← Фикх общий

Фикх общий · id 11122

تمام المنة في التعليق على فقه السنة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (464 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وإنما رواه من طريق أبي حازم عن أبي هريرة مختصرا ومن طريق نعيم بن المجمر عنه أتم من الروايتين ولفظه: ... ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وقال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء فمن استطاع ... الحديث". وهكذا أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" ١ / ٢٤٣ ولكنه لم يصرح برفع الجملة الأخيرة إلى النبي ﷺ والله أعلم. قوله في الدعاء تحت رقم ١٥ -: لم يثبت من أدعية الوضوء شيء عن رسول الله ﷺ غير حديث أبي موسى الأشعري قال: أتيت رسول الله ﷺ بوضوء فتوضأ فسمعته يدعو يقول: "اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي في داري وبارك لي في رزقي". فقلت: يا رسول الله سمعتك تدعو بكذا وكذا قال: "وهل تركن من شيء؟ ". رواه النسائي وابن السني بإسناد صحيح. قلت: لنا على هذا مؤاخذات: الأولى: أن الحديث ليس من أذكار الوضوء وإنما هو من أذكار الصلاة بدليل رواية الإمام أحمد في "المسند" وابنه عبد الله في "زوائده" من طريق عبد الله بن محمد بن أبى شيبة: ثنا معتمر بن سليمان عن عباد بن عباد عن أبي مجلز عن أبى موسى به مختصرا بلفظ: "فتوضأ وصلى وقال: اللهم ... " وقد قال الحافظ في "أماليه على الأذكار ":

стр. 107

"رواه الطبراني في "الكبير" من رواية مسدد وعارم والمقدمي كلهم عن معتمر ووقع في روايتهم: "فتوضأ ثم صلى ثم قال: ... " وهذا يدفع ترجمة ابن السني حيث قال: "باب ما يقوله بين ظهراني وضوئه" لتصريحه بأنه قاله بعد الصلاة ويدفع احتمال كونه بين الوضوء والصلاة. الثانية: أنه أطلق عزوه للنسائي فأوهم أن الحديث في "سننه" لأنه هو الذي يفهم عند المشتغلين بالسنة عند الإطلاق ولم يروه في "السنن" بل في "عمل اليوم والليلة" كما صرح بذلك النووي في "الأذكار" ص ٣٨ فكان على المؤلف أن يقيده بذلك ولا سيما إنه نقل جل ما في هذا الفصل عن النووي وإن لم يصرح بذلك! ثم رأيته في "عمل اليوم والليلة" للنسائي ١٧٢ / ٨٠ وترجم له بما ترجم له ابن السني في "كتابه" ٧. ومثل هذا الإيهام قد تكرر من المؤلف كثيرا ولم أنبه عليه إلا نادرا لمناسبة ما لأنه لا فائدة كبرى في ذلك. الثالثة: جريه مع النووي على تصحيح إسناده وليس كذلك بل هو ضعيف لانقطاعه ما بين أبي مجلز وأبي موسى كما يأتي بيانه ولم يتنبه لذلك النووي ومن تبعه وقوفا منهم مع ظاهر إسناده فإنهم ثقات جميعا. قال الحافظ ابن حجر في "الأمالي": "وأما حكم الشيخ يعني الإمام النووي على الإسناد بالصحة ففيه نظر لأن أبا مجلز لم يلق سمرة بن جندب ولا عمران بن حصين فيما قال ابن المديني وقد تأخرا بعد أبي موسى ففي سماعه من أبي موسى نظر وقد عهد منه الإرسال

стр. 108

عمن يلقاه"١. وقد وجدت للحديث علة أخرى وهي الوقف فقد أخرجه ابن أبى شيبة في "المصنف" ١ / ٢٩٧ من طريق أبي بردة قال: كان أبو موسى إذا فرغ من صلاته قال: "اللهم اغفر لي ذنبي ويسر لي أمري وبارك لي في رزقي".وسنده صحيح وهذا يرجح أن الحديث أصله موقوف وأنه لا يصح رفعه وأنه من أذكار الصلاة لو صح. وقد غفل عن هذا التحقيق المعلق على "زاد المعاد" فإنه صرح بأن سنده صحيح تبعا للنووي ثم تعقب مؤلف "الزاد" الذي ذكر الحديث في أدعية الصلاة فقال: "ولم نر من ذكره في أدعية الصلاة كما ذكر المصنف"!! نعم الدعاء الذي في الحديث له شاهد ذكرته في "غاية المرام" ص ٨٥ فالدعاء به مطلقا غير مقيد بالصلاة أو الوضوء حسن ولذلك أوردته في "صحيح الجامع" ١٢٧٦ وغفل عن هذا بعض إخواننا فأورده فيما يقال في الوضوء أو الصلاة - والشك مني - فرسالته لا تطولها الآن يدي. قوله تحت رقم ١٦ -: "وأما دعاء: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فهي في رواية الترمذي وقد قال في الحديث: وفي إسناده اضطراب ولا يصح فيه شيء كبير". قلت: هذا الكلام يوهم أن الدعاء المذكور جاء في حديث تفرد بإخراجه الترمذي وأعله بالاضطراب والواقع أن الحديث أصله عند مسلم وغيره من حديث عمر وقد ذكره المؤلف قبيل هذا الكلام وكذلك رواه الترمذي وزاد فيه

стр. 109

بعد التهليل هذا الدعاء ثم أعله بالاضطراب كما نقله المصنف عنه وهولا يريد به الزيادة وحدها بل الحديث جملة وحينئذ يكون المصنف قد نقل نقلين متناقضين: تصحيح مسلم للحديث وتضيف الترمذي له ثم هو لم يرجح أحدهما على الآخر. والحق أن الحديث صحيح والاضطراب المشار إليه ليس من الاضطراب الذي يعل به الحديث ولا يتسع المجال لبيان ذلك فمن شاء التحقق مما نقول فليراجع تعليق الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر على الترمذي ١ / ٧٧ - ٨٣ فقد جمع فيه طرق الحديث وبين أنه لا اضطراب فيها. فإن قيل: قد عرفنا أن الحديث صحيح فما حاله إسناد هذه الزيادة عند الترمذي؟. قلت: إسنادها صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير شيخ الترمذي جعفر بن محمد بن عمران التغلبي وهو صدوق كما قال أبو حاتم. ثم إن لها شواهد من حديث ثوبان عند ابن السني رقم ٣٠ وابن عمر وأنس كما ذكره البيهقي في "سننه" ١ / ٧٨ ولذلك جزم ابن القيم في "زاد المعاد" ١ / ٦٩ بثبوت الحديث مع هذه الزيادة عن النبي ﷺ . قوله في حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: "من توضأ فقال: سبحانك اللهم ... " الخ: "رواه الطبراني في "الأوسط" ورواته رواة الصحيح واللفظ له ورواه النسائي وقال في آخره: "ختم عليه بخاتم ... ". قلت: فيه مؤاخذات: الأولى: أطلق عزوه للنسائي فأوهم أنه في "سننه" وليس كذلك وإنما أخرجه في "عمل اليوم والليلة" كما قيده النووي والحافظ المزي في "التحفة" ٣

