← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1111

فقه الهندسة المالية الإسلامية

مرضي العنزي

Полный текст (444 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهاتان الميزتان ليستا منعزلتين عن بعضهما البعض، بل مترابطتين، فليس كل ما هو مباح في دائرة الشرع يكون ذا كفاءة اقتصادية؛ فالشرع جاء لكل زمان ومكان، وظروف الناس تختلف بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة، والهندسة المالية الإسلامية تطمح إلى منتج نموذجي بمقياس العصر الحاضر، وليس كل ما هو نموذجي في عصر مضى يكون نموذجيًا في عصرنا الحاضر، فينبغي اختيار أكفأ النماذج الاقتصادية لعصرنا مع الحفاظ على المصداقية الشرعية (١).

стр. 37

المبحث الخامس: معوقات تطبيق الهندسة المالية الإسلامية. وعلى الرغم من أهمية الهندسة المالية الإسلامية والإنجازات الكبيرة التي تحققها للمؤسسات، والبنوك الإسلامية، إلا أن استفادة المؤسسات والبنوك الإسلامية من الهندسة المالية الإسلامية في مجال أعمالها مازالت متدنية، وذلك لوجود المعوقات أمامها، وكل ما يعيق المؤسسات والبنوك الإسلامية يكون معيقًا لتطبيق الهندسة المالية الإسلامية، وأبرز هذه المعوقات: ١ - المعوقات المتعلقة بالجانب المؤسسي: أ-البنوك الإسلامية تحتاج إلى عدد من الترتيبات الداعمة لها بغية القيام بوظائفها المتعددة، وهي تحاول الاستفادة من الإطار المؤسسي الذي يدعم العمل المصرفي التقليدي، لكنها تعاني من انعدام الدعم المؤسسي الذي يُوظَف خصوصًا لخدمة حاجاتها. كما أن بناء كيان مؤسسي سليم يعد أخطر تحد يواجه التمويل الإسلامي؛ وذلك لأن قوانين التجارة والمصارف والشركات فى معظم البلدان الإسلامية على النمط الغربي، وتحتوى هذه القوانين أحكامًا تضيق من مدى نشاطات العمل المصرفي وتحصره في حدود تقليدية (١). ب- عدم وجود إطار إشرافي فعّال يعد أحد نقاط ضعف النظام القائم، ويستحق الإطار الإشرافي اهتماما بالغًا، وهناك حاجة ماسة لتنسيق وتقوية الأدوار التي تقوم بها كل من هيئات الرقابة الشرعية والبنوك المركزية في الدول الإسلامية (٢).

стр. 38

٢ - المعوقات المتعلقة بالجانب التشغيلي: أ-البنوك والمؤسسات الإسلامية تواجه منافسة مستمرة من البنوك التقليدية، ومؤخرًا قام عدد من البنوك التقليدية في أنحاء العالم بممارسة النظام الإسلامي، وفي ذلك منافسة للبنوك والمؤسسات الإسلامية، لقد حققت البنوك الإسلامية نجاحًا كبيرًا في الماضي في حشد الودائع، والكثير من هذه الودائع لدى البنوك الإسلامية لم تأت بسبب جاذبية العوائد المرتفعة، بل بسبب الالتزام الديني للعملاء، وحيث إن البنوك والمؤسسات التقليدية تستخدم خبرتها الواسعة في إنشاء أدوات مالية تتفق مع الصيغ الإسلامية، وذات كفاءة عالية، فإن المدخرين المسلمين سيودعون أموالهم فيها، وهذا الأمر يتطلب المزيد من الجهود المضنية للمؤسسات الإسلامية كي تحافظ على استمرار نموها، وتزداد المنافسة بزيادة الاعتماد الاقتصادي المتبادل للبلدان على نطاق عالمي من خلال تزايد حجم وتنوع المعاملات التي تتم عبر الحدود في البضائع والخدمات والتدفق الدولي لرؤوس الأموال، وكذلك من خلال الانتشار المتزايد لوسائل الاتصالات والمعلومات (١). ب- قلة التمويل عن طريق تقاسم الأرباح؛ لقد علق المختصون الاقتصاديون الإسلاميون آمالهم على البنوك الإسلامية لتقديم قدر معتبر من التمويل عن طريق تقاسم الأرباح، وينتج عن هذا آثار اقتصادية مماثلة للاستثمار المباشر، والتي تحدث تأثيرًا قويًا على صعيد التنمية الاقتصادية، إلا أنه فعليًا ظل تمويل المشاركة في الأرباح ضئيلًا في المعاملات الإسلامية؛ ويعزى ذلك إلى وجود تكاليف ناجمة عن توظيف الأموال على أساس المشاركة في الأرباح؛ حيث إن اختيار المشروع المناسب لتمويله يتطلب دراسات

стр. 39

جادة وتقويمًا فنيًا ماليًا، وعادة ما تتجاوز تكلفة هذه الجهود تكلفة الإيداعات بعوائد ثابتة، بالإضافة إلى أن ترتيبات المشاركة في الأرباح تتطلب متابعة وتقديم دعم فني، وأحيانًا دعمًا ماليًا إضافيًا للمتعهدين، والبنوك لا تريد ذلك (١). ج- انتشار صيغ التمويل القائمة على أساس الدين سبب مشكلة؛ وهى صعوبة تحويل هذه الصيغ التمويلية إلى أدوات مالية يمكن التفاوض بشأنها، فمجرد إحداث الدين لا يمكن تحويله إلى أي شخص إلا بقيمته الاسمية، ويجعل ذلك هيكل السوق المالية الإسلامية غير قابل للتسييل بدرجة عالية، ويمثل ذلك عقبة في تطوير أسواق ثانوية في الأدوات المالية الإسلامية؛ لإنه مالم تصبح الصيغ القائمة على الأسهم أكثر شعبية، أو يتم تطوير أدوات أخرى قابلة للتداول، فإن السوق المالية الإسلامية لن تتطور (٢). هذه هي أبرز المعوقات التي تعيق استمرار المؤسسات والبنوك الإسلامية، وبالتالي تعيق تطبيق الهندسة المالية الإسلامية. ومن العوائق أمام الهندسة المالية الإسلامية على وجه الخصوص غياب الكفاءات البشرية التي تتمتع بمعرفة أساسيات العلوم المالية المصرفية، مع الإلمام بالفقه الإسلامي (٣). ويرى بعض الباحثين في الاقتصاد الإسلامي أن مما يعيق الهندسة المالية الإسلامية الاختلافات الفقهية، وأنها تحد من انتشار التمويل الإسلامي، وعلى الوجه المقابل يرى

