجَّارِ أَمْوَالًا، ثُمَّ يَكْتُبُ لَهُمْ إِلَى الْعُمَّالِ قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ إِلَى ابْنِ

стр. 291

عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ" (١). نوقش: بأن هذه الآثار لا تصح عن الصحابة (٢)، وما روي عن عمر ﵁ مخالف لما روي عنهم، وليس قول بعضهم حجة على بعض إلا بدليل. الدليل الثاني: أن الأصل في المعاملات الحل، ولم يرد دليل على تحريم السُفْتَجة، وأدلة المخالفين لا تقوى على تحريمها. نوقش: بأن السُفْتَجة فيها منفعة على القرض، وقد دل الدليل على أن كل قرض جر نفعًا فهو ربا (٣). وقد سبق الإجابة على هذه المناقشة بأن المنفعة المحرمة هي المتمحضة للمقرض إذا شرطها في العقد، ومنفعة السُفْتَجة لا تخص المقرض وحده، بل ينتفعان جميعًا، فكلاهما يأمن خطر الطريق، مع زيادة انتفاع المقترض بالقرض (٤).

стр. 292

الترجيح: بعد عرض القولين، وأدلتهما، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي-والله أعلم- أن القول الراجح هو القول الثاني القائل بجواز السُفْتَجة، وإن كانت بشرط؛ لأن الأصل في المعاملات الحل، وأدلة المخالفين لم تقو على المنع، وفي السُفْتَجة مصلحة للطرفين دون مضرة بأحدهما، "والشارع لا ينهى عما ينفعهم ويصلحهم، وإنما ينهى عما يضرهم" (١). الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في السُفْتَجة على القول الراجح الذي يجيز السُفْتَجة فإن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت السُفْتَجة لينتفع بها المقرض والمقترض معًا؛ المقرض ينتفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد، وينتفع المقترض أيضا بالوفاء في ذلك البلد وأمن خطر الطريق، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض (٢)، أما على القول الذي يحرم السُفْتَجة فإن الهندسة المالية في السُفْتَجة لا تعد إسلامية، وهي سبب لتحريم السُفْتَجة؛ لأنها قرض جر نفعًا مشروطًا في بداية العقد.

стр. 293

المبحث الخامس: التورق المطلب الأول: تعريف التورق التورق في اللغة مأخوذ من الوَرَق، والوَرَقُ يطلق على المال عمومًا (١)، و يقال رجل ورّاق أي كثير المال، والمُسْتَورِق: الذي يطلب الورق (٢). والتورق في الاصطلاح هو: "أن يشتري سلعة نسيئة، ثم يبيعها نقدا لغير البائع بأقل مما اشتراها به؛ ليحصل بذلك على النقد" (٣). ومصطلح التورق خاص بالمذهب الحنبلي (٤)، أما المذاهب الفقهية الأخرى فيذكرون صورة التورق أثناء كلامهم عن العينة (٥). المطلب الثاني: الهندسة المالية الإسلامية في التورق إقراض المال وأخذ الزيادة عليه ربا، وليسلم بعض الناس من الربا يقومون باستخدام الحيلة، أو المخرج الشرعي، باشتراء سلعة من البائع، بثمن مؤجل ثم بيعها لغيره نقدًا بثمن أقل، فالهندسة المالية تكون بتعديل المعاملة باستخدام الحيلة أو المخرج ليحصل على المال عن طريق البيع بدلًا من التعامل بالربا.

стр. 294

المطلب الثالث: دراسة للهندسة المالية الإسلامية في التورق الفرع الأول: حكم التورق اختلف الفقهاء في حكم بيع التورق على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن بيع التورق جائز. وهو مذهب الحنفية (١)، والمشهور عند المالكية (٢)، ومذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: أن بيع التورق مكروه. وهو قول عند الحنفية (٥)، وقول عند المالكية (٦)، ورواية عند الحنابلة (٧)، اختارها ابن تيميه في أحد قوليه (٨).

стр. 295

القول الثالث: أن بيع التورق محرم. وهو رواية عند الحنابلة (١)، اختارها ابن تيمية في أشهر قوليه (٢)، واختارها ابن القيم (٣). أدلة القول الأول: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤). وجه الدلالة من الآية: دلت الآية على أن الأصل في البيع الإباحة، إلا ما قام الدليل على منعه، والتورق داخل في عموم البيع، ولم يقم دليل على منعه (٥). نوقش: بأن الأصل في المعاملات الحل، يقابله أن الأصل في الحيل التحريم، وهو أخص من الأصل الأول، والخاص مقدم على العام، ولا نزاع في أن التورق حيلة للحصول على النقد، فهو محرم حتى يثبت الدليل على خلاف ذلك (٦). أجيب: بأن الحيل المحرمة هي الموصلة للمحظور، أما الحيل للفرار من المحظور، والحصول على المباح فليست محرمة، كما في حديث «بِعْ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» (٧)، والحصول على النقد لا يعد محظورًا؛ فالنبي ﷺ أرشد الرجل أن يبيع التمر