стр. 110

/ ٤٤٧ والعسقلاني وهو فيه برقم ٨١ و٨٢ وأما عزو ابن القيم إياه في "الزاد" ل "سنن النسائي" فوهم محض لم يتنبه له المعلق عليه ثم قصر تقصيرا فاحشا في تخريجه فلم يعزه لغير ابن السني بسند ضعيف! الثانية: أن النسائي قال في المرفوع: "هذا خطأ والصواب موقوف". فكان ينبغي نقله عنه أداء للأمانة ثم الجواب عن هذا الإعلال كما فعل الحافظ بأنه في حكم المرفوع لأنه لا يقال بمجرد الرأي وبخاصة أنه جاء مرفوعا من طرق أخرى كما هو مبين في "الصحيحة" ٢٣٣٣. الثالثة: أن التخريج المذكور من رواية الطبراني ... نقله من كتاب "الترغيب" للمنذري ١ / ١٠٥ وقد قال في آخره: "وصوب وقفه على أبي سعيد". وكذلك قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١ / ٢٣٩. وقد عرفت الجواب آنفا. وقد وقع لبعض العلماء حول هذا الحديث أخطاء عجيبة لا أطيل الكلام بذكرها هنا ومحل ذلك في المصدر السابق. والله تعالى هو الموفق. قوله: "وما بقي من تعاهد موقي العينين وغضون الوجه ومن تحريك الخاتم ومن مسح العنق لم نتعرض لذكره لأن الأحاديث فيها لم تبلغ درجة الصحيح وإن كان يعمل بها تتميما للنظافة". قلت: العنق ليس محلا للنظافة في الوضوء شرعا بخلاف المحال الأخرى التي ذكرت قبله ولذلك فإني لا أرى جواز مسحه في الوضوء إلا بدليل خاص يصلح الاحتجاج به وهو مفقود كما أشار إليه المصنف وخلاف هذا تشريع بالرأي لا يجوز. على أن تحريك الخاتم لا بد منه إذا كان ضيقا. والله ولي التوفيق.

стр. 111

ومن نواقض الوضوء قوله في صدد عد النواقض: "٤, ٥, ٦ - المني والمذي والودي لقول ابن عباس: أما المني فهو الذي منه الغسل وأما المذي والودي فقال: اغسل ذكرك أو مذاكيرك وتوضأ وضوءك للصلاة. رواه البيهقي في السنن". قلت: هذا موقوف والاستدلال به وحده - مع أنه مختلف في صلاحيته للاحتجاج به - يوهم أن ليس في المرفوع ما يدل على ما دل عليه الموقوف ولو بالنسبة لبعض النواقض وليس كذلك ففي المذي أحاديث أشهرها حديث علي ابن أبي طالب قال: استحييت أن أسأل رسول الله ﷺ عن المذي من أجل فاطمة فأمرت رجلا فسأله فقال: "فيه الوضوء". أخرجه الشيخان وغيرهما وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٢٠٠ و "الإرواء" ١٠٨. قوله في النوم المستغرق: "فإذا كان النائم جالسا ممكنا مقعدته من الأرض لا ينتقض وضوؤه وعلى هذا يحمل حديث أنس قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون رواه الشافعي ومسلم وأبو داود والترمذي ولفظ الترمذي من طريق شعبة: لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يوقظون للصلاة حتى لأسمع لأحدهم غطيطا ثم يقومون فيصلون ولا يتوضؤون قال ابن المبارك: هذا عندنا وهم جلوس". قلت: قد ذكر الحافظ في "الفتح" ١ / ٢٥١ نحو كلام ابن المبارك هذا ثم رده بقوله:

стр. 112

" لكن في "مسند البزار" بإسناد صحيح في هذا الحديث: فيضعون جنوبهم فمنهم من ينام ثم يقومون إلى الصلاة". قلت: وأخرجه أيضا أبو داود في "مسائل الإمام أحمد" ص ٣١٨ بلفظ: كان أصحاب النبي ﷺ يضعون جنوبهم فينامون فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ. وإسناده صحيح على شرط الشيخين. فهذا اللفظ خلاف اللفظ الأول: "تخفق رؤوسهم" فإن هذا إنما يكون وهم جلوس كما قال ابن المبارك فإما أن يقال: إن الحديث مضطرب فيسقط الاستدلال به وإما أن يجمع بين اللفظين فيقال: كان بعضهم ينام جالسا وبعضهم مضطجعا فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ وهذا هو الأقرب وحينئذ فالحديث دليل لمن قال: إن النوم لا ينقض الوضوء مطلقا وقد صح ذلك عن أبي موسى الأشعري وابن عمر وابن المسيب كما في "الفتح" وهو باللفظ الآخر لا يمكن حمله على النوم ممكنا مقعدته من الأرض وحينئذ فهو معارض لحديث صفوان بن عسال المذكور في الكتاب بلفظ: " ... لكن من غائط وبول ونوم" فإنه يدل على أن النوم ناقض مطلقا كالغائط والبول ولا شك أنه أرجح من حديث أنس لأنه مرفوع إلى النبي ﷺ وليس كذلك حديث أنس إذ من الممكن أن يكون ذلك قبل إيجاب الوضوء من النوم. فالحق أن النوم ناقض مطلقا ولا دليل يصلح لتقييد حديث صفوان بل يؤيده حديث علي مرفوعا: "وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ" وإسناده حسن كما قال المنذري والنووي وابن الصلاح وقد بينته في "صحيح أبي داود" رقم ١٩٨ فقد أمر ﷺ كل نائم أن يتوضأ. ولا يعكر على عمومه - كما ظن البعض - أن الحديث أشار إلى أن النوم ليس

стр. 113

ناقضا في نفسه بل هو مظنة خروج شيء من الإنسان في هذه الحالة فإنا نقول: لما كان الأمر كذلك أمر ﷺ كل نائم أن يتوضأ ولو كان متمكنا لأنه ﵇ أخبر أن العينين وكاء السه فإذا نامت العينان انطلق الوكاء كما في حديث آخر والمتمكن نائم فقد ينطلق وكاؤه ولو في بعض الأحوال كأن يميل يمينا أو يسارا فاقتضت الحكمة أن يؤمر بالوضوء كل نائم. والله أعلم. وما اخترناه هو مذهب ابن حزم وهو الذي مال إليه أبو عبيد القاسم بن سلام في قصة طريفة حكاها عنه ابن عبد البر في "شرح الموطأ" ١ / ١١٧ / ٢ قال: "كنت أفتي أن من نام جالسا لا وضؤ عليه حتى قعد إلى جنبي رجل يوم الجمعة فنام فخرجت منه ريح! فقلت: قم فتوضأ. فقال: لم أنم. فقلت: بلى وقد خرجت منك ريح تنقض الوضوء! فجعل يحلف بالله ما كان ذلك منه وقال لي: بل منك خرجت! فزايلت ما كنت أعتقد في نوم الجالس وراعيت غلبة النوم ومخالطته القلب". فائدة هامة: قال الخطابي في "غريب الحديث" ق ٣٢ / ٢: "وحقيقة النوم هو الغشية الثقيلة التي تهجم على القلب فتقطعه عن معرفة الأمور الظاهرة. والناعس: هو الذي رهقه ثقل فقطعه عن معرفة الأحوال الباطنة". وبمعرفة هذه الحقيقة من الفرق بين النوم والنعاس تزول إشكالات كثيرة ويتأكد القول بأن النوم ناقض مطلقا. ولقد أنحرف قلم الشوكاني عن الصواب هنا في "السيل الجرار" فإنه بعد أن قرر وجه القول المذكور أحسن تقرير عقب عليه بقوله ١ / ٩٦:

стр. 114

"ولكنها وردت أحاديث قاضية بأنه لا ينتقض الوضوء بالنوم إلا إذا نام مضطجعا وهي تقوي بعضها بعضا كما أوضحت ذلك في شرحي لـ "المنتقى" فتكون مقيدة لما ورد في نقض مطلق النوم فلا ينقض إلا نوم المضطجع"! وأنت إذا رجعت إلى الشرح المذكور وجدته قد ذكر فيه ثلاثة أحاديث: الأول: عن ابن عباس: "ليس على من نام ساجدا وضوء ... " ومع أنه قد ذكر تضعيفه عن جمع كثير من الأئمة. وعن البيهقي أنه قال: أنكره جميع أئمة الحديث على أبي خالد الدالاني. فقد حاول تقويته بقول الذهبي في "المعني" في الدالاني: "مشهور حسن الحديث". وليس يخفى على العارف بهذا الفن أن مثل هذا القول لو سلم به فلا يفيد تقوية للحديث وقد أجمع المحدثون المتقدمون على إنكاره كما تقدم فكيف وقد قال الحافظ في الدالاني هذا: "صدوق يخطئ كثيرا وكان يدلس"؟! والذهبي نفسه قد ذكر هذا الحديث في ترجمته من "الميزان" في جملة ما أنكر عليه؟ فكيف وفي إسناده علل ثلاثة أخرى بينتها في كتابي "ضعيف أبي داود" ٢٥ ذكر الشوكاني نفسه منها الوقف ولكنه مر عليها! الثاني: عن ابن عمرو مرفوعا نحوه. قال الشوكاني: "وفيه مهدي بن هلال وهو متهم بوضع الحديث. وعمر بن هارون البلخي وهو متروك ومقاتل بن سليمان وهو متهم".