стр. 40

بعضهم أن الاختلافات الفقهية تؤدي إلى التنوع وإثراء تجربة الصناعة الإسلامية، وأن قضية الخلافات الفقهية لا ينبغي أن تكون سدًا مانعًا لانتشار التمويل الإسلامي، وفي الوقت نفسه يجب عدم التضييق على الناس في معاملاتهم المالية (١)، ويقترح بعضهم أن يكون الحل أن تلزم جميع المؤسسات الإسلامية بقرارات المجامع الفقهية (٢). وإلزام المؤسسات الإسلامية بقرارات المجامع الفقهية، أو غيرها من دور الإفتاء، أو الهيئات الشرعية (٣)، فيه ضبط للتوجه الشرعي للمؤسسات الإسلامية، وحد من تضارب الممارسات الفعلية لها الذي يؤدي إلى زعزعة ثقة الناس الذين يريدون التعامل معها، وليس في هذا الإلزام تضييق عليها، أو حد من ثراء الفقه أو تنوعه؛ لأن هذه المجامع الفقهية والهيئات الشرعية تراعي هذا التنوع الفقهي، وتستفيد منه.

стр. 41

المبحث السادس: الفروق بين الهندسة المالية الإسلامية والهندسة المالية التقليدية. تتفق الهندسة المالية الإسلامية مع الهندسة المالية التقليدية بأن كلتيهما تبتكر وتطور أدوات مالية، لكن الهندسة المالية الإسلامية ملتزمة بالأحكام الشرعية؛ مما أدى إلى وجود بعض الفروق بينهما، وهي كالتالي: ١ - الانضباط في الهندسة المالية الإسلامية أكبر منه في الهندسة المالية التقليدية؛ وذلك أن حافز التدين لدى المسلمين عميق، ومن شأنه أن يحد من محاولات الالتفاف على الأنظمة الإسلامية، بعكس الهندسة المالية التقليدية التي لا تمتلك حوافز داخلية للالتزام والمحافظة على روح الأحكام واللوائح القانونية، مما يجعلها تتحايل عليها كلما سنحت لها فرصة كافية للربح (١). ٢ - إن المحافظة على الأحكام الشرعية أيسر من المحافظة على الأحكام الوضعية؛ وذلك أن النظام الإسلامي نظام رباني، فهو أكثر انضباطًا وإحكامًا وتناسقًا، أما الأحكام الوضعية فيتطرق إليها الخلل والقصور والتناقض بما لا يسمح للمتعاملين بها أن يحافظوا عليها (٢). ٣ - إن الأحكام الشرعية تهدف لمصلحة المتعاملين بها وفق إطار الشريعة، فالالتزام بها يحقق رضا المتعاملين وقناعتهم لما يحققون من هذه المصالح، بينما الأنظمة الوضعية لا تفرق بين المصالح الجزئية، والمصالح الكلية، وتبعًا لذلك يتم التنافر بين هذه الأنظمة ومصلحة المتعاملين (٣).

стр. 42

الفصل الثاني: المستندات الشرعية للهندسة المالية الإسلامية وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: المستندات الشرعية للهندسة المالية الإسلامية من السنة النبوية. المبحث الثاني: المستندات الشرعية للهندسة المالية الإسلامية من اجتهادات الصحابة. المبحث الثالث: المستندات الشرعية للهندسة المالية الإسلامية من المقاصد الشرعية. المبحث الرابع: المستندات الشرعية للهندسة المالية الإسلامية من القواعد الفقهية.

стр. 43

المبحث الأول: المستندات الشرعية للهندسة المالية الإسلامية من السنة النبوية. أتى النبي ﷺ إلى المدينة النبوية وللناس تعاملاتهم الدنيوية المختلفة، وكان من هديه ﷺ أن يدع أمور الدنيا للناس يديرون شؤونها، فعن رافع بن خديج ﵁، قال: "قَدِمَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ، يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ: «مَا تَصْنَعُونَ؟» قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: «لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا» فَتَرَكُوهُ، فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ، قَالَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» "رواه مسلم (١)، قال النووي (٢): "قال العلماء قوله ﷺ من رأيي أي في أمر الدنيا ومعايشها" (٣)، وفي رواية أخرى عند مسلم أيضا عن أنس ﵁ قال النبي ﷺ : «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» (٤)، ومن ضمن التعاملات الدنيوية التي كان يتعامل بها أهل المدينة المعاملات المالية، وقد أقر النبي ﷺ الناس على معاملاتهم

стр. 44

التي وجدهم عليها، إلا ما اشتمل منها على ضرر، فكان موقفه منها إما التعديل (١)، أو الإلغاء (٢)؛ ليحافظ على مصالح الناس في معاشهم ومعادهم، ولتدوم روابط الأخوة والمحبة بين المسلمين، وليدفع عنهم أسباب العداوة والبغضاء، وليقوم الناس بالعدل"فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها" (٣). وإذا كان من ضمن الأنشطة التي تقوم بها الهندسة المالية الإسلامية تطوير المعاملات المالية وفقًا للشريعة الإسلامية (٤)؛ كي يحصل الناس على أكبر قدر من المصالح، ويُدرأ عنهم أكبر قدر من الأضرار والمفاسد التي يمكن حصولها، وتطوير المعاملات المالية عبارة

стр. 45

عن تعديلها، فإنه يمكن القول إن كل معاملة كانت في عصر النبي ﷺ وأجرى لها تعديلًا، أو نهى عنها وأوجد لها بديلًا، فإن هذا التعديل، وذلك التبديل، يعد هندسة مالية إسلامية لهذه المعاملة، ويصلح دليلًا على مشروعية الهندسة المالية الإسلامية، ومن أمثلة المعاملات التي قام النبي ﷺ بتعديلها، أو تبديلها، وتعد مستندًا شرعيًا للهندسة المالية الإسلامية الأمثلة التالية: المثال الأول: عن ابن عباس ﵁، قال: "قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ بِالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» " متفق عليه (١). وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجد من ضمن معاملاتهم المالية عقد السلم، وكان عقد السلم على الطريقة التي يتعامل بها أهل المدينة يشتمل على مصالح ومفاسد؛ فمن المصالح التي يشتمل عليها أن"المشتري يحتاج إلى الاسترباح لنفقة عياله، وهو بالسلم أسهل؛ إذ لا بد من كون المبيع نازلًا عن القيمة، فيربحه المشتري، والبائع قد يكون له حاجة في الحال إلى السلم، وقدرة في المآل على المبيع بسهولة، فتندفع به حاجته الحالية إلى قدرته المآلية" (٢)، ومن المفاسد التي يشتمل عليها الخلاف الذي ينشأ بين المسلمين بسبب عدم العلم بالمقدار الذي تم بيعه، وعدم تحديد أجل التسليم؛ لذلك قام النبي ﷺ بإجراء تعديل أو هندسة مالية إسلامية على عقد السلم فاشترط على من أراد التعامل به أن يعلم مقدار المبيع وصفته، وأجل التسليم؛ كي لا يحدث بين المسلمين أي