стр. 296

الرديء ليحصل على الجيد، وكذلك الذي يبيع بالسلم، أو غيرها من البيوع يريد النقد، فالحيلة في التورق ليست محرمة فهي للفرار من المحظور، والحصول على مباح (١). الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَفْعَلْ، بِعْ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» متفق عليه (٢). وجه الدلالة من الحديث: أن الرجل في هذا الحديث يريد بيع التمر الرديء للحصول على الدراهم، وهو لا يريدها إنما يريد الخروج من مبادلة التمر الرديء بالتمر الجيد، وهذا لا يقدح في صحة البيع ما دام أنه باع التمر الرديء على غير الشخص الذي اشترى منه التمر الجيد، فكذلك المتورق يشتري السلعة للحصول على المال، وهو لا يريد السلعة إنما يريد الخروج من مبادلة المال بالمال، وهذا لا يقدح في صحة البيع ما دام أنه باع السلعة لغير بائعها الأول (٣). نوقش: بأن هذا الحديث يستدل به على جميع صور العينة الثنائية، والثلاثية، والتورق، وجمهور المجيزين للتورق لا يجيزون بقية صور العينة، فما كان جوابًا لهم عن هذا الحديث فهو جواب للمانعين منها مطلقًا (٤).

стр. 297

أجيب: بأن العينة الثنائية والثلاثية فيها التواطؤ على عود السلعة للبائع، فهي حيلة للتوصل للربا، لذلك هي محرمة، أما التورق فليس فيه شيء من ذلك (١)، وإنما فيه تملك للمبيع تملكًا حقيقيًا، غنمًا وغرمًا، فبين الصورتين فرق واضح. الدليل الثالث: أن الحاجة ماسة للتعامل بالتورق (٢)؛ "لأن المحتاج في الأغلب لا يجد من يساعده في قضاء حاجته بالتبرع ولا بالقرض، فحينئذ تشتد حاجته إلى هذه المعاملة حتى يتخلص مما قد شق عليه في قضاء دين ونحوه " (٣). نوقش: بأن مجرد الحاجة لا يكفي لاستباحة المحرم، ورفع الحرج لا ريب فيه، لكنه يستلزم سد أبواب الربا؛ لأن الربا من أعظم مصادر الحرج، وفي أنواع المبادلات النافعة غنية عن الحرام (٤). أجيب: بأن التورق معاملة جائزة؛ "لأن الرجل يشتري السلعة ويكون غرضه إما عين السلعة وإما عوضها، وكلاهما غرض صحيح" (٥)، وهو مخرج شرعي عن التعامل بالربا (٦)، ولا يثبت دليل على تحريمه. الدليل الرابع: قال ابن تيمية: " المشتري الذي غرضه التجارة أو غرضه الانتفاع أو

стр. 298

القنية فهذا يجوز شراؤه إلى أجل بالاتفاق" (١) فكما يجوز للتاجر أن يشتري السلعة ليحصل على المال، فكذلك المحتاج يجوز له أن يشتري السلعة ليحصل على المال، بل هو أولى، فالتاجر يريد تكثير ماله، وهذا يريد دفع حاجته. نوقش: بأن هذا قياس للشيء على ضده، فالتاجر مقصوده الربح، والمتورق مقصوده الخسارة، فالتاجر يبيع ليربح، والمتورق يبيع ليحصل على النقد الحاضر، ولا يمكن حصوله عليه إلا بخسارته، فكيف يقاس هذا على هذا؟ (٢). يجاب: بأن بيع المتورق للسلعة لا خسارة فيه فهو يبيعها بثمنها الحاضر، أما الزيادة في السلعة عند البائع الأول فهو في مقابلة الأجل، فثمن السلعة مؤجلة يزيد على ثمنها في الحاضر، كما أنه في السلم يبيع المسلم فيه المؤجل بثمن أقل حاضرًا، فلا ظلم على المتورق، ولا خسارة عليه. أدلة القول الثاني والثالث: أدلة القائلين بالكراهة، والقائلين بالتحريم، واحدة، فابن تيمية ذكر نفس الأدلة في اختياره لرواية الكراهة (٣)، واختياره لرواية التحريم (٤). الدليل الأول: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ» رواه أبو داود وغيره (٥).