стр. 115

الثالث: عن حذيفة مرفوعا: قال البيهقي: "تفرد به بحر بن كنيز وهو متروك لا يحتج به". فأنت ترى أن هذه الأحاديث شديدة الضعف فلا ينجبر ضعفها بمجموعها كما هو معلوم عند الشوكاني وغيره فلا أدري ما الذي حمله على المخالفة؟! قوله تحت رقم ٤ -: ويرى الأحناف أن مس الذكر لا ينقض الوضوء لحديث طلق أن رجلا سأل النبي ﷺ عن رجل يمس ذكره هل عليه الوضوء؟ فقال: "لا إنما هو بضعة منك" رواه الخمسة وصححه ابن حبان. قلت: قوله ﷺ : "إنما هو بضعة منك" فيه إشارة لطيفة إلى أن المس الذي لا يوجب الوضوء إنما هو الذي لا يقترن معه شهوة لأنه في هذه الحالة يمكن تشبيه مس العضو بمس عضو آخر من الجسم بخلاف ما إذا مسه بشهوة فحينئذ لا يشبه مسه مس العضو الآخر لأنه لا يقترن عادة بشهوة وهذا أمر بين كما ترى وعليه فالحديث ليس دليلا للحنفية الذين يقولون بأن المس مطلقا لا ينقض الوضوء بل هو دليل لمن يقول بأن المس بغير شهوة لا ينقض وأما المس الشهوة فينقض بدليل حديث بسرة وبهذا يجمع بين الحديثين وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض كتبه على ما أذكر. والله أعلم.

стр. 116

ومن لا ينقض الوضوء ... ومن ما لا ينقض الوضوء قوله في صدد عد ما لا ينقضه: "أكل لحم الإبل وهو رأي الخلفاء الأربعة وكثير من الصحابة والتابعين إلا أنه صح الحديث بالأمر بالوضوء منه". ثم ذكره من حديث جابر بن سمرة والبراء بن عازب ثم قال: "وقال ابن خزيمة: لم أر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه وقال النووي: هذا المذهب أقوى دليلا وإن كان الجمهور على خلافه انتهى. إلا أنه يقال: كيف خفي حديث جابر والبراء على الخلفاء الراشدين والجمهور الأعظم من الصحابة والتابعين"! قلت: هذا الاستفهام لا طائل تحته بعد أن صح الحديث عنه ﷺ باعتراف المؤلف فلا يجوز تركه مهما كان المخالفون له في العدد والمنزلة فإن حديث رسول الله ﷺ إنما "يثبت بنفسه لا بعمل غيره من بعده" كما قال الإمام الشافعي على ما سبق في "المقدمة: القاعدة ١٤". وإني لأستغرب جدا من المؤلف هذا القول لأنه لا يتفق في شيء مع الغرض الذي من أجله وضع كتابه هذا وهو "جمع المسلمين على الكتاب والسنة والقضاء على الخلاف وبدعة التعصب للمذاهب" كما نص هو عليه في "المقدمة" بل إن قوله هذا تأييد عملي للمقلدة الذين يردون أحاديث الرسول ﷺ بمثل هذه الدعوى في أئمتهم١.

стр. 117

أقول: هذا على افتراض أن ما ذكره المؤلف عن الخلفاء الراشدين من مخالفة الحديث ثابت عنهم وإلا فإني أقول: أين السند الصحيح بذلك عنهم؟ وهذا أقل ما يجب على من يريد أن يرد حديث رسول الله ﷺ بمخالفة غيره له؟! وليس للمؤلف أي دليل أو سند في إثبات ذلك إلا اعتماده على ما ذكره النووي في "شرح مسلم" أنه: "ذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء يعني أكل لحم الجزور وممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة الراشدون ... ". وهذه الدعوى خطأ من النووي ﵀ قد نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال في "القواعد النورانية" ص ٩: "وأما من نقل عن الخلفاء الراشدين أو جمهور الصحابة أنهم لم يكونوا يتوضؤون من لحوم الإبل فقد غلط عليهم إنما توهم ذلك لما نقل عنهم أنهم لم يكونوا يتوضؤون مما مست النار وإنما المراد أن كل ما مست النار ليس سببا عندهم لوجوب الوضوء والذي أمر به النبي ﷺ من الوضؤ من لحوم الإبل ليس سببه مس النار كما يقال: كان فلان لا يتوضأ من مس الذكر وإن كان يتوضأ منه إذا خرج منه مذي". قلت: ويؤيد ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الطحاوي ١ / ٤١ والبيهقي ١ / ١٥٧ رويا عن جابر بن عبد الله ﵁ أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب أكلا خبزا ولحما فصليا ولم يتوضيا. ثم أخرجا نحوه عن عثمان والبيهقي عن علي. فأنت ترى أنه ليس في هذه الآثار ذكر للحم الإبل البتة وإنما ذكر فيها.

стр. 118

اللحم مطلقا وهذا لو كان عن رسول الله ﷺ لوجب حمله على غير لحم الإبل دفعا للتعارض فكيف وهو عن غيره ﷺ فحمله على غير لحم الإبل واجب من باب أولى حملا لأعمالهم على موافقة الشريعة لا على مخالفتها ولذلك أورد الطحاوي والبيهقي هذه الآثار في باب "الوضوء مما مست النار" ولم يوردها البيهقي في "باب التوضؤ من لحوم الإبل" وإنما قال فيه: "وروينا عن علي بن أبي طالب وابن عباس: الوضوء مما خرج وليس مما دخل وإنما قالا ذلك في ترك الوضوء مما مست النار". ثم روى البيهقي فيه بسنده عن ابن مسعود أنه أكل لحم جزور ولم يتوضأ ثم قال: "وهذا منقطع وموقوف وبمثل هذا لا يترك ما ثبت عن رسول الله ﷺ ". قلت: وبخاصة أنه ثبت عن الصحابة خلافه فقال جابر بن سمرة ﵁: كنا نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ١ / ٤٦ بسند صحيح عنه

стр. 119

ومن ما يجب له الوضوء قلت: ذكر فيه حديث: "لا يمس القرآن إلا طاهر" من طريقين ثم قال: "فالحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرا ولكن الطاهر لفظ مشترك يطلق على الطاهر من الحدث الأكبر والطاهر من الحدث الأصغر ويطلق على المؤمن وعلى من ليس على بدنه نجاسة ولا بد لحمله على معين من قرينة فلا يكون الحديث نصا في منع المحدث حدثا أصغر من مس المصحف". قلت: هذا الكلام اختصره المؤلف من كلام الشوكاني على الحديث في "نيل الأوطار" ١ / ١٨٠ - ١٨١ وهو كلام مستقيم لا غبار عليه إلا قوله في آخره: "فلا يكون الحديث نصا في منع المحدث حدثا أصغر من مس المصحف" فإنه من كلام المؤلف ومفهومه أن الحديث نص في منع المحدث حدثا أكبر من مس المصحف وهو على هذا غير منسجم مع سياق كلامه لأنه قال فيه: "ولا بد لحمله على معين من قرينة" فها هو قد حمله على المحدث حدثا أكبر فأين القرينة؟! فالأقرب - والله أعلم - أن المراد بالطاهر في هذا الحديث هو المؤمن سواء أكان محدثا حدثا أكبر أو أصغر أو حائضا أو على بدنه نجاسة لقوله ﷺ : "المؤمن لا ينجس" وهو متفق على صحته والمراد عدم تمكين المشرك من مسه فهو كحديث: "نهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو" متفق عليه أيضا وقد بسط القول في هذه المسالة الشوكاني قي كتابه السابق فراجعه إن شئت زيادة التحقيق. ثم إن الحديث قد خرجته من طرق في "إرواء الغليل" ١٢٢ فليراجعه من شاء.