стр. 46

خلاف بسبب الجهل بالمقدار، أو الأجل، وبهذه الهندسة المالية الإسلامية الجديدة لعقد السلم يحقق عقد السلم مصالحه كاملة، دون حصول أي مفاسد منه بين المتعاقدين به إذا التزموا بما أمرهم به رسول ﷺ . المثال الثاني: عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَفْعَلْ، بِعْ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» متفق عليه (١). وجه الدلالة من الحديث: أن الرجل الذي استعمله النبي ﷺ على خيبر لما بين للنبي ﷺ أنهم يأخذون الصاع من التمر بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، وفي ذلك مفسدة الوقوع في ربا الفضل الذي نهى النبي ﷺ عنه لما يسببه من آثار سلبية على المجتمع (٢)، قام النبي ﷺ بإيجاد عقد مالي مباح بديلًا عن العقد المالي المحرم، وهذا يعد هندسة مالية إسلامية على هذه المعاملة بأن أرشد الرجل إلى أن يبيع التمر الرديء بالدراهم، ويشتري بالدراهم تمرًا جيدًا، وفي ذلك اجتناب للتعامل بربا الفضل، ودفع للمفاسد التي تحصل من جراء مبادلة الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة من التمر، وقد يكون من مقاصد

стр. 47

هذه الهندسة المالية الإسلامية لهذه المعاملة تحقيق مصلحة رواج السلعة في السوق كما قال الدكتور سامي السويلم: "فهو-أي الحديث- دال على منع مبادلة ربوي بجنسه مع التفاضل، والمقصود بذلك والله أعلم، الفصل بين عمليتي بيع التمر الجنيب (الجيد) وبيع التمر الجمع (الرديء) من خلال توسيط السوق، فإذا تحقق الفصل بين هاتين العمليتين تحقق مقصود الشارع، ومن حكم هذا الفصل عدم تركيز القوت الضروري لدى الأقلية، فإن توسيط السوق يستلزم تداول القوت عبر السوق، فيصبح متاحًا للجميع" (١). المثال الثالث: عن جابر ﵁: "أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَضَرَبَهُ فَدَعَا لَهُ، فَسَارَ بِسَيْرٍ لَيْسَ يَسِيرُ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةٍ»، قُلْتُ: لَا، ثُمَّ قَالَ: «بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةٍ»، فَبِعْتُهُ، فَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ وَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَأَرْسَلَ عَلَى إِثْرِي، قَالَ: «مَا كُنْتُ لِآخُذَ جَمَلَكَ، فَخُذْ جَمَلَكَ ذَلِكَ، فَهُوَ مَالُكَ». متفق عليه (٢). وجه الدلالة من الحديث: أن الأصل في البيع أن يتم التسليم مباشرة يدًا بيد، وما سمي البيع بيعًا إلا لأن كل واحد من المتبايعين يمد باعه لصاحبه وقت الأخذ والإعطاء (٣)، إلا أن جابر بن عبدالله ﵁ اشترط في هذا البيع ألا يسلم النبي ﷺ الجمل إلا بعد الوصول إلى أهله، وفي ذلك يحقق مصلحة استثناء المنفعة فترة معينة، مع ضمان بيعها، وقد أقره النبي ﷺ على هذا الشرط، ولو كان في هذا الشرط منافاة لمقصود العقد لكان لغوًا،

стр. 48

وباطلًا، ولما أقره النبي ﷺ عليه، قال ابن تيمية (١): " فإذا كان الشرط منافيًا لمقصود العقد كان العقد لغوًا، وإذا كان منافيًا لمقصود الشارع كان مخالفًا لله ورسوله" (٢)، وقال: "ولهذا اتفق العلماء على أن من شرط في عقد من العقود شرطًا يناقض حكم الله ورسوله فهو باطل" (٣)، وهذا الشرط من جابر ﵁ يعد تعديلًا، وتطويرًا، وهندسةً ماليةً إسلاميةً لعقد البيع، وقد أقر النبي ﷺ هذه الهندسة لما تحققه من مصلحة، فقد يحتاج البائع أن يبيع سلعة ويستثني منفعتها زمنًا معينًا، كسكنى الدار شهرًا، أو ركوب الدابة مدةً معينةً، أو إلى بلدٍ بعينه، فإذا رضي المشتري، وكانت مدة الاستثناء معلومة، تحققت المصلحة دون منافاة لمقصود العقد، أو مخالفة لله ورسوله. فهذه الأمثلة الثلاثة التي قام النبي ﷺ بتطوير العقود فيها، أو أقر على تطويرها، تعد أدلة على مشروعية الهندسة المالية الإسلامية، وهي من المستندات الشرعية للهندسة المالية الإسلامية من السنة النبوية.

стр. 49

المبحث الثاني: المستندات الشرعية للهندسة المالية الإسلامية من اجتهادات الصحابة من قواعد الحياة أنها لا تدوم على وتيرة واحدة، بل هي في تغير دائم، وتطور مستمر، وهذه إحدى السنن الكونية، قال ابن خلدون (١): "إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم، لا تدوم على وتيرة واحدة، ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول سنة الله التي قد خلت في عباده" (٢). وقد أدرك النبي ﷺ سنة التغير في الحياة فشجع أصحابه على الاجتهاد؛ ليعرفوا حكم الوقائع المستجدة مع تجدد الحياة، فعن عمرو بن العاص: ﵁ "أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» ". متفق عليه (٣)، وقد أقر النبي ﷺ الصحابة الذين بعثهم إلى بني قريظة على اجتهادهم في أداء وقت صلاة العصر، مع الاختلاف بين الاجتهادين، فعن ابن عمر ﵁، قال: "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي

стр. 50

بَنِي قُرَيْظَةَ» فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ"متفق عليه (١)، وفي إقراره لهم ﷺ على هذا الاختلاف تشجيع لهم على الاجتهاد، بل إن النبي ﷺ لم يبين أي الطائفتين كانت على صواب، وفي ذلك تشجيع للفقهاء الذين جاؤوا من بعد الصحابة ﵃ ليجتهدوا أي الطائفتين كانت أقرب للصواب (٢)، فمنهج رسول ﷺ التشجيع على الاجتهاد لمن كان عالمًا أهلًا للحُكم، قال النووي: "قال العلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث-أي حديث إذا اجتهد الحاكم- في حاكم عالم أهل للحكم" (٣). ولقد سار الصحابة ﵃ على النهج الذي رسمه لهم رسول الله ﷺ ، وكانوا أولى الناس باتباع نهجه، واقتفاء سيرته، فكان لهم الكثير من الاجتهادات في شتى نواحي الحياة، يقول الجويني (٤): "لم يخلُ أحد من علماء الصحابة من الاجتهاد في مسائل، وإن لم ينقل عنهم الاجتهاد في مسألة واحدة، فقد صح النقل المتواتر في مصير كل واحد منهم إلى