стр. 299

وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﵁ نهى عن بيع المضطر، والمتورق مضطر لبيع السلعة فيدخل في النهي (١). نوقش: بأن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة (٢)، والذي يشتري السلعة ثم يبيعها بغرض الحصول على النقد، قد لا يكون مضطرًا على كل حال، بل قد يكون غرضه للنقد لأمر حاجي، أو أمر تكميلي، كما هو مشاهد من حال المتعاملين بالتورق، فلا يصح اطراد حكم بيع المضطر على بيع التورق (٣). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﷺ ، قال: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» رواه أبو داود وغيره (٤). وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن العينة، والتورق شقيقة العينة، وصورة من صورها، وهذا يستلزم ذم التورق شرعًا (٥). نوقش: بأن الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج به (٦)، وهناك فرق بين التورق والعينة، من جهة أن المشتري للسلعة غير البائع الأول؛ قال ابن القيم: "فإن اشتراها منه بائعها كانت عينة وإن باعها من غيره فهي التورق" (٧). ومن جهة أن البيع مقصود في

стр. 300

التورق، وقصد المتورق في شراء السلعة قد لا يكون معلومًا عند البائع، بعكس العينة التي تتم بالاتفاق بين البائع والمشتري على عود السلعة للبائع (١)، فهي دراهم بدراهم بينهما سلعة، والبيع غير مقصود. الدليل الثالث: ما رواه عبدالرزاق في مصنفه عن ابن عباس قال: "إذا استقمت بنقد، وبعت بنقد، فلا بأس به، وإذا استقمت بنقد فبعت بنسيئة، فلا، إنما ذلك ورق بورق" (٢). وجه الدلالة من الأثر: أن كلام ابن عباس يصدق على المتورق فهو يقوم السلعة بنقد ويبتاعها بنسيئة فمقصوده دراهم بدراهم، يقوم السلعة في الحال ثم يشتريها إلى أجل بأكثر من ذلك (٣). يناقش: بأن هذا المعنى غير مراد بهذا الأثر؛ لأن تفسيره على هذا المعنى سيمنع البيع إلى أجل بثمن أكثر، وقد نقل ابن تيمية الإجماع على جوازه (٤)، والمعنى المراد من الأثر هو ما

стр. 301

قاله أبو عبيد (١): "أن يدفع الرجل إلى الرجل الثوب فيقومه بثلاثين ثم يقول: بعه بها فما زدت عليها فلك، فإن باعه بأكثر من ثلاثين بالنقد فهو جائز، ويأخذ ما زاد على الثلاثين، وإن باعه بالنسيئة بأكثر مما يبيعه بالنقد فالبيع مردود لا يجوز" (٢)، ويؤيد هذا المعنى للأثر الرواية الأخرى له عن ابن عباس ﵁: "أنه كان لا يرى بأسًا أن يدفع الرجل إلى الرجل الثوب فيقول: بعه بكذا وكذا فما زدت فهو لك" (٣). وقد أورد عبدالرزاق الأثر في مصنفه تحت باب "الرجل يقول: بع هذا بكذا، فما زاد فلك، وكيف إن باعه بدين؟ " (٤)، وهذا المعنى لا يصدق على التورق. الدليل الرابع: أن المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود في التورق؛ فإن الله حرم أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل؛ لما في ذلك من ضرر المحتاج وأكل ماله بالباطل، وهذا المعنى موجود في التورق، وإنما الأعمال بالنيات (٥).

стр. 302

نوقش: بأن هذا تعليل بالحكمة، والحكمة لا تنضبط، ولا تدور مع الحكم وجودًا وعدمًا (١)، وقصد المتورق للدراهم لا يوجب تحريم التورق؛ "لأن مقصود التجار غالبًا في المعاملات هو تحصيل نقود أكثر بنقود أقل، والسلع المبيعة هي الواسطة في ذلك، وإنما يمنع مثل هذا العقد إذا كان البيع والشراء من شخص واحد كمسألة العينة، فإن ذلك يتخذ حيلة على الربا" (٢)، وما ذكرتم من الضرر على المحتاج بزيادة الثمن عليه الذي كان من البائع الأول، وأنه أكل للمال بالباطل، موجود فيمن اشترى السلعة للتجارة، أو للقنية (٣)، ومع ذلك لا تقولون بتحريمها (٤)، وهذه الزيادة في الثمن لا ضرر فيها، ولا أكل للمال بالباطل، لأنها بمقابلة الأجل، فثمن السلعة مؤجلة يزيد على ثمنها في الحاضر، كما أنه في السلم يبيع المسلم فيه المؤجل بثمن أقل حاضرًا، والبيع الثاني الذي يتم لغير البائع يكون بسعر السلعة الحاضر، فلا ضرر، ولا ظلم فيه على المتورق. الترجيح: بعد عرض الأقوال، وأدلتها، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي -والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول القائل أن بيع التورق جائز؛ وذلك لأن الأصل في المعاملات الصحة والجواز، وللمصلحة التي يحققها التورق لجمهور الناس، وأدلة المانعين لا تقوى على المنع كما تبين في مناقشتها.