стр. 120

ومن ما يستحب له الوضوء قوله تحت رقم ١ -: وعن علي كرم الله وجهه قال: كان رسول الله ﷺ يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويكل معنا اللحم ولم يكن يحجزه عن القران شيء ليس الجنابة. رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن السكن. قلت: الترمذي معروف عند العلماء بتساهله في التصحيح حتى قال الذهبي في ترجمة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف من "الميزان ": "ولهذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه". وكذلك ابن السكن ليس تصحيحه مما إليه يركن ولذلك لا بد من النظر في سند الحديث إذا صححه أحد هذين أو من كان مثلهما في التساهل كابن خزيمة وابن حبان حتى يكون المسلم على بصيرة من صحة حديث نبيه ﷺ وقد وجدنا في الأئمة ممن ضعف الحديث من هم أعلى كعبا في هذا العلم وأكثر عددا من الترمذي وابن السكن فقال النووي: "خالف الترمذي الأكثرون فضعفوا هذا الحديث". وقال المنذري في "مختصر السنن" ١ / ١٥٦: "وذكر أبو بكر البزار أنه لا يروى عن علي إلا من حديث عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة وحكى البخاري عن عمرو بن مرة: كان عبد الله - يعني: ابن

стр. 121

سلمة - يحدثنا فنعرف وننكر وكان قد كبر لا يتابع على حديثه. وذكر الإمام الشافعي هذا الحديث وقال: لم يكن أهل الحديث يثبتونه. قال البيهقي: وإنما توقف الشافعي في ثبوت هذا الحديث لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي وكان قد كبر وأنكر من حديثه وعقله بعض النكر وإنما روى هذا الحديث بعدما كبر قال شعبة: وذكر الخطابي أن الإمام أحمد كان يوهن حديث علي ويضعف أمر عبد الله بن سلمة". فهذا الإمام الشافعي وأحمد والبيهقي والخطابي قد ضعفوا الحديث فقولهم مقدم لوجوه: الأول: أنهم أعلم وأكثر. الثاني: أنهم قد بينوا علة الحديث وهي كون راويه قد تغير عقله وحدث به في حالة التغير فهذا جرح مفسر لا يجوز أن يصرف عنه النظر. الثالث: أنه قد عارضه حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه. رواه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما" فهو بعمومه يشمل حالة الجنابة وغيرها كما أن الذكر يشمل القرآن وغيره. وقد كنت قديما اعترضت على المؤلف لاحتجاجه بهذا الحديث واحتججت عليه بنحو ما ذكرت هنا ثم رد عل بأن الحافظ حسنه فتعجبت وقتئذ كيف قدم تحسين الحافظ على تضيف هؤلاء الأئمة مع كون هذا التضعيف موافقا لقواعد علم الحديث من رد حديث المختلط والمتغير كما تقدم بيانه في المقدمة.

стр. 122

والآن أعود فأذكر الأستاذ الفاضل بهذه الحقيقة ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. وقد زدت هذا البحت بيانا في "الإرواء" ٤٨٥ فمن شاء رجع إليه قوله تحت رقم ٦ -: وروي عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. قلت: هذا يوهم أن الترمذي - الذي من عادته أن يتكلم على الحديث تصحيحا أو تضعيفا - قد سكت على هذا الحديث وليس كذلك بل صرح عقب تخريجه بأن إسناده ضعيف. وقد يعتذر عن المؤلف بأنه استغنى عن ذكره اختصارا مكتفيا بالإشارة إلى ضعف الحديث بتصديره إياه بقوله: "روي". فأقول: هذا لا يكفي فإنا مأمورون بمخاطبة الناس على قدر ما يفهمون والتصدير المذكور أمر اصطلاحي عند المحدثين قليل من قراء هذا الكتاب من يعلم المقصود منه أو يتنبه له حتى المؤلف نفسه قد ذهل عن هذه الحقيقة حين نقل بعض الأحاديث عن الترغيب للمنذري مصدرة بهذه اللفظة: "روي" وعقب ذلك بقوله: "سكت عنه المنذري" مع أن المنذري ضعفه بهذا التصدير فإذا خفي هذا على المؤلف نفسه فلأن يخفى على قراء كتابه أولى ولا سيما أنه لم ينص في "المقدمة" على أن له هذا الاصطلاح كما فعل المنذري في مقدمة كتابه وقد نقلت كلامه في مقدمة هذه التعليقات "القاعدة: ١٣" فراجعها بل أنا في شك من أن يكون المؤلف قد عنى تضعيف الحديث بهذا التصدير الذي تبع فيه المنذري لما ذكرته.

стр. 123

آنفا ولما سيأتي في "الغسل من غسل الميت". ثم إن الحديث متفق على تضعيفه عند المحدثين وقد ذكرت نصوصهم في ذلك في كتابي "ضعيف سنن أبي داود" رقم ٩ ومنهم المنذري حيث صدره بصيغة روي وعنه نقله المؤلف بالحرف الواحد! هذا وتتميما للفائدة أذكر مواضع أخرى يستحب لها الوضوء لم يذكرها المؤلف وقد أوردتها في "الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب" ومنه نقلت الخلاصة الآتية: ١ - الوضوء عند كل حدث لحديث بريدة بن الحصيب قال: أصبح رسول الله ﷺ يوما فدعا بلالا فقال: "يا بلال بما سبقتني إلى الجنة؟ إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي؟ " فقال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين ولا أصابني حدث قط إلا توضأت عنده فقال رسول الله " ﷺ : "لهذا". رواه الترمذي والحاكم وابن خزيمة في "صحيحه" وإسناده صحيح على شرط مسلم واقتصر المنذزي على عزوه لابن خزيمة وحده وهو قصور! ٢ - الوضوء من القئ لحديث معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء: أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال: صدق أنا صببت له وضوءه. أخرجه الترمذي ١ / ١٤٢ - ١٤٣ وغيره بإسناد صحيح والاضطراب الذي وقع في سنده لا يعله لأن حسينا المعلم قد جوده كما قال الترمذي وأحمد راجع "نيل الأوطار" ١ / ١٦٤ وتعليق الشيخ أحمد محمد شاكر على الترمذي.

стр. 124

وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموعة الرسائل الكبرى" على استحباب الوضوء من القئ لهذا الحديث ٢ / ٢٣٤. ٣ - الوضوء من حمل الميت لقوله ﷺ : "من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ". وهو حديث صحيح جاء من طرق بعضها صحيح وبعضها حسن كما ذكرته في "إرواء الغليل" رقم ١٤٤ وقواه ابن القيم وابن القطان وابن حزم والحافظ راجع "التلخيص الحبير" ٢ / ١٣٤. ثم رأيت المؤلف قد احتج بالحديث على استحباب الغسل من غسل الميت فيما يأتي من كتابه فكأنه ذهل عن الاستدلال به لما ذكرته هنا.