стр. 51

أصل الاجتهاد في مسائل قضى فيها، أو أفتى بها" (١)، وكان منهجهم أنهم يتفاعلون مع القضايا التي تحتاج لاستخراج حكم فيها، سواء كانت هذه القضايا في السياسة، أو القضاء، أو العبادات، أو المعاملات، أو الأحوال الشخصية (٢)، فما كانوا يؤجلون النظر في معالجة النازلة لاستخراج حكمها، وفق ما وضعوه من معالم للاجتهاد (٣)، وفتحوا بذلك لمن بعدهم من العلماء باب الاجتهاد، يقول ابن القيم (٤): "فالصحابة ﵃ مثلوا الوقائع بنظائرها، وشبهوها بأمثالها، وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبينوا لهم سبيله" (٥). وفي القراءة في اجتهادات الصحابة ﵃ في جانب الاقتصاد، والمعاملات المالية، نجد بعض الاجتهادات التي تصلح أن تكون أمثلة للهندسة المالية الإسلامية، ومنها: المثال الأول: عن عبدالله بن الزبير ﵁ في قصة دين أبيه وسداده له- قال: "وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الَّذِي عَلَيْهِ، أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بِالْمَالِ، فَيَسْتَوْدِعُهُ إِيَّاهُ، فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ: لَا وَلَكِنَّهُ

стр. 52

سَلَفٌ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ" رواه البخاري (١). وجه الدلالة من الحديث: في هذا الحديث لما خشي الزبير ضياع مال المستودِع، قام بإجراء تعديل على العقد فبدلًا من أن يكون وديعة، جعله قرضًا، وفي ذلك مصلحة للمُقرض بحيث يضمن بقاء ماله في ذمة الزبير ﵁ حتى لو ضاع، ومصلحة للزبير بحيث يكسب ثقة المتعامل معه، ويستطيع التصرف بهذا المال في التجارة ونحوها، قال ابن حجر (٢): "وكان غرضه بذلك أنه كان يخشى على المال أن يضيع فيظن به التقصير في حفظه، فرأى أن يجعله مضمونا فيكون أوثق لصاحب المال، وأبقى لمروءته. زاد ابن بطال (٣): وليطيب له ربح ذلك المال" (٤)، وهذا التعديل على العقد من الزبير ﵁ يعد هندسةً ماليةً إسلاميةً ضمنت المصلحة لكلا الطرفين، وحققت هدفًا اقتصاديًا للمجتمع

стр. 53

بأن يبقى المال في دائرة التداول، قال الدكتور النعيمي: "والذي يظهر هنا أن الزبير ﵁ لا يريد لهذا المال أن يتعطل عن دائرة التداول فهو هنا حقق مطلبًا ماليًا معتبرًا" (١). المثال الثاني: عن أبي هريرة ﵁، "أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ (٢): أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا فَعَلْتُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى»، قَالَ: فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ، «فَنَهَى عَنْ بَيْعِهَا»، قَالَ سُلَيْمَانُ (٣): فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ" رواه مسلم (٤). وجه الدلالة من الحديث: أنه في عصر الصحابة ﵃ تم ابتكار الصكوك، وهو منتج مالي جديد، وهو عبارة عن الرقاع، أو الأوراق التي يكتب فيها ولي الأمر برزق من الطعام للناس (٥)، وهي عطاء مؤجل الدفع إلى موسم الحصاد (٦)، وفي ابتكار الصكوك

стр. 54

حل لأزمة السيولة لدى الدولة (١)، وهذا الابتكار يعد هندسة مالية إسلامية؛ إذ من أنشطة الهندسة المالية الإسلامية ابتكار المنتجات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وقد منع الصحابة ﵃ بيع هذا الصكوك ممن ملكها قبل أن يقبضها؛ كي تحافظ على مصداقيتها الشرعية، كما سبق في الحديث أن أبا هريرة نهى عن بيع الصكوك، وجاء في مصنف عبدالرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة عن الزهري (٢): "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵄ كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا بِشِرَى الرِّزْقِ، إِذَا أُخْرِجَتِ الْقُطُوطُ (٣)، وَهِيَ الصِّكَاكُ، وَيَقُولُونَ: لَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ" (٤)، وورد عندهما أيضًا عن نَافع مولى ابن عمر ﵁ (٥)،

стр. 55

قال: " نُبِّئْتُ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁ كَانَ يَشْتَرِي صَكَّاكَ الرِّزْقِ، فَنَهَى عُمَرُ ﵁ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَقْبِضَ" (١). المثال الثالث: ما جاء عند البيهقي في السنن الكبرى: "عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الصَّبَّاغَ وَالصَّائِغَ وَقَالَ: لَا يَصْلُحُ لِلنَّاسِ إِلَّا ذَاكَ" (٢)، وجاء عنده أيضًا: " أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ يَضْمَنُ الْأَجِيرَ" (٣). وجه الدلالة من الأثرين: أن الأجراء يدهم على المال يد أمانة، والأمين: هو الحائز للمال بإذن الشارع، أو إذن مالكه، بغير قصد تملكه (٤). وهذا ينطبق على الأجراء فقد أخذوا المال بإذن من مالكه، والأمين لا يضمن ما تلف بيده بغير تعد، أو تفريط (٥)، إلا أن

стр. 56

علي بن أبي طالب ﵁ رأى أن المصلحة في تضمينهم، فلو لم يضمنوا لأدى بهم الحال-جريًا وراء الكسب السريع- إلى الإقدام على إهلاك أموال المؤجرين دون تحفظ (١)، والقول بعدم تضمينهم سببٌ لضياع أموال الناس، والتهاون في حفظها، وسببٌ أيضًا في عدم انتفاع الناس بأعمال الأجراء؛ خوفًا على أموالهم، مع حاجتهم جميعًا إلى ذلك (٢)، وفي ذلك مفسدة، ولا يصلح الناس إلا تضمين الأجراء كما قال علي ﵁، خاصةً إذا فسد الناس، فقد" كان الشافعي ﵀ يذهب إلى أنه لا ضمان على الأجير، ولكنه لا يفتى به لفساد الناس" (٣)، وفي تضمين الأجراء من علي ﵁ تعديل على العقد، وتطوير له؛ كي يحمي أموال الناس، وهو عبارة عن هندسة مالية إسلامية. وفي هذه الأمثلة الثلاثة بيان أن الصحابة كانوا يجتهدون في هندسة العقود المالية ابتكارًا، وتطويرًا؛ ليحققوا مصالح للناس، ويدرؤوا عنهم المفاسد قدر الإمكان، وفيها مستندات شرعية للهندسة المالية الإسلامية من اجتهادات الصحابة ﵃، وهم خير قدوة بعد رسول الله ﷺ .