стр. 303

الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في التورق على القول الراجح الذي يجيز التورق فإن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت التورق مخرجًا شرعيًا عن الربا، يستفيد البائع الربح، ويحصل المشتري على المال، والسلعة تدار في السوق، أما على القول الذي يحرم التورق فإن الهندسة المالية في التورق لا تعد إسلامية، وهي سبب في تحريمه؛ لأنها حيلة للتوصل للربا، فهي لا تختلف عن حكم العينة.

стр. 304

المبحث السادس: الإجارة الموصوفة في الذمة المطلب الأول: تعريف الإجارة الموصوفة في الذمة قبل تعريف مصطلح الإجارة الموصوفة في الذمة، لابد من تعريف الإجارة، والوصف، والذمة الكلمات التي يتركب منها هذا المصطلح. فالإجارة في اللغة مشتقة من الأجر، وهو الجزاء على العمل (١)، قال ابن منظور: " الأجر: الجزاء على العمل، والجمع أجور. والإجارة: من أَجَرَ يَأْجِرُ، وهو ما أعطيت من أجر في عمل" (٢). والإجارة في الاصطلاح هي: عقد على منفعة مباحة معلومة، مدة معلومة، بعوض معلوم (٣). وتعريفات الإجارة في المذاهب الفقهية قريبة من هذا التعريف، وإن اختلفت في اللفظ قليلًا (٤). والوصف: يراد به تبيين الشيء، وتحليته، وتجليته (٥)، قال ابن فارس: "الواو والصاد والفاء: أصل واحد، هو تحلية الشيء" (٦)، والتحلية هنا بمعنى التجلية.

стр. 305

والذمة: العهد؛ لأن الإنسان يذم على إضاعته منه (١)، "ومنهم من جعلها وصفًا فعرفها بأنها وصف يصير الشخص به أهلًا للإيجاب له وعليه، ومنهم من جعلها ذاتًا، فعرفها بأنها نفس لها عهد" (٢). وأما الإجارة الموصوفة في الذمة فلم يفرد لها الفقهاء المتقدمون تعريفًا مستقلًا؛ بل يكتفون بتعريف الإجارة ثم يذكرونها في أقسامها؛ حيث تنقسم الإجارة إلى إجارة عين معينة، أو موصوفة في الذمة (٣)، والإجارة الموصوفة في الذمة تختص في كون العين التي يراد الانتفاع بها غير معينة، بل موصوفة في ذمة المؤجر، ويمكن أن تعرف بأنها: عقد على منفعة مباحة، متعلقة بذمة المؤجر، مدة معلومة، بعوض معلوم. المطلب الثاني: الهندسة المالية الإسلامية في الإجارة الموصوفة في الذمة الأصل في الإجارة أن تكون منجزة، وأن تكون العين معينة، فإذا لم ينص على بداية العقد، فإن الإجارة تبدأ من وقت العقد، وتكون منجزة، فإن أطلق، ولم يذكر الذمة، كانت إجارة عين معينة (٤)، والإجارة الموصوفة في الذمة تطوير وهندسة لعقد الإجارة، فالإجارة فيها غير منجزة، بل مضافة إلى المستقبل، والعين فيها غير معينة، بل موصوفة في

стр. 306

ذمة المؤجر (١)، كما لو استأجر مبنىً ذا أوصاف محددة لإقامة مشروع معين فيه، فالمؤجر يضمن تأجير المبنى قبل وجوده، والمستأجر ينتفع بأنه قد لا يجد النقد لبناء المبنى بالمواصفات المطلوبة لإقامة المشروع، فيتمكن عن طريق الإجارة الموصوفة في الذمة أن يتعاقد مع مؤجر مقتدر يحقق له ذلك. المطلب الثالث: دراسة للهندسة المالية الإسلامية في الإجارة الموصوفة في الذمة الفرع الأول: حكم الإجارة الموصوفة في الذمة، وتأجيل الأجرة فيها المسألة الأولى: حكم الإجارة الموصوفة في الذمة اختلف الفقهاء في حكم الإجارة الموصوفة في الذمة على قولين: القول الأول: إن الإجارة الموصوفة في الذمة جائزة. وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: إن الإجارة الموصوفة في الذمة محرمة. وهو مذهب الحنفية (٥).