стр. 125

ومن المسح على الخفين قوله تحت رقم ٢ -: وعن المغيرة بن شعبة أن رسول الله في ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين. رواه أحمد والطحاوي وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح وضعفه أبو داود. قلت: قال أبو داود في "سننه" بعد أن ساق الحديث: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين. قلت: فأنت ترى أن أبا داود إنما ضعفه لا لعلة في سند الحديث بل لمخالفته للمعروف عن المغيرة من مسحه ﷺ على الخفين ولا يخفى على العاقل أن هذا ليس بعلة تقدح في صحة الحديث لأن ثبوت مسحه ﷺ على الخفين لا

стр. 126

ينفي ثبوت مسحه ﷺ على الجوربين والنعلين فإذا روى هذا عن المغيرة ثقة وجب الأخذ به لعدم منافاته لما رواه غيره عن المغيرة من المسح على الخفين والواقع أن رواة هذا الحديث كلهم رواة ثقات وإسناده صحيح على شرط البخاري وقد قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في" الإمام ": "ومن يصححه يعتمد بعد تعديل أبي قيس راويه عن هذيل على كونه ليس مخالفا لرواية الجمهور مخالفة معارضة بل هو أمر زائد على ما رووه ولا يعارضه ولا سيما أنه طريق مستقل برواية هذيل عن المغيرة لم يشارك المشهورات في سندها" وهذا هو تحقيق القول في الحديث حسبما تقتضيه قواعد علم الحديث فلا تغتر بما ينقل عن بعض العلماء من تضيفه فإنه مبني على علة غير قادحة كما بينا ومن شاء زيادة في التحقيق فليراجع تحقيق الأستاذ أحمد محمد شاكر على "سنن الترمذي" ٢ / ١٦٧ - ١٦٨ و "الإروا" ١٠١ و "صحيح أبي داود" ١٤٧ و١٤٨. قوله أيضا عقب الحديث السابق: "والمسح على الجوربين كان هو المقصود وجاء المسح على النعلين تبعا". قلت: قد يوهم هذا الكلام أن المسح على النعلين غير جائز ودفعا لذلك أقول: قد صح عنه ﷺ المسح على النعلين استقلالا دون ذكر الجوربين من حديث علي بن أبي طالب وأوس بن أبي أوس الثقفي وابن عمر وصححه ابن القطان كما في "شرح علوم الحديث" للعراقي ص ١٢ وقد تكلمت على أسانيدها في "صحيح سنن أبي داود" رقم ١٥٠ و١٥٦.

стр. 127

فهذه الأحاديث تدل على جواز المسح على النعلين أيضا وقد ثبت ذلك عن بعض السلف أيضا كما يأتي قريبا ففيه دليل واضح على عدم اشتراط كون الخف ساترا لمحل الفرض كما نقله المؤلف عن شيخ الإسلام ص ١٠٦. قوله: "يبطل المسح على الخفين: ١ انقضاء المدة. ٢ الجنابة. ٣ نزع الخف". قلت: الأمر الثاني دليله حديث صفوان - بن عسال المتقدم في الكتاب في بحث نواقض الوضوء / النوم المستغرق. وأما الأمر الأول والثالث فلا دليل عليهما البتة ولذلك قال شيخ الإسلام في "الاختيارات" ص ٩: "لا ينقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما ولا بانقضاء المدة ولا يجب عليه مسح رأسه ولا شمل قدميه وهو مذهب الحسن البصري كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور". قلت: وما ذكره عن الحسن البصري علقه البخاري عنه في "صحيحه" ١ / ٢٢٥ فقال: "وقال الحسن: إن أخذ من شعره وأظفاره أو خلع خفيه فلا وضوء عليه". قال الحافظ: "التعليق عنه للمسألة الأولى وصله سعيد بن منصور وابن المنذر بإسناد صحيح وأما التعليق عنه للمسألة الثانية فوصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ووافقه على ذلك إبراهيم النخعي وطاوس وقتادة وعطاء وبه كان يفتي سليمان بن حرب وداود".

стр. 128

قلت: وهذا مذهب علي بن أبي طالب أيضا فقد أخرج البيهقي ١ / ٢٨٨ والطحاوي في "شرح المعاني" ١ / ٥٨ عن أبي ظبيان أنه رأى عليا ﵁ بال قائما ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه ثم دخل المسجد فخلع نعليه ثم صلى زاد البيهقي: "فأم الناس". وإسنادهما صحيح على شرط الشيخين. وفيه دليل على جواز المسح على النعلين وقد صح ذلك عن النبي ﷺ في أحاديث سبقت الإشارة إليها.

стр. 129

ومن الغسل قوله تحت الفقرة أمن موجباته: قال رسول الله ﷺ : "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد". قلت: أورده من حديث ابن عباس في قصة له مع بعض أصحابه من التابعين وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه وابن عبد البر في "جامع العلم" عنه مرفوعا دون القصة وقال الترمذي: "حديث غريب" يعني ضعيف ونقل المناوي عن الحافظ العراقي أنه قال: "إسناده ضعيف جدا". وهو كما قال وبيانه في التعليق على "المشكاة" ٢١٧. وأما القصة فلم أقف الآن على سندها للنظر فيه وما أظنها تصح وفيها نكارة والله أعلم.

стр. 130

ومن ما يحرم على الجنب قوله: " ... ولا مانع من مس ما اشتمل على آيات من القرآن كالرسائل وكتب التفسير والفقه وغيرها فإن هذه لا تسمى مصحفا ولا تثبت لها حرمته". قلت: هذا الجواب مبني على القول بحرمة مس المصحف من الجنب والمصنف لم يذكر دليلا عليه ههنا ولكنه أشار في "فصل: ما يجب له الوضوء" أن الدليل هو قوله ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهر" مع أنه صرح هناك بأن لفظة "طاهر" مشترك يحتمل معاني شتى وأنه لا بد من حمله على معنى معين من قرينة ثم حمله هو على غير الجنب بغير قرينة وقد رددنا عليه هناك بما فيه كفاية وبينا المراد من الحديث هناك وأنه لا يدل على تحريم مس القرآن على المؤمن مطلقا. فراجعه. والبراءة الأصلية مع الذين قالوا بجواز مس القران من المسلم الجنب وليس في الباب نقل صحيح يجيز الخروج عنها. فتأمل. قوله: "يحرم على الجنب أن يقرأ شيئا من القرآن عند الجمهور لحديث علي أن رسول الله ﷺ كان لا يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي وغيره قال الحافظ في "الفتح": وضعف بعضهم بعض رواته والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة". قلت: كلا بل هو من قبيل الضعيف الذي لا تقوم به حجة لأنه تفرد به عبد الله بن سلمة وقد كان تغير بآخر عمره باعتراف الحافظ ابن حجر نفسه في "التقريب" وفي هذه الحالة كان قد حدث بهذا الحديث كما سبق بيانه في فصل