стр. 57

المبحث الثالث: المستندات الشرعية للهندسة المالية الإسلامية من المقاصد الشرعية شرع الله الدين لمقاصد وحكم؛ فالمقاصد هي الركن في بناء الصرح التشريعي (١)، ولا ينكر مسلم ما اشتملت عليه الشريعة من المصالح والمحاسن والمقاصد التي للعباد في المعاش والمعاد (٢)، فالله تعالى لا يفعل شيئًا عبثًا-سبحانه- قال الله تعالى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿ـأَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٤)، ومن أعظم ما اشتمل عليه خلق الإنسان قبوله التمدن الذي أعظمه وضع الشريعة له (٥)، فالإنسان ما خلق إلا لعبادة الله وامتثال الشريعة التي وضعها الله له ليعمر هذه الأرض التي يعيش عليها (٦)، قال تعالى: ﴿ـوَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٧)، وليؤدي الإنسان هذه العبادة لابد له من فهم مقصد الشارع منها؛ لأنه من غير فهم لمقصد الشارع في هذه العبادة قد يؤديها على غير ما شرعت لأجله، وبذلك يكون كالفاعل لغير ما أمر به، أو التارك

стр. 58

ما أمر به، يقول الشاطبي (١): "إن الآخذ بالمشروع من حيث لم يقصد به الشارع ذلك القصد آخذ في غير مشروع حقيقة؛ لأن الشارع إنما شرعه لأمر معلوم بالفرض، فإذا أخذ بالقصد إلى غير ذلك الأمر المعلوم؛ فلم يأت بذلك المشروع أصلا، وإذا لم يأت به ناقض الشارع في ذلك الأخذ، من حيث صار كالفاعل لغير ما أمر به والتارك لما أمر به" (٢). وفي الهندسة المالية الإسلامية تحقيق مقاصد شرعية، وفي فهمها إعانة للمسلم على أداء المشروع في المال كما شرع الله تعالى، ومن المقاصد الشرعية التي تحققها الهندسة المالية الإسلامية: ١ - أنها تحقق مصالح للناس. ٢ - أنها ترفع الحرج عن الناس. وسأفرد كل مقصد من هذه المقاصد بمطلب. المطلب الأول: تحقيق المصلحة في الهندسة المالية الإسلامية. من مقاصد الشريعة تحقيق المصلحة للمكلف، فمبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها (٣)، يقول العز بن عبدالسلام (٤): "من مارس الشريعة

стр. 59

وفهم مقاصد الكتاب والسنة عَلِم أن جميع ما أمر به لجلب مصلحة أو مصالح، أو لدرء مفسدة أو مفاسد، أو للأمرين، وأن جميع ما نهي عنه إنما نهي عنه لدفع مفسدة أو مفاسد، أو جلب مصلحة أو مصالح، أو للأمرين، والشريعة طافحة بذلك" (١). الفرع الأول: تعريف المصلحة. المصلحة في اللغة: المصلحة ضد المفسدة، وهي واحدة المصالح (٢)، "فالصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد" (٣). وفي الاصطلاح: عرفها الغزالي (٤) بأنها: "المحافظة على مقصود الشرع" (٥). وقال: "ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة" (٦). وعرفها الدكتور البوطي بأنها: "المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده، من حفظ دينهم، ونفوسهم، وعقولهم، ونسلهم، وأموالهم، طبق ترتيب معين فيما بينها" (٧).

стр. 60

فالغزالي عرف المصلحة بأسبابها، بينما لجأ البوطي في تعريفه إلى حقيقة المصلحة -وهي المنفعة- لا إلى أسبابها (١)، لكن ابن تيمية ينتقد من حصر المصلحة بحفظ الأمور الخمسة، فيقول: "لكن بعض الناس يخص المصالح المرسلة بحفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان، وليس كذلك، بل المصالح المرسلة في جلب المنافع وفي دفع المضار وما ذكروه من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة فهو أحد القسمين" (٢)؛ لذا يعرف ابن تيمية المصلحة بـ"أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة؛ وليس في الشرع ما ينفيه" (٣). وكلام ابن تيمية في عدم حصر المصلحة بحفظ هذه الأمور الخمسة صحيح؛ فالمصلحة تشتمل على المصلحة المعتبرة التي نص الشرع عليها، وتشتمل على المصلحة المرسلة التي لا يوجد نص عليها، وهي محققة لمقصوده، وحصر المصلحة بهذه الأمور الخمسة يخرج قسم المصلحة المرسلة؛ فالشرع نص على اعتبار هذه الأمور الخمسة، وهناك كثير من المصالح المرسلة التي لم ينص الشرع عليها، وهي محققة لمقصوده، وتعريف المصلحة لابد أن يشتمل على القسمين جميعًا، وتعريف ابن تيمية للمصلحة تعريف للوسيلة الموصلة إليها، وليس تعريفًا لها، فنظر المجتهد وسيلة للتعرف على المصلحة، ويمكن أن يتم تعريف المصلحة عن طريق الدمج بين تعريف البوطي، وتعريف ابن تيمية، فيكون تعريف المصلحة: هي المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده، في أمور دينهم ودنياهم، وليس في الشرع ما ينفيها.