стр. 307

دليل القول الأول: أنه كما يجوز أن يبيع البائع سلعة موصوفة في الذمة، يجوز أن يؤجر منفعة عين موصوفة في الذمة (١). دليل القول الثاني: أن المنافع لا تعد أموالًا (٢)، وما ليس بمال لا يثبت في الذمة، فيشترط لصحة الإجارة أن تكون العين المؤجرة معينة (٣). نوقش: بأنه لا يسلم بأن المنافع لا تعد أموالًا، بل هي أموال (٤)؛ لأنه"يصح تمليكها في حال الحياة، وبعد الموت، وتضمن باليد والإتلاف، ويكون عوضها عينًا ودينًا" (٥). الترجيح: بعد عرض القولين، ودليل كل قول، ومناقشة ما احتاج منها إلى مناقشة، تبين لي-والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول القائل بجواز الإجارة الموصوفة في الذمة؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، مقابل ضعف دليل القول الثاني أمام ما ورد عليه من مناقشة. المسألة الثانية: حكم تأجيل الأجرة في الإجارة الموصوفة في الذمة اختلف الفقهاء في حكم تأجيل الأجرة في الإجارة الموصوفة في الذمة على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن تأجيل الأجرة في الإجارة الموصوفة في الذمة لا يجوز، وهو مذهب المالكية (٦)، والأصح عند الشافعية (٧).

стр. 308

القول الثاني: إن تأجيل الأجرة في الإجارة الموصوفة في الذمة لا يجوز إذا كان بلفظ السلم، ويجوز إذا كان بغير لفظ السلم. وهو وجه عند الشافعية (١)، ومذهب الحنابلة (٢). القول الثالث: إن تأجيل الأجرة في الإجارة الموصوفة في الذمة يجوز مطلقًا. وهو وجه عند الحنابلة (٣). دليل القول الأول: أن الإجارة الموصوفة في الذمة سلم في المنافع، فيشترط فيها تعجيل الأجرة كالسلم في الأعيان يشترط فيه تعجيل الثمن (٤). يناقش: بالفرق بين بيع الأعيان وبيع المنافع؛ فالأول يشترط فيه تسليم أحد العوضين، أما المنافع فلا يشترط لها ذلك، ويجوز فيها تأجيل الأجرة والمنفعة في إجارة العين المعينة، والموصوفة في الذمة مثلها، فيجوز تأجيل الأجرة فيها إلى استيفاء المنفعة. دليل القول الثاني: أن الإجارة الموصوفة في الذمة إذا كانت بلفظ السلم تأخذ حكم السلم في وجوب تعجيل الأجرة في مجلس العقد، فاللفظ له تأثير على الحكم (٥). يناقش: بعدم التسليم؛ فبيع المنافع يسمى إجارة وله أحكامه الخاصة به، ولا يأخذ أحكام السلم وإن جرى بلفظه، كما أنه لو باع موصوفًا في الذمة بلفظ الإجارة لا تجري عليه أحكام الإجارة، بل أحكام السلم، فالعبرة في العقود بالمعاني، لا بالألفاظ والمباني.

стр. 309

دليل القول الثالث: أن الأجرة في الإجارة الموصوفة في الذمة عوض في إجارة، فجاز تأجيله، كما لو كان الإجارة على عين معينة (١). نوقش: بـ"أنه قياس مع الفارق، فالإجارة في الأعيان تكون العين حاضرة، يتم استيفاء المنفعة منها حال سريان العقد، وهي أحد العوضين، فجاز تأخير العوض الثاني وهي الأجرة، وهذا بخلاف إجارة الذمة، فاستيفاء المنفعة فيها مؤجل" (٢). يجاب: بعدم التسليم أن استيفاء المنفعة في العين الحاضرة يكون حال سريان العقد، بل يجوز تأجيل العوضين في إجارة العين الحاضرة وهما المنفعة والأجرة، فكما يجوز تأجيل العوضين في العين الحاضرة يجوز في الإجارة الموصوفة في الذمة، والأجرة مقابل المنفعة، يجوز تأجيلها حتى يستوفي المنفعة. الترجيح: بعد عرض الأقوال، ودليل كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي-والله أعلم- أن الراجح هو القول الثالث القائل بجواز تأجيل الأجرة في الإجارة الموصوفة في الذمة؛ وذلك لأن لبيع المنافع أحكامًا خاصة بها، وتسمى إجارة، ومنها جواز تأجيل البدلين، ولا تقاس على بيع الأعيان لاختلافها عنها. الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في الإجارة الموصوفة في الذمة على القول الراجح الذي يجيز الإجارة الموصوفة في الذمة فإن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت الإجارة الموصوفة في الذمة لتحقق مصالح للمؤجر والمستأجر؛ فالمؤجر يضمن تأجير العين قبل وجودها، وحصوله على النقد عاجلًا أو مقسطًا قبل تسليم العين، وأن