стр. 131

" ما يستحب له الوضوء" وهي علة قوية تورث شبهة في ثبوت الحديث تمنع من الاحتجاج به سيما وقد ثبت عن عائشة ما يعارضه وقد ذكرته ثم وليس له ما يشهد له من الطرق ما يصلح لتقويته مثل قول المؤلف عقبه: "وعنه قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ ثم قرأ شيئا من القرآن ثم قال: "هكذا لمن ليس بجنب فأما الجنب فلا ولا آية".رواه أحمد وأبو يعلى وهذا لفظه قال الهيثمي: رجاله موثقون". قلت: فإن لهذه الطريق علتين: الضعف والوقف. أما الضعف فسببه أن في سنده عامر بن السمط أبا الغريف ولم يوثقه غير ابن حبان وهو مشهور بالتساهل في التوثيق كما بينته في "المقدمة" وقد خالفه من هو أعرف بالرجال منه وهو أبو حاتم الرازي فقال في أبي الغريف هذا: "ليس بالمشهور ... قد تكلموا فيه من نظراء أصبغ بن نباتة". وأصبغ هذا لين الحديث عند أبي حاتم ومتروك عند غيره ومنهم الحافظ ابن حجر فثبت ضعفه. وأما الوقف فقد أخرجه الدارقطني وغيره عن أبي الغريف عن علي موقوفا عليه كما بينت ذلك في "ضعيف سنن أبي داود" رقم ١٣١. فقد عاد الحديث إلى أنه موقوف مع ضعف إسناده فلا يصلح شاهدا للمرفوع الذي قبله بل لعل هذا أصله موقوف أيضا أخطأ في رفعه ولفظه عبد الله ابن سلمة حين رواه في حالة التغير وهذا محتمل فسقط الاستدلال بالحديث على التحريم ووجب الرجوع إلى الأصل وهو الإباحة وهو مذهب داود وأصحابه واحتج له ابن حزم ١ / ٧٧ - ٨٠ ورواه عن ابن عباس وسعيد بن

стр. 132

المسيب وسعيد بن جبير وإسناده عن هذا جيد رواه عنه حماد بن أبي سليمان قال: سألت سعيد بن جبير عن الجنب يقرأ؟ فلم يربه بأسا وقال: أليس في جوفه القرآن؟ وقرن البغوي في "شرح السنة" ٢ / ٤٣ مع القائلين بالجواز عكرمة أيضا لكن لا يخفى أن الأمر لا يخلو من كراهة لحديث: "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر". انظر "الصحيحة" ٨٣٤.والله أعلم. قوله: "يحرم على الجنب أن يمكث في المسجد لحديث عائشة قالت: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد ... فإني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب". رواه أبو داود. وعن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته: "إن المسجد لا يحل لحائض ولا لجنب". رواه ابن ماجه والطبراني". قلت: سوق الحديث على هذه الصورة يوهم القارئ أنهما حديثان بإسنادين متغايرين أحدهما عن عائشة والآخر عن أم سلمة وليس كذلك بل هما حديث واحد بإسناد واحد مداره على جسرة بنت دجاجة اضطربت في روايته فمرة قالت: "عن عائشة" ومرة: "عن أم سلمة" والاضطراب مما يوهن به الحديث كما هو معروف عند المحدثين لأنه يدل على عدم ضبط الراوي وحفظه. يضاف إلى ذلك أن جسرة هذه لم يوثقها من يعتمد على توثيقه بل قال البخاري: "عندها عجائب" ولذلك ضعف جماعة هذا الحديث كما قال الخطابي. وقال البيهقي: " ليس بالقوي لما" وقال عبد الحق:

стр. 133

" لا يثبت" وبالغ ابن حزم فقال: "إنه باطل"١. وللحديث شاهدان لا ينهضان لتقويته ودعمه لأن في أحدهما متروكا وفي الآخر كذابا وقد خرجتهما وفصلت القول فيهما في "ضعيف سنن أبي داود" رقم ٣٢ والقول عندنا في هذه المسألة من الناحية الفقهية كالقول في مس القرآن من الجنب للبراءة الأصلية وعدم وجود ما ينهض على التحريم وبه قال الإمام أحمد وغيره قال البغوي في "شرح السنة" ٢ / ٤٦: "وجوز أحمد والمزني المكث فيه وضعف أحمد الحديث لأن راويه أفلت مجهول وتأول الآية على أن عابري السبيل هم المسافرون تصيبهم الجنابة فيتيممون ويصلون وقد روي ذلك عن ابن عباس". قوله: "وعن يزيد بن حبيب أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم إلى المسجد فكانت تصيبهم جنابة فلا يجدون الماء ولا طريق إليه إلا من المسجد فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ رواه ابن جرير". قلت: كذا في الأصل: "ابن حبيب" ولعله خطأ مطبعي والصواب: "ابن أبي حبيب" كما في "تفسير ابن جرير" وكتب الرجال وهو أبو رجاء المصري وكان فقيها من ثقات التابعين إلا أنه كان يرسل فهذه الرواية معللة بالإرسال فلا يفرح بها.

стр. 134

ومن الأغتسال المستحبة ... ومن الأغسال المستحبة قوله تحت رقم ١ -: "وقد ذهب جماعة من العلماء إلى القول بوجوب الغسل للجمعة ... ". قلت: وهو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه لأن الأحاديث الدالة عليه أقوى إسنادا وأصرح في الدلالة من الأحاديث التي استدل بها المخالفون على الاستحباب فانظر مثلا استدلالهم بحديث عمر المذكور في الكتاب فإنه لا حجة لهم فيه بل هو عليهم لأن إنكار عمر على رأس المنبر في ذلك الجمع الحافل على مثل ذلك الصحابي الجليل وتقرير جميع الحاضرين من الصحابة وغيرهم لما وقع من ذلك الإنكار لهو من أعظم الأدلة القاضية بأن الوجوب كان معلوما عند الصحابة ولو كان الأمر عندهم على عدم الوجوب لما عول ذلك الصحابي في الاعتذار على غيره فأي تقرير من عمر ومن حضر بعد هذا الإنكار؟! وكذلك استدلالهم بحديث أبي هريرة: "من توضأ فأحسن الوضوء ... " فقد أجاب عنه الحافظ نفسه بقوله في "الفتح ": "ليس فيه نفي الغسل وقد ورد من وجه آخر في الصحيح بلفظ: "من اغتسل" فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدم غسله على الذهاب فاحتاج إلى إعادة الوضوء". وجملة القول أن الأحاديث المصرحة بوجوب غسل الجمعة فيها حكم زائد على الأحاديث المفيدة لاستحبابه فلا تعارض بينها والواجب الأخذ بما تضمن الزيادة منها وراجع تفصيل هذا البحث في "نيل الأوطار" للشوكاني و "المحلى" لابن حزم.

стр. 135

قوله تحت رقم ٣ -: "لما روي عن عمر قال: كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل رواه الخطيب بإسناد صحيح". قلت: لا شك أن إسناده صحيح لكن تصديره بقوله: "روي" لا يتفق مع ما اصطلح عليه المحدثون من أن هذه الصيغة ونحوها إنما يصدر بها الحديث الضعيف فهذا يدلنا على أن المؤلف لم يراع هذا الاصطلاح ههنا فهل يا ترى يرعاه حين يصدر الحديث بهذه الصيغة ويسكت عنه كما فعل في الحديث المتقدم ص ٤٤؟ أنا في شك من ذلك كما ذكرته هناك. والله أعلم. ثم إن المؤلف تبع الحافظ ابن حجر في "التلخيص" أو من نقل ذلك عنه في اقتصار عزوه للخطيب يعني في "تاريخه" وذلك يوهم أنه ليس عند من هو أعلى طبقة منه وكتابه أشهر من كتابه وليس كذلك فقد أخرجه الدارقطني أيضا في "سننه" ص ١٩١ وهي فائدة أحببت أن أنبه عليها. وقوله: "ولما غسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق ﵁ حين توفي خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: إن هذا يوم شديد البرد وأنا صائمة فهل علي من غسل؟ قالوا: لا رواه مالك". قلت: جزمه بان أسماء غسلت زوجها ... الخ. يوهم أن القصة صحيحة الإسناد وليس كذلك لانقطاعه فإن مالكا أخرجها في "الموطأ" ١ / ٢٢٢ - ٢٢٣ عن عبد الله بن أبي بكر أن أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر الصديق حين توفي ثم خرجت ... وعبد الله بن أبي بكر هذا ليس هو ابن أبي بكر الصديق كما قد يتوهم بل