стр. 61

الفرع الثاني: أقسام المصلحة. تنقسم المصلحة أقسامًا عدة باعتبارات مختلفة، ولهذا التقسيم تأثير في الموازنة بينها، وترجيح بعضها على بعض في حالة التعارض (١)، وهذه الأقسام كما يلي: أولًا: تقسيم المصلحة من حيث اعتبار الشارع لها: تنقسم المصلحة من حيث اعتبار الشارع لها ثلاثة أقسام: ١ - المصلحة المعتبرة: وهي المصلحة التي شهد الشارع باعتبارها؛ كمصلحة الجهاد، ومصلحة قطع يد السارق، ومصلحة النظر إلى المخطوبة وغيرها (٢). ٢ - المصلحة الملغاة: وهي المصلحة التي شهد لها الشرع بالبطلان (٣)؛ مثل مصلحة المرابي في زيادة ماله، فقد ألغاه الشارع، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤)، والمصلحة الموجودة في الخمر والميسر، والتي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (٥)، ومع ذلك ألغى الشارع هذه المصلحة لوجود المفاسد الكبيرة في الخمر والميسر، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦)، ومثل "قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان: إن عليك صوم شهرين متتابعين، فلما أنكر عليه حيث لم يأمر بإعتاق رقبة

стр. 62

مع اتساع ماله، قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه، واستحقر إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به" (١)، قال الشاطبي: "وهذه الفتيا باطلة" (٢)، قال الغزالي: "فهذا قول باطل ومخالف لنص الكتاب بالمصلحة" (٣)، وبطلان هذه الفتيا من جهة أن هذا العالم لم يبين للملك أن كفارة الجماع في رمضان لها ثلاثة مراتب؛ عتق رقبة، أوصيام شهرين متتابعين، أوإطعام ستين مسكينًا، كما ورد بذلك النص (٤)، بل ألزمه بنوع واحد من الكفارات، وهو صيام شهرين متتابعين؛ ليزجر الملك، وهذه المصلحة ملغاة لمخالفتها ما جاء به النص من التنوع في الكفارة، سواء كانت هذه الكفارة على الترتيب، أو على التخيير (٥)، فضلًا على أن المصلحة التي رآها العالم

стр. 63

في صوم الملك شهرين متتابعين تقابلها مصلحة أرجح منها، وهي اعتاق الرقبة، فهذه مصلحة متعدية النفع، وتلك قاصرة النفع على الملك؛ لذلك قدم النبي ﷺ كفارة عتق الرقبة على كفارة صيام شهرين متتابعين، "وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال، ثم إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم تحصل الثقة للملوك بفتواهم، وظنوا أن كل ما يفتون به فهو تحريف من جهتهم بالرأي" (١). ٣ - المصلحة المرسلة: وهي المصلحة التي لم يشهد لها الشارع بالاعتبار، ولا بالإلغاء (٢)، ولكنها محققة لمقصود الشارع (٣)؛ مثل جمع القرآن في زمن الصحابة ﵃، فهذه مصلحة لم يرد فيها نص على اعتبارها أو إلغائها، وهي محققة لمقصود الشارع، فجمع القرآن حفظ للشريعة، وهي مقصودة للشارع (٤). ولابد أن تكون المصلحة المرسلة مستندة إلى دليل قد اعتبره الشارع، غير أنه لا دليل يتناولها بخصوصها، وإنما يتناول الجنس البعيد لها (٥). ثانيًا: تقسيم المصلحة من حيث قوتها في ذاتها: تنقسم المصلحة من حيث قوتها في ذاتها ثلاثة أقسام: ١ - المصلحة الضرورية: وهي المصلحة التي تتوقف عليها حياة الناس، بحيث لا يستقيم النظام باختلالها، فإذا اختلت تؤول حالة الأمة إلى فساد، وتكون حياتهم أشبه بحياة

стр. 64

الأنعام، ولا تكون على الحالة التي أرادها الله من خلق الإنسان، وقد يفضي هذا الاختلال إلى اضمحلال الأمة بأن يقتل بعضهم بعضًا، أو بتسليط الأعداء عليها (١)، يقول الشاطبي: "فأما الضرورية، فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين" (٢)، ومثَّل الغزالي للمصلحة الضرورية بحفظ الضروريات الخمسة، قال: "وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح" (٣). ٢ - المصلحة الحاجية: وهي المصلحة التي تحتاجها الأمة لاقتناء مصالحها، وانتظام أمورها على وجه حسن، بحيث لولا مراعاته لكانت في حالة غير منتظمة، لكنها لا تبلغ مرتبة المصلحة الضرورية (٤)، قال الشاطبي: "وأما الحاجيات، فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين- على الجملة- الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة" (٥)، ويُمثل لها بالبيوع، والإجارات، والقرض، والنكاح الشرعي، والرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض والسفر، وغيرها (٦).

стр. 65

٣ - المصلحة التحسينية: وهي المصلحة التي تكون من قبيل التحسين والتزيين والتيسير لحياة الناس، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات (١)، قال ابن عاشور: " هي عندي ما كان بها كمال الأمة في نظامها حتى تعيش آمنة مطمئنة ولها بهجةُ منظر المجتمع في مرأى بقية الأمم، حتى تكون الأمة الإسلامية مرغوبًا في الاندماج فيها أو التقرب منها" (٢)، ومن أمثلتها: ستر العورة، والتقرب بنوافل العبادات، وآداب الأكل، وغيرها من مكارم الأخلاق (٣). ثالثا: تقسيم المصلحة من حيث الشمول: تنقسم المصلحة من حيث شمولها ثلاثة أقسام: ١ - مصلحة عامة: وهي المصلحة التي تتعلق بحق الخلق كافة؛ مثل حماية الدين، وحفظ القرآن من التلاشي العام (٤). ٢ - مصلحة تتعلق بجماعات: وهي المصلحة المتعلقة بحق جماعة من الأمة، وليس عامة لكل الأمة؛ كالمصالح المتعلقة ببلد معين، أو المصالح المتعلق بأصحاب مهنة معينة، كتأمين التجارة للتجار المسلمين في البلاد غير الإسلامية (٥)، وكالاحتكام للقضاء غير الشرعي في البلاد التي لا يوجد فيها قضاء شرعي. ٣ - مصلحة خاصة: وهي المصلحة التي تخص فردًا معينًا (٦)؛ كمصلحة فسخ بيع فيه غش لشخص، أو مصلحة تطليق امرأة من زوجها بسبب الضرر الواقع عليها.

стр. 66

الفرع الثالث: أدلة اعتبار المصلحة اعتبار المصلحة هو الأساس الذي بنيت عليه الشريعة، يقول ابن القيم: "فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة " (١). وأدلة اعتبار الشريعة الإسلامية للمصلحة كثيرة، منها: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢). وجه الدلالة من الآية: أنه لو لم تكن الشريعة التي بعث الله نبيه ﷺ بها مبنية على المصلحة، لم يكن إرسال الرسول ﷺ رحمة، بل نقمة عليهم؛ إذ لو أرسله بحكم لا مصلحة لهم فيها، لكان تكليفًا بلا فائدة، ومشقةً تخالف الرحمة التي أرسل بها الرسول ﷺ ؛ فتعقل المعنى، ومعرفة أنه بني على مصلحة أقرب إلى الانقياد والقبول (٣). الدليل الثاني: من خلال استقراء الشريعة وجد الكثير من الأدلة المعللة بما هو أصلح للعباد، ففي ختام آية فرض الوضوء، قال تعالى: ﴿ـمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٤)، وفرَض الله الصلاة، وعلل ﴿ـإِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٥)