стр. 310

العين مسجلة باسمه وبإمكانه أن يبيعها، أو أن يبرم عقد إجارة جديدًا بعد انتهاء المدة المحددة، والمستأجر ينتفع بأنه قد لا يجد النقد لبناء عين ذات مواصفات معينة، فيتمكن عن طريق الإجارة الموصوفة في الذمة من أن يتعاقد مع مؤجر مقتدر يحقق له ذلك، وأن المؤجر يظل مسؤولًا عن العين المؤجرة، ويتطلب منه الاهتمام بالعين وإبرام العديد من العقود كعقود الصيانة الإصلاحية، والصيانة الطارئة، وغيرها، إلى غير ذلك من المصالح التي تعود للطرفين المتعاقدين، وللاقتصاد العام كله (١)، أما على القول الذي يحرم الإجارة الموصوفة في الذمة، فإن الهندسة المالية فيها لا تعد إسلامية، وهي سبب لتحريمه؛ لأن المنافع عندهم لا تعد أموالًا، ولا تثبت في الذمة.

стр. 311

الفصل الثاني: تطبيقات معاصرة للهندسة المالية الإسلامية وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: السلم الموازي. المبحث الثاني: الاستصناع الموازي. المبحث الثالث: الصكوك الإسلامية. المبحث الرابع: التورق المصرفي. المبحث الخامس: المرابحة للآمر بالشراء. المبحث السادس: الإجارة المنتهية بالتمليك. المبحث السابع: المشاركة المنتهية بالتمليك. المبحث الثامن: بطاقات الائتمان.

стр. 312

المبحث الأول: السَّلَم الموازي المطلب الأول: تعريف السَّلَم الموازي قبل تعريف مصطلح السَّلَم الموازي، لابد من تعريف السلم أولًا، ثم تعريف كلمة الموازي ثانيًا ثم نعرف مصطلح السلم الموازي المركب منهما. فالسَّلم في اللغة والسلف بمعنى واحد وهو الإعطاء والتقديم (١)، "وسمي سلمًا لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفًا لتقديمه" (٢)، والسلم لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق (٣). وأما السلم في الاصطلاح فقد اختلف الفقهاء في تعريفه تبعًا لاختلافهم في بعض شروطه، فعرفه الحنفية بأنه: "أخذ عاجل بآجل" (٤)، أو "بيع آجل بعاجل" (٥). ورُد هذا التعريف بأنه غير مانع؛ لأنه يدخل فيه جميع صور البيع إلى أجل (٦)، ولم يبين أن المبيع موصوف في الذمة (٧).

стр. 313

وأما المالكية فقد قال القرطبي (١): "حد علماؤنا رحمة الله عليهم السلم فقالوا: هو بيع معلوم في الذمة محصور بالصفة بعين حاضرة، أو ما هو في حكمها، إلى أجل معلوم" (٢)، والمالكية يرون جواز تأخير رأس مال السلم إلى ثلاثة أيام (٣) بناءً على قاعدة: "أن ما قرب من الشيء فحكمه حكمه" (٤)؛ لذلك قال في التعريف: "حاضرة أو ما هو في حكمها". وعرف الشافعية السلم بأنه: "عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلًا" (٥)، والشافعية يرون جواز السلم الحال، لذلك لم ينصوا في التعريف على كون السلم مؤجلًا، بعكس الحنابلة الذين نصوا على ذلك في تعريف السلم فعرفوه بأنه: " عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد" (٦)، فلا بد أن يكون السلم مؤجلًا خلافًا للشافعية، ورأس مال السلم في مجلس العقد خلافًا للمالكية، والحنفية يوافقون الحنابلة في اشتراط تعجيل رأس مال السلم في مجلس العقد، وتأجيل المسلم فيه (٧). وتعريف الشافعية أجود؛ لأنه عام وخال من القيود، بعكس تعريف السلم في المذاهب الأخرى ففيه قيود تخص المذهب، ولا يدخل فيه تعريف السلم في غير المذهب.