стр. 136

هو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري وهو ثقة إمام من شيوخ مالك ولكنه لم يدرك أسماء بنت عميس فإن وفاتها قبل سنة خمسين وولادة عبد الله بعد سنة ستين كما يستفاد من "التهذيب" وغيره. ولو صح هذا الأثر لكان ظاهر الدلالة على وجوب هذا الاغتسال كما هو مذهب ابن حزم لأنهم إنما أفتوها بتركه لعذر البرد الشديد مع كونها صائمة فتأمل. فائدة: ههنا أغسال ثابتة لم يتعرض المؤلف لذكرها فرأيت من الفائدة أن لا نغفلها: ١ - الاغتسال عند كل جماع لحديث أبي رافع أن النبي ﷺ طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه قال: فقلت: يا رسول الله! ألا تجعله واحدا؟ قال: "هذا أزكى وأطيب وأطهر" رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن ولذلك أوردته في "صحيح أبي داود" وذكرت فيه أن الحافظ ابن حجر قواه واستدل به على ما ذكرنا. ٢ - اغتسال المستحاضة لكل صلاة أو للظهر والعصر جميعا غسلا وللمغرب والعشاء جميعا غسلا وللفجر غسلا لحديث عائشة قالت: إن أم حبيبة استحيضت في عهد رسول الله ﷺ فأمرها بالغسل لكل صلاة ... الحديث وفي رواية عنها: استحيضت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فأمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر وتغتسل لهما غسلا واحدا وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا وتغتسل لصلاة الصبح غسلا وإسناد هذه الرواية صحيح على شرط الشيخين والأولى صحيح فقط كما بينته في "صحيح السنن" رقم ٣٠٠ و٣٠٥.

стр. 137

٣ - الاغتسال بعد الإغماء لحديث عائشة ﵂ قالت: ثقل رسول الله ﷺ فقال: "أصلى الناس؟ " فقلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله فقال: "ضعوا لي ماء في المخضب". قالت: ففعلت فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: "أصلى الناس؟ " فقلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله فقال: "ضعوا لي الماء في المخضب". قالت: ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق قال: "أصلى الناس؟ " فقلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله. فذكرت إرساله إلى أبي بكر وتمام الحديث. متفق عليه كما في "المنتقى" أورده في "باب: غسل المغمى عليه إذا أفاق". قال الشوكاني ١ / ٢١٢: "وقد ساقه المصنف ههنا للاستدلال به على استحباب الاغتسال للمغمى عليه وقد فعله النبي ﷺ ثلاث مرات وهو مثقل بالمرض فدل ذلك على تأكد استحبابه". ٤ - الاغتسال من دفن المشرك لحديث علي بن أبي طالب أنه أتى النبي ﷺ فقال: إن أبا طالب مات فقال: "اذهب فواره" فلما واريته رجعت إليه فقال لي: "اغتسل". أخرجه النسائي وغيره بسند صحيح وله إسناد آخر صحيح أيضا وفيه زيادات وقد أوردته في "المبحث" ٧٩ فقرة "ب" من كتابي "أحكام الجنائز" وقد فرغت منه قريبا. ثم طبع والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

стр. 138

ومن غسل المرأة قوله:"فعن عائشة أن أسماء بنت يزيد سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض قال: "تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر ... ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها". قالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ قال: "سبحان الله تطهري بها" ... وسألته عن غسل الجنابة فقال: "تأخذين ماءك" ... فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. رواه الجماعة إلا الترمذي". قلت: فيه وهمان: الأول: أن جماعة المذكورين لم يرووا الحديث بتمامه وإنما رواه كذلك من بينهم مسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد ٦ / ١٤٧ - ١٤٨ والسياق له. وأما بقية الجماعة وهم البخاري والنسائي فإنما أخرجا القسم الأول منه دون السؤال عن غسل الجنابة وهذا القدر هو الذي عزاه في "المنتقى" ١ / ٢١٧ - ٢١٨ بشرح الشوكاني لرواية الجماعة إلا الترمذي. وروى البخاري معلقا قول عائشة في آخره: "نعم النساء ... " فقال الحافظ في "شرحه" ١ / ٨٤ ا: "هذا التعليق وصله مسلم ... عن عائشة في حديث أوله: أن أسماء بنت يزيد الأنصاري سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض ... ". فهذا مما يدلك على وهم نسبته الحديث برمته إلى البخاري. وقد وقع في هذا الوهم الشيخ محمود السبكي أيضا في "الدين الخالص" ١ / ٣١٣ والظاهر أنهما قلدا غيرهما فيه.

стр. 139

الثاني: أنه ليس عند أحد المذكورين ممن روى الحديث مختصرا أو تاما أن السائلة هي أسماء بنت يزيد بل هي عندهم أسماء غير منسوبة وبعضهم لم يسمها مطلقا اللهم إلا في رواية لمسلم ١ / ١٨٠ فإنه سماها: "أسماء بنت شكل" وما تقدم عن الحافظ أنها عند مسلم: "أسماء بنت يزيد الأنصاري" وهم منه ﵀ ولعله منشأ وهم المؤلف أو من نقل هو عنه والله أعلم. ثم إن الحديث صريح في التفريق بين غسل المرأة في الحيض وغسلها من الجنابة حيت أكد على الحائض أن تبالغ في التدليك الشديد والتطهير ما لم يؤكد مثله في غسلها من الجنابة كما أن حديث أم سلمة المذكور في الكتاب دليل على عدم وجوب النقض في غسلها من الجنابة وهو المراد في حديث عبيد بن عمير عن عائشة بقرينة اغتسالها مع النبي ﷺ فلا تعارض بين الأحاديث على هذا التفصيل فيجب النقض في الحيض ولا يجب في الجنابة خلافا لما ذهب إليه المصنف وعلى مذهبه يلزم رد حديث عائشة بدون حجة ولا يجوز. وقد ذهب إلى التفصيل المذكور الإمام أحمد وصححه ابن القيم في "تهذيب السنن" فراجعه ١ / ١٦٥ - ١٦٨ وهو مذهب ابن حزم ٢ / ٣٧ – ٤٠.

стр. 140

ومن مسائل تتعلق بالغسل قوله: "١ - يجزئ غسل واحد عن حيض وجنابة أو عن جمعة وعيد أو عن جنابة وجمعة إذا نوى الكل لقول رسول الله ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى" ". قلت: الذي يتبين لي أنه لا يجزىء ذلك بل لا بد من الغسل لكل ما يجب الغسل له غسلا على حدة فيغتسل للحيض غسلا وللجنابة غسلا آخر أو للجنابة غسلا وللجمعة غسلا آخر لأن هذه الأغسال قد قام الدليل على وجوب كل واحد منها على انفراده فلا يجوز توحيدها في عمل واحد ألا ترى أنه لو كان عليه قضاء شهر رمضان أنه لا يجوز له أن ينوي قضاءه مع صيامه لشهر رمضان أداء وهكذا يقال في الصلاة ونحوها والتفريق بين هذه العبادات وبين الغسل لا دليل عليه ومن ادعاه فليتفضل بالبيان. واستدلال المصنف بقوله ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى" لا وجه له ههنا وليس له العموم الذي نزع إليه المصنف إذ المعنى: له ما نوى من النية الصالحة أو الفاسدة في العمل المشروع بمعنى أن العمل المشروع لا يكون مقبولا عند الله إلا إذا كانت النية فيه صالحة بخلاف ما إذا كانت النية فاسدة. مثل أن يقصد به غير وجه الله تعالى فحينئذ لا يقبل عمله ويدلك على أن هذا هو المراد من الحديث تمامه وهو: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله وهذه هي النية الصالحة ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها وهذه هي النية الفاسدة فهجرته إلى ما هاجر إليه". وخلاصة القول أن الحديث إنما يدل على صلاح العمل الذي ثبت في