стр. 67

وفرض الله الصيام، وفي ختام الآية قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١)، إلى جانب الكثير من الآيات التي يثبت بمجموعها على دليل الاستقراء أن الشريعة مبنية على تحقيق مصالح العباد، آتية بإسعادهم في حياتهم الدنيا، وحياتهم الأخرى (٢). الدليل الثالث: أن المجتهدين من الصحابة ﵃ عملوا أمورًا لمجرد تحقق المصلحة، دون تقدم شاهد بالاعتبار، من ذلك قول عمر بن الخطاب ﵁ لأبي بكر ﵁ لما اقترح عليه جمع القرآن: "هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ" (٣)، وكذلك قال أبو بكر ﵁ لزيد عندما أمره بجمع القرآن: "هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ" (٤)، وقال علي بن أبي طالب ﵁ لما أمر بتضمين الصناع: "لَا يَصْلُحُ لِلنَّاسِ إِلَّا ذَاكَ" (٥)، وغيرها كثير (٦)، فتبين من ذلك أن المتقرر عندهم ﵃ بناء الشريعة على المصلحة، وأنه متى وجدت المصلحة فثم شرع الله، ودينه (٧). الدليل الرابع: أن من قواعد الشريعة الكبرى، قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار" (٨)، المستندة إلى الحديث الذي رواه ابن ماجه، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله

стр. 68

- ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (١)، وهذا الحديث وإن لم يصح فإن الأمة مجمعة على معناه المستفاد من أدلة كثيرة، فإذا نفى الشرع الضرر، لزم منه إثبات المصلحة؛ لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما (٢). الدليل الخامس: أن الأصول محصورة، والوقائع غير محصورة (٣)، و"نعلم قطعًا أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى معزو إلى شريعة محمد ﷺ " (٤)، فلابد أن تبنى هذه الوقائع على تحقيق المصلحة للناس فيما يتوافق مع مقاصد الشريعة، وأهدافها الكلية؛ كي يتحقق خلود الشريعة، وصلاحيتها الدائمة لكل زمان ومكان (٥). هذه هي أبرز الأدلة في اعتبار الشريعة الإسلامية للمصلحة، وقد اتفق العلماء على اعتبارها، قال القرافي (٦): "وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا وفرقوا بين

стр. 69

المسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة (١)، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب" (٢)، وقال أيضًا: "إن المصلحة المرسلة في جميع المذاهب عند التحقيق" (٣)، وقال الطوفي (٤): "أجمع العلماء، إلا من لا يعتد به من جامدي الظاهرية، على تعليل الأحكام بالمصالح ودرء المفاسد، وأشدهم في ذلك مالك حيث قال بالمصلحة المرسلة، وفي الحقيقة لم يختص بها، بل الجميع قائلون بها، غير أنه قال بها أكثر منهم" (٥). وقد اشتهر عن الإمام الشافعي ومذهبه إنكار اعتبار المصلحة في التشريع، إلا أن المحققين في المذهب، بينوا أن الشافعي لا ينكر اعتبار المصلحة في التشريع، لكنه ينكر البعد فيها، والإفراط، واتباع الأهواء باسم المصلحة، وبينوا أنه لا وجه للخلاف في اعتبارها، قال الجويني: "وذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة ﵄ إلى اعتماد الاستدلال (٦)، وإن لم يستند إلى حكم متفق عليه في أصل، ولكنه لا يستجيز النأي والبعد

стр. 70

والإفراط، وإنما يسوغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبيهة بالمصالح المعتبرة وفاقًا وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول قارة في الشريعة" (١). وقال الغزالي: "وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة" (٢) وقال الزركشي (٣): "فإن العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة، ولا معنى للمصلحة المرسلة إلا ذلك" (٤) وفي ثنايا كتب المذاهب الفقهية الكثير من الفروع التي بنى علماء المذاهب فتاواهم على تحقيق المصلحة (٥). وبعدما تبين ذلك، فلا ينبغي التردد في صحة الاستناد إلى المصلحة (٦)، واعتبارها في التشريع، فإن المصلحة هي "أخصب الطرق التشريعية فيما لا نص فيه" (٧)، وفيها المتسع للفقيه في تدبير أمور الأمة عند نوازلها، ونوائبها إذا التبست عليه المسالك (٨).

стр. 71

الفرع الرابع: ضوابط المصلحة المصلحة هي أوسع الطرق، وهذا الاتساع فيها قد يغري أهل الأهواء بالدخول عن طريقها إلى تحقيق رغباتهم مستدلين بتحقيق المصلحة، منادين بها، لذلك لابد للمصلحة من ضوابط تضبطها، وقد ذكر العلماء ضوابط للمصلحة، وهي: ١ - أن تكون المصلحة موافقة لمقصود الشارع، بأن تكون من جنس المصالح التي جاء بها، وليست غريبة عنها (١). ٢ - أن ترجع إلى حفظ أمر ضروري، ورفع حرج لازم في الدين (٢)، قال الغزالي: "أما الواقع من المناسبات في رتبة الضرورات أو الحاجات-كما فصلناها- فالذي نراه فيها: أنه يجوز الاستمساك بها، إن كان ملائمًا لتصرفات الشرع" (٣). ٣ - أن تكون مصلحة حقيقية لا مصلحة وهمية؛ فالوهمية هي التي يُتخيل فيها منفعة وهي عند التأمل مضرة، وذلك لخفاء الضرر فيها (٤). ٤ - عدم تفويتها مصلحة أهم منها، وذلك بالنظر لها من حيث قوتها، وبالنظر لها من حيث شمولها، فلا تقدم المصلحة الحاجية على المصلحة الضرورية، ولا تقدم المصلحة التحسينية على المصلحة الحاجية، ولا تقدم المصلحة الخاصة بأفراد على المصلحة المتعلقة بجماعات، ولا تقدم المصلحة المتعلقة بجماعات على المصلحة العامة لكل الأمة (٥)،