стр. 314

والموازاة تعني المقابلة، والمواجهة، والمحاذاة (١)، وربما أبدلت الواو همزة فقيل آزاه (٢). وهي في الاصطلاح بمعناها اللغوي. أما تعريف مصطلح السلم الموازي، فقد عرف بعدة تعريفات، منها: "استخدام صفقتي سلم متوافقتين، دون ربط بينهما" (٣)، وانتقد هذا التعريف بأنه غير مانع؛ فهو يشمل بالإضافة للسلم الموازي عقد السلم الأول (٤). وعرف بأنه: "عقد السلم الذي يكون فيه البنك بائعًا من جنس ما يكون قد اشتراه مسلمًا، وليس عين ما تعاقدا عليه" (٥)، ويؤخذ على هذا التعريف بأنه غير جامع؛ لأنه لم يبين مع من يكون العقد الثاني، وهل هناك ارتباط بين العقدين أو لا؟. ولعل أقرب تعريف للسلم الموازي ما جاء في المعايير الشرعية، وهو: "أن يدخل المسلم إليه في عقد سلم مستقل مع طرف ثالث للحصول على سلعة مواصفاتها مطابقة للسلعة المتعاقد على تسليمها في السلم الأول؛ ليتمكن من الوفاء بالتزامه فيه … دون أن يعلق العقد الثاني على نفاذ العقد الأول" (٦).

стр. 315

المطلب الثاني: الهندسة المالية الإسلامية في السلم الموازي تبين فيما سبق أن عقد السلم تمت هندستة وتطويره بعدما قدم النبي ﷺ المدينة، وجعل له مقدارًا معلومًا، وأجلًا معلومًا؛ كي يشتمل العقد على المصالح المبتغاة منه، وتندفع المفاسد التي تحصل بسبب الجهل بالمقدار، أو بأجل التسليم (١)، والسلم الموازي تطوير آخر وهندسة مالية إسلامية لعقد السلم؛ للمصالح التي يحققها السلم الموازي فهو "أداة تمويل ذات كفاءة عالية في الاقتصاد الإسلامي، وفي نشاطات المصارف الإسلامية، من حيث مرونتها واستجابتها لحاجات التمويل المختلفة" (٢)؛ بحيث يشتري المصرف سلعة موصوفة في الذمة إلى أجل، من المنتجات الزراعية أو الصناعية، أو غيرها مما يمكن ضبط صفته، وفي الفترة بين عقد السلم وقبض المسلم فيه يقوم المصرف بإنشاء عقد آخر مستقل يبيع فيه سلعة مماثلة وبشروط مماثلة للسلعة التي اشتراها في عقد السلم الأول، دون أن يربط بين العقدين، مثلًا يشتري كمية محددة من القطن من المزارعين، ثم يقوم بإنشاء عقد جديد مع مصانع الغزل، والنسيج فيبيع لهم عن طريق عقد السلم قطنًا بذات المواصفات في المبيع الأول، دون أن يعلق عقدًا على عقد (٣). أو يقوم المصرف بعقد سلم على بيع سلعة موصوفة في الذمة إلى أجل، ثم يشتري بعقد سلم آخر من طرف ثالث سلعة بنفس المواصفات والشروط التي باعها في السلم الأول، دون أن يكون هناك ربط بين العقدين، فكل عقد مستقل عن العقد الآخر (٤).

стр. 316

المطلب الثالث: دراسة للهندسة المالية الإسلامية في السلم الموازي الفرع الأول: حكم السلم، والسلم الموازي المسألة الأولى: حكم السلم أجمع العلماء على جواز السلم (١)، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢). وجه الدلالة من الآية: أن الآية دلت على جواز الدَين، والسلم نوع من أنواع الديون (٣)، وقد جاء في مصنف عبدالرزاق وغيره عن ابن عباس ﵄، قال: "أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ، وَأَذِنَ فِيهِ، ثم قرأ هذه الآية" (٤).

стр. 317

الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁، قال: "قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» " متفق عليه (١). وجه الدلالة من الحديث: أن في أمر النبي ﷺ أن يكون السلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم؛ دلالة على جوازه بهذه الشروط. الدليل الثالث: عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى، ﵄، قالا: «كُنَّا نُصِيبُ المَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ، إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى» رواه البخاري (٢). وجه الدلالة من الحديث: أن الصحابة ﵃ كانوا يتعاملون بالسلم في عصر النبي ﷺ ، ولم ينههم عنه؛ مما يدل على جوازه. الدليل الرابع: إجماع العلماء على جواز السلم (٣)، قال ابن المنذر: " أجمع أهل العلم على أن من باع معلوماً من السلع، بمعلوم من الثمن، على أجل معلوم من شهور العرب، أو إلى أيام معروفة العدد، أن البيع جائز، وكذلك قالوا في السلم إلى الأجل المعلوم" (٤). المسألة الثانية: حكم السلم الموازي اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم السلم الموازي على قولين:

стр. 318

القول الأول: جواز السلم الموازي إذا تحقق فيه الفصل بين العقدين. وهذا رأي جمهور الفقهاء المعاصرين (١)، بل قال الدكتور نزيه حماد: "وهذا السلم الموازي لا خلاف بين الفقهاء في جوازه ومشروعيته" (٢). القول الثاني: منع السلم الموازي إلا للضرورة. وهو رأي الدكتور الصديق الضرير (٣). أدلة القول الأول: أدلة القول الأول هي أدلة السلم السابقة، وعدم وجود دليل يمنع من السلم الموازي (٤). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن السلم الموازي يتخذ حيلة للربا، وبخاصة إذا اتخذ هذا الأسلوب من السلم المتوازي بقصد التجارة والربح، وتكرر السلم المتوازي للمعاملة الأولى (٥).