стр. 141

الشرع جوازه إذا اقترنت به النية الصالحة وأما أنه يدل على صلاح ما لم يثبت جوازه بدليل خاص لمجرد اقترانه بالنية الصالحة فلا دليل فيه البتة وهذا بين لا يخفى. وقد عكس ابن حزم فاستدل بالحديث على ما ذهبنا إليه فقال بعد أن ذكر أن من أجنب يوم الجمعة فلا يجزيه إلا غسلان غسل ينوي به الجنابة وغسل آخر ينوي به الجمعة ... الخ. قال ٢ / ٤٣: "برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقول رسول الله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" فصح يقينا أنه مأمور بكل غسل من هذه الأغسال فإذ قد صح ذلك فمن الباطل أن يجزئ عمل عن عملين أو أكثر وصح يقينا أنه إن نوى أحد ما عليه من ذلك فإنما له بشهادة رسول الله ﷺ الصادقة الذي نواه فقط وليس له ما لم ينوه فإن نوى بعمله ذلك غسلين فصاعدا فقد خالف ما أمر به لأنه مأمور بغسل تام لكل وجه من الوجوه التي ذكرنا فلم يفعل ذلك والغسل لا ينقسم فبطل عمله كله لقول رسول الله ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". ثم ذكر أنه ذهب إلى ما اختاره من عدم الإجزاء جماعة من السلف منهم جابر بن زيد والحسن وقتادة وإبراهيم النخعي والحكم وطاوس وعطاء وعمرو بن شعيب والزهري وميمون بن مهران قال: "وهو قول داود وأصحابنا". وقد ساق الآثار بذلك عنهم فراجعها ويحسن أن يلحق بهم أبو قتادة الأنصاري ﵁ فقد روى الحاكم ١ / ٢٨٢ من طريق يحمص بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة قال:

стр. 142

دخل علي أبى وأنا أغتسل يوم الجمعة فقال: غسل من جنابة أو للجمعة؟ قال: قلت: من جنابة قال: أعد غسلا آخر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى". وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين". ووافقه الذهبي! فلو كان أبو قتادة يرى إجزاء الغسل الواحد عن الغسلين لما أمره بإعادة غسل واحد للجمعة بل لقال له: انو في غسلك من الجنابة الغسل للجمعة أيضا. لكن في صحة الإسناد المذكور نظر لأن يحيى بن أبي كثير مدلس وقد عنعنه ثم إن في الطريق إليه هارون بن مسلم العجلي وليس من رجال الشيخين بل ولا روى له أحد من الستة شيئا وقد قال فيه الحاكم عقب هذا الحديث: "ثقة روى عنه أحمد بن حنبل وعبد الله بن عمر القواريري". وروى عنه جماعة آخرون وذكره ابن حبان في "الثقات" وأخرج له هو وابن خزيمة في "صحيحيهما" كما في "التهذيب" وقال: قال أبو حاتم: "فيه لين". وقال في "التقريب ": "صدوق". فالظاهر أنه حسن الحديث على الأقل وقد رواه من طريقه الطبراني في "الأوسط" كما في "المجمع" ٢ / ١٧٤ وقال: "وفيه هارون بن مسلم قال أبو حاتم: فيه لين. ووثقه الحاكم وابن حبان وبقية رجاله ثقات".

стр. 143

ثم خرجته في "الصحيحة" ٢٣٢١. قوله: "٢ - إذا اغتسل من الجنابة ولم يكن قد توضأ يقوم الغسل عن الوضوء قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل. وعن ابن عمر أنه قال لرجل قال له: إني أتوضأ بعد الغسل؟ فقال له: لقد تعمقت". قلت: في هذا الاستدلال نظر أما الأثر عن ابن عمر فموقوف ولا حجة فيه إن صح ثم الظاهر أن المراد منه ما يراد من الحديث وهو أن السنة الوضوء قبل الغسل لا بعده بدليل حديثها الآخر قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم اغتسل ... الحديث. أخرجه الشيخان وغيرهما. ولا شك أن من توضأ قبل الغسل ثم بعده فهو تعمق ومن اقتصر على الوضوء بعده فهو مخالف للسنة فليس إذن في حديث عائشة أنه ﷺ كان لا يتوضأ في الغسل مطلقا ولو كان كذلك لصح الاستدلال به وإذ لا فلا. فالأولى الاستدلال بحديث جابر بن عبد الله: أن أهل الطائف قالوا: يا رسول الله إن أرضنا أرض باردة فما يجزئنا من غسل الجنابة؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثا". رواه مسلم وغيره. وبه استدل البيهقي للمسألة فقال في "سننه" ١ / ١٧٧: "باب: الدليل على دخول الوضوء في الغسل ... " وهذا ظاهر من الحديث فإذا ضم إليه حديث عائشة الذي أورده المؤلف - وهو صحيح كما بينته في "صحيح سنن أبي داود" برقم ٢٤٤ - ينتج منهما أنه ﷺ كان يصلي بالغسل الذي لم يتوضأ فيه ولا بعده. والله أعلم.

стр. 144

قوله: "وقال أبو بكر بن العربي: لم يختلف العلماء أن الوضوء داخل تحت الغسل وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحدث ... ". قلت: بلى قد اختلف العلماء في ذلك وابن العربي إنما قال ما علم, ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ فقد قال الحافظ في "الفتح" ٢ ١ / ٢٨٧: "ونقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل وهو مردود فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث". قال الشوكاني عقبه: "وهو قول أكثر العلماء وإلى القول الأول - أعني: عدم وجوب الوضوء مع الغسل ودخول الطهارة الصغرى تحت الكبرى - ذهب زيد بن علي ولا شك في مشروعية الوضوء مقدما على الغسل كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة وأما الوجوب فلم يدل عليه دليل والفعل بمجرده لا ينتهض للوجوب نعم يمكن تأييد القول الثاني بالأدلة القاضية بوجوب الوضوء". قلت: وعدم الوجوب هو مذهب ابن حزم خلافا لما قد يظن راجع المحلى ٢ / ٢٨. قوله: "٤ - لا بأس بدخول الحمام إن سلم الداخل من النظر إلى العورات وسلم من نظر الناس إلى عورته". قلت: هذا الكلام بإطلاقه يشمل كل من يدخل الحمام ولو كان من النساء ولا سيما أن المؤلف لم يستثنهن من الحكم المذكور فعليه أقول: لا يجوز إشراك النساء في هذا الحكم بل الحمام - والمقصود به ما كان خارج الدار طبعا - حرام عليهن مطلقا لقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته

стр. 145

الحمام". رواه الترمذي وحسنه وله شواهد كثيرة تراجع في "الترغيب". وعن أبي المليح قال: دخل نسوة من أهل الشام على عائشة ﵂ فقالت: من أنتن؟ قلن: من أهل الشام قالت: لعلكن من الكورة التي تدخل نساؤها الحمامات؟ قلن: نعم قالت: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله تعالى". رواه أصحاب "السنن" الأربعة إلا النسائي وإسناده صحيح على شرط الشيخين وراجع "صحيح الترغيب" ١ / ١٤١ / ١٥٧ - ١٦٥ - طبعة مكتبة المعارف الرياض وهي طبعة جديدة منقحة ومزيدة. وأما استثناء المريضة والنفساء كما جاء في حديث ابن عمرو عند أبي داود وغيره فلا يصح سنده كما هو مبين في "غاية المرام" ١٩٢ وغيره.
следующие страницы →