стр. 72

قال ابن القيم: " وقاعدة الشرع والقدر تحصيل أعلى المصلحتين وإن فات أدناهما" (١). وقد ذكر بعض العلماء من ضوابط المصلحة ألا تعارض الشرع (٢)، وقد سبق بيان أن ما يعارض الشرع لا يدخل في مفهوم المصلحة، فلا داعي لوضعه من الضوابط. ولابد أن يضاف إلى هذه الضوابط أن يكون المقرر لهذه المصلحة هم العلماء، فالعلماء هم الذين يعرفون موافقة المصلحة لمقاصد الشارع، وهم الذين يميزون المصلحة الحقيقة من المصلحة الوهمية، ويدركون مآلات الأمور، وهم الذين يميزون بين المصالح فلا يقدمون المصلحة على مصلحة أهم منها، وهم أهل الذكر في معرفة المصالح الذين أمر الله بسؤالهم، قال الله تعالى: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣). الفرع الخامس: المصلحة في الهندسة المالية الإسلامية المصلحة في الهندسة المالية الإسلامية من حيث اعتبار الشارع لها، تعد من المصالح المرسلة التي لم يأمر الشرع بها، ولم يلغها، وهي ملائمة لمقصود الشارع، وقد دلت الأدلة على جنسها، ولم تنص عليها بخصوصها، فقد ورد عن النبي ﷺ تطوير بعض العقود، كما في عقد السلم، وقد ورد عن الصحابة ﵃ ابتكار الصكوك، وإن كان من ضمن المصالح التي تقوم بها الهندسة المالية الإسلامية مصالح معتبرة، كما تقوم بتطوير المعاملات التي تشتمل على الزيادة الربوية، بإلغاء هذه الزيادة، وهذه من المصالح التي اعتبرها الشارع، لكن الكلام عن الهندسة المالية الإسلامية من حيث العموم من حيث هي ابتكار وتطوير لمنتجات مالية.

стр. 73

ومصلحة الهندسة المالية الإسلامية من حيث قوتها تعد من المصالح الحاجية التي يقع على الناس حرج وضيق في عدم وجودها، ولكنها لا تصل إلى قوة المصالح الضرورية التي تؤدي إلى هلاكهم واضمحلالهم بعدم وجودها، فالناس تسير أمورهم على العقود القديمة، لكن يقع عليهم مشقة وحرج في ظل هذه التطورات التي يشهدها العالم، ووجود الكثير من العقود المستحدثة من الغرب، والتي لا توافق الشريعة الإسلامية، وهم يريدون المتاجرة بأموالهم، فالهندسة المالية ترفع عنهم الحرج، بما تقوم به من تطوير للعقود القديمة، وما تقوم به من تطوير للعقود المستحدثة من الغرب كي توافق الشريعة الإسلامية، وبذلك تحقق لهم المتاجرة وفق الضوابط الشرعية. ومصلحة الهندسة المالية الإسلامية من حيث الشمول تعد من المصالح العامة التي يحتاجها عامة الناس، فالمصارف والمؤسسات المالية في كل بلد، والناس يتعاملون معها، وهم بحاجة إلى الأدوات، والآليات الجديدة التي تجمع لهم بين المصداقية الشرعية، والكفاءة الاقتصادية. ومصلحة الهندسة المالية الإسلامية لا تخالف الضوابط التي وضعها العلماء للمصلحة، فهي متوافقة مع مقصود الشارع بحيث ترفع حرجًا لازمًا في الدين من الجانب الاقتصادي، وهي من المصالح الحقيقية، وليست من المصالح المتوهمة، ولا يوجد فيها تفويت مصالح أهم منها، بل في تطبيقها تحقيق لأهم المصالح في الجانب الاقتصادي، كتقوية اقتصاد الأمة، ومنافسة الاقتصاد الرأسمالي، وإبراز محاسن الدين الإسلامي في الجانب الاقتصادي، وتوفير منتجات خالية من المخالفات الشرعية، وتوفير تمويل حقيقي ومستمر مما يقلل المخاطر التي يقع فيها الناس، وغيرها كثير. وعلى هذا فلا ينبغي التردد في قبول الهندسة المالية الإسلامية؛ لما تحققه من مصلحة للناس في حياتهم الدنيا، ومعادهم الأخروي، متلائمة مع مقاصد الشريعة، غير منافية لها.

стр. 74

المطلب الثاني: رفع الحرج والتيسير في الهندسة المالية الإسلامية من الأصول التي بنيت عليها الشريعة رفع الحرج عن المكلفين (١)، فالشارع لم يكلف عباده بالشاق ولم يعنتهم في التكليف (٢) ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ (٣)، وعند التأمل في القواعد الخمس الكبرى التي عليها مدار الفقه الإسلامي نجد أنها كلها تندرج تحت أصل رفع الحرج؛ فلا عمل دون نية، ولو لم يتم اعتبار هذه النية لوقع الناس في حرج، فإعمال قاعدة"الأمور بمقاصدها" يرفع ذلك الحرج، وفي إعمال قاعدة "اليقين لا يزول بالشك" ثبات لحياة الناس بثبات اليقين، ولو زال اليقين بالشك لما استقرت حياتهم، ولوقعوا في حرج؛ لعدم ثبات الشكوك، وكثرتها، وفي إعمال قاعدة: "العادة محكمة" مرجع يتحاكم الناس إليه في معاملاتهم، ولولا إعمالها لطالت خصوماتهم، ولوقعوا في الحرج، وفي إعمال قاعدة"المشقة تجلب التيسير" رفع لحرج المشقة غير المعتادة، وكذلك في إعمال قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" حماية لحياة الناس من الضرر الذي يوقعهم في الحرج، قال ابن العربي (٤): "ولو ذهبت إلى تعديد نعم الله في رفع الحرج لطال المرام" (٥)، فرفع الحرج"من أعظم مقاصد التشريع" (٦).

стр. 75

الفرع الأول: تعريف رفع الحرج رفع الحرج يتكون من كلمتين (رفع) و (الحرج)، ولابد من تعريف كل كلمة على حدة حتى نتوصل عن طريق تعريفهما إلى تعريف رفع الحرج مركبًا. فالرفع في اللغة يطلق على خلاف الوضع، فالراء والفاء والعين أصل واحد، يدل على خلاف الوضع (١)، ومن معاني الرفع الإزالة، فرفع الشيء إذا أزيل عن موضعه (٢)، ومعنى الإزالة هو المقصود هنا. والرفع في الاصطلاح لا يخرج عن المعنى اللغوي فهو بمعنى الإزالة (٣). أما الحرج في اللغة: فيدل على الضيق (٤)، فالحاء والراء والجيم أصل واحد يدل على تجمع الشيء وضيقه (٥). وأما في الاصطلاح فلم أجد للحرج تعريفًا عند العلماء المتقدمين مما يدل على أنهم يكتفون بمعناه اللغوي، وقد وجدت للمعاصرين من العلماء عدة تعريفات للحرج في الاصطلاح، منها: تعريف الدكتور يعقوب الباحسين: "ما أوقع على العبد مشقة زائدة عن المعتاد، على بدنه أو على نفسه، أو عليهما معًا في الدنيا والآخرة، أو فيهما معًا، حالًا أو مآلًا، غير معارض بما هو أشد منه، أو بما يتعلق به حق للغير مساو له أو أكثر منه" (٦).
следующие страницы →