стр. 319

يناقش: بأن لجواز السلم الموازي شروطًا لا بد من مراعاتها، كما أن للسلم شروطًا لابد من مراعاتها، والبيع في السلم الموازي الثاني لموصوف في الذمة غير المسلم فيه الأول، فالعقدان غير مرتبطين، والتحايل في السلم الموازي على الربا وعلى المحظور عمومًا، لا يكون سببًا لمنعه من أصله؛ لأن السلم أيضًا قد يتخذ حيلة على المحظور، ومع ذلك لم يمنعه الرسول ﷺ ، بل الأصل جواز السلم، والمعاملة التي يتحايل فيها على المحظور هي التي تمنع، وقصد الربح والتجارة في السلم الموازي جائز، كما أن قصد الربح والتجارة في السلم جائز، فالسلم الموازي لا يخرج عن السلم، ومن منعه فعليه أن يمنع السلم. الدليل الثاني: أن في السلم الموازي ضررًا يصيب المستهلك من ارتفاع سعر السلعة قبل أن تصل إليه، بسبب انتقالها لأكثر من تاجر (١). نوقش: بأن الضرر الذي يوجد في ارتفاع سعر السلعة بسبب انتقالها لأكثر من تاجر في السلم الموازي يوجد في التجارة والبيع عمومًا، فقد يرتفع سعر بعض السلع بسبب انتقالها لأكثر من تاجر، ومع ذلك لا تمنع التجارة أو البيع بسبب ذلك، وهذا الضرر يقابله مصالح أكبر للمصارف الإسلامية، وللتجار، وللمستهلكين، ويؤدي إلى نهضة اقتصادية (٢). الترجيح: بعد عرض الأقوال، وأدلتها، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي -والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول القائل أن السلم الموازي جائز إذا تحقق فيه الفصل بين العقدين؛ وذلك لقوة أدلته مقابل ضعف أدلة القول الثاني أمام ما ورد عليها من المناقشة، ولأن الأصل في المعاملات الصحة والجواز، وللمصالح الاقتصادية التي يحققها السلم الموازي فقد جاء في

стр. 320

مؤتمر المستجدات الفقهية في معاملات البنوك الإسلامية: "ويوصي المؤتمر المصارف الإسلامية والمؤسسات المالية الإسلامية بإحياء هذين العقدين-السلم والاستصناع- في التمويل؛ لما يترتب عليهما من مصالح في تنشيط التجارة، والصناعة، والزراعة" (١) الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في السلم الموازي على القول الراجح الذي عليه جمهور العلماء المعاصرين فإن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت السلم الموازي للمصالح الكبيرة التي يحققها، فعن طريق السلم الموازي يتم تمويل المنتجين ليحققوا نفعًا بالغًا ويدفع عنهم مشقة العجز المالي عن تحقيق إنتاجهم (٢)، ويمكن تمويل صغار المنتجين الزراعيين، والصناعيين، عن طريق إمدادهم بمستلزمات الإنتاج في صورة معدات، وآلات، أو مواد أولية كرأس مال سلم مقابل الحصول على بعض منتجاتهم وإعادة تسويقها (٣)، إلى غيرها من المصالح؛ فالسلم الموازي"أداة تمويل ذات كفاءة عالية في الاقتصاد الإسلامي وفي نشاطات المصارف الإسلامية، من حيث مرونتها واستجابتها لحاجات التمويل المختلفة، سواء أكان تمويلًا قصير الأجل أم متوسطه أم طويله، واستجابتها لحاجات شرائح مختلفة ومتعددة من العملاء، سواء أكانوا من المنتجين الزراعيين أم الصناعيين أم المقاولين أم من التجار، واستجابتها لتمويل نفقات التشغيل والنفقات الرأسمالية الأخرى" (٤)، أما على القول الثاني الذي يحرم السلم الموازي فإن الهندسة المالية فيه لا تعد إسلامية، وهي سبب لتحريمه؛ لأنها حيلة على الربا.
следующие страницы →